البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

معالم التجديد في فكر الامام الصدر

الباحث :  أ نزيه حسن
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  49
السنة :  السنة الثالثة عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1581

معالم التجديد في فكر الإمام الصدر

أ. نزيه الحسن (*)

نبذة عن حياته
هو حسين العلماء وعالم الحسينيين، ثورة الفكر الإسلامي المعاصر التي ما يزال وضيء نورها ينتشر ويمتد، أبو جعفر محمد باقر بن السيد حيدر بن السيد إسماعيل الصدر. مولده ونشأته واستشهاده في العراق، ويعود في أصله إلى قرية (معركة) في عامل؛ الجبل الذي «يحبنا ونحبّه»(1).
ولد في الكاظمية ـ العراق في 25 ذي القعدة عام 1353هـ الموافق 2 آذار 1935م.
هاجر إلى النجف لطلب العلم عام 1365هـ .
تحصيله العلمي
أنهى تحصيلاته الأُصولية عام 1378هـ ، وأتم تحصيلاته الفقهية عام 1379هـ.. مدة تحصيلاته العلمية كاملة حوالي سبع عشر أو ثماني عشرة سنة (2)، كان يستثمر منها كل يوم ست عشرة ساعة للتحصيل العلمي. بدأ بتدريس الأُصول عام 1378هـ. ، وأنهى الدورة الأولى عام 1391هـ ، وبدأ بتدريس الفقه عام 1381هـ .
أساتذته
تتلمذ على يد العلامّة السيد محمد رضا آل ياسين (خاله) المتوفى عام 1370هـ ، العلاّمه السيد أبي القاسم الخوئي (المتوفى عام 1413هـ).
________________________________________
(*)باحث وكاتب، من العراق.
(1) هذه المعلومات في ترجمته تعتمد بشكل رئيسي على: ـ الحائري، السيد كاظم الحسيني: مباحث الأصول ـ مطبعة مركز النشر ـ مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم ـ ربيع الأول عام 1407هـ ـ ج1 ـ ق2.
(2)المصدر السابق، ص44.

[الصفحة - 162]


استشهاده
قضى شهيداً في نهاية فترة اعتقاله الرابع (3)، وتم دفنه في النجف في 23 جمادي الأولى 1400هـ الموافق ليلة 8 ـ 9 نيسان 1979م.
تآليفه
المطبوعة
1 ـ فدك في التاريخ. طبع سنة 1374هـ .
2 ـ غاية الفكر في علم الأصول. طبع منها جزء واحد سنة 1374هـ .
3 ـ فلسفتنا. طبع سنة 1379هـ / 1960م.
4 ـ اقتصادنا. طبع في مجلدين سنة 1381هـ .
5 ـ المعالم الجديدة للأصول. طبعت لكلية اُصول الدين سنة 1385هـ .
6 ـ الأسس المنطقية للاستقراء. طبع سنة 1391هـ .
7 ـ البنك اللاربوي في الإسلام. طبع قبل كتاب الأسس المنطقية للاستقراء.
8 ـ المدرسة الإسلامية. طبعت سنة 1393هـ / 1973م.
9 ـ بحوث في شرح العروة الوثقى، ألّف منها أربعة أجزاء، وكان تاريخ الطبعة الأولى لأول جزء منها سنة 1391هـ .
10 ـ دروس في علم الأصول ـ في ثلاث حلقات ـ والحلقة الثالثة منها في مجلدين. طبعت سنة 1397هـ / 1977م.
11 ـ بحث حول المهدي، وهو مقدمة لموسوعة عن المهدي كتبها السيد محمد الصدر. طبع سنة 1397هـ / 1977م.
12 ـ بحث حول الولاية، وهو مقدمة لكتاب «تاريخ الشيعة الإمامية وأسلافهم» للدكتور عبدالله فياض. طبع سنة 1397هـ / 1977م.
13 ـ الإسلام يقود الحياة، ألّف منه ست حلقات. طبع سنة 1399هـ / 1979م.
14 ـ بحث في المرجعية الصالحة والمرجعية الموضوعية.
________________________________________
(3)أمّا الثلاثة الأولى فهي على التوالي (1392، 1397، 1399هـ).

[الصفحة - 163]


15 ـ الفتاوى الواضحة، الطبعة الثانية مضافاً إليها:
ـ المقدمة: موجز في اُصول الدين (المرسل، الرسول، الرسالة).
ـ الخاتمة: نظرة عامة في العبادات.
طبعت عام 1397هـ / 1977م.
16 ـ مقالات متفرّقة في افتتاحيات مجلة الأضواء تحت عنوان «رسالتنا». وقد صدرت في كتيّب مستقل يحمل الاسم نفسه.
17 ـ أهل البيت، تنوّع أدوار ووحدة هدف. وهو ثلاث عشرة محاضرة أُلقيت في تفسير مواقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
18 ـ المدرسة القرآنية. وقد طبع هذا الكتاب بعد تفريغه من أشرطة تسجيل صوتية قُيدت بها أربع عشرة محاضرة، الأخيرة منها وعظية، بينما تدور الثلاث عشرة الأولى حول:
1 ـ التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي في القرآن الكريم.
2 ـ السنن التاريخية في القرآن الكريم.
3 ـ عناصر المجتمع في القرآن الكريم.
وهي تغطي المرحلة: منذ يوم الثلاثاء 17 جمادي الأولى 1399هـ / 1979م. إلى يوم الأربعاء 5 رجب 1399هـ / 1979م.
19 ـ تعليق على رسالة عملية للسيد محسن الحكيم المسماة بـ «منهاج الصالحين». طبعت سنة 1396هـ / 1976م.
غير المطبوعة (المخطوطة)
20 ـ تعليق على صلاة الجمعة من الشرائع.
21 ـ تعليق على رسالة عملية للسيد محمد رضا آل ياسين المسماة بـ (بلغة الراغبين) علّق عليها وهو في السابعة عشرة من عمره. وفي هذا العمر كتب بحث «فدك في التاريخ».
22 ـ تعليق على (مناسك الحج) لأُستاذه العلاّمة السيد الخوئي.
________________________________________

[الصفحة - 164]


23 ـ موجز في أحكام الحج.
المفقودة
24 ـ كتاب فلسفي معمّق ومقارن بين آراء الفلاسفة القدامى والفلاسفة الجُدد.
25 ـ بحث في تحليل الذهني البشري. لكنّه لم يتمّه.
وقد كتبها الصدر مرتين؛ مرّة بمداد العالم النحرير، وأخرى بدم الشهيد البارّ.
منهجه في التأليف
تتألف السمات العامّة «للمنهج الصدري» بما يلي:
1 ـ الوضوح المنهجي.
2 ـ التتبع المنهجي.
3 ـ اليقظة المنهجية.
4 ـ رسم المعالم المنهجية.
5 ـ الموضوعية.
6 ـ التمييز المنهجي.
7 ـ الالتزام المنهجي.
وتحوي كل واحدة من هذه السمات العامة سماتٍ جزئيةً تنضوي تحتها؛ لتكوّن هذه السمات الجزئية ما يشبه أوجهاً في مؤشر السمة الواحدة، لتأخذ كل واحدة من السمات العامّة مكانها في «هرم» الصدر البحثي (4).
اُسلوبه
ونميّز فيه ناحيتين:
أ ـ الشكل: كأن أُسلوبه سهل المتناول، حتى عندما كان يتناول أعوص المسائل وأشدّها تعقيداً، فهو يبدأ في كل موضوع من المفاهيم البسيطة نحو الصعبة فالأصعب، وبذا يساعده أُسلوبه هذا على الوصول إلى القارئ العادي، والمتخصص على السواء.
________________________________________
(4) أمّا سماته الخاصة فهي: آ ـ التكامل. ب ـ الأصالة. ج ـ الخُلق العلمي. د ـ مَلَكة النقد والتحقيق. وقد فرغنا من استنتاج منهجه في دراسة وافية مستقلة، انظر: ـ الحسن، نزيه، محمد باقر الصدر ـ دراسة في المنهج ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة الأولى.

