البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإصلاح الديني و.. عند بعض الأعلام المحدثين (الكواكبي والنائيني ورشيد رضا)

الباحث :  د. علي الضيقة
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  45
السنة :  العدد 45 السنة الثانية عشر ربيع 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 22 / 2015
عدد زيارات البحث :  2248

الإصلاح الديني و.. عند بعض الأعلام المحدثين (الكواكبي والنائيني ورشيد رضا)

د. علي الضيقة (*)

من مفكري عصر النهضة الذين جعلوا مسألتي الإصلاح الديني والسياسي همهم الدائم، وجعلوا قضايا المجتمع والإنسان محور كتاباتهم: الكواكبي (1855 ـ 1902)، والنائيني (1857 ـ 1920)، ورشيد رضا (1865 ـ 1935).
هؤلاء العلماء كانت لديهم أُطروحات وبرامج إصلاحية سياسية ودينية تصدّوا من خلالها، ومن زاوية انتماءاتهم الثقافية والاجتماعية والدينية لأزمة السلطة والمجتمع.
أولاً: الإصلاح الديني والسياسي عند الكواكبي (1)
يرى الكواكبي أن الاستبداد السياسي الذي مثلته السلطنة العثمانية على أيامه يرتكز على سلطة دينية، خصوصاً أن الخليفة كان يمتلك بالإضافة إلى السلطة الزمنية (السياسية)، السلطة الروحية (الدينية)، فهو الخليفة والسلطان في آن معاً، وقد تداخلت في سلطته السياسية الشريعة، إلى حدٍّ أن إحداهما تشترط الأُخرى، من هنا نفهم كلامه على ارتكاز الاستبداد السياسي على الاستبداد الديني.
يقول الكواكبي: «إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلاّ ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقاماً ذا علاقة مع الله، ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله»(2). فهنا ينتقد بعض الفقهاء الذين يفسرون
________________________________________
(*) اُستاذ في الجامعة اللبنانية، من لبنان.
(1)تقلد عبدالرحمن الكواكبي في حلب بعض الوظائف الرسمية، وحاول أن يبعث أجواء من حرية الفكر عبر جريدتيه «الشهباء» و «اعتدال»، ولم يستطع أمام ملاحقة جواسيس السلطان له أن يستمر في نشاطه الفكري في حلب، فهاجر إلى مصر عام 1899، حيث أصدر هناك أهم كتاباته السياسية والدينية «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، و «أُم القرى» اللذين شكلا فكره السياسي والديني في مسألة الدولة ونظريتها. فالمعاناة التي عاشها الكواكبي والتي كانت وراء اُطروحاته، تعود إلى مصدرين: 1 ـ معاناة الاستبداد التركي ومعايشته له. 2 ـ معاناة الاستبداد المحلي عبر تسلط طبقة المعممين الجهلة (برأيه)، الذين ينشرون الأوهام والأباطيل، الأمر الذي وجد فيه الكواكبي انحرافاً عن الدين، وسبباً في انهيار المجتمعات الإسلامية.
(2)راجع: محمد جمال طحّان، الأعمال الكاملة للكواكبي: 444. وقد عرّف الإمام محمد عبده الاستبداد بقوله: «المستبد عرفاً من يفعل ما يشاء غير مسؤول، ويحكم بما يقضي هواه، وافق الشرع أو خالفه، ناسب السنة أو نابذها». اُنظر: معجم العلوم الاجتماعية، إبراهيم مدكور، إصدار الهيئة المصرية، 1975؛ وموسوعة السياسة، رئيس التحرير عبدالوهاب الكيالي، بيروت 1979، ج1، مادة استبداد.

[الصفحة - 21]


بعض الآيات تفسيراً خاطئاً بما يتوافق مع مصالحهم وأهوائهم الشخصية، حيث يسميهم «فقهاء الاستبداد»، ويتساءل في هذا السياق: من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام وترفعهم عن المسؤولية؟ فأوجبوا لهم الحمد إذ عدلوا، والصبر عليهم إذا ظلموا، وعدّوا كل معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين (3).
ينتقد الكواكبي بشدة هذه النظرة، ويرى أن حكومة الخلفاء الراشدين كانت مثالاً يحتذى بها، فقد فهم هؤلاء الخلفاء ـ باعتقاده ـ القرآن الكريم فاتخذوه إماماً، فأنشؤوا حكومة ترتكز على المساواة والعدالة والحرية بين أبناء الأُمّة، وأقاموا علاقات أُخوة وروابط اجتماعية، قد لا توجد بين الأشقاء، فهذا المستوى من الحكم لا يجاريه إلاّ الحكم النبوي في المدينة (4) (5)، فقد عمل النبي (رضي الله عنهما) على تنظيم الجماعات في المدينة وتوحيدها، كما أخذ يقيم التعاون فيما بينها على أساس من الأُخوّة الدينية التي تربط بين أفراد المجتمع الواحد في ظل الدولة الواحدة.
ويرى الكواكبي أن هذا الحكم أخذت تبكيه الأُمّة منذ عهد عثمان إلى الآن، وستبقى تبكيه ما لم يُستعض عنه بمبدأ الشورى، ذلك المبدأ الذي تأثرت به بعض أُمم الغرب التي استفادت من الإسلام أكثر مما استفاد المسلمون منه (6). وهنا، إشارة إلى ضرورة العمل بمبدأ الشورى ـ برأيه ـ ، حيث يقول في هذا السياق: «إن القرآن يحوي على تعاليم إماتة الاستبداد، وإحياء العدل والمساواة والمشورة، ومن بينها: قصة بلقيس ملكة سبأ، حيث تخاطب أشراف قومها بالقول: { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل: 32)، فهذه القصة ـ برأيه ـ تعلّم كيف ينبغي أن يستشير الملوكُ المَلأَ أي أشراف الرعية، وأن لا يقطعوا أمراً إلاّ برأيهم.
ومن بينها أيضاً: قصة موسى (عليه السلام) مع فرعون في قوله تعالى: { قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (الأعراف: 109 ـ 110)، أي قال الأشراف بعضهم لبعض: ما رأيكم؟ قالوا خطاباً لفرعون وهو قرارهم: { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} (الأعراف: 111 ـ 112).
فهنا إشارة إلى مسألة الحوار والشورى، حتى بين فرعون وأشراف قومه (7).
________________________________________
(3) الأعمال الكاملة للكواكبي: 449.
(4) المصدر السابق: 447.
(5)أول ما نعلمه مما يمكن أن نسميه بنصوص الفكر السياسي هو «كتاب النبي في المدينة»، الذي وضعه الرسول (رضي الله عنهما) بعد الهجرة مباشرة؛ ليكون بمنزلة دستور للتنظيم الاجتماعي السياسي في المدينة، وذلك للتعايش بين المهاجرين (من قريش) والأنصار (من الأوس والخزرج) من جهة، واليهود من جهة ثانية، فهو بحق أول فكر سياسي إسلامي وصل إلينا.
(6) الأعمال الكاملة للكواكبي: 447.
(7) الأعمال الكاملة للكواكبي: 447 ـ 448.

[الصفحة - 22]


ويذكر الكواكبي العديد من الآيات الأُخرى التي تؤكد مبدأيّ العدل والشورى، وتنفي مبدأ الاستبداد في الإسلام، منها قوله تعالى: { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(الشورى: 38). وقال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159)، بمعنى التقرب من الرعية واستشارتهم في شؤونهم (8).
ومما قاله النبي (رضي الله عنهما) في الشورى: «من أراد أمراً فشاور فيه وقضى، هدي لأرشد الأُمور» (9)، وقال (رضي الله عنهما) :«ما حار من استخار، ولا ندم من استشار» (10)، وقال(رضي الله عنهما) فيها: «من استبد برأيه هلك، ومن شاور الناس شاركهم في عقولهم» (11).
فالشورى، كما نستنتج من أقوال الكواكبي، ليست وظيفة يمارسها حاكم مع رعيته بغية تخطيه الحرج والاعتراض، وإشعار الرعية بالمسؤولية العرضية، إنما هي (الشورى) تعتبر حقيقة وجوهر العلاقة بين المجتمع السياسي الإسلامي والولي، إنها عمل جماعي ومحاورة، ومناقشة مستمرة ومثمرة في سبيل غاية سامية، فالناس مدعوون جميعاً إلى العمل لتحقيق إنسانيتهم وذاتيتهم، وهذا يستدعي العلم والمعرفة والعمل المكثف والدؤوب. فالهدف من الشورى هو الوصول إلى موقف سليم وتشخيص دقيق للمشكلة، إذ إن القرار الصواب لا يمكن الوصول إليه دون أن يكون الأمر شورى.
ويستشهد الكواكبي في هذا السياق بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: 59). وهنا إشارة إلى طاعة العلماء والرؤساء، أي «أهل الحل والعقد»، فالعلماء والرؤساء هم أصحاب الرأي والشأن، وهم الأشراف في اصطلاح السياسيين، ومما يؤيد ويؤكد هذا المعنى ـ والكلام يعود للكواكبي ـ قوله تعالى: { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ} ، أي ما شأنه (12).
وأكد الكواكبي أيضاً تشديد الإسلام على العدالة في الحكم، وذلك من خلال ذكره للعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا السياق، منها قوله تعالى: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} (النحل: 90)، { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}
________________________________________
(8) الأعمال الكاملة للكواكبي: 448.
(9) مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي 9: 33، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1379هـ .
(10) بحار الأنوار، المجلسي 27: 159.
(11) وسائل الشيعة، الحر العاملي 8: 409، باب 9.
(12)الأعمال الكاملة للكواكبي، مصدر سابق: 448. فالشورى الكفيلة بإقامة نظام عادل في المجال السياسي هي شورى «أهل الحل والعقد» ـ حسب الماوردي ـ فهؤلاء نخبة يرجع إليهم السلطان في المعضلات؛ وراجع أيضاً: سياسيات الإسلام المعاصر، رضوان السيد: 286.

[الصفحة - 23]


(النساء: 58)، أي المساواة.
ومنها قوله تعالى مخاطباً النبي (رضي الله عنهما): { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة: 42) (13). ومما يذكر عن النبي (رضي الله عنهما) قوله في هذا السياق «ساعة من إمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة، وحدّ يقام لله في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحاً» (14).
ومنها قوله تعالى: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة: 124).
ومما يذكر من آيات في هذا الصدد أيضاً: { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (هود: 113). فهذه الآيات إضافة إلى آيات عديدة اُخرى يرى فيها الكواكبي دلالة على أن الظالم والفاسق لا ولاية له على المسلمين.
ورأي الكواكبي في مسألة الشورى يدور في فلك ما جاء عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مخاطباً عثمان (رضی الله عنه)، حيث قال: «فاعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هُديَ وهَدَى، فأقام سُنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة، وإن السنن لنيرة، لها أعلام، وإن البدع لظاهرة، لها أعلام. وإن شرَّ الناس عند الله إمام جائر ضَلَّ وضُلَّ به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول الله (رضي الله عنهما) يقول: «يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في نار جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها» (15).
يتحدث الإمام عليّ (عليه السلام) في هذا النص عن الإمام العادل الذي يجب أن يسوس الأُمّة، والذي لا يعرف الجور والضلال، بمعنى أنه يجب أن يكون نزيهاً ومعصوماً عن الخطأ، مبتعداً عن البدع وعن كل ما يسيء للأُمّة. ويقول في هذا السياق مخاطباً عامله على فارس:
«استعمل العدل، واحذر العسف والحيف، فإن العسف يعود بالجلاء، والحيف يدعو إلى السيف» (16).
ومنها قوله (عليه السلام) أيضاً: «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم
________________________________________
(13) الأعمال الكاملة للكواكبي، مصدر سابق: 448.
(14) وسائل الشيعة، مصدر سابق: 18، الباب 1 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 5.
(15) نهج البلاغة: 234 ـ 235 الخطبة 164، ضبط وتنظيم د. صبحي الصالح.
(16) المصدر السابق: 559، الحكمة 476.

[الصفحة - 24]


كلاًّ منهم ما ألزم نفسه» (17).
ومن الروايات التي تذكر عن الإمام عليّ (عليه السلام) قوله في هذا السياق: «وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل، فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيُهلك الأُمّة»(18).
فهذه الصفات ـ برأيه ـ لا تناسب الوالي / القيادة العادلة الحكيمة. إذ إن الوالي يجب أن يفرّق بين المحسن والمسيء إحقاقاً للحق ورفضاً للباطل؛ لأن الانحراف عن هذا النهج القويم يؤدي بالأُمّة إلى الضلال والهلاك، ويحدد الإمام عليّ (عليه السلام) الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الوالي، مركزاً على البعد عن الجهل، وعن الجفاء، وعن الرشوة، وعن الظلم، وعليه الأخذ بالسنة، فترك السنة النبوية هلاك للأُمّة؛ لأنها النهج القويم والأمثل في الحكم.
وهكذا نستنتج مما تقدم أن الإسلام مؤسس على مبادئ الحرية والعدالة والقسط والمساواة والإخاء (19)، أما اُصول الحكم فترتكز على شورى «أهل الحل والعقد» في الأُمّة. ويتأفف الكواكبي مما وصل إليه حال الشريعة الإسلامية نتيجة سيطرة الفاسدين على الحكم، ونتيجة استغلال الدين لخدمة أهوائهم السياسية، حيث يقول في هذا السياق: «ولكن واأسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، الظاهرة فيه آثار الرقي على غيره من سوابقه، الدين الذي رفع الإصر والأغلال، وأباد الميزة (التمايز، التفاوت) والاستبداد. الدين الذي ظلمه الجاهلون فهجروا حكمة القرآن ودفنوها في قبور الهوان. والدين الذي فقد الأنصار والأبرار والحكماء الأخيار، فسطا عليه المستبدون والمترشحون للاستبداد، واتخذوه وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأُمّة شيعاً، وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية، فضيعوا مزاياه، وحيروا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش...» (20).
يشكو الكواكبي، في هذا النص، من حال الشريعة الإسلامية المتدهورة من جراء سيطرة الفاسدين على الحكم، ومن خلال الاستغلال القائم في المجتمع،
________________________________________
(17) المصدر السابق: 430 ـ 431 الكتاب 53، وهو أطول عهد له (عليه السلام) كتبه لمالك الأشتر، لما ولاّه على مصر.
(18) المصدر السابق: 189 الخطبة 131.
(19)من الآيات القرآنية التي تشير إلى الحرية في الإسلام، قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان: 3). فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية: 21 و 22). وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ (الكهف: 29).
(20) الأعمال الكاملة للكواكبي: 450 ـ 451.

[الصفحة - 25]


فالسياسيون قد اتبعوا أهواءهم، وابتعدوا عن الحكمة والقرآن، فسادَ الاستبداد، مما أدى إلى تمزيق الأُمّة الإسلامية إلى شيع ونحل. فساسة الأُمّة أسقطوا من حساباتهم كل القيم المثالية، وجنحوا بها نحو أهوائهم الشخصية، ولا شك أن الحالة تلك ـ التي يصفها الكواكبي ـ مأساوية، إذ تضع الأُمّة في طريق الاستبداد والتشويش.
وعندما يطلب الله تعالى من الرسول (رضي الله عنهما) المعصوم أن يشاور المؤمنين معه، فهذا الطلب نوع من الوجوب والأمر (21)، وهي بالتالي ـ الشورى ـ ليست منحة منه لهم، فبالرغم من أن النبي (رضي الله عنهما) لا يُفتتن بالدنيا وجاهها ومالها، ولا يغتر بخداعها وزينتها، وبالتالي فبممارسته للحكم لا شك في أنه سيكون عادلاً في اُمته، لكن مع ذلك طلب الله تعالى إليه أن يمارس الشورى في أمر حكمه، وتدبر شؤون الأُمّة مع المؤمنين من خلال قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ، كي تتشكل مسؤولية جماعية في الرأي الذي يستنبط من خلال الشورى، وبالتالي يلتزم كل فرد من أفراد المجتمع السياسي الإسلامي بالمشاركة في تنفيذ ما انتهت إليه الشورى، وهو التزام أدبي ومادي، إضافة إلى ضمان الترابط والتعاون بين الحاكم والمحكومين، فعندما تعرض المشكلة على بساط البحث، وتتعدد الآراء حولها، فلا بدّ أن يعرض الرأي الذي هو أقرب لحل المشكلة، والذي هو في الوقت نفسه يقدم الشعور بالرضى النفسي للمستشارين جميعاً، وبذلك تفيد الأُمّة عن طريق الشورى، زد على ذلك أن الشورى تساهم، إلى حد كبير، في ترسيخ وتثبيت وتدعيم التعاون بين الحاكم والمحكومين. ويذكِّر الكواكبي بقول النبي (رضي الله عنهما) في سياق تعميم العمل بالشورى بين أفراد المجتمع السياسي الإسلامي، وما ينتج عنه فيما يتصل بالصالح العام للأُمّة، من خلال قوله (رضي الله عنهما): «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسؤول عن رعيته» (22). فالشورى بهذا المعنى واجبة وحق لكل فرد، ووجوبها لا لضمان الوحدة بين صفوف الأُمّة، ولا للاطمئنان على مصلحة الأفراد في المعاملات فيما بينهم فحسب، وإنما إضافة إلى ذلك لتنبيه كل فرد إلى مسؤوليته الفردية وإلى ما يترتب عليه من مسؤولية نحو نفسه ونحو الآخرين
________________________________________
(21)يرى علي محمد لاغا في كتابه «الشورى والديمقراطية» إن معنى العزم في قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله يفيد الالتزام بتنفيذ ما اتفق عليه رأي الرسول (رضي الله عنهما) والمستشارين، أو تنفيذ رغبة الأكثرية وإن خالفت قناعته (كما حصل في معركة أُحد)، فهنا يشدد الله تعالى على ضرورة الالتزام برأي الأغلبية، أما استماع الحاكم / ولي الأمر إلى آراء جميع أهل الشورى ثم يقوم باختيار ما يراه هو مناسباً فيقوم بفعله، فهنا تجريد لجوهر وماهية الشورى. راجع: الشورى والديمقراطية، علي محمد لاغا: 20، المؤسسة العربية للدرسات والنشر ـ بيروت 1983م. وقال الشيخ منتظري في مسألة الشورى: وقد بلغت الشورى من الأهمية بحيث أمر الله تعالى نبيه الأكرم (رضي الله عنهما)، مع عصمته واتصاله بمنبع الوحي، أن يشاور أصحابه ويحصّل آرءهم. الشيخ منتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية 2: 32. وقال أيضاً في هذا السياق: وإذا كان عقل الكل وخاتم الرسل خوطب بقوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فتكليف غيره واضح وإن تفوّق ونبغ. دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية 1: 12. ويقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه الإسلام يقود الحياة: إن السلطة التشريعية والتنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأُمّة، فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور وهذا الحق هو حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى. اُنظر: الإسلام يقود الحياة، لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، محمد باقر الصدر: 23، دار الخيام ـ قم 1399هـ . فهنا يبيّن سماحته مجالات دور الأُمّة لجهة المشاركة في صنع القرارات خصوصاً في حقلي التشريع والتنفيذ باعتبارهما مرتبطين بمصالح الأُمّة، وتنفيذهما يكون بمساندة الأُمّة في ذلك. ولكن إذا كان النبي (رضي الله عنهما) والإمام معصومين، فما قيمة عصمتهما إذا كانا ملزمين بالشورى؟ إنه سؤالّ يستدعي الإجابة.
(22) صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل 3: 197، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

[الصفحة - 26]


معه في المجتمع، إلاّ أن هذه المسؤولية مشروطة بالحرية والاختيار، ولا يشوبها إكراه يمارسه فرد على فرد آخر.
فالشورى في الأُمور العامة على مستوى المجتمع وعلى مستوى الحكم يؤكدها الله تعالى والرسول (رضي الله عنهما)، بعكس ما كان سائداً على مستوى الحكم في عهود ومراحل مختلفة على مرّ العصور من الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي، بحيث لم يكن لرأي المجتمع وزن أو قيمة...
قال النبي (رضي الله عنهما): «أفضل الناس رأياً من لا يستغني عن رأي مشير» (23).
فهدف الإسلام من الشورى تبادل الآراء وتلاقحها بين أهل الحل والعقد، من أجل اتّباع أحسن السبل وفقاً لقوله تعالى: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: 18). فالشورى منهج يؤدي اتّباعه إلى تضاؤل نسبة الخطأ بشكل كبير، من هنا كان النبي (رضي الله عنهما) أول من طبّق هذا المنهج، فقد كان يردد في كل أمر يُعرض عليه (رضي الله عنهما): «أشيروا عليَّ أصحابي» (24). وهكذا يمكننا القول ـ انطلاقاً مما تقدم ـ أن الشورى ضرورة، لا بل يمكن اعتبارها من جوهر الإسلام، فهي منهج واُسلوب حياة يجب أن يطبقه الحاكم السياسي الإسلامي (للدولة الإسلامية)، باعتباره حافزاً نحو تقدم الأُمّة وتطورها، فبواسطته يمكن الوصول إلى طريق الحق والصواب، فهذا المنهج واجب ولازم للحاكم إضافة لكونه حقاً من حقوق الرعية على الوالي / الحاكم.
والشورى تعد مرتكزاً أساسياً من مرتكزات بنية نظام الحكم في الإسلام، فحفظ النظام وتثبيته لا يتحققان بدونها، وهي سمة من سمات الدولة الإسلامية، لا بل هي جزء لا يتجزأ من الفكر السياسي الإسلامي والدولة الإسلامية، فعن طريقها يمكن الكشف عن قدرات وإمكانات الأُمّة لجهة حركيتها؛ لأجل تطوير المجتمع وتربيته وصيانته والسمو به إلى الأُنموذج المثالي، وصيانة النظام (النظام العام ونظام الحكم)، لا بل المشاركة في ترسيخه وتثبيته وتدعيمه لما فيه خير للأُمة الإسلامية بأكملها. فالتخلف الذي أصاب ويصيب المجتمعات والدول الإسلامية التاريخية والمعاصرة، إنما هو ـ برأيي ـ يعود إلى تغييب عنصر الشورى والديمقراطية، والعمل بمبدأ الاستبداد بالرأي والديكتاتورية وكبت الحريات، وكم الأفواه، بحيث كانت السلطة
________________________________________
(23) وسائل الشيعة، مصدر سابق 8: 409 باب 9.
(24) المصدر نفسه.

[الصفحة - 27]


(فوق المجتمع والشعب) يملكها فرد واحد (ملك، إمبراطور، أمير، حاكم وحيد) أو تملكها عائلة / طغمة / جماعة قهرية، بحيث أدى ذلك إلى استبعاد الفئة المثقفة ـ والتي تُعد حجر الزاوية في عملية البناء والتطور والنمو والنهضة ـ عن الحقول السياسية، وعن المراكز الأساسية في وظائف الدولة.
نظرة الكواكبي إلى الدين والدولة
يرى الكواكبي أن الفصل بين الدين والدولة شرط أساس لنهوض الشعوب الشرقية عامة، وشعوب العالم العربي خاصة.
فالاعتقاد السائد لدى العامة ـ برأيه ـ والذي يعتبر أن الدين لا يقوم إلاّ بالدولة، والدولة لا تقوم إلاّ بالدين، وأنهما متلازمان بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر، هو خطأ جسيم (25).
ويرى الكواكبي أن المنهج الإصلاحي يتأتى من فصل الدين عن الدولة، كما حصل في الدول الأُوروبية لجهة فصلها الكنيسة عن الدولة، حيث فتح ذلك سبل التقدم والنهوض، يقول في هذا الصدد: «فهذه اُمم اُوستريا (يعني النمسا) وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتى واُصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي والارتباط السياسي دون الإداري، فما بالنا نحن لا نفكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها؟» (26).
ويضيف الكواكبي طارحاً شعارات الفصل بين الدين والدولة كحل لما نعاني منه، قائلاً: «دعونا ندير حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأُخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحى الأُمّة، فليحى الوطن، فلنحيى طلقاء أعزاء» (27).
نستشف من قوله هذا دعوته إلى قيام دولة على اُسس علمانية وضعية، أما دور الدين فمحدد بالشؤون الأُخروية، وفي ذلك ـ برأيه ـ إمكانية التوحد بين الشعوب التي تدين بديانات مختلفة، وهذا ما يسهم بنبذ الفتن وبالتالي في تقدم وتطور الأُمّة والوطن وفي حرية الإنسان.
إلاّ أننا نرى أن عدم النجاح في تطبيق الشريعة الإسلامية والدستور الإسلامي
________________________________________
(25) الإمام الكواكبي.. فصل الدين عن الدولة، جان دراية: 124.
(26) المصدر السابق: 78 ـ 79.
(27) الأعمال الكاملة للكواكبي، مصدر سابق: 515.

[الصفحة - 28]


في دولة إسلامية، لا يعني ذلك فشل الدين الإسلامي في إقامة الدولة الإسلامية، وإنما يعود إلى عدم معرفة وفهم المسؤولين به، لجهة تطبيق هذا الدين بما يتناسب مع مقتضيات العصر. كما أن الدين إذا فرّغ من جوهره، لم يعد له معنى وقيمة حقيقية، إذ إن قيمته تكمن في النظام السياسي للدولة الإسلامية على مستوى السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبالتالي على مستوى إقامة دولة تتخذ من القرآن الكريم دستوراً لها، وذلك بما يتناسب مع مقتضيات العصر، خصوصاً أن الآيات القرآنية مرنة، وبالتالي بالإمكان الاجتهاد فيها، وتأويلها بما يتناسب مع كل العصور، فلا يمكن للإنسان أن يكون مسلماً وعلمانياً في آن معاً.
وهكذا تكون الدولة من جوهر الدين الإسلامي، وليس مجرد طقوس دينية وعبادات. أما سقوط الدولة فلا يعني سقوط الدين، بل يعود إلى سوء فهم تطبيق الشريعة الإسلامية.
من جهة اُخرى يشدد الكواكبي على التمييز بين السلطات السياسية والدينية والتعليم، إذ لا ينبغي ـ برأيه ـ الجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخص واحد؛ لأن الإتقان في كل اختصاص يكون بعدم جمعه مع اختصاصات اُخرى في شخص واحد، ويستشهد في هذا السياق بالآية القرآنية: { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِفِي جَوْفِهِ} ، فالجمع بين السلطات في شخص واحد يؤدي إلى استفحال السلطة (28).
ومن آرائه الإصلاحية والتوفيقية، دعوته لإقامة دولة دستورية على شاكلة الديمقراطية البرلمانية، أما الاستبداد السلطاني في الشرق ـ برأيه ـ فهو دخيل على الإسلام، وإن تستّر خلف فقهاء وعمائم، وهذا ما يسمّيه الكواكبي «بالاستبداد الديني»، وهو أخطر من «الاستبداد السياسي» إن لم يكن مرتكزه وشرطه (29).
وهكذا، نستنتج أن نظرية الكواكبي كانت تعبيراً توخى منه تصور حلٍّ لمشكلات فعلية، تمخضت عنها أوضاع المجتمع والدولة في أواخر القرن التاسع عشر، فنظريته صياغة توليفية لعدد من العناصر الموروثة والمستجدة في التجربة السياسية الإسلامية، كما يسميها هو تمييزاً لها عن الإسلام كدين، هذا التوليف نقرأ
________________________________________
(28) المصدر السابق: 528.
(29) راجع: مشروع النهوض العربي، أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني، وجيه كوثراني: 14، ط . الأُولى، دار الطليعة ـ بيروت 1995م.

[الصفحة - 29]


صياغته في التوفيق بين مؤسسة الخلافة وقيام الدولة والسلطنات في الأقاليم ولدى الأقوام الإسلامية، وفي التوفيق بين الإسلام والعروبة، وبين الأُمّة الإسلامية والأوطان، وأخيراً بين الشورى من جهة ودور الفقيه والسلطان من جهة اُخرى (30).
وهكذا، نلاحظ أن الكواكبي يعطي لمسالة الشورى، بوصفها ممارسة ديمقراطية عامة، دوراً بارزاً في نظام الحكم، إذ يقول فيها: «أما وظائف الشورى العامة فيقتضي ألاّ تخرج عن تمحيص اُمهات المسائل الدينية التي لها تعلق مهم في سياسة الأُمّة وتأثير قوي في أخلاقها ونشاطها، وذلك مثل: فتح باب النظر والاجتهاد تمحيصاً للشريعة، وتيسيراً للدين، وسد أبواب الحروب والغارات والاسترقاق اتّباعاً لمقتضيات الحكمة الزمانية، وكفتح أبواب حسن الطاعة للحكومات العادلة، والاستفادة من إرشاداتها وإن كانت غير مسلمة، وسد أبواب الانقياد المطلق ولو لمثل عمر بن الخطاب (رضی الله عنه)، وكفتح باب أخذ العلوم والفنون النافعة ولو عن المجوس، وسد باب إضاعة الأوقات بالعبث...» (31).
فهذا الرأي الذي يقول به الكواكبي يظهر مدى تشدده في مسألة الشورى في الحكم وأهمية الاجتهاد في الشريعة، فالشورى تسهم في معالجة مشكلات الإنسان المستجدة في ضوء القوانين المستحدثة، وتجنب الحروب والويلات على الأُمّة، فضلاً عن ذلك تساعد على تثبيت الحكومة العادلة، وتسهم في منع قيام حكومات ديكتاتورية حاكمة بأمرها، كما أنها تساعد على تحصيل المعرفة والعلم إذ يعتبرها اُسس تقدم الأُمم، من هنا يدعو إلى العمل باُسس الشورى، وعدم إضاعة الوقت باللهو.
وهكذا، نلاحظ أن الكواكبي شدّد على ضرورة الفصل بين الولاية الدينية والولاية السياسية؛ لأن الربط بينهما يؤدي إلى إلحاق الضرر بهما معاً، فالاستبداد السياسي كان يرتكز على سلطة دينية إذ كان الحاكم الخليفة والسلطان في آن معاً. كما دعا إلى ضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام وعلى رأسها مبدأي العدل والشورى، وذلك في سبيل دفع التسلط الديني والتسلّط السياسي.
ثانياً: آراء النائيني في الإصلاح الديني والسياسي (32)
________________________________________
(30) المصدر السابق: 64 ـ 65.
(31) الأعمال الكاملة للكواكبي، مصدر سابق: 398.
(32)كان محمد حسين النائيني من أبرز الداعين للسلطة المشروطة (ثورة الدستور الإيراني عام 1906)، حيث قاد هذه الحملة الفقيه النجفي السيد محمد كاظم الخراساني ضد استبداد الشاه القاجاري في إيران بهدف تحويل السلطة المطلقة المستبدة إلى سلطة دستورية مقيدة، وقد أصدر النائيني في سياق دعمه لحركة المشروطة كتابه الشهير «تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة» عام 1909م. فقد عاش النائيني جزءاً من حياته في ظل الاستبداد القاجاري في إيران، وظلت تقلقه الممارسات التعسفية لذلك الاستبداد وشدة وطأته على الشعب الإيراني، وهو في مقر إقامته في العراق، وقد عمل جاهداً من أجل تغيير واقع الاستبداد والاضطهاد السياسي، عبر مناداته بالحكم الشوروي الديمقراطي، الذي يتمأسس على الحرية والمساواة والشورى، وعبر دعوته إلى إقامة حكومة دستورية مشروطة.

[الصفحة - 30]


أشدّ ما عانت منه الثورة الدستورية الإيرانية هو الاستبداد الديني، الذي كان يكتسب شرعيته من رجال الدين المنحرفين، الذين كانوا يستغلون مواقعهم كعلماء دين في سبيل شرعنة حكم الظالمين ومساندته، وذلك بهدف المحافظة على مصالحهم الشخصية لجهة كونهم منتفعين من الحكم القائم، يقول الشيخ النائيني في هذا السياق: «رفع الجهلة وطواغيت العصر وحاملو لواء الاستبداد الديني عقيدتهم ليعربوا عن تأييدهم للظلمة حتى النهاية. واعتبروا سلب صفة (يفعل ما يشاء، والحاكمية المطلقة،وامتلاك الرقاب،وعدم المسؤولية عما يفعل) عن الجائرين عملاً يتنافى مع الإسلام والقرآن. وابتدعوا من وحي نزعتهم الاستبدادية، وبالتعاون مع الظلمة، مذهباً جديداً أسموه إسلاماً» (33).
ولم يكتف هؤلاء بمساندة الحاكم المستبد، وإضفاء حالة من الشرعية عليه، بل ذهبوا إلى إلقاء الشبهات بين أفراد الشعب، عبر تصوير تحركهم الجديد بأنه مناف للشرع الإسلامي، فالبلد الإسلامي يجب ألاّ يحكمه قانون آخر غير الشريعة الإسلامية.
يرد النائيني على هذه الاعتراضات والشبهات، مبيناً أن البدعة تعني اعتبار ما لم تنص الشريعة عليه كحكم، حكماً وقانوناً، ولا شك في أن مثل هذا الحكم أو القانون يعتبر بدعة وانحرافاً عن الدين. ولكن إذا ما وضع شخص أو اُسرة أو شعب مجموعة من القرارات لتنظيم حياته الاجتماعية، وألزم نفسه بالتمسّك بها بدون أن يقصد الإتيان بتشريع جديد، لا يمكن اعتبار عمله هذا بدعة.
فالإسلام يوجب التصدي للظلم والفساد، وتدوين القانون الأساسي يساعد على بلوغ مثل هذه الغاية (34). وقد ذهب في هذا الاتجاه فيما بعد محمد جواد مغنية إذ قال: «إن الشيعة لا يرون أي بأس من الناحية الدينية، بقيام أي دولة زمنية في هذا العصر والعصور السابقة، إذا حكمت برضا الناس واختيارهم، وأدت واجباتها كدولة صالحة تحفظ الأمن والنظام، وتصون لكل ذي حق حقه، وتحصّن الحدود من الاعتداء، شريطة أن لا تتعرض للأديان من قريب أو بعيد...» (35).
فقيام حكومة دستورية، من وجهة نظر دينية، لا تشكل ضرراً أبداً، لا بل إن الدين يقر قيامها، وهي ليست بدعة مقابل الدين الإسلامي، فهذه النظرة أكدها النائيني
________________________________________
(33) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة، النائيني: 101.
(34) المصدر السابق: 108.
(35) الشيعة والحاكمون، محمد جواد مغنية: 9 ـ 10، المكتبة الأهلية ـ بيروت 1966م.

[الصفحة - 31]


وغيره من العلماء في الأوساط الدينية في العراق وإيران، فالقانون أفضل كابح لجموح التسلط، وأكبر ضامن لعدم إسراف السلطة في ممارسة العنف والقهر والتسلط ضد الشعب.
تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن مسألة العلاقة بين الفقيه والسلطان كانت وما زالت محوراً للسجال منذ زمن بعيد إلى اليوم، وتكمن أهمية هذه المسألة في الدور المهم والأساس الذي مثّله ويمثله الفقيه عبر العصور، فمن جهة، يعمل على تدعيم الدولة / الحكم من خلال خطبه وفتاويه وبالتالي تجيير الرأي العام لصالح الحكم والحاكم، عبر موافقته على سياسة الحكومة، لا بل المشاركة في رسم خططها وسياساتها.
ومن جهة ثانية، يمثل الفقيه دوراً سلبياً لجهة العمل على مهاجمة السلطة ومحاربتها من خلال انتقاداته لها، ورفضه سياساتها، والعمل على تنمية الثورة الشعبية من خلال تعبئة مناصريه ومريديه ضدها. وفي هذا السياق يرى النائيني وجود نوع من العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، فكما يؤدي الامتثال للسياسة الاستبدادية إلى ظلم وسحق أبناء الشعب، كذلك يؤدي الانصياع للتصرفات الكيفية لزعماء الطوائف والمذاهب إلى استعباد الناس. والتباين الوحيد بينهما هو أن الاستبداد السياسي قائم على القوة والقهر، فيما يستند الاستبداد الديني إلى الخداع والتدليس، وهكذا يتمكن الأول من الاستيلاء على الاجساد، أما الثاني فيستولي على القلوب (36).
فقد أظهر النائيني أهمية دور علماء الدين السياسي والديني، ومصدر قوتهم ونفوذهم ونظراتهم إلى الحكم والحكام، وإلى الدولة وواجباتها الأساسية وواجباتهم تجاه الأُمّة من جهة، والدولة من جهة اُخرى. فالعلماء يشكلون ـ برأيه ـ قوة كبيرة ومهمة. أحياناً تكون إلى جانب السلطة المستبدة إذا كان ممثلوها «علماء سوء»، وأحياناً اُخرى تكون إلى جانب الأُمّة لجهة العمل على وضع حدٍّ للظلم، واتخاذ المواقف الجزئية ضد الحكومة الظالمة، بهدف تحقيق العدالة والمساواة والحرية.
يُعد النائيني المنظّر الأول لحركة المشروطة، التي قادها الفقيه النجفي محمد كاظم الخراساني ضد استبداد الشاه القاجاري في إيران بهدف تحويل السلطة المطلقة
________________________________________
(36) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة، مصدر سابق: 81.

[الصفحة - 32]


المستبدة إلى سلطة دستورية مقيدة. ومن هنا كانت التسمية المشروطة.
فالسلطة المستبدة ـ حسب النائيني ـ تغتصب حقّين في آن معاً، هما: حق الإمام المعصوم، وحق الأُمّة. في حين أن السلطة الديمقراطية المشروطة تغتصب حقاً واحداً هو حق الإمام المعصوم فحسب، وهذا الاغتصاب جبري؛ لأنه محكوم بغيبة الإمام، ولا حل له إلاّ بحضور الإمام.
فهو يرى في ارتياح الشعب من ظلم السلطان الجائر أول شرط من شروط الحكومة المشروطة (37).
يقول النائيني في هذا السياق: «يريد أنصار المستبدة أن يوهموا الأُمّة بأن عصرنا هذا عصر خلافة عليّ (عليه السلام) ومغتصبي مقام الخلافة منه، والمغتصبون مبعوثون... لاغتصاب الخلافة أو التدخل في أمر الولاية المطلقة الحقة، في حين لا العصر عصر خلافة ومغتصبي خلافة، وليس الغرض من بعث المبعوثين إلاّ تحديد الاستيلاء الجوري وكف الغصب والظلم» (38).
فالمسألة ـ حسب رؤية النائيني ـ «مسألة مجلس نيابي شوروي يتطرق شأن المتصدي للسلطة، ويبحث في صالح الأُمّة، ويقيم الوظائف اللازمة لذلك من حفظ وتنظيم، وتعديل وتبديل، وإحقاق حقوق، ورد مظالم وغير ذلك» (39).
فالمجلس النيابي هو الذي يضع دستوراً للأُمّة يحدد فيه مجموع الحقوق والواجبات للمواطنين، واختصاص سلطات الدولة وعملها ووظائفها، فضلاً عن قيام مجلس من الفقهاء مهمته مراقبة السلطة ومحاسبتها على أن يكون المجلس ومندوبوه مسؤولين أمام الأُمّة خاضعين لمراقبتها.
فهذه الرؤية تظهر مدى تعمق النائيني في الحكم المبني على العدالة والمساواة والحرية والشورى، بحيث ينتفي فيه الظلم عن الجميع.
ويردّ النائيني واصفاً موقف العلماء الشيعة، في تلك الفترة، المعادين للدستور الديمقراطي، بدعوى أننا مسلمون وديننا الإسلام وقانوننا القرآن والسنة النبوية لا غير، وبالتالي وضع قانون آخر غير هذين القانونين في بلاد المسلمين بدعة، ومقابلة لصاحب الشريعة الإسلامية.. يردّ بأنه من قبيل رفع أهل الشام مصاحفهم في صفين،
________________________________________
(37) راجع: الفكر الإسلامي المعاصر في إيران، جدليات التقليد والتجديد، محمد رضا وصفي: 55 ـ 57، دار الجديد ـ بيروت 2000م.
(38) راجع: تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة، مصدر سابق: 110.
(39) المصدر السابق: 17.

[الصفحة - 33]


ومن قبيل قول الخوارج: «لا حكم إلاّ لله»، إذ يصفهم النائيني بأن اُولئك أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد بن معاوية على الحسين بن عليّ (عليه السلام). فالانقياد الأعمى لهذا الأكليروس هو أساس معبودية السلطان (40) ـ حسب رأيه.
فالأُمّة ليست مدعوة إلى تشكيل حكومة إلهية دينية، بل إلى تشكيل حكومة زمنية عادلة يسميها النائيني «بالديمقراطية»، إذ في مثل هذه الحالة يستقل الديني عن الزمني، ولا يغدو شأناً من شؤون الدولة. فالتنظيمات والقوانين الزمنية العلمانية هي دائماً أجنبية عن التكاليف التعبدية والتوصلية (41)، وأحكام المعاملات والمناكحات، وسائر أبواب العقود والايقاعات والمواريث والقصاص والديات، ونحو ذلك مما يكون المرجع فيه الرسائل العملية وفتاوى المجتهدين... (42).
فهذه الأُمور الخاصة بالحرية الدينية في الدولة الديمقراطية خارجة عن وظائف الموظفين، وتداخل هيئة المبعوثين (نواب الأُمّة)، وغير مرتبطة بوظائف الحكومة الشرعية، وهذا يعني أن الدستور غير معني بتطبيق الشريعة، إذ إنه يهدف إلى تحديد الاستيلاء، وضبط أعمال الموظفين، لا على أن تكون أحكام الإسلام، ابتداء من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات، من جملة السياسات التي يجب أن تذكر في دستور عمل الموظفين والمتصدين، وأن يكونوا مسؤولين عن جزئياتها.
فسبب الاستبداد ـ برأي النائيني ـ يعود إلى جهل الناس، وعدم معرفتهم بواجباتهم في مجال حقوق الشعب والحكومة، مما يدفع الحكام المستبدين إلى معاملتهم معاملة الأغنام والعبيد، ويقول في ذلك: «الأصل الوحيد لهذه الشجرة الخبيثة ـ أي الاستبداد ـ هو جهل الشعب بواجبات الحكومة والحقوق النوعية المشتركة. وقوامه انعدام المسؤولية، وعدم العلم بوجوب المراقبة والمحاسبة» (43).
فقلع جذور عبادة السلطان يكون بتجريد الوعي من عبادة رجال الدين، والانقياد الأعمى لهم. وفي هذا السياق أطلق نظرية «ولاية الأُمّة على نفسها». فالوعي الديني والسياسي يؤديان إلى كسر قيود العبودية والخضوع، هذا الوعي الذي يتأتى من تعريف الأُمّة بحقوقها وواجباتها، وتعريف السلطان بواجباته ومسؤولياته تجاه الأُمّة.
وتجدر الإشارة هنا إلى قول الشيخ محمد جواد مغنية من خلال كلامه على
________________________________________
(40) المصدر السابق: 87 و 108.
(41) المعرفة الصوفية الإشراقية.
(42)تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة، مصدر سابق: 106 ـ 117؛ وراجع أيضاً يثرب الجديدة، محمد جمال باروت: 117***
(43) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة، مصدر سابق: 73.

[الصفحة - 34]


الإصلاح الديني، وتحديد مهام دور علماء الدين في المجتمع: «إن مهمتي كرجل دين أن اُبصّر الناس بحقوقهم وواجباتهم، وأبثّ فيهم روح الشجاعة والإقدام على تحطيم القيود والأغلال التي تقف في طريق حياتهم من الدينية والدنيوية» (44).
نظرية ولاية الأُمّة على نفسها
تعتبر اُطروحة «ولاية الأُمّة على نفسها» اُطروحة جديدة على الفكر السياسي الإسلامي الشيعي، ففي ظل طول غياب الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن (عليه السلام) (45)، وفي ظل السجال الدائر بين فقهاء الشيعة الإمامية والسنة حول مشروعية أو عدم مشروعية دولة الخلافة التاريخية، وفي ظل التفكك، لا بل التمزق الحاصل بين الشعوب الإسلامية، على مستوى الرؤى والمواقف والأهداف ـ اللهم إلاّ في مجال العبادات ـ بحيث يحاول كل فريق إلقاء اللوم على الفريق الآخر؛ لجهة ما تسبب للمسلمين من أزمات وصراعات وفتن ونكبات وسفك دماء؛ ولجهة ما أفرزه ذلك من نتائج سلبية على المسارات الاقتصادية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية.
انطلاقاً مما تقدم، استنبط العلاّمة النائيني اُطروحة جديدة تلتمس شرعيتها من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة ـ حسب رؤيته ـ يقول النائيني في هذا السياق: «إن الوظائف السياسية هي من الأُمور الحسبية لا من التكاليف العمومية أولاً، وبالذات من المسلمات التي لا مجال للإنكار فيها أصلاً» (46).
فالعلاّمة النائيني في كلامه هذا يشرعن حق ولاية الأُمّة على نفسها في عصر الغيبة، إذ إن الوظائف السياسية هي من الأُمور الحسبية لا من التكاليف العمومية.
بمعنى آخر، إن ولاية الأُمّة على نفسها شأن سياسي لا شأن شرعي، فالشيعي مكلف بتحويل السلطة المستبدة إلى سلطة عادلة ديمقراطية تمثل الأُمّة، فبعد غيبة الإمام الثاني عشر وتعذر الاتصال به، أصبحت السلطة السياسية من شؤون واختصاص الأُمّة، فمساحة هذه السلطة تشمل مساحة المجتمع برمته: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالمجتمع، وعلاقته بالطبيعة. هذه هي مرتكزات واُسس اُطروحته التي تتشكل وتنبثق من صلب الدين الإسلامي والمبادئ الإسلامية، فولاية الأُمّة على نفسها، في عصر غيبة الإمام الثاني عشر من التكاليف العمومية والشرعية؛ لجهة تحول سلطة
________________________________________
(44)راجع: الإسلام مع الحياة، محمد جواد مغنية: 270، ط. الثالثة، دار العلم للملايين ـ بيروت 1979؛ راجع أيضاً: محمد جواد مغنية فكر وإصلاح، هادي فضل الله: 291 ـ 292.
(45)بدأت الغيبة الكبرى للإمام المهدي (محمد بن الحسن (عليه السلام)، الثاني عشر) عام 940م بوفاة علي بن محمد السمري آخر السفراء بينه وبين شيعته. راجع: كتاب الغيبة، الطوسي: 242 ـ 243، إصدار مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران 1385هـ .
(46) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملّة، مصدر سابق: 110.

[الصفحة - 35]


الدولة إلى سلطة ديمقراطية تمثل الأُمّة.
وولاية الأُمّة هنا ولاية مؤقتة مشروطة بعودة الإمام الثاني عشر، الذي يمثل الجانب الشرعي في هذه الولاية، في حين أن الأُمّة تمثل «الأمر الواقع» بحسب مقتضيات الحال، وهي لذلك سلطة غير نهائية.
والأُمّة استناداً إلى هذه الأُطروحة تشكل مرتكز السلطة عبر انتخابها للحاكم / ولي الأمر، فيكون موضع ثقتها ومحققاً لأمانيها (47). هذه الصيغة تدعو إلى قيام الدولة الإسلامية في عصر الغيبة على أساس الشورى (بالاختيار والانتخاب)، بحيث تتولى الأُمّة ولاية نفسها بنفسها مع دور محدد للفقهاء. فنظرية «ولاية الأُمّة على نفسها» تشكل عمق رؤيته السياسية في مسألة الدولة، مستلهماً هذه الأُطروحة الجديدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، باعتبار أن الأوامر والنواهي ووجوه التنظيم في القرآن والسنة موجهة ـ برأيه ـ جميعها إلى النبي (رضي الله عنهما) أو إلى المسلمين.
من هنا، يُعد النائيني أول منظّر لصيغة «ولاية الأُمّة على نفسها»، حيث لاءم فيها بين الأصل الأولي والأصل الثانوي (الأصل الثانوي، أي الدولة)، إذ رأى فيها النائيني أمراً شوروياً محضاً منوطاً بالأُمّة، حيث تتحمل فيها الأُمّة مسؤولية نفسها في غيبة «المهدي»، وهو ما يتطابق بالنسبة إلى النائيني مع الطابع الشوروي للإمامة المعصومة نفسها (48). من هنا، أبرز النائيني آيات الشورى وفسرها بواسطة حاجة المسلمين إلى نظام دستوري نيابي حديث تختاره الأُمّة، كعقد شوروي رضائي اختياري فيما بينها على أساس متطلبات حياتها وتقدمها.
يقوم الأصل الأولي بمصطلحات الفقه الإمامي الذي قرره الفقهاء، على عدم مشروعية تسلط أحد على أحد، وعدم ولاية أحد على أحد، فلا سلطة لأحد من الناس إلاّ ما تنازلوا عنه طوعياً وتعاقدياً ورضائياً. من هنا، لما كان الأصل مقيداً للفرع وحاكماً له، فإنه لا مشروعية لتسلط الإدارة أو الدولة على الأُمّة إلاّ بالقدر المتيقن من سلطتها الواجبة لحفظ النظام وبشكل لا يتجاوز فيه طبيعة الأصل الأولي (49).
ويعني بذلك أن السلطة لا يمكن أن تكون أصلاً أولياً بذاتها؛ لأنه لا ولاية لأحد على أحد في الاصل الأولي، وبالتالي فإن الطريقة الديمقراطية في انتخاب
________________________________________
(47)نود الإشارة إلى أن سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين نادى أيضاً بهذه الأُطروحة أو الصيغة، حيث دعا إلى اعتماد الأُمّة كقاعدة وأساس باعتبارها تتمتع بوحدة الشريعة وبوحدة الدين السماوي، يقول الشيخ شمس الدين في هذا السياق: «وأما صيغة (ولاية الاُمة على نفسها) فإن دليل شرعيتها هو الآيات والروايات الدالة على هذه الولاية من الكتاب والسنة. ومصدر الشرعية المباشرة هو الله سبحانه وتعالى، حيث إن المدعي هو الله تعالى قد جعل للأُمة الولاية على نفسها في حال عدم حضور المعصوم ـ نبياً أو إماماً ـ وظهوره على نحو تستطيع الأُمّة الاتصال به بأي شكل من الأشكال، بحيث يمارس قيادة فعلية مباشرة. هذا مع الالتزام باستمرار مرجعية الإمام المعصومة على مستوى التشريع من خلال عملية الاجتهاد التي يمارسها الفقيه على النهج الذي وضعه الأئمة المعصومون، وفصّله الفقهاء والأُصوليون، وعلماء الحديث». نظام الحكم والإدارة في الإسلام، محمد مهدي شمس الدين: 410، ط. الثانية. فإن مشروعية تكوين الدولة على أساس اُطروحة «ولاية الأُمّة على نفسها» تنطلق من أن الله خاطب المؤمنين وشرع لهم من دون أن يكلفهم بحمل مسؤولية الدولة، بل حمّلها للنبي (رضي الله عنهما) وللأئمة الاثني عشر عبر النص، فهم الذين يحملونها في حال حضورهم، أما الأُمّة فتتحمل مسؤولية الولاية في حال غيابهم، وبالتالي لا إمكان ليتحملها شخص واحد. ومن الآيات القرآنية التي يذكرها الشيخ شمس الدين والتي يعتبرها الآيات الأُمهات كدلالة على هذه الولاية، قوله تعالى: أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ (الأنفال: 72)، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ (التوبة: 71).
(48) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة، مصدر سابق: 120 و 130.
(49) اعتمدنا في تحليل الأصل الأولي والثانوي على رؤية الشيخ محمد مهدي شمس الدين، من خلال كتابه، نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 452.

[الصفحة - 36]


الموظفين والمسؤولين الإداريين عن طريق مجالس الشورى المنتخبة أو من قبل السكان بصورة مباشرة أقرب إلى ما يقتضيه الأصل الأولي في باب السلطة، وأقرب إلى دليل التقييد مما إذا مارست الحكومة سلطتها في تعيين المسؤولين والموظفين الإداريين بمعزل عن رأي الناس واختيارهم، فإن هذا أبعد عما يقتضيه الأصل الأولي، وقد لا يكون داخلاً في دليل التقييد، أما بعده عما يقتضيه الأصل، فمن حيث إن الحكومة تمارس سيادتها وسلطتها في إنشاء وفرض سلطة جديدة على الناس، وتعيين متسلط عليهم بغير اختيارهم، وهذا واضح (50).
ويعني ذلك على مستوى الأبنية الفقهية لمشروع تكوين الدولة «نظرية ولاية الأُمّة على نفسها»، حيث تصبح الدولة من حيث هي شأن إداري منطقة فراغ تشريعي، تشرّع فيه الأُمّة لنفسها في كل مجال تحتاج إليه تنظيمياً وإدارياً في ضوء الأصل الأولي.
يدعو النائيني في نظريته «ولاية الأُمّة على نفسها» إلى تحرير رقاب الأُمّة من الرِّقِّية المنحوسة الملعونة من جهة، ومشاركة أفراد الأُمّة بعضهم لبعض، ومساواتهم مع شخص السلطان في جميع شؤون المملكة من المالية وغير المالية من جهة اُخرى، وكون أن الأُمّة لها حق المراقبة والمحاسبة، ومسؤولية الموظفين أيضاً من جملة فروع هذين الأصلين (51).
فهو يشدد على إشراك الأُمّة في اتخاذ القرارات ـ خصوصاً في المسائل المهمة والمصيرية منها ـ كما يدعو إلى تفعيل دور المراقبة والمحاسبة من قبل الأُمّة؛ لكي لا يسمح للحاكم بأن يفسر القوانين كما يشاء، ويجتهد لصالحه، الأمر الذي من شأنه أن يلحق الضرر بالأُمّة ومصالحها.
ثالثاً: آراء رشيد رضا في الإصلاح الديني والسياسي (52)
قبل الغوص في آراء ومواقف رشيد رضا في الإصلاح الديني والسياسي لا بدّ، بداية، من دراسة التنظيمات السياسية التي نشأت في أواخر السلطنة العثمانية.
لقد شهد القرن التاسع عشر ظهور تيارات فكرية إصلاحية في ظل الحكم
________________________________________
(50) المصدر السابق: 454.
(51) تنبيه الأُمّة وتنزيه الملة، مصدر سابق: 77.
(52)عانى محمد رشيد رضا الكثير من الاستبداد الحميدي، الذي كان يتمثل بالقتل والنفي والملاحقات والاعتقالات ضد كل مناد بالإصلاح وتطبيق الدستور، فوجد استحالة في التعبير عن آرائه وأفكاره التي بدأ يتشبع بها من خلال اُطروحات «العروة الوثقى» لجهة فهم الإسلام وتمثّله. ومن المعاناة التي عايشها رشيد رضا وتصدى لها قبل سفره إلى مصر الظواهر الصوفية الشعبية، فألف في ذلك كتاباً بعنوان «الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية» غير أنه لم يستطع أن ينشره في بلاد الشام، ولم يجرؤ على الكتابة في انتقاد الحكم الاستبدادي للسلطان عبدالحميد وسياساته، فكانت هجرته إلى مصر عام 1898م وتأسيسه لمجلة المنار التي ستكون بحد ذاتها منبراً للعمل السياسي في سورية.

[الصفحة - 37]


العثماني الأخير، أي ابتداءً من فترة حكم السلطان العثماني محمود الثاني (1808 ـ 1839م)، حيث امتازت هذه الفترة بأمرين اثنين:
1 ـ انفتاح العثمانيين والعرب على اُوروبا وذلك لكثرة المواصلات البحرية، وتوثيق الصلات التجارية، فتحول، شيئاً فشيئاً، إلى هجوم حربي وحضاري هدد كيان الدولة العثمانية بالانهيار التام أمام قوة اُوروبا العسكرية والاقتصادية، خصوصاً أنها كانت تفتش عن أسواق جديدة لبضاعتها وعن مواد خام لصناعتها.
2 ـ الحكم لاستبدادي المطلق من قبل السلطة العثمانية للمقاطعات العربية، وإهمالها الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فضلاً عن نشر الجمود الفكري والطرق الصوفية والبدع والخرافات وكرامات الأولياء (53)، ولأجل محافظة السلطة العثمانية على نفوذها على تلك المقاطعات، بادرت إلى القيام بإصلاحات إدارية وقضائية كانت من وحي اطّلاع بعض كبار الوزراء العثمانيين على منجزات الثورة الفرنسية؛ لجهة إقرار حقوق الأفراد ووضع قوانين مبنية على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والإخاء والشورى في الحكم، فضلاً عن سن النظام البرلماني المقيد للحكم الملكي المطلق (54).
ولكن ما هو دور الإصلاحية الإسلامية إزاء هذا الواقع؟
لقد نشأت حركة «التنظيمات» حيث برز عدد من المفكرين المسلمين أمثال الطهطاوي (ت1873)، والتونسي (ت1889) ممن أقبلوا على الثقافة الأُوروبية ورحلوا إلى ديارها وشاهدوا مزايا النظام البرلماني والدستوري، من هنا نادوا بوجوب إصلاح نظام الحكم العثماني المطلق، وتطوير طرق التربية والتعليم عند المسلمين وجعلهما شرطين أساسيين لتحقيق النهضة الفعلية، إذ يمثلان روح الشريعة الإسلامية (55). من هنا، كان دور رشيد رضا الإسهام في بحث قضايا حيوية معاصرة ترتبط بهموم العرب والمسلمين وعلى رأسها الإصلاح السياسي والديني.
يقول رشيد رضا في سياق تعليله لأسباب الصحوة الإسلامية، من خلال مناقشته لقارئ يعتقد أن الشورى هي أصل من اُصول الدين الإسلامي، ولا دخل
________________________________________
(53) راجع: تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار 1898م ـ 1935م، محمد صالح المراكشي: 80 ـ 81.
(54)يشير د. كوثراني في كتابه «الفقيه والسلطان» إن الأصوات الداعية إلى إصلاح مؤسسات الدولة العثمانية كانت تنتمي إلى نوعين: الأول: كان جزءاً من جهاز الدولة الحاكم، أمثال عدد من الوزراء والولاة الذين حملوا همّ الإصلاح العثماني من زاوية سياسية بحتة، أمثال: علي باشا وفؤاد باشا ومدحت باشا في القرن التاسع عشر، وكان لهم إنجازات على مستوى بناء الإدارة واستصدار القوانين لتنظيم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.النوع الثاني: تمثل بالحركة الفكرية والأدبية أمثال الشاعر «نامق كمال» وبالحركة الليبرالية الدستورية التي نشأت بالتعارض مع سياسة السلطان عبدالحميد الثاني والتي تمثلت بتنظيمات: «تركيا الفتاة»، وجمعية «الاتحاد والترقي»، وحزب «الحرية والائتلاف»، حيث كان هذان النوعان يجدان الحل الإنقاذي للدولة العثمانية باعتماد (النموذج الغربي) في بناء الدولة لا عبر الالتحاق بالسياسات الغربية، وإنما عبر مواجهتها والصمود امامها واحتلال المكانة نفسها. الفقيه والسلطان: 104 ـ 105.
(55) تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار، مصدر سابق: 81.

[الصفحة - 38]


لأوروبا به: «لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم أصل من اُصول ديننا، فنحن قد استفدنا من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الأُوروبيين، والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام، ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء الدين في الآستانة وفي مصر ومراكش، وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد حكومة الأفراد الاستبدادية ويُعدّ من أكبر أعوانها... إنني لا أنكر أن ديننا يفيدنا ذلك... ومع هذا كله أقول إننا لولا اختلاطنا بالأُوروبيين لما تنبهنا من حيث نحن اُمّة أو اُمم إلى هذا الأمر العظيم، وإن كان صريحاً جلياً في القرآن الكريم...» (56).
فالاتصال والاحتكاك الثقافي المباشر بالغرب المتطور والحضارة الأُوروبية، منذ الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، والبعثات العلمية العربية إلى اُوروبا، ودخول الطباعة الحديثة إلى العالم العربي وانتشار الصحافة، كل ذلك فتح عيون مثقفي المسلمين ورجالات الدولة خصوصاً، على عوالم جديدة أسهمت في بعث حركة التنوير العربية.
ويظهر رشيد رضا حالة اُخرى تنبه إليها مثقفو المسلمين جراء اتصالهم بالغرب أو الاصطدام به، وهي: إعادة اكتشاف الإسلام نفسه أو بعض قَيمه الكبرى، فالشورى خصيصة إسلامية عريقة، بل هي نص قرآني. لكن بُعدها السياسي البارز في القرنين الأول والثاني للهجرة ما لبث أن غاب منذ القرن الثالث، إلى أن أعاد رفاعة الطهطاوي والتونسي والأفغاني اكتشافها تحت تأثير الدساتير الغربية ـ والدستور الفرنسي على الخصوص ـ في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، فصارت الشورى في نظر الطهطاوي ومن بعده من الإصلاحيين مرادفعة للحكم الدستوري (57).
فإصلاح النظام السياسي عن طريق ترسيخ نظام الشورى والديمقراطية، وتطبيق النظم النيابية والدستورية وتفعيلها، كانت اكتشافات المفكرين الإسلاميين المعاصرين داخل الإسلام نتيجة الانفتاح على الفكر الغربي.
فالسيد رضا والإصلاحيون يريدون الانخراط في العالم والمشاركة في حضارة
________________________________________
(56) المنار، محمد رشيد رضا 10: 4؛ ومقالة له بعنوان: منافع الأوروبيين ومضارهم: 283 ـ 284، في حزيران 1907.
(57) سياسيات الإسلام المعاصر، رضوان السيد: 157 ـ 158.

[الصفحة - 39]


العصر بإسلامهم، من أجل العيش في ظل القيم المشتركة الموجودة في كل الأديان والتجارب الحضارية (58).
وقد مرت مواقف السيد رشيد رضا من السلطة العثمانية بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى (1905 ـ 1914م): تميز موقفه بالدعوة إلى الدستور العثماني في سياق الانتظام في الحركة الدستورية العثمانية التي شملت كل المعارضين للاستبداد السلطاني الفردي من قوميات وأديان مختلفة، وقد شكل «الاتحاديون الأتراك» آنذاك «جمعية الاتحاد والترقي» الإطار العام لمواقف رشيد رضا وكتاباته.
المرحلة الثانية (1915 ـ 1919م): الانفصال عن السياسة التركية بعد أن تبين له أن إقناع «الاتحاديين» أمر مستحيل، فانضم إلى الثورة العربية التي قادها الشريف حسين وأبناؤه.
المرحلة الثالثة (1920 ـ 1926): العودة إلى الرهان على المركز العثماني أو أي مركز إسلامي قوي آخر يمكن أن ينشئ دولة قوية للمسلمين من ضمن المفهوم الفقهي السُني «لسلطنة التغلب» (59).
لقد تحول رشيد رضا من داعية بارز للإصلاحية الإسلامية وطروحاتها في السياسية والثقافة فيما بين إنشاء مجلة المنار عام 1899م، وحتى مطلع العشرينيات إلى خائف على الإسلام والمسلمين في السياسة والثقافة، داع إلى الحفاظ على الهوية، مناضل في المجال الأخلاقي حتى وفاته عام 1935م (60).
ويهاجم رشيد رضا الكثير من العادات والتقاليد السائدة والتي يسبغ عليها البعض صفات مقدسة، إذ يعتبرها من أبرز الأسباب التي أسهمت في حالة الانحطاط والتخلف والركود، يقول في هذا السياق: «كانت التقاليد الدينية حجرت حرية التفكير واستقلال العقل على البشر، حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، واعتقهم من الرق...» (61) (62).
من هنا، كانت دعوة رشيد رضا إلى إبطال البدع والخرافات والتقاليد والعادات التي أفسدت العقائد والأخلاق والأعمال، وروجت بين المسلمين الدجل والخرافات.
________________________________________
(58) المصدر السابق: 182.
(59) مختارات سياسية من مجلة المنار، وجيه كوثراني: 5 ـ 61، بيروت 1980م.
(60) سياسيات الإسلام المعاصر، مصدر سابق: 165.
(61) الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا: 195 ـ 197.
(62)يقول الدكتور حسن حنفي في هذا السياق: إن العقائد الموروثة أكبر دعامة للنظام، حيث اصطدم الفكر بالسلطة القائمة، سلطة التقاليد الموروثة أو سلطة النظم الاجتماعية أو سلطة الموروث القديم، المتمثل في العقائد والعرف والتقاليد والأفكار الشائعة والعادات وما ألفه الناس، هذا الموروث تتمثله القوى الاجتماعية فيتحول إلى سلطة سياسية تستعمله لاستتباب الأمن والمحافظة على الوضع القائم، وتتمثله السلطة الدينية فيتحول إلى مقياس للعقائد ومعيار للخطأ والصواب. ولما كان رجال الحكم ورجال الدين يشاركون في نفس المصالح أي الدفاع عن الوضع القائم، حدث التعاون بينهما ضد حرية الفكر وضد كسر ما هو مألوف والخروج عما هو شائع. وغالباً ما يتم اضطهاد الفلسفة باعتبارها الحامل للفكر الحر في لحظات ضعف السلطة، وليس في قوتها رغبة في حماية نفسها ضد المفكرين الأحرار. وتكون الغلبة في النهاية لحرية الفكر. فالفلسفة والسلطان ـ برأي حسن حنفي ـ نقيضان وبالتالي لا يمكن أن يجتمعا أو يلتقيا معاً، ويضرب أمثلة على ذلك من تاريخ الفكر البشري لجهة الصراع المشهور بين الأنبياء والكتبة، بين الفلاسفة والحكام، بين الصوفية والفقهاء، بين المفكرين الأحرار ورجال الدين، وكأن الفكر البشري يتحدد أساساً بصراعه مع السلطة. فموت الفلسفة ـ برأيه ـ يكون بانهزامها أمام السلطة وتخليها عن دورها في التمسك بحرية الفكر، ووظيفة النقد، وضرورة التغيير، وحتمية التقدم، حيث يقول: تموت الفلسفة في حكم الطغيان وفي نظم الإرهاب ولو إلى حين حتى ينتصر الفكر وينتهي الطغيان. حسن حنفي، مقالة بعنوان «متى تموت الفلسفة ومتى تحيا»: 222 ـ 223، (مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس عشر، العدد الثالث، 1984). فدور المفكر والفيلسوف إذن كبير جداً، حيث يتركز على نقد الواقع وتغييره والثورة عليه، وليس فهمه وتفسيره وتسويقه، بالرغم مما قد يتعرض له الفيلسوف من اضطهاد في سبيل إخضاعه وتقييد تفكيره، فالفلسفة موجهة للحياة.

[الصفحة - 40]


وتشمل هذه البدع المواليد وعيادة القبور والمشاهد... يقول في هذا السياق: «إن الأولياء كسائر الأموات لا يملكون للناس ولا لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، لا بالذات ولا بالوساطة والشفاعة...» (63). فهو لم يرفض ولم ينكر زيارة القبور لأجل الاعتبار وتذكر الآخرة والموت، ولا ينكر كرامة الأولياء والصالحين عند الله، ولا مكانة الأئمة والمجتهدين، وإنما كان يفضح عيوب الحشوية والجامدين، ويهدم باطلهم.
وإلى جانب رشيد رضا نجد العديد من العلماء المعاصرين الذين تطرقوا إلى مسألة تحرير الدين من الشوائب والبدع التي علقت به، والتي كادت أن تصبح جزءاً منه، منهم: السيد محسن الأمين، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد موسى الصدر الذين حرّموا بعض مظاهر عاشوراء (إقامة شعائر الحزن على الإمام الحسين بن علي(عليه السلام) ) تحريماً قاطعاً، كضرب الرؤوس بالسيوف، ولبس الأكفان، واللطم المؤدي إلى إيذاء البدن. فهذا النوع من السلوك ـ برأيهم ـ لا يمت إلى الدين بصلة (64).
وقد ناضلوا على جبهتين: حاربوا البدع والأوهام والتعصب والجمود التي شوهت محاسن الإسلام، وهاجموا الإباحيين الذين يثيرون الشبهات والشكوك حول عقيدة الإسلام وشريعته وتعاليمه. فقد أخذوا، وبخاصة السيد الأمين منهم، بحكم العقل ونص الشرع، لا رائد سواهما (65).
أما تصحيح هذا الواقع فيكون ـ برأي رشيد رضا ـ عبر اعتماد القرآن والحديث النبوي؛ لجهة تصحيح العقائد وتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق والاتباع المحض في العبادات على منهاج السلف الصالح، وهذا ما يستدعي تفكيك الجمود الفكري، وإحياء علوم التفسير والاجتهاد ضمن قواعد واُسس محددة (66).
كما وجه اهتمامه إلى الأزهر فدعاه إلى إصلاح طريقة التعليم والتربية، مشدداً على الأخيرة فقدمها على التعليم، كما دعا رضا «الأزهر» إلى تدريس العلوم العصرية إلى جانب العلوم الدينية مثل العلوم الرياضية والطبيعية، إذ تعد في هذا العصر مرتكز القوة والعزة والثروة، كما شدد على التخصص في العلوم والفنون المختلفة، خصوصاً الصناعات التي يحتاج إليها الناس، وذلك كي يتمكن الطالب من اتقان الفرع الذي
________________________________________
(63)المنار والأزهر، محمد رشيد رضا: 210. ونود الإشارة إلى أن اُستاذه الشيخ محمد عبده كان له نفس الموقف من هؤلاء، حيث يقول في هذا السياق: «اُولئك الدراويش الخبثاء أو البله الذين يغشون أطراف الجزائر وتونس ولا يخلو منهم اليوم قطر من أقطار الإسلام». راجع: تاريخ الأُستاذ الإمام، محمد رشيد رضا 2: 423.
(64) راجع: محمد جواد مغنية، فكر وإصلاح، هادي فضل الله: 283 ـ 284.
(65) للتوسع حول هذه المسألة، راجع: السيد محسن الأمين، المناحي الفكرية والمواقف الإصلاحية، هادي فضل الله: 220 ـ 225.
(66) راجع: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، علي المحافظة: 91 ـ 92.

[الصفحة - 41]


يتخصص بدراسته، بالإضافة إلى ذلك فقد رأيى أن الدفاع عن الإسلام يستدعي تهيئة جيل من المثقفين ثقافة دينية سليمة، فضلاً عن إلمامهم باللغات الأجنبية والعلوم العصرية، ليتولوا الدعوة إلى الإسلام في العالم، والدفاع عنه عبر الرد على الملحدين ودحض مزاعمهم وحججهم، وذلك لأجل إزالة الأوهام والضلالات والبدع والخرافات التي علقت في أذهان المسلمين، بهدف نقلهم إلى الحياة الإسلامية العصرية المتوخاة بما فيها من قوة وتقدم وتماسك اجتماعي وقيم أخلاقية (67).
فالعلم وسيلة للارتفاع والارتقاء بالعالم العربي على اعتبار العلم والتفكير العقلاني، والنظرة المادية المتحررة من الغيبيات والأساطير والخرافات هي السبيل الوحيد لمواكبة العصر، واللحاق بالعالم الغربي الذي يعتبر النموذج المثالي الذي ينبغي الاقتداء به، إلاّ أن التربية والتعليم ليسا من صنع فرد معين، وإنما من صنع المجتمع، كما أنهما يرتبطان بالأخلاق والقيم، فالقواعد الأخلاقية تعتبر نتاجاً اجتماعياً خالصاً، فكل نسق أخلاقي يعتمد، أساساً، على البناء الاجتماعي للمجتمع الذي يوجد فيه.
وقد اعتبر رشيد رضا أن من الأسباب التي أسهمت في تأخر الأُمّة الإسلامية، سوء فهم عقيدة القضاء والقدر على حقيقتها، فالجهل وسوء الفهم لجهة قصر الأنظار على ماهيتها وجوهرها وما يتصل بها من الجبر والاختيار (68)، كان له دور بارز في نشوء الواقع المعيش.
وقد شخّص رشيد رضا أمراض الأُمّة الإسلامية عبر طرح العديد من الأسئلة ـ إذ إن تعيين المشكلة يساوي نصف الحل ـ والتي من أهمها:
ـ كيفية تقليد واحتذاء حذو السابقين من الشعوب المتمدنة؟
ـ كيفية تثبيت حب الوطنية؟
ـ كيفية استئصال جراثيم الفساد؟
ـ كيفية التخلص من البدع والخرافات وسلطة رجال الدين والتسلط والاستبداد السلطاني (69) (70)؟
فالإجابة عن هذه الأسئلة ـ برأيه ـ كفيلة بالتخلص مما نعاني منه من التشرذم
________________________________________
(67) المصدر السابق: 93 ـ 94.
(68) كان يأخذ رشيد رضا بالمذهب الأشعري. راجع: مجلة المنار، محمد رشيد رضا: 173، المجلد 15 العدد 3، 12/3/1912م.
(69) راجع: رشيد رضا الإمام المجاهد، إبراهيم أحمد عدوي: 156 ـ 160، المؤسسة المصرية العامة ـ القاهرة.
(70)ونود الإشارة في هذا السياق إلى ردّ الأمير شكيب أرسلان عام 1930م على استفسار أحد تلامذة الشيخ رشيد رضا حول أسباب تأخر المسلمين، حيث قال في هذا السياق: «... الضاربون بالملاعق في خلواتهم والذين أباحوا الإسلام جاحد وجامد... أما الجاحد فهو الذي يأبى إلاّ أن يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين. والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية». شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟: 42. ويرى شكيب أرسلان، أن إدخال الأديان في هذا المعترك، وجعلها معيار الترقي والتردي ليس من النصفة في شيء، فمن يبحث عن سبب للتردي فلن يجده في الدين، فهو في المسلمين وليس في الإسلام بالذات، فالمسلمون الآن بين جامد وجاحد، وكلاهما أضر من الآخر. ويشدد على هذين الأمرين قائلاً في هذا السياق أيضاً: «المسلم الجاحد هو الذي مهد لأعداء المدنية الإسلامية الطريقة لمحاربة هذه المدنية... والجامد هو سبب الفقر الذي ابتلي به المسلمون؛ لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط، والحال أن الإسلام هو دنيا وآخرة، والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعتها بحجة أنها من علوم الكفار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم، وأورث أبناءه الفقر الذي هم فيه، وقصّ أجنحتهم». لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم: 105. فالإسلام يحث على العمل واستنهاض الهمم، وهو دين عمل لا دين كسل وتواكل، إن سبيل قوة المجتمع الإسلامي تمر ضرورة في المعرفة والعلم، وليس للعلم دين فلا هو علم «كفار» أو غير كفار، بل هي علوم كونية تخص الناس جميعاً، وكما في العلم كذلك في كل جديد لا يخالف العقيدة في جوهرها. يقول أرسلان: إن الذين يفهمون الإسلام حق الفهم، يرحبون بكل جديد لا يعارض العقيدة ولا يخشون من مفسدة. لقد أفاض شكيب أرسلان في تبيان خطر الجمود والجحود على الإسلام، اعتقاداً منه أن نقد هذين الأمرين يبقى ضرورياً، كيما تخرج هذه الأفكار من باب اللاهوت والميتافيزيقيا ولتدخل من جديد باب الواقع والاجتهاد. فهنا كشف عن جذور تلك المشكلة، وعيّن بناها ومرتكزاتها واُسسها، التي تتموضع في الجمود والتقليد والزندقة والكفر. فرشيد رضا وشكيب أرسلان ناديا بمقاومة تيارين هادمين للإسلام، وهما: تيار أصحاب المذاهب والطرق من جهة، وتيار المثقفين اللادينيين من جهة اُخرى. فالتيار الأول مناوئ للإسلام؛ لمبالغته في التطرف والتأويل المفرط إلى حد مسخ عقيدته الصافية. والتيار الثاني هادم له أيضاً؛ لأنه ينفي العقيدة الإسلامية ويثق بالعلوم والفلسفات الحديثة في الغرب ويرضاها بديلاً عنه. وهنا بالتحديد خطر الجمود والجحود على الإسلام. ويرى شكيب أرسلان أن السبيل إلى النهضة يكون باتباع السبل نفسها التي سلكها الغرب ومن بعده اليابان، إذ ينهض المسلمون بمثل ما نهض غيرهم، ومن هذه السبل: «الأخذ بالعلم وفنون الصناعة، وتبدل التفكير العقلي، غير أنه ليس لمدّعٍ أن يزعم أن شرط النهضة أو التقدم في الشرق هو التخلي عن الدين. لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟: 163، منشورات دار مكتبة الحياة ـ بيروت 1975. فكما أن النصرانية ليست سبب تقدم اُوروبا، كذلك ليس الإسلام سبب تأخر الشرق، ويورد شكيب أرسلان عشرات الآيات والأحاديث والأمثلة التي تؤكد على طلب العلم، وليس العلم الروحي، فحسب، وإنما العلم المادي أيضاً. ويضرب مثلاً على الجمع بين التقدم والتدين، اليابان المتمسكة بالدين البوذي وهي تعد الأُولى في عالم الصناعات والاختراعات والتطور والازدهار. فالإسلام ـ برأيه ـ لم يكن سبب تأخر الشرق، وإنما سببه فساد حكامه، ثم الغزوات التي ناءت منها حضارة الشرق. ويقول شكيب أرسلان في هذا السياق: «فإذا كان الإفرنج الصليبيون من الغرب، وكان المغول اُولئك الجراد المنتشر من الشرق قد دمّروا ما بنى الإسلام في تلك الممالك، وكانت منافسة ملوك الإسلام... وإمعانهم في الضلال... قد قضت في الداخل على ما عجز عن تصفيته العدو من الخارج، فليس الذنب في هذا التقلص ذنب الإسلام... إنما الذنب ذنب الهمج من الأُوروبيين، والجراد الزاحف من المغول، والمسلمين الذين ابتعدوا عن أوامر كتابهم واشتروا بآياته ثمناً قليلاً إلاّ النادر منهم. فأسباب تأخر المسلمين ـ حسب شكيب أرسلان ـ إنما يكمن في الجهل، والعلم الناقص، وفساد الأخلاق، ولا سيما أخلاق العلماء والأُمراء، وفي الجبن والهلع، في يأسهم وقنوطهم، وفي نسيانهم لماضيهم المجيد، وتخليهم عن جوهر رسالة كتابهم العزيز. هذه هي خلاصة إجابة شكيب أرسلان في مسألة تقدم الغرب وتأخر الشرق، وكيفية توفير أسباب نهوضه، وعلى الخصوص الأخذ بالعلم الحديث وبالعقل والعصرنة والانكباب على ما بلغه الغرب في ذلك من تقدم من حيث قوانينه وأسراره وإنجازاته في حقول التطبيق والتقنية. فالوصول إلى التقدم العلمي والتقني يقتضي الأخذ الكامل بالعلم واُصوله وقواعده وقوانينه وشروطه. لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم: 128 و 131.

[الصفحة - 42]


والتخلف والضعف والتفكك، في سبيل الولوج إلى العالم الذي نصبو إليه لجهة التقدم والتطور فنكون في مقدمة الأُمم الراقية.
فهناك عدة أسباب تجعل الأُمّة خاملة متقهقرة ساقطة، منها: جمود علماء الدين، استبداد الرؤساء وأرباب النفوذ، وظلم الحكام واضطهادهم الذي سُمي «نمط الإنتاج الآسيوي» أو «الاستبداد الشرقي» والجهل والتعصب.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 43]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف