البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القراءات المعاصرة للتراث وأزمة التنوير في العالم العربي

الباحث :  د. حيرش بغداد محمّد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  52
السنة :  السنة الثالثة عشر شتاء 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 7 / 2015
عدد زيارات البحث :  1798

القراءات المعاصرة للتراث وأزمة التنوير في العالم العربي

د. حيرش بغداد محمّد (*)

التمهيد
الانطلاق من واقع المجتمعات العربية الإسلامية يجعل أيّ باحث يدرك بعمق مدى حاجة الإنسان العربي إلى العلم والإيمان بمبادئه من جهة، وإلى ممارسته السياسية المبنية على أُسس ديمقراطية يختار من خلالها المجتمع نمط حياته. في المقابل يدرك مدى ترسخ المعتقدات الأُسطورية والخرافية، وقد عبّر الجابري عن هذه الحالة "باستقالة العقل". من أجل فهم هذه الوضعية لا بدّ من العودة إلى الأُصول التي تشكل بنية الثقافة والمتمثلة خاصة في النص الديني (القرآن الكريم).
إننا نجد أن مختلف التيارات الفكرية والاتجاهات السياسية تحاول امتلاك الفهم الحقيقي لـه، وهذه الرغبة ليست خاصة بالخطاب الديني، بل كذلك ميزة خاصة بالخطاب الفلسفي المتجسد في القراءة النقدية. بعد أربعة عشر قرناً من ظهور الإسلام، ما زال النص الديني يستحوذ على اهتمام المفكرين مشكلاً مركز أبحاثهم ومنطلق تفكيرهم. هذا الاهتمام متجه إما إلى إعادة تكريسه في الواقع، وإما إلى جعله نصاً مثل بقية النصوص الأُخر، لفتح المجال أمام التفكير العقلاني وإعادة الاعتبار للإنساني والتاريخي.
إنّ غاية النص أولاً وأخيراً هي الإنسان، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال التضحية بهذا الأخير. وفي حين أن هناك تيارات تراهن على الانفتاح المستمر للنص
________________________________________
(*)باحث متخصّص في الفلسفة الغربية، من الجزائر.

[الصفحة - 40]


على مختلف التأويلات؛ لأنه لا أحد يمكنه أن يعرف مقصد المتكلم (الله)، هناك من يراهن على إمكانية معرفة كل مقاصد المتكلم؛ لارتباط النص بالظروف التاريخية التي أحاطت بإنتاجه، وفي هذه الحالة يكفّ النص على أن يكون المرجع الأساسي لحياة الإنسان. مما يفسح المجال لبروز الفعالية العقلية.
أوّلاً ـ التراث والقراءة النقدية
يقول نصر حامد أبو زيد: «كأنّ العربي قد كتب عليه دون البشر كافة أن تسير قدماه إلى الأمام بينما يلتفت رأسه إلى الخلف» (1). هذا القول يشخص الانفصال الموجود في الوعي العربي بين الماضي والحاضر أو بين حركة الأفكار وحركة الواقع، ولا يطرح القول النظرية المادية القائلة بتحكم المادة في الفكر، أو النظرية المثالية القائلة بتحكم الفكر في المادة؛ لأن في كلتا النظريتين هناك اتصال ما بين الفكر والمادة. هذا القول يعبر عن نوع من اللامبالاة، بينهما تجعل كلاً منها قادراً على أن يتخذ مساراً مخالفاً للآخر. هذا يبرهن كذلك على الاهتمام اللامحدود بالماضي وبالتراث، ليس كما يشتغل المؤرخ على حوادث تاريخية ماضية، يعود إليها فقط لأن ميدان تخصصه يحتم عليه ذلك.
إنّ العودة إلى التراث هي من صميم الوجود الاجتماعي؛ لأنّ وعي الحاضر أو "الأزمة" يستلزم الإحاطة والمعرفة بطبيعة الذات منذ اللحظات الأولى لتأسيسها وتكونها. هذه الذات التي ما زالت فاعلة في الحاضر ومؤثرة في طريقة التفكير ومحددة لنوعية العلاقة مع الغير، كما أن هذا التراث بما يتضمنه من قيم دينية وأخلاقية واجتماعية هو جوهر الهوية التي يتمسك بها كل عربي مسلم في حالة الحرب كما في حالة السلم، في حالة الانحطاط كما في حالة الازدهار.
ربما يرجع التمسك بالتراث إلى أنه ما زال إلى الآن لم يعرف التاريخ العربي الإسلامي حدثاً مؤثراً وهاماً غير ظاهرة الوحي، الظاهرة الدينية بامتياز، والتي أنتجت الخطاب القرآني الذي تتمحور حوله كل الخطابات. النص الديني يشكل إذاً جزءاً جوهرياً من التراث، بالإضافة إلى البطولات التاريخية لبعض الشخصيات التي تعتبر
________________________________________
(1)نصر حامد أبو زيد / النص، السلطة، الحقيقة: 1، ط. الأُولى 1995م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 41]


المثل الأعلى والنموذج، كشخصية النبي محمد وشخصية الصحابة والتابعين. لقد استطاع هؤلاء اعتماداً على الوحي نقل المجتمع من حالة البداوة إلى حالة الحضارة، ولم يترددوا في أن يعرفوا الشعوب الأُخرى بالإسلام، من خلال الفتوحات بفضل تمسكهم بتعاليم الوحي واقتدائهم بشخصية النبي وسننه الحميدة.
إنّ التراث يجلب في كل لحظة كل هذه التصورات، وكل هذا التاريخ بطريقة عفوية مليئة بالشحنات العاطفية، مما ولد مجموعة من الأفكار:
1 ـ التراث واحد فهو تراث الاتفاق والتجانس.
2 ـ التراث والدين لا يعنيان إلا شيئاً واحداً.
3 ـ استرداد التراث للإجابة على كل مشكلات الحاضر.
أمام هذه الأفكار والاعتقادات ظهرت الحاجة إلى ممارسة القراءة النقدية للذات منذ تأسيسها؛ لأنّ ظاهرة الوحي لم تكن مليئة بالمعاني الإلهية المقدسة، بل كذلك بالمعاني الإنسانية؛ لأن الإنسان هو الذي كان دائماً يقرأ الوحي عبر فترات تاريخية مختلفة. كان يفهمه وفق ما تتيحه لـه قدراته العقلية، وهو الذي كان يفسره ويؤولـه بما يتلاءم مع أغراضه الإيديولوجية.
إنّ القراءة النقدية للتراث هي قراءة نقدية للإنسان الذي صنع التاريخ، بالشكل الذي أظهره مليئاً بالانتصارات في لحظات ما، ومليئاً بالهزائم في لحظات أُخر. تبقى هذه القراءة النقدية محاولة للإجابة عن السؤال "النهضوي": لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟ وبالتالي محاولة تحديد شروط النهضة العربية الإسلامية.
أ - مفهومنا للتراث
يعرفه الجابري بالقول: «التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا، سواء القريب منه أم البعيد» (2). يُظهر هذا التعريف التراث منفتحاً على الثقافات الأجنبية، فلم ينشأ التراث بفعل عوامل داخلية فقط، بل تأثر بالتراث العالمي القريب منه والبعيد، فقد تأثرت الحضارة الإسلامية بالفلسفة اليونانية، وتأثرت كذلك بـ "الغنوصية" أو "الهرمسية"، وقد عملت اليهودية والمسيحية على إقحام بعض أفكارهما في الدين الإسلامي، مما استدعى ظهور علم الكلام من
________________________________________
(2)محمد عابد الجابري / التراث والحداثة: 45، ط. الثانية 1999م، مركز دراسات الوحدة العربية.

[الصفحة - 42]


أجل الدفاع عن العقائد الدينية.
من الناحية الزمنية فإنّ الجابري يرجع التراث إلى الماضي البعيد، بدون أن يحدد إلى أين يمكن أن يصل هذا التراجع في الزمن، ربما لأنّ التفاعل الثقافي بين الشعوب راسخ في لاشعور المجتمعات، وفاعل في الثقافة. يشير الجابري كذلك إلى أنه لا واحد من مشتقات (و، ر، ث) كان يستعمل قديماً للدلالة على الموروث الثقافي، بل يستعمل فقط للدلالة على ما يتركه الأب للابن من تركة مادية، ولكن أثناء اليقظة العربية الحديثة فقد حمل هذا المفهوم دلالة ثقافية وروحية بالإضافة إلى دلالته المادية.
إنّ هدف الجابري يتمثل في تحقيق ما يسميه بـ "القراءة العصرية للتراث" ضد كل من "القراءة التراثية للعصر" التي ترى في العصر حقلاً لتكرار النماذج التاريخية القديمة التي تحققت أو لم تتحقق، وضد ما سماه كذلك بـ "القراءة التراثية للتراث"، أي القراءة التي تنظر إلى التراث كوحدة متجانسة، يرجع تكونه إلى عناصر إسلامية خالصة، مما يؤدي إلى تقديس التراث واستبعاد كل ممارسة نقدية له، وما يميز هذه القراءة أنّ التراث يحتويها وهي لا تحتويه. في حين أنّ التراث يمكن أن يكون موضوعاً لنا، ونمارس سلطتنا عليه بدلاً أن نكون خاضعين له. القطيعة مع التراث في الأصل هي القطيعة مع «الفهم التراثي للتراث»، ثم القطيعة مع عصر الانحطاط وامتداداته. هذا الانحطاط يرجع إلى اختلاط المنظومات المعرفية الثلاث والمتمثلة في "البرهان"، و"البيان"، و"العرفان".
إنّ الجابري يصف قراءته بأنها تعتمد على خطوتين أساسيتين: الفصل والوصل، فهدف "الفصل" هو جعل التراث معاصراً لنفسه، وهدف "الوصل" هو جعله معاصراً لقارئه، بمدى قدرته على إيجاد الإجابات التي تحقق "العلم"، "العقلانية"، "التقدم". يقترح الجابري ـ هنا ـ منهجاً قائماً على الحوار الجدلي بين القارئ والمقروء، معتمداً على "المعالجة البنيوية"، أي محورة المادة التراثية حول إشكاليات محددة ومركزية، وهذا ما فعله في المجال السياسي الذي محوره حول " العقيدة" و"الغنيمة" و" القبيلة"، وما فعله كذلك عندما حدد بنية العقل العربي القائمة على أساس " البرهان" و"البيان" و"العرفان".
________________________________________

