البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفضاء العربي الإسلامي وحوار الحضارات

الباحث :  د. عبدالله أبو هيف
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  48
السنة :  السنة الثانية عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 23 / 2015
عدد زيارات البحث :  900

الفضاء العربي الإسلامي وحوار الحضارات

د. عبدالله أبو هيف (*)

جاوز مفهوم حوار الحضارات إطاره الفردي والنظري إلى اندغام حوار الذات مع حوار الآخر استناداً إلى وعي التاريخ من جهة، ووعي مكانة عناصر التمثيل الثقافي من جهة أُخرى، وثمة تعزيز لحوار الحضارات في اكتماله لدى الممارسة، إذ لا أهمية للحوار الفردي أو النظري وحده، مما يجعله حواراً ناقصاً، ما لم يتعمق بمعطياته الجمالية والأخلاقية والمعرفية والتاريخية والوجودية (1)، عندما تتوحد أشكال القدر مع حالات القهر في الإحساس المأساوي بالمصير الإنساني. وتحدّدت مقومات الحوار في موضوعه ومجاله ومداه وغايته وقانونه نحو إدراك منظومته القيمية والثقافية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وتوصيف فضاءاته وحالات تشكلاته.
وتحدد حوار الحضارات بالنظر في بنية المجتمع الدولي وتركيبه القائم على توزيع عناصر القوة ومدى تكافؤها وعلاقاتها ووظيفتها وأساليب استخدامها وتماهي هذه القوة مع سلطة المعرفة؛ لأنّ حوار الحضارات عملية فكرية تنطلق من الوعي بأهمية الحوار المستند إلى معرفة الخصوصيات والنشاطات والفعاليات لدى هذا الشعب أو ذاك، وفي هذه الدولة أو تلك، ضمن فاعلية المجتمع الدولي، ويتطلب ذلك أيضاً «التعرف على الإنجازات الثقافية والعلمية والمعرفية والنسق القيمي ونمط الحياة والسلوك والتصرف وأُسلوب المعيشة والعادات والتقاليد والقيم الروحية والمعتقدات بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة أو متقاربة تتضمن تحويل الخصوصيات السابقة لحضارات مختلفة ومتعددة باتجاه التعاون البناء بين الحضارات والدول والشعوب» (2).
وتؤشر فضاءات الثقافة وعالميتها إلى اكتناز فضاءات المعرفة نحو مجتمع المعرفة والثقافة الرقمية، من خلال مراعاة عمليات إنتاج التدفقات الثقافية العالمية التي
________________________________________
(*) باحث وأُستاذ الأدب المقارن في الجامعات السورية.
(1) أبو يعرب المرزوقي، مقومات الحوار السوي بين الحضارات وشروطه. في كتاب (محاضرات في حوار الحضارات):52 ـ 53، كتاب الثقافة الإسلامية (5)، إصدار المستشارية الثقافية الإيرانية، دمشق 2001.
(2) ماجد شدود، حوار الحضارات:52 القيادة القومية ـ دمشق 2002.

[الصفحة - 30]


تتحرك في طرق غير متشابهة، وإعادة إنتاجها لا مجرد استهلاكها، وهذه التدفقات هي:
أولاً:المشاهد العرقية التي تبحث من خلال تدفقات البشر: السياح، المهاجرين، اللاجئين، المنفيين، العمال الوافدين.
ثانياً:المشاهد التكنولوجية: أي المصانع والإنتاج المتدفق للآلات من خلال الشركات الوطنية، ومتعددة الجنسيات، والهيئات الحكومية.
ثالثاً:مشاهد الأسواق المالية والناتجة عن التدفقات السريعة للأموال في أسواق التداول والبورصات.
رابعاً:المشاهد الإعلامية ومخزون صور المعلومات، والتدفقات الإعلامية عبر الصحف والمجلات والتلفزيون والسينما.
خامساً: المشاهد الإيديولوجية المتصلة بتدفقات الصور التي ارتبطت ـ بشكل متداع ـ بالدول أو بالحركات الإيديولوجية المناهضة لها، والمشتملة على عناصر الحرية والمساواة والحقوق... الخ(3).
ويتطلب ذلك مراعاة عناصر المحلية والعالمية التي تسهم إسهاماً كبيراً في رسم الخصوصيات الثقافية وما ينبثق عنها من الطوابع القومية وتعارضاتها وتناقضاتها مع ثقافات أُخرى، ومن شأن حوار الحضارات أن يخفف من وطأة هذه التعارضات والتناقضات كلما أمعنت الثقافات في رشادها وترشيدها، وكلما جعلت الخطاب الثقافي رحيباً لمجالات التبادل الثقافي، ولعلنا نشير إلى شواهد لا حصر لها عن عالمية الثقافة وقوميتها في آن واحد عند ارتقاء الكاتب من تضييق الرؤى إلى تثمير تداخلات الأطراف مع المركز نفياً للتهميش وتنويراً لأُطروحات التواصل الحضاري.
وتتعلق عناصر المحلية والعالمية بمراعاة عناصر التمثيل الثقافي أيضاً من الأديان والطوائف والعادات والتقاليد والأعراف والطقوس إلى الأفكار والعقائد والإيديولوجيات، بل إنّ التخفيف من الأدلجة والتبشير العقائدي والتسييس بعد ذلك هو الأنسب للتواصل الحضاري بما يفضي إلى احترام حدود الذات وحدود الآخر في الوقت نفسه، إزاء مشكلات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ولم يعد التغيير في دولة معينة من الخارج نافعاً، وليس الحوار مجدياً ضمن إملاءات شروط الهيمنة
________________________________________
(3) انطوني كينج (تحرير) الثقافة والعولمة والنظام العالمي :28 ـ29، ترجمة: عدة مترجمين، المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 2001.

[الصفحة - 31]


والاستعلاء والمكابرة، لأنّ التغيير مرهون بالتغييرات الكيفية والنوعية في سلوكيات البشر والأُمم والدول من داخلها (4).
ولعل الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية والإسلامية والإقليمية والدولية هي التي تضاعف من أحوال التأزم في الحوار الذاتي والحوار الحضاري في الوقت نفسه، ففي المجتمع العربي تفاقمت الخلافات بين الأنظمة إلى إشكاليات ناجمة عن عناصر التمثيل الثقافي التي تستغل خداعاً وكذباً ونفاقاً إلى حدّ العدوان والحرب بين نظام وآخر، و«لو تمعّنا خلال نصف قرن في مدخل التعاون العربي لخلصنا إلى أنّ كلّ مشاكلنا ومعظم أزماتنا كان لها في الغالب جذور سياسية، فلا مفر إذن من إعادة الاعتبار للفكر السياسي النقدي الحرّ لمواجهة تحديات العولمة، فمعركة خوض غمارها ليست معركة اقتصادية ومعرفية فحسب، بل هي كذلك معرفة سياسية» (5).
ويستدعي حوار الحضارات باستمرار التسامح والانفتاح واحترام الخصوصيات والاختلاف والتخفيف من التبشير العقائدي والأدلجة مما يضرّ كثيراً أو قليلاً بوجود الآخر، ولا يتضاد مع مصالح ناشريها، «فالإمبريالية الأمريكية، على سبيل المثال، لا تتحرك وفق رسالة حضارية، ولكن وفق مصالحها الخاصة التي كثيراً ما دفعتها لتقف ضد حقوق الإنسان وضد انتشار الديمقراطية، وساندت الكثير من الأنظمة الدكتاتورية والمدافع الشرس عن النظام الاستيطاني الصهيوني العنصري، وكانت سبباً في استمرار التخلف في العديد من بقاع العالم» (6).
وأنتُقدت القطرية على نحو مبكر إزاء إضعاف النظرية القومية وتحققاتها كما هو الحال في مؤلفي جورج طرابيشي «الدولة القطرية والنظرية القومية» (1981)، وسليمان الغويل «الدولة القومية» (1983)، ولا يخفى أنّ قطرية الدولة العربية توهنها على صعيد العلاقات الدولية، فالدولة القطرية تفتقر غالباً للقوة وموازينها، وتتعرض للاختراقات العسكرية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، «في عولمة الأسواق والتجارة والسلع والصناعة المدعومة بثورة الاتصالات والمعلومات والمعرفة التي تمتلكها الدول الصناعية الكبرى، بالإضافة إلى ازدياد الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ومنها الدول العربية، ثم فقدان هذه الدول دورها كسلطة عليا في إنجاز القرارات،
________________________________________
(4) عبد المنعم سعيد، صراع الحضارات أو العولمة: مصر والصين في عالم متغير:213 مكتبة الأُسرة ـ القاهرة 2002 .
(5) الحبيب الجنحاني، العولمة والفكر العربي المعاصر: 109، دار الشروق ـ القاهرة 2002.
(6) نور الدين الماقني، ملاحظات عامة حول إيديولوجية الهوية: 61في مجلة (الفصول الأربعة)، طرابلس ـ ليبيا، العدد 105-106، أكتوبر 2003، يناير 2004.

[الصفحة - 32]


وازدياد حجم مديونيتها وهيمنة القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية» (7).
وإذا نظرنا في قابلية حوار الحضارات عند العرب والمسلمين وإمكانيته، فإننا ندرك جذوره البعيدة في رؤى صور الآخر الغربي في الفكر العربي الإسلامي في كتب عديدة (8)، وأفاد محمد نور الدين أفاية، في أحدث كتاب في هذا المجال، أنّ الغرب المتخيل ليس منتبذاً أو عدواً، إلاّ في حالات حربه على العرب والمسلمين. وتلخص شغله في الوقوف «عند ما أنتجه الخطاب العربي الإسلامي الوسيط عن طرق لإدراك وتمثل الآخر، والتساؤل عما عبّر عنه من إرادة للمعرفة بالآخر، باعتباره اختلافاً دينياً أو خصماً حضارياً أو عدواً عسكرياً أو شريكاً تجارياً، والعمل على صياغة ما كوّنه هذا الخطاب من صور نمطية ما زالت بعض تعبيراتها تمتد إلى صلب السؤال العربي الراهن عن الذات والآخر، عن الإسلام والغرب» (9).
وتفاقم الإحساس الحضاري أثناء الحرب الباردة ومتوالياتها من الاستقطاب والتبعية والهيمنة إلى العولمة التي ترهن حوار الحضارات بالقوة أو العنف مما يؤدي إلى إضعاف الذات أو التغطية عليها شأن العروبة والإسلام اللتين أدغمتا في دعاوى الإرهاب ومناهضة الحداثة والموقف من التاريخ، وهذا جلي في أُطروحات فوكوياما «نهاية التاريخ»، وهنتنغتون «صراع الحضارات»، وتبدى صريحاً في رواية سلمان رشدي «زفرة المورا الأخيرة» (1998 بالإنجليزية)، تطبيقاً لهذه الأُطروحات، والمورا هم بقايا العرب والمسلمين في أسبانيا إثر هزيمتهم في الأندلس عام 1492، والزفرة هي التي أطلقها أبو عبد الله الصغير متأسياً للخسارة والهزيمة واضطهاد العرب والمسلمين وإبادتهم وطردهم من أسبانيا، بينما غدت عند رشدي امتداداً أو هوة لنهاية تاريخ العرب والمسلمين وخروجهم من الحضارة أو التاريخ في نهايات القرن العشرين. وسمي ذلك عند بعض الباحثين أدلجة نهاية التاريخ نتيجة لغلبة المثاقفة، وهي تأثير الثقافات القاهرة الغازية مثل ثقافة الغرب على ثقافات مقهورة مغزوة مثل الثقافة العربية الإسلامية، ولا يفترق ذلك عن «الصورة النمطية البشعة للإسلام في المتخيل الغربي»، و«المهم أنّ الغرب يبدأ موقفه المعادي حيث يبدأ موقف الصمود، فأدلوجة السوق الحرّة منـزوعة الروح، ولكنها تقبل بمداعبة سحر الأديان مسلوبة
________________________________________
(7) عبد الفتاح علي الرشدان، العولمة واتجاهات سيادة الدولة القطرية في الوطن العربي: 84 ـ85، في مجلة (شؤون عربية)، القاهرة، العدد 107، أيلول 2001.
(8) أُنظر: عزيز العظمة، «العرب والبرابرة ـ المسلمون والحضارات الأخرى» (لندن، 1991)؛ وعلي أومليل، «في شرعية الاختلاف» (الرباط، 1991)؛ وخالد زيادة، «تطور النظرة الإسلامية إلى أوروبا» (بيروت، 1983)؛ وحسن حنفي، «مقدمة في علم الاستغراب» (القاهرة، 1991)؛ وعدة مؤلفين، «الغرب الإسلامي والغرب المسيحي خلال القرون الوسطى» (الرباط، 1995)؛ ومحمد عابد الجابري، «مسألة الهوية، العروبة والإسلام... والغرب» (بيروت، 1995)؛ وحامد زيان، غانم زيان «الصراع السياسي والعسكري بين القوى الإسلامية ـ من الحروب الصليبية» (القاهرة، 1993)
(9) محمد نور الدين أفاية، الغرب المتخيل، صور الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط:37، المركز الثقافي العربي ـ بيروت/ الدار البيضاء، 2000.