[الصفحة - 165]


ب ـ المضمون: امتاز السيد الصدر عن غيره من مفكري المسلمين، أنّه انتقل بالفكر الإسلامي من موقع دفاعي إلى موقع هجومي؛ يطرح نفسه فكراً مستقلاً بين التيارين الرئيسيين اللذين كانا يسيطران على الساحة الفكرية العالمية آنذاك، وهما: الفكر الرأسمالي، والفكر الماركسي.
فهو لم يكتفِ بردّ الهجمات والاتهامات التي كان يكيلها أعداء الإسلام لـه بشكل سلبي ـ السلب هنا بالمعنى المنطقي ـ بإظهار أنّ الإسلام ليس كذا، وليس كذا؛ بل إنّه طرح الفكر الإسلامي بدليلاً حضاريّاً متميّزاً بعد أن بيّن معالمه، متخذاً من هذه المعالم نقاط انطلاق في هجوماته على الفكر المعادي، وفي خضم الصراع الفكري الذي كان يستعر أواره ولا يزال، وهذه هي الناحية الإيجابية؛ (الإيجاب هنا بمعناه المنطقي).
نقاط التجديد في فكره
إنّ الناظر في «التراث الصدري»؛ ليجد نفسه أمام طود علمي أشم، هو «في كل فنٍ آية»، وهذا ليس على صعيد الإحاطة الجمعية بهاتيك الفنون، وإنّما على صعيد الإنشاء فيها والابتكار، الذي تناول حقولاً معرفية شتى، سواء على المستوى المذهبي (الفقهي)، أو الإسلامي، أو العالمي عموماً.
وتماشياً مع «المنهج الصدري»، فإنّني سأتكلم عن نقاط التجديد في فكره، لاوفق سمتها الفكرية العقدية (الآيديولوجية)، بل وفق مواضيع، تاركاً للقارئ بعدها أن يصنف هذه النقطة مذهبياً أو إسلامياً أو عالمياً.
الاقتصاد
التفرقة بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي
يفرق الصدر بين علم الاقتصادر والمذهب الاقتصادي، كما يلي:
علم الاقتصاد: هو علم قوانين الإنتاج.
المذهب الاقتصادي: هو فن توزيع الثروة.
________________________________________

[الصفحة - 166]


وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه، وإيجاد وسائله وتحسينها هو من علم الاقتصاد. وكل بحث يبين الثروة وتملّكها والتصرّف فيها فهو بحث مذهبي، ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به، وإنّما يرتبط بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبناها المذاهب المختلفة من رأسمالية واشتراكية وإسلام (5).
وبكلام آخر: المذهب الاقتصادي: يشمل كل قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية تتصل بفكرة (العدالة الاجتماعية).
وعلم الاقتصاد: يشمل كل نظرية تفسّر واقعاً من الحياة الاقتصادية بصورة منفصلة عن فكرة مسبقة أو مثل أعلى للعدالة.
ففكرة العدالة هي الحد الفاصل بين المذهب والعلم، والعلامة الفارقة التي تُميّز بها الأفكار المذهبية من النظرات العلمية؛ لأنّ فكرة العدالة نفسها ليست علمية، ولا أمراً قابلاً للقياس والملاحظة أو خاضعاً للتجربة بالوسائل العلمية (التجريبية)، وإنّما العدالة تقدير وتقويم خلقي.
فأنت حين تريد أن تعرف مدى العدالة في نظام الملكية الخاصة، أو تصدر حكاً على نظام الفائدة التي تقوم على أساسه المصارف بأنّه نظام عادل أو ظالم لا تلجأ إلى نفس الأساليب والمقيايس العلمية التي تستخدمها حينما تريد قياس حرارة الجو، أو درجة الغليان في مائع معين؛ لأنّ الحرارة والتبخر ظاهرتان طبيعيتان يمكن إخضاعهما للبحث العلمي (التجريبي).
وأما العدالة فتلجأ في تقديرها إلى قيم خلقية ومثل عليا، خارجة عن حدود القياس المادّي (6).
الإنتاج والتوزيع
مذاهب البحث فيها اقتصادياً، والتقدم بتقسيم جديد: (إنّ هناك من يعدّ المذهب مقتصراً على توزيع الثروة فحسب، فلا علاقة للمذهب بالإنتاج؛ لأنّ عملية إنتاج الحنطة أو النسيج مثلاً، تتحكم فيها القوانين العلمية، ومستوى المعرفة البشرية بعناصر الإنتاج وخصائصها وقواها، ولا تختلف عملية إنتاج الحنطة أو النسيج
________________________________________
(5) الصدر، محمد باقر: اقتصادنا ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة السادسة عشرة ـ 1402هـ / 1982م ـ ص379، بتصرف طفيف.
(6)المصدر نفسه، ص381.

[الصفحة - 167]


باختلاف طبيعة المذهب الاقتصادي.
فعلم الاقتصاد: هو علم قوانين الإنتاج. والمذهب الاقتصادي، هو من توزيع الثروة.
وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله فهو من علم الاقتصاد، وذو صفة عالمية لاتتفاوت فيه الأمم تبعاً لاختلاف مبادئها ومفاهيمها الاجتماعية، ولا يختص به مبدأ دون مبدأ.
وكل بحث يبين الثروة وتملكها والتصرّف فيها، فهو بحث مذهبي، ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به، وإنّما يرتبط بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبنّاها المذاهب المختلفة من رأسمالية، واشتراكية، وإسلام) (7).
هذه هي النظرة العامّة التي يصححها السيد الصدر، كما يلي:
(وهذا الفصل بين العلم والمذهب ـ علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي ـ على أساس اختلاف المجال الذي يمارسه أحدهما عن مجال الآخر ينطوي على خطأ كبير؛ لأنّه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية نتيجتين لنوعية المجال المدروس:
الأولى: فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث علمي.
الثانية: وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي. مع العلم أنّ العلم والمذهب مختلفان في طريقة البحث وأهدافه لا في موضوعه ومجالاته.
فالبحث المذهبي يظل مذهبياً ومحافظاً على طابعه ما دام يلتزم طريقه وأهدافه الخاصّة ولو تناول الإنتاج نفسه، كما أنّ البحث العلمي لا يفقد طبيعته العلمية إذا تكلّم عن التوزيع ودرسه بالطريقة والأهداف التي تتناسب مع العلم) (8).
اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي
لقد كان السيد الصّدر سبّاقاً إلى عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، والتي هي عكس عملية التكوين التي نراها في المذاهب الاقتصادية الأُخرى، ففي هذه الأخيرة تنطلق الأحكام المدنية من تصور واضح منذ البدء؛ وفاقاً للأرضية المذهبية
________________________________________
(7) المصدر السابق، ص379. هذا الشاهد سبق ذكره في الفقرة السابقة، وفي الحاشية رقم (5). لكنّني ذكرته هنا؛ لأنّ التصحيح الذي يأتي به السيد الصدر عليه يقتضي ذكره، فلم أشأ انتزاعه من السياق.
(8) المصدر السابق، ص379. والنظر إلى هذا الشاهد وما سبقه يقع في إشكال أنّ هناك تبايناً واضحاً فيما بينهما، ولكن هذا الإشكال يزول إذا علمنا أنّ السيد الصدر يتكلم وفق مستويين مختلفين؛ المستوى العام، والمستوى المتخصص. كما هي قاعدة نحوية مثلاً تورد الكلام عليها في المستوى العام ولا تورد أي استثناء لها، بينما تأخذ استثناءاتها بعين النظر عندما يكون الكلام على صعيد المتخصصين. وفي الحالين يكون الكلام علميَّاً رغم اختلاف المستوى.

[الصفحة - 168]


لهذا المذهب أو ذاك، حاملة معها إشعاع المذهب عليها بما يحقّق بقاءها في انسجام وتوافق بين بعضها بعضاً من جهة، وبين الأصل المذهبي الذي انطلقت منه من جهة اُخرى.
فتكون العلاقة بينهما أنّ النظام المدني يكوّن طابقاً أعلى يقوم على طابق أسبق منه في البناء الاقتصادي الذي يمنحه المذهب اسمه.
أما في عملية الاكتشاف في الإسلام، فتغدو المسألة أعقد من هذا بكثير؛ لينعكس الوضع في صيرورة البحث متجهاً من الأحكام الفقهية التي تشكل القانون المدني والمالي منه، والتي تحمل في ثناياها إشعاعات المذهب الذي يكوّن طابقاً أسبق منها غير منظّر بوضوح؛ كما هي الحال في عملية التكوين في المذاهب الاقتصادية غير الإسلامية.
وعناصر عملية الاكتشاف الذي مارسه الصدر، كما يلخصها هو لنا:
1 ـ الأحكام الفقهية الإسلامية، وهي القانون التشريعي.
2 ـ المفاهيم التي تشكل جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية، وهي مجموعة الآراء التي تفسّر واقعاً كونياً أو اجتماعياً أو تشريعياً.
3 ـ عملية التركيب بين الأحكام في إطار المفاهيم.
4 ـ ذاتية الباحث واجتهاده من خلال التصاقه المباشر بالنّص.
ونظراً لخطورة النقطة الأخيرة، يضع السيد الصّدر ضوابط لها، ويحدد أهم منابع خطرها في:
ـ تبرير الواقع.
ب ـ دمج النص في إطار خاص.
ج ـ تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه.
د ـ اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص (9).
دور النقد بين الإسلام والرأسمالية
«دور النقد الأصيل: هو دور المقياس العام للقيمة، والأداة العامّة في التداول، ولكن النقد بعد ذلك لم يقتصر على أداء دوره وممارسة وظيفته في التغلّب على
________________________________________
(9)المصدر السابق، ص388 ـ 421.

[الصفحة - 169]


صعوبات المقايضة ومشاكلها، بل استخدم للقياس بدور آخر طارئ لا يمتإلى التغلّب على تلك الصعاب والمشاكل بصلة، وهو دور الاكتناز بما يثيره من مشاكل.
وقد ظلّت الرأسمالية ردحاً من الزمن لا تدرك حقيقة هذه المشاكل التي تنجم عن دور الاكتناز الذي يمارسه النقد، انسياقاً منها مع نظرية التصريف التي تقول: إنّ الشخص عندما يريد بيع سلعة معينة لا يرغب في النقود ذاتها، بل للحصول على سلعة اُخرى تشبع حاجاته، وهذا يعني أنّ إنتاج أيّة سلعة يخلق طلباً مماثلاً على سلعة اُخرى فيتساوى العرض والطلب دائماً.
فالنظرية تفترض أنّ بائع السلعة يستهدف دائماً من ذلك الحصول على سلعة اُخرى، مع أنّ هذا الافتراض إنّما يصحّ في عصر المقايضة الذي تروّج فيه عملية الشراء وعملية البيع، ولا يصدق على عصر النقد الذي يتيح للتاجر أن يبيع السلعة بقصد الحصول على المزيد من النقد وادّخاره واكتنازه؛ لأجل توظيفه بعد ذلك في عمليات القرض بفائدة.
وفي ضوء هذه المعلومات عن النقود ودورها الأصيل، ودورها الطارئ ونتائجهما نستطيع أن ندرك الاختلاف الجوهري بين الإسلام والرأسمالية.
فبينما تقر الرأسمالية استعمال النقد أداة للاكتناز وتشجع عليه بتشريع نظام الفائدة يحاربه الإسلام بفرض ضريبة على النقد المكتنز، ويحث على إنفاق المال في المجالات الاستهلاكية والإنتاجية»(10).
إلغاء العنصر الربوي من الفائدة في البنك اللاربوي الإسلامي
قلنا في الفقرة السابقة: إنّ الإسلام يحارب الاكتناز وما يؤدي إليه، وهو الفائدة التي تمنحها البنوك الراسمالية الربوية زبائنها. ولطالمّا كان الوضع الاقتصادي الراهن يقتضي وجود بنوك في أيّة منظومة اجتماعية، ومن ضمنها المنظومة الإسلامية، فإنَّ ذلك يتطلب وجود بنك إسلامي لا ربوي، بما يطرحه من إشكالات فيما بينه وبين نظيره في الرأسمالية.
________________________________________
(10)المصدر السابق، ص660 ـ 661.

[الصفحة - 170]


فما هو موقف البنك اللاربوي من الفائدة الرأسمالية؟
يقول الصدر محللاً: «وأما موقف البنك اللاربوي من الفائدة التي تتقاضاها البنوك الربوية على قروض عملائها منها، فيمكن توضيحه على أساس تحليل العناصر التي تتكون منها الفائدة من وجهة نظر الاقتصاد الرأسمالي... فإنّ الاقتصاديين الرأسماليين يُقدّرون عادة أنّ الفائدة تتكون من عناصر ثلاثة:
الأول: مبلغ يفترض في كل فائدة لأجل التعويض عن الديون الميتة، فإنّ البنك يقدّر على أساس إحصاءات سابقة؛ لأنّ نسبة معينة من الديون تظل دون وفاء فيعوّض عنها بذلك.
الثاني: مبلغ يُفترض تغطيته لنفقات البنوك التي يستهلكها ودفع أجور الموظفين، ونحو ذلك.
الثالث: الرابح الخالص لرأس المال.
أما العنصر الأول، فقد يستغني عنه البنك اللاربوي بتوسيع نطاق الائتمان العيني والتقليل من الائتمان الشخصي، وعدم قبوله خارج الحدود التي تتوفر فيها الثقة الكاملة الكفيلة بعدم ضياع الدَّينْ وإذا لم يكن الاستغناء عنه بذلك، وكان لابد من إبقاء الديون الميتة في حسبان البنك اللاربوي بوصفها أمراً واقعاً لا محالة رغم كل المحاولات والجهود، فبالإمكان الاستفادة من فكرة التأمين على الديون والقروض؛ لأنّ شركات التأمين كما تؤمن على الأموال العينية، كذلك قد تؤمّن على الأموال المقترضة.
أما العنصر الثاني، فيمكن للبنك المطالبة به وتخريجه فقهياً يقوم على أساس الأمر شرعاً بكتابة الدَّين، وبإمكان الكاتب أن يأخذ أجرة على الكتابة؛ لأنّها عمل محترم، فله أن يمتنع عن الكتابة مجّاناً. كما أنّ بإمكان الدائن أن يمتنع من تحمّل هذه الأجرة، فيتحملها المدين توصلاً إلى القرض.
وعلى هذا، فيصحّ للبنك أن يشترط في إقراضه عملية رفع أجرة معقولة (أجرة المثل) في مقابل تسجيل الدَّين وضبط حساب العميل.
ولا يُدخل البنك اللاربوي في كلفة القرض التي يطالب المدين بأجرها كلفة
________________________________________