[الصفحة - 43]


يعتمد الجابري كذلك على منهج التحليل التاريخي، حيث يشترط العودة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية لإنتاج الخطاب، وأخيراً يعتمد على الطرح الإيديولوجي، أي البحث عن الوظيفة الإيديولوجية التي يؤديها الخطاب. الهدف من هذه القراءة هو فصل "اللامعقول" عن "المعقول". يقول الجابري: « ما تبقى من تراثنا الفلسفي أي ما يمكن أن يكون فيه قادراً على أن يعيش معنا عصرنا لا يمكن أن يكون إلا رشدياً» (3). ويمثل هذا انتقالاً من المشرق العربي الذي كرس التصوف، إلى المغرب الذي يمثل فلاسفته اللحظة التنويرية في تراثنا.
يتحدث الجابري عن "تجديد العقل العربي" كما يتحدث حسن حنفي عن "تجديد التراث". ويقول حنفي في تعريفه للتراث: « هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذاً قضية موروث، وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عديد من المستويـات» (4). ويرتكز "مشروع تجديد التراث" على إعادة الاختيار بين البدائل، أي اختيار "الاتجاه الاعتزالي" بدلاً من "الاتجاه الأشعري"، وبذلك يتم القضاء على معوقات التطور والتمهيد لكل تغيير جذري. بخلاف الجابري يبقى حنفي داخل الفضاء المشرقي، لكن كلاهما يحاول الانتظام داخل التراث لا خارجه، لإيجاد العقلانية والبحث عنها في التراث العربي الإسلامي لا في التراث الغربي، والوقوف موقفاً نقدياً ضد القديم الموروث، وضد الجديد المنقول بهدف نقل العصر من مرحلة التمركز حول الله، وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة تسمح بالتمركز حول الإنسان وهي المرحلة الجديدة.
يرى حنفي أنّ التوحيد ـ كتنزيه في عصرنا ـ ليس في خطر، بل الإنسان والأرض هما الضائعين، وهما اللذين يجب إنقاذهما.
هناك خلاف آخر بين الجابري وحنفي، فبينما يرغب الثاني في توحيد العلوم كعلم أصول الفقه والدين والتصوف والفلسفة على أساس التكامل بين الدين والعقل، ومن أجل المحافظة على المصلحة العامة، فإنّ الثاني يؤكد على الانفصال والتمايز وخاصة الموجود بين الفلسفة والدين، فلا يمكن دمج أحدهما في الآخر، فلكل منهما مقدماته وأُصوله، بحيث يجب فقط تطوير كل منهما من الداخل بما يتلاءم مع
________________________________________
(3)محمد عابد الجابري / نحن والتراث: 49، ط. السادسة 1993م، المركز الثقافي العربي.
(4)حسن حنفي / التراث والتجديد: 13، ط. الرابعة 1994م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 44]


مقدماته. إنّ محاولة الدمج بينهما راجعة في نظره إلى النضال السياسي والاجتماعي والثقافي ضد إيديولوجيا الدولة السنية، كما يظهر في الحركة الإسماعيلية. يقول الجابري : « أما أن تكون وسائل إخوان الصفا تخدم بشكل مباشر، وفي آن واحدة الدعوة الدينية والأهداف السياسية والوسائل التنظيمية لحركة سرية ثورية تهدف الإطاحة بالدولة العباسية وإقامة دولة " الحق والعدل " دولة الشيعة الإسماعيلية، فهذا ما لا يمكن الشك فيه» (5).
إنّ محاولة الجابري عامة تهدف إلى تجاوز "عصر التدوين"، العصر الذي تم فيه تجميع العلوم (القرنين الثاني والثالث الهجريين)، هذا التدوين الذي كان غرضه الأساسي تحصين الذات وحمايتها. التكلم عن التراث يجعل الكثيرين يعودون إلى ذلك العصر، وكأن العلوم نشأت واكتملت فيه، كالنحو مع سيبويه وأُصول الفقه مع الإمام الشافعي... في حين أنّ المغرب (الأندلس) عرف لحظة تاريخية جديدة أو ما يسمى "عصر التدوين الجديد"، فُتح المجال فيه لممارسة العقلانية. يقول الجابري:« والملاحظ أنّ هناك فترات تزاوج بين نظامين معرفيين: البياني والبرهان، وإبعاد النظام الغنوصي، وهذا ما فعله ابن رشد وابن خلدون. وهذا التزاوج بلغ بالثقافة العربية قمة التطور» (6). فبدلاً من حصر التراث في فترة زمنية محددة وضيقة، عمل الجابري على توسيع هذه الفترة الزمنية لتشمل عصر التدوين الجديد وامتداداته إلى الماضي القريب، مما يزيد من إمكانية إيجاد الاتجاهات العقلانية داخل هذه الفترة الزمنية الواسعة. هذا ما عبر عنه جابر عصفور بـ "إعادة إنتاج التراث" فنحن لا نلتقي مع التراث كشيء ومعطى جاهز، بل نعيد إنتاجه بما يتلاءم مع اتجاهات الحاضر المختلفة.
إنّ قراءة نصر حامد أبو زيد تدخل في نفس اتجاه التجديد. أي قراءة التراث قراءة نقدية، والوصول بهذه القراءة إلى غاية مشروع النهضة، واستكمال النقد ليمس القراءة الأكثر معاصرة، سواء لأصحاب المشاريع كحسن حنفي ومحمد أركون أو غيرهم كأدونيس أو زكي نجيب محمود ... وهذا يدل فعلاً على أنّ التراث يصل إلى الماضي القريب ولا ينحصر في فترة زمنية ضيقة.
________________________________________
(5)محمد عابد الجابري / نحن والتراث: 162، مصدر سابق.
(6)محمد عابد الجابري / مقال: التراث والعمل السياسي ـ مجلة الثقافة ـ وزارة الثقافة والسياحة بالجزائر، العدد 79، ص101.

[الصفحة - 45]


ب - القراءة النقدية والفلسفة
يقول نصر حامد أبو زيد: « إنّ الإنسان المنتج للعلم والتكنولوجيا هو الإنسان الذي تم تكوينه منذ مرحلة الطفولة بتدريبه على أهمية إثارة الأسئلة، وتقليب الاحتمالات الممكنة، والتفكير في الأجوبة قبل اختيار أحدها» (7). يتم الربط هكذا بين القدرة على إنتاج العلم، وبين ما يكتسبه الإنسان من قدرات عقلية تمكنه من ممارسة التفكير الفلسفي بأشكاله المختلفة بإثارة الأسئلة، وفحص الأجوبة، وعدم قبول الحلول الجاهزة. في غياب ذلك، يسود التقليد الذي يمثل حاجزاً أمام الأفكار الجديدة، وبالتالي ينعكس ذلك على حالة إنتاج العلم والتكنولوجيا. في رأي أبو زيد فإنّ الإنسان في الحضارة العربية المعاصرة، أصبح مقلداً لتراثه الماضي أو لتراث غيره (لحظة التنوير الأوروبي)، ولم يبق لـه ما يعيشه في الحاضر سوى التبعية المادية للغرب، وهذا ما يخلق لديه الوعي الزائف. هذه كلها أحكام يصرح بها أبو زيد في كتابه "النص، السلسلة، الحقيقة"، فكيف يمكن والحالة هذه ممارسة التفكير الفلسفي في الثقافة العربية؟ ليس من الضروري في نظر أبو زيد الربط بين الفلسفة وإنتاج العلم، أو بين النظرة النقدية وبين إنتاج التكنولوجيا؛ لأنّ نمو الوعي "التكنوقراطي" يمكن أن يكون عائقاً أمام الفلسفة، لذلك فإنّ الحضارة الغربية المعاصرة عادت لتطرح من جديد أهمية الفلسفة، والدور الذي يمكن أن تقوم به، وخاصة بعد تطور العلوم التقنية وظهور العلوم الإنسانية واستقلالها تدريجياً عن الفلسفة. يطرح يورغن هبرماس مثلاً التساؤل الآتي: « والواقع أننا نتساءل هنا بعد أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه، إذا لم تكن الفلسفة قد أفرغت نفسها من جوهرها في سياق التطور الذي قادها إلى النقد والنقد الذاتي، وإذا لم تكن في نهاية المطاف، وبعكس الفكرة التي تقدمها كنظرية نقدية تتناول المجتمع، نوعاً من التفكير حول الذات يجعلها عاجزة عن رسم أي سبيل متناسق لتقدم فكري منتظم، وإذا كان الحال على هذا النحو فهل تزال للفلسفة فائدة ما؟» (8).
إنّ التطور الذي عرفته الفلسفة جعلها تنتقل بعد هيجل من فلسفة نسقية تقدم إجابة متكاملة ومترابطة حول قضايا الوجود والموجود، إلى فلسفة لا نسقية تجلت
________________________________________
(7)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 239، ط. الأُولى 2000م.
(8)يورغن هبرماس / الفلسفة الألمانية والتصوف اليهودي، ترجمة: نظير جاهل: 39، ط. الأُولى 1995م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 46]


على مستوى الكتابة الفلسفية وخاصة مع نيتشه، حيث أصبحت تتميز "بالمقطعية"، وتنتقل من موضوع إلى آخر بطريقة عفوية لا يضبطها نظام خاص. كما أصبحت الفلسفة نوعاً من التفكير حول الذات، وهذا ما يظهر مثلاً عند مشال فوكو، فالفيلسوف يمارس ذاته في جسد الفلسفة، ويعيد إنتاج نفسه كتحفة فنية، خارج نظام المعايير الاجتماعية، واضعاً "الإتيك" مقابل"الأخلاق". كما ظهر كذلك "الفيلسوف الرحالة" الذي لـه في نظر جيل دولوز رحلات ثلاث: رحلة في الماضي الإغريقي، ورحلة في الحاضر الغربي الديمقراطي، ورحلة في المستقبل نحو أرض جديدة لم تكتشف بعد. لقد أثرت هذه التحولات التي عرفتها الفلسفة على الفكر العربي المعاصر الذي وجه نقداً إلى المشاريع الفكرية الضخمة، وخاصة من طرف علي حرب الذي يرى أنّ المفكر لا يجب عليه التعلق بفكرة معينة، بالعكس عليه أن يمارس فعاليته بالانفكاك من الالتزامات العقائدية والمشاريع الفكرية، ويتحول هو بدوره إلى رحالة.
إنّ المفكر العربي لا يرى أنّ وظيفته تختلف عن وظيفة المفكر الغربي، فهو كذلك رحالة يرتحل إلى الماضي العربي، ويواجه في نفس الوقت أُفول الوعي الديني مقابل ما نشأ من جماعات دينية متطرفة، وعليه كذلك مواجهة السلطة السياسية لعدم تمثلها لأُسس الممارسة الديمقراطية، مما يجعله يراها أحياناً حليفاً للفكر الديني ضد الفكر الحداثي المستنير. هذا ما يفسر اختيار نصر حامد أبو زيد للقراءة النقدية وبالتحديد للقراءة التأويلية. يقول علي حرب: «والتأويل كفيل بتحقيق هذه المهمة النقدية، ذلك أنه من المنظور التأويلي يفلت النص من الحصر والتقييد. ويستعص على محاولات القولبة والاحتواء» (9). فالقراءة التأويلية تشكل إستراتيجية للاختلاف، بإنتاجها لمعنى مختلف أو التفكير بطريقة مغايرة، لا بإعادة "طلاء" أو "تلوين" الأفكار القديمة لتظهر جديدة؛ لأنه فلا فلسفة بدون موقف نقدي يعيد النظر في المفاهيم وأنماط التفكير بطريقة خلافية، مشككاً في البديهيات وكاشفاً عن الأفكار المسبقة. إذا كان المثقف يستخدم قلمه للدفاع عن الحريات فإنه يقتحم المناطق المستبعدة من نطاق التفكير، كي يجعل الممتنع ممكناً.
________________________________________
(9)علي حرب/ الممنوع والممتنع: 63، ط. الأُولى 1995م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 47]


ج - التراث والدين
يمارس نصر حامد أبو زيد القراءة النقدية بغرض التجديد، وذلك بجعل الأفكار الجديدة تحل محل الأفكار القديمة، وقد تأثر في ذلك بالشيخ الخولي. يقول: « لذلك ذهب الشيخ الخولي رحمه الله إلى أنّ منهج التجديد لا يستقيم إلا بعد قتل القديم بحثاً؛ لأن التجديد دون فحص القديم فحصاً نقدياً، من شأنه أن يضيف أفكاراً إلى أفكار، فتتجاور الأفكار القديمة والأفكار الحديثة دون أن يزحزح الجديد القديم ويحل محله» (10). القراءة النقدية ليست قراءة قائمة على تجميع الأفكار بشكل ركامي، ولكنها قراءة قائمة على الجرأة على الاختيار بين البدائل، وهذا الاختيار لا يتم إلا بعد القيام بالفحص النقدي لكل الأفكار. هناك كثير من الأفكار اكتسبت قداسة في تراثنا بفعل ما حصلت عليه من الترديد والتكرار، وهذه الأفكار لا بد أن تُردّ إلى سياقها التاريخي، مما يسمح للأفكار الجديدة من مناقشتها على ساحة الفكر وليس على أرض العقيدة؛ لأنّ ما أنتجه الفكر يمكن أن يناقش بما أنتجه فكر آخر.
إنّ الممارسة النقدية هكذا لا تنصب على الإسلام ولا على الدين؛ لأن الإسلام في نظر نصر حامد ليس عائقاً أمام التقدم، وإنما العائق كامن في التفاسير والتأويلات التي قدمها البشر، وطريقة فهمهم للإسلام الراجعة إلى الشروط التاريخية التي أحاطت بهم، ومطامعهم الدنيوية. يقول: « وفهم الإسلام مشروط بالدرس النقدي للتاريخ والتراث، الدرس الذي يكف عن النظر إلى التاريخ بوصفه تاريخ ملائكة أبرار...» (11). وفي كتابه " نقد الخطاب الديني" يؤكد على الفصل بين الفكر الديني والدين، أو بين فهم النصوص والنصوص ذاتها، ويعتبر أن التوحيد بين الفكر والدين، هي أحد طرائق وآليات الخطاب الديني الذي يرى أصحابه أن الدين فكر، والفكر لا يجب أن يكون إلا ديناً، بالإضافة إلى المماهاة بين الحياة الاجتماعية والسياسية والدين، وبالتالي التوحيد التام بين الدين والتراث.
في رأي نصر حامد فإن التوحيد بين التراث والدين قد حصل عندما بدأ إدماج السنة النبوية بالمعنى الواسع، أي سنة الوحي وسنة العادات في الدين، في حين أنّ أهل الرأي يميزون بين سنة الوحي وسنة العادات. التراث أوسع من الدين؛ لأنه
________________________________________
(10)نصر حامد أبو زيد/ الخطاب والتأويل: 19، مصدر سابق.
(11)نصر حامد أبو زيد/ دوائر الخوف: 277، ط. الأُولى 1999م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 48]


يتضمن اتجاهات "رجعية" كالاتجاه الأشعري واتجاهات تقدمية كالاتجاه الاعتزالي، أما الدين فيعني "الشريعة". يقول: « إنّ الدين في التداول القرآني لفظ يدل على الشريعة بصفة عامة سواء كانت تلك الشريعة وضعية أم كانت منزلة من السماء...في عصر ما قبل الإسلام: ترد كلمة "الدين" بمعنى "طريقة الحياة"...» (12).
إذن، التراث يشير إلى الماضي، أما الدين فيشير إلى طريقة الناس في الحياة، ما عدا القرآن الذي تأسس كدين وكتراث في نفس الوقت، أي ماضياً وحاضراً. المشكلة هنا أنّ هذا الحاضر، أي طريقة الناس في الحياة يتحول إلى ماض ويدخل ضمن التراث، ولكن في هذه الحالة لا يكون التراث كله، بل جزءاً منه.
يرى عبد الله العروي أنّ هناك اختلافاً بين مفهوم التراث و"السنة"؛ لأنّ مفهوم التراث يشير إلى جملة الأعمال والإنجازات الثقافية في فترة تاريخية ما، وهي لذلك تتميز بالثبات والجمود، أما السنة التي تتجاوز المعنى المحدود المستعمل في الفقه الإسلامي؛ لأنّ هناك سنة شيعية، وسنة زيدية، وسنة إباضية… فهي تمثل منطق الثقافة ومجرى الحياة، كما أنها أحكام واختيارات تتعلق بجماعات وأشخاص عكس منجزات التراث التي لا تنسب لأحد، مثل العادات والأخلاق والآداب. يقول العروي: « يستعمل الغربيون كلمة "تراديسيون" في علم الاجتماع وعلم الكلام. تعني في المجال الأول كل ما هو موروث في مجتمع معين من الأجيال الغابرة،… هذا المعنى هو بالضبط ما تؤديه كلمة تراث… أما في المجال الثاني، وخاصة في تاريخ الكنسية، فإن الكلمة تعني الاتجاه الفكري الذي اختارته وسارت عليه منظمة معينة. حينئذ تكون الكلمة المقابلة لـ "تراديسيون" هي كلمة "سنة"» (13). ويرى العروي أخيراً أنّ المفهوم الذي يبحث فيه مشترك بين كلمتي التراث والسنة.
يمكن التكلم عن التراث كطبقات متفاعلة كما فعل محمد أركون، بحيث يشمل أولاً القاعدة الثقافية والتقاليد العربية السابقة على الإسلام، وثانياً التاريخ المعروف المتمثل في القوانين الإسلامية، وثالثاً وأخيراً القوانين التشريعية الوضعية الحديثة. التراث نتاج فعالية البشر عبر التاريخ سواء كان ذلك بواسطة تفاعلهم مع الوحي أو نتيجة اجتهاداتهم السابقة على الوحي أو التالية لـه. في هذا التراث الواسع
________________________________________
(12)نصر حامد أبو زيد/ النص، السلطة، الحقيقة: 15، مصدر سابق.
(13)عبد الله العروي/ مقال: قضية التراث والانبعاث الحضاري في الوطن العربي- مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 12، مايو/ آيار 1981، ص 18.

