البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحِرَاك الثَّقافي ظاهرة التأثير والتَّأثير المتبادل

الباحث :  أ. عبد الرزَّاق هادي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  32
السنة :  السنة الثامنة شتاء 1424هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1339

الحِرَاك الثَّقافي ظاهرة التأثير والتَّأثير المتبادل

أ. عبد الرزَّاق هادي صالح (*)

الثَّقافة: المعنى اللُّغوي والاصطلاحي
لقد استُعملت كلمة «ثقافة»، في لغة العرب، للدَّلالة على معانٍ متعددة، ومنها: سرعة الفهم والتعلُّم والضبط والحذق والفطنة والذكاء والتقويم والتهذيب والظفر بالشيء والتغلُّب عليه، كما في قوله تعالى: {واقْتُلُوهُم حيثُ ثَقفْتُموهم} [الأنفال/18]. ويقال للرجل: ثقف (بتسكين القاف وكسرها وضمها)، ويقال للمرأة: ثقاف، ويقال رجل ثقف، كقف إذا كان ضابطاً لما يعلم قائماً به .. ففي حديث الهجرة: وهو غلامٌ لَقِنٌ، ثَقِفٌ، أي ذو فطنةٍ وذکاء، والمُراد أنه ثابت المعرفة بما يُحتاج إليه(1).
واستعمل الرومان «الثقافة culture» للدلالة على القانون والآداب والعلوم، وقد استعاروا هذه الكلمة اللاتينية التي تعني الزراعة وتحسين الأرض وتهيئتها للتعبير عن الواقع الاجتماعي وعطاء الفكر.
وفي عصر النهضة الأوروبية أصبح اللفظ يطلق على الآداب والفنون يقول «هنري لاوست»: «إن الثقافة هي مجموعة الأفكار والعادات الموروثة التي يتكون فيها مبدأ خلقي لاءُمة ما، ويؤمن أصحابها بصحتها وتنشأ منها عقلية خاصة بتلك الاءُمة تمتاز عن سواها» (2) .
ويعرف إدوارد تايلور (1871) الثقافة بقوله: «إن الثقافة هي الكل المركب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين» (3).
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)لسان العرب، مادة ثقف، ج2، ص 111.
(2)د. نادية العمري، أضواء على الثقافة الإسلامية، بيروت، ص 15.
(3)م.ن.، ص 16.

[الصفحة - 65]


ويرى الأستاذ مالك بن نبي أن «الثقافة هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد شخصيته وطباعه» (4).
إن التقييد ـ ثقافة «إسلامية» وثقافة «غربية» إنكليزية، فرنسية والمانية.. الخ ـ ذو دلالة في التعبير عن خصوصية ذات صلة بالإطار المرجعي والمعتقدات للاءُمم والشعوب والأقوام.
التحدِّي الثَّقافي ووعي المرحلة
لقد كانت ضريبة «الجري» خلف الآخر والتَّفيُّؤ بمظلته باهظة كلّفت أمتنا الكثير من استنزاف القدرات وفقدان الثقة «بالذات» وإهدار الطَّاقات، ما أدى إلى سكونية الحالة والرضا بالأمر الواقع وتكريس التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية، وهذه الأمور جميعها مؤشرات على التبعية في «الفكر والمنهج» (5)، وتُقرأ بوصفها «تخلُّفاً» وفقداناً للرؤية المستقبلية. وبعد سلسلة من محاولات «التجربة والخطأ» استشعرت الأمة، ومن خلال الفعل الواعي لطلائع الصحوة الإسلامية، بضرورة العودة واللجوء إلى عقيدتها بوصفها مَعْلَمَ شخصيتها ومُقوِّم وجودها الحضاري؛ وذلك لتخطي التخلف والسكون اللذين كبّلاها على أثر ابتعادها عن إسلامها وركونها إلى زوايا الآخر المظلمة.
إن وعي المرحلة الراهنة ضرورة موضوعية للتفاعل معها بإيجابية وهدفية ـ أي بآلية مخططة ـ وإذ نفعل ذلك نكون قد خطونا خطوة مستقبلية المآل، فالاختيار في القراءات بمناسبة آلية التحرك والمرحلة التي نمرّ بها للتأثير في الحالة المُعيشة والنحو بها باتجاه غائي ملاحظ فيه وعي «الذات» وفهم توجهات الآخر وإدراكه من أجل الارتفاع بالأمة إلى مستوى الرؤية الإسلامية، لتعي دورها ومسؤولياتها التاريخية من ناحية، وللحدّ من نفوذ توجهات الآخر ورؤاه وتأثيرهما في ثقافتها من ناحية أخرى، وبذلك نكون قد وضعنا لبنةً تغييرية تناغم التصور الإسلامي للحياة وفاعلية الشخصية الإسلامية في الأحداث واستيعاب المستجد والمتغيّر منها تبعاً لذلك التصور.
والمرحلة التي شهدت قيام الدولة الإسلامية المباركة قد رافقتها، أيضاً،
________________________________________
(4)يراجع: مالك بن نبي، شروط النهضة ومشكلة الثقافة، دار الفكر، بيروت.
(5)يراجع: السيد الشهيد الصدر، اقتصادنا، مقدمة الطبعة الثانية، بيروت، دار الفكر، ص 7 ـ 27.

[الصفحة - 66]


النهضة الإسلامية التي عمّت أرجاء العالم، وحيث يوجد من آمن بالإسلام مبدأ وعقيدة واءُطروحة حياة. إنّ المسار التصاعدي هذا قد أفقد الآخر صوابه ودفعه إلى حالة من التخبُّط في التصدي للوعي الإسلامي ومواجهته بأي درجة كان وفي أي مكان، فتفنَّن أعداء الإسلام في ابتداع وسائل المواجهة واختيارها، حيث أن الوسائل التقليدية قد استنفدت أغراضها أو أن تأثيرها أصبح محدوداً، وعليه ومراعاة لذلك كله، لا بد من أن يؤدي المثقف المسلم دوره المؤطر بالهدفية وبالوعي بما تقدم، فكما أن الاحتياج إلى الإنماء في الإنتاج الثقافي ـ من حيث الكم لا بد من مراعاة الكيف ـ في ما يصدر باسم الثقافة الإسلامية، ليكون معبراً وعطاءً عن المفهوم الإسلامي في معالجاته لإشكاليات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فلا بدّ من أن يُعتمد ذلك، ويلاحظ ما إذا كان منطلقنا الثقافي اءُسِّس على المسار التغييري، أي بمنظور الهدفية التي غالباً ما يراعى فيها النظر في الإشكاليات المثارة، أو الناشئة بلحاظ الزمن وحركة الواقع الدائمة، وما يفرضه التصوُّر الإسلامي الذي يصوغ ذهنية الإنسان المسلم وشخصيته وأهم خصائص الشخصية الإسلامية، الإيجابية والهدفية، وهما إطار ثقافية هذه الشخصية، أي أسلوبيتها في التعبير والتعامل.
إن عالمية الرسالة الإسلامية وشمولها ظرفي الزمان والمكان تدعوان المثقفين الإسلاميين لطرح الرؤية الإسلامية في ميادين الحياة المختلفة، ولا بد لنا من الاعتراف بأن طروحاتنا قاصرة عن بلوغ الرؤية الإسلامية في جوانب كثيرة، فضلًا عن كثير من الآراء الإسلامية التي لم تزل في دور البذرة أو البادرة، وهي تحتاج إلى الإبراز من مكامن السبات والكمون، ليقول الإسلام كلمته عالية في المجتمع وروابطه واءُسس هيكليته وعناصرها ونظرية السلوك الإسلامية ونظريته السياسية التي لم تزل في قال وقيل مع الاحتياج في الكل للخضوع إلى القاعدة: «ما من واقعة إلّا ولله فيها حكم»؛ ليكون المطروح رؤية الإسلام لا رؤيتنا ومتبنياتنا نحن.
إن البعد عن المفهوم الإسلامي والقرب منه يثيران جملة من التساؤلات عمَّا يصدر هنا أو هناك من قراءات تنسب، بشكل أو بآخر، إلى الثقافة الإسلامية وإلى الفكر الإسلامي، فهل استوعبت نتاجاتنا الثقافية الواقع بلحاظ الرؤية الإسلامية؟ وهل كل ما يصدر عن المثقفين الإسلاميين هو تعبير عن الفكر والثقافة الإسلاميَّين؟
________________________________________