[الصفحة - 33]


المقاومة. وهذه هي مشكلتهم مع الإسلام. لقد كان الإسلام ضحية فرادته وتميزه عن البروتستانية المدجنة، كونه ديناً منخرطاً في الشأن العام، وليس علاقة خالصة بين الفرد وخالقه، بل هو علاقة بين الإنسان والإنسان، ورؤية للمجتمع والعالم وتدبير للنفس والمدنية.. أي بوصفه ديناً يسدّ الطريق على العلمنة، لسبب بسيط هو أنه بالمنظور الغربي نفسه هو دين علماني طالما له اهتمام بالشأن الدنيوي» (10).
ولو عدنا إلى الأحوال التاريخية للحوار الحضاري بين العرب والغرب، لوجدنا أنّ الصراع هو السائد من الغرب نفسه ضد العرب من ظهور الإسلام إلى انتهاء الحروب الصليبية، ومعاودته في المراحل التاريخية باللبوس الصهيوني المتحالف مع الغرب، ثم غطى هذا اللبوس الدعاوى الأمريكية التي بلغ تأججها مداه الأقصى في الغزو الأمريكي للعراق استناداً إلى مزاعم متبدلة من حين لآخر، والدعوة قائمة اليوم في وعي العرب للحقائق التاريخية حول الصراع مع الغرب واستمرارها بتغطيات وذرائع، ولعلنا لا نغفل عن إحدى هذه الحقائق التاريخية وهي «أنّ العرب ينهزمون بانقساماتهم بأكثر مما ينهزمون بقوة أعدائهم» (11)، والحلّ هو استيعاب دروس تجارب الغزو والعدوان والاحتلال، وتبني أُطروحات الحوار الحضاري عن قوة، لا عن ضعف، وقد أبانت مؤلفات الأسبان أنفسهم عن أسبانيا في تاريخها وعلاقات المسيحيين والمسلمين واليهود فيها أنّ درجة تأثير الثقافة العربية الإسلامية في تكوين الهوية الأسبانية عالية، وأنّ «الملامح الإسبانية ذات السياق المسيحي الإسلامي اليهودي تظهر بقوة في الوقت الذي لا يوجد فيه «مور» أو يهود بشكل رسمي في أسبانيا»، مما لا يصبح معه المنظور البرجماتي والنفعي والموضوعي هو المقياس الوحيد الصالح لفهم الواقع الإنساني، بل يغدو التاريخ إنسانياً، وسوف تُنسى التجريدات التي تخلو من الروح أو المعنى» (12).
وأفاد مستعربون أُوروبيون مثل الفرنسي اندريه ميكيل أنّ الصلات الحضارية بين أُوروبا والعرب لا تنقطع، وأنّ الخلاص من دعاوى الصراع أو ما سُمي الصدام مرتهن بفهم عقلية الآخر بالتبادل(13). غير أنّ السائد هو التوكيد التاريخي منذ ما قبل الحروب الصليبية إلى العصر الراهن هو «غزو الوطن العربي ومحاولة استعماره
________________________________________
(10) إدريس هاني، حوار الحضارات:128، المركز الثقافي العربي ـ بيروت/ الدار البيضاء 2002.
(11) عبد العظيم رمضان، الصراع بين العرب وأُوروبا من ظهور الإسلام إلى انتهاء الحروب الصليبية:529، دار المعارف ـ القاهرة 1983.
(12) اميركو كاسترو، أسبانيا في تاريخها ـ المسيحيحون والمسلمون واليهود:709و713، ترجمة علي إبراهيم منوفي، مراجعة حامد أبو أحمد، المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 2002.
(13) اندريه ميكيل، أُوروبا في نظر العرب حتى عام ألف:106، في كتاب «أضواء عربية على أُوروبا في القرون الوسطى»، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات ـ بيروت/ باريس 1983.

[الصفحة - 34]


والتسلط عليه» (14)، وأنّ المسعى المستمر من العرب وبعض ذوي إرادة الحوار الحضاري أن تختلف التوجهات من أجل هذا التواصل الحضاري النافع للعرب والآخر الغربي، بينما تختلف الصورة عن الحوار مع الشرق، ولا سيما الهند والصين واليابان، إذ تتقارب الأُمم والشعوب منذ تأسيس الأُمم المتحدة حتى اليوم.
حوار الحضارات والعولمة
من الواضح، أنّ حوار الحضارات فيما آل إليه لا يخرج عن طغيان العولمة ولا سيما هيمنة قوتها على الدول الأضعف التي ترفض الإملاءات والخنوع أو أشكال الخضوع بلبوس الحوار، وقد وصفت العولمة الأمريكية بهيكلة الموت عند انفرادها بتحكميات تسلطها على العالم وممارسة أنواع البطش والاستبداد لكل الرافضين لسياسة الهيمنة بذرائع انتفاء الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ومجانبة المجتمع المدني، «حتى بات التهديد الأمريكي باحتلال البلاد وتعيين مندوبين أمريكيين لإدارة شؤون الشعوب الخارجة عن عصا الطاعة الأمريكية أمراً ممكناً في ظل التفرد الأمريكي المذلّ للعالم بأسره بعد تحلل الشيوعية» (15).
ويستدعي ذلك إنعاش الحوار الحضاري وتنمية تواصله مواجهة الإشكاليات والمشكلات الذاتية من خلال تعاظم إرادات الخلاص من ضغوط الاستعمار والهيمنة وصون الذات ومصالحها بالانتقال من مجرد الاستهلاك إلى الإسهام في إنتاج العولمة نفسها دخولاً في امتلاك السلطة التي جاوزت السلاح التقليدي بأنواعه وتطوراته إلى سلطة المعرفة والتقنية، اتصالات ومعلوماتية واقتصاداً عبر الشركات متعددة الجنسيات العابرةالقارات والدول، ويؤشر ذلك إلى حوار الدول من موقع القوة والمصلحة المتبادلة عندما تنمي سلطتها المعرفية والإنتاجية، وتدخل في مجتمع المعرفة والثقافة الرقمية الذي ينطلق من زهاء التكتلات الاقتصادية السياسية العربية الإسلامية لتصير قوة حقيقية من الداخل، و«مع هكذا قوة لا يمكن للغرب أن يقف موقف المتفرج إزاء ما يحدث في قلب العالم العربي الإسلامي (فلسطين)، بينما يسارع لإنقاذ المسلمين في أطراف العالم الإسلامي (كوسوفو) حين تتطلب مصالحه ذلك» (16).
وركز دعاة الحوار الحضاري عن حقّ، على أهمية الثقافة ودورها في تحريك
________________________________________
(14) علي حسين الشطشاط، تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى:243، منشورات مجلس تنمية الإبداع الثقافي ـ الجماهيريةالليبية ـ طرابلس 2004.
(15) محمد مقدادي، أمريكا وهيكلة الموت:12، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004.
(16) محمد الأرناؤوط، تعقيب على بحث الدكتورة نادية محمود مصطفى:220، في كتاب (محاضرات في حوار الحضارات)، مصدر سابق.

[الصفحة - 35]