[الصفحة - 49]


والضخم يظهر التراث الديني بشكل بارز محاولاً السيطرة على باقي الميادين، وهنا يظهر الصراع بين الفقهاء وبين المختصين من علماء التاريخ، والاجتماع، وعلم النفس لممارسة "الأستاذية العقائدية".
يرى أركون أنّ القطيعة مع التراث العلمي قد حصلت بدءا من القرن 11م حيث يقول: «بدءاً من القرن (11) الميلادي راحت الأخطار تحدق بحياة المدن وتهددها ولكي يقاوموا عملية استرجاع إسبانيا والحملات الصليبية على فلسطين وهجمة العشائر التركية والمغولية على منطقة إيران ـ العراق لزم عليهم أن يتجمعوا حول إسلام أورتوذكسي ودغمائي صارم...» (14)، ويضيف إلى أنه مع ظهور الحركة السلفية حوالي سنة 1830م حصلت قطيعة تامة مع التراث العلمي، والملاحظ هنا أنّ العودة إلى التراث الديني كانت تحصل دائماً للحفاظ على الهوية وحمايتها ضد الهجمات العدائية.
يلاحظ برهان غليون أنّ ما يمثل الصحوة الإسلامية كمحاولة لحل مشكلات النهضة والتقدم تحدث تطابقاً كلياً عن وعي أو عن غير وعي بين التراث والدين، فالعودة إلى التراث هي العودة إلى الدين، فقد شكل التراث من جهة ميكانيزما في الخطاب النهضوي العربي الحديث للارتكاز على الأصول في نقد الحاضر والماضي القريب. من جهة أُخرى كانت الدعوة للرجوع إلى الأصول رد فعل ضد التهديد الخارجي الذي مثلته تحديات الغرب، فالغرب لم يكن دائماً حاملاً للقيم العقلانية والإنسانية، بل يظهر في التاريخ بمظهر عدواني من خلال الغزو الاستعماري. يرى نصر حامد أن الإسلام تحول من دين إلى هوية في مواجهة الغرب المسيحي، وفي هذا السياق يتم استدعاء "الحروب الصليبية" باعتبارها نموذجاً متكرراً يشكل أساس علاقتنا مع الغرب.
إن الربط بين التراث والدين يرجع إلى أسباب تاريخية، ومهمة القراءة النقدية هي الفصل بين الديني والإيديولوجي والتاريخي المرحلي، ففي واقعنا يظهر الديني ويغيب الإنساني والتاريخي. ينتقد نصر حامد (حسن حنفي) صاحب "الخطاب اليساري"؛ لأنه اعتمد على عملية التحويل الدلالي لبعض المفاهيم ليضفي عليها أبعاداً إنسانية وتاريخية، وهذه المفاهيم موجودة في "علم الكلام". يقول: « وواضح أنّ
________________________________________
(14)محمد أركون / الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة: هاشم صالح: 154، ط. الثانية 1992م، دار الساقي.

[الصفحة - 50]


الهاجس المسيطر على هذا الطلاء الجديد لعلم الكلام هاجس البحث عن البعدين المفقودين في واقعنا: الإنسان والتاريخ؛ ولأنّ هذين البعدين مطمورين في علم الكلام القديم بسبب اغتراب الإنسان في الإلهيات، واغتراب التاريخ في السمعيات، فإنّ الكشف عنهما وإزاحة ما يخفي وجودهما لا تتحقق بمجرد عملية التحويل الدلالي المعتمدة على علاقة التجاور والمشابهة. إنّ الإلهيات لا تصبح إنسانيات ولا النبوات تتحول إلى تاريخ بمجرد الرغبة في ذلك بالتماس أوجه سطحية صورية للمشابهة. إنّ الكشف عن الخفي المطمور لا يتحقق إلا بالقراءة التأويلية التي تصل إلى المغزى عبر الدلالة لا وثوباً عليه» (15).
إن هاجس التجديد عند حسن حنفي، يجعله إذاً يصبغ أو يقوم بعملية طلاء المفاهيم القديمة؛ لكي تبدو جديدة، لتعبر بذلك عن طموحات الإنسان وتحقق ما هو ضائع في واقعنا المعاصر. يكتفي حسن حنفي بوضع المفاهيم القديمة بين قوسين، وهذه العملية تدخل ضمن ما يسميه بـ" تجديد اللغة ". يقول: « ولا يتم التجديد بطريقة آلية، بإسقاط لفظ ووضع لفظ آخر محله مرادفاً أو شبيهاً، بل بطريقة تلقائية صرفة يرجع فيها الشعور من اللفظ التقليدي إلى المعنى الأصلي الذي يفيده، ثم يحاول التعبير من جديد عن هذا المعنى الأصلي بلفظ ينشأ عن اللغة المتداولة كما كان اللفظ التقليدي متداولاً شائعاً في العصر القديم» (16). وإمكانية ذلك راجعة إلى اتساع معاني ألفاظ اللغة العربية التقليدية الناشئة عن الوحي، وبالتالي قدرتها على استيعاب الألفاظ الجديدة الناشئة عن تطوير الحياة الاجتماعية، ويرى كذلك أنّ هذا التجديد لا يمس جوهر الفكر، ولا مضمونه، بل صورته.
إنّ الفرق الكامن بين حنفي ونصر حامد أنّ نصر حامد يرى أنّ التاريخ والإنسان مختفيين في تراثنا القديم بفعل عوائق حالت دون ظهورهما، أما حنفي فهو يثبت وجودهما في التراث القديم، وأنّ المشكلة بالنسبة إليه تكمن فقط في التعبير اللغوي. إنّ طريقة فهم أبو زيد للتراث، ودعوته للثورة على القديم، قوبلت برفض كبير من مؤسسة الأزهر الدينية، التي بتعاونها مع الجهات القضائية أصدرت في حقه حكم التكفير، الذي شكل بالفعل عائقاً بالنسبة لأبي زيد.
________________________________________
(15)نصر حامد أبو زيد / نقد الخطاب الديني: 174، ط. الثانية 1994م، سينا للنشر.
(16)حسن حنفي / التراث والتجديد: 110، مصدر سابق.

[الصفحة - 51]


ثانياً ـ حضور عائق التكفير في نص أبو زيد وتأثيره
قضية أبو زيد وتأثير المحاكمة على خطابه
"التثويري"
منذ أن تعرض أبو زيد لحكم "التكفير" بطريقة غير مباشرة من طرف اللجنة العلمية للجامعة، والتي قامت بقراءة منتجاته العلمية سنة 1992م، وبطريقة مباشرة من طرف محكمة استئناف القاهرة يوم 14يونيو/ تموز 1995م، وأيدته محكمة النقض في 5 أغسطس/ آب 1996م. منذ ذلك الوقت وعائق التكفير حاضر في نص أبو زيد بثلاثة أشكال مختلفة:
أ ـ من خلال التكلم عنه في مقدمات مؤلفاته التي تلت الحكم، والتطرق إليه على أنه مشكلة خاصة، حالت مثلاً دون حصوله على الترقية المهنية التي كان يرغب فيها، وهي درجة "الأُستاذية". كما أنّ حكم الفصل بينه وبين زوجته المترتب على حكم تكفيره خلق له صعوبات كثيرة، كما أنّ حالة الغربة التي أصبح يعيشها في الهجرة حالت بينه وبين مكتبته الخاصة.
ب ـ عائق التكفير حاضر من خلال ممارسة العائق لتأثير سلبي على فكر المؤلف، بدل طريقة تكفيره عن وعي أو عن غير وعي، مما جعله يتراجع إلى حد ما عن مشروعه التنويري. لقد تسلل الخطاب النقيض إلى تفكيره، وقد شعر أبو زيد بذلك، حيث صرح في كتابه "الخطاب والتأويل" قائلاً: « لكنّ هذا الشيء، وتسلل "الخطابية"إلى كتاباتي شيء آخر. لذلك توقفت عن الكتابة لبعض الوقت. حين تأملت الأمر أدركت أنّ الخطاب النقيض يحاول أن يغزوني من داخلي بالتأثير السلبي على بنية خطابي، وهو خطاب يمكن أن يتمدد تمدداً سرطانياً ليصيبه بالشلل» (17). والمقصود بالخطابية علوّ نبوة الصوت والتنغيم، كما يفعل خصومه أمثال محمد عمارة عندما يخاطبون الجمهور، في حين أنّ كلام أبو زيد كان عكس ذلك.
ج ـ وعي أبو زيد بآلية التكفير بعد تعرضه للمحاكمة، مما جعله يطرح هذه الآلية كعائق مهم وخاصة في كتابه "التفكير زمن التكفير"، ومن بين المسلمات التي يؤكد عليها أنّ سيطرة اتجاه فكري لفترة طويلة من الزمن لا يعني أنّ الاتجاهات الاُخرى "ضالة" أو"كافرة"، بالإضافة إلى وعيه الذي ازداد بتأثير الخطاب النقيض (الخطاب الديني السلفي)
________________________________________
(17)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 7، مصدر سابق.

[الصفحة - 52]


المستخدم لآلية التكفير على الخطاب التنويري في مختلف أطوار التاريخ.
قضية أبو زيد تبدأ إذاً عندما عرض أعماله العلمية على اللجنة العلمية بغية الحصول على درجة "الاُستاذية"، وكانت اللجنة تتألف من ثلاثة أعضاء دكاترة هم: علي مكي، عوني عبد الرؤوف، عبد الصبور شاهين، وبعد قراءتها أبدى هذا الأخير ملاحظة فحواها أنه لمس في أعمال المرشح ما يوحي بالكفر والإلحاد. لقد تأثر العضوان الآخران بهذا الحكم، فأقروا جميعهم حرمان أبو زيد من الترقية. أيد مجلس الجامعة قرار اللجنة العلمية، رغم أنّ كلية الآداب عينت لجنة علمية خاصة شملت مجموعة من الدكاترة هم: حسن حنفي، جابر عصفور وآخرون، وكانت نتائج قراءتها للأعمال إيجابية (18)، حيث جاء في تقريرها ما يلي : « "قضية أبو زيد" أصبح هذا العنوان يدل دلالة مباشرة على مشكلة حرمان أُستاذ بجامعة القاهرة من حقه في الحصول على لقب الأُستاذية الكاملة(لا المساعد) وذلك استناداً إلى تقرير ينتهي بتكفير الإنتاج العلمي الذي تقدم به الأُستاذ المذكور» (19). وقد استند تكفير اللجنة العلمية لإنتاج نصر حامد أبو زيد على المبررات الآتية:
1- العداوة الشديدة لنصوص القرآن والسنة، وتفضيل أهل الرأي على أهل الحديث، ونقد الشافعي الذي أعطى الأولوية للنص، وجعل القياس مقيداً به، فيما يعرف بالقياس بالنص.
2- نعت الصحابة والأئمة بما لا يليق بهم.
3- إنكار المصدر الإلهي للقرآن والقول بتاريخيته.
4 - نفي كون الله خالق كل شيء.
5- الدفاع عن الماركسية والعلمانية.
6- الدفاع عن سلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية ".
أمام هذه الادّعاءات اعتبر أبو زيد أنّ عمله كشف عن آليات الخطاب الديني ونقد لـه، وهو يميز تميزاً واضحاً بين الدين والخطاب الديني المجسد للسلطة التي يضفيها الإنسان على النص من الخارج. هكذا يتهم أبو زيد عبد الصبور شاهين بالمغالطة وتزييف المفاهيم؛ لأنه ليس هناك دعوة للتحرر من النصوص، بل من سلطة النصوص، وهي السلطة التي أضفاها الشافعي والفكر الديني عليها، وقد حدد أبو زيد آليات الخطاب الديني فيما يلي:
________________________________________
(18) كما صدر عن عدة مجلات ردود فعل ومقالات تؤيد مواقف أبو زيد، من بينها مجلة الطريق، العدد 4، 1995، حيث نجد عنواناً (دفاعاً عن العقل وحق الاجتهاد، دفاعاً عن قضية نصر حامد أبو زيد) تضمن عدة مقالات لمجموعة من المفكرين مثل: سعد الله ونوس (حكم فاجع الدلالة)؛ كريم مروة (قضية نصر حامد أبو زيد والمشروع الجديد للنهضة)؛ وجيه كوثراني (قضية أبو زيد وزوجته: الفتنة داخل ضمير المسلم)… كما أصدر عدد من الكتاب والمثقفين العرب وأسرة تحرير مجلة "النهج" بياناً دافعوا فيه عن الرسالة التي تقاتل من أجلها المفكر العربي المصري أبو زيد وكان عددهم 69 فرداً. وصدر عن مجلة "القاهرة" العدد 152 سنة 1995، ملفاً كاملاً عن تكفير أبو زيد تضمن "وثائق خطة إعدام مثقف مصري".
(19)نصر حامد أبو زيد / نقد الخطاب الديني: 21، مصدر سابق.

[الصفحة - 53]


1- التوحيد بين الفكر والدين، وبين التراث والدين. مما جعل كلاً من الفكر والتراث دينيين.
2- تفسير الظواهر كلها بردّها جميعاّ إلى مبدأ أو علة أُولى، مما يؤدي إلى تغيّب التفسيرات العلمية.
3- الاعتماد على سلطة السلف، وسلطة النصوص.
4 - إطلاقية الأحكام، وغياب النظرة النسبية إلى الحقيقة.
5- إهمال البعد التاريخي لتشكل الحقائق.
هذه جملة الآليات التي يضبطها في كتابه نقد الخطاب الديني (الطبعة الأُولى). أما في الطبعة الثانية لنفس الكتاب يضيف آلية التكفير قائلاً: «إن التكفير ـ في الحقيقة ـ يمثل أيضاً إلى جانب "الحاكمية" و"النص"عنصراً أساسياً في بنية الخطاب الديني بشقيه المعتدل والتطرف على السواء، غاية الأمر أنه معلن في خطاب المتطرفين، كامن خفي في خطاب المعتدلين» (20). وقد تم إضافة هذه الآلية تحت ضغط أحكام التكفير الصادرة ضده، مما يعني أنّ هناك ما هو أصيل في فكر أبو زيد، وهناك ما هو مجرد ردّ فعل؛ لأنّ كتابه "التفكير زمن التكفير" لا يحلل تحليلاً علمياً ومنهجياً التكفير بقدر ما هو مجرد تكرار لكتاب "نقد الخطاب الديني" ونقد لوسطية الشافعي، ومجموعة من التبريرات لنفي التهم الموجهة إليه.
لقد دافع أبو زيد عن نفسه من خلال تحديده لثوابت الإيمان الديني المتمثلة في العقائد والعبادات، كالإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت... وتأكيده المستمر أنه مسلم ومؤمن كقوله: « اتهام كاتب التقرير للباحث بأنه ينكر مفهوم العلة "الأُولى" الذي يعني إنكار الأُلوهية اتهام باطل من أساسه، لكنه الاتهام الذي صوغ مسألة "عداوة النصوص" ويسهل تصديقها من جانب النقلة والأتباع» (21). وهذا يتناقض مع ما طرحه في كتابه "الخطاب والتأويل" قائلاً: «فكلنا مسلمون بداهة، وإسلامنا هو الأصل الذي يحتاج لبرهان. ليس مطلوباً من المفكر أو المواطن أن يثبت إسلامه لأحد» (22). ويظهر التناقض جلياً في المقال الذي نشره في مجلة "الطريق" تحت عنوان "نداء على الشعب المصري" والذي صرح فيه: « وإذا كان شعار العالم "أنا أفكر فأنا موجود"،
________________________________________
(20)المصدر السابق: 71.
(21)المصدر السابق: 35 .
(22)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 87، مصدر سابق.

[الصفحة - 54]


فليكن شعارنا أنا أفكر فأنا مسلم» (23).
وقد توقف علي حرب عند هذا التصريح في مؤلفه "الاستلاب والارتداد" معتبراً إياه تراجعاً عن منجزات الفكر التنويري، بعد أن كان يهدف إلى إخضاع الخطاب الديني، أي النص الديني والفهم الديني للنصوص إلى الدرس والتحليل العقلاني لإزاحة الغيبي والأسطوري واستبداله بالإنساني والتاريخي. بعد كل هذا يعود في الأخير ليحتمي بالدين. هذا الموقف الصادر عنه سبق وأن انتقده في كتابه "نقد الخطاب الديني". يقول علي حرب: « وهكذا انساق أبو زيد، من حيث لم يشأ، تحت تأثير الإرهاب الديني الذي يمارس ضده، إلى تقويض الإنجاز الديكارتي، منقلباً بذلك على عقله التنويري، إذ التنوير هو خروج المرء من قوقعته الدينية ونهوضه من سباته العقائدي» (24). وقد تنبه أبو زيد في كتابه (الخطاب والتأويل) إلى إمكانية حصول مثل هذا التراجع قائلاً: « ومن شأن هذا الموقف الدفاعي السجالي أن يدخل "الجديد" في دهاليز الديماغوجية الوعظية الإنشائية التي تخاطب العوام بلغتهم وعلى قدر أفهامهم. فينخرط المفكر في إنتاج خطاب ركيك سقيم ينطوي على "التراجع" و"الاستسلام"» (25).
في كتابه "دوائر الخوف" يسجل أبو زيد الاعتراف الآتي: « لقد كان خوفي ـ الذي ما يزال قائماً ـ من إستراتيجية "البحث عن العفريت" التي لاحظت أنها تسيطر على قراء كتبي مثبطاً شديداً جعلني أحياناً أفقد الثقة في جدوى الكتابة والنشر» (26). فأكيد أنه بعد الأحكام التي صدرت في حق أبو زيد أدى إلى جعل قرائه، وخاصة المتشككين في معتقداته، يقرؤون نصوصه بكثير من الحذر والتمعن لإيجاد ما يمكن أن يدينه ويؤكد صدق الأحكام الصادرة ضده. هذا ما يمكن أن يدفعه إلى المزيد من التريث في صياغة أفكاره والتعبير عنها، رغم أنه كان يطرحها من قبل بلغة جسورة غير مراوغة، لغة تقول ما تريد دون لف أو دوران. شعور كثير من المفكرين بخطورة عرض الأفكار دفعة واحدة وبوضوح جعلهم يلجؤون إلى استخدام الحيلة، كما يفعل حسن حنفي. يقول: « أن تقال الحقائق إلى المنتصف حتى يتعود عليها الناس، ثم يكمل جيل قادم النصف الآخر خير أن تقال مرة واحدة..أن تقال الحقائق على نحو متشابه ويترك لجيل قادم أحكامها خير أن تقال محكمة فتقابل بحكم آخر، وتسيل الدماء في عصر التكفير والتخويف المتبادلين» (27). وحسن حنفي يعترف قبل ذلك أن
________________________________________
(23)نصر حامد أبو زيد / نداء إلى الشعب المصري ـ مجلة الطريق، العدد4، السنة 55، 1996، ص5.
(24)علي حرب / الاستلاب والارتداد: 12، ط. الأُولى 1997م، المركز الثقافي العربي.
(25)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 20، مصدر سابق.
(26)نصر حامد أبو زيد / دوائر الخوف: 13، مصدر سابق.
(27)حسن حنفي / حوار الأجيال: 512، دار قباء للطباعة والنشر، 1998.

[الصفحة - 55]


أمثال أبو زيد هم الجيل القادم، فبعد جيل المشاريع الكبرى يأتي جيل جديد يحقق مشروع النهضة على نحو عملي دقيق، جيل يوصف بأنه تكون وتجرّأ وقرأ بين السطور وتجاوز، مثل جيل نصر حامد أبو زيد، وسيد القمني ثم جيل علي مبروك...
ما يميز جيل أبو زيد عن جيل المشاريع هو الجرأة، حيث إنّ أبو زيد أدرك ذلك عشية تكفيره وفي ندائه إلى الشعب المصري اعتبر أن أفكاره وقراءته التي يزعمون أنه ارتد بها عن الإسلام تملأ الأسواق وأرفف المكتبات منذ سنوات طويلة، متسائلاً: لماذا لم يحكموا عليها بنفس الأحكام؟ وهو فعلاً يشعر أنه ينتمي إلى جيل جديد، جيل القراءة العلمية. يقول: « لكن التفات مفكر في قامة زكي نجيب محمود لمسألة التراث وتطويره وتجديده أوجد تحققه في الجيل الثاني، فانتقل مشروع النهضة من "قناع" التراث إلى "تجديد التراث "مع حسن حنفي ولعله ينتقل من " التجديد " إلى "القراءة العلمية" عند الجيل الثاني من تلاميذ الراحل العظيم» (28). والمقصود بقناع التراث عند زكي نجيب محمود هو تحول هذا الأخير من الوضعية المنطقية ومحاولة تجاوزه للميتافيزيقا إلى الاهتمام بالتراث العربي الإسلامي تحت تأثير الهزيمة، وبالتالي إدراكه أنّ الغرب عدو لا يمكن الاعتماد على نظرياته الفلسفية للنهوض بالأمة العربية الإسلامية، فاختفى هكذا وراء قناع التراث احتماء به.
لقد طرح حسن حنفي من قبل فكرة التعود على الحقائق، وكأنّ الحقيقة لا يجب أن تقال دفعة واحدة؛ لكي لا تصدم القارئ، فيتجنب المفكر رد فعله، إلا أنه بالرغم من القضايا التي طرحها أبو زيد إلا أنها تتكرر عند كثير من المفكرين وخاصة عند أركون، الجابري، برهان غليون، حسن حنفي… وإن كان الفارق بينه وبينهم هو طريقة الطرح، فأبو زيد أكثر جرأة منهم وأكثر وضوحاً في التعبير عن أفكاره، إلا أن تكرار طرح هذه الحقائق لم يحدث ما كان يرغبه حسن حنفي، أي تعود القارئ عليها، والدليل تكفير أبو زيد، دلالة على الرفض المستمر لمثل هذه الأطروحات (العلمانية، التاريخية، العقلانية، الحرية...)، فالتكرار ليس معياراً أكيداً لقبول الحقيقة، وهل يمكن فعلاً أن تقال الحقائق إلى "المنتصف"؟ وهل يمكن التكلم عن نصف حقيقة؟ فالحقيقة إمّا أن تقال أو لا تقال، ويمكن أن تقال لفئة معينة ولا تقال لفئة أخرى، تبعاً للشروط التي وضعها ابن رشد انطلاقاً من فصله بين المعرفة البرهانية
________________________________________
(28)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 82، مصدر سابق.

[الصفحة - 56]


والمعرفة الجدلية والمعرفة الخطابية. هكذا فإنّ وجود عائق التكفير أمّا أنه يؤدي إلى قول الحقيقة إلى المنتصف مما يفقد الحقيقة كل معنى أو مصداقية وفعالية، أو أنه يمنع التعود على الحقائق عندما تقال بوضوح وبطريقة مباشرة.
يستعرض كذلك أبو زيد التكفير كعائق أمام العمل الأكاديمي وأمام البحث العلمي، فهو يطرح في هامش كتابه "الخطاب والتأويل" التأثير المباشر للاغتراب قائلاً: « ومن الضروري هنا الإشارة على سبيل الاعتذار إلى ذلك الاعتماد على دائرة المعارف الإسلامية من جهة، دون العودة إلى المصادر، وكذلك الاعتذار على استخدام طبعات قديمة جداً لبعض كتب ابن رشد، خاصة كتاب التهافت، وبخصوص هذا الكتاب الأخير فالطبعة التي اعتمدت عليها من السوء لدرجة أنها أحوجتني في كثير من الأحوال للعودة إلى الترجمة الإنجليزية للكتاب ـ والتي سأشير إليها من بعد ـ من أجل التأكد من صحة قراءتي للنص، ولعل القارئ سيسامح كل تلك المحظورات التي أباحتها ضرورة بعدي عن مكتبتي في سياق لا يحتاج لشرح أو إيضاح» (29). فهل يمكن في مثل هذه الظروف المتمثلة في البعد عن الوطن وبالتالي عن الكتاب تحقيق القراءة العلمية التي كان يصبوا إليها أبو زيد؟
في نفس الإطار يشعر أبو زيد بأنً ما حدث له شبيه بما حدث لابن رشد الذي أُحرقت كتبه. هذا كله أثّر على تفكير أبو زيد، مما جعله يجزم بوجود محاكم التفتيش في واقعنا إشارة إلى ما تمارسه مؤسسة الأزهر من مراقبة على منتجات العلوم الإنسانية. يقول: « فبرغم كل الادعاءات والدعاوي العريضة، والفارغة من الفهم، من عدم وجود سلطة دينية في الإسلام تشبه الكنيسة في المسيحية، فالواقع الفعلي يؤكد وجود هذه السلطة، بل وجود محاكم التفتيش في حياتنا…» (30). ويشير محمد عبده إلى أنّ إنشاء محاكم التفتيش في أوروبا كان مصادفاً لظهور الرشدية وانتشار العلم والفلسفة، خصوصاً في جنوب فرنسا وإيطاليا. لقد مارست هذه المحاكم عنفاً على كل المفكرين الذين لم تكن تصوراتهم تتطابق مع أُطروحات الكنيسة. من بين الإحصائيات التي يقدمها محمد عبده أنّه ما بين 1481 إلى 1808م تم الحكم على ثلاثمئة وأربعين ألف، منهم ما يقارب مئتي ألف أُحرقوا بالنار أحياء.
من أهم المحاكمات محاكمة غاليلي غاليليو لأفكاره العلمية والفلكية المساندة
________________________________________
(29)المصدر السابق: 23 الهامش.
(30)المصدر السابق: 226.

[الصفحة - 57]


لملاحظات كوبرنيكوس حول دوران الأرض. يقول بدوي واصفاً ذلك: « وتمت محاكمة جاليليو للمرة الثانية بتهمة الهرطقة. وصدر الحكم في 22 يونيو سنة 1633، وفي القاعة الكبرى في دير الدومنيكان المسمى دير منيرفا، واضطر جاليليو وهو جاث على ركبتيه، أن يقر بأنه ارتكب خطيئة وفقاً للصيغة التي أعدتها المحكمة ـ حين اعتقد أنّ الأرض متحركة وأنّ الشمس في مركز مجموعة من الكواكب من بينها الأرض. وتعهد بأنه من الآن فصاعداً سيكون مطيعاً لسلطة الكنيسة وعقائدها، وبأنه ينفذ كل العقوبات التي فرضت عليه، ومن بين هذه العقوبات: "السجن الشكلي" لدى الديوان المقدس» (31). وهذا يدل على الطابع الديني لمحاكم التفتيش، فبالرغم من أنّ أعمال غاليلي كانت متوجهة لدراسة الكون بطريقة علمية، إلا أن نتائج دراسته جعلت المؤسسة الدينية تحكم عليه بالهرطقة؛ لأنه شكك في المعتقدات الدينية، وخاصة أنّ معارف الكنيسة العلمية لم تكتسب بوسائل البحث العلمي، بقدر ما اكتسبت بطرق الإيمان الديني التي لا يمكن في نظرها أن تخطئ.
يمكن إقامة مقاربة بين السلطة المهيمنة في المجتمعات الغربية وبين آلية التكفير المشتركتان في قاعدة المنع، فمشال فوكو مثلاً في دراساته يؤكد على طبيعة السلطة التي تهدف إلى القمع وفرض القانون والخضوع له، وهذا ما يؤكد على وجود أشكال المقاومة المواجهة للسلطة. وبفضل تمفصل نقاط المقاومة، تمتد السلطة إلى مختلف المجالات الاجتماعية. كما أنه لا يمكن الفصل بين الخطاب والمقاومة؛ لأنه في نظر فوكو أفضل ما يقاوم السلطة عن طريق قول الحقيقة بوضوح، وتجنب التحريف. تلجأ السلطة إلى العقاب في حالة عدم الخضوع للقانون، ويختصر فوكو أشكال العقاب في ثلاثة أنواع: « وثمة طريقة وجيزة لوصف تاريخ العلاقات السلطوية والعلاقات الشيئية تقوم على اختصار أشكال العقاب الثلاثة التي وصفها فوكو، أي التعذيب كوسيلة للسلطة الملكية، والإصلاح الإنساوي كحلم للتصور المثالي في العصر الكلاسيكي، وأخيراً السجن والمراقبة الضبطية كتجسيد للتكنولوجيا الحديثة للسلطة التأديبية» (32).
والتكفير يخرج عن هذه الأشكال الثلاث من العقاب التي وصفها فوكو، وإن كان يؤدي أحياناً إلى التصفية الجسدية. يقول أبو زيد: «...ويلي الاتهام بسلاح التكفير
________________________________________
(31)عبد الرحمان بدوي / ملحق موسوعة الفلسفة: 95، ط. الأُولى 1996م، المركز العربي للدراسات والنشر.
(32)دريفوس أوبير، رابينون بول / فوكو مشال مسيرة فلسفية، ترجمة: جورج أبي صالح، مراجعة: مطاع صفدي: 131، مركز الإنماء القومي.

