البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مفهوم السعادة في الفكر الإسلامي

الباحث :  د. جميل حمداوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  51
السنة :  السنة الثالثة عشر خريف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 6 / 2015
عدد زيارات البحث :  5855

مفهوم السعادة في الفكر الإسلامي

د. جميل حمداوي (*)

تمهيـد
تعدّ السعادة من أهم المحاور التي انشغل بها الفكر الإسلامي إلى جانب إشكالية العقل والنقل، وإشكالية الظاهر والباطن، والتوفيق بين الدين والفلسفة، وخلق العالم وخلق القرآن، وحشر الأجساد، وعلم الله، فضلاً عن الأصول الجدلية التي ناقشها علماء الكلام بعد الفتنة الكبرى من قبل المرجئة والخوارج والماتريدية والمعتزلة والأشاعرة كالتوحيد والوعد والوعيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا يعني هذا أنّ مبحث السعادة مقتصر على الفكر الإسلامي فقط، بل تُنُوولت السعادة قديماً من قبل الفلسفة اليونانية، وحديثاً مع الفلسفات الإنسية والفلسفات المعاصرة، وقلما نجد فيلسوفاً لم يتناول السعادة في كتبه الفلسفية أو يعالجها ضمن نسقه الفلسفي. وغالباً ما كانت السعادة تدرس في مبحث الأكسيولوجيا ( القيم) إلى جانب العدل والخير.
إذن، هل تقترن السعادة بالجسد أم بالعقل أم بالقلب أم بكل هذه العناصر قاطبة؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه في موضوعنا هذا.
هل السعادة سعادة الجسد أم سعادة العقل أم سعادة القلب؟
تقوم السعادة البشرية على إرواء رغبات الجسد ونوازع النفس الشهوانية كما
________________________________________
(*) كاتب، متخصّص في الأدب العربي، وعضو الهيئة العلمية لجامعة لاهاي العالمية للإعلام والصحافة بهولندا، من المغرب

[الصفحة - 161]


ترتكن هذه السعادة إلى إشباع العقل بلذة الفلسفة والمنطق وامتلاك المعارف والعلوم والفنون، كما أنّ هذه السعادة قد تتجاوز ما هو حسي وعقلي إلى ما هو لدني وحدسي وعرفاني وجداني من خلال إشباع الروح وتهذيبها بالنور الرباني واللقاء الإشراقي.
أ ـ سعادة الجسد
كثير من الناس ومن رعاع القوم يعتقدون أن السعادة الحقيقية هي أن يشبع المرء غرائز الجسد وشهوات الذات، وأن يفرط في الأكل والشرب والجنس. بيد أن هذه السعادة المادية الحسية يجاري فيها الحيوان الإنسان ، بل يتفوق عليه كثيراً. ومن ثم، يصبح الإنسان بناء على ذلك حيواناً مادياً ليس إلاّ. لا يتميز عن باقي الكائنات الأُخرى غير الناطقة والعاقلة إذا كان ميسم التمييز والتفريد هو إشباع اللذات والرغبات الجسدية، وإرواء النزوات وغرائز الشهوة البشرية المتقدة. ومن هنا، يتحول عالم الإنسان ومدنيته إلى مملكة للفوضى، وغابة للتصارع والتطاحن حول تحقيق الرغبات وإشباع الملذات وشهوات الجسد.
ويذهب أحمد بن محمّد مسكويه(320-421هـ) إلى أنّ الذين يربطون حياتهم فوق هذه البسيطة باللذات المادية وإتيان الملذات الدنيئة وإشباع النفس الحسية، فإنّهم أشبه بالحيوانات التي لا تعرف في هذه الحياة إلاّ بارتواء أجسادها وتحقيق رغباتها . يقول مسكويه: «وقد ظن قوم أنّ كمال الإنسان وغايته هما في اللذات الحسية، وأنّها هي الخير المطلوب والسعادة القصوى.
وظنوا أنّ جميع قواه الأُخرى إنّما ركّبت فيه من أجل هذه اللذات، والتواصل إليها، وأنّ النفس الشريفة التي سميناها ناطقة إنّما وهبت لـه ليرتب بها الأفعال ويميزها، ثم يوجهها نحو هذه اللذات، لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية الجسمانية.
وهذا هو رأي الجمهور من العامة الرعاع، وجهال الناس السقاط... وسيظهر عند ذلك أنّ من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية، وجعلها غايته، وأقصى سعادته، فقد رضي بأخس العبودية، لأخس الموالي؛ لأنّه يصيّر نفسه الكريمة...عبداً للنفس الدنيئة، التي يناسب بها الخنازير، والخنافس، والديدان، وخسائس الحيوانات التي
________________________________________

[الصفحة - 162]


تشاركه في هذا الحال» (1).
يهاجم مسكويه رعاع الناس الذين لا يرون السعادة إلاّ في متعة الأكل وحلاوة الشراب وعسلية الجنس وإشباع الغرائز، فهؤلاء يحطمون نفسيتهم البشرية الناطقة الحية، ويربطونها بالنفس الحيوانية الدنيئة، ويجعلونها نفس المادة والحس والزوال تندثر باندثار الجسد، ويكون مصيرها وجزاؤها مرتبطاً بمصير الدناءة ورغبة الجسد. ولا تشريف لهذه النفس ولا تمجيد ما دامت قد اختارت نطاق الذات، وإسار الجسد، وقيد الرغبة المادية الفانية الزائلة.
وهكذا، فالفضيلة والكمال والسعادة الحقيقية لا تنال باللذات الحسية والرغبات المادية، وإنّما بالعقل الذي يُعدّ أفضل مرتبة من الجسد. وقد أورد فخر الدين الرازي في كتابه (النفس والروح) عدة حجج للتسفيه بسعادة البدن المرتبطة بدفع الآلام وقضاء الحاجات، وتفضيل سعادة العقل والذهن التي تحقق للإنسان سموه وكماله وترفعه إلى مراقي الفضيلة والخير الأسمى. يقول الرازي في الحجة الثالثة: «إنّ الإنسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع الحيوانات، حتى الخسيسة منها. فلو كانت هي السعادة والكمال، لوجب ألاّ يكون للإنسان فضيلة في ذلك على الحيوانات...».
ويقول في الحجة الرابعة: «عن هذه اللذات الحسية، إذا بحث عنها، فهي ليست لذات، بل حاصلها يرجع إلى دفع الآلام، والدليل عليه أنّ الإنسان كلما كان أكثر جوعاً، كان الالتذاذ بالأكل أتم، وكلما كان الجوع أقل كان الالتذاذ بالأكل أقل...، ولما ثبت أنّ هذه اللذات الجسمانية لا حاصل لها إلاّ بدفع الألم، فنقول: سعادة الإنسان ليست عبارة عن دفع الآلام؛ لأنّ هذا المعنى كان حاصلاً عند عدمه، فثبت أنّ السعادة الحقيقية للإنسان أمر مغاير لهذه الأحوال...».
ويقول في الحجة الثامنة: «كل شيء يكون في نفسه كمالاً وسعادة، وجب ألاّ يستحيي من إظهاره، بل يجب أن يفتخر بإظهاره، ويتبجح بفعله. ونحن نعلم بالضرورة أنّ أحداً من العقلاء لا يفتخر بكثرة الأكل ولا الشرب...، وكل هذا يدل على أن ّ ذلك الفعل ليس من الكمالات ولا من السعادات» (2).
________________________________________
(1)أحمد بن محمّد مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: 49 ـ 51، مكتبة الثقافة الدينية، بدون تاريخ.
(2)فخر الدين الرازي، كتاب النفس والروح: 197-200، مذكور في كتاب الفكر الأخلاقي العربي، نصوص لماجد فخري.

[الصفحة - 163]


ب ـ سعادة العقل
إذا كان رعاع القوم وجهالهم يرون أنّ السعادة تكمن في إشباع لذات الجسد ورغبات الحس، فإنّ الفلاسفة المسلمين يرون أنّ السعادة الحقيقية تتجلى في إرواء لذة العقل وإشباع الذهن المنطقي بالعلوم والمعارف والفنون وخاصة النظرية منها. ويعني هذا أنّ الفلاسفة بما فيهم الكندي والفارابي ومسكويه وابن رشد يرون أنّ السعادة الحقيقية تتمثل في طلب الفلسفة والحكمة، ومزاولة العلوم المنطقية والنظرية قصد الوصول إلى الحقيقة البرهانية اليقينية الصادقة. وبالتالي، فالسعادة العقلية أفضل بكثير من السعادة الجسدية والرغبات الحسية الدنيئة المرتبطة بإشباع غرائز النفس وشهوات الانفعال وأهواء الذات الخسيسة.
ومن ثم، فالسعادة هي أسمى ما يتمنى المرء أن يدركها ، فهي الفضيلة والكمال، وينبغي للإنسان ألاّ يبحث عن السعادة إلاّ من أجلها ما دامت تقترن بالخير والتمام الخلق، وأنّها أفضل الغايات، كما أنّها هي نهاية الكمال الإنساني، حيث لا نحتاج بعدها لأيّ شيء: «أمّا أنّ السعادة هي غاية ما يتشوقها كل إنسان، وأنّ كل من ينحو بسعيه نحوها؛ فإنّما ينحوها على أنّها كمال ما، فذلك ما لا يحتاج في بيانه إلى قول، إذ كان في غاية الشهرة، وكل كمال وكل غاية يتشوقها الإنسان، فإنّما يتشوقها على أنّها خير ما، فهو لا محالة مؤثر. ولما كانت الغايات التي تتشوق على أنّها خيرات مؤثرة كثيرة، كانت السعادة أجدى الخيرات المؤثرة» (3).
ويرى الفارابي أنّ السعادة لا تكون بالمنافع الحسية ولذة التملك ، بل بالفلسفة التي ننال بها السعادة والكمال والفضيلة الكلية الكبرى، ولا تتم الفلسفة إلاّ بتشغيل العقل والمنطق اللذين يساعدان العارف على التمييز بين الأشياء، وإدراك الصواب من الخطأ، واصطفاء الخير من الشر، والحق من الباطل.
ومن هنا، فالعقل هو السبيل الوحيد لتحقيق السعادة، وتصيّد الفضيلة، وتذوق الحكمة اليقينية على غرار التصور الأفلاطوني والأرسطي، كما أنّ المنطق، الذي يُعدّ الآلة التي تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ، أيضاً من الوسائل المهمة لتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية.
________________________________________
(3)الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة: 49، تحقيق وتعليق: الدكتور جعفر آل ياسين، دار المناهل، ط. الثانية 1987م.

[الصفحة - 164]


وفي هذا الصدد يقول الفارابي: «ولما كانت السعادات إنّما ننالها متى كانت لنا الأشياء الجميلة قنية؛ وكانت الأشياء الجميلة إنّما تصير قنية بصناعة الفلسفة، فلازم ضرورة أن تكون الفلسفة هي التي بها ننال السعادة؛ فهذه هي التي تحصل لنا بجودة التمييز، وكانت جودة التمييز إنّما تحصل بقوة الذهن على إدراك الصواب. كانت قوة الذهن حاصلة لنا قبل جميع هذه. وقوة الذهن إنّما تحصل متى كانت لنا قوة بها نقف على الحق أنّه حق بيقين فنعتقده، وبها نقف على ما هو باطل أنّه باطل بيقين فنجتنبه، ونقف على الباطل الشبيه بالحق فلا نغلط فيه، ونقف على ما هو حق في ذاته وقد أشبه الباطل فلا نغلط فيه، ولا ننخدع به.
والصناعة التي بها نستفيد هذه القوة تسمى صناعة المنطق. وهذه الصناعة هي التي بها يوقف على الاعتقاد الحق؛ أي ما هو، وعلى الاعتقاد الباطل؛ أي ما هو...، ولمّا كانت الخيرات التي هي للإنسان؛ بعضها أخص وبعضها أقل خصوصاً، وكان أخص الخيرات بالإنسان عقل الإنسان؛ إذ كان الشيء الذي به صار إنساناً هو العقل» (4).
ج ـ سعادة الروح
إذا كان الفلاسفة يحصرون السعادة في العقل، وممارسة الحكمة والفلسفة، وتشغيل المنطق للوصول إلى السعادة اليقينية الحقيقية، فإنّ المتصوفة كابن العربي وابن سينا والغزالي والسهروردي يرون أنّ السعادة الحقيقية المثالية هي سعادة الروح، وتطهير النفس الإنسانية من براثن الجسد والحس، وتجاوز العقل والظاهر نحو استكناه الباطن، واستجلاء الوجدان والروح، وتخلية النفس من كل قيود الحس وشواغل الدنيا، استعداداً للخلوة واللقاء الرباني، والارتماء بين أحضان الذات المعشوقة، والخضوع لها شوقاً وحباً، والاستسلام لها شوقاً وحنيناً، والميل إليها رغباً ورهباً.
بيد أنّ السعادة الصوفية لا تنال بسهولة ويسر، بل لا بدّ من مراق ومدارج عبر المرور من مجموعة من المقامات والأحوال عبر السفر الروحاني أمّا بواسطة شيخ عارف أو قطب عالم أو صاحب مجرب. ولا بدّ للمريدين من المرور بثلاث مراحل كبرى ألا وهي: التحلية والتخلية واللقاء. وكل مرحلة تتطلب الصبر والتجلد وبذل المجهود الكبير من أجل نيل رضى الله، والاستمتاع باللقاء والكشف الرباني.
________________________________________
(4)المصدر السابق: 77 ـ 78.

[الصفحة - 165]


ويرى ابن سينا أنّ السعادة الحقيقية لا تكون بالحس ولا بالبرهان، بل بالتحلل من إسار الجسد والاتصال بالعالم القدسي النوراني ، والسبيل في ذلك هو القلب والروح وتطهير النفس الناطقة، وفي هذا يقول ابن سينا: «وأما إذا انفصلنا عن البدن، وكانت النفس منا قد تنبهت، وهي في البدن، لكمالها الذي هو معشوقها، ولم تحصله وهي بالطبع نازعة إليه، إذ عقلت بالفعل أنّه موجود، إلاّ أنّ اشتغالها بالبدن، كما قلنا، قد انساها ذاتها ومعشوقها... عرض لها حينئذ من الألم بفقدانه كفء ما يعرف من اللذة التي أوجبنا وجودها، ودللنا على عظم منزلتها، فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة... فيكون مثلنا حينئذ مثل الخدر... أو الذي عمل فيه نار أو زمهرير، فمنعت المادة الملابسة في وجه الحس من الشعور به فلم يتأذّ، ثم عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم.
وأمّا إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حد ّاً من الكمال، يمكنها به إذا فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه، كان مثلها مثل الخدر الذي أُذيق المطعم الألذ وعرض للحال الأشهى. وكان لا يشعر به فزال عنه الخدر، فطالع اللذة العظيمة دفعة. وتكون تلك اللذة لا من جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي للجواهر الحية المحضة، وهي أجمل من كل لذة وأشرف، فهذه هي السعادة وتلك هي الشقاوة» (5).
* * *
________________________________________
(5) ابن سينا، النجاة في معاد الأنفس الإنسانية: 326-330، القسم الثالث (في الحكمة الإلهية)، نقحه وقدم له: ماجد فخري، منشورات دار الآفاق الجديدة ـ بيروت، ط. الأُولى 1985م.

[الصفحة - 166]