البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التيار التغريبي العلماني العربي ودراسة فكر الإمام الصادق(ع)‏ (محمد عابد الجابري نموذجاً)

الباحث :  د. زهير غزاوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  7
السنة :  السنة الثانية خريف 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 24 / 2014
عدد زيارات البحث :  1682
التَّيَّار التَّغريبي العلماني العربي ودراسة فكر الإمام الصادق(ع)‏
(محمد عابد الجابري نموذجاً)
د. زهير غزاوي‏ (*)
تمهيد
اكتسب هذا التَّيار سماته الرئيسية من افتراقه عن التيارات البحثية العربية الأُخرى بأنه يتعامل مع التراث العربي من وجهة نظر الثقافة الغربية ومقولاتها الفلسفية مباشرة. ولهذا يفترق عن الاستشراق وتياراته الغربية من ناحية الوسائل المستخدمة في تقويم التراث الإسلامي، فالاستشراق يتبع طريقة النفي المطلق للإسلام بمعنى افتراضه فساد النظرية قبل الشروع في دراستها، لتجي‏ء الدراسة مجرد بحث عن مكامن الطعن فيها وتجاهل الإيجابيات والحقائق، بينما يدَّعي التغريبيون العلمانيون أنهم يضعون المنهج العقلي أساساً لبحوثهم، ليكون العقل والتراث الحضاري الأوروبي المقياس الوحيد. وهكذا تبدو تلك البحوث كأنما هي دراسات مقارنة مع انحياز مطلق لكل مفرزات الفلسفة الأوروبية، ومن دون تحفظ.
ينطلق الباحث محمد عابد الجابري، من خلال تحديداته لطبيعة العقل الأوروبي ومقارنته بالعقل العربي، من تحديد مفترض لثوابت كل منهما. فهو يرى أن ثوابت العقل الأوروبي اثنان هما: أولاً: اعتبار العلاقة بين العقل والطبيعة علاقة مباشرة، فهي وهو على صعيد الوجود، أي على أرضية واحدة. وثانياً: الإيمان بقدرة العقل على تفسير الطبيعة والكشف عن أسرارها، وهو ما يطلق عليه صعيد المعرفة.
ثم ينطلق مؤكداً أنّ هذا العقل لا يحتوي ثابتاً ثالثاً يتعلَّق بالألوهية، لأن اللَّه هو الطبيعة (1)؛ فإله أفلاطون، على سبيل المثال، هو الصانع المرتبط بما صنع وهو
________________________________________
(*)أستاذ في جامعة في دمشق
(1)محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط3، بيروت 1988، ص 270.

[الصفحة - 115]


الطبيعة، أما إله أرسطو فهو المحرك الأول، أي أنّه مجرد إله منطقي لتفسير الحركة في الكون. اللَّه في العقل الأوروبي إذاً وسيلة للتفسير، وليس ثابتاً هدفاً في تكوين بنية هذا العقل.
أمَّا العقل العربي فيحتوي ثوابت ثلاثة بالترتيب التالي: اللَّه ـ الإنسان ـ الطبيعة، ويقول: إذا أردنا تكثيف هذه العلاقة حول قطبين اثنين كما فعلنا للفكر الأوروبي كانا: اللَّه والإنسان وتسجيل غياب الطبيعة النفس، لأن الطبيعة تأخد دور الوسيط المعين على اكتشاف اللَّه وتبيُّن حقيقته، فالهدف من تأمل الطبيعة هو الوصول إلى معرفة اللَّه، وجوداً وتأثيراً وليس أكثر (2).
وحتى يكون أكثر تحديداً يطلق حكم القيمة الحاسم التالي قائلاً: إنَّ العقل الأوروبي يرتبط بالمعرفة، أما العقل العربي فيرتبط أساساً بالسلوك والأخلاق، ويفسر ذلك كما يلي: «برغم اتجاه العقل اليوناني أخلاقياً، لكن الفرق كبير بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة: أي التمييز في موضوعات المعرفة بين الحُسن والقبح وبين الخير والشر باعتبار أنَّ مهمة العقل ووظيفته، بل وعلامة وجوده، هي حمل صاحبه على السلوك الحسن ومنعه من إتيان الفعل القبيح..». ويعلل استنتاجه من تفسير لفظة عقل نفسها في اللغة العربية بأن هذا التفسير ينطلق من السلوك البشري وإليه، لا إلى الطبيعة وظواهرها (3). فالعقل العربي، بهذا الاعتبار، عند الجابري، «تحكمه النظرة المعيارية إلى‏ الأشياء، بمعنى أن التفكير يتجه في بحثه للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعاً ومرتكزاً، في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. فالنظرة المعيارية نظرة اختزالية تختصر الشي‏ء في قيمته، وبالتالي في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص (بما هو نتاج مجتمع وثقافة) صاحب تلك النظرة، أما النظرة الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبة، تحلل الشي‏ء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه» (4).
هذا الرأي، كما نرى، يقود ببساطة إلى النزعة العرقية في تصنيف البشر وعقولهم، رغم أن الباحث يحاول أن ينفيها عن نفسه بشدة في مفاصل بحثه، وهو أيضاً يحكم على العقل العربي عموماً باللاعقل، أو بأنه أدنى مرتبة من أن يتمكَّن من الوصول
________________________________________
(2)م.ن.، ص 29.
(3)م.ن.، ص 30.
(4)م.ن.، ص 32.
المنهاج ـ العدد السابع ـ خریف 1418 هـ ـ 1997م

[الصفحة - 116]


إلى إنجازات علمية ومعرفة بارزة كما استطاع ذلك الأوروبيون ممَّا مكَّنهم من السيادة على العالم.
وحتى نكون أكثر بساطة وتحديداً فإن الباحث الجابري ـ وهو ينطلق إلى هدف نبيل هو تقدُّم الأمة العربية من خلال معرفة أسباب تخلفها ـ يتهم العقل العربي بمسؤولية انحدار الكيان العربي الحالي، محللاً مكوِّناته، ومقارناً بما هو أرقى منه (العقل الأوروبي) ومطالباً بالتغيير، هذا التغيير الذي يتجه إلى مصدر وحيد هو التراث العربي الإسلامي والثقافة الناتجة عنه باعتبار أن العقل ينتمي إليها (أي الثقافة)، لأن العقل العربي في رأيه هو جملة المبادى‏ء والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة، والتي تفرض عليهم بوصفها نظاماً معرفيّاً (5). وهو في هذا المجال لا يتوانى عن تبنّي آراء شعوبية صريحة في توصيف العرب والعقل العربي حين ينقل رأي الجاحظ (من البيان والتبيين، ج‏3 ص 49 و50) والذي يقول فيه: «إن كلام الفرس يأتي عن طول فكرة واجتهاد وخلوة ومشاورة ومعاناة وتفكر ودراسة. أما كل شي‏ء عند العرب فهو بديهة وارتجال كأنه إلهام وليس هناك معاناة ولا مكابدة ولا إحالة فكر ولا استعانة وإنما أن يصرف همّه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام..».
ويشفع هذا الرأي للجاحظ برأي الشهرستاني الذي يقول: «العرب يميلون إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية، أما العجم فيميلون إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية». العقل العربي، عند الجابري إذن، «نظرته ذاتية لأنها لا تعتمد على الاستدلال والبرهان بل على الحدس والوجدان» (6).
وحتى لا يتَّهم بالتعسف في استخدام حكم قيمة شديد القسوة كهذا، يتابع الباحث هجومه على «الذات الإسلامي» في مراحل التاريخ المختلفة متجنباً الهجوم على الأيديولوجيا نفسها حتى لا يعرّض نفسه للاتهام، عاكساً المسألة بسحبه الحاضر نحو الماضي ومعتبراً أن العقل العربي أوقف إنتاج الفكر منذ ألف ومئتي سنة على الأغلب، وأن الأمة أحالت هذا العقل على التقاعد واضعةً الإلهام والكشف بديلاً من التجريب والبحث، ذلك أن الزمن الثقافي المكوّن للعقل لا يخضع لمقاييس الوقت والتوقيت
________________________________________
(5)م.ن.، ص 15.
(6)م.ن.، ص 33.

[الصفحة - 117]


الطبيعي والاجتماعي والسياسي، فزمن الثقافة العربية هو زمن العقل العربي، ما دام أبطال هذه الثقافة خالدون يستمر تأثيرهم الثقافي أبداً. من هذه المقدِّمات، وعلى هذه القاعدة يبني تحليله الهجومي على فكر مؤسسة أهل البيت الممثلة بالإمام جعفر الصادق(رض)، وهو موضوع بحثنا هذا.
تحليل المنهج في دراسة التَّشيُّع‏
ينطلق ممثل التيار التغريبي موضحاً أفكاره في ثلاث قنوات رئيسية هي:
أولاً: تحميل «التُراث الإسلامي» المشكّل للعقل العربي مسؤولية تراجع الأمة العربية المستمر، ولكن ليس كل هذا التراث، بل تنحصر المسؤولية في التيارات التي تمكنت من الهيمنة وإقالة العقل وإحلال الكشف العرفاني بديلاً.
ثانياً: الجانب العرفاني من الفكر الإسلامي الذي يشكل جزءاً هاماً من الثقافة الإسلامية والذي هو وليد مدرسة أهل البيت والتشيُّع، حمل على كاهله مهمة تدمير الأسس الصحيحة لبناء العقل العربي بما ينسجم مع إنتاج المعرفة المؤدية للتقدم.
ثالثاً: يكوّن الالتزام بالتراث الإسلاميّ برمته، بما في ذلك الأيديولوجيا الإسلامية، وفي قمتها فكرة الألوهة، أبرز مسببات تدمير الابتكار والابداع العلمي في العقل العربي أو علله، ويعدّ الالتزام بالأفراد وإنتاجهم الفكري، وجمود العقل المشرقي العربي عند ذاك الإنتاج باعتباره نهاية للاجتهاد وليس بداية له (وقد مضى على رحيلهم قرون عديدة) علة توقف حركة الفكر العربي في الزمن الذي عاش فيه أولئك الأفراد، وهذا يعني توقف حركة الزمن العربي ودورانه في حلقة لا يستطيع منها فكاكاً.
هذه القنوات الثلاث يمكن لها أن تلخص الخطوط العامة لأفكار السيد الجابري في بحثه، ضمن التراث الإسلامي، عن أسباب جمود العقل العربي وتخلّفه المؤدِّيان إلى تخلف الأمة ووقوعها تحت سيطرة الغرب الأوروبي. وهو، في هذا السياق، يقدم إيحاءاته حول أن إمكانية تقدم الأمة مرتبط بالانفكاك عن تراثها ـ رغم مديحه لجوانب من هذا التراث، وبخاصَّة المعتزلة ـ واتّباع الطريق الذي سارت عليه الحضارة الغربية التي انتجت ثقافة أسهمت في تشكيل العقل المبدع، بما في ذلك تهميش فكرة الألوهة والدين والتراث والنظر المستمر نحو الأمام، في زمن مفتوح ليس له آفاق.
________________________________________

[الصفحة - 118]


«ذلك أن مشروع النهضة العربية الحديثة قام، وما زال يريد أن يقوم، على بعث ما قد مضى لا على القطعية معه، فالإسلام لم يقم من أجل نفي الماضي والقطعية معه بل قام من أجل التصحيح، من أجل رد الناس إلى دين أبيهم إبراهيم. فهناك ظاهرة الاجترار الثقافي العربي في العصور المتعاقبة، والتداخل بين العصور الثقافية في الفكر العربي منذ الجاهلية إلى اليوم، يعينها المثقف كزمن راكد يشكل جزءاً أساسياً وجوهرياً من هويته الثقافية وشخصيته الحضارية، حضور القديم مع الجديد كمنافس ومكبِّل. يجب أن تطرح مشكلة التقدم ليس في إطار الماضي بل في إطار المستقبل، أي العمل على تحقيق قطيعة ابستمولوجية مع الماضي لتدشين زمن ثقافي جديد على أسس جديدة» (7). ثم يتابع مؤكداً بجزم: «أقرر أن الحركة في الثقافة العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة، وبالتالي فزمنها يعدّها للسكون لا الحركة على الرغم من كل حركتها، والدليل أن الفكر الشيعي فقهاً وكلاماً وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق..» (8).
والواقع أن الإشارة إلى الأمام الصادق(رض) واكتمال فكر مدرسة أهل البيت معه لم يأتِ لمجرد الإشارة إلى جمود هذا الفكر منذ العام 148هـ/765م وحسب، بل يهدف بالجوهر إلى الانتقال مباشرة لتحديد أن العرفان الشيعي والباطنية الشيعية «وقد كانا من أقوى العوامل التي دفعت بالمأمون إلى الاستنجاد بأرسطو في إطار استراتيجية عامة كانت تهدف إلى تنصيب العقل ـ العقل الكوني ـ حكماً في النزاعات الأيديولوجية والدينية، لأن الصراع مع الشيعة كان صراعاً أيديولوجياً، الأيديولوجيا من أجل السياسة وليس العكس..» (9). هذان العاملان ساهما في تدمير المنهج العقلي، أو بطريقة أوضح، إنهما دفعا السلطة لتنصيب العقل ليكون في مواجهة اللاعقل المتمثل في العرفان الشيعي الذي يهدد الدولة. الباحث هنا ينفي عن المعارضة الشيعية وإنتاجها الفكري أنه سمات للعقلانية، بل إنها في رأيه تقف على النقيض مع أرسطو العقلاني الذي تم الاستنجاد بفكره وترجمته إلى اللغة العربية ليقف في مواجهة التشيع، ثم يمضي استطراداً إلى إطلاق حكم قيمة كالتالي: «وجد الشيعة في الهرمسية (*)ع‏2) المعين الذي لا ينضب الذي استمدوا منه فلسفتهم.. كانوا أول من تهرمس في الإسلام..». والباحث يستدرك هنا بتخصيصه التهرمس لغلاة الشيعة الذين وظفوا فكرة المعلّم التي تعادل هنا الوصي أو الإمام، مترافقة مع فكرة التطهير وفكرة الإله المتعالي، إضافة إلى الجوهر
________________________________________
(7)م.ن.، ص 50 ـ 52.
(8)م.ن.، ص 42.
(9)م.ن.، ص 225.

[الصفحة - 119]


الكامن في الإمام علي أو الرسول محمد أو سلمان الفارسي، متجهين إلى الهدف الرئيسي وهو اتصال الإمام باللَّه وتلقي العلم منه‏ (10). لكنه يضيف استدراكاً آخر أيضاً، في محاولة جديدة قديمة، لإبعاد الإمام جعفر الصادق عن كون تلك الأفكار نابعة منه، موضحاً أن الإمام الصادق كان «يبدي تضايقه من الطريقة التي يتحدث بها الغلاة عن الأئمة ويعارض الثورة المسلّحة وسالم العباسيين وأهل السنة، مكتفياً بهدف عام هو السيطرة الثقافية وصولاً إلى السيطرة السياسية..»
الصَّادق إذن، في نظره، هو الشخصية العلمية التي اشتغلت بتنظيم المذهب ورفع الشبهات عنه، لهذا قام بطرد أبرز مشايعيه من الغلاة المعروفين، وهو أبو الخطاب الذي ادعى علم الإمام بالغيب وحلول اللَّه فيه، لكن الصادق إلى جانب ذلك أصرّ على أن أئمة أهل البيت يرثون النبوّة ويستأثرون بفهم حقيقة الدين ويعلمون باطن القرآن..
وفوق هذا وذاك فإن الإمام الصادق لم يمسّ العرفان الشيعي، بل إنّه ظل مصدراً لفلسفة العرفان وما عرف ب «التَّصوُّف» في الإسلام في عصره، مثابراً على تأييد التراث الضخم المأثور عن الإمام علي والمترسخ في العرفان الإسلامي بدءاً من حسن البصري وصولاً إليه باعتباره سيد العرفان في عصره.
ولكن ما هو العرفان، وقد أصبح مرتبطاً جذريَّاً بمدرسة أهل البيت والإمام الصادق تحديداً؟ هو في اللغة مصدر عرف فهو والمعرفة بمعنى واحد (11). هذه المعرفة التي يصنفها ذو النون المصري بتقسيمها كما يلي: «الأول معرفة التوحيد وهي خاصة بعامة المؤمنين المخلصين، والثاني معرفة الحجة والبيان وتلك خاصة بالحكماء والبلغاء والعلماء المخلصين، والثالث معرفة صفات الوحدانية وتلك خاصة بأهل ولاية اللَّه المخلصين الذين يشاهدون اللَّه بقلوبهم حتى يظهر الحق لهم ما لم يظهر لأحد من العالمين».
العرفان، في رأي الجابري، يستمد من القرآن الكريم منبعه من خلال آيات تحدثت عن اليقين، وبخاصَّة آية { إنَّ هذا لهُوَ حَقُّ اليقينِ } }الواقعة/95{ التي تحدد أصحاب المعارف. ويتميَّز العرفان من البرهان والاستدلال بالكشف والإشراق اللذين لا يحتاجان لهذا البرهان. لكن المسألة الجذرية التي تدور حولها أفكار الجابري تنصب دائماً باتجاه وصل العرفان الإسلامي بجذور هرمسية قديمة، وهو في هذا المجال ينصب
________________________________________
(10)م.ن.، الصفحة نفسها.
(*)نوضح في ما يأتي مصطلحيّ الهرمسيَّة والغنوصيَّة: الهرمسيَّة: هي، باختصار شديد، المذهب الفلسفي المنسوب إلى هرمس المثلث بالحكمة، أو المثلث بالنبوّة والحكمة والملك، وهو أصلاً اسم لأحد آلهة اليونان، وقد طابق اليهود بينه وبين موسى. والهرمسية، علوماً وفلسفة دينية، ترجع إلى مجموعة من الكتب والرسائل تنسب إلى هرمس الذي يقدّم أحياناً على أنه الإله أو الناطق باسم الإله، ولهذا اعتبرت مؤلفاتها بمثابة الوحي الإلهي. وهي ترجع، حسب رأي الفيلسوف الفرنسي فيستوجير، إلى القرنين الثاني والثالث للميلاد وأنها كتبت في الاسكندرية من قبل أساتذة يونانيين وتستمد من الفيثاغورية الجديدة والأفلاطونية المحدثة، وفيها اقتباسات فارسية زرادشتية ومجوسية، وقد وجدت فيها علوم الكيمياء والتنجيم والسحر. في عقائدها أن هناك إلهين اثنين أحدهما مسخر للآخر: الأول: الإله المتعالي الذي لا تدركه العقول ولا الأبصار، ويعرّف بالسلب بمعنى أنه منزّه عن التشبيه، ولا يهتم بشؤون الكون ولا يدخل في علمه أي شي‏ء منه لأن الكون وما فيه محفوف بالنقص، لذلك كان من غير الممكن معرفته من طريق الحواس. الثاني: الإله الخالق الصانع، وهو الذي خلق العالم، ولهذا فهو يتجلى فيه، ويمكن إدراكه بتأمل الكون ونظامه. أما الطريق إلى معرفة اللَّه فهي النفس لأنها جزء من الإله. إنها تتمكن من معرفته عندما تتمكن من الاتصال به. أما العقل فهو يستمد مدركاته من الأجسام، والأجسام المادية لا يمكن أن تؤدي بأية صورة إلى معرفة اللَّه، ويتم تخليص النفس بالمعرفة والتطهر والتخلص من المادة والفناء في اللَّه. وذلك عن طريقين، إما الانكفاء أو الانتشار، وكلاهما سعي للاتحاد باللَّه سبحانه، إمَّا عن طريق الاتحاد والفناء في الذات بالانتشار أو عن طريق الحلول بالانكفاء. فاللَّه حقق الإنسان على صورته (كما ورد في نصوص العهد القديم). في هذا الفكر ليس من فصل بين العلم والدين كما كان قائماً قبلاً. ذلك أنّه لم يعد من الممكن الطموح إلى الحصول على المعرفة أية معرفة إلا من عند إله أو نبي يوحى إليه ويقدم المعرفة للناس وحيا لا بالبرهان. وهكذا فلمعرفة علم الكيمياء مثلاً لا بد من أن يجد الإنسان اللَّه أولاً، ولكي يجد اللَّه لا بد له من الرجوع إلى نفسه وإسكات شهواته، وبمعرفته للَّه يعرف الاصباغ الرفيعة التي تحول المعادن الخسيسة إلى ذهب. إن من يتَّصل باللَّه يغرف من النبع نفسه الذي تنبع من كل حقيقة. الغنوصيَّة: هي ترجمة للكلمة اليونانية Genostic وتعني العرفان بمعناه الواسع، وهي تعبير عن طرائق البحث لمعرفة اللَّه، وهي مجموعة ضخمة من الدراسات المتصفة بأنها نزعة دينية صوفية شعارها أن بداية الكمال هي معرفة غنوص الإنسان، أما معرفة اللَّه فهي الغاية والنهاية. يبدأ العرفان متدرجاً من الإنسان إلى عرفان اللَّه وصولاً إلى النجاة والخلاص لأن اللَّه هو الإنسان (وحدة الوجود)، أساس الغنوص هو معرفة الإنسان بنفسه بوصفه لها ما يؤدي إلى نجاته. لهذه النظرية ثلاث خصائص: غ1 - الخلاص والنجاة: بوصفه معرفة الإنسان لذاته متحداً بالألوهية اتحاداً جوهرياً. غ2 - الثّنويَّة: أي ثنائية العالم بين الخير والشر، النور والظلمة، أما في الإنسان فهي ثنائية الروح والجسد. غ3 - تجلي اللَّه من خلال صاحب وحي (نبياً أو رسولاً) أو من خلال مخلص للبشرية (رجل صالح موحى إليه). معاني الغنوصية هي: غ1 - الثنويَّة ـ روح ومادة وتجري أحداث الكون حسب ما بينهما من تعارض. غ2 - الصانع: الخالق صانع العالم. غ3 - العرفان: ويتم من خلال الجماعة بالإلهام وليس بالتعلم بمعرفة الحقائق الباطنية والتمييز بين الخير والشر. غ4 - الخلاص: وهو نتيجة صراع النور والظلمة متمخضاً عن خلاص الإنسان بالنجاة من العالم المادي الشرير إلى عالم يتحرر فيه من ظلمة المادة، وهو ما تستطيعه الصفوة من البشر فقط.
(11)محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1986، ص 251.

[الصفحة - 120]


الفيلسوف اليوناني أرسطو في الجانب الآخر النقيض للهرمسية والعرفان معاً جاعلاً إياه مصدراً للاستدلال والبرهان العقلي في الفلسفة الإنسانية (12). لهذا يعقد مقارنات واسعة للنصوص من الجانبين الإسلامي والهرمسي في سعيه لتأكيد وراثة العرفان الإسلامي للهرمسية، باعتبار هذا العرفان ليس منهجاً فكرياً وحسب بل موقف نفسي وفكري ووجودي من العالم يرفض الواقع الذي يعيش فيه العرفاني كنفس مقيدة بالبدن، أو فردية مؤطَّرة في مجتمع ليس فيه إلاَّ ما ينغِّص ويكدّر.
العارف يطمح إلى تلقّي المعرفة وجواب أسئلته مباشرة من القوى العليا التي هو مشدود إليها، ويسعى للالتحاق بها والخلاص من جسده الفاني والرجوع إلى موطنه الأصلي. وتلك نزعة فردية أرستقراطية خاصة بالصَّفوة، كما تبرزها الوقائع في النصوص القديمة والإسلامية، بل إن العارف يقوم بتوظيف الدين والمعارف الدينية للدفع بالموقف العرفاني إلى أقصى مداه. ويبقى الهدف النهائي هو الخلاص، تلك الحاجة التي ولدها في الفرد شعوره بالوحدة والعزلة. وهكذا يكون الموقف العرفاني، كما يقدمه الجابري، هو موقف هروب من عالم الواقع إلى عالم «العقل المستقيل» كلما اشتدت وطأة الواقع على الفرد الذي لا يعرف كيف يتجاوز فرديته ويجعل من قضيته الشخصية قضية جماعية وإن لزم الأمر قضية إنسانية (13). العرفان بالنتيجة هو أيديولوجيا أخروية وليست لهذه الدنيا، وهو كله نتاج الفلسفة الهرمسية.
على هذه الأرضية يقرر أنه قد نبتت في الفكر الإسلامي الشيعي مقولة أن الولاية هي باطن النبوّة، أي أن الولاية عندهم تمثل الباطن بينما تمثل النبوّة الظاهر. وقد جهد المسلمون الشيعة من أجل إعطاء قالب إسلامي للموروث العرفاني السابق على الإسلام والهرمسيّ منه بصفة خاصة (14)، وفي هذه التربة أيضاً بزغت فكرة الإمامة وخلافة الرسول التي أدت إلى اختلاف المسلمين بين سنة وشيعة.
في معالجته لهذه المسألة المفصلية في العقيدة الإسلامية، وبعد أن يقدم حجج كلِّ طرفٍ من الطرفين في القاعدة التي يستند إليها لتسويغ مواقفه، وبخاصَّة حديث الإمام جعفر الصادق(رض): «إن العلم الذي أنزل على آدم لم يرفع، وما مات عالم إلا وقد ورَّث علمه، وأن الولاية والإمامة ركن من أركان الدين لا يجوز للرسول (عليه السلام) إغفاله وإهماله ولا تفويضه للعامة وإرساله»، ينطلق بعدها إلى تقرير بالغ
________________________________________
(12)م.ن.، ص 252.
(13)م.ن.، ص 259.
(14)م.ن.، ص 317.

[الصفحة - 121]


الأهمية قائلاً: «إن الشيعة عملوا على تأسيس مذهبهم على الصورة التي تجعل الإمامة بديلاً عن الأصلين العقليين اللذين يعتمدهما أهل السنة: الإجماع والقياس» (15).
وكما نرى فهو ينحو إلى توصيف نظرية الإمامة في مواجهة العقل المتمثل بالإجماع والقياس معاً، منحازاً دائماً إلى ما يعتقده عقلاً في حركة الفكر الإسلامي الخلافي حول هذه المسألة، ومع ذلك فهو يعرض وجهة نظر الشيعة في رفضه هذين الأصلين من خلال كاتب شيعي إسماعيلي قديم هو القاضي النعمان في كتابه «اختلاف أصول المذاهب». أمَّا الأهم في ما عرضه من آراء القاضي النعمان فهو ما يتعلق باستعمال العقل في أمور الدين. وكعهده دائماً فإن الجابري يقود النصوص باتجاه وحيد هو رفض الشيعة لاستخدام العقل قائلاً: «ثم يعترض القاضي النعمان على هؤلاء القائلين بالنظر وحجة العقل اعتراضاً جدلياً سفسطائياً قائلاً: «ما قولكم في من نظر مثلكم واستدل بحجة عقله مثلكم فخالفكم في ما توصلتم إليه أنتم بالنظر وحجة العقل..» (16) ليصل إلى نتيجة مفادها أن الشيعة يعتقدون أن العلم عند الإمام، ولا بد من سؤاله (أي الإمام) لأن الكتاب الكريم ما فرط بشي‏ء، فليس هناك نقص في الكتاب، إنما هناك جهل من الناس، مقرراً بالتالي أن وجود الإمام يلغي استعمال الناس لعقولهم في النظر في القرآن، وتلك هي وجهة نظر الشيعة الإمامية (17).
ويقرر الجابري أن مهمة الإمام الصادق كانت أن يُكسب النظرية السياسية للتشيع في عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أبعاداً دينية نظرية في جهده للعمل على السيطرة الثقافية والفكريّة على العالم الإسلامي، وهو وتلامذته كما يقول الجابري، قاموا بالتَّنظير للقضية الشيعية أو قضية الإمامة أساساً. وبسبب انقسام تلاميذه إلى مجموعتين، إحداهما التزمت باسماعيل ابنه ومن بعده بمحمد بن اسماعيل، ما أدَّى إلى ظهور الاماعيلية، بدا كأنما اتحدت المجموعتان في التأليف في المعرفة، وهو العلم الخاص بالأئمة أو التي تؤسس علم الأئمة «وأعني المعرفة بالمعنى العرفاني الغنوصي‏ (**) (*) ) للكلمة» والذين يوحّدهم أخذهم من الموروث العرفاني (الهرمسي) «ويكفي أن يتصفّح المرء ما يروى عن الإمام الصادق من أحاديث وما ينسب إليه من أقوال حتى يرى الطابع الهرمسي فيها واضحاً وضوحه في الأدبيات العقائدية الشيعية اللاحقة والاسماعيلية منها خاصة»..
________________________________________
(15)م.ن.، ص 321.
(16)م.ن.، ص 323.
(17)م.ن.، ص 324.

[الصفحة - 122]


ويستطرد الجابري موضحاً مهمّة هشام بن الحكم، تلميذ الإمام الصادق الأقرب، قائلاً: «لقد نقل عنه مؤرخو الفِرق آراء ونظريات ذات طابع هرمسيّ واضح كما أشار بعضهم إلى تأثره بالديصانيَّة، الفرقة الغنوصة التي تنسب إلى ديصان أو برديصان الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي بمذهب عرفاني كان عبارة عن امشاج أفلاطونية وتياغورية ورواقيَّة وبالتالي هرمسية في مجمل فلسفتها الانتقائيَّة، إلى جانب ذلك كله ما هو معروف من رواج الموروث الهرمسي في حاشية جعفر الصادق نفسه الذي ينسب إليه أنه كان على علم بالكيمياء وعلوم الأسرار وأن جابر بن حيان تتملذ عليه..» (18).
وفي سبيل إثبات مصادره يعتبر الجابري أن كتاب «أصول الكافي» لمحمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ/940م من أهمها، «وأن أحاديث الأئمة الشيعة لا ترويها المصادر الشيعية وحدها بل يرويها المؤرخون والمتصوفة وغيرهم منهم المسعودي الذي كان شيعياً، والذي روى عن الإمام علي حديثاً نقرأ فيه بوضوح رؤيا هرمس».
والواقع أن الجابري كان قد سجل هذا النص في كتابه كاملاً حتى يجعل منه مرجعاً للمقارنة بين جميع الأحاديث الموجودة في «الكافي» وغيره وبين ذاك النص محاولاً إثبات أن كل الأدبيات المتعلِّقة بنظرية الإمامة لدى الإمام جعفر الصادق والتي يصفها بـ «المنسوبة إليه» مأخوذة حكماً من الهرمسية. ومن أجل مقارنة تطبيقية يقول الجابري: «وتأكيداً لهذا المعنى تنسب المصادر الشيعية إلى الإمام جعفر قوله: «إن اللَّه خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقاً بشراً نورانيين ولم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا فيه نصيباً وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا». ليس هذا فحسب بل إنه يقرر أن المصادر الشيعية تؤسس أحاديث أَئمة أهل البيت في هذا الموضوع على حديث نبوي يقول فيه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عن نفسه: «أول ما خلق اللَّه نوري». وهناك حديث مماثل يقول فيه النبي: «كنت نبياً وآدم بين الطين والتراب». والمطابقة هنا بين النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية وبين العقل الكلي في الأدبيات الهرمسية مطابقة واضحة يصرح بها بعض فلاسفة الاسماعيلية وبعض كبار المتصوفة الباطنية كابن عربي.
وهكذا يوحِّد هذا الباحث تماماً بين الإمامية والاسماعيلية والتصوف السني (كما يصفه) في نظرتهم للإمامة باعتبارها مستقاة كلياً من تراث ليس له علاقة بالإسلام وسابق
________________________________________
(18)م.ن.، ص 327.

[الصفحة - 123]


عليه بعدة قرون، وأعني بذلك التراث الفكري المتصل بهرمس. هذا الاتصال يبدو أيضاً من الرقم «اثني عشر»، وهو عدد الأئمة لدى الإمامية متشابهاً مع أسباط عيسى وموسى، وحتى مع العيون التي فجرها موسى عندما ضرب الصخر بعصاه، وكذلك مع مقولة أن ما يفصل رسول عن رسول هو اثنا عشر إماماً وأن لكل نبي وصياً الخ..
ويتابع الجابري فيقول: «إنَّ كل ذلك يترافق مع تأكيد الإمام الصادق على أن الإمام أفضل من النبي ومن الرسول، فهو يسمع الكلام ولا يرى الشخص، فهو أي الإمام في نبوّة مستمرة لا تختم إلا بعودة الإمام الغائب الثاني عشر، وما ختم هو الرسالة لأن محمداً خاتم النبيين، إضافة إلى تأكيده على مقولة النور المحمدي والحقيقة المحمدية المتسربة إلى الولاية التي اختصت بالإمام علي بوصفه خاتم الأولياء الذي تباطن ولايته النبوّة بوصفها ولايةً مطلقة، متصلة بالإمام الأخير الثاني عشر في ولايته الخاصة حتى رجعته. فالإمام علي من نور محمد نفسه، كما قال رسول اللَّه: «أنا وعلي من نور واحد» وقوله: «خلقت أنا وعليّ من نور واحد قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام».
في الحقيقة أن الباحث الجابري لا يخصص الشيعة «وما ينسبونه» إلى الإمام الصادق في هذه المقولات، بل هو يشرك معهم مصادر من السنّة في أقوال مشابهة، وبخاصَّة الحديث الشهير المذكور في الصحاح جميعاً بألفاظ مختلفة وإن اتفقت على ما يلي عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالةً لا تمر على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك وفضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني. وإنَّك، وأنت مني، بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
هذا الاتفاق في رفع منزلة الإمام علي، بين السنة والشيعة، يجد الجابري نفسه مقسوراً على إيراد أحاديثه بسبب استحالة تجاهلها. وبما أنها ستكون موضع نقاش موسّع في هذه الدراسة، يجدر بنا إكمال أفكار الجابري حول الإمام الصادق، فنذكر أحد أحاديثه الشهيرة أيضاً، يقول: «إن الإمام إذا أراد أن يعلم علم» وقوله: «إن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان وإنّا ورثنا محمداً، وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وتبيان ما في الأرواح» (19) مضيفاً أن الصادق أكّد أن «ليس هذا هو العلم، إن
________________________________________
(19)م.ن.، ص 331.

[الصفحة - 124]


العلم هو الذي يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة» أي وحياً، ومن هنا نفهم ـ كما يقول الجابري ـ معنى قول الصادق لأصحابه أنه كان يتأمل القرآن حتى يسمعه من جبريل كما سمعه محمد(صلي الله عليه و آله) .
غني عن القول إن «أصول الكافي» هي أبرز مصادر هذا الباحث، وهذه مسألة ستكون موضع نقاش هنا، لكن الأهم هو متابعة تأكيده باستمرار على الموروث الهرمسي لكل ما يورد عن الإمام جعفر بن محمد، حتى وهو يفرق بين مجموعتي تلاميذه المفترقتين إلى هشام بن الحكم من جهة كاثني عشرية، أو مع أبي الخطاب وميمون القداح كإسماعيلية بفلسفتهم الهرمسية التي تتمحور حول محور واحد هو النبوّة والولاية، بالاستناد إلى الموروث النقلي نفسه الموجود لدى الكافي. وبما أن مهمة هذا البحث تكتفي بما يتعلق بفكر الإمام الصادق على أرضية الإمامية الاثني عشرية فلا مجال إذاً لتحليل وجهة النظر الأخرى المتصلة بالإسماعيلية.
الإمام إذن هو ما يوحّد عرفانية الطرفين، فكل شي‏ء يدور حوله: العقيدة والفلسفة والتاريخ والسياسة، ليصل هذا الباحث أخيراً إلى الاتصال بمسألة الزمن، فالزمان العرفاني الشيعي زمان روحي باطني قوامه الارتباط بالإمام. فالشيعي لا يمكن أن يحيا حياته الباطنية الروحية من دون حضور الإمام في قلبه، والأرض لا يجوز أن تخلو من إمام، فهو إن غاب يظل حاضراً في قلوب أتباعه وشيعته، فلا بد من أن يعود ليجعل حداً ونهايةً للجور والظلم والطغيان، هو صاحب الزمان في غيبة تنتهي مع قرب انتهاء الزمان.
هنا يردد الجابري بيقين شائعة انتظار الشيعة لخروج المهدي في مدينة سامرّاء، معتبراً أن الشيعة يعيشون معه زمناً واحداً ممتداً كيوم واحد، ولكن له بداية ونهاية، بدءٌ ورجعة.. إنه زمان دائري‏ (20). يبدأ من نقطة ليعود إليها من دون تقدم إلى الأمام أبداً.
في هذا السياق يتابع هذا الباحث العزف على الوتر الذي يتعلق بالتشكيك بنظرية المهدي برمتها عندما يقول: «ويؤسس الشيعة الاثني عشرية زمان الغيبة هذا على حديث منسوب إلى النبي يقول فيه: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل اللَّه ذلك اليوم حتى يبعث اللَّه رجلاً منِّي يواطى‏ء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
________________________________________
(20)م.ن.، ص 338.

[الصفحة - 125]


ملئت جوراً وظلماً». هذا اليوم الطويل هو زمان غيبة الإمام وزمان انتظار رجعته. وقد يراه الخواص منهم. «إنه المنصرف من شؤون شيعة القائم على أمورهم المدبر لوجودهم والمالى‏ء زمانهم» (21).
ويخلص الجابري آخراً إلى ما يلي: «إن شخصية الإمام محور لنظرية في المعرفة وقصة المبدأ والمعاد إطار لنظريّة في الوجود(...) وما من شكٍّ في أن هاتين النَّظريتين من تشييد العقل، ولكن لا من أجل تكريس قدرته والاعتراف بفاعليته والتعاطف مع طموحاته، بل من أجل إلغائه وإحلال قوّة «معرفيَّة» أخرى محله هي العرفان. وعرفان الإمام، والإمام وحده..» (22) هو عرفان بالوراثة إذن لشخص واحد، عرفان يفرضُ منبع الهرمسية التي ينتسب إليها الجميع» (23).
مناقشة مقولات الجابري‏
أثارت آراء الجابري، عندما كتب دراساته حول العقل العربي والتراث الإِسلامي ونشرها، ضجيجاً ونقاشاً واسعين في الساحة الثقافية العربية بين مؤيد ومعارض. وتأتي أهمية هذه الأفكار من جهتين، أولاهما أنها المرّة الأولى التي يقوم فيها باحث باتهام الأيديولوجيا الإسلامية بأنها مصدر تخلف العقل العربي الإسلامي، وبالتالي جمود المسلمين عن التقدم وتخلفهم عن أوروبا ووقوعهم تحت سيطرتها، من دون أن يتعرض للاتهام بالإلحاد والردّة من قبل الأصوليين، وثانيتهما تمكنه ببراعة من تحليل التراث الإسلامي لتهشيمه متمتعاً بشهادات حسن سلوك إسلامية من قبل المفكرين العلمانيين العرب الذين قاموا بمناقشة أفكاره.
يستبعد الجابري أية مسؤولية لظرف خارجي عن تخلف العرب محيلاً السبب نهائياً إلى بنية العقل الذي تشكَّل لدى الأمة عبر عصور، وساهم فيه الدين الإسلامي، وإلى طريقة تعامل هذا العقل مع مقولة الألوهة والطبيعة، عندما أحال الطبيعة والعلم والتجريب العلميّ إلى هامش اهتماماته لتصبح فكرة الألوهة والعرفان ونفي العقل بديلاً منها. الجابري يرسخ حلاً وحيداً يطرحه أمام العقل العربي الإسلامي بطريقة غير مباشرة وهو: القطعية النهائية مع تراث الماضي والزمن الدائري العائد إليه، واتباع مناهج أوروبا في وسائل التقدم بما في ذلك رفض الدين بوصفه معيناً للتقدم العلمي لأنّه يقيل العقل
________________________________________
(21)يستند الجابري إلى الأحاديث المستقاة من مصادر إمامية أهمها: أصول الكافي لمحمَّد بن يعقوب الكليني الصادر في طهران 1278هـ، وعقائد الشيعة الإمامية ل محمد رضا المظفر. أما بالنسبة للإسماعيلية فجاء كتاب «اختلاف أصول المذاهب» تحقيق عارف تامر، ودعائم الإسلام للقاضي النعمان و«اختلاف أصول المذاهب» للمؤلف نفسه. في أصول الكافي عاد إلى الصفحات 65 - 157 - 54، وأخذ أيضاً حديثاً عن المسعودي في مروج الذهب، تحقيق أسعد داغر، بيروت، دار الأندلس، ص 38 - 39.
(22)م.ن.، ص 343.
(23)يعتبر الجابري أن معرفة الإمام الصادق لعلم الكيمياء تأتي من طبيعة هرمسية أيضاً، تبعاً للنص الذي يورده، نقلاً عن الفيلسوف الفرنسي فيستوجير في كتابه عن الهرمسية كما يلي: «على أساس هذا التصور تبني العلوم السرية الهرمسية وفي مقدمتها: الكيمياء، فبمعرفة كيفية التجاذب والتنافر في المعادن يمكن تحويل الخسيس منها إلى ذهب بواسطة الصنعة والتَّدبير.. والتطهير للنفس فهناك ترابط عضوي بين الكيمياء والتصوف (..) وهكذا فلمعرفة أسرار الكيمياء لا بد من أن يجد الإنسان اللَّه أولاً، ولكي يجد اللَّه لا بد له من الرجوع إلى نفسه وإسكات شهواته (...) إذن فبمعرفة الإنسان لنفسه يعرف اللَّه وبمعرفته للَّه يعرف الأصباغ الرفيعة التي تحول المعادن الخسيسة إلى ذهب، لأن المعرفة كل المعرفة تتلخص بأن من يتصل باللَّه يغرف من نفس المنبع الذي تنبع منه الحقيقة..». ويتابع الجابري في كتابه تكوين العقل العربي ص 183 قائلاً: «إن دمج العلم في الدين والدين في العلم علامة بارزة بين العلامات التي يكشف فيها العقل المستقيل عن نفسه وهويته، إنه يطلب أن يعقل عن اللَّه حتى تلك الأمور التي تركها اللَّه للإنسان كي يعقلها مباشرة عن الطبيعة فيسخرها لمصلحته..»

[الصفحة - 126]


بمقولات لا عقلانية، وجعل العقل هادياً وحيداً على درب زمن له اتجاه وحيد ممتد إلى المستقبل المنقطع تماماً عن الماضي.
إن إثارة هذا الباحث للاستفزاز العقلي تأتي من أنّه الوحيد من الباحثين ذوي الأصول المذهبية السنية من يحمّل مدرسة الإمام جعفر الصادق(رض) الفكرية مسؤولية تخلف العقل العربي، وهو عندما يورد بعض الأسباب الخارجية لتأخر الدولة العربية وانحطاطها، فإنما يحيل الأسباب أيضاً إلى طبيعة العقل العربي نفسه أيضاً: ذلك أنه بينما استطاعت المعارضة الشيعية أن تستقطب المضطهدين وتكتسب مظهراً تقدمياً ثورياً.. وظّفت هذه المعارضة منتجات العقل المستقيل كأساس معرفي لأيديولوجيتها.. ومن هنا التناقض بين الطابع التقدمي للأهداف والطابع اللاعقلاني للأيديولوجيا وأساسها المعرفي.. بينما تبنت دولة السنّة موقفاً معاكساً؛ محافظة على المستوى الاجتماعي، وثورية عقلانية على المستوى الأيديولوجي والمعرفي.. وعندما تدخلت العوامل الخارجية: حروب صليبية.. تتار.. مسيحية أندلسية، تراجع الطابع الثوري التقدمي للأهداف عند المعارضة الشيعية واستقل الطابع اللاعقلاني للأساس المعرفي لأيديولوجيتها وتراجع الطابع العقلاني لدولة السنَّة واستفحل الطابع المحافظ لأهدافها الاجتماعية: والنتيجة تعميم الرؤية اللاعقلانية على الصعيد المعرفي والأيديولوجي للجميع.. وبدء عصر الانحطاط (24).
هذا التقرير الواضح جداً لتقييم التاريخ الإسلامي دفعة واحدة، لم أجد في دغمائيته وجرأته مشابهاً لدى أي كاتب في أي طرف درس هذا التاريخ، وهو يخلص في خاتمة بحثه إلى القول: «هذا عن أسباب تخلف المسلمين، أما عن أسباب تقدم غيرهم... فترجع بدورها إلى نوعين من الموروث: الموروث المسيحي اليوناني من جهة، والموروث العربي الفلسفي والعلمي من جهة ثانية. أما الأول فيتمثل بكيفيّة خاصة في عنصرين: نضال الكنيسة ضد الغنوص (= العقل المستقيل) نضالاً متواصلاً طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحية مما كانت نتيجته إقصاءه بصورة تامَّة من حظيرتها». وإدخالها للمعقول العقلي اليوناني وفي مقدمته المنطق مما جعل العقل الكوني يبقى حاضراً باستمرار في الفكر المسيحي ثم )وهذا هو الأهم( «تَمَّ الفصل بين الدين والسياسة» ما جعل «الصِّراع ضدَّ الكنيسة وحدها من دون التدخل في مسألة
________________________________________
(24)تكوين العقل العربي، م. س، ص 348 - 319.

[الصفحة - 127]


الإمامة، بل من أجل الحقيقة ذاتها.. إنَّه لم يكن صراعاً من أجل الإمامة والسياسة بل من أجل الحقيقة الدينية منها والكونيَّة... فأما الثاني أعني الموروث العربي الذي انتقل إلى أوروبا وعمل على تأسيس نهضتها، فيتمثل هو الآخر في عنصرين: الفلسفة الرشدية... والعلم العربي» (25).
يبدو الجابري، رغم رصانته العلمية، منحازاً بطريقة عجيبة إلى مفرزات الحضارة الأوروبية إلى درجة وقوعه في المغالطة والتناقض واللاعلمية، فليس أسهل من دحض مقولاته، وذلك لوقوعه في مأزق ربط تعليق الأسباب أو إحالتها إلى عنصر وحيد، وفي حالتنا البحثية يتعلق هذا العنصر تحديداً بفكر مدرسة أهل البيت، إن في نظرية الإمامة ومتعلقاتها أم في العرفان، وهو أيضاً من نتاج فكر هذه المدرسة ويتصل جذرياً بنظرية الإمامة، محدداً أن التمسك بهذا الفكر أدى إلى إلغاء العقل الإسلامي بما سماه العقل المستقيل. وكما شاهدنا فهو يحمِّل الصراع الذي قادته هذه المدرسة ضد السلطات السنية التي أعلت شأن العقل نظرياً واحتقرته تطبيقياً على صعيد (السياسة والمجتمع)، إضافة إلى عوامل خارجية محدودة، مسؤولية بدء الانحطاط.
1 - في خطاب يحاول الجابري إكسابه طابع العلمية يقرر (مستخدماً لفظة أقرر) أن الفكر الشيعي: فقهاً وكلاماً وسياسة اكتمل مع جعفر الصادق.. (وكما رأينا فهو في مجمل دارساته يحمل هذا الفكر المسؤولية عن الانحطاط) فهل ظل أميناً لمقولته هذه؟ كغيره من تيارات معادية للتشيع يبدو الجابري بعيداً عن الالتزام بما يقرر، وخاصة عندما يشكك في كل حديث للإمام الصادق سابقاً إياه بعبارة (منسوب إلى) وبهذا فهو يقرر كغيره من تيارات البحث المضادة أن التشيع بوصفه مدرسةً فكرية كلامية فقهية وسياسية ابتدأ بعيد رحيل الإمام الصادق. ورغم اتباعه منهج النفي هذا فإن مسار بحوثه يعترف باستمرارية مدرسة أهل البيت في تكاملها من كافة النواحي رغم الغيبة الكبرى لآخر الأئمة، محمد المهدي(عج).
على هذه الأرضية يبدو الإمام جعفر بن محمد واضعاً للأسس، ولكن كل ما تلاه من إنجازات فكرية هو من إنتاج تلاميذه وتلاميذهم، ومن إنتاج المؤسسة الشيعية على درب اكتمالها مدرسةً تمكنت من النضوج رغم كل ما أحاط بها وما قام به أتباعها، وقد اتخذوا طابع المعارضة السياسية والفقهية، من صراع ضد السلطات الحاكمة.
________________________________________
(25)م.ن.، ص 348 و349.

[الصفحة - 128]


إذاً لم يتوقف التشيع برحيل الإمام الصادق عن معالجة المستجدات وإنتاج كبار المصادر العلمية في مختلف نواحي العلوم، وبخاصَّة الفقه والحديث وعلم الكلام والعرفان. لقد كان لعصر الإمام، وهو مرحلة نضج عصر التدوين في الحضارة الإسلامية (80 ـ 148هـ)، أن يقدم عدداً ضخماً من الكتب. وحفظت لنا المراجع‏ (26) المختصة أسماء كثيرة لكتب لم يصل إلينا منها شي‏ء. أما بداية عصر الغيبة الكبرى في القرن الرابع الهجري فقد قدمت للعلوم الإسلامية عدداً بارزاً من الأسماء ممن تركوا بصمات لا تنسى، وأصبحوا أسس مدرسة التشيع (الكُلَيني، الصَّدُوق، المُفيد، القُمّي، وغيرهم).
تميزت المؤسسة الشيعية، في عصر الغيبة الكبرى، برفض توقف الاجتهاد في الدين الإسلامي، بينما قررت مؤسسة السلطة وما ارتبط بها تاريخياً من مذاهب إسلامية أن يتوقف الاجتهاد، مكتفية بالمذاهب الأربعة التي نضجت عملياً في القرن الثالث الهجري (المالكي، الحنفي، الشافعي، الحنبلي).
تثابر المؤسسة على تجديد أدواتها البحثية بما في ذلك النظر في صحيح الكافي ورفض كل ما لا يتلاءم مع أصول علم الحديث بما يزيد على ستة آلاف حديث. ورغم ما يلصق بها من اتهام بتكريس الكهنوت فإن التعددية الاجتهادية تصل إلى درجة من الحيوية بحيث تمنع أي جمود، أو تحكُّم لأي مرجع مهما كانت درجته من العلم. ولعلّ شهادة كاتب مستشرق مثل ستانلي لوريمر في كتابه «دليل الخليج» (27) والتي يقول فيها: «يقوم العالم الشيعي المجتهد بعدة وظائف، فهو محاضر في اللاهوت، وهو قاضي شرع، وهو مدرس شريعة إسلامية (...) كلمته بين أتباعه قانون، ويتلقى مبالغ كبيرة من المال من إخوانه في الدين الذين يدفعونها زكاة أموالهم أو صدقة أو لأغراض أخرى في سبيل الدين(..) يختار الجمهور من يجب تقليده واتباعه ومن هو المجتهد الحائز على شروط الفقه، وذلك عملياً يمثل الحالة الديمقراطية الأبرز، سادت منذ غياب المهدي وحتى اليوم، ورغم الخلاف الاجتهادي الحاصل فإن المؤسسة لم تشهد صراعاً ذا قيمة تذكر طوال تاريخها..»
هذه الشهادة التي تترافق بما هو مشهور عن عدم جواز تقليد الميت، جعلت من مؤسسة التشيع مدرسة تنظر دوماً إلى المستقبل في زمن مستمر إلى الإمام، يعتمد على
________________________________________
(26)راجع ابن النديم، (أبو الفرج محمد بن إسحق ابن النديم) في الفهرست.
(27)راجع: المؤسسات الدينية الإسلامية والكيان الصهيوني: زهير غزاوي، دار الغدير، بيروت، 1416هـ/1996م، ص 106.

[الصفحة - 129]


جهود الأجيال الجديدة في الاستنباط والتجديد، ما جنَّبها الجمود، ومكَّنها من إنتاج آراء في كل مستجدات العصر، بدءاً من المصارف وحتى الموسيقى ومشكلات المرأة. وهنا يجدر الاعتراف بأن هذه المؤسسة سبقت المؤسسات الدينية للجمهور وأكسبت التشيع أنصاراً وأتباعاً يعدّون اليوم بمئات الملايين.
2 - هل يمكن أن تعاني مؤسسة دينية هذه سماتها من انفصام بين بناها الفوقية والتحتية، بين المظهر التقدمي الثوري لممارساتها وبين توظيفها لمنتجات (العقل المستقيل) كأساس معرفي للأيديولوجيا التي تشكل بناها العليا، كما يقول الجابري؟ ثم هل إن مؤسسة السنة كانت ثورية عقلانية على المستوى الأيديولوجي والمعرفي القائم على بنى تحتية محافظة في المستوى الاجتماعي؟
إن من أبرز منتجات العقل الأوروبي التي تجاهلها هذا الباحث هي مقولة تلازم النظرية والتطبيق في حركة المؤسسة، بمعنى أنَّ فشل التطبيق يؤثِّر على فشل النظرية والعكس صحيح، لهذا تعتبر أية مؤسسة قامت على الأيديولوجيا في مجال التطبيق ناجحة إذا تمكنت من الاستمرار بنجاح حقبةً محددة من الزمن. وعلى هذا الأساس لا يمكن فصل النظرية بوصفها بنيةً فوقية عن تجلياتها في الممارسة أو قابليتها للحياة في مجال التطبيق على الأرض، وغالباً ما تدرس المؤسسات ذات الأيديولوجيات ويعرف مدى نجاحها وفشلها، بمقياس يعتمد أساساً على مدى نجاح وضع تلك الأيديولوجيات في التحقق الفعلي.
على أساس مقياس كهذا، يمكن القول إن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) تمكن من بناء الدولة الإسلامية المستندة إلى أيديولوجيا الإسلام بوصفه بياناً معرفيّاً، ونجح في ذلك إلى أبعد الحدود في حياته على الأقل، ما يؤشر إلى مصداقية النظرية ونجاحها ـ وهذا ما لم يتعرض له الجابري ـ بينما قامت بعده مؤسسة الدولة لدى‏ السنة على أساسين عقليين اعتمدا على القياس والإجماع (كما يفترض) باجتهاد يقول: إن نظرية الإمامة في هذه الدولة تستند إلى الاختيار الحر والشورى، علماً أن السُّلطة لم تُبنَ وفق هذين المبدأين، بينما تقدمت مؤسسة أهل البيت باعتراض مفصلي مستقى من نصوص الأيديولوجيا الإسلامية نفسها، ويرى أن الإمامة تم تحديدها بالتعيين من قبل الرسول، وهي مستقرّة
________________________________________

[الصفحة - 130]


في الإمام عليّ بن أبي طالب(رض) والاثني عشر إماماً من أبنائه، بتوضيح أنَّ آخرهم (الثاني عشر) يغيب عن هذه الدنيا طويلاً، ثم يعود ثانية ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً.
هذا البناء الأيديولوجي المعرفي لمؤسسة أهل البيت والذي بلوره عقل الإمام الصادق ـ مبلوراً فكر هذه المؤسسة ـ لم يكن عقلانياً كما يقول الجابري، ومع ذلك فقد قاد مؤسسة المعارضة (التقدمية الثورية) في التاريخ الإسلامي، وكان له استقطاب واسع من قبل المضطَهَدين والمسحوقين في مواجهة السلطات الغاشمة، حسب تعبيره، رغم إضافته إلى (تراجع الطابع التقدمي الثوري للأهداف في ما بعد عند المؤسسة الشيعية واستفحال الطابع اللاعقلاني للأساس المعرفي لأيديولوجيتها). أما دولة السنّة المؤسسة على الطابع العقلاني فقد تراجع هذا الطابع باستفحال الطابع المحافظ لأهدافها الاجتماعية وتعميم الرؤية (اللاعقلانية) على الصعيد المعرفي للجميع، وكان الانحطاط، كما يقول أيضاً. فهل يمكن الافتراض أن قراءة كهذه للتاريخ الإسلامي تتمتع ببعض المصداقية تتبعاً لجدلية النظرية والتطبيق التي أفرزها العقل الأوروبي؟
بتأمل مجرد لأحداث التاريخ الإسلامي نجد مفارقة أن الأيديولوجيا «اللاعقلانية» لمؤسَّسة أهل البيت تمكنت من الاستمرار وبناء المؤسسة في المعارضة، بإصرار أنها ليست مؤسسة السلطة، وذلك عندما رفض الإمام الصادق تولي السلطة عندما عرضت عليه قيادة الثورة (28) قائلاً: «هذا ليس زمني». هذا الإمام تمكن من تشكيل الحزب الثوري التقدمي الشيعي إذاً على قاعدة نظرية لا عقلانية، وظل يعمل على السيطرة الأيديولوجية على العالم الإسلامي باستقطاب ليس له مثيل كما يعترف الجابري، بينما فشلت مؤسسة السنة في وضع نظريتها «العقلانية» موضع التطبيق على صعيد مؤسسة السلطة عندما تحول النظام إلى ملكية ليس لها علاقة بالانتخاب والشورى بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) مباشرة، حتى بالنظر إلى جدلية اختيار الخلفاء الثلاثة الأوائل، وكل الجدل الذي ثار حولها (29)، وعلاقة هذا الاختيار بجوهر الإسلام قرآناً وسنة نبوية.
في تنظيراته لما هو معقول أو غير معقول، في نظريَّة الإمامة والمهدية المرتبطة بالمؤسسة الشيعية، يقفز الباحث الجابري كما فعل غيره فوق معطيات إسلامية أساسية اعتمد عليها هذا الطرف وتجاهلها ذاك، وإن كان أشار إلى شي‏ء منها على طريقته في الرفض.
________________________________________
(28)أحمد أمين، ضحى الإسلام، ج‏3.
(29)راجع الملل والنحل للشهرستاني، الفصل الأول.

[الصفحة - 131]


يتفق المسلمون جميعاً على مقولة النور المحمدي والحقيقة المحمدية، ويتفقون على مكانة الإمام علي بن أبي طالب من الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، ويتفقون على وجوب الإمامة والمهدية (30) والرجعة، وإذا رفض بعضهم أو لم ينقلوا أحاديث نبوية عن المهدية، فهم ينقلون أحاديث نبوية من أهم الصحاح لدى‏ السنَّة (البخاري ومسلم) عن عودة المسيح‏ (31) ونزوله على مئذنة في دمشق. كل هذا موجود في أحاديث رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في مختلف الصحاح لدى جميع الأطراف (ومن أراد فليرجع إليها في مظانّها) فهل يشكل ذلك الجانب اللامعقول في الأيديولوجيا الإسلامية؟
لقد شكلت الأيديولوجيا الإسلامية العقل العربي الإسلامي، فما هي حدود المعقول واللامعقول في هذه الأيديولوجيا حتى يجري اتهام التشيع بمسؤوليَّته عن سيادة (العقل المستقيل) في الحضارة الإسلامية؟(***)
الأديان تشكل الجانب اللامعقول في الحضارة الإنسانية استناداً إلى مجمل فلسفة الجابري في دراساته جميعاً. ومشهور أن التيارات الفكرية الأساسية في أوروبا الحديثة، وبخاصَّة المادية والمفرزة من البرجوازية الصناعية، حاربت الكنيسة والدين المسيحي وأبعدتهما من الحياة اليومية بحكم تحالف الكنيسة مع الاقطاع. وفي سياق هذه الحرب انتشر الإلحاد في أوروبا مترافقاً مع التقدم الصناعي المتسارع. من هنا نبعت أفكار تناقض الدين مع التقدم، الأفكار التي يحاول التيار العلماني الأوروبي الغربي سحبها وتطبيقها ميكانيكياً على الواقع العربي كما رأينا.
3 - تشكل نظرية المهدي جزءاً هاماً من الأساس المعرفي للأيديولوجيا الشيعية، وبارتباطها بالإمامة الاثني عشرية والعصمة شكلت الهيكل المعرفي لمدرسة أهل البيت.
ترتبط الإمامة بفلسفة الحكم والمرجعية الدينية للمسلمين، أما المهدية فهي تتعلق جذرياً بقيمة العدالة على الأرض في هذه الحياة الدنيا. وإذا كان الجانب اللامعقول في مسألة الإمامة يتعلق بنص رسول اللَّه عليها للإمام عليّ فقط كما يقول الجابري، فإن المهدية غير معقولة عنده بالإطلاق.
لكن علم الأصول، أو علم الكلام الذي تأسس في مدرسة الإمام جعفر بن محمد(رض) بوراثة الجذور من الأئمة الذين سبقوه وأولهم الإمام علي بن أبي
________________________________________
(30)راجع عبداللَّه الغُريفي، أحاديث وكلمات حول الإمام المنتظر، مكتبة الهداية الإسلامية، 1406هـ/1988م.
(31)نص الحديث عن صحيح مسلم كما يلي: عن صحيح مسلم عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: «فبينما هو كذلك (أي الدجال) إذ يبعث اللَّه عيسى المسيح بن مريم فينزل عنه المنارة البيضاء بين مهرودنيه، فيطلبه بباب له فيقتله».

[الصفحة - 132]


طالب(رض)، أحاط الإمامة والعصمة بسياج العقلنة الذي ميّز عملياً مدرسة الإمام الصادق في الأصول أو الفروع (علم الكلام أو الفقه) لقد وضع العقل كأحد المراجع الأساسية في الاستنباط إلى جانب القرآن والحديث النبوي‏ (32)، بينما رفضته (العقل) المدارس الفقهية الأخرى، وبخاصة المدرسة السلفية بقيادة ابن تيمية.
أصبحت عقلنة فكرة الإمامة، كما وردت في مدرسة أهل البيت، ركنا أساسياً من أركان علم الكلام، وكمثال نلخص مكانتها كما يلي‏ (33): «أقرَّت مدرسة أهل البيت وجوب الإمامة الفعلي على اللَّه تعالى، وجاء في تعليل ذلك: أن التعليل يتعلق بأسباب ثلاثة:
1 ـ اللطف الإلهي بعباده فلا يتركهم هملاً دون إمام.
2 ـ ضرورة وجود العارف باللَّه دائماً وهو الإمام.
3 ـ التعليم: فالإمام هو المعلم وناقل العلم عن رسول اللَّه وحافظ هذا العلم».
أمَّا العصمة فقد ورد عن هشام بن الحكم، تلميذ الإمام الصادق والأبرز تعليلاً عقلياً جميلاً لها: «إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص، الحسد، الغضب، الشهوة. وهذه الصفات منفية كلها عن الإمام، فلا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه، فهو خازن أموال المسلمين فعلام يحرص، ولا يجوز أن يكون حسوداً لأن الإنسان إنما يحسد من هم فوقه وليس فوقه أحد فكيف يحسد من هم دونه، ولا يجوز أن يغضب لشي‏ء من أمور الدنيا إلا أن يكون للَّه عز وجل وقد فرض عليه إقامة حدوده، ولا يجوز أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة كما ينظر إلى الدنيا فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح أو طعاماً طيباً لطعام مرّ، وثوباً ليناً لثوب خشن ونعمه دانية باقية لدنيا زائلة فانية» (34).
إذا تمعنَّا في هذا الكلام فإن مدرسة الإمام الصادق الفكرية تضيف إلى عقلنة الإمامة والعصمة تعليلاً عقلياً جميلاً للزهد والعرفان الإلهي النابع من معرفة الدنيا والزمن والمصير.
إن كل ما نقل عن الإمام الصادق يرجح معرفته أن الإمامة المتوارثة تنتهي عند محمد المهدي بن الحسن العسكري(رض)، وكان رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) قد تنبأ بذلك في حديثه الشهير المتواتر والمختلف على تفسيره: «لا يزال أمر هذا الدين قائماً ما وليهم اثنا
________________________________________
(***)أثبت الباحث جورج طرابيشي سوء استخدام الجابري للمراجع الفرنسية في مسألة العقل في كتابه الشهير: «نقد العقل العربي».
(32)ضحى الإسلام، ج‏3، مرجع سابق، ص 263.
(33)فخر الدين الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين، مراجعة طه سعد، دار الكتاب العربي، بيروت 1403هـ/1984م.
(34)علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف 1977، ط7، القاهرة ص 106 نقلاً عن عقيدة الشيعة لدونالدسون.

[الصفحة - 133]



عشر إماماً كلهم من قريش» والذي يفسر حديثاً على النص النبوي على الرقم الاثني عشري من جهة وكلمة إمام من جهة أخرى‏ (35). ولن يفاجئنا ذاك الكم من المؤلفات التي عالجت هذه المسألة من قبل جميع الأطراف، ولن تفاجئنا التعليلات العقلية التي تحيط بنظرية المهدي في الاجتهادات الحديثة لمدرسة أهل البيت، بدءاً من الدليل القرآني وصولاً إلى الدليل العلمي. لكن ليس هذا ما يستقطب الأهمية في هذه المسألة. إن أهم ما في فكر مدرسة الإمام الصادق وموضوع الغيبة أنها ربطت الغيبة بحرية اختيار الإمام القادم، بعيداً عن الالتزام بما أثار موجة الاتهام لنظرية الإمامة الشيعية بأنها حالة أرستقراطية، وأن الإمام يجب أن يكون حكماً من نسل الإمام علي. أما مدرسة السنّة التي مزقها التشوش في نظرية الإمامة وبخاصة في قضية الحاكم الذي يتغلب على السلطة من دون العودة إلى رأس أهل الحل والعقد، فلم تصل عملياً إلى نتيجة واضحة بالقدر الذي قدمته أفكار الإمام الصادق لعصر ما بعد الغيبة الكبرى.
لقد وضحت هذه المدرسة شروط الإمام، ولكن في إطار اجتهادات مؤسسة التشيّع وأصرّت على أفكار وقيم سامية يجب أن تكون فيه وأهمها العلم والعدالة، والأهم من ذلك ـ تبعاً لتقاليد شروط الاجتهاد للمدرسة ـ أنها جعلت للعقل مكانة أساسية في تحديد شكل نظام الحكم في غيبة الإمام بشروط المؤسسة وتعددية المراجع والفقهاء الممتلكين لناحية شرط الاجتهاد رغم صعوبة هذا الشرط.
إن أقرب ما يمكن أن توصف به مدرسة الإمام الصادق، في مسألة الإمامة، في عصر الغيبة الكبرى، أن الدولة الإسلامية القادمة يجب أن تبنى على غرار المدينة الفاضلة التي وصفها أفلاطون في جمهوريته. ورغم مثالية ذاك التوصيف فإنه أقرب للإسلام جوهراً. وبارتباطها (أي نظرية الإمامة في عصر الغيبة) بمقولة الرجعة لإقرار فكرة العدالة للأرض بعد أن ملئت جوراً، تثبت أيديولوجيا مدرسة الصادق أنها أكثر واقعية عندما تتحدث عن قيام المخلّص الذي يشكل حلماً لجميع المظلومين على الأرض التي ملأها الظلم والجور اللذين ناضلت مؤسسة التشيع ضدّهما، ونضجت تحت ظلال هذا النضال المستمر، وهو يأخذ في كل عصر أشكالاً جديدة تبعاً للحرية الاجتهادية المستندة إلى العقل والمصلحة في توصيف شكل النضال الملائم.
________________________________________
(35)أحاديث وكلمات حول الإمام المنتظر، مرجع سابق، ص 82.

[الصفحة - 134]


إن الشكل العقلاني للرجعة في مدرسة أهل البيت (بارتباطه بالإمامة والعصمة والمهدية) جعل منه عملياً أبرز مثل للاستقطاب الجماهيري في مؤسسة التشيع. وفي سيادة الاجتهاد العقلي للمؤسسة عبر العصور استمر التمسك بنظرية المهدية والرجعة من قبل جميع المفكرين فيها، لم يرفضها أحد منهم ولم تواجه انقساماً بسببه، لاقتناع الجميع بالأصول النبوية له في أحاديث رسول اللَّه.
من هنا تبرز إشكالية العقل والنقل في الأيديولوجيا الإسلامية والتي أغفل الباحث الجابري التعامل معها، مقتصراً على ضرورة العقل والعقلنة ورفض كل ما يخالف منتجات هذا العقل. فما الذي توصل إليه من تجديد لمعنى العقل؟
4 - لقد أفرز الجابري جزءاً كبيراً من أبحاثه لتوصيف ماهية العقل، حتى توصل به إلى المفهوم النسبي بوصفه نتاجاً للثقافة السائدة، البعيد عن أن يكون متصفاً بالإطلاق والشمولية.
هذا المفهوم عن العقل الذي توصل إليه بغاية مهاجمة العقل العربي وتحميله مسؤوليَّة التخلف الراهن والمتدرج تراجعاً حتى بداية عصر الانحطاط، جعل من النقاش حول العقل نفسه، مستنداً إلى مقاييس العقل، أمراً يتسم بالنسبية. فما الذي يمكن الاتفاق عليه في ظل توصيف للعقل الإنساني بأنه مجرد نتاج للثقافة وليس فيه ما ليس فيها وفي الحواس، هذا التوصيف الذي من ضمن ما وقع فيه، فصل الثقافات الإنسانية عن بعضها بالإطلاق وإقرار عدم تلاقحها بحيث تشكلت العقول البشرية في تجمعاتها الإنسانية المنفصلة عرقياً. وأصبح لدينا تبعاً لذلك عقل عربي وعقل أوروبي وعقل زنجي وعقل للأسكيمو الخ..
تميزت الحضارة العربية بأنها حققت من خلال الأيديولوجيا (اللاعقلانية) بأساسها المعرفي (في رأي الجابري) قفزات مذهلة على كل الصّعُد، ليس هذا هو بيت القصيد، فقد تميز التقدم على قاعدة الجانب العاطفي من الإنسان (فلسفة، علوم اللغة، الشعر، الدين، الفقه الإسلامي الخ) بتصاعد في النضج ما زالت الأمة العربية تعيش على أمجاده حتى الآن، بل إن الحضارة الأوروبية استفادت من هذا الجانب ربما أكثر من استفادتها من الجانب العلمي المتعلق بعلوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب
________________________________________

[الصفحة - 135]


وتقنيَّة الآلة وغيرها، هذا الجانب العاطفي لا يفارق العقلانية رغم ذلك فكل إبداعات الإنسان يحايثها العقل دائماً، وتحايثه.
يتحدث الجابري ـ كما قرأنا ـ عن فرع من المسيحية والأرسطية ميّز المسيحية عن الإسلام بطابع أكثر تقدمية أو عقلانية. إن من المتعارف عليه أن بزوغ الحضارة العربية الإسلامية ترافق بانحطاط للحضارة الأوروبية عندما تبعثرت مؤلفات الفلسفة اليونانية، ووصلت إلى مدرستي الرها والاسكندرية، ما مكن المترجمين العرب من إعادة إنتاجها بشكل كلي ومختلف وموسوم بالطابع الفكري العربي ثم إعادتها إلى أوروبا. كان ذلك بحد ذاته الإنجاز الأبرز الذي أمسكت به الحضارة الأوروبية. إن الجابري وبطريقة منعكسة يقدر أن الترجمة جاءت استجابة لتحدي التشيع الباطني للدولة العباسية، في سبيل أن يوضع العقل الأرسطي في مواجهة الفكر الشيعي اللاعقلاني، لكنه وبطريقة متناقضة يتهم مدرسة الإمام الصادق بأنها «تهرمست» أي استفادت من نتاج الفكر اليوناني في جانبه العرفاني على الأقل (وهو ما سنتطرق له)، فهل يمكن القول إن الفلسفة الأرسطية ـ وقد أعاد العرب إنتاجها ـ هي وحدها التي تحتكر التفكير العقلي القادر على إنتاج التقدم؟ وهل إن الجانب العقلي الذي وسم مدرسة الإمام الصادق، وبخاصَّة أنّه يمثل نضج مرحلة عصر التدوين وبزوغ العلوم المتصلة بالمنطق كالنحو والعروض وعلم الكلام وغيرها، هل إن هذا الجانب يمكن إهماله أو وسمه باللاعقلانية أيضاً، رغم أنه سابق على عصر الترجمة؟ دوماً يتصف الجانب المتعلق بتوصيف العقل في فلسفة الجابري بالتشوش والاضطراب في وضعه موضع التطبيق على مدرسة أهل البيت. ومع ذلك فليست الحياة عقلاً دائماً.. ليس البحث العلمي عقلاً فقط ولا يكون الإبداع البحثي مجرد عقل وحسب (فالعالم ليس عقلاً) ويعلم الجابري تماماً أن الفلاسفة على خلاف مستمر (ومنهم الفلاسفة الثلاثة سقراط وأفلاطون وأرسطو) في أن العقل هو مجرد إنتاج للمادة المتصلة بالحواس، ذلك أنهم أقروا وبخاصة أستاذهم سقراط بأن في العقل مبادى‏ء لم تتسرب إليه من الحواس‏ (36). أمّا في العصور الحديثة فإن المدرسة الفرويديه في علم النفس وبخاصة العالم «كارل يونغ» تتحدث عن وراثة التصورات العليا في العقل خلال الأجيال المتعاقبة للأمم‏ (37). وتقر مباحث مدرسة الغشتالت في علم النفس والتربية والتعلم‏ (38) عن مسألة الاستبصار في الوصول إلى
________________________________________
(36)راجع محاورة فيدون، تأليف أفلاطون. ولا أدري إن كانت مترجمة إلى العربية.
(37)راجع كتابنا: نمو القيم والاتجاهات عند طفل ما قبل المدرسة، فصل الفرويديه، دار المبتدأ، بيروت 1993.
(38)وودورث، مدارس علم النفس، ترجمة مراد، جماعة علم النفس التكاملي، القاهرة 1946.

[الصفحة - 136]


نتائج تؤدي إلى حل المشكلات من خلال التعلم. والاستبصار ترجمة للكلمة الإنجليزية (Insight )، وتعني الكشف بأجلى معانيه‏ (39). وقد قيل مثل ذلك عن الإبداع الشعري أو الفني في الرسم.
بل إن بعض المؤرخين تحدث عن ظهور السيد المسيح للفنان ليوناردو دافنتشي لتسهيل رسم صورة له عندما أبدع لوحته العشاء الأخير.
هذا الكشف الصوفي يتصل أيضاً باللذة الصوفية كما يسمونها عند تحقق إبداع الكشف والوصول إلى النتائج في جميع مجالات العلوم، فليست التجربة وحدها هي التي تؤدي إلى تحقق الفرضيات العلمية، إذا لم تترافق بالصفاء العقلي والتأمل إضافة إلى الصفاء الروحي الذي يحول الباحث إلى حالة مكرّسة للبحث ومنفصله عن المحيط المعيق والمحبط.
5 - مدرسة الإمام الصادق والهرمسية: يعتقد الدكتور محمد عابد الجابري ـ في هذا الجانب من بحثه النقدي ـ أنّه اكتشف شيئاً يختلف عن سابقيه عندما وصف الإمام الصادق بالغنوصي. الهرمسية والغنوصية وجهان لعملة واحدة، ويستخدمان تقريباً المفردات نفسها. وهما من الفكر الإنساني الذي لا يعرف واضعه بالتحديد ـ كما رأينا ـ خليط من الفلسفات اليونانية والمشرقية: الهندية والفارسية والكونفوشستية، ولكنهما معا لم يتفقا على التوحيد المطلق، وإن جاءت فكرة الألوهة وخلق الكون والكشف والاتصال والتطهر من العالم المادي وسيلة لهذا الاتصال بالخالق السامي، مفردات تشترك فيها جميع الأفكار الإنسانية التي تدرك حقيقة أن زمن حياة الإنسان القصيرة جداً شي‏ء لا يُقاس في خضم المطلق وبحره الذي ليس له آفاق.
يؤكد الجابري على وراثة التشيع والعرفان الإسلامي للهرمسية في أفكارها المتداولة، وعادة ما يجري مقارنات بين الأفكار على الشكل التالي (على سبيل المثال بين أفكار ابن عربي المتصوف الأشهر وبين رؤيا هرمس التي يسجلها كاملة في كتابه) (40). يقول ابن عربي: «بدء الخلق: الهباء، وأول موجود فيه: الحقيقة المحمدية الرحمانية ولا أين يحصرها لعدم التحيز ـ ومم وجد؟ وجد من الحقيقة المعلومة (لدى المتعالى) التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم ـ وفيم وجد؟ في الهباء. وعلى أيّ مثال وجد؟ الصورة المعلومة في نفس الحق (على مثالها) ـ ولم وجد؟ لإظهار الحقائق الإلهية ـ وما غايته؟
________________________________________
(39)يعني الاستبصار أن الإنسان عندما يسعى لحل مشكلة ما، وفي خلال محاولاته المتكررة والفاشلة لحل المشكلة، يصل فجأة إلى الحل من دون مقدمات تتعلق بالمحاولة والخطأ والصواب. وقد سموه بالكشف معللين ذلك بتراكم المحاولات الصائبة التي أدت إلى الوصول للحل.
(40)بنية العقل العربي م.س. ص 263 وص 260.

[الصفحة - 137]


التخليص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار الحقائق ومعرفة أملاك الأكبر من العالم وهو ما عدا الإنسان في اصطلاح الجماعة، والعالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم ومعرفة علته وسببه وأفلاك مقاماته وحركاته وتفصيل طبقاته» )عن الفتوحات المكية، ج‏1، ص 118(.
يقول الجابري: تجري المقارنة على النحو التالي:
الهباء أو العماء عند ابن عربي، هو في رؤيا هرمس: الكثيف النوراني الذي نزل إلى أسفل وشكل طبيعة رطبة ستتحول إلى مادة العالم.
الحقيقة المحمدية عند ابن عربي يناظرها في رؤيا هرمس: الكلمة، أي الابن الأول للمتعالي أي الإله الصانع، وهو العقل الأول عند الإسماعيلية وعند ابن عربي نفسه.
الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم كما يقول ابن عربي ويسميها الأعيان الثابتة هي العالم كما كان في العلم الإلهي قبل بدء الخلق، وهي أيضاً الصور المعلومة في نفس الحق، التي منها صورة الحقيقة المحمدية أي العقل الأول، وجد كما يصرح ابن عربي لإظهار الحقائق الإلهية وبالتالي فهو صنع العالم، المخرج للموجودات من حال وجودها بالقوة في العالم الإلهي إلى حال وجودها بالفعل في العالم. أما التخليص من المزجة الذي هو غاية الخلق فهو تخليص النور من الظلمة حسب تعبير المانوية، وتخليص النفس من البدن كما يقول المتصوفة..
هذه المقارنة أوردتها بالنص لتبيان تعسف المقارنة ليس إلا: فليس الهباء أو العماء مرادفاً للكشف النوراني، ولا الحقيقة المحمدية هي الكلمة أو الابن الأول للإله. أما كلمة العقل الأول فهي مستخدمة في الفلسفة اليونانية الإشراقية ما في ذلك شك بتعبير ال (Logus ). أما عندما يتطرق إلى الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود أو العدم (وهي أحد أبرز مقولات علم الكلام الإسلامي في تعليل الخلق بشكل عام) فإنه لا يورد أي نص مقابل في رؤيا هرمس. جميعنا نلحظ التعسف البالغ في العبارة الأخيرة (التخليص من المزجة) عندما يقارنها بتخليص النور من الظلمة حسب تعبير المانوية، لأنّ ابن عربي في تعليله للمزجة لم يستخدم النور والظلمة أبداً، بل يستخدم ثنائيات
________________________________________

[الصفحة - 138]


إسلامية كالحساب والعذاب مقابل النعيم، وهذه ثنائية لا تتصل بالنور والظلمة أبداً إلا من بعيد جداً. أما الثنائية المتعلقة بالروح والبدن فهي صلب العقيدة الإسلامية، وفي القرآن الكريم ثنائيات عديدة، يقف على رأسها الخير والشر، اللَّه والشيطان، الفجور والتقوى الخ.. ومن هذه الثنائيات: النور والظلمة بطبيعة الحال والحي والميت يقول تعالى: { تولجُ الليلَ في النهارِ وتولجُ النهارَ في الليلِ وتُخرجُ الحيَّ مِنَ المَيّتِ وتخرجُ الميِّتَ من الحَي... } }آل عمران/27{ أما في قول ابن عربي عن تقدير غاية العالم «أي التخليص من المزجة وتمييز القبضتين حتى تنفرد هذه بعالمها وهذه بعالمها، ومن أجل هذا كانت الرسل والأنبياء والأولياء» فليس من شك في أن عبارات كهذه تعبير رائع يتميز به ابن عربي بالذات، وبصرف النظر عن أن الفكرة بجوهرها، إنسانية شمولية، وهو لم يفارق في هذا التعليل جوهر الدين الإسلامي مطلقاً. فما هي الغاية من وجود الرُّسل والأنبياء والأولياء إلا هذه، وهي هداية الناس من الظلمات إلى نور اليقين كما ورد في القرآن الكريم. لكن ما يزعج الجابري حقاً هو استخدام كلمة الأولياء، والولاية في كلام ابن عربي عندما يتطابق الأخير مع التشيع في أن الولاية مستمرة رغم انقطاع النبوّة والرسالة (41). ومعلوم أن العرفان بمجمله (كما أشرنا) هو كذلك، ينبع من مدرسة أهل البيت، وليس من غاية هذا البحث شرح أفكار ابن عربي، ولكن فشل الجابري في هرمسة ابن عربي بالغ الوضوح هنا.
نصل إلى سؤال يطرح نفسه، وهو: لماذا لم يجرؤ الجابري على اتهام رسول اللَّه محمد(صلي الله عليه و آله) أو الأيديولوجيا الإسلامية (أو بالأحرى الجانب الإلهي منها) بالهرمسة، ما دام قد اكتشف أفكاراً جديدة ليست غنوصية؟، ولماذا لم يتطرق إلى «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب، وهو منبع العرفان في الإسلام، وبخاصة في حديثه عن الزهد والدنيا الفانية التي يرفض أن تغرّه، واتجاه الإمام الأول في عرفانه نحو (الآخرة) رغم أنه يقف على سدّة المنصب الأول في العالم الإسلامي أي (إمارة المؤمنين)؟
ألا يبدو من السذاجة المفرطة أن نفسر علمياً التقاطعات الفكرية في التراث الإنساني بالسرقات الفكرية أو بالتقليد الفكري إلى درجة التطابق، كما يفعل الجابري في بحثه الفضفاض الذي بين أيدينا؟
________________________________________
(41)م.ن.، ص 361.

[الصفحة - 139]


يتهم المستشرقون الأوروبيون الإسلام عادة بالاقتباس أو بالنسج على منوال العهد القديم اليهودي. ويتهم مفكرون آخرون العهد القديم بالاقتباس من الحضارة البابلية التي عاش اليهود بين ظهرانيها زمناً طويلاً، وبخاصة شريعة حمورابي وقصة الطوفان وغيرهما. وقد بذل الكثير من الحبر لدحض أفكار كهذه تتعلق بالإسلام وسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، لنصل إلى نتيجة مفادها أن التقاطعات الموجودة في الأيديولوجيا الإسلامية مع أفكار سابقة، نابعة من أن الإسلام عبر القرآن الكريم وأحاديث الرسول ـ وقبله المسيحية ـ أقر بأنه جاء ليكمل ويصحح، ويضيف القرآن (ويختم). وبالسياق لم يكن ممكناً تحقيق الفصل الثقافي بين الأمم ومعرفة من الذي استقى من الآخر مثلاً، إذا علمنا أن الذين يشكّون في نسبة نهج البلاغة إلى الإمام علي ـ على سبيل المثال ـ وجدوا في حديثه وخطبه عبارات تتطابق مع تراث يوناني أو هندي، علماً أن تراث الإمام (رض) سابق على الترجمة بالقطع، ناهيك عن أمية رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) واتهام العرب الأميين له بأنه يأخذ من (أساطير الأولين)، بمعنى أنَّ ثقافة العهدين: القديم والجديد كانت متداولة حتى في البادية.
كل هذا يجعل من محاولات المقارنة الساذجة التي يقوم بها الجابري أو غيره بين الإسلام وتراث العرفان والتوحيد السابق عليه مجرد سعي لبرهنة فرضيات مستحيلة، تتجاهل حقيقة أساسية هي أن التراث العربي الإسلامي مصبوغ تماماً بالصبغة العربية الإسلامية، وأنّه تمكن من أسلمة كل الأفكار المتداولة وتعريبها، حتى قصص القرآن الموجودة بالنص في العهد القديم (يوسف) فإنها أنتجت بإبداع جديد لم يتناول إلا الفكرة المجردة في غاية محددة. ويعرف أي باحث (والجابري من هذه الشريحة) أن فولكلور الإنسانية الذي يملأ الفضاء وينتقل بين الأمم كانسياب الماء والهواء، يجري التعرف على الأصالة والإبداع في طريقة استخدامه وصياغته وإعادة إنتاجه؛ وإلا فهل يمكن اتهام الإسلام بأنه اقتبس فكرة التوحيد عن اليهودية، أو أن اليهود اقتبسوها عن ديانات قديمة مصرية أو صينية أو هندية. ورغم ذلك فعلينا الإقرار بأنَّ التوحيد الإسلامي توحيد خالص مطلق، ومثله العرفان الإسلامي العربي، مختلف عن مثيلاته في توحيده المطلق هذا، علماً أن أرسطو العقلاني الذي يضعه الجابري في مواجهة اللاعقل العرفاني الإسلامي، كان يقول بتعدد الآلهة، وألوهية الأفلاك، لقد كان ابن بيئته اليونانية الوثنية، حتى وهو يقدم البرهان عن المحرك الأول الذي لا يتحرك.
________________________________________

[الصفحة - 140]


كان من أبرز الأفكار التي وردت في الفكر الإنساني، فكرة الصفوة من البشر، أولئك الذين يتميزون بمقدرة وضعها اللَّه فيهم، وأوكل إليهم الهداية أو الرسالة أو الإرشاد والتعليم. هذه الفكرة أخذت في طابعها الإسلامي وأحاديث الإمام جعفر بن محمد الصادق (سلام اللَّه عليه) منحى له خصوصية الأيديولوجيا الإسلامية، ومنها ما نقله الجابري عن الكافي عن جعفر الصادق عن الإمام علي(رض) (والذي رأى فيه الجابري تجليا لرؤيا هرمس بالمقارنة) ما ملخصه: «إن اللَّه حين شاء تقدير الخليقة وذر البرية وإبداع المبدعات نصب الخلق في صورة كالهباء قبل دحو الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته وتوحيد جبروته، فأتاح نوراً من نوره فلمع، فنزع قبساً من ضيائه فسطع ثم اجتمع النور وسط تلك الصورة الخفية فوافقه ذلك صورة نبينا محمد(صلي الله عليه و آله) »، إلى أن يقول: «وانصب أهل بيتك للهداية وأُوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي، واجعلهم حجتي على بريتي والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي..». ثم يقول الإمام الصادق: «وانتقل النور إلى غرائزنا ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فينا النجاة وبنا مكنون العلم..» (42).
فكيف يستنتج الجابري الجذور الهرمسية في حديثٍ كهذا؟ يقول: «تكليم اللَّه له تعادل كلمته تسطيح الأرض وتمويج الماء ورفع السماء من أجله تنصيبه للهداية، خلق الكون وبسط الزمان وإبداع الملائكة وقرن توحيده بنبوة محمد التي هي عناصر تطابق على التوالي العناصر التالية في الميتافيزيقيا الهرمسية: الإله المتعالي (الكلمة) أو العقل الأول (الهباء) الطبيعة، الإنسان السماوي (الذي يجعل منه النص المذكور آدم بينما يجعل من العقل الأول محمداً) ظهور العناصر الأربعة.. الخ، أما الهداية التي خص اللَّه بها أهل بيت النبي فهي تذكرنا بالهداية التي ألزم هرمس نفسه القيام بها بعد أن رأى ما رأى في رؤياه الكشفية..»
والحقيقة أنني بعد التدقيق بين الرؤية المذكورة والنص الوارد في «الكافي» عن الإمام علي وجعفر الصادق (رضي اللَّه عنهما) لم أجد من التقاطعات ما يؤدي إلى أي تطابق في المضمون كما فعل الجابري وهو يلوي عنق النص ليستنتج منه التطابق. يستحيل الاستنتاج من حديث الإمام علي أن خلق محمد هو خلق العقل الأول، لأن المقصود عادة بالعقل الأول هو اللَّه في الفلسفة اليونانية. أما في مسألة الهداية واتصالها
________________________________________
(42)م.ن.، ص 328.

[الصفحة - 141]


بالصفوة فقد ألزم هرمس نفسه بالهداية بعد الرؤيا ليتصدَّى لمهمة أهله لها أنّه اكتشف الحقيقة بالرؤيا.. أما أهل بيت النبي فقد تولوا المهمة بالوصاية من الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ولم يدّعوا غير ذلك مطلقاً، وبكل تأكيد فلا يمكن للرسول أن يوصي إلا بأمر من اللَّه، ولا يوصي إلاّ لأناس من جنس طبيعته المتميزة، القادرة على الهداية وتولي المهمة الصعبة، ولكنها موجودة في الصحاح شئنا أم أبينا، والقرآن طالب بالمودة لأولي القربى من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إلا المَوَدَّةَ في القُربى‏ } }الشورى‏/23{ . وتلك جدلية السنة والشيعة المستقاة من القرآن والحديث، فما علاقة الهرمسية بها؟ علماً أن كلمة الهباء لم ترد مطلقاً في رؤيا هرمس التي تتسم من حيث الصياغة والمضمون بتعددية الصنّاع والآلهة، وليس فيها من التوحيد الإسلامي حتى النوايا (43). فحديث الإمام الصادق لم يذكر الكلمة أبداً، ولا العقل الأول ولا الإنسان السماوي. أما العناصر الأربعة فقد كانت بديهية علمية متداولة وما زالت حتى الآن.
في محاولته لتعليل معرفة الإمام الصادق بالكيمياء وغيرها من العلوم يورد الجابري عن فيستوجير نصوصاً هرمسية عن الاتصال باللَّه وتصفية النفس ومعرفة الأصباغ الرفيعة التي تحول المعادن الخسيسة إلى ذهب (أو ما يرادف حجر الفلاسفة بالمصطلح القديم) ويقوده هذا إلى أن اتصال الإمام بالفكر الهرمسي أدى به إلى معرفة علم الكيمياء (والحقيقة أنّه لم يشر إلى الإمام الصادق مباشرة وإن لمح إلى ذلك بالتبعية الفكرية) وبما أن الكيمياء من العلوم الدقيقة المتصلة بالعقل مباشرة وبالتجريب ـ وقد ثبت أن الكيميائي الشهير جابر بن حيان تتلمذ على الصادق بها، وكتب رسائله الشهيرة ـ فإن ذلك، وقد أدى إلى التشوش لدى الجابري، لم يجد من مخرج منه إلا من خلال النصوص الهرمسية، علماً أن المتصوفة الذين مارسوا الصفاء الروحي والكشف لم يصبحوا علماء في الكيمياء رغم ذلك. وكم يبدو اتصاف تعليل كهذا بالسذاجة في محاولة تعليل اتصاف الإمام الصادق بممارسة علوم لها صفة التجريبية والعقلانية.
6 - جدلية التقدم والتخلف في الحضارة العربية الإسلامية: يحصر الجابري أسباب تخلف الأمة العربية وبدء عصر الانحطاط بعنصرين أساسيين:
الأول ـ كما رأينا ـ وهو الأهم يتعلق باستقالة العقل (كما تحلو له التَّسمية) في تيارات الفكر العربي المحددة باثنين: المؤسسة الشيعية المتسمة بتراجع منهجها الثوري
________________________________________
(43)في رؤيا هرمس ما يلي: «وبما أن العقل الاله ذكر وأنثى، حياة ونور فقد أوجد بكلمة منه عقلاً ثانياً صانعاً هو إله النار والنفس فصنع المدبرات السبع التي تغلف بدوائرها العالم الحسي ويسمي تدبيرها العذر. وفي الحين انطلقت كلمة اللَّه واتحدت مع العقل الصانع لأنهما من جوهر واحد تاركة العناصر السفلى من الطبيعة متروكة لنفسها محرومة من العقل فبقيت مجرد مادة..»

[الصفحة - 142]


بتكامل الانحسار العقلي لديها نظرية وتطبيقاً، والمؤسسة السنية بسيطرة اللاعقلانية على بنيتها النظرية التي كانت عقلانية وسيادة الجمود والمحافظة عليها.
الثاني: الغزوات الخارجية، وقد حددها بثلاث: المغولية من الشرق والصليبية من الغرب، ومعها تدمير الدولة الأندلسية النهائي وانتصار المسيحية الغازية وطرد العرب من هناك.
هناك أسباب كثيرة لتراجع الحضارة الإسلامية عن الإنتاج، والجابري يقع في فخ تقسيم العصور ـ الذي رفضه ـ في هذه الحضارة. فهو في مقدمات كتابه: «تكوين العقل العربي» يتّهم هذا العقل بأنه في تعامله مع الزمن الثقافي لا يخضع لمقاييس الوقت والتوقيت الطبيعي والسياسي والاجتماعي لأن ما يميز الثقافة هو زمنها، وزمن الثقافة العربية هو زمن العقل العربي ما دام أبطال هذه الثقافة خالدون ليستمر تأثيرهم الثقافي أبداً (44).
على هذا القياس كيف يمكن تعليل عصر الانحطاط ما دام هناك نهوض كوّنه أولئك الخالدون الذين بهت تأثيرهم وتراجع في زمن ما مترافقاً بتراجع مكوّنات العقل نفسه، وسيادة الجمود والمحافظة على مؤسسات الإنتاج الفكري بدءاً من القرن السابع الهجري. فلماذا أدخل الجابري مؤسسة التشيع الإمامي الاثني عشري في المسؤولية؟
لكل امبراطوريات العالم بداية ونهاية، وقد تميزت الإمبراطورية الإسلامية بانحسار النظام وخلود الإيديولوجيا، وفي المقابل تهشمت في أوروبا الإمبراطوريات والأيديولوجيا معاً، ولكن بزغت التكنولوجيا التي مكنت التقدم العلمي من بسط سيطرة الأدوات الحديثة على الأمم المتخلفة حقبة من الزمن وسيادة عصر الاستعمار. فهل أدّت المحافظة الفكرية في مؤسسات السلطة السنية وتفجّر الثورات التي احتدمت تحت شعارات شيعية (من ضمنها العدالة الاجتماعية) إلى تحطيم السلطة والعقل المعرفي الإسلامي معاً، كما ينظر الجابري؟ لم تكوّن مؤسسة الشيعة الإمامية دولتها أبداً، حتى الدولة البويهية المتَّهمة بكونها تلك الدولة لم تكن، عمليَّاً، دوله شيعيَّة اثني عشرية. في المغرب نهضت الدولة الفاطمية وكان لها إنجازات حضارية كبيرة باعتراف المؤرخين‏ (45)، لكنها لم تعمر طويلاً رغم دورها المهدى‏ء لثورات المشرق ضد السلطة العباسية المتآكلة، ولم تكن دولة اثني عشرية.
________________________________________
(44)تكوين العقل العربي، م.س. ص 37.
(45)حسن الأمين، صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين، دار الجديد، بيروت، بلا تاريخ.

[الصفحة - 143]


هذا العصر المحدد للإِمبراطورية الإسلامية تمكن من تحقيق إنجازين هامَّين، وهما: هزيمة المغول والصليبية والحفاظ على دولة الإِيديولوجيا الإسلامية على الأقل. أما على صعيد الإنجازات الأخرى فإن إصدار حكم قيمة لا يمكن أن يتمتع بالإطلاقية، فهو يختلط بعناصر مشوشة يغلب على مصداقيتها أن العرب وقعوا بالكامل تحت السيطرة التركية، التي ساهمت بالمطلق في سحق الحضارة العربية لمدة أربعة قرون، فهل يمكن تحميل العقل العربي المسؤولية؟
هنا يجدر بنا التوقف مع المصطلح الذي استخدمه الجابري بداية، وهو «العقل العربي»، فبالقطع لم يكن هناك شي‏ء اسمه القومية العربية المتميزة في إطار الأمبراطورية المترامية، ذلك أن المسألة القومية مفهوم من ولادات القرن التاسع عشر، وكانت من إصدارات الحضارة الأوروبية، وظلت ولادتها من أكثرها إثارة للجدل وحتى هذه اللحظة.
يحلو لبعض دارسي التراث أن يحملوا الإمام الغزالي (رحمه اللَّه) مسؤولية بدء الانحطاط عندما حارب الفلسفة وعلم الكلام وأعلن الولاء، أو ضرورة الولاء، للخلافة العباسية بوصفها رمزاً لوحدة المسلمين. ولكن تحميل تيار فكري واحد مسؤولية التخلف فيه الكثير من التعسف، فقد بدأ ضغط العناصر الخارجية على الدولة الإسلامية يشتد، وساهمت عناصر التحطيم الداخلية المتعلقة بطبيعة السلطة المركزية المهشمة والبعيدة عن العدالة في توزيع الثروة وإتاحة المجال للحرية الفكرية ـ التي ساهمت إلى حد ما في نهضة الدولة العربية السابقة ـ تلك السلطة المركزية التي لم يكن همها إلا محاربة كل ما هو جديد، وخاصة تيارات التشيع التي احتضنت القوى الناهضة في الدولة الإسلامية و«المستضعَفِين» وجاءت السيطرة التركية المتخلفة أخيراً لتسدد الضربة الأخيرة، رغم توحيدها للعالم الإسلامي شكلياً، فقد نهضت تركيا على حساب الأطراف الأخرى للأمبراطورية، وخاضت حروبها المذهبية بعد ذلك ضد الشرق المتشيع، وبدا أن العنصر العربي وطن نفسه على قبول هذا المصير المرير الذي امتد حتى القرن العشرين.
لماذا لم يحاول الباحث الجابري بذل كبير عناء في معرفة عناصر التخلف العربي المتعددة التي لا يمكن حصرها، وحصرها في سطوة التراث على الفعل ودفعه إلى
________________________________________

[الصفحة - 144]


اللاعقلنة التي أدت إلى تخلف تقني في حين كانت أوروبا تتقدم بوتائر عالية، بينما توقف العرب عن ملاحقة ركب التقدم المتسارع الذي لا يرحم المتوقفين؟ ذاك سؤال لا يجد قارى‏ء أبحاثه أيّ جواب مقنع له..
وظلت المؤسسة التي أنشأها الإمام جعفر الصادق على تماسكها المثير للإعجاب بل وتوسعها على مستوى الأتباع حتى وصل عدد هؤلاء إلى مئات الملايين، رغم جميع عوامل الإعاقة والاضطهاد المذهبي. ولن يكون الحل في إطلاق توصيفات الإدانة العنصرية والمطالبة باتباع النهج الذي أدى إلى النهضة الأوروبية والمتمثل بتحطيم البنى الفوقية المتمثلة بالأيديولوجيا الإسلامية للأمة حتى تستطيع تحرير العقل العربي كي يلحق بالركب، فلا يمكن أن تتشابه عوامل نهضة الأمم، وليس من مهمة هذه العجالة تقديم الحلول.
________________________________________

[الصفحة - 145]