[الصفحة - 58]


ومشتقاته إطلاق الرصاص من جانب الجناح العسكري للاتجاه - أو الاتجاهات ـ الإسلامي..»(33). وما يعادل التكفير في المجتمعات الغربية هو الجنون، فالاتهام بالجنون هو أيضاً آلية للإقصاء. يرى هنري أوكومب في مقاله "التواصل والجنون" أنّ المجنون كضحية يؤدي وظيفة مزدوجة، فهو يطرد العنف من الجماعة، لتمركز العنف على شخص بعينه. هو ثانياً يحقق الإجماع الذي يؤسس التماسك، وبالتالي فإنّ الإصابة بالجنون خطر يتربص بكل من يعيش في الجماعة، ما دام تحمّل الآخر واحترام القانون واجبين إجباريين.
تعرض فوكو من خلال "نظرية القهر" للجنون، من حيث إنّ الجنون ليس مرضاً عقلياً تتم معالجته في المصحات والمستشفيات؛ لأنّ الطبقة البرجوازية في العصر الكلاسيكي كانت تفرض أخلاقياتها وقناعاتها على مختلف طبقات المجتمع، ومن يقاومها يعد شاذاً أو مجنوناً يجب عزله عن الآخرين. هذا مخالف لما هو موجود في الحضارة العربية الإسلامية التي لم تستعمل آلية الجنون للإقصاء، مما جعل المستشفيات التي كانت مخصصة للمجانين أكثر إنسانية وأكثر خضوعاً للمعايير الطبية؛ لأنه لم يكن لها هدف آخر غير العلاج.
يقول عمر مهيبل شارحاً فوكو: « يظهر أن العالم العربي عرف منذ مدة مستشفيات حقيقية مخصصة للمجانين فحسب، قد يكون ذلك في فاس ابتداء من القرن السابع وقد يكون في بغداد في نهاية القرن الثاني عشر، وبالتأكيد في القاهرة خلال القرن الثالث عشر، وقد اتُّبع في هذه المستشفيات نوع متميز من العلاج، وهو علاج النفس بواسطة الموسيقى، والرقص، والعروض المسلية، والشعر الرقيق الناعم، وكل ذلك يجري تحت رعاية أطباء متخصصين، يقررون وقف العلاج متى تحسنت حالة المريض» (34). عكس المستشفيات الغربية فقد كانت تديرها إدارة مدنية لا علاقة لها بالطب، وفي كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" يقول: « إنّ المستشفى الرئيسي ليس مؤسسة طبية، هو بالأحرى بنية شبه قضائية، نوع من الهوية الإدارية، التي هي بالإضافة إلى السلطات المشكلة وخارج المحاكم، تقرر، وتحكم وتعدم..» (35). صفة الجنون لم تلصق فقط بالمعتوه والأبله والمشرد...بل حتى بالفيلسوف، الذي لم يحاول التخلص منها بقدر ما عمل على جعلها صفة ملازمة له،
________________________________________
(33)نصر حامد أبو زيد / مقال: الاستقطاب الفكري ، مجلة الطريق، لعدد 3، السنة 53. مايس / أيار 1994، ص 9.
(34)عمر مهيل / البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر: 168 (الجزائر).
(35)p56. le monde en 10/18-1964- Histoire de la folie - Foucault Michel

[الصفحة - 59]


فنجد أن نيتشه يقول: « ولأننا عقول خطيرة، ولنا جسامة الوزن بدل جسامة الرجال، فلا شيء يستطيع أن يحسن إلينا أفضل من قبعة المجنون: إننا في حاجة إليها حاجتنا إلى دواء ضد أنفسنا...» (36). أصبح الجنون عند نيتشه يعني أن يكون المرء مرحاً، رافضاً، ساخراً، طفولياً، وجدياً، يستطيع أن يجمع بين المتناقضات، ورافض للأفكار العمومية والمشتركة. هذا ما جعل كذلك ديريدا في كتابه "الكتابة والاختلاف" يرى أنه لا تفلسف إلا في الرعب، رعب الاعتراف بالجنون.
أما فوكو فقد اعتبر أنّ الجنون ملازم للعمل (Lœuvre)، ويظهر الجنون عند اكتمال هذا العمل، حينها يكون العالم في مواجهة هذا العمل المنجز، فيضطر إلى أن يقيس نفسه باللامعقولية من خلال مجهوداته ونقاشاته، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعمال نيتشه أو فون غوغ. هكذا استطاع الفكر الغربي الاعتراف بالجنون مع إعطائه معنىً جديداً غير مناقض للعقل، بل للأفكار الجاهزة. يقول نيتشه: «...ليست الحقيقة ولا اليقين هما ما يكون الرأي المعاكس لعالم الجنون، بل العمومية والضرورة الاجتماعية لرأي ما...» (37). أما في العالم العربي، فقد بقي التكفير دائماً مناقضاً للتفكير، يقول أبو زيد: «.."التكفير" هو المنهج الكاشف عن مخاصمة "التفكير"والانقلاب ضده...» (38).
إنّ الإقرار بوجود محاكم التفتيش التي تمارس رقابة مستمرة على الأفكار يتناقض مع أُطروحات كثير من المفكرين الذين ينفون وجودها، مثل محمد عبده ورشيد رضا، بحجة أنّ الإسلام لم يعرف الكهنوت أو الرئاسة الروحية بتعبير رشيد رضا، بحيث لا يحق لأي أحد من الناس حتى الرسل منهم محاسبة الغير، ولا الإكراه والإجبار، ولا المحاسبة على القلوب أو الأفكار، ولا مغفرة الذنوب والأوزار، ولا الحرمان من الجنة وإدخال النار. بل ذلك كله من اختصاص الله وحده، وهذا ما يميز الخلافة عن "البابوية" أو الرئاسة الروحية. بالعودة إلى الإحصائيات التي قدمها محمد عبده حول الأحكام الصادرة عن محاكم التفتيش، وبالمقارنة مع أحكام التكفير الصادرة في حق المفكرين، فالملاحظ أنّ هناك فرقاً في كثرة المحاكمات في الغرب وقلتها في العالم العربي الإسلامي، وظاهرة التكفير تكاد تنحصر في المشرق فقط. يرجع ذلك في نظر مصطفى المنساوي إلى وجود وحدة مذهبية في المغرب وعدم وجودها في المشرق.
________________________________________
(36)فريديريك نيتشه / العلم المرح، ترجمة وتقديم: حسان بو رقية، محمد الناجي: 119، إفريقيا الشرق، 2000.
(37)المصدر السابق: 95.
(38)نصر حامد أبو زيد / الخطاب والتأويل: 234، مصدر سابق.

[الصفحة - 60]


يقول المنساوي: « لم يعرف المغرب في تاريخه الحديث عمليات "تكفير" مماثلة لتلك التي شهدتها بعض بلدان المشرق العربي خلال هذا القرن، وخاصة منها مصر ولبنان، يعود هذا الأمر، من بين ما يعود إليه، إلى الوحدة المذهبية (كل المغاربة مسلمون سنيون، لا يتوزعون بين الديانات والطوائف)، وإلى طغيان الصراع السياسي على الصراع الثقافي وحلولـه محله في غالب الأحيان...» (39). وهذا ما يوضح أنه من بين الآثار السلبية للتكفير جعل المحكوم عليه يصدر أحكاماً مبالغاً فيها.
إنّ عنوان كتاب أبو زيد: "التفكير زمن التكفير"، يدل على ذلك، فقد جعل التكفير ظاهرة عامة، والتفكير ظاهرة خاصة ومحدودة، وبذلك غلّب التكفير على التفكير. بالإضافة إلى أنّ حكمه على خطابات التيارات الإسلامية بنفس الحكم ووضعها كلها في خانة واحدة، لا فرق بين المتطرف منها والمعتدل حكم غير صائب؛ لأنه لا يمكن للتكفير أن يكون مشتركاً بين كل الاتجاهات الإسلامية. إنّ محمد عبده الذي يمثل التيار المعتدل كان لـه موقف رافض للتكفير، فإذا كان هناك خطاب يحتمل الكفر بنسبة تسعة وتسعون بالمئة ويحتمل الإيمان بنسبة واحد بالمئة فلا بدّ من اعتباره خطاب إيمان لا خطاب كفر، وفق محمد عبده.
هناك إذاً تعقيد واضح في تركيبة "اليمين الديني" كما يستعرض ذلك حسن حنفي: « والحقيقة أنّ اليمين الديني أكثر تعقيداً، فهناك خطاب المؤسسة الدينية الرسمي الممثل في الأزهر (الطنطاوي)، وهناك خطاب الدولة الرسمي الممثل في أجهزة الإعلام (الشعراوي). وهناك الخطاب الإسلامي الذي يضم بدوره عدة تيارات مختلفة يجمعها جامع ولكن تتمايز فيها الأصوات، ويقترب البعض منها وهو الإسلامي المستنير (كمال أبو المجد، طارق البشري، فهمي هويدي) إلى اليسار الإسلامي، بينما يقترب البعض الآخر(محمد الغزالي، محمد عمارة) إلى اليمين الديني..» (40). وأبو زيد يضع اليمين الديني بكل تفرعاته (خطاب الدولة الرسمي، خطاب المعارضة الدينية، الإسلام المستنير، التيار العلماني الديني، الإسلام المستنير العلمي) في الطرف المناقض لليسار العلماني الذي يمثله هو نفسه.
________________________________________
(39)مصطفى المنساوي / مقال: أحمد السنوسيفنان من هذا الزمان ـ مجلة الحدث العربي والدولي- العدد4، نوفمبرـ ديسمبر1999، ص 50.
(40)حسن حنفي / حوار الأجيال: 468 ـ 469، مصدر سابق.

[الصفحة - 61]


الاستنتاج
من الآثار السلبية لعائق التكفير أنّ أبو زيد أصبح يمارس على خصومه نوعاً من العنف، فهو أحياناً ومن خلال بعض المصطلحات يصفهم بالأُصولية، والسلفية، والرجعية الظلامية... يمارس هكذا بدوره إقصاء لخصومه من الساحة الفكرية، معتقداً أن مثل هذه المفاهيم ستبعد القارئ عن تلك الأفكار. كقوله مثلاً: « ومن هنا تكون الدعوة إلى "التحرر من سلطة النصوص"هي في حقيقتها دعوة إلى التحرر من السلطة المطلقة والمرجعية الشاملة للفكر الذي يمارس القمع والهيمنة والسيطرة حين يضفي على النصوص دلالات ومعاني خارج الزمان والمكان والظروف والملابسات» (41). ويصف كذلك خصومه بالخداع والتزوير والتضليل. يقول: « هذا الإقصاء للعلمانية والعلمانيين من حيز "الوطن" و"الوطنية" يعتمد أيضاً على آلية الخداع والتزوير والتضليل، التي توحد بين "العلمانية" و"الكفر" ولا ترى فيها إلا معاداة الأديان» (42).
بالإضافة إلى أنّ مفهوم السلفية الذي يصف به أبو زيد خصومه ليس دقيقاً، فطه عبد الرحمان يعتبر أنّ هذا المفهوم لا يصدق فقط على الاتجاه الإسلامي، بل حتى على الاتجاه التنويري. يقول: «فليست الطريقة التي يفكر بها السلفي بمختلفة عن الطريقة التي يفكر بها هذا المدعي، فالفكر أياً كان، ولأيّ كان، وفي أيّ مجال كان، يعتمد دائماً وأبداً نماذج "سالفة" يرجع إليها في تحصيل المعرفة وتبليغها» (43). فالتنويري في رجوعه إلى نموذج تراثي غربي يتصور العقلانية كما يتصورها أسلاف الغرب في القرن السابع عشر. تظهر سلفية أبو زيد بالخصوص في رؤيته القريبة من المادية التاريخية في أُصولها الماركسية، والتي تعطي الأسبقية للواقع على ما هو ميتافيزيقي أو روحي، مما أدى بأبو زيد إلى القول بأسبقية الشروط التاريخية وتأثيرها على النص الديني وتشكلهن، وحتى الفعل الإلهي حسبه يجري على سنن التاريخ وقوانينه، وبذلك يقع في تقديس التاريخ، بل تأليهه، كما لو كان سيداً عظيماً يقبض على كل شيء.
أخيراً يمكن النظر إلى هذا الصراع القائم بين التنويريين والسلفيين، الصراع الذي يستخدم فيه كلا الطرفين آليات الإقصاء والنفي. يمكن النظر إليه على أنه طبيعي
________________________________________
(41)نصر حامد أبو زيد / التفكير زمن التكفير: 138، ط. الأُولى 1995م، سينا للنشر.
(42)نصر حامد أبو زيد / دوائر الخوف: 174، مصدر سابق.
(43)طه عبد الرحمان / العمل الديني وتجديد العقل: 70، ط. الثانية 1997م، المركز الثقافي العربي.

[الصفحة - 62]


وضروري في نفس الوقت؛ لأن كلاهما يحمل هم النهوض بالأُمة العربية الإسلامية، وفق ما يراه مناسباً من الوسائل والمشاريع، وبما أنّ القرآن والوحي هو غالباً محور صراعهم من خلال تساؤلهم عن كيفية تدوينه، وكيفية تأويله وتفسيره، وعلاقته بالواقع والتاريخ، وطريقة نزوله، ومدى قدمه أو حدوثه، ونسبة المجاز والحقيقة فيه، وقيمة الأحكام الواردة فيه من حيث نسبيتها وإطلاقيتها، وعلاقته بالعقل والإيمان، وناسخة ومنسوخة، وترتيب النزول والتلاوة...كل هذا يدل على أهميته من حيث كونه نصاً مؤسساً، ونصاً مشرعاً. حسب سبينوزا فإنّ الناس لا تتصارع إلا على ما كان محبوبا عندهم. يقول: «...بالفعل، أبداً ما كانت الخصومات تولد بسبب موضوع ليس محبوباً؛ لأننا لن نحسّ بأيّ حزن إذا تلاشى، وأيّ حسد إذا امتلك من طرف الغير، وأيّ خشية، أيّ كره، وفي كلمة واحدة أيّ انفعال شديد للروح» (44).
هذا الانفعال الشديد للروح يظهر في حماس الاتجاه السلفي لتحقيق نموذج الخلافة والتطابق مع التجربة المحمدية، والمحافظة على الامتياز الذي يحتله النص الديني داخل الثقافة. في نفس الوقت هناك خشية كبيرة من تحقيق العلمنة. أما الانفعال الشديد للروح لدى الاتجاه التنويري فيظهر في الرغبة الملحة في تحقيق الحداثة والتحديث، والخوف من هيمنة رجال الدين وسيطرتهم على العقول، مما أدى إلى انتكاس التنوير حسب نصر حامد أبو زيد.
يمكن في الأخير الاختتام بهذا النص المميز لسبينوزا، والذي يحدد فيه طبيعة العلاقة التي يجب على المفكر إقامتها مع كل العوائق المحيطة به. يقول: «رغم أنّ قوى فكر وحيد هي بالتأكيد محدودة، وفعله محدود، فإنّ الإنسان الحر يجب عليه العيش بين الجهال، الذين بسبب جهلهم نفسه معرّضين لأخطر الأهواء: إنهم طموحون، غيورون، متكبرون. أفلا يمكن أن يعاني الإنسان الحر من كرههم ومن اضطهادهم؟ أليسوا عائقاً للمحافظة عليها (الحرية)؟ أليس من الأحسن أن يتخلى عن خدماتهم وينسحب في العزلة؟ لا الإنسان الحكيم يعلم أنّ مجتمع الإنسان، حتى وإن كان جاهلاً، هو من أول المنافع من أجل تطور ذاته وعقله، بين ضررين فإنه يعلم كيف يختار أقلهما»(45)). هذا الإنسان الجاهل أو "العامي" قد ركز عليه أبو زيد، حيث
________________________________________
(44)Spinoza. B- Traité de la réforme de Lentendement -Texte traduction et notes par. A. Koyré - Librairie Philosophique. J. Vrin. Paris-1994. p8
(45)Brunschvicg Léon -Spinoza et ses contemporains- P.U.F-4eme édition. 1951. p111.

[الصفحة - 63]


رأى أن عدم اهتمام المنظومات المعرفية المختلفة به هو الذي أدى إلى تفاقم أحكام الردة والتكفير، فالمتكلمون كالمعتزلة وجهوا اهتمامهم إلى الإنسان العاقل، أما المتصوفة والفلاسفة فركزوا على الإنسان العارف، وأخيراً فإنّ الفقهاء راعوا فقط الإنسان المطيع. فقد تم إقصاء الإنسان الاجتماعي غير العارف أو غير المطيع، حيث يقول: «...فهو الإنسان" المفكر"عند المعتزلة، "العارف"عند الفلاسفة والمتصوفة، وهو " المكلف"المطيع عند الفقهاء. وفي معظم هذه التحديدات غاب الإنسان" الكائن الاجتماعي" ـ غير العارف أو غير المطيع ـ عن هذا الفكر» (46).
محمد أركون نفسه تنبه إلى الإقصاء الذي تعاني منه الجماهير الشعبية، من طرف المفكرين، بحيث تظل منغلقة داخل الثقافة الشعبية وحدها، رغم أنها تمثل الأغلبية المستهلكة للعقائد الإيمانية، واللاعقائد الخاضعة للبحث العلمي. إنّ سبب هذا الإقصاء يرجع إلى عقلية القرون الوسطى، حيث كانت النخبة تدعو إلى إبقاء العوام بمنأى عن المناقشات العلمية، في حين أنّ الروابط التي يمكن أن يقيمها المفكر معها هي نافعة لـه أكثر مما لو عزل نفسه عنها. يؤكد أركون أن كلاً من العنف، التقديس، الحقيقة، هي القوى الرئيسة التي لم يسيطر عليها الإنسان بعد، والتي لا تزال حتى الآن تتحكم بكل أشكال وأنماط الوجود البشري.
* * *
________________________________________
(46)نصر حامد أبو زيد / دوائر الخوف: 165، مصدر سابق.

[الصفحة - 64]