البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفقه والعلوم بين دعوى التواصل والانفصال

الباحث :  الشيخ محمد زراقط
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  34
السنة :  السنة التاسعة صيف 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 1 / 2015
عدد زيارات البحث :  1162

الفقه والعلوم بين دعوى التواصل والانفصال

الشيخ محمد زراقط (*)

مقدِّمة
في العلاقة بين النَّص الديني والعلم
منذ أن عرف الإنسان الأديان وسعى إلى قبولها أو محاولة فهمها، واجه شيئاً من التنافي بين ما يقبله وبين بعض مقتضيات الأديان، فكان أمامه خياران: إما التنازل عمَّا يقبله، وهو أعم من الأمور الاجتماعية والأخلاقية والعلمية ـ أو تطويع النَّص الديني لينسجم معه. ولا يقتصر هذا الأمر على دين دون آخر، بل عرفته الأديان جميعاً، إذا نظرنا إلى الدين في تحققه الخارجي في أذهان المتدينين أو بعضهم على أقل تقدير، رغم أن هذا التعارض بلغ درجة عالية من الحدة في حالة الدين المسيحي والفكر الغربي على وجه الخصوص؛ وذلك لخصوصيات في المسيحية التي قدّمتها لنا الكنيسة؛ من حيث تصادمها مع منتجات العقل البشري في كثير من فروع العلم المختلفة.
وربَّما يحاول بعض المدافعين عن المسيحية تسويغ ذلك بأن الدين نفسه لا يتحمل مسؤولية هذا الصراع بقدر ما تتحمله السلطة السياسية التي كانت تستفيد من الدين في كثير من الأوقات لتسويغ قمعٍ هنا وكم للأفواه هناك. إلا أن الكلام في هذه المقالة كما أسلفت آنفاً هو عن الدين في تحقُّقه الاجتماعي، لا بما هو عليه في "نفس الأمر والواقع" على حد تعبير الفلاسفة.
كما يسجِّل بعض الباحثين على الدين الإسلامي شيئاً من هذا القبيل، في صراعه مع الفلسفة وقمعه للفلاسفة الذي امتدَّ إلى عصور متأخرة. ويذكرون لذلك أمثلة كثيرة منها: حالة السيد محمد حسين الطباطبائي ودرسه الفلسفي الذي قطع لمدة تحت ضغط مارسه عليه السيد البروجردي لمصلحة قدَّرها (1). وكذلك ما حصل مع الإمام الخميني؛ حيث حُكِمَ بنجاسة ابنه بالتبعية: "في المدرسة الفيضية تناول ابني الصغير المرحوم مصطفى وعاءً وشرب منه الماء،
________________________________________
(*)باحث من الحوزة العلمية، مدير مجلة "الحياة الطيبة"، من لبنان
(1) انظر: السيد محمد حسين الطهراني، مهر تابان (الشمس الساطعة)، ط2، انتشارات علامة طباطبائي، مشهد، 1417هـ ق. ص 103.

[الصفحة - 271]


فقام أحدهم وطهَّر الوعاء؛ لأنني كنت أدِّرس الفلسفة" (2). وعلى أي حال، فإن لهذا الأمر مجال آخر يحتاج إلى تتبُّع وتفصيل مذكورين في بعض الدراسات المتخصصة، ولست، في هذه المقالة، في صدد، البحث عن الصراع بين الدين والفلسفة، وإنما طرقت هذا الموضوع بعنوان مدخل للبحث ليس إلاّ (3) .
وقد أنتج هذا الإحساس بالتعارض بين النَّص الديني والعلم نظريات كثيرة لتفسير جدلية العلاقة بين العلم والدين، أو فقل بين النص الديني والعلم، نذكر منها ما يأتي:
1 ـ أولوية النَّص الدِّيني بالقياس إلى العلم:
ووصلت هذه النَّظرية إلى أوج حدَّتها في الفكر الغربي مع التباشير الأولى لانبعاث الحضارة الغربية في العصر الحديث، عندما بدأت الاكتشافات العلمية تثير عواصف الإشكاليات في وجه الدين المسيحي. ويمكن الإشارة، في هذا المجال، إلى محطَّتين بارزتين من محطَّات هذا الصراع المرير الذي حاولت فيه الكنيسة جاهدة الدفاع عن بعض النظريات التي تبنتها؛ لأنها رأت فيها انسجاما مع النص الديني، وهاتان المحطَّتان هما موقف غاليلو من نظرية مركزية الأرض، والأخرى نظرية تطور الأنواع التي ابتكرها أو نشرها داروين (4).
أ ـ نظريَّة مركزيَّة الأرض: تبنَّت الكنيسة النظرية القائلة إنَّ الأرض هي مركز الكون والشمس والكواكب الأخرى تدور حولها. وتعد هذه النظرية واحدة من النظريات التي ورثتها الكنيسة من علم الهيئة اليوناني. وتقضي هذه النظرية بأن الأرض هي مركز الكون وأن الشمس وسائر الكواكب تدور حولها. فجاء غاليلو وأثبت أن الشمس هي مركز مجموعتنا الشمسية والأرض وغيرها تدور حولها كما تدور الرحى حول قطبها، فلم يرق ذلك للكنيسة التي رأت أن في هذه النظرية تجديفا، ومخالفة للكتاب المقدَّس، فطلبت منه أن لا يذكر في كتابه أنه يعتقد بذلك؛ لأن هذا الأمر لا يمكن إثباته، فوعد ولم يلتزم، فكانت محاكمته الشهيرة التي تركت عظيم الأثر على المسيحية وما زال الحاقدون على الدين يتمسكون بهذه الوقائع وما شابهها لإثبات عدم إمكان التعايش بين العلم والدين(5). ويبدو أن الكنسيِّين اعتبروا من هذه الأحداث وأعادوا النظر في طريقة مواجهة العلم، وميَّزوا بين مجالين أو اضطروا إلى ذلك تحت ضغط الواقع: مجال العلم الذي ينبغي أن يصرف همه إلى اكتشاف الواقع والإخبار عنه، ومجال الدين الذي ينبغي أن يعمل على ترويج القيم والأخلاقيات العالية. وبعبارة أخرى:
________________________________________
(2)انظر: الإمام الخميني، بيان صادر في الخامس عشر من رجب لعام 1409هـ ق.، نقلا عن: عبد الجبار الرفاعي، مبادئ الفلسفة الإسلامية، ط1، دار الهادي، بيروت، 2001م.، ج1، ص97. ولا أدري لماذا لا يلتفت كثير ممن يعرفون هذه القضية ويروونها على أنها واحدة من مظالم كثيرة تعرض لها الإمام(رحمه الله) في حياته إلى اللوازم المعرفية لها فيتخففون من جزمياتهم؛ حيث إن ما كان يحاول الإمام وغيره تسويغه وإقناع الآخرين بمشروعيته صار بفضل تلك الجهود من البديهيات التي لا تقبل التشكيك فضلا عن الحاجة إلى الإثبات.
(3) لمزيد من التفصيل عن هذا الموضوع انظر: توفيق الطويل ، قصة الصراع بين الدين والفلسفة، ط3، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979م.
(4) وأقصد من هذا الترديد الإشارة إلى خلاف تاريخي حول مبتكر نظرية تطور الأنواع وهل هو داروين أو غيره، إلا أن الذي لا شك فيه هو أن داروين هو أبرز من شيد أركانها، ولذلك ارتبط اسمه بها وارتبطت به.
(5) لمزيد من الاطلاع انظر: تحليل الشهيد مرتضى مطهري لهذا الموضوع في كتابه: الدوافع نحو المادية. فقد عقد فصلا خاصا فيه لبيان الدور الذي لعبته الكنيسة في هذا المجال.

[الصفحة - 272]


وظيفة الدين هي الحديث عما "ينبغي أن يكون" للدعوة إليه والحث على القيام به، ووظيفة العلم هي البحث عما هو كائن لتوصيفه (6).
ب ـ نظرية داروين في تطوُّر الأنواع المخالفة لما هو مقبول في المسيحية، بل في غيرها من الأديان السماوية من القول بالخلق المباشر للأنواع، وبخاصة النوع الإنساني في قصة آدم التي تمثِّل قضية محل التقاء عند كل الأديان الإبراهيمية رغم الاختلاف في التفاصيل كثرت أو قلَّت. وهذه النظريَّة عندما ظهرت لأول مرة، لاقت الكثير من ردَّات الفعل المندِّدة بها عند المتدينين وغيرهم لدوافع دينية وغيرها، إلا أنَّ حدَّة هذا الصراع قد خفَّت، وحاول بعض المتدينين التوفيق بينها وبين الدين بدعوى أن إيجاد مخلوق قابل للتطور أدل على قدرة الله من إيجاد مخلوق ثابت لا يقبل التطور والتكيف مع البيئة التي يعيش فيها.
ولم ينته هذا التعارض بين العلم والفهم السائد للدين عند هذه المحطات البارزة، بل نجد أن اكتشافات العلماء تولِّد في كل يوم تحديا جديدا كما تولِّد مؤيدا جديداً، ففي القرآن مثلا كثير من الآيات التي تكشَّفت أسرارها على أثر اكتشاف علمي جديد. ومن هذا الباب ولج كثير من الباحثين في القرآن إلى ما عرف باسم التفسير العلمي للقرآن. ولكن في المقابل نجد أن العلم يعمل على جبهة أخرى، فمن ذلك أن القرآن يبين طريقة الله في خلقه بقوله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تتذكرون} (7)، وهذا ما دعا بعض الباحثين إلى اعتبار الزوجية القانون السائد في الكون حتى في عالم الأشياء والجمادات من خلال السلب والإيجاب الكامنين في أعماق الذرة (8). ولكن تُطلِعُنا بعض الأبحاث العلمية على عدم اطراد هذا القانون في جميع الكائنات الحية، فهناك بعض أنواع الحيوان ليس فيها ذكر وأنثى، وتتم عملية التكاثر فيها من دون تزاوج: "وهذا ما يحدث لدى أحد الأنواع غير العادية للعظاءة السوطية الذيل (السحلية) التي تقطن الجنوب الغربي للولايات المتحدة الأمريكية. لقد انحدر هذا النوع من سلفه ثنائي الجنس، ولكنه هو نفسه وحيد الجنس لا يوجد له ذكور على الإطلاق، وتتكاثر إناثه بالتوالد العذري، وهو تكاثر يتم من دون إخصاب" (9) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ألا يملي علينا هذا المدَّعى إعادة النظر في فهمنا للنص القرآني الذي يكشف، في ظاهره، عن وجود قانون الزوجية في الكائنات جميعها؟ وبالتالي حمل الآية على معنى آخر لا يتنافى مع هذا المدعى العلمي إذا افترضنا أنه حقيقة لا يرقى إليها الشك في حال من الأحوال؟.
________________________________________
(6) محمد حسن تمدن جهرمي، مقالة منشورة في مجلة حوزة ودانشكاه (الحوزة والجامعة)، العدد20.
(7)سورة الذاريات: الآية 49
(8) أحمد أمين، التكامل في الإسلام، دار المعرفة، بيروت، ج1، ص46.
(9) د. كروز، الغزل في العظايا الوحيدة الجنس، مقالة منشورة في مجلة العلوم، الكويت، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، المجلد الخامس، العدد الأول، تموز 1988.

[الصفحة - 273]


2 ـ القول بعدم إمكان التعارض بين العلم والدين:
يأتي هذا القول لا باعتبار أن الدِّين دائماً يطابق العلم أو العكس، بل باعتبار أنّ كلاًّ من الدين والعلم له مجاله، ويتحدث عن ساحة لا يدخلها الآخر، فالدين موضوعه الإلهيات والقيم الأخلاقية، والعلم وظيفته توصيف العالم الخارجي. وبعبارة أخرى: الدين يتحدث عمَّا ينبغي أن يكون على مستوى السلوك الإنساني؛ والعلم يصف الواقع ويكشف عن حقيقته سواء في ذلك سلوك الإنسان أم غيره من الظواهر التي تمتلئ بها ساحة الوجود. أضف إلى ذلك الاختلاف في المنهج الذي يتبعه كل منهما في تعاطيه مع موضوعه، فالله بوصفه كائناً مقدساً محاطاً بالأسرار يمكن معرفته عن طريق تجليه من دون غيره من الطرق، بينما عالم الطبيعة يمكن النفوذ إليه بوساطة العقل ووسائله التي يجترحها للنفوذ إلى موضوعاته. ومن أبرز الاتجاهات التي تبنت هذه النظرية، الأرثوذكسية الحديثة ممثلة بكارل بارت (1886م ـ 1968م) وكذلك الفلسفة الوجودية باتجاهها المتدين ممثلة بكير كغارد (1813م ـ 1855م) (10) .
3 ـ نظرية التآلف:
في مقابل النظريتين السابقتين، حاول بعض المفكرين طرح نظرية "الأمر بين الأمرين" ـ طبعاً تصوير هذه الوسطية ليس واحداً عند أصحاب هذه النظرية ـ وذلك بالقول: إنَّ التعارض ينشأ عندما نفترض أن العلم والدين يتحدَّثان عن واقعة واحدة في محاولة لعرض تفسير واحد لها، فإذا لم يكن التفسيران المطروحان متوافقين يحصل التعارض كما هو في المثال الذي تقدم عن مركزية الأرض أو الشمس. وكذلك التمايز والافتراق يحصل عندما نفترض أن موضوع كل من العلم والدين مختلف عن موضوع الآخر، ولكن عندما نتصوَّر أن العلم والدين يتحدثان عن موضوع واحد، ولكن من زاويتين مختلفتين فلا تعارض ولا تمايز، وذلك كما لو طلبنا من مهندسين أن يرسما لنا خريطة لبناء واحد فتصدى أحدهما لتصميمه الداخلي والآخر لشكله الخارجي، فلا يحصل أي تعارض بينهما، بل يحصل بينهما كمال التوافق والانسجام ويكون أحدهما مكملاً للآخر(11).
موقف الإسلام من العلم
من الخصائص المهمة للإسلام دعوته إلى العلم وإكرامه لحامله، وهذه الخاصية لفتت نظر كثير من الدَّارسين الغربيين للإسلام، ومثالاً على ذلك نذكر هذه الحادثة التي ينقلها الشهيد
________________________________________
(10) من المعلوم أن وجود اتجاهين في الفلسفة الوجودية: أحدهما اتجاه متدين، أبرز ممثليه كيركغارد الذي يمكن وصفه بمؤسس الفلسفة الوجودية.والاتجاه الآخر ملحد أبرز ممثليه سارتر .
(11) لمزيد من الاطلاع تراجع الكتب الآتية : أ ـ علم ودين، تأليف إيان باربور، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي. ب ـ عقل واعتقاد ديني ، ترجمة نراقي وسلطاني. ج ـ مجلة: نامهء مفيد، الأعداد: 7 و 8 و 9 ، سلسلة مقالات للسيد عبد الكريم الأردبيلي.

[الصفحة - 274]


مطهري (رحمه الله) : "زار أحد المستشرقين الألمان السيد هبة الدين الشهرستاني، ورأى غلاف مجلته التي كان يصدرها في النجف باسم "العلم"، وكان غلافها مزيناً في زواياه الأربعة بأربعة أحاديث عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عن فضل العلم وأهميته، فسأله عنها، وبعد أن تُرجِمت له الأحاديث أظهر تعجبه وقال: "عندكم هذه الأوامر عن نبيكم بالعلم وكونه فريضة مطلقاً دون أي قيد من ناحية المكان أو الزمان أو القومية، وأنتم تعيشون هذه الحالة من الجهل والأمية؟!"(12) .
ورغم وضوح هذا الموقف من العلم، فقد حمل التعصب أو الجهل بعض المستشرقين على القول: "كل من كان مطلعا بعض الاطلاع على أحوال زماننا يشاهد بوضوح انحطاط البلدان الإسلامية الحالي...، فجميع من يؤمُّون الشرق أو أفريقيا يدهشهم ضيق التفكير المحدود بصورة حتمية لدى المؤمن الحقيقي، وذلك الطوق الحديدي الذي يطوق رأسه فيجعله مغلقاً بإحكام في وجه العلم وعاجزا عن تلقن أي شيء أو الانفتاح على أي فكرة جديدة"؛ ولذلك تنبأ بزوال هذا الدين في وقت قريب. (13)وممن تصدى لمناقشته في تلك الآونة السيد جمال الدين الأفغاني في باريس نفسها.
وعلى أي حال، فإن وضوح اهتمام الإسلام بالعلم والعلماء يغنينا عن التفصيل، فإن له مجالاً آخر، ويكفي دليلا على ذلك التطور العلمي المدهش الذي شهده العلم في مرحلة طويلة من تاريخ المسلمين إبان نهضتهم الحقيقية، ما حدا بالمنصفين إلى الاعتراف بأن بلاد المسلمين كانت مصدر الإشعاع الحضاري على الأرض بأسرها (14) .
هذا موقف الإسلام من العلم بوصفه محاولةً للمعرفة، أما موقفه من نتائج العلم ومدركات العقل البشري فيمكن القول: إن الإسلام حسم هذا الأمر، ورأى أن مدركات العقل الإنساني، في ما إذا كانت واضحة وقطعية، لها حق التقدم على النص الديني الظني الصدور أو على ظاهر النص الديني القطعي الصدور. ويتجلى هذا المنهج أكثر ما يتجلى عند الإمامية والمعتزلة، وذلك في جميع العلوم الإسلامية. ومنها الفلسفة؛ حيث يقول الشيخ علي الشيرواني، معلقا على نظرية ابن سينا عن العناصر الأربعة وكيفية تشكل الأجسام منها، في نص يحمل دلالات رائعة: "وعلى أيِّ حال، فإن هذه المطالب وغيرها الكثير مما يطرح في الطبيعيات القديمة قد أُبطِلت وأعطت مكانها لنظريات جديدة؛ ولذلك يجب إخراجها من الفلسفة وبناء الفلسفة على أساس نتائج العلوم التجريبية الحديثة" (15).
وإن كانت مدرسة الاعتزال قد أسرفت في اتباع العقل حتى تجاوزت حد الاعتدال. ولو
________________________________________
(12)الشهيد مرتضى المطهري، ده گفتار (عشرة مقالات)، قم، مؤسسة صدرا، ص 163 " بتصرف" .
(13) ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ترجمة كريم عزقول، بيروت، مكتبة نوفل، 2001، ص 130.
(14) ومن ذلك ما كتبته المستشرقة زيغريد هونكه، تحت عنوان: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون، إلجا للطباعة والنشر العلمي، مالطا، 1991.
(15) علي شيرواني، شرح بداية الحكمة، ط4، 1377هـ .ش.قم، مكتب الاعلام الإسلامي،ج2، ص170.

[الصفحة - 275]


أخذنا التفسير والفقه مثالاً على ذلك، نجد أن هذا المنهج المذكور هو الحاكم لحركة هذين العلمين. يقول الشيخ جوادي الآملي مبيناً طريقة العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في التفسير: "وكان قبل الفراغ من الآية، يطابقها مع الروايات ويتخذ من البراهين العقلية منظاراً له في تمحيصها، فكان يفسر القرآن في ضوء هذه الرؤية العقلية وفي ضوء الروايات من غير أن يتخذ الروايات كأساس ويفسر القرآن وفقاً لها..." (16).
وفي أصول الفقه، نجد هذا النص، أو ما يشبهه في المضمون، في كثير من الكتب الأصولية"... لا يتحقق التعارض بين دليل قطعي ودليل ظني؛ لأن الدليل القطعي يوجب العلم ببطلان مفاد الدليل الظني وزوال كاشفيته، فلا يكون دليلاً وحجة لاستحالة الدليلية والحجية لما يعلم ببطلانه" (17). وهذه العبارة، وإن لم يذكر فيها العقل نصاً، إلا أنها في عمومها تفيد في إثبات المدعى.
ولكن هذا لا يعني أن موقف الإمامية من العقل ومدركاته كان واحداً، بل ربما نجد بين فقهاء الإمامية من يضيق دائرة الاستفادة من العقل ضمن حدود صار الاعتراف بسيادة العقل فيها من البديهيات غير القابلة للنقاش. وسوف أشير لاحقاً إلى نصوص تعكس هذا التصور عن العلم ونتائج أبحاث العلماء. وبعد هذه المقدمة المطولة نسبياً أدخل في صلب البحث الأساسي، وهو: هل يمكن الاستفادة من العلم ونتائجه في الفقه كما استفيد منه أحيانا في تفسير النص القرآني أو لا مجال لذلك؟
العلم والفقه: طبيعة العلاقة والموقف منها
تدخل الاستفادة من نتائج العلوم المختلفة في الفقه تحت عنوان عام يعبر عنه الفقهاء بأهل الخبرة، ومرادنا من أهل الخبرة، في هذه المقالة، أصحاب العلوم والفنون من طب واقتصاد واجتماع وغير ذلك من العلوم الطبيعية والإنسانية والدينية.
وفي هذا المجال، أي مجال الفقه والتشريع، تجدر الإشارة إلى تصوُّرين مختلفين إلى حد ما عن إمكانية الاستفادة من العلوم:
أ- التصوُّر الاستهلاكي للفقه
يرى بعض الكتَّاب، في نظرية له، أن الفقه ما هو إلا علم مستهلك لما تنتجه العلوم الأخرى على تنوعها، بل ربما وسع أصحاب هذا التصور حكمهم ليشمل جميع النصوص الدينية. وفي
________________________________________
(16) مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد السادس، ص 28.
(17) السيد محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، نشر جامعة المدرسين، ج2، ص542. وانظر: الشيخ محمد رضا المظفر، أصول الفقه، دار التعارف، بيروت، ج2، ص211.

[الصفحة - 276]


نص يكشف عن طبيعة هذه النظرة؛ حيث يقسم عبد الكريم سروش العلوم إلى قسمين: "علوم منتجة وعلوم مستهلكة. فالعلوم المنتجة من قبيل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلسفة" (18). و "كثيرون يقبلون أن حكم المسح على الرجل في الوضوء يختلف باختلاف فهمنا لمعنى كلمة كعب...، ولكن قلَّ من يؤمن بأن فهم الفقيه يختلف باختلاف تصوره عن العالم والكون والإنسان...؛ وذلك لأنهم لم يؤمنوا حتى الآن بأن الفقه علم مستهلِك كغيره من العلوم الدينية، ومحاط ومحفوف بأفكار البشر وعلومهم" (19).
وقد وجد هذا الطَّرح المفرط إلى حد كبير، والذي يوحي بأن الفقه ليس علما له شخصيته المعرفية التي تميزه من غيره من العلوم، من يناقشه، ويطرح في مقابله تصورا أكثر اعتدالاً: "إن الفقيه الذي يحتمل احتمالاً عقلائياً وجود مقدمة ما في علم من العلوم يمكن أن تؤثر في نتيجة اجتهاده، فالعقل يحكم عليه، بلزوم البحث عن هذه المقدمة، إلاَّ أن الكلام حول المصاديق المندرجة تحت هذه القاعدة الكلّية؛ فالدكتور سروش يدَّعي أن جميع العلوم والمعارف مترابطة ومتداخلة. وهذا الكلام في غاية الإجمال والإبهام" (20) .
ب- التصوُّر المعاكس
في مقابل هذا الطَّرح نجد في بعض الأوساط الفقهية، طرحاً معاكساً تماما يدعي أن الفقه لا يستغني عن العلوم فحسب، بل يصادر بعض مجالاتها ويحكم عليها، وممن يمثل هذا الموقف في التراث الإسلامي الشيخ المفيد؛ حيث يقول: "الطب صحيح والعلم به ثابت وطريقه الوحي. وإنما أخذ العلماء به عن الأنبياء (عليهم السلام)؛ وذلك أنه لا طريق إلى علم حقيقة الداء إلا بالسمع ولا سبيل إلى معرفة الدواء إلا بالتوقيف، فثبت أن طريق ذلك هو السمع عن العالم بالخفيات تعالى" (21).
ويكفي التأمل، في هذا النَّص، لاستخراج التصور عن العلم عند تعارضه مع الوحي أو ما نقل عن أهل الوحي، فإن النتيجة المنطقية هي حل التعارض الناشئ بين العقل والوحي على أساس قواعد حل التعارض الداخلي؛ حيث إن الأطباء يتحوَّلون عندها إلى شراح للوحي أو نقلة له. وبالتالي، لا بدَّ من أن يكون خلف كل "فتوىً" في مجال الطب دليلا شرعياً، وإلا فَقَدَ قولُ الطبيب حجيته، ولا أدري هل ينسحب هذا الموقف على غير الطب من العلوم أو يقتصر عليه.
________________________________________
(18) عبد الكريم سروش، قبض وبسط تيوريك شريعت، ط4، طهران، مؤسسه فرهنكي صراط، 1374هـ .ش.، ص88.
(19) المصدر نفسه، ص389.
(20) الشيخ صادق لاريجاني، مجلة نقد ونظر، السنة الثانية، العدد الخامس، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ص100.
(21) الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد بصواب الانتقاد، بيروت، دار الكتاب الإسلامي، 1983، ص121.

[الصفحة - 277]


إمكانيّات الاستفادة من العلوم ومجالاتها
أمام هذين التصورين تنقسم الاستفادة من نتائج العلوم المختلفة في الفقه إلى مجالين أحدهما أوضح من الآخر، وهما:
أ- في الموضوعات
المجال الأوَّل من المجالين المشار إليهما أعلاه هو الرجوع إلى العلم في تنقيح موضوعات الأحكام الشرعية، وهو ما يطلق عليه الفقهاء عنوان الرجوع إلى أهل الخبرة. ويبدو أن البحث في حجية أقوالهم والإرجاع إليهم، غالبا ما ينصب على هذا المورد من دون المورد الثاني الآتي. والموارد التي يستعان فيها بأهل الخبرة في الفقه متعددة نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، تجويز الفقهاء للرجوع إلى الخبراء في: تشخيص المجتهد، أو أعلميته، وتحديد القبلة والوقت للصلاة، وفي تحديد مهور المثل في النكاح، والقيم في باب الضمان، وفي الخرص في أبواب بيع الثمار، وغير ذلك من الموارد التي يصعب حصرها. ويمكن توسع ذلك مع تطور العلوم والحياة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرجوع إلى أهل الخبرة والعلوم المختلفة لا يجوز مطلقا وفي جميع الحالات، بل لا بد من حصره في الحالات التي يُفهم من الدليل الدال على الحكم فيها أن المرجع في تحديد موضوعاتها هو الدقة العلمية لا العرفية، ولتوضيح هذه الفكرة نشير إلى بعض الضوابط العامة لجواز مراجعة الخبراء في تخصُّصاتهم:
1- موارد التحديد
حيث إن الشارع علَّق بعض أحكامه على حدود دقيقة، فلا يمكن في مثل هذه الموارد الاعتماد على التسامح العرفي في معرفة هذه الحدود، مثال ذلك: نصاب الكنز، ونصاب الحد في السرقة، ومسافة السفر، وحد الغسل الواجب في الوضوء، وغيرها من الموارد التي أشرت إلى شيء منها آنفا. فإذا كان موضوع الحكم الشرعي من هذا النوع، وأشكل على الفقيه أو المكلف معرفة الموضوع، جاز لهما الرجوع إلى أهل الخبرة والاستعانة بهم في ذلك. والسر في ذلك أن الدليل الشرعي في مثل هذه الموارد مبني على الدقة. وهذا ما يسوِّغ عنونة بعض الفقهاء لقاعدة فقهية مفادها: "لا مسامحة في التحديدات"، يقول السيد اليزدي: "لو نقصت المسافة عن ثمانية
________________________________________

[الصفحة - 278]


فراسخ ولو يسيراً لا يجوز القصر، فهي مبنية على التحقيق لا المسامحة العرفية". ويعلق السيد محسن الحكيم على هذه العبارة قائلا: "كما تقتضيه ظواهر الأدلة في المقام وفي سائر موارد التحديد" (22).
2- الموضوعات الخاصة المستجدة
تواجه الفقه موضوعات لم يرد فيها نص شرعي، كما في الحالات التي يكون موضوعها أمرا مستجدا في ساحة الفقه لم يكن له في عصر النص مصداق، وأبرز أمثلة هذه الموضوعات هو الموضوعات المستنبطة التي تخضع في كثير من حالاتها لأحكام العقود. فعندما يفتي الفقيه بجواز بيع الإنسان دمه لآخر، أو أي عضو من أعضائه، ففي مثل هذه الموارد لا يمكن الاعتماد على التساهل العرفي في تشخيص الموضوع، بل لا بد من إعمال الدقة في معرفة أن ما تم بيعه هل ينطبق عليه العنوان أم لا؟
هذان ضابطان ربما يمكن اكتشاف غيرهما بالتأمل والاستقصاء. ومن هنا نلاحظ عدم إمكان الحكم بنجاسة الدم المنتج كيميائيا، أو بالإعجاز كالدم الذي نزل على بني إسرائيل عقوبة لهم، بحسب ما ورد في قول الله تعالى: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات} (23). وكذلك ما يروى من وجود آثار الدم تحت الأشجار بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) (24). ونعم ما أفاد السيد الشهيد الصدر، في هذا المجال، حيث يقول: "الدم تارة لا يكون منسوبا إلى الحيوان بوجه كالدم المصنوع كيماوياً، أو بالإعجاز، [وهو] أخفى الأقسام لوضوح أن الحكم بنجاسته يتوقف أولاً: على ثبوت مطلقٍ يدل على نجاسة الدم بعنوانه، وقد عرفت عدمه. وثانيا: على عدم احتمال تقوُّم مفهوم الدم عرفاً بالإضافة إلى الحيوان، وإلا لم ينفع الإطلاق. وثالثا: -بعد افتراض سعة المفهوم- على عدم الانصراف عن هذا النحو من الدم..." (25)، ويتضح من هذا النص أن المعيار في الترجيح بين الرجوع إلى دقة أهل الخبرة أو الاعتماد على العرف هو لسان الدليل الشرعي.
وللأمر عينه قد لا تمكن الموافقة على استخدام تدقيقات بعض الاقتصاديين حول التفريق بين نوعين من الاقتصاد:
ـ اقتصاد يسمونه بالاقتصاد الثابت أو المعيشي، وهو الاقتصاد الذي لا يمثل فيه النقد مالاً صالحا لتوليد الثروة، وتكون القروض غالبا إن لم نقل دائما لأغراض حياتية وليس للإنتاج.
________________________________________
(22) السيد محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى، ط5، إسماعيليان، قم، 1411هـ، ج8، ص16 .
(23) سورة الأعراف: الآية 133.
(24) انظر: السيد كاظم اليزدي، العروة الوثقى، ط 1، مدينة العلم، قم، 1414هـ، ج1، ص58.
(25) السيد محمد باقر الصدر، بحوث في شرح العروة الوثقى، ط2، مجمع الشهيد الصدر العلمي، قم، 1408هـ، ج2، ص199.

[الصفحة - 279]


ـ واقتصاد آخر يكون النقد فيه عنصراً أساسياً في التوليد والإنتاج، وهو ما يسمُّونه بالاقتصاد المتحرك. وبناءً على هذه التفرقة يرتبون أثرا في الفقه، وهو إخراج ما يسميه الاقتصاد المعاصر بـ "الفائدة" التي تدفعها البنوك، أو تدفع لها، من دائرة الربا؛ بحيث يعدّونها ربحاً مشروعاً لا يصدق عليه عنوان الربا الذي حرمه الإسلام أو غيره من الشرائع (26). وذلك لضرورة الرجوع إلى النص الشرعي لنرى ما هو موضوعه الذي وجه إليه حكمه، وإذا وجدنا أن النص الشرعي لا يحتمل التطبيق على مثل هذا النوع من الاقتصاد الجديدة فلا نطبق عليه الحكم لانتفاء الموضوع لا لتغير فهمنا للنص على ضوء العلم، وإلا إذا فإننا لا بد لنا من الحكم بالتحريم لكل قرض يرجع على صاحب المال بزيادة مالية أو غيرها، سواء كان ذلك في اقتصاد ثابت أم في اقتصاد متحرك.
نعم ربما يدعي بعضهم بأن الفائدة في بعض الأحيان تكون شكلية وغير واقعية على أثر تضخم اقتصادي يجعل من الزيادة زيادة رقمية مع بقاء القيمة على ما كانت عليه، ففي مثل هذه الحالة إذا كانت الفائدة المعطاة للمصرف أو المأخوذة منه مساوية في قيمتها لنسبة التضخم فلا تكون نفعا داخلا تحت إطلاق الدليل المشار إليه أعلاه، وقد مال إلى رأي شبيه بهذا الرأي السيد محمود الهاشمي في بحث له بعنوان ضمان قيمة النقد، وله تطبيقات كثيرة منها المهور المؤجلة وبدل الإيجار في العقود طويلة الأجل (27). أو إذا شكك أحدهم في دخول ما يعطيه المصرف للمودع في عنوان الربا على أساس أن الإيداع في المصرف ليس إقراضا له، حتى تنطبق عليه أحكام القرض من ربا وغيره. ويحتاج البحث عن الحكم على ضوء هاتين الفرضيتين لمجال آخر ونقاش مختلف.
ب- في توجيه عملية الاستنباط
والمقصود من ذلك هو الرجوع إلى أصحاب الخبرة في العلوم المختلفة لتوجيه عملية استنباط الحكم الشرعي، كأن يكون قول أهل الخبرة مرجحاً في باب التعارض أو مضعفاً لرواية أو مسقطاً لظهور آية أو رواية. وهذا المنهج له وجود واضح في التفسير، ففي تفسير قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} يقول السيد الطباطبائي في الميزان بعد أن يذكر تفسيراً "...ومن المحتمل أن يكون "موسعون" من أوسع في النفقة أي أكثرها، فيكون المراد توسعة خلق السماء كما تميل إليه الأبحاث الرياضية اليوم" (28)، في إشارة إلى نظرية فيزيائية تقول: إنَّ الكون في حالة انبساط دائم (29). وممن ربط بين هذه الآية والنظرية الفيزيائية المشار
________________________________________
(26) مجلة نقد ونظر، عدد : 22 و 314 .
(27) السيد محمود الهاشمي، مجلة فقه أهل البيت، مقالة بعنوان: ضمان قيمة النقد، العدد
(28) السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ط2، الأعلمي، بيروت، 1973، ج18، ص382.
(29) بيروز فطورجي، مسألهء آغاز (مسألة البداية)، ص32.

[الصفحة - 280]


إليها هو السيد موسى الصدر، حيث يقول في محاضرة له: "فالفضاء الذي يتسع دائما لا ينطبق على أية نظرية سابقة لنظرية امتداد الكون للقس البلجيكي الرياضي لومتر" (30).
وهذا مورد من موارد كثيرة لدرجة أنها تمثل اتجاها في التفسير حتى أننا نجد كتبا تحمل عناوين من قبيل "القرآن والطب" "القرآن والعلم الحديث" "القرآن والعلوم الطبيعية" وغير ذلك. وهنا لابد من الإشارة إلى أن للإغراق في هذا النمط من القراءة للقرآن محاذير أدت ببعضهم إلى تحميل النص القرآني ما لا يحمل وتقويله ما لم يقل. ومن أمثلة هذا النوع من التطرف في الربط بين النص القرآني والعلم بعض المحاولات التي تنطلق من مسلَّمة مفادها ضرورة عدم وجود مضمون قرآني لا يمكن تسويغه على ضوء العلم الحديث، فكانت الجراثيم هي المعنى المراد من الجن كما في تفسير المنار، وكانت حافلات النقل هي المراد من قوله تعالى: {لتركبن طبقا عن طبق} (31). وكانت الطائرات النفاثة هي المقصود من قوله تعالى: {والنفاثات في العقد} . ومن البديهي أننا لا ندعو إلى هذا الإفراط ولا نوافق عليه، بل ما نقصده هو محاولة استنطاق القرآن لمعرفة مراده على ضوء ما تحتمل قواعد اللغة وقوانين التفاهم والتفهيم العرفية.
والفقه بما أنه في قسط وافر منه عبارة عن محاولة تفسير للنص الشرعي، فيمكن أن يطبق عليه هذا المنهج بهذا الاعتدال، ولكن ما نريده في هذه المقالة هو شيء آخر ينطلق من مسلمة تقضي ونتيجة اعتقاد الفقهاء بعصمة مرجع النصوص الفقهية بأن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أو الإمام المعصوم لا يمكن أن يصدر عنه ما يخالف الواقع. فلا يمكن أن تصدر رواية عن الإمام تنافي حقيقة علمية ثابتة أو حكما عقليا واضحا، فكما أنه لو وردتنا رواية عن النبي أو الإمام تحكم باجتماع الضدين أو النقيضين نحكم بعدم صدورها عن الإمام، فكذلك لا يمكن أن نأخذ برواية يخالف مؤداها لقانون مسلم اكتشفه الأطباء أو غيرهم من أهل الاختصاصات العلمية الأخرى. ومن المهم أن نعلم أن الفقهاء قد التزموا في فقههم بهذه الطريقة كما سوف نشير إلى بعض الموارد مع محاولة استقصاء بعض النماذج التي تقبل مثل هذا التطبيق من الأبواب الفقهية المختلفة.
استعراض لنماذج من تأثير العلوم في الفقه
من علم الطب
أ ـ توجد رواية يستدل بها على جواز حكم القاضي بعلمه، وهي عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "أتي عمر بامرأة قد تزوجها شيخ، فلما أن واقعها مات على بطنها، فجاءت
________________________________________
(30) السيد موسى الصدر، منبر ومحراب، ط1، دار الأرقم، بيروت، 1981م.، ص42.
(31) انظر: علي أبو الحسني منذر، شهيد مطهري إفشاكر توطئه... (الشهيد مطهري فاضح مؤامرة تأويل الديانة بالإلحاد)، دفتر انتشارات إسلامي، قم، 1362هـ .ش.، ص24.

[الصفحة - 281]


بولد فادعى بنوه أنها فجرت. وتشاهدوا عليها فأمر بها أن ترجم، فمر بها على علي (عليه السلام) فقالت: يا ابن عم رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) إن لي حجة، قال: هاتي حجتك. فدفعت إليه كتاباً فقرأه فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوجها ويوم واقعها وكيف كان جماعه لها، ردوا المرأة، فلما كان من الغد دعا بصبيان أتراب ودعا بالصبي معهم فقال لهم: العبوا حتى إذا ألهاهم اللعب. قال لهم: اجلسوا حتى إذا تمكنوا صاح بهم، فقام الصبيان وقام الغلام فاتَّكأ على راحتيه، فدعا به علي (عليه السلام) وورثه من أبيه وجلد اخوته المفترين حداً حداً. فقال عمر: كيف صنعت؟ فقال: عرفت ضعف الشيخ في تكأة غلامه على راحتيه" (32).
ويعلق السيد كاظم الحائري بعد أن ضعّف سند الرواية قائلاً: "أما أن ابن الشيخ الضعيف سيكون ضعيفاً، فهذا بحاجة إلى فحص علمي، فإن ثبت خطأه سقط هذا الحديث عن الاعتبار حتى لو كان تاماً سنداً..." (33).
وقد يمكن تصحيح الرواية سندا وقبول نسبتها إلى أمير المؤمنين حتى ولو أثبت الطب عدم صحة مضمونها، وذلك بدعوى أن الإمام (عليه السلام) يريد أن يحكم بحكم الله الذي هو لصالح المرأة على أساس أن المرأة أنجبت الولد ضمن المهلة التي تسمح بإسناده إلى ذلك الرجل، ولكنه أراد أن يلزم أبناء زوجها ويسكتهم، وربما يكون المسوِّغ لاستخدام هذه الطريقة أن الإمام (عليه السلام) لم يكن الحاكم الفعلي في تلك الآونة. ويؤيد ذلك أيضا، أنموذج آخر يذكر في أقضية أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كان يقضي بين امرأتين تتنازعان ولدا، فأمر بشق الولد نصفين فرضيت المدعية وتنازلت الأم الحقيقة عنه حفظا لولدها وصونا له، ولو كان في يد غيرها، فهل كان الحكم الواقعي هو تقطيع الولد؟ من الواضح أن في تصرف الإمام هذا طريقة رائعة لحسم الدعوى وإلزام المدعي ليس أكثر (34). ومن الباب عينه ما ورد عن امرأة أنكرت ولدها خوفا على إرث لها، فأمرها (عليه السلام) بالزواج منه فلم يكن أمامها إلا الاعتراف بحقيقة الأمر (35) .
ب ـ في مسألة اجتماع الحيض والحمل، توجد طائفتان من الروايات: طائفة تدل على إمكان اجتماعهما وأخرى تدل على عدم إمكان ذلك. أما الطائفة الأولى فمنها ما ورد في صحيحة أبي المغرا: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبلى قد استبان ذلك منها ترى ما ترى الحائض من الدم؟ قال: تلك الهراقة إن كان دماً كثيراً فلا تصلين" (36). ومن الطائفة الثانية: ما رواه النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: "قال النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) : ما كان الله ليجعل حيضاً مع حبل، يعني إذا رأت الدم وهي حامل لا تدع الصلاة..." (37). والتعارض بين هاتين الروايتين واضح.
________________________________________
(32) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط2، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1414هـ، مج27، ص283، باب 21من أبواب كيفية الحكم، ح3.
(33)السيد كاظم الحائري، القضاء في الفقه الإسلامي، مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1415هـ، ص231.
(34)الشيخ حسين علي الشفائي، الحق المبين في قضاء أمير المؤمنين، دار كرم، دمشق، 1962م.، ص28.
(35) مؤلف مجهول، الروضة في المعجزات والفضائل، وفي هذه الرواية مشكلة جهالة الطريق ولكن المراد من ذكرها التأييد وتقريب الفكرة إلى الأذهان ليس إلا.
(36) وسائل الشيعة، م. س.، مج2، ص331، باب 30 من أبواب الحيض، ح5.
(37) المصدر نفسه، ص333، باب 30 من أبواب الحيض، ح12.

[الصفحة - 282]


ومن هنا نجد من الفقهاء من تبنَّى الرأي القائل باجتماع الحيض والحمل ومنهم من أنكر ذلك، فمن الأول يقول السيد الخوئي: "الأقوى اجتماع الحيض والحمل حتى بعد استبانته، لكن لا يترك الاحتياط [في بعض الحالات]" (38).
ويتبنى الرأي الثاني عدد من الفقهاء، منهم ابن العلامة الحلي في كتابه:" إيضاح الفوائد"؛ حيث يقول: "الحيض دم يقذفه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة غالباً، لحكمة تربية الولد، فإذا حملت صرف الله تعالى ذلك الدم إلى تغذيته، فإذا وضعت الحمل خلع الله تعالى عنه صورة الدم وكساه صورة اللبن" (39)، ونسبه في"مفتاح الكرامة" إلى عدد من فقهاء الإمامية(40).
ونجد الخلاف عينه في الفقه السني وبعبارات متشابهة إلى حد كبير تكشف عن درجة عالية من التواصل داخل الفقه الإسلامي؛ حيث يقول ابن قدامة: "الحيض دم يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة لحكمة تربية الولد، فإذا حملت انصرف ذلك الدم بإذن الله إلى تغذيته ولذلك لا تحيض الحامل، فإذا وضعت الولد قلبه الله بحكمته لبنا يتغذى به الطفل ولذلك قلما تحيض المرضع..." (41). ويميل إلى الرأي الثاني ابن رشد حيث يقول: "بدليل أنها قد تحيض الحامل"(42).
فإذا فرض أن العلم يثبت أن الحيض والحمل لا يمكن أن يجتمعا باعتبار أن الحيض عبارة (43)عن الدم والأنسجة التي تنزل مع البويضة التي لم تلقح في الرحم وأن المبيضين عند المرأة يتوقفان عن العمل في مرحلة الحمل، فيدعى أن الرواية الثانية معارضة لأمر مقطوع به فتسقط عن الاعتبار.
ج ـ في مسألة أقصى مدة الحمل، توجد طائفتان من الروايات، أيضاً: طائفة تدل على أن أقصى مدة الحمل سنتين، كرواية غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: أدنى ما تحمل المرأة لستة أشهر و أكثر ما تحمل لسنتين" (44)؛ وطائفة تدل على أن أقصى مدة الحمل تسعة أشهر كرواية محمد بن حكيم عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال: "قلت فإنها ادعت الحمل بعد تسعة أشهر قال: إنما الحمل تسعة اشهر" (45). وما أروع ما رواه عبد الرحمن بن سيابة عمن حدثه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "سألت عن غاية الحمل بالولد في بطن أمه كم هو؟ فإن الناس يقولون: ربما بقي في بطنها سنتين. قال: كذبوا أقصى مدة الحمل تسعة أشهر لا يزيد لحظة، ولو زاد ساعة لقتل أمه قبل أن يخرج" (46).
________________________________________
(38) السيد أبو القاسم الخوئي، منهاج الصالحين، ط 28، مدينة العلم، قم، 1410، ج1، ص56. وقارن بالسيد علي السيستاني، منهاج الصالحين، مكتب آية الله السيستاني، قم، 1414، ج1، ص75.
(39) محمد بن الحسن الحلي بن العلامة المعروف بفخر المحققين، إيضاح الفوائد، تحقيق الكرماني وآخرين، الطبعة الأولى، إيران، 1378، ج1، ص50.
(40) السيد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، الطبعة الأولى، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1419. ج3،ص139.
(41) عبد الله بن قدامة، المغني، تحقيق جماعة من العلماء، دار الكتاب العربي، بيروت، ج1، ص313.
(42) ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق خالد العطار، دار الفكر، بيروت، 1415. ج2، ص73.
(43) الدكتور خالص جلبي، الطب محراب للإيمان، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1981، ج1، ص69.
(44) وسائل الشيعة، م. س.، مج21، ص381، باب 17 من أبواب أحكام الأولاد، ح 5.
(45) المصدر نفسه، ص384، باب 17 من أبواب أحكام الأولاد، ح15.
(46) الكليني، الكافي، ج6، ص52.

[الصفحة - 283]


وهنا أيضاً يمكن الاستعانة بالطب لترجيح الطائفة الثانية، بإضافة إلى حمل الطائفة الأولى على التقية كما فعل علماء الإمامية (47).
د- هناك رواية تعلل نجاسة بول الجارية ولزوم تطهيره بأن لبنها يخرج من مثانة أمها بخلاف الصبي فإن لبنه يخرج من مكان آخر. وهذه الرواية هي ما يرويه السكوني عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أن عليا (عليه السلام) قال: "لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين" (48). يذكر السيد الخوئي هذه الرواية ويردها بأن الطبيعة تقتضي خروج كلا اللبنين من مكان واحد، وهذا أمر يصدقه الطب وعلم التشريح (49). وكذلك يعلق السيد الشهيد الصدر على هذه الرواية بقوله: "...مضافا إلى غرابة نفس التعليل الوارد فيها من أن لبن الجارية يخرج من مثانة الأم ولبن الغلام من بين عضديها ومنكبيها مع وضوح خلافه"(50).
هـ- وردت في الروايات عن الفقهاء عدة علامات لتمييز الخنثى، منها التمييز بعدد الأضلاع: ففي رواية عن السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) : "أن علي بن أبي طالب كان يورث الخنثى فيعد أضلاعه، فإن كانت أضلاعه ناقصة من أضلاع النساء بضلع ورث ميراث الرجل، لأن الرجل تنقص أضلاعه عن ضلع النساء بضلع؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم (عليه السلام) القصوى اليسرى فنقص من أضلاعه ضلع واحد" (51).
ولم يقبل بعض الفقهاء هذه الرواية لأمرين: ضعف سندها (52)، ومخالفة مضمونها لما هو معلوم من الطب وعلم التشريح. يعلق محقق كتاب "من لا يحضره الفقيه" على هذه الرواية قائلا: "السند ضعيف على المشهور، والمتن لا يلائم المحسوس. والمشهور في كتب التشريح مساواة عدد أضلاع الذكر والأنثى، وقالوا: إن عددها أربعة وعشرون،..." (53).
يقول السيد صادق الروحاني: "إن المحكي عن أهل التشريح دعوى التساوي بين الرجل والمرأة في الأضلاع" (54).
وقد دافع النراقي عن هذه الرواية رغم ضعفها السندي؛ حيث رأى أن ضعف السند منجبر بورود الرواية في الأصول المعتبرة ودعوى الإجماع على مضمونها. أما عن مخالفتها للتشريح فيقول: "ولا يضر أيضا ما قيل من أن الموافق للحس والتشريح تساوي أضلاع الرجال والنساء عدداً؛ لأنه يمكن أن تكون العلة المذكورة في الأخبارمن خلقة حواء من ضلع آدم، موجبة
________________________________________
(47) وسائل الشيعة، م. س.، مج 21، ص384. وأنظر: الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة، ج25، ص6.
(48) المصدر نفسه، م. س.، مج3، ص398، باب3 أبواب النجاسات، ح4.
(49)السيد الخوئي، التنقيح في شرح العروة، ج3، ص83.
(50) شرح العروة الوثقى، ج3، ص15.
(51) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، تحقيق علي أكبر غفاري، دفتر انتشارات إسلامي التابع لجامعة المدرسين، قم، ج4، ص326.
(52) انظر: الشهيد الثاني، شرح اللمعة الدمشقية، طبعة كلانتر، ج8، ص193.
(53) علي أكبر غفاري، من لا يحضره الفقيه، م.س.، ص326.
(54) السيد صادق الروحاني، فقه الصادق، ج24، ص487.

[الصفحة - 284]


لحصول الاختلاف ولو في الأكثر أو في الجملة دون الكلية، ولأجل ذلك قرر الشارع بناء حكم الخنثى على ذلك" (55).
وقد نقل فقهاء السنة هذا القول، ونسبوه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأيدوا بما نقلوه عن ابن عباس. يقول صاحب مواهب الجليل: "والذين قالوا: إن المرأة تزيد بضلع اعتمدوا في ذلك ما رواه الطبراني عن بعض التابعين ورواه ابن عباس أن حواء خلقت من ضلع آدم، وهي القصرى استلت منه وهو نائم. ويؤيد هذا بما في الصحيحين من قوله عليه السلام: "إن المرأة خلقت من ضلع أعوج" (الحديث). وفي إثبات الأحكام بمثل هذا ضعف والعيان يدل على خلافه، فقد أطبق خلق كثير من أهل التشريح على أنهم عاينوا أضلاع الصنفين متساوية العدد" (56).
وبالموازنة بين القولين، يتضح أن الدفاع عن الرواية والتشكيك في تعميم قول أهل التشريح مبني على نظرة خاصة إلى الدليل الاستقرائي والتعامل معه على أساس تقسيمه إلى ناقص وتام، والأول منه لا يمكن تعميم مفاده على الكل، ولكن يبدو أن هذا الأسلوب من الاستدلال لا يمكن الوثوق به بعد ما طرأ على نظرية المعرفة من تطورات تسمح بالتعميم ولو لم يكن مستندا إلى استقراء تام. ومن أبرز المنظرين لوجهة النظر هذه السيد الشهيد الصدر في نظريته حول الأسس المنطقية للاستقراء.
و- لبن المرضعة: ورد من بين ما ينقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) رواية تتضمن علامة للتمييز بين أم الصبي وأم الفتاة لإلحاق ولدها بها على ضوء كون لبن أم الصبي أثقل من لبن أم البنت، والرواية هي: "...يقول شريح: كنت في مجلس الحكم، فأتى هذا الرجل فذكر أن رجلا أودعه امرأتين حرة مهيرة وأم ولد، فقال له: أنفق عليهما حتى أقدم. فلما كان في هذه الليلة وضعتا جميعا: إحداهما ابنا والأخرى بنتا، وكلتاهما تدعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث، فقال له: بم قضيت بينهما؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما. فأخذ علي تبنة من الأرض فرفعها فقال: إن القضاء في هذا أيسر من هذه. ثم دعا بقدح فقال لإحدى المرأتين: احلبي فحلبت فوزنه، ثم قال للأخرى: احلبي فحلبت فوزنه فوجده على النصف من لبن الأولى فقال لها: خذي أنت ابنتك، وقال للأخرى: خذي أنت ابنك. ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام؟ وأن ميراثها نصف ميراثه؟ وأن عقلها نصف عقله؟ وأن شهادتها نصف شهادته؟..." (57).
وفي هذه الرواية أيضا يمكن الرجوع إلى الأطباء لمعرفة موقفهم من فكرة الاختلاف
________________________________________
(55) المحقق النراقي، مستند الشيعة، مؤسسة آل البيت لأحياء التراث، مشهد، 1491هـ، ج19،ص 45.
(56) الحطاب الرعيني، مواهب الجليل، تحقيق الشيخ زكريا عميرات، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت،1416هـ .، ج8، ص622.
(57) الشيخ عبد الحسين الأميني، الغدير، ج6، ص172.نقلا عن كنز العمال، ج3، ص179. ومصباح الظلام، للجرداني،ج2، ص56. ووجدته في: كنز العمال، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج5، ص832. وعلق على الرواية بقوله: "وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني قال في المغني: وثقه ابن معين وغيره. وقال (د): ضعيف. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كذاب. وقال (حب): كان يكذب جهارا ويسرق الأحاديث وقال(عد): أرجو أنه لا بأس به. قال الذهبي: وأما تشيعه فقل ما شئت كان يكفر معاوية".

[الصفحة - 285]


في الوزن النوعي بين لبن الصبي ولبن البنت، ولا ينفي الأطباء إمكانية وجود اختلاف بين لبن الصبي ولبن البنت، بل ربما يرجحون ذلك؛ حيث إنهم يلاحظون اختلافا بين الجنسين في بعض الخصائص منها الوزن عند الولادة؛ حيث إن الإحصاءات تدل على أن الأغلب هو أن يكون الصبي أكثر وزناً من البنت. وقد وعدني أحد الأطباء بإجراء بحث على بعض الحالات لتبين حقيقة هذا الأمر. هذا ولكن المذكور في الرواية أنه على ضعفي لبن البنت، ويبدو أن هذا الأمر مخالف للواقع من حاجة إلى إعمال الدقة الطبية التخصصية، ولعله لهذا السبب، أو ربما لضعف السند، لم أجد لهذه الرواية أثرا في كتب الفقهاء. ومن الغريب أن الشيخ الأميني أورد هذه الرواية من دون الوقوف عند هذه المسألة والبحث فيها.
ز- دية الخصية: عن أبي عبد الله (عليه السلام) : "ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية مثل اليدين والعينين. قال قلت: رجل فقئت عينه؟ قال: نصف الدية. قلت: فرجل قطعت يده؟ قال: فيه نصف الدية. قلت: فرجل ذهبت إحدى بيضتيه؟ قال: إن كانت اليسار (ففيها الدية) ففيها ثلثا الدية. قلت : ولم؟ أليس قلت ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية؟ فقال: لأن الولد من البيضة اليسرى" (58).
وفي المسالك: "وذهب ابن الجنيد إلى أن في اليمنى نصف الدية وفي اليسرى تمام الدية محتجا بأن الولد منها، ففي فواتها فوات منفعة تامة، فيترجح الأول بكثرة رواياته وشهرة مضمونها ومناسبتها لغيرها مما في البدن منه اثنان. وقد أنكر بعض الأطباء انحصار التولد في الخصية اليسرى. ونسبه الجاحظ في حياة الحيوان إلى العامة وقوة المنفعة لا تؤثر في زيادة الدية كما لا تزيد اليد الباطشة عن الضعيفة، وكذلك العين. ولو صح نسبة التولد إلى الأئمة عليهم السلام لم يلتفت إلى إنكار منكره، ولكن قد عرفت حاله" (59).
ونقل صاحب مجمع الفائدة والبرهان كلام الشهيد في المسالك وأضاف: "ويمكن أن يكون ذلك أكثرياً كما في أكثر علل الشرع ونكت أحكامه، فلا منافاة بين كلامهم وكلام الأطباء" (60).
وفي الفقه السني ذُكِرَت هذه المسألة في باب إلحاق الولد، يقول محيي الدين النووي: "وحكى القاضي أبو الطيب وجهاً أنه إن كان مسلول الخصية اليمنى لم يلحقه وإن بقيت اليسرى؛ لأنه يقال: إن الماء من الخصية اليمنى والشعر من اليسرى. ونقل الروياني في جمع الجوامع: أن أبا بكر بن الحداد، كان فقيد الخصية اليمنى فكان لا ينزل وكانت لحيته طويلة وهذا شيء يعتمده الجمهور"(61).
________________________________________
(58) وسائل الشيعة، م. س.، مج29، ص283.
(59) الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، تحقيق ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1416هـ، ج15، ص436.
(60) المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، تحقيق اشتهاردي وغيره، الطبعة الأولى، جامعة لمدرسين، قم، 1416هـ، ج14، ص415.
(61) روضة الطالبين، تحقيق الشيخ عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ج6،350.

[الصفحة - 286]


وفي بحار الأنوار: "هذا شيء لا يمكن العلم به غالبا إلا من طريق الوحي والإلهام والتجربة قاصرة عنه، مع أنه يمكن أن يحمل على أن اليسرى أدخل في ذلك" (62).
ويقول الأطباء: إن الخصيتين اليمنى واليسرى تقومان بدور تصنيع المني من دون فرق بينهما، ولعل هذا مما يدعي الأطباء كونه حقيقة علمية لا مجال للنقاش فيها (63).
من علم الكلام
يلتزم كثير من علمائنا، في علم الكلام، بعدم جواز الجهل بالموضوعات على الإمام (عليه السلام) ، وبالتالي هم مضطرون إلى طرح عدد من الروايات التي تدل على خلاف المبنى المذكور أو يلزم منها ذلك. ومن أمثلة ذلك:
أ- عن عبد الحميد بن سعيد قال: "بعث أبو الحسن (عليه السلام) غلاماً يشتري له بيضاً، فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها فلما أتى به أكله. فقال له مولى له: إن فيه من القمار قال: فدعا بطشت فتقيأ فقاءه" (64). وهذا ما فعله الشيخ الأنصاري بناءً على أحد الاحتمالات في الرواية(65).
ب- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة في ظهرك لم يصبها الماء. فقال له: ما كان عليك لو سكت ثم مسح تلك اللمعة بيده"(66).
هذا، وفي علم الكلام كثير من القواعد الكلية التي تركت أثرها في علم الفقه عندما تسربت إلى علم أصول الفقه، ويكفي دليلا على ذلك أن نرى بعض الأصوليين يفردون في كتبهم الأصولية فصولا وأبوابا للبحث في قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وغيرها من القواعد الكلامية الأخرى (67). ومن العلماء من يرى أن دخول علم الكلام أو الفلسفة إلى الفقه خلل منهجي؛ حيث إنه من باب الخلط بين الأمور الحقيقية والأمور الاعتبارية، وفي هذا الكلام شيء كبير من الصحة، فإننا نرى بعض الفقهاء أو الأصوليين يحكمون باستحالة بعض الأحكام تبعا لقواعد فلسفية. وهذان النصان لعلمين معاصرين يكشفان في هذا التصور عن الدور الذي أدته الفلسفة في علم الأصول:
أ- "...فإن قلت: ما ذكرت من التحقيق أمر مسلم لا غبار عليه، لكن إسراءه إلى المقام خلط بين الحقايق والاعتباريات، وقد قرع أسماعنا مرارا أن العلوم الاعتبارية لا تتحمل أحكام
________________________________________
(62) بحار الأنوار، ج57، ص377.
(63) د. خالص جلبي، م. س.، ص62.
(64) وسائل الشيعة، م.س.، مج17، ص165، باب 35 من أبواب ما يكتسب به، ح2 .
(65) المكاسب، إسماعيليان، قم، ج1، ص14.
(66) وسائل الشيعة، م. س.، مج2، ص260، باب 41 من أبواب الجنابة ح1.
(67) انظر على سبيل المثال: الشيخ محمد رضا المظفر، أصول الفقه، م. س.، ج1، ص195-217.

[الصفحة - 287]


التكوين كما مر أن التمييز بين أحكام المقامين هو الحجر الأساس لحل معضلات العلوم لا سيما الاعتباريات. قلت: نعم لكان الإضافة إلى..." (68).
ب- "من أهم نتائج تأثر الأصول بالفلسفة وقوع الخلط بين القوانين التكوينية والاعتبارية وأمثلتنا على ذلك كثيرة، منها: القول بامتناع الشرط المتأخر لاستحالة تقدم المعلول على علته زمانا مع أن الشرط المتأخر من الاعتباريات لا من التكوينيات" (69).
خاتمة واستنتاج
هذه نماذج يوجد غيرها كثير في أبواب الفقه تمثل بأجمعها موارد للتواصل بين الفقه والعلوم الأخرى، واستقصاء مواردها جميعا خارج عن نطاق الحدود المرسومة لهذه المقالة. ولا بد من ضوابط تنظِّم حدود العلاقة، وتبيِّن موارد صحة الاستفادة من العلم للحكم على رواية ما بالصحة أو البطلان، للأخذ بالصحيحة ورد الباطلة لمنافاتها للعلم، وأقوال العلماء.
وأقترح بعض الضوابط، ولا أدَّعي انحصارها ولا لزوم صحتها، وإنما هو مجرد اقتراح قد يضاف عليه أو ينقص منه، وهذه الضوابط هي:
1- أن تكون القضية المطروحة في العلم قضية يقينية تمثل حقيقة علمية مقطوعاً بها لا أن تكون مجرد نظرية، وذلك أن العلم في بعض الأحيان يحيط بجميع جوانب القضية مورد البحث ويعطي رأيه فيها، كما في كثير من الحقائق العلمية التي لم تعد تقبل النقاش لوضوحها مثل كروية الأرض، وأخرى يكون ما يقدمه العلم مجرد نظرية مدعومة بعدد كبير من قرائن الإثبات وقادرة على الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تطرح في وجهها، وتحمل في الوقت نفسه قرائن لتكذيب النظريات المقابلة. وهذا ما يسمى باصطلاحهم موديل model ، وأمثلة ذلك كثيرة، منها النظرية القائلة بكون الأرض قطعة منفصلة عن الشمس، والأطروحة الأصوب هنا هي الأقدر على تعليل أكبر مجموعة من الظواهر وإن كان من الممكن وجود ظواهر أخرى من المجموعة نفسها تعجز هذه النظرية عن تفسيرها. وهذه الخصوصية موجودة في كثير من النظريات العلمية، كالنظرية "الداروينيية" مثلاً التي لا تدَّعي القدرة على تفسير جميع خصائص الكائنات الحية وتوجد كثير من الاستفهامات التي تواجهها، ورغم ذلك يؤخذ بها ولا تزال مقبولة في بعض الأوساط العلمية إلى يومنا هذا. حتى أن كارل پوپر المولع بالداروينية يعدّها نظرية غير علمية باعتبار أنها عاجزة عن التنبؤ للمستقبل؛ الأمر الذي يعدّه من أهم خصائص النظريات العلمية (70).
________________________________________
(68) السيد الخميني، تهذيب الأصول، دار الفكر، قم، 1410هـ .، ج1، ص164.
(69) السيد علي السيستاني، الرافد في علم الأصول، ط1، قم، مكتب آية الله السيساني، 1414هـ .، ص61.
(70) عبد الكريم سروش، دانش وأرزش (العلم والقمية)، ياران، طهران، 1358هـ .ش.، ص115.

[الصفحة - 288]


2- أن يكون الموضوع في كل من الأدلة الشرعية والنتائج العلمية واحداً؛ بحيث لا يكون بينهما تباين أو عموم وخصوص من وجه، وذلك كما في مثال الحيض واجتماعه مع الحمل، فالحيض في علم الطب هو الدم الخارج من الرحم مع البويضة التي لم تلقح ولا يشترط فيه أن يكون مدة معينة، وإن كان الغالب فيه أن يكون لمدة سبعة أيام عند المرأة الطبيعية، بينما قد يكون عند الشارع عبارة عن الدم الخارج من الرحم بصفات معينة لمدة ثلاثة أيام بالحد الأدنى سواء كان مرافقا لبويضة غير ملقحة أم لم يكن؛ فإذا افترضنا صحة تحديد شرعي للحيض يختلف عن التحديد الطبي له، فلا مانع من نزول دم مع الحمل يكون نزفاً مرضياً يحتاج إلى علاج عند الأطباء، ولكن تترتب عليه أحكام الحيض عند الفقهاء، وحسم الموضوع لمصلحة أحد الرأيين يحتاج إلى استقصاء الأدلة الشرعية وإن كان القول بوحدتهما ليس ببعيد؛ وبخاصة إذا لاحظنا بعض الروايات الواردة في المقام. ومنها رواية تسأل امرأة فيها الإمام (عليه السلام) عن أحكام الحيض وعلاماته فعندما يجيبها، تبدي تعجبها قائلة: "والله أن لو كان امرأة ما زاد على هذا" (71). وفي رواية أخرى تقول: "أتراه كان امرأة مرة" (72)، فهاتان المرأتان لو كانتا تتوقعان من الإمام (عليه السلام) أن يبين لهما علامات شرعية خاصة لما كان من مسوِّغ لتعجبهما؛ حيث إن الطبيعي أن يكون أعلم من النساء بالأحكام الشرعية، وأما إذا كان في صدد الحديث عن علامات عادية للحيض، فيكون تعجبهما مسوَّغاً؛ لأنهما تستغربان كون الإمام (عليه السلام) عالماً بتفاصيل أحكام النساء، بخاصَّة أن مفهوم علم الإمام (عليه السلام ) بالموضوعات لم يكن واضحاً في أذهان كثير من الناس في ذلك العصر.
3- أن لا يكون الموضوع من المخترعات الشرعية التعبدية كعنوان الصلاة أو غيرها من العناوين التي اخترعها الشارع وجعلها موضوعاً لأحكامه أو متعلقاً، فإذا ثبت في العلم أن الخصوصيات التي تترتب على الصلاة تترتب على موضوع آخر كالدعاء أو التأمل، فلا يمكن إثبات الوجوب لذلك العنوان الجديد الذي اكتشفه العلم.
4- أن لا يكون الموضوع للحكم الشرعي مأخوذاً بما له من معنى عرفي بسيط، ففي هذه الحالة لا يجوز الرجوع إلى أهل الخبرة وإعمال تدقيقاتهم في تشخيص موضوع الحكم، ومثاله أن الماء أخذ كموضوع في بعض الأحكام الشرعية، فهنا لا يمكن الرجوع إلى تحليلات الكيمياء لمعرفة أن هذا السائل ماء أو ليس ماءً بل ينبغي الاكتفاء بنظر العرف والقول: إن هذا المائع الفلاني ماءٌ، حتى لو كان محتوياً على عناصر أخرى غير الأوكسجين والهيدروجين من المعادن
________________________________________
(71) وسائل الشيعة، م.س.، مج2، ص275.
(72) المصدر نفسه، ص276.

[الصفحة - 289]


التي لا يخلو منها الماء عادة.
هذا بعض ما تراءى لنا من ضوابط للتحكم في مجرى الاستفادة من أقوال العلوم الأخرى ونتائجها في عملية استنباط الأحكام الشرعية، ولكن ربما تواجه أصل الفكرة بعض الصعوبات.
بعض الاعتراضات على اعتماد أقوال أهل الخبرة
الاعتراض الأول: ما ذكر في موارد تجويز الفقهاء للرجوع إلى أهل الخبرة في موضوعات الأحكام ليس أمراً مقبولاً عند الجميع، فضلا عن الرجوع إليهم في تحديد مدلول الدليل الشرعي أو الموازنة بين الأدلة، ففي موارد جواز الإفطار لأجل خوف الضرر يعلق بعض الفقهاء جواز الإفطار على خوف الضرر ولا يجوزون الإفطار بمجرد إخبار الطبيب في ما إذا لم يولد إخباره خوفاً عند المكلف (73). وهذا يعني عدم الاعتراف بحجية قوله وإلاّ لوجب ترتيب الأثر عليه حتى لو لم ينشأ عنه خوف، فلو كان حجة لوجب العمل به مطلقا بغض النظر عمّا يولد في نفس المكلف.
الاعتراض الثاني: إن الأصل في كل ما يمكن العمل به لاستنباط الأحكام الشرعية أن يكون غير حجة إلى أن يثبت العكس، فالسؤال الأول الذي يوجه إلى هذه الفكرة وما شابهها هو: ما الدليل على حجية قول الطبيب أو غيره من العلماء في مقابل رواية رواها ثقة عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أو الإمام (عليه السلام) ؟ (74).
أما الاعتراض الأول، فيمكن الجواب عنه بأمور:
الأول: يمكن دعوى أن ذلك خاص بباب الصوم باعتبار أنه أُخذ في موضوع جواز الإفطار خوف الضرر. وبعبارة أخرى: الموضوع لجواز الإفطار هو خوف الضرر لا قول الطبيب، وليس المقصود من هذا التقييد نفي حجية قول الطبيب.
الثاني: إن عدم جواز الإفطار بقول الطبيب ليس أمرا مسلَّماً به أيضاً عند الجميع، فبعض الفقهاء كالسيد الخوئي (قدس سره) جوَّز الإفطار بناء على قول الطبيب: "قول الطبيب إذا كان يوجب الظن بالضرر أو خوفه وجب لأجله الإفطار، وكذلك إذا كان حاذقاً وثقة إذا لم يكن المكلف مطمئناً بخطأه..." (75).
________________________________________
(73) الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج1، ص267، (مسألة1). وانظر أيضا: السيد علي السيستاني، منهاج الصالحين، ج1، ص332 (مسألة 1032).
(74) وهذا الاعتراض مستوحى من حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء الفضلاء حيث كان يقول: "يكفيني أن لا أطلع على قول الأطباء أو الفلكيين فأشك في أقوالهم وأحكم بعدم حجيتها". وهنا أتمنى لو أن الحوزة العلمية تدخل في مناهجها العلوم الحديثة لتزيل شك أمثال هذا الأخ وتجعله مضطراً للنظر في توصل إليه العقل الإنساني في مجالات أخرى غير الفقه والأصول، فتسخر جميع المعارف في خدمة الفقه والشريعة.
(75) السيد الخوئي، منهاج الصالحين، ج1، ص275، (مسألة 1032)

[الصفحة - 290]


الثالث: لو لم يكن الاعتماد على قول الطبيب جائزاً لم يجز الإفطار حتى لو أثر قوله الخوف باعتبار أنه يكون ناشئاً عن أمر غير مرضي عند الشارع، كما أنهم لا يجوزون الإفطار في حالات الخوف ذي المناشئ غير العقلائية. وبعبارة أخرى: ترتيب الأثر الشرعي عند هؤلاء الفقهاء على الخوف الناشئ من قول الطبيب يمثل اعترافاً بخبرته وجواز الاعتماد عليها في موضوعات الحكم الشرعي.
أما الاعتراض الثاني، فيجاب عنه بأمرين:
الأول: بالتدقيق في الأمثلة التي ذُكِرت نجد أن أكثرها وارد لتشخيص موضوعات الأحكام، فيكون الرجوع إلى العلوم المختلفة في تلك الأبواب من باب الرجوع إلى أهل الخبرة في الموضوعات وداخلا في دائرة الإمضاء الشرعي المذكور.
الثاني: إننا لا نحتاج إلى إمضاء خاص هنا؛ وذلك لأننا ذكرنا في الضوابط أن يكون قول أهل الخبرة يقينيا وقطعياً. ومن هنا نقول: إن ما ذكر في حجية القطع يجري هنا حرفاً بحرف، بل على بعض المباني الأصولية يسقط الخبر عن الحجية في ما لو كان مخالفا لرأي علمي راجح، وذلك عند الأصوليين الذين يرون أن حجية الخبر مقيدة بالوثوق به.
________________________________________

[الصفحة - 291]