[الصفحة - 171]


الحصول على الودائع التي تدخلها البنوك الربوية في حساب الكلفة، وتريد بها الفوائد التي تدفعها للمودعين وما شابه.
وأما العنصر الثالث، من الفائدة الذي يمثل الربح الخالص لرأس المال الربوي فيُلغى إلغاءً تامّاً في تعامل البنك اللاربوي مع المقترضين، ولكن يمكن للبنك اللاربوي أن ينتهج سياسة خاصّة بصدد ما بلغيه ويتعفف عنه من عناصر الفائدة؛ أي العنصر الأول والعنصر الثالث.
وتقوم هذه السياسة على أساس أنّ البنك يشترط على كل مقترض أن يقرضه لدى الوفاء مقداراً يساوي مجموع العنصرين اللذين ألغاهما من الفائدة بأجل يمتد على خمس سنوات مثلاً، وليس في ذلك أي مانع شرعي؛ لأنّه ليس من الربَا.
ويمكن إنجاز الشرط بصورة يصبح فيها ملزماً للمشترط عليه، وبذلك يحصل البنك على كمية مساوية لما إلغاه من عناصر الفائدة الربوية، ولكنّه لا يعد نفسه مالكاً لها دون مقابل؛ وإنّما هو مدين بها لعملائه، غير أنّه دَين لا يطالب به إلى أجل طويل.
وهذا يتيح للبنك اللاربوي أن يودع تلك الكميّة في البنوك التي يسوّغ لنفسه أخذ الفائدة منها ويتقاضى الفوائد عليها (11)من تلك البنوك طيلة خمس سنوات مثلاً، وكلما حلّ الأجل المحدّد سحبه وأعاده إلى العميل الذي أخذه منه وفاء لدَيْنه. وبهذا الأُسلوب يتفادى البنك الرزق المحرّم المتمثل في امتلاك الفوائد الربوية أرباحاً لرأس المال، ويوفر له شيئاً من الأرباح، ويمكنه من الإيداع لدى جملة من البنوك الأُخرى، الأمر الذي يحرص عليه البنك عادة.
كما أنّ هذا الأُسلوب لن يرهق المقترضين الذين ألفوا التعامل مع البنوك الربوية؛ فإنّ دفع مقدار الفائدة هو الشيء المفروض في الواقع المعاش، بل إنّهم سوف يُتاح لهم أن يسترجعوا ما دفعوه باسم قروض حين حلول الأجل» (12).
فلسفة التاريخ
وفي هذا الحقل نرى إنجازات الصدر المتمثلة بالمفاهيم التالية:
________________________________________
(11) أجدني مضطراً هنا إلى التذكير أنّ أُطروحة «البنك اللاربوي» التي يقدمّها السيد الصدر، وهذا البنك يعيش في ظروف غير إسلامية، فمع تعامله مع البنوك غير الإسلامية يجوز له أخذ الفائدة منها ـ وقد ذكر الصدر السند الفقهي لذلك خلال أطروحته ـ رغم عدم تعامله مع الذين يعيشون جوّاً إسلامياً، كما ذكر ذلك في مقدمته للأطروحة. ويكفي أن نورد تعليقاً بسيطاً في المقام هو أنّ الفوائد المستحقة على الأموال التي تعدّ ثمناً لثروات الأُمّة المباعة كالبترول في بعض الأقطار الإسلامية، والمودعة في البنوك غير الإسلامية تذهب إلى أعداء الأُمّة سلاحاً ومساعداتٍ تهدد وجود الأُمّة وكيانها؛ وذلك بحجة إعلامية مفادها أنّ المتسلطين على هذه الثروات لا يريدون أخذ هذه الفوائد استرضاء لشعوبهم المستضعفة.
(12)الصدر، محمد باقر: البنك اللاربوي في الإسلام ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة الثامنة ـ عام 1403هـ / 1983م، ص68 ـ 70.

[الصفحة - 172]


خصائص السنة التاريخية وأشكالها في القرآن الكريم
للسُّنّة التاريخية ثلاث خصائص، هي:
الأولى ـ الاطراد (13): أي أنّها قانون موضوعي لا يتخلف في حالات سير الطبيعة سيراً عاديًاً.
الثانية ـ الربّانيّة (14): فهي ذات طابع غيبي مرتبط بالله تعالى، وكونها كذلك لا ينفي عنها موضوعيتها، ولكن هذا الطابع يربطها بالنظرة الإيمانية.
الثالثة ـ حرية الإنسان واختياره (15): ضمن مفهوم ربّانية هذه السُّنّة، وكون هذه الحرية لا تصطدم بإرادة الله من جهة، ليس لها بديل من جهة ثانية.
ولهذه السنة التاريخية أشكال ثلاثة أيضاً، هي:
الأول: القضية الشرطية (16): التي تربط ما بين حادثتين اجتماعيتين. ولم يتكلم القرآن عن هذا الشكل من السُّنّة التاريخية بالربط بين الحادثتين وجوداً وعدماً، وإنّما تكلم عن حدوث الثانية متى ما حدثت الأولى.
الثاني: القضية الفعلية الناجزة الوجودية المحققة (17): وهذا الشكل يقوم حداً وسطاً بين إهدار اختيار الإنسان وبين إبطال حريته، إذا ما أخذ الشكل الأول بالاهتمام، في أنّ الشرط فيه هو إرادة الانسان واختياره.
الثالث: القضية المصاغة على صورة اتجاه طبيعي في حركة التاريخ لا على صورة قانون حدّي صارم (18)، وهي قابلة للتحدي من قبل الإنسان ـ بما تمتلك من مرونة ـ ولو لشوط قصير، وليس كذلك القانون الحدّي الصارم «العلمي التجريبي».
ومن هذا القبيل، فالدين سنة التاريخ؛ ولكنّه قد يطاع وقد يعصى.
مفهوم المركب الحضاري للأ ُمّة
والمركب الحضاري لأمّة هو: وجهة نظر معينة تميز هذه الأُمّة تجاه الكون والحياة وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي.
وعوامل هذا المركب عند إنسان العالم الإسلامي، هي:
ـ النظرة إلى السماء (اتصال ما بينه وبين ربّه)، ونتائجها الإيجابية.
________________________________________
(13) الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية ـ السنن التاريخية في القرآن الكريم ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ عام 1401هـ / 1981م، ص75 ـ 77.
(14)المصدر نفسه، ص77 ـ 83.
(15)المصدر نفسه، ص 83 ـ 88.
(16)المصدر نفسه، ص101 ـ 102.
(17)المصدر نفسه، ص 106 ـ 110.
(18)المصدر نفسه، ص111 ـ 121.

[الصفحة - 173]


ب ـ التحديد الداخلي والرقابة الغيبية.
ج ـ الإحساس بالجماعة (وهي هنا أمته الإسلامية) والارتباط بها.
ويقابلها عند الأوربي:
ـ نظرة على الأرض دوماً. (عقيدة، ومبادئ).
ب ـ استقلاليته الفردية ومركزية ذاته (فكرة الحرية بمفهومها الغربي).
ج ـ فكرة الصراع (19).
دور العوامل والمؤثرات في الرسالة الإسلامية
إنّ الرسالة الإسلامية السمحة تقوم في أساس تفسيرها على الوحي «ولا يعني تفسير الرسالة على أساس الوحي والإمداد من السماء بدلاً عن العوامل والظروف المحسوسة، وإلغاء هذه العوامل والظروف عن التأثير نهائياً، بل إنّها مؤثرة وفقاً للسنن الكونية والاجتماعية العامّة، ولكن تاثيرها إنّما هو في سير الأحداث، ومدى ما ينجم عنها من مؤثرات لصالح نجاح الرسالة أو لإعاقتها عن النجاح.
فالرسالة ـ محتوىً ـ حقيقة ربّانية فوق الشروط والظروف المادّية؛ ولكنّها بعد أن تحولت على حركة وإلى عمل متواصل في سبيل التغيير، فيصبح بالإمكان ربطها بظروفها وما تكتنفها من ملابسات وأحاسيس».
فشعور الإنسان العربي بالتمزق والضياع، وشعور البائس الكادح في المجتمع العربي بالظلم والتعسف من قبل المرابين والمستغلين، والشعور القبلي إنْ بين قبائل قريش أو بين عرب جنوب الجزيرة تجاه شمالها، وظروف العالم المتداعي، وأحوال الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية على المسرح الدولي وقتئذ واشتغالهما بنفسيهما. كل ذلك ساعد على إنجاح الرسالة، ولكنّه إنّما يفسر الأحداث، ولا يفسر الرسالة نفسها (20).
جدل الإنسان
ويعد هذا المفهوم فتحاً رائعاً في فلسفة التاريخ العامّة من جهة، وفي تطوير هذا المهوم (مفهوم الجدل)؛ ليصبح مفهوماً إسلامياً من جهة اُخرى.
________________________________________
(19)الصدر، محمد باقر: اقتصادنا ـ (مصدر سابق)، ص14.
(20)الصدر، محمد باقر: موجز في اُصول الدين ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ طبعة عام 1401هـ / 1981م، ص 81 ـ 82.

[الصفحة - 174]


وجدل الإنسان من الوجهة الإسلامية، أو الجدل الإسلامي، كما يعرّفه الصدر: «هو الجدل المخبوء في محتوى الإنسان الداخلي، ذلك هو التناقض الرئيسي الذي يفرز دائماً وأبداً صيغاً متعددة من التناقض» (21).
وإذا ما أردنا أن نحلل هذا الجدل لنرى ملامحه عن الجدل الطبقي الماركسي، وجدنا فيه الميزات التالية:
أ ـ النقيضان لا يزولان، بل لابد من غلبة أحدهما على الآخر في مسيرة الظاهرة المطّردة (الخير والشر) تطبيقاً لسنة التدافع الكونية: {وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} (22).
ب ـ الجدل الإسلامي يتناول المفهوم الكوني كلّه، وليس فقط الظاهرة الإنسانية: «لا شيء خيرٌ في ذاته، ولا شيء شرٌ في ذاته».
ج ـ يرتكز الجدل الإنساني في الإسلام على الانسان كلّه لا على الناحية الاقتصادية وحسب.
د ـ ليس الصراع هو محرّك الجدل الإسلامي بتغليب أحد الطرفين على الآخر مرحلياً، وإفنائهما معاً أخيراً، بل سبب وجود الطرفين هو التوازن لا التناقض، إذا ما كانت النسبة بينهما في مستواها السوي.
هـ ـ يطال الجدل الإسلامي أشواق الإنسان الروحية، ولا يقف عند الجانب المادّي منه.
و ـ إنّ الجدل الماركسي المادي يقضي على نفسه حينما لا يضع للتناقض حداً، ويأتي في ذلك بتساؤل مُلحٍّ ينتج عنه: ما هو النقيض للمجتمع الشيوعي النهائي؟
بينما يضع الجدل الإسلامي حلاً لهذا، بتدخل ذات فاعلة (هي الله سبحانه وتعالى)؛ لإيقاف هذا الاصطراع بين الخير والشر، لتنهيه لصالح الخير في نهاية المطاف.
ز ـ مظاهر الصراع الإنساني (فرداً، وجماعة) هي تجليات لأسماء الله تعالى الذي خلق الإنسان خليفة له.
________________________________________
(21)الصدر، محمد باقر: المدرسة القرآنية ـ (مصدر سابق)، ص211 ـ 220.
(22) الحج: 40.

[الصفحة - 175]


المنطق
استطاع السيد الصدر بإضافة بدهيتين، التقدم بنظرية جديدة في الاحتمال؛ ليقيم بذلك الاستقراء على أسسه المنطقية المتمثلة في نظرية الاحتمالات الرياضية، ولسدّ ـ من ثم ـ الثغرة التي تسمى منطقياً بـ «ثغرة الاستقراء» أو «فقرة الاستقراء»، التي لم يفلح في تجاوزها أحدٌ من المناطقة قبله؛ وليصلح نظرية المعرفة البشرية على أساس من نظريته الاحتمالية الجديدة «النظرية الصدرية». التي بسطها بسطاً وافياً في سفره المعرفي الرفيع «الأسس المنطقية للاستقراء» (23)، هاتان البدهيتان هما:
1ـ العلم الإجمالي.
2 ـ الحكومة.
وهما في أصلهما مقولتان خاصتان بعلم اُصول الفقه، وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) واللتان نعرّفهما نحن هنا ـ متمشين مع الناحية المنطقية التي وضعتا في سياقها ـ بما يلي:
العلم الإجمالي: هو علم بالتشكيك على مجموعة معيّنة إزاء اُخرى؛ لتأليف قضية يكون عنصر المجموعة الثانية مصداقاً محتملاً لمفهوم العلم الإجمالي.
الحكومة: العدول عن أحد دليلين متساويي الحجية ظاهرياً إلى الآخر؛ لنكتة رجّحت هذا العدول(24).
وقد كان لهاتين المقولتين شأن خطير في تأسيس «النظرية الصدريّة للاحتمال» سواء على المستوى المعرفي (الآبستمولوجي)، أم على المستوى العملي (الإمبريقي) من حيث النتائج.
العقائد
مفهوم كون وجود آدم في الجنة بديلاً من مرحلة التربية
فقد كفل الباري سبحانه لآدم(عليه السلام) ـ الذي قُدّر لـه أن يكون ممثل الإنسانية الأول ـ في جنينته الأرضية التي خلقه الله فيها، أن تكون دار حصانة لـه ولزوجه، توفرت فيها كل وسائل الاستقرار، وكفل الله لهما كل الحاجات، وذلك في كونها ـ أي الجنينة ـ توفر الجانب الإيجابي في التربية.
________________________________________
(23) الحسن، نزيه: مساهمة في فهم أعمق لفكر الصدر ـ مجلة التوحيد الطهرانية ـ العدد الرابع والأربعون ـ السنة الثامنة ـ جمادى الأولى، جمادى الثانية 1410هـ / كانون الأول 1989 ـ كانون الثاني 1990م، ص106 ـ 109.
(24)توخيت في هذين التعريفين ـ رغم وفائهما بالناحية المنطقية ـ الناحية الوظيفية التي يقومان بها في «نظرية الصدر المعرفية».