[الصفحة - 67]


وما هو المعيار الثقافي الذي يحتكم إليه للتعرف على البعيد أو القرب من المفهوم الإسلامي، إلى غير ذلك من التساؤلات التي يفرضها الواقع ويتطلبها بلوغ الهدف في الفكر الإسلامي بفاعليته وتأثيره اللذين أشادا حضارة إنسانية امتدت، وعاشت في ظلالها الوارفة أجيال، ونحن اليوم نعيشها في دولة وصحوة هما نتاج تلك الحضارة، والتي تجسدت مبادئها وعقيدتها واقعاً حياً متحركاً مع امتداد تاريخ الوجود الإسلامي.
إن البحث عن إجابات لتلك الأسئلة لا يعني أن الثقافة الإسلامية تعاني شحّاً في الإنتاج أو النقص، بل ربما تعاني من التضخم في الموضوع الواحد بالنسبة للمطالع والقارى، وهو الذي يدعو إلى البحث عن معيارية ثقافية.
والمعيارية، لها من جهة دور الإفادة في التمييز، ولها من جهة أخرى أهميتها في الإبداع والابتكار والتأسيس، فالقيد «مهر الحرية»، وإننا حملة رسالة وفكر فلا بد من أن يكون عطاؤنا ونتاجنا عنها، ويعود إليها، فالإسلام هو المحور في حياتنا وثقافتنا وفكرنا وتعاملنا بأوجهه المتعددة. وبهذا يكون إسهامنا تجاه إسلامنا وتجاه الإنسانية التي ترسف في قيود الضلال والتيه والضياع والقلق، فقد أحاطت بها جميع تلك العاهات المزامنة لانحسار الإسلام، وتفرد الغرب بالقوة وسبل الدمار والهلاك المُقنَّن لما أحرزه من تقدُّم في الجوانب التكنولوجية والعلمية (سحر العصر)، وقد مثلت الحربان العالميتان: الاءُولى والثانية مظهرين لرؤية الغرب ومنهجه في التعامل مع الشعوب الأخرى، إذ إنهما تعكسان نظرة الاستعلاء للذات ونظرة دونية للآخر.
وإن اختلفت الرُّؤى، في تحديد مفهوم الثقافة، وما يمكن أن تنطوي عليه المفردة من دلالة، وسواء كانت تعني الكل المركب من الأخلاق والفنون والمعتقدات (تايلور)، أم المحيط الذي يشكل الفرد شخصيته فيه (مالك بن نبي) أم غير ذلك من التحديدات التي عرفت بها الثقافة، فتبقى حقيقة في كونها سمة تميز الفرد والاءُمة وتصبغ شخصيتهما، فهي نتاج حضارة وليست وليدة مرحلة متقدمة للحضارة كما هي في بعض القراءات الغربية ذات المرجعيَّة الفكرية التي تنحصر بالمنفعة الشخصية، والتي مقياسها المفهومي في التعامل: «دعه يعمل، دعه يمر» (6)، باعتبار ذلك مظهراً لـ «للاقيد» الذي يؤطر حياة الغرب.
________________________________________
(6)العلوان، د. هاشم عباس، النظرية الاقتصادية، مطبعة الجامعة، بغداد، العراق، 1970، ص 57.

[الصفحة - 68]


وفي نظرةٍ تحليلية لمفهوم الثقافة، أو إذا قمنا بتفكيكه وفاقاً للمعطيات المعرفية والعملية نجد أنّ للثقافة شقّين:
الأول: يرتبط بالاءُسس والاءُصول المفهومية والمنظومة المعرفية، ويتسم بالثبات، ووفاقاً له تتحدّد قيمة الأشياء والقبول والرفض.
والثاني: وهو ما يتصل بـ «الأسلوبية» في التعامل والتفاعل والتعبير ممارسة للواقع لوصفه، مظهراً للشق الأول ومرتكزاً عليه، وبهذا تتقوم ثقافة الإنسان المسلم، وتصاغ شخصية الاءُمة ويَضفِيان عليها صبغة وتتميز بها عن غيرها من الاءُمم، مع ملاحظة أن النسبي والتغير يكونان في الشق الثاني، أي في وسائل التعامل وطرقه، مع خضوعها صدوراً ووروداً إلى الإطار المرجعي الإسلامي ـ العقيدة الإسلامية ـ ومن هنا يتضح لنا أن الثقافة الإسلامية تستند إلى تصور شمولي في جانبها المعرفي، وبالتالي فهذه حقيقة تشير إلى مسألة الثبات في الثقافة الإسلامية، أي أنها لم تتشكل مع التقادم في الزمن ووفاقاً لممارسات وخبرات اجتماعية وموضوعية تألفها اءُمة أو شعب كما هي في «حالة الغرب» التي أفرزت التطورية الدارونية، والتي اءُسس على ضوئها العديد من النظريات في ميادين شتى، والنسبية الاجتماعية، وهذا كله يعزى إلى عدم وضوح مفهومي وتجميعية البنية الثقافية لتلك الحالة. فكثرة النظريات التي يتضمنها خطاب الغرب في تفسير التأريخ والنظر إلى دور الإنسان والاجتماع والسياسة، هي مظهر لفقدان تلك المرجعية العقديَّة والفكرية، أو عدم واقعيتها وعدم شموليتها، بيد أنَّنا نجد أن واقعية العقيدة الإسلامية وحيويتها قد تجلّيا في حضارة إنسانية امتدت أربعة عشر قرناً ـ ولولاها كما يقول «غوستاف لوبون» لتأخرت حضارة أوروبا خمسة قرون ـ وفي إنسانية التعامل مع الآخر، أي أهل الذمة، الذين رعتهم الدولة الإسلامية، وسمحت لهم بممارسة شعائرهم وطقوسهم من دون ضغط أو إكراه، وكانت معاملتهم وفقاً لمبدأ مفاده أنَّ الخلق ينتسبون لآدم (عليه السلام) ، وأنهم عباد الله تعالى بغض النظر عن ديانتهم، وقد جسّد التسامح معهم، من قبل المسلمين، تعاوناً مع الجيش الإسلامي مقابل الكيانات التي كانت تسومهم الذل كما ينقل لنا التاريخ.
________________________________________

[الصفحة - 69]


فلم يكن ذلك التعامل يختزلهم، فكرياً وثقافياً وإنسانياً، هكذا منطق الإسلام وفاقاً لقاعدته الفكرية للتعامل مع الآخر، ويضاف إلى ذلك، لتكتمل لنا واقعية مرجعيتنا العقديَّة وحيويتها أننا نعيشها اليوم في ظل دولة مباركة وصحوة عمت أرجاء العالم الإسلامي وعلى مختلف المستويات.
وتعزيزاً لدور عقيدتنا في الحياة، ودوام صحوتنا، ينبغي أن ندرك عظم المسؤولية التي علينا حمل عبئها، بوصفنا مسلمين آمنا بالإسلام عقيدة ومنهجاً ونظام حياة، أولًا في توسيع دائرة تفعيل المفاهيم الإسلامية في الواقع والارتفاع به إلى مستواها، وتظهر لنا أهمية دور المثقف المسلم ثانياً في استناد مرجعيته العقديَّة والصدور عنها في تحجيم دائرة تأثير الآخر في الوسط الإسلامي فكرياً وثقافياً؛ وذلك يشكل مظهر الحضور المفهومي الذي هو مرآة تعكس وضوح الرؤيا التي يتمتع بها المثقف الذي يصدر عن «مرجعيته»، مُبتعداً في ممارسته عن تغيب المفهوم العقيدي، ومؤطراً نتاجه به وصادراً عنه، وذلك دالة الانتمائية والاعتقاد بالله والإسلام، فـ «بعد أن آمن الإنسان بالله والإسلام والشريعة، يصبح ملزماً بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية، وباتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة، ولأجل هذا كان لزاماً على الإنسان أن يعين هذا الموقف العملي ويعرف كيف يتصرف في كل واقعة» (7) .
تعني الدلالة المفهوميَّة التي ينطوي عليها النص استبعاد المواقف المتبنَّاة إزاء ما يصادفه المسلم من الهموم والقضايا المتبناة على أساس خيال تصوري مسبق أو تبعي في المحاكاة والتقييم والحكم، بل وحتى في القبول والرفض، وبالتالي مؤدَّى ذلك إلى اختزال ممارسة الواقع وفاقاً لـ «التصور الإسلامي»، وهذا يعني أخيراً التكيُّف مع الظرف الطارى لا تكييفاً للواقع وتحريكه تبعاً لذلك التصور، ومن ثم الارتفاع بالواقع وتغييره بإخراجه من دائرته المفهومية التي هي مظهر لحالات الصدور عن السائد من المفاهيم التي خلقت المسار الاجتماعي والثقافي وفاقاً لتصوّر الآخر، والمحصِّلة هي خروج ورد على «المرجعية العقديَّة» وبذلك يكون «الاغتراب» عنها، ويلاحظ في قراءات كثيرة، هنا أو هناك، هي من دون شك ليست بالمؤسسة ولا بالمبررة، وتعزى إلى قصور في الفهم وفصام عن تلك المرجعية،
________________________________________
(7)السيد الشهيد الصدر، دروس في علم الأصول، ج1، ص 41.

[الصفحة - 70]


وأخيراً يعود إلى عدم توافر الكثيرين على مقوم الشخصية الإسلامية، أعني «وضوح الرؤيا» المرتكز على واقعية المفهوم المرجعي وشموليته.
وبعد هذه المقربات، لا بد من النظر في جملة من القضايا ذات العلاقة الموضوعية في الإنماء الثقافي، بلحاظ التأصيل والتعبير عن الهوية والذات وفاقاً للرّؤية التي تعد «الثقافة» حقيقة موضوعية وسمة شخصية الاءُمة والفرد، وترى أنها مظهر «المرجعية العقيدية» المتصل بالمنظومة المعرفية واءُسلوبية التعبير، توسيعاً لدائرتها، أو مراعاة للتبادل والتأثير والتأثر بالآخر وفي الوسط الاجتماعي المعيش.
الفعل والنظرة المستقبلية
إن اطرادية الصَّحوة الإسلامية وموقف الآخر المتشنّج منها مؤشران على حيوية العقيدة الإسلامية في القيمومة على حياة الاءُمة، واستيعاب مشاكلها والرقي بمستواها والنهوض بها على صعيد أداء دورها الرسالي ـ المرجعي والشهادي ـ بوصفها اءُمّةً وسطا، أي حاضرة وفاعلة، وعليه فلا بد من الإسهام تأسيساً في الثقافة بشقيها المعرفي والأسلوبي لرفد الصحوة وإدامتها وتعميم الوعي واليقظة الإسلامية، ولا يتأتى ذلك إلّا بتخطيط وبرمجة ممنهجة لعمل ثقافي على ضوء استراتيجية ـ أولويات ـ محددة المعالم، وبذلك يتاح لنا الخروج من قيد الانشداد للحالة الماضوية التي تختزل «الفعل» و «الزمن» ـ الكينونة الحضارية ـ والمعبرة عن عدم توافر أسلوبية ممنهجة، فتتاح بذلك للآخر فرص نفوذ أكثر على حياتنا بأبعادها الفكرية والثقافية والسياسية... الخ.
إن تحديد الغاية والأهداف المرحلية على ضوء المتاح من الإمكانات والتطلع إلى غد أفضل، ومن ثم توسل الطرق والسبل الموصلة إليها، بلحاظ الزمن، على أي مستوى كان فردياً أم اجتماعياً، ضرورة يفرضها عالم التغير ويتطلبها تجذير وجودنا الحضاري، فالسعي والعمل الدؤوب الجاد مَنْحيان نحو مستقبل يشير إلى التحول من حالٍ إلى حال، وإلى تجاوز «سكون الحالة الدوران»، كما هو مستوى مُعَبر عن تطور ورقي في السلوك الإنساني ـ المعرفي والتعاملي ـ والذي يعد تلبيةً لحاجة، أو ميل
________________________________________

[الصفحة - 71]


إنساني صوب «الخلود»، تحقيق الذات، و «التكاملية»، وهاتان نقطتا اشتراك في الطبيعة الإنسانية ابتداء وانتهاء.
وما الركون إلى الماضي، ضمن الحالة الساكنة، إلّا تعبير عن التيه والنكوص الفعليَّين والسير في دائرة الانغلاق التي تتساوى فيها البداية والنهاية، وبالتالي فلا نقلة للفعل ولا للعقل في صيرورة التكامل والحضور والإشهاد.
وبذلك، فلا الفرد أسهم في بناء المركب الاجتماعي الذي هو لبنة فيه ولا في ترميمه، ولم يكن مجتمعه إسهام في رفد الإنسانية بنتاج حضاري موسوم بوصفه علامة عطاء ذلك المجتمع وثرائه.
وما حالتا «الجري» و «التقليد»، في أية دائرة كانت، خصوصاً الفكرية والثقافية إلّا تعبير عن الجمود أو الدوران الموضعي «غير الانتقالي»، والذي لا شك في أنه ماضي معاش يحكي تخلّفاً، أو ماضي حاضر لا أكثر. أي ليس له إمكانية التفعيل، فالوقوف أو الرجوع كلاهما يُعَدّ ماضياً ـ جرياً أو تقليداً ـ من دون ما إدراك أو إخضاع إلى معيارية ترقى وتسمو بالإنسان ـ «الفرد والمجتمع» نحو مستقبل مؤمل ـ منتزعة من وجهة النظر إزاء الإنسان ودوره في الوجود.
إن الحاضر خطوة وبدء مسيرة مستقبلية إذا ما استبطن «الحاضر» وحمله التحول والتغيير، وعبر عن نمو وتطور معرفي وأسلوبي منظور في ذلك الواقع بظرفيه ـ الزمان والمكان ـ والغاية المنتظر تحققها في نهاية الشوط بوصفها مؤشر مبدئية الفعل، وإن قراءة الأثر «الحي» عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ؛ حيث قال: «فلينظر ناظر أسائر هو أم راجع؟» (8) تظهر أن للأثر ديمومة الحضور المعياري في جانبي الشخصية الإسلامية ـ المعرفي والسلوكي ـ في مسارها التعاملي، فيرسم لنا صورة عن فاعلية الإنسان المسلم في المسيرة التكاملية وهي الانتقال السلمي المراعى فيه عنصر الزمن تفاعلًا بين المستقبل ـ وهو السير ـ وبين الماضي وهو العودة إلى نقطة البدء، فالإبداع والتأسيس الفكري والثقافي عملية مصاحبة القصد والهدفية لعمل المفكر والمثقف المسلم بلحاظ الواقع من خلال اكتشاف آلياته ومتغيراته وما يصدر عن الآخر وضبطها، سواء ما ينفذ إلى المحيط الإسلامي أم سواه من دون إغفال وسائله
________________________________________
(8)الآمدي، درر الحكم وغرر الكلم.

[الصفحة - 72]


المتكاثرة كماً وكيفاً وما يمتلك من إمكانات هائلة تصب جميعها في التمهيد له، وتيسير عملية النفوذ محاولة منه للتأثير بأي قدر ممكن فينا.
فمعرفة مؤشرات التغير الاجتماعي، فكرية وثقافية واجتماعية ـ إنسانية أو موضوعية ـ تسهم في الارتقاء بفعلنا، وفي ما ينتج عنا إلى مستوى المفهوم الإسلامي عند منهجة برنامج زمني بمعية خطة محددة الأهداف، لنكون قد وضعنا قدمنا على طريق مستقبلي واضح المعالم، وخرجنا بذلك من «دوامة الجري والتقليد» غير الواعيين، فنسير بدليل على خط مستقيم.
فالتوقف وإعادة التقييم بين الحين والآخر، للموازنة والنظر في ما نحن فيه وما نبغي الوصول إليه، أي المحاسبة لما قدمنا من إسهام في إثارة الوعي والتثقيف وفي البناء واستمرار الصحوة، ومن ثَمَ الانطلاق بخطى أخرى في سبيل تقويم الفكر والسلوك صفةٌ حضاريَّة، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير إلا بعداً»(9).
ونخلص من قراءة نصَّي الإمام علي (عليه السلام) إلى ما يأتي:
ـ النظر: ممارسات العقل المكوَّن بمقايسة الفعل.
ـ السير: النتاج الصادر إسهاماً في بناء المستقبل (الديمومة والاستمرار).
ـ الرجوع: عودة إلى نقطة الشروع والوقوف، كلاهما ماضٍ غير منتج فلا «إسهام نهضويَّاً».
ـ العامل: الشخصية الإسلامية تكاملية العقل بالفعل.
ـ البصيرة: هي المعيارية والإطار المرجعي اللذين تحاكيهما نتاجاتنا ـ وهو ما يصح أن يطلق عليه «عقل مكوِّن» ـ للارتفاع بالواقع بمتغيراته إلى مستوى المفهوم، لأننا حملة رسالة ربانية، وبذلك «النظر» و «السير» على «بصيرة» تحدد معالم المستقبل.
الاستشراف في النتاج الثقافي
تكون قراءة الفعل بلحاظ الزمن، فكل عمل يسهم في البناء الاجتماعي، ديمومة وتجديداً بأية نسبة كانت، هو فعل مقروء، فيه تحديد ملامح المستقبل
________________________________________
(9)م.ن.، ص 320.

[الصفحة - 73]


ومعالمه، فعلى موقف الشخصية الإسلامية من الأحداث والظواهر يرتكز المقياس العملي، وهو بعد خطوة نحو غاية مستقبلية، ويتحدد هذا المفهوم على ضوء مدلول الآية المباركة: {ولِتنْظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ} [الحشر/18].
وإن دلَّ النتاج والفعل على اقتفاء أثر الغير (أعم من الآخر)، والاقتفاء تقليد، فيكون النتاج والفعل قد فقدا الغائية أولًا، ولم يستندا لوجهة النظر الإسلامية ثانياً، فهذه حالة تكرارية للسائد، أي لا تعد إبداعاً وابتكاراً، وبكلمة تلخص ذلك كله: إن هذه الحالة لا تضيف شيئاً، بل هي تأكيد للحالة السائدة، فهي ماضٍ من دون شك.
إن الفعل المنتج يؤسس على ضوء معيارية أو إطار مرجعي لتجاوز الحالة السائدة الناشئة عن الابتعاد عن تحكيم الإسلام في الحياة، وبذلك يُحرَّك الواقع ويفعَّل وفاقاً لوجهة النظر المتبنَّاة فيها، فالحاضر خطوة بدء دائماً.
فالزمن والفعل خط إنتاج تتمّ فيه الخطوات كي يكتمل البناء بتتابع وضع اللبنات بعضها فوق بعض، فكلٌّ يسهم فيه حسب استطاعته، فالمستقبل إيضاح لمبهم أو إضافة أو إبداع في جانب لم يتناول بما يتناسب والواقع ـ بظرفية الزمان والمكان ـ والارتفاع به إلى مستوى المفهوم، فيكون بذلك سمة خصوصية لنمو الوضع وتغيره تجاه ما خطط له أو ما هو مطلوب أن يكون.
يُفهم الانشداد إلى الماضي، أو الحالة الماضوية، بفقدان الهدفية والقصد في الفعل والتصرف بأي شكل كان، لانعدام الرؤية المستقبلية التي تعني إما توقف، (تكرارية الفعل) وما ينتجه العقل وإما رجوع وعودة إلى حالة سابقة تعبر عن الاعتياد استسهالًا، لأنه عبارة عن نقل واستنساخ لفعل وناتج الغير، فلا يحتاج إلى كثير عناء وبذل جهد كالتأسيس والاكتشاف والإبداع، وهذه أمور تُظْهر الإمكانات والقدرة العقلية والقابلية على تشخيص المتغيِّرات.
الثقافة والتأثير المتبادل
إن الثَّقافة ظاهرة موضوعية رافقت الوجود الإنساني على البسيطة، فكما هي تسمُ شخصية الأمة هي، أيضاً، عنصر مقوم لها، وهي الإطار الذي تتأطر به
________________________________________

[الصفحة - 74]


الشخصية الفردية، والتعبير عن مستوى ودرجة ما تحمل هذه الشخصية من وعي ووضوح رؤيوي من خلال التعامل داخل دائرة المجتمع، أو مع الآخر، فالثقافة هي «أسلوب الحياة في المجتمع» كما يراها «هاري شاپيرو» (10).
الحراك الثقافي
إن ثقافة التعامل مع الآخر تتخذ أوجهاً أهمها:
1 ـ التبادليَّة الثقافية في المجال المسموح به وفاقاً لمعياريَّة مستندة إلى تصوُّر شمولي يُرجع إليه في تقبّل الآخر والإفادة منه، من دون مساس في الشكل والمحتوى الذَّاتيَّين للشخصية الحضارية بسمتها المميزة.
2 ـ التَّعارض: ويبنى عليه الرفض لنتاج الآخر والتحصُّن إزاءه، تبعاً للمعيارية المرتكزة في الحكم والتقييم، ومن ثم الرفض وإخفاء ما يصدر منه بالتأسيس لا بالإعراض والإحجام فحسب، محاولة لتجاوز خطوط الدفاع ووضع الحواجز خارج الدائرة الثقافية والاجتماعية بغية إشغاله والتأثير فيه بأي مستوى كان.
3 ـ الازدواج: ويمثل حالة انقسامية، أو خروجاً عن البنية الثقافية التي توسم بها الشخصية الفردية والاجتماعية، وتعود مثل هذه الحالة للشعور المفرط بضرورة تقليد الغالب أو المتفوق، ويعزوها التحليل النفسي إلى «عقدة الحقارة» والشعور بحالة «مركّب النقص» التي يعيشها الأفراد لفقدانهم الوضوح المفهومي، وهذا المركَّب عليه، أو ينشأ عنه، ازدواج الشخصية، وقد ورثنا هذه الحالة عن مرحلة التخلف وعصر تسلط الآخر الذي عمل بكل ما أتيح له من سبل ووسائل لإبقائنا على تلك الحالة وإذابة أمتنا في كيانه الراهن لا الحضاري من أجل استمرار ذلك الشعور، وتجذير التبعية فينا.
وعلى ضوء ما تقدَّم، تظهر ضرورة المعيار والضابط في المقايسة والاستعارة أو الرفض والقبول لنتاج الآخر وثقافته، وفي صيغة التعامل معه. وسواء أكانت الثقافة هي «المحيط» أم «الكل المركب» أم «الموروث» من عادات وأفكار يتكون فيها «مبدأ خلقي» وتنشأ منها عقلية خاصة، حسب «مالك» أو «تايلور» أو «لاوست»
________________________________________
(10)هاري شابرو، نظرات في الثقافة، ص 3.

[الصفحة - 75]


أو سواهم، فالثقافة لها شقان: أحدهما يرتبط بالاءُسس والاءُصول المفهومية والمنظومة المعرفية والثاني يرتبط أو يتصل بـ «الأسلوبية» في التعامل والتفاعل والتعبير عن الشق الأول، وكل منهما يسهم في تكوين شخصية الاءُمة وأفرادها ويضفي عليها الطابع المميز والصيغة الخاصة التي تميِّزها من غيرها، على رأي الكثير من علماء الاجتماع والانتروبولوجيا الحضارية» (11) .
الثقافة إمَّا أنها تستند إلى وجهة نظر مرتكزة في إطار منهجي محدد وإما أنها تتشكل وتتهيكل مع التقادم الزمني ووفق ممارسات وخبرات اجتماعية وموضوعية تألفها اءُمة أو شعب، وتتواضع عليها. وفي كلا الحالتين تتحدد وسائل التعامل مع الآخر وطرقه في منحنى نمطي للقيد أو اللاقيد في الانفتاح عليه، ولكل منهما درجة أو نسبة سماح تتبع المقياس المعتمد في هذا المجال.
التأثير الثقافي
فالتأثير والتأثر الثقافيان حقيقة قائمة لا يمكن تجاهلها، ولها حضورها النسبي على الامتداد الزمني لمحور العلاقات والاحتكاك بين الاءُمم والأقوام، فليس لاءُمَّة أو شعب الاستقلال أو الانعزال في ظرفية زمانية أو مكانية معينة، وإن استقراء التاريخ المدوَّن والواقع الحالي يدلنا على ذلك.
كما أن التأثير الثقافي (التفاعل)، بشقيه: السلبي والإيجابي، له مناحٍ نمطية، فالإيجابي إما أن يكون بالإفادة من نتاج الآخر، أو بتفعيله لإدخاله ضمن الدائرة الثقافية في أحد المستويين: المعياري أو الأسلوبي.
ويكون التأثير الثقافي السلبي بنمطين إما بـ «الغزو الفكري الثقافي» للآخر أو بالتقبُّل غير المشروط، وعلى ضوئهما تنشأ حالة الازدواجية والتهجين الثقافي، وربما يكون للتأثير السلبي منحى آخر بوصفه محفّزاً للتأصيل وبذل الجهد في عملية تنمية وبناء تأسيسي وثقافي مقابل الصادر من الآخر، بوضع حاجز محيطي للحفاظ على بنيوية الثقافة بوصفها سمةً للشخصية الحضارية. فحالة التبعية والانقياد والخضوع التام التي ألِفَها بعض أبناء الاءُمة الإسلامية قد عاشها إنسان الغرب يوماً ما، حين كان مبهوراً ومشدوداً لنتاجنا الثقافي وعطائنا الحضاري (الفكري والمعرفي)، وقد تنبه
________________________________________
(11)أوتو كلنبرغ، علم النفس الاجتماعي، ص 91.

[الصفحة - 76]


الأوروبيون أنفسهم، منذ زمن بعيد، إلى تأثير الفنون الإسلامية في فنون الغرب. فكتب «سميث» مقالًا حاول فيه تفسير شريط الكتابة الكوفية في صندوق العاج الشهير بكاتدرائية «بايه»، وأشار إلى تحفة فنية ـ موجودة الآن في متحف ليون ـ ظن أن فيها تقليد حروف عربية (12)وقد سبق احتجاج تراث البابا «اتسونت الرابع» «سميث» هذا بما يزيد على خمسة قرون على ما فعله البنادقة ـ عمل البندقية من صك نقود ذهبية ـ وقد نقل حرفياً كتاباتها، وهي تقليد لدينار عربي ظاهر فيه التاريخ الهجري (157هـ)، فقد وضع اسم الملك «أوقا» في وسط العملة تحيطه الكتابة العربية والتاريخ الهجري.
ويختم «كريستي» كتابه بقوله: «وخلاصة ما ذكرناه، في هذا البحث، أن دَين العالم الغربي للإسلام في فن العمارة كبير في مجموعه» (13).
كذلك ينقل أن واجهات كنائس وقبور مسيحية قد تأثرت بالمساجد الإسلامية، ويدل هذا النقل والتقليد من قبل الأوروبيين على تفوق المسلمين آنذاك، لتمسكهم بإسلامهم وحفاظهم على أصالتهم، وصفة المغلوب والضعيف هي تقليد من يتوسم فيه صفات التفوق عليه بأية درجة كانت كان ذلك التفوّق.
ولا بد من أن نشير إلى اعترافات مفكري الغرب وفلاسفته، يقول غوستاف لوبون: «لولا حضارة العرب لتأخرت حضارة الغرب خمسة قرون»، كما وأن «هاري شاپيرو» أشار إلى دور الثقافات التي استولى عليها الغرب في عصر الاكتشافات والاحتلال في بناء تقدمه وازدهاره الحالي (14).
ولقد قدّر «سير دوك» هذه الثقافات التي نقلت إلى الغرب بنحو ثلاثة آلاف ثقافة يتميز كل منها بخصائص معينة، وهي تعود إلى عصر الاكتشافات الذي افتتحه الملاحون البرتغاليون في القرن الخامس عشر الميلادي، حينما كان الأوروبيون ينتشرون في جميع نواحي العالم (15) .
إن عمليات الانفتاح والازدواج، أو التهجين والغزو الثقافي والفكري، ملاحظة ولها واقع من دون أدنى شك، فالغرب حين أخذ منا لم يكن لديه معيارية أو ضابطة للاستعارة، غير أنه كان يرى مثلما ننظر إليه اليوم بأنه قد أحرز سبق التقدم والتطور،
________________________________________
(12)كريستي أرنولد، تراث الإسلام، ص 3 ـ 5.
(13)م.ن.، ص 155.
(14)محمد حبش، المسلمون، ص 30.
(15)نظرات في الثقافة، م.س.، ص 22.

[الصفحة - 77]


وأعمل وسائله المختلفة في استغلال موارده، فهو متفوق علينا اليوم كما كنا نحن سابقاً، غير أنا نباينه في حالته السابقة بامتلاكنا معيارية في التقييم والحكم لم يمتلكها هو آنذاك.
وعليه، نسأل وبغية أن يكون لمثل هذه المواضيع أهمية على ساحتنا الثقافية والفكرية: لماذا نطالب نحن بالانفتاح على الآخر؟!!
ولماذا يسعى الآخر لإفنائنا في ما ينتج وتصطبغ شخصيتنا بصبغته؟!
فنحن اءُمة عطاؤها حاضر خلال أربعة عشر قرناً وآثارها شاخصة في أرجاء العالم الغربي.
في التنمية الثقافية
إنَّ المقوِّم الأهم في عمليات التغيير الاجتماعي، ومحاولة إيصال الفرد والمجتمع إلى مستوى معين من الوعي، وتمثُّل المفاهيم المرتكزة في إحداث التغيير والتحول الاجتماعي، هو توسيع المساحة المُفعَّلة ـ أي المصاغة وفقاً لها ـ بتلك المفاهيم المراد بناء شخصية الإنسان على ضوئها، ولا يتم ذلك إلّا عن طريق اتباع منهج مخطط واستراتيجية محددة الأهداف، وبالتالي تفعيل الواقع الاجتماعي ضمن الإطار المفهومي، والإفادة من التجسيد الواعي لحملة الفكر في تيسير عملية التبني وإيضاح واقعية المفاهيم في حل إشكاليات الحياة الاجتماعية، والتي تسهم من دون شك في اتباع دائرة التأثير والجذب تجاهها، والتنمية مفهوم شاع استعماله وتداوله عُقيب الحرب العالمية الثانية، وكان إطلاقه قبالة التخلف الذي تعاني منه المجتمعات المتخلفة خصوصاً في الجانب الاقتصادي.
فالتنمية، بالمعنى الشامل، هي وضع أهداف واختيار وسائل لبلوغ تلك الأهداف في أي ميدان من الميادين، بلحاظ أن تكون تلك الأهداف والوسائل مؤسسة في ضوء التصور المنتجة عنه، لتلافي حالات الإخفاق والإحباط التي تصادف الخطط التنموية، لتعارضها مع توجُّهات الإنسان وتطلعاته وآماله التي لها ارتباط، بأي درجة كانت، مع ما يؤمن به وما يعتقده، أي مع ما يمثل الإطار
________________________________________

[الصفحة - 78]


المرجعي له، والذي يحتكم إليه في تعامله وسلوكه، بل قد تنبثق عنه آلية السلوك والتصرف واتخاذ المواقف إزاء الأحداث والظواهر المختلفة، فكلما كانت تلك الأهداف والوسائل تحظى بالموافقة والتطابق أو الانبثاق عن التصور العام الذي يعود إليه الإنسان في المحاكاة والحكم، كان ضمان النجاح وإحراز نسبة عالية من التجاوب والتفاعل مع الأهداف والتفاني في تحقيقها، لأنها تعبِّر بدرجات متفاوتة عن الوجود وأداء الدور، وهذا هو وجه الشعور بالمسؤولية المتفرع عن الإيمان والاعتقاد والانتمائية لفكرة وعقيدة ومذهب ما، وما نقصده بالتنمية الثقافية هو المحاولة الجادة التي لا بد من أن يقوم بها المثقف الإسلامي والمؤسسات الإسلامية في الإسهام في نشر الوعي الإسلامي بالصورة التي يضمن فيها التأثير في سلوكية المجتمع، مع تعزيز الممانعة في ذهنية الإنسان المسلم، حيال الوافد من الأفكار والثقافات الأخرى، أو النزعات الانحرافية التي تطلق هنا أو هناك في أرجاء الوطن الإسلامي الكبير، والتي تحسب على الثقافة الإسلامية، وهي في الحقيقة بعيدة كل البعد عنهما، ولا تعبر إلّا عن التبعية ومحاولة الإرضاء الناشئة عن القصور المفهومي الذي يتصف به أصحابها، والمعزز لفقدان حالة التمييز التي تتمتع بها الشخصية الإسلامية والتي تُعد أحد عناصرها (وضوح الرؤيا).
ولا بد من النظر في جملة من القضايا ذات العلاقة الموضوعية في الإنماء الثقافي، بلحاظ التأصيل والتعبير عن الهوية والذات وفاقاً للرؤية التي تعد الثقافة سمة مميزة للاءُمم والشعوب، خصوصاً ما يتصل بالمنظومة المعرفية واءُسلوبية التعبير عنها توسيعاً لدائرتها، أو مراعاة للتبادل الثقافي والتأثير والتأثر بالآخر.
1 ـ تحديد المفاهيم
لكل علم من العلوم وباب من أبواب المعرفة مصطلحات متداولة، ربما تختص به من دون غيره، ومن له أدنى اطلاع عليها يتعرف عند سماعها على المراد منها. ونتيجة لتسارع التطور والنمو والتواصل والتبادل الثقافي والعلمي بين الاءُمم والشعوب، كان لبعض المفاهيم والمصطلحات عمومية وشمول في الاستعمال لخلوها من الخلفية التي ترتبط بالمتبنيات والاعتقاد.
________________________________________

[الصفحة - 79]


والإسلام رسالة سماوية وعقيدة ومنهج حياة، له مفاهيمه، وهذه ذات مدلولات مرتبطة بها ومعبِّرة بنسب مختلفة عن الصلة بالرؤية الإسلامية وفاقاً تجاه الأشياء، وقد لاحظ ذلك الكثير من المفكرين المسلمين، والتزموا ذلك في التعبير عن وجهة النظر الإسلامية في خطاباتهم وقراءاتهم الموضحة لجوانب حياتية وحل إشكالياتها وفاقاً للتصور الإسلامي، فالشهيد الصدر(رض) قد خصص لهذا الموضوع باباً في كتابه: «اقتصادنا»، وأوضح انعكاسات المفهوم على الحكم الشرعي، كما هو في مفهوم الملكية والتداول وما يترتب على ذلك من التزامات وحقوق... إلخ.
وقد أشار سيد قطب إلى ذلك عندما عنون كتابه: «نحو مجتمع إسلامي»، وأضاف إليه صفة «متحضِّر»، ثم عاد واعتمد الإطلاق في العنوان «مجتمع إسلامي»، لأن الإسلام هو الحضارة، والمجتمع الملتزم به دون شك مجتمع حضاري، فلا ضرورة للجري والتقليد مراعاة للآخر على حساب العقيدة ومداليل مفاهيمها.
غير أنَّا نطالع، في قراءات متعددة ومختلفة المصادر والاتجاهات، محاولات كثيرة لوصف الإسلام بصفات ليس لها مرتكز في المنظومة المعرفية، وهذه المحاولات الاستجدائية ما هي إلّا تعبير عن ضعف الوعي الإسلامي لهؤلاء وعدم إحاطتهم المعرفية بالإسلام عقيدة ومنهج حياة، فضلًا عن الارتباط بالسماء، والمثقف الإسلامي المؤمن بالإسلام نتيجة لوعي سابق لا تكون له الحرية في التعبير كيفما اتفق من دون الخضوع للإطار المرجعي الإسلامي.
وإنَّ القرآن الكريم يضع أمامنا منهجاً متميزاً للتعامل مع الآخر، وفي التعبير عن وجهات النظر، حتى أنه منع من استعمال الألفاظ التي لها صلة وارتباط وخلفية غيرية كما في قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقُولُوا راعِنَا وقولوا انظُرْنا..} [البقرة/104].
والمعروف أن هذه الكلمة سبٌّ بالعبرانية كما ورد في بعض الروايات (16)، وعلى غرار ذلك، في الوقت الحاضر، نجد الكثيرين ممن يحسبون على الفكر الإسلامي يحاولون أن يؤطروا الديمقراطية بالإسلام، أو الإسلام بالديمقراطية، وإن
________________________________________
(16)الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ج1، ص 278.

[الصفحة - 80]


الديمقراطية كما هي في تصور بعضهم «ليست مجرد شكل، وإنما أيضاً مضمون ورؤية للفرد والقيم والعلاقات السياسية والاجتماعية». وعلى هذا المدلول، فهي مقابل الإسلام عقيدة ونظاماً ومنهج حياة، فإذا كان «ما من واقعة إلا ولله فيها حكم»، فقطعاً هذه المحاولات تعبر عن تبعية ونكوص وشعور بالنقص إزاء ما يصدر عن الغرب ليس إلّا، والنظر إليه نظرة إكبار في مقابل نظرة احتقار للذات.
إن هذا المصطلح أخذ مداليل متعددة ومختلفة (حكم الشعب) أو (حكم الأغلبية)، علاوة على التعددية الحزبية، وهي بجملتها بعيدة محتوى ومضموناً عن الرسالة الإسلامية بأبعادها، ومرجع هذا التبعية يعزى من دون شك إلى الاستغراق في البعد السياسي غير المؤسس على منظومة معرفية، وإلى التوجيه الخاطى صوب السلطة بنظرة غيرية تفتقد الجذر العقيدي المقوم.
2 ـ الإسلام والواقع
والثَّابت أن الإسلام رسالة ربانية تتصف بالشمول والعالمية وتتوجَّه إلى الناس كافة، منذ البعثة المحمدية المباركة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولازم هذه الدعوى أن تكون الرسالة مستوعبة لمختلف إشكاليات الحياة الإنسانية، سواء ما يتعلق بالعلاقة بين أبناء المجتمع الإسلامي أم ما يتعلق بالعلاقة بين الفرد وأسرته أم ما يخصّ العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول الاءُخرى، ولكل ضوابطه ومحدداته وفاقاً لوجهة النظر الإسلامية، وكان المجتمع الإسلامي يضم أهل الكتاب اليهود والنصارى وكانت هناك قوانين توضح ما لهم وما عليهم ضمن أجواء الدولة الإسلامية، وقد روعيت حقوقهم ومنحوا الحريات الكفيلة بممارسة شعائرهم ومعاملاتهم في ما بينهم أو في ما بينهم وبين المسلمين.
وكان لسماحة الرسالة الإسلامية والحكام المسلمين، في التعامل معهم، الأثر البارز في تعاونهم مع الدولة الإسلامية، فضلًا عمن آمن بالإسلام، وقد أسس الإسلام حضارة لم تعرف الإنسانية مثيلًا لها، ولا نزال نحيا في ظلالها الوارفة، غير أن انحسار الإسلام عن الجانب السياسي من الحياة الاجتماعية أفقدها عنصراً أساسيّاً في إغناء التجربة، وتعزيز معطياتها، وكان لعوامل متعددة بمناحٍ مختلفة وعن مصادر
________________________________________

[الصفحة - 81]


متعددة الدور الفاعل في محاصرة دائرة التأثير الإسلامي وتضييقها، ووضع الحواجز بين الإسلام وأبنائه.
فتعدد الأحزاب والمذاهب والتيارات داخل العالم الإسلامي، بحثاً عن طريق للخلاص من عوامل التخلف والتردي والنكوص، طرح بدائل أيديولوجية للقيمومة على حياة المسلمين، بدلًا عن الإسلام وقيادته وقيمومته، فكان الانكفاء والتبعية ونقل تجارب الآخر لبلوغ ما بلغه من تقدم وتطور في الميادين المختلفة إلا في الجانب القيمي الاجتماعي، فإن الآخر يعاني التيه والضياع، ما لم يمكِّنه من الارتفاع والسمو في مجال العلاقات الاجتماعية والإنسانية، فضلًا عن العلاقة الاستعلائية والاستغلالية تجاه الآخر المغلوب اللاهث في جريه خلفه.
وبعد قيام الدولة المباركة (الجمهورية الإسلامية)، ازداد وترسخ الإيمان بقدرة الإسلام وقابليته على قيادة الحياة، وقد استمرت هذه القيادة لأجيال عاشت بعد عهود الاستقلال التي كان الدور القيادي البارز والأهم لمساهمة الإسلام وعلمائه وأبنائه في إبعاد المستعمر عن البلدان الإسلامية، وهذا كان باعتراف المستعمر نفسه؛ حيث علل الروح الثورية بالارتباط بالإسلام والقيادات الإسلامية آنذاك.
وإذا كان المستعمر لا يجهل هذا الدور الذي أدّاه الإسلام على هذا المستوى، فإنَّه كذلك لا ينكر دوره البارز وأثر حضارته في واقع التجربة التي يعيشها الآخر، والتي هي مدينة في بعض جوانبها إلى الحضارة الإسلامية، لذا عمل الآخر ويعمل، متخذاً كافة الوسائل، للسيادة والسيطرة على العالم، خصوصاً بعد إخفاق تجربة الماركسية وتلاشيها أشلاء موزعة، ما أطمعه في الانفراد بقيادة العالم، ولا خطر ولا شيء يقلقه غير الإسلام بمبادئه وتعاليمه السامية التي هي منشأ مخاوفه وعدم استقراره، ما دفعه إلى الصراع العلني في موطنه، كما نرى ذلك في فرنسا الديمقراطية وغيرها من بلاد الغرب، فضلًا عما غرسه من عملاء، وإفادته من المنافقين الذين يمثّلون محطات تعبير وسطية لمفاهيم الآخر وإبرازها بالشكل الذي يغري الجهلاء وأنصاف المثقفين والتبعيين الذين يرون أن تقدم الآخر يعني الاقتداء والاحتفاء بما يصدر عنه بلا قيد أو شرط، متجاهلين أو متغافلين عن قيمومة الإسلام وقدرته على إعادة البناء وصياغته وفاقاً لوجهة نظر استقلالية، فلا يصلح آخر هذه
________________________________________

[الصفحة - 82]


الاءُمة إلّا بما صلح به أولها، ومنشأ الجهل والغفلة هو اختلاف المفاهيم والابتعاد عن الخط الممثل للإسلام والمجسد له، فضلًا عن الاكتفاء الذاتي لبعضهم بما توافر له من فهم من دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، فكانت قراءاتهم وما يصدر عنهم باسم الإسلام مجاراة للمتغيرات وإرضاءً للواقع الذي يعيشه؛ حيث الآخر متقدم وهو متخلف، فلا سبيل إلى أن يوصف بالثقافة والتقدم إلّا بالجري والتقليد وتبنِّي نتاج الآخر وطروحاته وفهمه لوقائع الحياة، فإن لم ينجح الآخر ويوفَّق في المواجهة المباشرة فقد نجح في خلق هذه الطبقة المسلمة بالجنسية والمحسوبة ثقافياً على الإسلاميين.
3 ـ الإسهام الثقافي
ولا بد من مشروع ثقافي تنموي تُلحظ فيه اتجاهات الآخر ومساراته، وفي الوقت نفسه يراعى فيه تعميم الثقافة والوعي الإسلامي بين الجماهير للإسهام في الحد من تأثير الآخر بتوجهاته المختلفة وبأساليبه التي تتوافر فيها مراعاة الظرفية الزمانية والمكانية، ما يسهم في ضمان توسيع دائرة نفوذه التي لا تقابل بأساليب مضادة إلّا ضمن دوائر ضيقة، والسبب يعزى إلى الإمكانات المختلفة له، والتي يعاني منها المثقف المسلم؛ حيث لا مؤسسات ولا هيئات تتكفل ذلك إلّا ما يتاح لأفراد مبثوثين هنا أو هناك للتصدي والمواجهة على قدر استطاعتهم، وما أتيح لهم من أساليب التعبير المحدودة.
ولا بد من أن تتوافر في الإسهام الثقافي جملة من العناصر لضمان الفاعلية والتأثير في اللحاظين أعلاه تجاه الآخر أولًا، وتجاه تنمية وعي الجماهير الإسلامية وثقافتها ثانياً، ومن هذه العناصر نذكر:
(1) ارتكاز التأسيس في الصادر من النتاج إبداعاً واكتشافاً للنظريات الإسلامية التي تعالج الإشكاليات المختلفة.
(2) متابعة الصادر (الفكري والثقافي) عن الآخر، واعتماده للمقارنة مع الفكرة الإسلامية بأصالة الفكر الإسلامي في المحاكاة والمقايسة.
(3) متابعة الصادر داخل الدائرة الإسلامية، والذي لا يمثل وجهة نظر إسلامية
________________________________________

[الصفحة - 83]


بل يعبر عن ازدواجية البعض الحامل والناقل لثقافة الآخر، ومحاولة بيان وجهة النظر الإسلامية المقابلة لتعزيز حالة التمييز بين النتاجين لدى القارى المسلم، وهو عامل في بث المفاهيم والثقافة الإسلامية وتنمية.
(4) إن الدور الأكبر يبقى للمؤسسات ورعايتها للحركة الثقافية وإسهامها وتبنيها لذلك عن طريق الندوات الثقافية، أو تشكيل اللجان والهيئات الثقافية على مستوى الرقابة ورعاية الحركة الثقافية من أجل الإسهام البنَّاء في إحياء الفكر الإسلامي والتصدي للهجمة الشرسة المؤسسة من أجل إذابة المثقف والمفكر، فضلًا عن الحد من تأثير التيار الإسلامي في دائرة الاءُمة ودائرة الآخر.
وعليه، ووفاقاً لذلك يكون بالمقدور مواجهة التحديات التي تواجهها أمتنا وعقيدتنا والأجيال الإسلامية اللاحقة، ونضع بالتالي إشارات دالة كما هي في الوقت نفسه حواجز أمام الأفكار والعقائد الأخرى من التأثير الواسع في الوسط الثقافي والفكري الإسلامي.
________________________________________

[الصفحة - 84]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف