البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نسبيَّة المعرفة في الفكر الإصلاحي الدِّيني المطهري أنموذجاً

الباحث :  أ. علي دجاكام
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 26 / 2015
عدد زيارات البحث :  1437

نسبيَّة المعرفة في الفكر الإصلاحي الدِّيني المطهري أنموذجاً

أ. علي دجاكام (*)

مـدخـــــل
لدى الغرب، ولدى المتأثرين به، في الأوساط الصّحفيَّة والجامعية، في بعض الدول الإسلامية، دعوى مفادها أن المعارف البشرية مترابطة، وأن هذا الترابط وثيق، بحيث إنّ أيّ تغيير أو تحوّلٍ يُصيب فرعاً من فروع العلوم، سوف يؤثّر بالضرورة في الفروع المعرفية الأخرى، وأن المعرفة الدينية هي كذلك مستهلكة لجميع العلوم البشريّة ومرتبطة بها بصورة كاملة. لذلك، فإنّ أي تغيّر، أو تحوُّل، يصيب العلوم البشريّة يؤدّي إلى تغيير المعرفة الدينيّة وتحوّلها. وقد بالغ بعض المترجمين الإيرانيين في تبنّيهم لهذه الرؤية حتى أنهم عدّوا ما يطرأ من قضايا دينية تابعاً للقضايا الظنّية والنظرية للعلوم التجريبية.
إنَّ نتيجة القول بترابط المعارف البشريّة، وارتباط المعرفة الدِّينية الكامل بهذه المعارف وتغذّيها منها، هي القول بالنِّسبيَّة المطلقة للمعرفة الدِّينيّة، وهو ما تبنّاه أولئك السادة أنفسهم.
لقد صدرت عن الأوساط العلميّة والمؤسسات التَّحقيقية، في إيران حتى الآن، انتقادات كثيرة ودقيقة لهذه الرؤية التي آل مآلها إلى إنكار استقلالية المعارف الدينيّة. وهذه المقالة التي نحن في صددها تهدف إلى شرح رؤية الشَّهيد المطهَّري المتعلقة
________________________________________
(*)باحث من إيران، ترجمة: د. دلال عبَّاس

[الصفحة - 71]


بـ «نسبيَّة المعرفة الدِّينية» بصورة مجملة. وحتماً، هو لم يتكلَّم بصورة مباشرة على «نسبية المعرفة الدينية»، ولكن تستشف الإشارة إليها من خلال بعض الأفكار التي وردت في آثار ذلك الأستاذ ذي الفكر النيّر، الذي كان بحق شهيد الدِّفاع عن خلوص «المعارف الإسلامية» واستقلاليتها.
نظريَّة «الثَّابت والمتغيِّر» في الدِّين
مثَّل كشف العلاقة بين الأبدية والتَّغيير قضية من القضايا المهمة التي أثارت اهتمام الإحيائيين السابقين. وقد كان الأستاذ المطهَّري يعتقد بوجود عنصرين في الدِّين:
أ ـ الأصول والكلِّيات الثابتة التي لا يطالها التغيير مطلقاً.
ب ـ الفروع والجزئيَّات المتغيّرة المبنيّة على تلك الأصول الثابتة.
تمثِّل الأصول الثابتة، في نظره، «روح الدين»، وتمثل الفروع والجزئيات المتغيّرة «جسم الدين».
بتعبير آخر: كان يعتقد بأنَّ للدين لباباً وقشرة، باطناً وظاهراً، روحاً وجسداً، وأن لبّ الدين وروحه وباطنه جوهرٌ يُصان بوساطة القشرة والظاهر والجسد.
وما تعامل، طوال العصور والقرون مع الظُّروف الاجتماعية والثقافية، ولبّى حاجات العصر والعلوم وغيرها، وأصابه التغيير، ولبس لبوس النسبية، وتجمّل ليناسب الظروف وتلوّن بلونها وجالسها، هو قشرة الدِّين وظاهره وجسده، ولكنّ جوهر الدِّين وأركانه المتمثلة في العقائد والأخلاق والأحكام فثابتة وخالدة (1).
1 ـ سعة القوانين الإسلامية وحدود نسبيتها
يقسِّم الأستاذ القوانين الإسلامية إلى أربع مجموعات تمثل:
أ ـ علاقة الإنسان بالله (العبادات).
ب ـ علاقة الإنسان بنفسه (الأخلاق).
________________________________________
(1)راجع: «الإسلام ومقتضيات الزمان» و«الخاتمية»، ص 141 ـ 155، مرتضى المطهري.

[الصفحة - 72]


ج ـ القوانين المتعلِّقة بعلاقة الإنسان بالطبيعة.
د ـ القوانين المتعلِّقة بعلاقة الإنسان بالإنسان، وتلك المتعلِّقة بالاجتماع (2).
من ناحية العبادات، كان يرى أنه ليس هناك تأثير للتغييرات ولمقتضيات العصر عليها. كما أن الأخلاق في رأيه مطلقة، وكان يرفض الكلام على نسبية الأخلاق، أيّاً كانت الصورة التي تُعرض بها، ويرفض القول بتأثير مقتضيات الزمان في الأخلاق.
إن القول بنسبية الأخلاق ـ بحسب اعتقاده ـ معناه إنكار للأخلاق وللتَّربية، فالنسبيَّة تجعل من الأخلاق أمراً متغيِّراً ومهتزَّاً، ونسبيَّة الأخلاق في تعارض وتضادّ مع خاتمية الدِّين وخلوده (3).
ويعدّ الأستاذ «علاقة النَّاس بعضهم ببعضهم الآخر»، أكثر أهمية من النُّقاط الثلاث الأخرى، فهنا يحدث التغيّر والتحوّل بسبب التغييرات والتَّحوُّلات التي تصيب المجتمع، ولكنّ التغيّر والتحوّل، من منظور الشهيد، ليسا أصلًا كليّاً ومطلقاً، فهو ـ أي الشهيد المطهري ـ ليس مع مقولة: «طالما أن المجتمع في حال تغيّر وتحول، لذا فجميع القوانين المتعلّقة بهذه الدائرة يجب أن تتغيّر حتماً بالمطلق»، ولكنه يؤيِّد الاجتهاد والتحوُّل في دائرة خاصّة ويوصي بذلك.
لقد أعطى الأستاذ ـ كما ذكرنا من قبل ـ حكماً «بعدم نسبيّة المعرفة الدينية بالمطلق»، وبيّن الحدود الكليّة للثابت والمتحوُّل.
لنرَ، الآن، ما هو المعيار الذي اعتمده للتمييز بين القوانين الثابتة في الحوزات المذكورة وبين القوانين المتغيرة.
2 ـ معيار الثَّبات والتغيُّر في الدِّين
الإنسان، في فكر الأستاذ المطهَّري، أحد أركان «الخاتمية» المهمَّة، والدين، أيّ دين، لكي يحافظ على خلوده، يجب أن يهتم بالإنسان وببناء شخصيته. فإن كان الإنسان موجوداً، متغيّراً ومتحوِّلًا مئة بالمئة، فالدين أيضاً يكون متغيّراً ومتحوّلًا مئة
________________________________________
(2)راجع: نفسه، ج2، ص 41.
(3)راجع: «فلسفة الأخلاق والتعليم والتربية في الإسلام» و «الإسلام ومقتضيات العصر»، ج2، ص 233 ـ 258.

[الصفحة - 73]


بالمئة، وإن كان الإنسان ـ المخاطب الحقيقي والأصلي للدِّين ـ ثابتاً مئة بالمئة، فإن الدِّين أيضاً يجب أن يكون ثابتاً بالكامل.
يعتقد الأستاذ بأنَّ كلّ ما يتعلق بنوع الإنسان وبإنسانيته كان ثابتاً على الدوام، ولم يلحقه التغيير في مسيرة الإنسانية التكامليّة، أما ما يتعلق بالمناحي الأخرى فيتغير بتغيّر الظروف.
إذاً، فالإنسان، المخاطب الأصليّ للدين، ثابتٌ ومتغيِّر في الوقت عينه وذلك لأنّ حاجاته نوعان:
أ ـ الحاجات الأوَّلية: وهي الحاجات النَّابعة من طبيعة البنية الجسديّة والروحية للبشر، ومن طبيعة الحياة الاجتماعية. فطالما أن الإنسان يتمتَّع بالمواصفات الإنسانية التي أودعت في فطرته لذا فإنّ حياته اجتماعية.
وذلك النَّوع من الحاجات على ثلاثة أنواع وأشكال: جسمي وروحي واجتماعي: الحاجات الجسدية كالغذاء واللباس والسكن والزواج، والحاجات الروحيّة كالعلم والجمال والخير والعبادة والاحترام والتَّربية، والحاجات الاجتماعية كالمعاشرة والتبادل والتَّعاون والعدالة والحرّيّة والمساواة.
ب ـ الحاجات الثَّانوية: وهي الحاجات النَّابعة من الحاجات الأوليّة، كالحاجة إلى الآلات المتنوِّعة وإلى وسائل الحياة، التي تختلف من عصر إلى عصر آخر.
فالحاجات الأوّليّة هي التي تحرّك البشر باتجاه تنمية الحياة وكمالها، لكنّ الحاجات الثانوية ناشئة عن تطور الحياة وكمالها، وفي الوقت عينه، هي المحرِّك باتجاه نمو أكبر وكمال أرفع (4).
لقد أعطى آية الله المطهَّري ـ انطلاقاً من المعايير الإنسانية، ومن حاجات الإنسان الثنائية الأبعاد، النابعة من فطرته وتكوينه، ومستفيداً من أحاديث المعصومين (عليهم السلام) الذين قالوا: «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع» ـ حكماً بوجود الثَّوابت والمتغيِّرات في القوانين الإسلامية، وكذلك بارتباط المتغيّرات بالثوابت، فالاعتقاد بوجود الثوابت في الدين من مباني تفكير المرحوم المطهّري، حيث يعدّ وجود الثوابت أحد أركان الخاتمية المهمّة (5).
________________________________________
(4)مجموعة الآثار: ج3، ص 183 و184 مرتضى المطهري.
(5)«الخاتمية»، مرتضى المطهري.

[الصفحة - 74]


لعلّ بإمكاننا القول: إنّ الفطرة الإنسانيّة هي الملاك الأساسيّ لتشخيص الثابت من المتغيّر في الدين.
«إنّ القوانين والحقوق التي لها مبان وأسس فطريّة، وتتمتَّع بديناميّة حيّة، وترسم الخطوط الأصلية للحياة، ولا تتطرّق إلى شكل الحياة وصورتها المرتبطة بدرجة التمدّن، بإمكانها أن تنسجم مع متغيّرات الحياة، بل وهي التي تشكّل الهادي لها، وفي الوقت نفسه تتمتّع بالدّوام وبالبقاء حتماً. فبالقدر الذي يكون فيه القانون جزئياً ومادّياً ـ بمعنى أنه يتمظهر بألوان وأشكال خاصّة ـ يكون حظّه بالبقاء وبالدوام أضعف، في حين أنه كلما كان كليّاً ومعنوياً، ولا يوجّه اهتمامه إلى الأشكال الظاهريّة، وإنّما إلى العلاقات بين الأشياء والأشخاص، فإنّ حظّه بالبقاء والاستمرار أكبر».
يتبيّن أن تقسيم حاجات الإنسان إلى أولى ثابتة وأخرى متغيّرة مبنيّة على الفطرة الإنسانيّة، يتبنّاه من يعتقد بوجود الفطرة لدى الإنسان، لكن إذا كان هنالك من يرفض هذا المبنى (أي وجود الفطرة) فإنَّه ينكر وجود الحاجات الثابتة والمتغيّرة لدى الإنسان وبالتالي ينكر المتطلَّبات والحلول اللازمة الثابتة والمتغيرة ـ التي تشبع تلك الحاجات وتلبِّيها ـ في الدّين. إن الأستاذ يتبنَّى الاعتقاد بوجود العناصر الثابتة والمتغيّرة في الدِّين تبعاً لوجود الحاجات الثابتة والمتغيّرة لدى الإنسان؛ ويعتقد بأنَّ لكلّ قضيّة دينية جوهرها وباطنها الخاصّين، وإن كان الدين بأكمله يمكن أن ينبني على جوهر واحد تتطابق معه الجواهر الأخرى، التي تدين له بجوهريتها، وهذا الجوهر ليس معناه «الحيرة»، وإنما هو الهداية والعبوديّة.
إنّ ذلك الجوهر الواحد والكلّي محجوبٌ ومستورٌ، لا يكشف عن نفسه بسهولة، وقلّةٌ من الناس يمكنهم أن يَرَوا تلك العروس المصون في غرفتها.
لكن جوهر أيّ مسألة دينية ليس كمثل تلك العروس المصون في حجلتها بعيدة المنال عصيّة على العشَّاق، وإنما هو كالمعشوقة التي يمكن للعاشق، بعد الجهد والتعب، أن يجد طريقاً إلى أعتابها ووصالها فيرتقي إلى الكمال.
إن اعتقاد الشهيد المطهَّري، أولًا، بأن كلَّ مسألة دينية على حدة لها جوهر
________________________________________

[الصفحة - 75]


يمكن بلوغه، وثانياً، بأنَّ جوهر الدين الكلِّي ثابتٌ لا يتغيّر، ما هو في الواقع إلا رفض «النسبية المطلقة» في باب المعرفة الدينية، على الأقل في حوزة المعارف الدينية المتعلقة بالثوابت الدينية التي استخرجها علماء الدين من النصوص الإسلامية [المقدسة] (6).
حتماً، إن «النسبيَّة» ليست مذمومة في حوزة المتغيِّرات الدينية، بل هي مطلوبة وضرورية، لأنها الباعث على أن يتابع الدين حياته في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة وفي الظروف المتغيّرة والمتنوعة، لتلبية حاجات الإنسان، وليس للاجتهاد من مفهوم سوى ربط المتغيّرات بالثّوابت.
الاجتهاد والعناصر «الثابتة» و «المتغيّرة»
السؤال، الآن، هو الآتي:
ما هو العلم الذي تستخرج بوساطته الكليات الثابتة والفروع والجزئيات المتغيّرة من متون النُّصوص الدينيّة؟ ومن هم الأشخاص المخوّلون القيام بهذه المهمة؟ وما هو منهجهم؟ وما هي آلية (مكانيزم) كشف العناصر الثابتة والمتغيّرة وارتباطها بالدّين؟
لقد حدّد الأستاذ المطهري الاجتهاد بالمعاني الآتية:
أ ـ أن يكون المتصدِّي لأمر الاجتهاد صاحب رأي في الدين.
ب ـ إطلاق الجهد سعياً وراء استنباط الحكم الشرعي.
ج ـ أن تكون نتيجة السعي، في استنباط الحكم الشرعي، من الأدلّة الشّرعيّة المعتبرة.
ويقسم الاجتهاد، في نظره، إلى قسمين:
اجتهاد ممنوع واجتهاد مشروع:
1 ـ الاجتهاد الممنوع: يرى الأستاذ أن «الاجتهاد الممنوع» هو عبارة عن وضع القوانين وتشريعها استناداً إلى رأي البشر، وهذا النَّوع من الاجتهاد ـ الذي هو اجتهاد قياسي ـ يعد مصدراً من مصادر استنباط الحكم الشرعي لدى فريق من أهل السنّة.
________________________________________
(6)ذكر كاتب المقالة العبارة كالآتي: «النصوص الإسلامية»، وفي هذا الكلام تعميم، لأن ما يطلق عليه النصوص الإسلامية يتضمن المقدس وغير المقدس، لذلك يجب إلحاق صفة «المقدسة» بلفظة النصوص الإسلامية [المترجم].

[الصفحة - 76]


ومع اختلاف الرُّؤية الموجودة في مصداق الاجتهاد بالرأي، فهم يعتقدون بأنَّ الأحكام التي شرّعها الله، عزّ وجلّ، والرسول الكريم في الكتاب والسنة كانت محدودة، ولكن الوقائع والحوادث وحاجات الإنسان المختلفة لا حدود لها.
وبما أنَّ الأحكام والقوانين محدودة، ولا يمكنها أن تجيب عن الوقائع، لذا تنشأ الحاجة إلى مصدر آخر للتشريع غير الكتاب والسنّة للإجابة عن القضايا المستحدثة (7).
لهذا السبب، جعل الاجتهاد بالرأي ـ الذي ذمّه الأئمة الأطهار ورفضه علماء الشيعة (8) ـ مصدراً من مصادر استنباط الأحكام الشرعية ليتمكن من مماشاة العصر.
2 ـ الاجتهاد المشروع: يعدّ الأستاذ هذا النوع من الاجتهاد مشروعاً، إذا كان عبارة عن استنباط الفروع من الأصول، أي كشف الأصول الكلّية الثابتة، وتطبيقها على الموارد الجزئيَّة (9)، وهذا المعنى للاجتهاد مأخوذٌ من الأحاديث، كما جاء في الحديث القائل: «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع».
يعتقد المرحوم المطهَّري بأنَّ تبيين الأصول الكلّية الثابتة وظيفة الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) ، أما وظيفة علماء الدين فهي كشف هذه الأصول الكلّية الثابتة واستنباط الفروع والموارد الجزئية المتغيّرة في الظروف المختلفة وتطبيقها على الأصول.
ويعتقد الشهيد المطهَّري بأنّ هذا النوع من الاجتهاد يعود إلى عصر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) .
وقد اجتهد المطهَّري سعياً لدحض الرأي الذي قال به «تشالز آدامز» وغيره، وهو أن باب العلم كان مفتوحاً في زمن الأئمة المعصومين، وكانت إمكانية الوصول إليهم والأخذ عنهم متاحة لأتباعهم، لذلك لم يكن للاجتهاد وجود، ولكن بعد عصر الأئمة، وضع شيعتهم بأنفسهم أساس الاجتهاد.
وكان ردّ الأستاذ هو الآتي:
أولًا: إن التصور أنّ باب العلم كان مفتوحاً في عصر الأئمة (عليهم السلام) ولم يكن هنالك من حاجة إلى الاجتهاد في عصرهم، غير صحيح؛ لأن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعيشون عادةً في المدينة، وإمكانية اللِّقاء بهم بسهولة كانت متاحة لأهل المدينة
________________________________________
(7)تكامل الإنسان الاجتماعي، ص 147 ـ 179، وده rفتار، المقالات العشر، ص 97 ـ 201.
(8)راجع خطبة الإمام علي (عليه السلام) في «ذم اختلاف العلماء في الفتوى»، الخطبة رقم 18.
(9)تكامل الإنسان الاجتماعي، ص 177، و«التعليم والتربية في الإسلام»، ص 24، والمقالات العشر، ص 91 ـ 100.

[الصفحة - 77]


فقط، أمّا الذين كانوا يعيشون في العراق وخراسان والأماكن البعيدة الأخرى، فما كان بإمكانهم الاستفادة من محضرهم بسهولة.
ثانياً: إن تاريخ التشيُّع، بما فيه تاريخ حياة الأئمَّة ، يفيد أنهم كانوا يدعون كبار صحابتهم الذين تتلمذوا على أيديهم مدّةً طويلة ـ وكانت لهم معرفة وثيقة بأصول الفقه الشيعي ومبادئه ـ إلى الإفتاء والاجتهاد ويشجِّعونهم ويرغبونهم به.
ثالثاً: إن أحد الأمور التي يفرضها الاجتهاد، الجمعُ بين العام والخاص، والمطلق والمقيّد، وحلّ تعارض الأخبار والرِّوايات، وهذه القضايا جميعها كانت تواجه رواة الأحاديث في زمن الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
رابعاً: لقد ثبت خطأ الرأي القائل: إن علم الأصول الذي هو أساس الاجتهاد، وُجِدَ عند الشيعة بعد عصر الأئمة (عليهم السلام)، وكان من قبل منحصراً بأهل السنّة، وقد حقّق هذه المسألة وأثبتها السيد حسن الصّدر في كتابه «تأسيس الشيعة» (10).
لقد كان الأخباريون من بين المجموعات التي عارضت بشدَّة الاجتهاد والمجتهدين، حيث انتقدوا المجتهدين، إذ إنَّهم انتقدوا الاجتهاد بدعة وحراماً.
لقد شحذ الأستاذ مبضع النَّقد مرَّات ومرَّات، منتقداً الأفكار الخاطئة لقشريي المذهب هؤلاء، المتعلقة بالعقل والاجتهاد والقرآن والإجماع. وقد رأى أن للمجتهد وظيفتين:
1 ـ كشف الأصول الكليّة والثابتة التي بيّنها الأئمة (عليهم السلام) والنبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) والقرآن الكريم.
2 ـ تطبيق هذه الأصول الكلية والثابتة على موارد جزئية في ظروف وأزمنة مختلفة.
وليتمكَّن المجتهد من إنجاز وظيفته هذه على النحو الأحسن والأكمل، يجب أن يكون متمكّناً من عددٍ من العلوم كالنحو والصّرف واللغة، والمنطق والكلام والأصول والتفسير والحديث والرّجال(11).
________________________________________
(10)المصدر نفسه، ص 183.
(11)المصدر نفسه، ص 197.

[الصفحة - 78]


ولم يكتف الشَّهيد المطهَّري بهذه العلوم، وإنما هو يعتقد بأنَّ عالم الدِّين يجب أن يكون عالم عصره، لذلك عليه أن يطّلع على العلوم التي لها ارتباط بنحو من الأنحاء بالعلوم الدينية وبأمر الاجتهاد، وأن يهتم بالعلوم الجديدة، وبخاصّةٍ العلوم الإنسانيّة؛ لأن لها تأثيراً كلّيّاً ليس في معنى الألفاظ فقط، وإنما في عمليات الاجتهاد في الموضوع المعرفي الاجتماعي (12)، لذلك يقول: إن فتوى المجتهد القروي تفوح منها رائحة القرية، وفتوى المجتهد المدني تفوح منها رائحة المدينة، وفتوى العرب رائحة العرب، وفتوى العجم رائحة العجم.
وفي صدد هذا الموضوع نفسه يقول: إن المجتهد الذي يصدر فتاواه من حجرته المغلقة على الحياة الاجتماعية والقضايا الثقافية والاقتصادية والسياسية اليومية، لا يحلّ أيّ مشكلة (13). والمجتهد الواقعي، في نظره، هو الذي يدرس المسائل الجزئية والوقائع المتغيّرة بتغيّر الزمان ويحقّقها من دون أن ينحرف عن الأصول الكلّية الثابتة، ويصدر الأحكام والفتاوى الملائمة المبنيَّة على الأحكام والأطر الأصليّة التي عرضها الوحي (14).
إنَّ الشِّيعة، في القرن الرابع عشر الهجري، بحاجة إلى مجتهد يدرك بضمير ناصع متطلبات عصره أولًا، وتكون لديه الشجاعة العقلية والأدبيّة ثانياً، وثالثاً لا يتخطّى في أحكامه أطر الكتاب والسنّة الصحيحة (15).
وهذا ليس معناه أن عبارات الكتاب والسنّة نسبيَّة، وإنما يُبنَى الاجتهاد على أساس «الأصول الثابتة للشريعة».
إن نسبية الفهم الديني (16) شيء غير نسبية الاجتهاد وضرورة الاطلاع على المعارف البشرية والظروف الاجتماعية.
نسبيَّة الاجتهاد
يعدّ الأستاذ المطهَّري الاجتهاد مفهوماً نسبيّاً ومتكاملًا، وهو يعتقد بأنَّ كلّ عصر يفرض نظرته الخاصّة وإدراكه الخاص، وقد بيّن أن منشأ هذه النسبية يمكن أن يكون في التكامل الطبيعي للعلوم وفي تحوّل الأوضاع البشريّة، وفي قدرة المصادر الإسلامية التي لا حصر لها على الكشف والتحقيق (17).
________________________________________
(12)مجموعة الآثار، ج3، ص 203.
(13)المصدر نفسه.
(14)المقالات العشر، ص 120.
(15)التكامل الاجتماعي للإنسان، ص 190.
(16)كان من المفروض أن يعطي الكاتب تعريفاً للفهم الديني (فهم الدين)، أليس الاجتهاد فهماً متقدّماً للدين؟ [المترجم].
(17)مجموعة الآثار، ج3، ص 202.

[الصفحة - 79]


ومن خلال وجهة نظر الشَّهيد المطهَّري هناك صورتان لتوضيح نسبية الاجتهاد:
الصُّورة الأولى: معرفة المجتهدين ببعض الموضوعات الاجتهادية المنحصرة في بعض الفروع والجزئيات، والخاضعة لتأثير التكامل الطبيعي للعلوم وللأفكار البشريّة.
الصُّورة الثَّانية: معرفة المجتهدين ـ بجميع الاجتهادات الأعم من الفرعيات والمتغيّرات والكليّات والثوابت ـ نسبية، تتأثر بتكامل العلوم والأفكار البشرية الطبيعي.
إن الأستاذ معارض للنسبية بحسب المفهوم الثاني كلّياً، ويرى أن قبولنا للتفسير الثَّاني يجرّ وراءه التَّناقض حتماً؛ لأننا حين نعتقد بثبات الأصول الكلّية، لا يمكننا من ناحية أخرى أن نقول: إن هذه الأصول الكليّة نفسها نسبيّة.
إذا أخذنا في الاعتبار هذا التناقض الصريح، إضافة إلى تأكيد الشَّهيد المطهَّري على الأصول الثابتة، فإنّ ما يقصده بنسبية الاجتهاد هو أن بعض الاجتهادات في بعض الفروع تكون نسبيّة بتأثير تكامل العلوم أو تغيّر الظروف.
المسألة الأخرى التي يمكن استنباطها من قواعد الأستاذ المطهّري هي أن العلوم البشرية لها ارتباط بالمعرفة الدينية، وهذا الارتباط ليس من نوع الموجب الكلّي، وإنما من نوع الموجب الجزئي، وليس قاعدة كلّيةً وإنما هو محدودٌ في موارد خاصّة.
حرِّيَّـة العقل
للعقل، في فكر الشهيد المطهري، منزلة رفيعة، فقد قام هذا المفكر الكبير بجهود علمية وعملية كبيرة لتعيين منزلة العقل الحقيقية في التفكير الديني والإنساني، ليحافظ على شعلته الثمينة مضيئة، وليبيّن نسبته إلى الوحي وإلى الحرية وغيرهما من القضايا، وليفك السلاسل التي تقيد العقل، وليفتح له طريق الحريّة، ولينزله منزلته الرفيعة والمقدّسة.
إن العقل مصدر من مصادر الاجتهاد، وله دورٌ مهمٌّ جداً في استنباط الأحكام
________________________________________

[الصفحة - 80]


الإلهية، لكن يجب أن يحرص المجتهد على تخليص عقله من الآفات، فبين هذه الآفات عوامل تمنع العقل من الاستنباط على النحو المطلوب.
سنشير، في هذا الجزء من المقالة، باختصارٍ، إلى ما يجعل العقل أسيراً من وجهة نظر الشَّهيد المطهَّري.
1 ـ المذاهب المناقضة للعقل
من بين العوامل الخارجيَّة يمكن الإشارة إلى التيارات الفكرية التي طرأت على تاريخ الفكر الديني، كالأخباريين والأشاعرة ومذهب مالك بن أنس ومذهب أحمد بن حنبل، وغيرهم من الذين عملوا على تقليص استخدام العقل في فهم الوحي إلى الحد الأدنى. مع العلم بأنّ بعض هذه التيارات لا تقيم أي وزن أو قيمة للعقل، وقد قيدته من يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال.
لقد انتقد الشهيد المطهري أنواع التفكير هذه، وبيّن العلاقة بين الوحي والعقل، واستدلّ على منزلة العقل في القرآن والسنة. وسيرته الفلسفية تدلّ على جهوده لإرجاع العقل إلى مكانته، وتخليصه من أسر هذه الفرق وهذه المذاهب (18).
2 ـ التقليــــد
يعتقد الشهيد المطهَّري بأنَّ «التقليد» كان ولا يزال عدوّ العقل، حرمه من الاستقلال ومن الحريّة، ومنعه من التفتح والوصول إلى الكمال، سواء كان هذا التقليد تقليداً للآباء وللأجداد ـ كما ذكر القرآن الكريم ـ أم تقليداً للمناخ السائد في المجتمع أم مسيطراً على الأكثريّة فيه ـ كما هي الحال التي كانت سائدة ولا تزال في أكثريّة المجتمعات البشريّة ـ أم تقليداً وتبعيّة للكبار وللمذاهب الفكريّة المسيطرة، كما كانت عليه الحال الرائجة طوال التاريخ ولا تزال.
إنَّ التقليد، أيّاً كان شكله أو سببه، مقيّدٌ للعقل. وانطلاقاً من هذا التوجّه، فعلى جميع الذين يؤمنون بحريّة العقل، ويطلبون له المنزلة الرفيعة، أن يتصدّوا للتقليد الأعمى وللأشخاص الذين يدعون الناس إلى التقليد وحده، وأن يعملوا على مخاطبة عقول البشر كما فعل الأنبياء.
________________________________________
(18)البحث عن التيارات الفكرية المعادية للعقل موجود بكثرة في آثار المرحوم المطهري، وبخاصة في الإسلام ومقتضيات العصر، ج1، (آشنائي با علوم إسلامي).

[الصفحة - 81]


«إن التقليد الفقهي للمجتهد هو في الواقع نوع من التعليم وليس تقليداً».
3 ـ العادات الاجتماعيّة
يعتقد الشَّهيد المطهَّري بأنَّ العادات الاجتماعية مانعٌ آخر من موانع التعقّل، فسيطرة التقاليد والعادات الاجتماعية، وتحكّم تعليمات المحيط والأعراف، آفة من الآفات الكبيرة التي تمنع حريّة التفكير. فإذا أراد المفكِّر الديني أن يكون ذا عقل حرّ التفكير، مستقلٍّ، يجب عليه ـ ليتمكن من وضع اجتهاداته بسهولة ويسر بين أيدي الناس والمجتمع ـ أن يحرّر نفسه من أسر العادات الاجتماعية والأعراف، وأن يرفض تحكّمها به (19).
4 ـ أحكام الآخرين
تعدّ الأحكام التي يطلقها الآخرون، عن شخص ما، من العوامل التي تضغط أحياناً على تفكير الإنسان، ويمكنها أن تترك أثراً في الأحكام التي يُصدرها العقل، لهذا السبب يعتقد المطهري بأنَّ المفكر يجب أن يصل إلى درجةٍ من سلامة الروح بحيث لا تؤثّر فيه أحكام الآخرين، ليتمكن من التفكير بما يعتقد بصحّته، ويُصدر حكمه عليه (20).
5 ـ الانقياد لأهواء النفس
إن الغرور والطّمع والتعصّب واللجاجة والغضب، وبصورة كلِّية الانقياد لأهواء النفس وللهوس الشيطاني، أمور تعدّ، في الأحاديث، من الأعداء الأصليين والحقيقيين للعقل.
«إنّ العقل ضدّ الشهوة أيها البطل.
من يشتهي، لا يُعمل عقله».
إنّ الانقياد لهوى النفس عدوّ بإمكانه أن يأسر عقل الإنسان بسهولة، ويفرض عليه إرادته. إن التّفاوت الأساسي بين دعوات الأنبياء وبين المذاهب الفلسفية الجديدة يتمثَّل في اهتمام الأنبياء بهذه النقطة القيّمة والمهمّة، وهي أن التّقوى سبب تفتّح العقل ووصوله نحو الكمال، وإن قلّة التقوى تحولُ دون بلوغ الرشد والكمال.
________________________________________
(19)التعليم والتربية، مرتضى المطهري، ص 286.
(20)المصدر نفسه، ص 287.

[الصفحة - 82]


كما أن التقوى تُغِلُّ يدي الهوى
فإن الحقّ يحرّر يدي «العقل» (21).
إن مجاهدة النفس وتطهير الذات من الآثام، في الحقيقة، هما تحريرٌ للعقلِ من الأغلال، وإعادة حريته المفقودة إليه.
6 ـ الحب المفرط
عدوٌّ آخر من أعداء العقل هو الحبّ المفرط والعشق، العشق القهَّار يجعل الإنسان يقهر نفسه، وأحياناً يأسر العقل ويسلبه القدرة على الحكم، ويحيل الإنسان إلى أعمى وأصمّ.
ثبات مفهوم القضايا
في زمان الأستاذ (رحمه الله) كانت هناك مجموعة ـ واقعة تحت تأثير علم المعرفة الغربي ـ تعتقد بأنّ شكل قضية معينة ولفظها ثابتان ولكن مفهومها ومعناها متغيّران ونسبيَّان كليّاً (22).
هذا الموضوع طرح، أيضاً، في العالم العربي على يد بعض الباحثين، كالدكتور نصر حامد أبو زيد، بصورة منسجمة وعلى شكل نظرية، وأنموذجاً نذكر ما قاله أبو زيد في كتابه «الخطاب الديني: رؤية نقدية» عن النَّص:
«إنّ النصوص بالمطلق أعم من النصوص الدينية والبشرية محكومة بقاعدة النسبية، ومنشأ النصوص الدينية الإلهي لا يخرجها من هذه القاعدة؛ لأن النصوص الدينيّة بمجرّد ولادتها وظهورها التاريخي واللغوي تصبح بشريّة، إحدى هذه القواعد، هي أن النصوص في المنطوق (اللفظ) ثابتة، وفي المفهوم (المعنى) متغيّرة، إن مفهوم القرآن أيضاً كنص ديني متغيّر ونسبي»(23).
كلام أبو زيد هذا وكلام غيره يترجم اليوم ويروّج في إيران تحت عنوان: «الدين ثابت والمعرفة الدينية متغيّرة ونسبية» على يد الدكتور سروش وغيره (24).
________________________________________
(21)مجموعة الآثار، ج4، ص 579.
(22)الإسلام ومقتضيات الزمان، ج2، ص 47.
(23)دراسات نقدية في الفكر العربي المعاصر، كامل الهاشمي، ص 119.
(24)إن قراءة متأنية لفكر الدكتور سروش وطرحه القائل ببشرية المعرفة الدينية توضح للدارس المنصف، أن نظريته هذه ليست مختلفة عما طرحه الشهيد المطهري إلا من حيث إن المطهري متقدم زمنياً على سروش، ومن الطبيعي أن تأتي (معرفة سروش الدينية) مختلفة عن (معرفة مطهري) من حيث قدرته على تحويل ما قاله شريعتي ومطهري وتطويره إلى نظرية متكاملة إضافة إلى أنّ لفظة «المفهوم» شيء و «الفهم» شيء آخر. [المترجم].

[الصفحة - 83]


وما يبدو مهمَّاً، هنا، أن الرُّوح التي تحكم هذه الطروحات واحدة، والدعوة واحدة وهي نسبية المعرفة الدينية.
ننقل هنا كلام الشهيد المطهري من دون أي تفسير أو تحليل:
إن ما هو مورد شك هو الآتي: هل مفاهيم الكلمات، وتالياً مفاهيم القضايا، هي في حركة وتحوّل بما يناسب العصر؟
مثلًا: السرقة والاعتداء على الغير، هما، في جميع الأحوال، من الأعمال المذمومة والمرفوضة، ولكن مفهوم كلٍّ منهما يختلف مع تقدُّم الزمان وتطوُّر الإنسان، وبحسب ما تستنبطه الثقافات التي تلدها الأنظمة السياسية والاقتصادية المختلفة. يقول ـ مثلًا ـ واحد من كبار منظِّري المذهب الاقتصادي الذي يميل إلى اليسار وإلى الاشتراكية: إن الملكية سرقة. في حال أن السرقة في المذهب الرأسمالي فرعٌ يأتي بعد التعرّف إلى أصل الملكيّة، وبعد قبول هذا الرأي يمكن إيجاد المفهوم.
إنّ ما يريدون أن يقولوه، في الواقع، هو أن شكل القضايا لا يتغيّر، ولكن مفهوم موضوعها ومفهوم محمولها هما اللذان يتغيّران.
لكن هل هذا الكلام صحيح؟
في نظرنا: إن هذا الكلام ـ الذي قاله كثيرون ـ هو كلام شاعري! لأن من الأمور الرائجة في زماننا (على الموضة) مسألة التغيّر والتحوّل.
كلّ ما نقوله متغيّر ومتحوّل، كما هو الأمر حينما نقول كلاماً جديداً.
من جملة ما نقوله: إنَّ القضايا تتغيّر، وهذا معناه في الواقع أن الحقيقة تتغيّر، أي أن الحقيقة نسبيّة على مدى الزمان وبين الشعوب أيضاً.
نحن، في كتابنا أصول الفلسفة، بحثنا في هذه المسألة التي يقول بها أنصار المذهب الديالكتيكي، وهي: «إن الحقيقة متغيِّرة».
هذا القول من جملة الكلام الذي لم نستطع، حتى الآن، فهمه، هل ما يتغيّر في الواقع مفهوم السّرقة أو الاستنباطات؟
________________________________________

[الصفحة - 84]


إن كون الاستنباطات هي التي تتغيّر، ليس معناه أن جميع الاستنباطات صحيحة وأن الاستنباط الصحيح متغيّر، فإذا كان لدينا عشرة استنباطات في مفهوم واحد، فإنّ واحداً منها هو الصحيح، والتسعة الأخر خطأ، وستبقى دائماً خطأ، وواحدٌ فقط هو الصحيح.
إن للسرقة مفهوماً واحداً، معنى السرقة: «اغتصاب حق الغير»، إن اغتصاب حق الغير أصلٌ لا يتغيّر مطلقاً. إذاً ليس صحيحاً أن مفاهيم القضايا تتغيّر.
إنّ مرجع هذا الكلام [تجده] في كلامنا التوضيحي والتصويبي عن الأحكام الإسلاميَّة، وهو عائدٌ إلى كلام القائلين بنسبية العلوم في الزمان المعاصر، وإلى السوفسطائيين القدماء الذي كانوا منكرين أصلًا لوجود واقع واحد. إذا كان المقصود من القول: «إن للسرقة مفاهيم مختلفة، ولكل شعب مفهومه عنها» فإنها مفهومٌ نسبي، وتالياً السرقة الناتجة عن الأنظمة الاجتماعية ليس لها مفهوم مستقل، فنحن نرفض هذا الكلام (25).
النقطة اللَّافتة للنظر، في كلام آية الله المطهَّري، هي أنه علاوة على رفض نسبيّة المفاهيم، فهو يقرن هذا الرّفض نسبية الحقيقة الذي هو حتماً كلام متّزنٌ وحكيم.
وعلى هذا الأساس، يمكن عدّ كلام الذين يقولون بالنسبية المطلقة في المعرفة الدينية معادلٌ للقول بالنسبية المطلقة في الحقائق الدينية؛ أي أن القول بالنسبية المطلقة للمعرفة الدينية مساوٍ بالضرورة للقول بنسبية الحقائق الدِّينية.
ترابط العلوم
ذكر، في المقدمة، أن «القول بنسبية المعرفة الدينية» مردّه إلى أصلين هما: «ترابط المعارف والعلوم البشرية العام»، و «تغذية المعارف الدينية من المعارف غير الدينية». إذا رفضنا أحد هذين الأصلين، نكون قد رفضنا في الواقع القول بـ «النِّسبية المطلقة للمعرفة الدينية».
وممَّا لا شك فيه أن الأستاذ المطهَّري كان مطَّلعاً على العلوم غير الدينية مثل
________________________________________
(25)الإسلام ومقتضيات الزمان، ج2، ص 47 ـ 52.

[الصفحة - 85]


الفلسفة والعلوم الطبيعية التجريبية والعلوم الإنسانية التجريبية، وقد استفاد منها في تحقيقاته الدينية، وكان يدعو الآخرين إلى هذا الأمر، ولكن ما نريد أن نقوله:
هل هذا المقدار كافٍ ليكون حكماً على ترابط العلوم، «كما ادعى بعض الباحثين»؟
1 ـ لم يتبنَّ الشَّهيد المطهَّري، في أيٍّ من كتاباته وأقواله، لا بصورةٍ صريحة ولا بصورة ضمنيّة، أصل الترابط العام بين المعارف البشرية، ولا يمكن استناداً إلى كونه استفاد من العلوم والمعارف البشرية إصدار حكم بأنه يؤيد الارتباط العام لجميع المعارف وتالياً قبول النسبية.
2 ـ لقد بحث الأستاذ المطهَّري، في موضع واحد، في مسألة ترابط العلوم بصورة صريحة وواضحة واستدلالية ومستقلة؛ وذلك في باب الترابط بين العلوم الطبيعية والفلسفية، وليس في باب ترابط المعرفة الدينية بالعلوم الأخرى. ولحسن الحظ فإنه هنا أيضاً لم يُصدر حكماً كليّاً، ولكنه وضّح كيفية الترابط بينهما ومقداره في مواضع خاصة.
فقد بدأ البحث بمحاور يوضّح فيها التمايز بين الاثنين من حيث الموضوع والمنهج المعرفي والمبادى المعرفية، والمسائل والقوانين، وتطرق بعد ذلك إلى المواضع التي يستفيد فيها أحدهما من الآخر.
لقد صرح بأنَّ العلوم تستفيد من الفلسفة في موضعين:
أحدهما في إثبات الموضوع، والآخر في قوانينه الكليّة. والفلسفة تستفيد من العلوم أيضاً في موضعين: الأول في الأصول الموضوعة، والثاني في تأييد بعض المسائل والدفاع عنها (26).
إنّ بحث الأستاذ، هنا، يدلّ بصورة صريحة أنه لا يعتقد بالترابط العام بين المعارف البشرية، وإن كان لا ينكر أن للعلوم ارتباطاً في ما بينها، إذ إن أحد ما يرتبط بالآخر على أساس الموجبة الجزئية.
إن الأستاذ يرفض الأصل الذي تنتج عنه النسبية المطلقة للمعرفة الدينية، ويمكن أن نحكم بصورة قطعيّة أنّه يرفض «نسبية المعرفة الدينية» بالمطلق أيضاً.
________________________________________
(26)مجموعة الآثار، ج13، مرتضى المطهري.

[الصفحة - 86]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف