الكلام الإسلامي المعاصر

الكلام الإسلامي المعاصر

تـاليف

د. الشيخ عبد الحسين خسروبناه

ترجمة

محمد حسين الواسطي

مقدمة المركز

اختلفت الآراء  في تعريف علم الكلام الجديد: هل هو امتداد للكلام القديم ليكون مسائل كلامية جديدة ومستحدثة، أم انّه مختلف جذرياً عن الكلام القديم في المنهج والمسائل والبنى، وإن اشترك معه في الهدف، عدا ما يراه البعض من انّ هذا المصطلح وليد العالم الشرقي الذي أدهشته صدمة الحضارة الغربية بما فيها من معارف جديدة وتقنيات حديثة أثّرت على نمط الحياة والفكر، وإلّا فالغرب لا يوجد فيه كلام جديد أو قديم.

مع قطع النظر عن الخوض في تفاصيل الموضوع وتأييد هذا أو ذاك، باتت ضرورة الاهتمام بمسائل علم الكلام الجديدة حتمية لما لها من رواج وإقبال واسع في الوسط العلمي الجامعي وطبقة المثقفين، مما أدّى الى إرفاد المكتبة الاسلامية بعشرات الكتب والدراسات الجادّة في هذا المضمار.

وقد حاول مؤلّف هذا الكتاب (الكلام الاسلامي المعاصر) سماحة الشيخ الدكتور عبدالحسين خسروبناه، سبر أغوار هذا العلم بطريقة مبتكرة، حيث مزج بين القديم والجديد، وجعل الواحد تلو الآخر ومكملاً له في باقة عطرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وقد أخذ المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية – المهتم برسم الاستراتيجيات الدينية والمعرفية – على عاتقه الاهتمام بمسائل العقيدة وعلم الكلام بشقّيه: القديم والجديد، لما له من دور محوري في سعادة الانسان الدنيوية والأُخروية، سيما ونحن نعيش الثورة المعلوماتية وما أنتجته من (عولمة الشبهات).

من هذا المنطق قمنا بترجمة هذا الكتاب تعميماً للفائدة ورفداً للمكتبة العربية بالدراسات الجادة في الدفاع عن العقيدة، ونحن إذ نقدم هذا الكتاب إلى القرّاء الكرام، نتقدّم بالشكر والامتنان لمؤلفه الفاضل حيث وافق على ترجمته، وكذلك المترجم الفاضل سماحة الشيخ محمد حسين الواسطي حيث أجاد في عمله، وكذلك من أعانه في الترجمة الأخ الفاضل محمد مجتبى الجعفري، والاستاذ أسعد الكعبي، حيث ترجم قسم المعاد، علماً بأنّنا لم نترجم ما أورده المؤلف الفاضل حول الحضارة الاسلامية (وهو الباب السادس من الكتاب) لملاحظات فنية، بأمل أن تطبع مستقلة لاحقاً.

ونحن إذ نثمّن هذه الجهود، نتمنّى للمؤلف دوام التوفيق ومتابعة الأمر والمثابرة في الدفاع عن العقيدة، كما نعتقد انّه جهد بشري يعتريه ما يعتري البشر من السهو والخطأ والنسيان، والعصمة لله وحده ولمن اصطفاه.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

النجف الاشرف

مدير المركز

ذو القعدة الحرام 1440 هـ

تصدير

شغلت فصول «الكلام الإسلاميّ المعاصر» لعدّة سنوات حيّزاً من اهتمامي، وتمنيّتُ أن أوفّق ـ يوماً ما ـ لجمع شتات الأبحاث الكلاميّة التقليديّة والجديدة في كتاب واحد، بنسق وترتيب منطقيّ. لقد اعتاد ـ وللأسف ـ أساتذة علم الكلام في الجامعات والحوزات العلميّة وغيرها على الفصل في محاضراتهم بين مادّةٍ تتناول قضايا الكلام التقليديّ كما في كتاب «كشف المراد» مثلاً، ومادّة أخرى تستعرض قضايا «الكلام الجديد»، فتُدرَّس كلّ من المادّتين في وحدات دراسيّة مستقلّة، دون أيّ حلقة وصل بينهما.

والهاجس المهمّ هنا هو أن نتساءل: ألا ينبغي أن يؤدّي تدفّق مسائل الإلهيّات الغربيّة الحديثة المسمّاة ﺑ «الكلام الجديد» على العالم الإسلاميّ إلى تحريك الفكر الكلاميّ الإسلاميّ نحو إعادة هيكلة، تنتظم فيها مسائله التقليديّة مطعّمةً بهذه الأبحاث الجديدة، ضمن نظام متناغم وموحّد؟! ألم تكن الشبهات والمسائل الكلاميّة التقليديّة تَتْرى على العالم الإسلاميّ قديماً، وتَرِده من أقصى الشرق والغرب؟! هل انبثقت شبهات الثنويّة، والجبريّة، وغيرها، في عالمنا الإسلاميّ من تلقاء نفسها؟ أم أنها وليدة الاحتكاك الفكريّ بين المسلمين وغيرهم من الديانات الأخرى؟! لا شكّ في أنّ علاقات المسلمين الأوائل مع أبناء الديانات الأخرى ـ كالهندوسيّة، والزرادشتيّة، والنصرانيّة، واليهوديّة ـ قد أفضت إلى دخول عدد من الأبحاث الكلاميّة في العالم الإسلاميّ، الأمر الذي اضطرّ المتكلّمين المسلمين ـ في كلّ عصر ـ إلى بلورة مباحث هذا العلم ضمن هيكليّة حديثة، تضع القضايا القديمة إلى جانب القضايا المستحدثة ضمن نظام معرفيّ جديد. وهذا هو الذي أدّى إلى تنوّع المنهج المتّبع في أمّهات المصادر الكلاميّة القديمة؛ مثل: «أوائل المقالات» للشيخ المفيد (413ﻫ)، و«الذخيرة في علم الكلام» للسيّد المرتضى (436ﻫ)، و«تمهيد الأصول» للشيخ الطوسيّ  (460ﻫ)، و«تقريب المعارف» لأبي الصلاح الحلبيّ (447ﻫ)، و«تجريد العقائد» للمحقّق الطوسيّ (672ﻫ).

وليس الحال في عصرنا يشطّ عن هذا؛ فقد أدّى ورود المسائل الكلاميّة المستحدثة إلى ولادة مناخ جديد، يستدعي منّا التفكير في حلّ ناجع، ونظام كلاميّ عصريّ، يجمع بين دفّتيه القضايا التقليديّة والجديدة معاً. وتتأكّد ضرورة ذلك بملاحظة ما يطرأ على علم الكلام من مسائل، من خلال ما نشهده من تطوّر العلوم والمعارف التي تؤدّي ـ بدورها ـ إلى توسيع دائرة الكلام نفسه، وما يقابله من تأثير الكلام على نموّ العلوم الأخرى. إنّنا اليوم، وفي ظلّ البلوغ العلميّ الذي أحدثه الشيعة اليوم في المجتمع، وما نشهده في عصرنا من الاهتمام بتطوير العلوم التجريبيّة والإنسانيّة بمناحيها الدينيّة، مطالبون ببذل مزيد من الاهتمام والعناية بتطوير علم الكلام، خاصّة لما يتحلّى به هذا العلم من دور تنظيريّ وتأسيسيّ لسائر العلوم.

ولا يخفى أنّ هذه النقلة النوعيّة في العلوم لا تتأتّى إلاّ من خلال التعريف بالتراث الإسلاميّ في شتّى مجالات العلوم التجريبيّة والإنسانيّة، من أجل ترسيخ الإيمان بالذات، والتحلّي بروح الشجاعة العلميّة، ونقد النماذج والأنماط الفكريّة للعلوم الغربيّة، مستعينين بذلك، وبالنماذج الفكريّة الغربيّة الموافقة، ومن خلال الاعتماد على الأسس الفلسفيّة والكلاميّة، والرؤية الكونيّة الإسلاميّة. ولا شكّ في أنّ كشف نماذج العلوم من صميم الحضارة الإسلاميّة المتقدّمة، وتدوين فلسفات للعلوم الإسلاميّة، ونظام للأنثروبولوجيا الإسلاميّة، وكذا عرض نماذج أسلمة شتّى العلوم، لها بالغ التأثير على هذه الطفرة العلميّة.

وهذا هو ما يستهدفه كتاب «الكلام الإسلاميّ المعاصر»، وهو حصيلة أبحاث كاتب هذه السطور، وكذا تدريسه وتأليفه في السنوات الأخيرة، حيث يرى أنّه يلبّي الحاجة المعاصرة. لقد حاولتُ في هذا الكتاب الإفادة من المصادر الأصيلة قديماً وحديثاً، وسعيتُ إلى تقديم الأبحاث الكلاميّة القديمة والجديدة ضمن شاكلة منطقيّة تعرّضتُ لشرحها في الباب الأوّل، مجيباً على أحدث الشبهات في هذا الصدد.

وقد قمتُ بتدريس هذا الكتاب في الحوزة العلميّة المخصّصة بطلبة الجامعات (حوزة الشهيد بهشتي بطهران). ولهذا، أرى لزاماً عليّ أن أتقدّم بأسمى آيات الشكر إلى جميع الطلبة الذين شاركوني البحث، وإلى كافّة من أعانني في تدوين هذا الكتاب، وبالأخصّ إلى الأخ الطالب محمّد يوسفي الذي تجشّم عناء تنسيق الكتاب، وزوجتي الفاضلة التي تولّت مراجعته وتدقيقه وتصحيحه.

عبد الحسين خُسروپناه

أستاذ الحوزة العلميّة

وأستاذ مشارك في معهد الثقافة والفكر الإسلاميّ

25 ذي القعدة 1432ﻫ

الموافق لذكرى استشهاد الإمام الصادق (ع)