[الصفحة - 176]


أمّا الجانب السلبي من هذه التربية، فقد كان إثر الهزّة الروحية التي اجتاحت كيان آدم(عليه السلام)، حينما ارتكب معصيته؛ ليخلص منها على الحس بالمسؤولية عما يقترف.
والحس بالمسؤولية هو أقصى ما تطمح أن تغرسه أي مدرسة للتربية في نفس إنسانها، وإن كان هذا الحس في مسألة آدم(عليه السلام) مختلفاً لظرفه الاستثنائي (دون وجود أب وعائلة لـه تحتضنه منذ ولادته إلى اكتمال نشأته)، لكن تجربته في الجنة ـ التي كان فيها المربي هو الله سبحانه وتعالى ـ وصلت بآدم(عليه السلام) ـ في جوهرها ـ إلى هدف التربية بشكل عام؛ وذلك كله تمهيداً لدور الخلافة التي سيقوم بها آدم(عليه السلام) على الأرض بتكريم من الباري تعالى (25).
إضافة مبحث جديد إلى علم الكلام
وهذا المبحث هو الاستقراء، في دلالته على وجود الباري تعالى، ونبوة الرسول الأعظم(صلي الله عليه و آله و سلم)، ففي حين كان يسود ساحة البرهنة على وجود الله تعالى دليلان هما ما يعرفان اصطلاحاً بـ «دليل الحدوث» و «دليل النظام والاختراع»، أضاف الصدر طريقاً آخر هو الدليل الاستقرائي. ويتلخص دليل الحدوث بما يلي:
إنّ العالم ـ بما فيه ـ مؤلَّف من جواهر وأعراض، والأعراض متلازمة مع الجواهر، وهي (الأعراض) متغيرة.
وكل متغير حادث. إذن العالم حادث، ولما كان لابد لكل حادث من محدث، فهذا المُحدث هو «الله» سبحانه وتعالى.
أمّا دليل النظام والاختراع فخلاصته:
الكون منظّم، ولا يكون النظام دون علم، ولا يكون العلم دون حياة، ولا تقوم لحياة بنفسها (بما هي صفة) فلا بد لها من ذات حيّة تقوم بها، وهذه الذات الحيّة هي «الله» سبحانه.
ودليل السيد الصدر الاستقرائي الذي طبّقه على كل من العالم الطبيعي، ووجود الباري تعالى(26)، ونبوّة الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) يضعه وفق مراحل خمس، هي:
الخطوة الأولى: الملاحظة.
________________________________________
(25)الصدر، محمد باقر: الإسلام يقود الحياة ـ وزارة الإرشاد الإسلامي ـ الجمهورية الإسلامية في إيران ـ دون ذكر تاريخ الطبع ومكانه، ص151 ـ 153.
(26) الصدر، محمد باقر: موجز في اُصول الدين ـ (مصدر سابق)، ص24 ـ 46. وكذلك: الصدر، محمد باقر: الأسس المنطقية للاستقراء ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة الرابعة ـ 1402هـ / 1982م. والكتاب كلّه مكرس للدليل الاستقرائي بصورة رياضية معقّدة، تصلح فيه نظرية المعرفة من خلال إعادة القيمة المنطقية لهذا الدليل، وربطه في نهاية المطاف بوجود الباري تعالى. وقد قمت بتلخيص هذا الكتاب، انظر: الحسن، نزيه: مدخل إلى نظرية المعرفة الإسلامية المعاصرة ـ موجز الأسس المنطقية للاستقراء ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة الأولى.

[الصفحة - 177]


الخطوة الثانية: الفرضية (التفسير المقترح).
الخطوة الثالثة: دراسة نسب احتمال فرضيتنا والفرضية المعاكسة لها.
الخطوة الرابعة: ترجيح صدق فرضيتنا.
الخطوة الخامسة: ربط هذا الترجيح (الذي وصلنا إليه في الخطوة الرابعة)، بضآلة الاحتمال (في الخطوة الثالثة) لاستنتاج اليقين.
تفسير القرآن الكريم
فكرة التفسير الموضوعي
تقوم فكرة الدراسة الموضوعية في القرآن الكريم، على طرح موضوع «من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية. وتتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده». وتتلخص هذه الطريقة في تفسير القرآن بإقامة حوار عناصره هي:
1 ـ النص القرآني.
2 ـ الموضوع المطروح، والمراد النظر فيه ـ أياً كان ـ عقيدياً أو اجتماعياً أو فكرياً، مُضاءً بتجارب الفكر الإنساني، وطروحات الطبيق التاريخي من إجابات ونقط فراغ.
3 ـ المحاور.
وذلك بغية تكوين نتائج ترتبط دائماً بتيار التجربة البشرية؛ لأنّها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.
وتشكل هذه الطريقة أُسلوباً مقابلاً للتفسير التجزيئي الذي يأخذ النص القرآني دون أي افتراضات أو طروحات مسبقة، محاولاً تحديد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ من القرائن المتصلة والمنفصلة.
فيكون النص هنا (في الطريقة التجزيئية) بمثابة المتحدث، والمفسر هو المصغي الذي يكون دوره سلبياً (27).
________________________________________
(27) الصدر، محمد باقر: المدرسة القرآنية ـ التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي للقرآن الكريم (مصدر سابق)، ص19 ـ 21. هذا وقد تابعت استكمال المنهج الموضوعي للصدر في التفسير، في محاولة إضافة عناصر اُخرى للحوار الذي اقترحه. هي: السّنة المطهّرة، والنماذج التاريخية. راجع: ـ الحسن، نزيه: الحج... وطواف الفكر ـ مجلة التوحيد الطهرانية ـ العدد السابع والأربعون ـ السنة الثامنة ـ ذو القعدة، ذو الحجة 1410هـ / حزيران، تموز 1990م، ص108 ـ 123.

[الصفحة - 178]


معنى جديدٌ للتأويل
ونرى هذا المعنى إضافة بارزة لما قال به المفسرون قبله.
«ونحن إذا لاحظنا كلمة التأويل وموارد استعمالاتها في القرآن، نجد لها معنىً آخر لا يتفق مع ذلك المعنى الاصطلاحي الذي يجعلها بمعنى التفسير ولا يميّزها عنه إلاّ في الحدود والتفصيلات. فلكي نفهم كلمة التأويل يجب أن نتناول ـ إضافة إلى معناها الاصطلاحي ـ معناها الذي جاءت به في القرآن الكريم.
وقد جاءت كلمة التأويل في سبع سور من القرآن الكريم:
إحداها: سورة آل عمران ففيها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} .
والأُخرى: سورة النساء ففيها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} .
والثالثة: سورة الأعراف ففيها قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} .
والرابعة: سورة يونس جاء فيها قوله: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} .
والخامسة: سورة يوسف جاء فيها قوله: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} .
والسادسة والسابعة سورتا الإسراء والكهف؛ إذا جاءت فيهما كلمة التأويل على هذا المنوال أيضاً(28).
وملاحظة ما عدا الأولى من الآيات التي جاءت فيها كلمة التأويل، تدل على أنّها كانت تستعمل في القرآن الكريم بمعنىً آخر غير التفسير، ولا نملك دليلاً على أنّها استعملت بمعنى التفسير في مورد ما من القرآن.
________________________________________
(28) آيتا الإسراء والكهف ـ واللتان لم يذكرهما الصدر ـ هما على التوالي: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً الإسراء: 35. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا الكهف: 78. أما الخمس السابقات فقد خرّجها الصدر على الترتيب كما يلي: (آل عمران: 7)، (النساء: 59)، (الأعراف: 52)، (يونس: 39)، (يوسف: 6). ويلاحظ هنا أنّ الصدر يطبق طريقة التفسير الموضوعي، رغم أنّ هذا البحث (التأويل) سابق تاريخياً على أطروحة «التفسير الموضوعي».

[الصفحة - 179]


والمعنى الذي يناسب تلك الآيات هو أن يكون المراد بتأويل الشيء ما يؤول إليه، ولهذا أضيف التأويل إلى الردّ إلى الله والرسول تارة، وإلى الكتاب اُخرى، وإلى الرؤيا، وإلى الوزن بالقسطاس المستقيم.
وهذا نفسه هو المراد ـ في أكبر الظن ـ من كلمة التأويل في الآية الأولى التي أضيف فيها التأويل إلى الآيات المتشابهة في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} .
فتأويل الآيات المتشابهة ليس بمعنى بيان مدلولها وتفسير معانيها اللغوية، بل هو ما تؤول إليه تلك المعاني لأن كل معنىً عام حين يريد العقل أن يحدِّده ويجسده، ويصوّره في صورة معينة، فهذه الصورة المعينة هي تأويل ذلك المعنى العالم (29).
اُصول الفقه
تشمل إنجازات الصدر في اُصول الفقه ثلاثة حقول:
الأول: تأريخ هذا العلم
يقسم «أصوليّنا» العصور التي مرَّ بها علم الأصول إلى:
الأوّل: العصر التمهيدي: وهو عصر وضع البذور الأساسية لعلم الأُصول، ويبدأ هذا العصر بابن عقيل وابن الجنيد، وينتهي بظهور الشيخ الطوسي(رحمه الله) (30).
الثاني: عصر العلم: وهو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور وأثمرت، وتحدّدت معالم الفكر الأصولي، وانعكس على مجالات البحث الفقهي في نطاق واسع. ورائد هذا العصر هو الشيخ الطوسي، ومن رجالاته الكبار ابن إدريس والمحقق الحلّي، والعلاّمة والشهيد الأول، وغيرهم من النوابغ.
الثالث: عصر الكمال العلمي: وهو العصر الذي افتتحته في تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني عشر، على يد الأستاذ الوحيد البهبهاني، وبدأت تبني عصره الثالث بما قدمته من جهود متضافرة في الميدانين الأصولي والفقهي (31).
________________________________________
(29) الحكيم، السيد محمد باقر، علوم القرآن (محاضرات ألقاها بكلية اُصول الدين في بغداد) ـ منشورات المجمع العلمي الإسلامي ـ مطبعة الاتحاد ـ طهران ـ 1403هـ، ص76 ـ 78. وللتوسع في ذلك راجع: الهاشمي، السيد محمود: مباحث الحجج والأصول العلمية ـ المجمع العلمي للشهيد الصدر ـ طبعة مكتب الإعلام الإسلامي ـ الطبعة الأولى ـ 1405هـ ـ الجزء الأول، الحجج والأمارات، ص280 ـ 283.
(30)إضافة (الطوسي (رحمه الله)) من السيد الحائري في مباحث الأصول ـ (مصدر سابق)، ص58. وليس في طبعة (المعالم) التي نقلت منها ذكر لاسم الشيخ.
(31)الصدر السيد محمد باقر: المعالم الجديدة للأصول ـ دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ الطبعة الثالثة ـ 1401هـ / 1981م، ص87 ـ 88 .

[الصفحة - 180]


الثاني: مباحثه (مواضيعه)
وهي على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: منها ما هو جديد من إنشائه، ولم يبحث من قبل: مثل (ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء وسيرة المتشرعة، فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرينـ رضوان الله عليهم ـ التمسك بالسيرة لإثبات حكم ما، ولكن لم يسبق أحد أستاذنا (رحمه الله)فيما أعلم ـ والكلام للسيد الحائري ـ في بحثه للسيرة وإبراز أسس كشفها، والقوانين التي تتحكم فيها، والنّكات التي ينبغي الاستدلال بها على أساسها).
ومثل (بحثه القيم عما اسماه بنظرية التعويض، وهو وإن كان أقرب إلى فنّ البحوث الرجالية منه إلى الأصول، ولكنّه قد بحثه بالمناسبة، ضمن مباحث حجّية خبر الواحد، ووضّح فيه كيف أنّنا نعوّض ـ أحياناً ـ المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث، بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الأوّلية.
وهذا الأمر ـ وإن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ (رحمه الله) ولكن لم أرَ أحداً قبله يتعرّض لهذه الفكرة على مستوى البحث، ويدقّق في أسس هذا التعويض وأقسامه) (32).
القسم الثاني: ما كان مغايراً لما اختاره الأعلام من قَبْلِه:
ومن هذا القسم (بحثه البديع في حجّية القطع الذي يثبت أن رأس الخيط في البحث، إنّما هو مولوية المولى وحدودها، وانحدر من هذا المبدأ إلى الآثار التي تترتب على ذلك، وانتهى إلى إبطال ما بنى عليه المحققون جيلاً بعد جيل، من قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وآمن بمنجزية الاحتمال، وأنّ البراءة التي نؤمن بها هي البراءة الشرعية أما البراءة العقلية فلا.
ومن هذا القبيل:
أولاً ـ إبطاله حكومة الأصول بعضها على بعض حينما تكون متوافقة في النتيجة، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، أو الأصل السببي على الأصل المسببي الموافق له.
________________________________________
(32)الحائري، السيد كاظم: مباحث الأصول ـ (مصدر سابق)، ص59.

[الصفحة - 181]


ثانياً ـ وكذلك إبطاله حكومة الأمارة على الأصل لدى توافقها في النتيجة.
ثالثاً ـ ومنه ـ أيضاً ـ إبطاله ما اشتهر من جريان أصالة الطهارة في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة.
رابعاً ـ ومنه ـ أيضاً ـ بحثه البديع في الوضع، وإبرازه نظرية القرن الأكيد (33).
القسم الثالث: ما كان معدّلاً ومصححاً لمن قبله:
وفي هذا نذكر بحثه الرائع عن حقيقة المعاني الحرفية، حيث يوافق فيه على أصل ما اختاره المحققون المتأخرون، من كون المعاني الحرفية هي المعاني النسبية والمغايرة هويةً المعاني الاسمية، ولكن مع إدخال تعديل وإصلاح جوهريين. ومن هذا القبيل بحثه الذي لم يسبق له نظير عن الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، حيث اختار نفس ما أثبته المحققون من إمكانية الجمع بينهما وعدم التنافي والتعارض فيما بينهما، ولكن مع التعديل الجوهري لطريقة الاستدلال وكيفية الجمع.
ومن أبحاثه البديعة أيضاً، أبحاثه عن (الترتب) وعن التزاحم، وعن قاعدة لا ضرر التي تعارف البحث عنها في الأُصول رغم أنّها قاعدة فقهية (34).
الثالث: مناهجه
كان السائد في الحوزات العلمية قبل السيد الصدر أنّ كتب الأصول المعتمدة لمرحلة «السطح» التمهيدية هي: «المعالم (35)والقوانين (36)والرسائل (37)والكفاية (38)» (39).
وقد طوّر الصدر مناهج هذا العلم، بترتيب بحوث الأصول، بحيث تصبح مندرجة من الأسهل فالأصعب؛ وذلك بغية تهيئة طالب العلم لمرحلة «الخارج» وهي المرحلة العليا من الدراسة في الحوزة. مدفوعاً على ذلك بالمبررات التالية:
المبرر الأول: أنّ هذه الكتب الأربعة تمثل مراحل مختلفة من الفكر الأصولي بعيدة عما استجد من متطلبات يفرضها العصر على هذا الفكر (40).
المبرر الثاني: أنّ الكتب الأربعة السالفة الذكر لا تصلح أن تكون كتباً دراسية على جلالة قدرها العلمي؛ لأنّها أُلّفت للعماء والناجزين لا للمبتدئين والسائرين (41).
المبرر الثالث: أنّ المقدار الذي ينبغي أن يعطى في مرحلة «السطح» يجب أن
________________________________________
(33)المصدر السابق، ص59 ـ 60.
(34)المصدر السابق، ص60.
(35) «معالم الأصول: مقدمة أصولية للكتاب «معالم الدين» للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، ولما انحازت عنه [عن الكتاب] سميت بـ «معالم الأصول» وعليه حواشٍ كثيرة. [و] «معالم الدين في ملاذ المجتهدين»، في الفقه للشيخ جمال الدين أبي منصور الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني، المتوفى سنة إحدى عشر وألف [1011هـ]، خرّج منه بعد مقدمته المتداولة في الأصول المذكورة آنفاً بعنوان «معالم الأصول» شطراً من كتاب الطهارة، ولم يتم، بل انتهى إلى أول الوضوء وآداب الخضاب. وفرغ من مقدمته في سلخ ليلة الأحد، الثانية من ربيع الثاني 1994). ـ الطهراني، العلاّمة الشيخ آقا بزرك: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ـ دار الأضواء ـ بيروت ـ الطبعة الثالثة ـ 1403هـ / 1983م ج21، ص198 ـ رقم المادة (4593) و (4595) على الترتيب.
(36) «القوانين المحكمة في الأصول»: للمحقّق القمّي، الميرزا أبي القاسم الجيلاني، المتوفى1213، فرغ منه في 1205هـ . المصدر السابق ج17: 202 ـ رقم المادة (1081).
(37) «فرائد الأصول»: المشهور بـ(الرسائل): للشيخ المرتضى الأنصاري، المتوفى1281، وهو مشهور متداول لم يكتب مثله في الأواخر والأوائل. محتوٍ على خمس رسائل في: القطع، والظّن، والبراءة، والاستصحاب، والتعادل. أسس في هذه المباحث تأسيساً نسخ به الأصول الكربلائية، فصارت كسراب بقيعة، ونسج على منواله المتأخرون حتى صار الفخر في فهم مراده، وكتب كلٌ شرحاً أو حاشية عليه، بقدر ما غرم فيه فكره ودرى. ـ المصدر السابق ج16: ص132 ـ رقم المادّة (293).
(38) «كفاية الأُصول»: لشيخنا المولى محمد كاظم الخراساني، المتوفى 1329، في جزأين: أحدهما: مباحث الألفاظ. والآخر: الأدلّة العقلية. طبع مكرراً، وعليه شروح وحواشٍ كثيرة لتلاميذه، وقد طبع بعضها». ـ المصدر السابق ج18: ص88 ـ رقم المادة (810).
(39)الصدر، السيد محمد باقر: دروس في علم الاصول ـ دار الكتاب اللبناني / مكتبة المدرسة ـ بيروت ـ الطبعة الثانية ـ 1406هـ / 1986م، ج1: ص9.
(40)المصدر السابق، ص10 ـ 11.
(41)المصدر السابق، ص13.

[الصفحة - 182]


يحدّد وفقاً للغرض من هذه المرحلة، وهو تكوين ثقافة عامّة عن علم الأصوللمن يريد الاقتصار على هذه المرحلة، وإعداد الراغب للانتقال إلى مرحلة «الخارج» (42).
المبرر الرابع: أن الطريقة المتّبعة في تحرير المسائل، وتحديد كل مسألة بعنوان من العناوين الموروثة تاريخياً في علم الأصول، لم يعد تعبيراً صحيحاً (43). إزاء ما استجد في هذا العلم من مباحث وقضايا عملية تنتظر كلمته فيها.
ولهذا كله أنجز الصدر كتابه «دروس في علم الأصول» مصداقاً لما توخاه وذهب إليه، والذي يبرز فيه ممثلاً لعصر رابع في هذا العلم كما يقول السيد الحائري (44).
مكانته الفكرية
يُعدّ السيد الصدر أقوى حجّة في وجه متهمي الفكر الإسلامي والعربي ـ والشرق عموماً ـ بالجمود، فهو صاحب مذهب فلسفي متكامل سماه «المذهب الذاتي في المعرفة»، في عصر ران فيه الكسل الفلسفي على العالم الإسلامي.
وفكر السيد الصدر هو الفكر الإسلامي المعاصر في قمة شموخه، والصدر غُرّة وضّاءة في جبين الفكر الإسلامي على مرّ العصور.
ويمثل عطاؤه الفكري في مجموعة دائرة معارف مستقلة.
والذي أعطى الاستقلالية المميزّة لفكر السيد الصدر، هو أنّ مصادر ثقافته التكوينية ـ بناءه المعرف ـ لم يَشُبها أيٌّ من العناصر الدخيلة على الفكر الإسلامي، بمعنى أنّه هضم التراث الإسلامي بعلومه المتنوعة، والتقى مع الفكر العالمي بعد أن صَلُب عوده في محك النقد الفكري.
فلم تستطع أيّة فكرة غير إسلامية، إلاّ أن تتحطم على صخرة أساسه المكين وحسب، بل وأن تجد ما يقابلها ـ عنده ـ بديلاً.
فقد كان يمسك العلوم والمعارف الإسلامية بيد، والمنجزات العلمية الحضارية العصرية بيد اُخرى.
وإلى جانب أبحاثه العلمية التي كان ينشئها، كان ينَشِّئ رجالاً رساليين ما زالوا يحملون لواءه، ويمتدون بمدرسته على صفحة الكون.
________________________________________
(42)المصدر السابق، ص17.
(43)المصدر السابق، ص18.
(44)الحائري، السيد كاظم: مباحث الأصول (مصدر سابق)، ص56.
[الصفحة - 183]
رحم الله الصدر، فهو لم يعش حياته بطولها، ولا بعرضها، بل عاشها عمقاً معنوياً، وثراءً روحياً.
سلام على الصدر بين العلماء، وسلام عليه بين الشهداء، وسلام عليه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 184]