البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق الإنسان وإشكاليَّات النَّظريَّة والتَّطبيق جولة في حقوق الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام)

الباحث :  د. السيد مصطفى محقق داماد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  31
السنة :  السنة الثامنة خريف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1247

حقوق الإنسان وإشكاليَّات النَّظريَّة والتَّطبيق جولة في حقوق الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام)

د. السيد مصطفى محقق داماد (*)

مقــدمـــــــة
حازت مسألة حقوق الإنسان على اهتمام العالم المعاصر، وإن لم تحظ، قديماً، بما تحظى به، اليوم من اهتمام، فإنه من الواجب الاعتراف بأنها عرفت من قبل عناية، لكن الموضوعات المتعلِّقة بها قد زادت زيادة ملحوظة في القرن الأخير.
تمثِّل هذه الوريقات قراءة في أصول مسائل حقوق الإنسان ومبانيها، وأهمها عند الإمام علي (عليه السلام) . وتجدر الإشارة إلى أن الحديث عن حقوق الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام) قد يكون أفضل ما وجد في هذه الجهة الحقوقية على الصعيد الإسلامي، وذلك لأنَّه (عليه السلام) ـ باعتراف الجميع ـ أفضل شخص مطّلع على الإسلام بعد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أخذ بأزمَّة الدولة الإسلامية وصار حاكماً ـ ولو لمدة وجيزة ـ على المجتمع الإسلامي، وواجه في زمان حكومته تنوُّع القوميات واللغات والأديان الخ... أكثر من أي وقت مضى، كما أن بعض الجماعات السياسية والعقيدية والكلامية كانت آنذاك قد بدأت بالظهور في أطراف الدولة الإسلامية المترامية، إضافةً إلى أنه مرَّت على تاريخ الإسلام قبل حكومته تجارب حلوة ومرَّة. هذا كله يدل على مدى الأهمية القصوى التي تتمثَّل في دراسة مسألة حقوق الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام) .
من الطبيعي أن تتَّصف عملية تحليل كلام الإمام (عليه السلام) وأفعاله، من الناحية
________________________________________
(*)باحث من إيران، ترجمة: زین العابدین شمس الدین

[الصفحة - 190]


الحقوقية، بصعوبة بالغة، وذلك لأنه (عليه السلام) ليس رجلًا حقوقياً صرفاً، وليس معلِّم أخلاق وعرفان فقط، كما أنه ليس أستاذاً تربوياً محضاً، بل هو عالم بالوحي وبالعالم غير المادي (الماورائي) بكل معنى الكلمة، فضلًا عن كونه ملمّاً بالعلوم الإنسانية، ومفسّراً للقرآن ومبيِّناً للنظام الحقوقي الإسلامي، كما أنه الحاكم والقائد، علاوة على عشرات من الصفات الأخرى. هذه الأمور هي التي تجعل العمل التحليلي مشكلًا وتفكيك القواعد أمراً صعباً، لكن مع ذلك حاولت هذه المقالة تقديم قراءة حقوقية أولية في موضوعة حقوق الإنسان من وجهة نظر الإمام علي (عليه السلام) .
مصطلح «حقوق الإنسان» في الغرب
لم تستعمل كلمة «حقوق الإنسان»، في ما سبق، بالمعنى المصطلح عليه الآن، حتى في الفكر الغربي السابق وحقوقه، فإذا بحثنا في كتب أكبر فلاسفة عصر النهضة في القرن الثامن عشر ـ مثل كانط الذي جعل الإنسان وكرامته مبدأً لفلسفته العملية أكثر من أي فيلسوف آخر ـ لم نعثر على كلمة حقوق الإنسان فيها أبداً.
وفي الواقع، أول ظهور لمصطلح حقوق الإنسان كان في خِضَم أحداث الثورة الاجتماعية والسياسية التي قامت في فرنسا، الأمر الذي جعله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجذوره السياسية ليحتفظ بمضمونه السياسي حتى الآن، مبدياً ممانعةً عن تصوّره دونه، من هنا خاطب مصطلح «حقوق الإنسان» أساساً أصحاب السلطة الذين يرون أن من صلاحياتهم ملاحقة مخالفيهم في الرأي والعقيدة.
لذلك، فالمطالب الرئيسية التي اندرجت تحت ظاهرة حقوق الإنسان عبارة عن: حق الحياة، حق الحرية، حق المساواة، حق العدالة والحكم العادل، حق السلامة الشخصية، حق الحماية من الظلم، حق حماية الشرف والسمعة، حق اللجوء إلى بلد آخر، حقوق الأقليات، حق المشاركة في الحياة الاجتماعية، الحق في حرية الفكر والرأي والتعبير، حق حرية اختيار الدين، حق التجمع والإعلان، الحقوق الاقتصادية، الحق في حفظ المال، حق العمل، حق كل فرد بالاشتراك في إدارة الشؤون العامة، حق الزواج وتأسيس الأسرة، حقوق المرأة، الحق في التربية والتعليم، الحق في حفظ الحياة الشخصية، حقّ اختيار مكان الإقامة... ومن
________________________________________

[الصفحة - 191]


البديهي أن تطبيق هذه الحقوق متوقف على وجود أصل مسلَّم به يعدّ شرطاً أساسياً لاستيفائها، وهو عدم تعارضها مع حقوق الآخرين، وأن لا يؤدِّي وجودها إلى تعطيل حقوقهم.
وإذا أردنا أن نقسّم هذه الحقوق تقسيماً منطقياً، لوجدنا أنها تُقسم إلى ثلاث مجموعات:
الأولى ـ الحقوق الشخصية الفردية: وهي عبارة عن حق الحماية والدفاع عن النفس مقابل الآخرين، أو مقابل الدولة والحكومة. والحق في الحياة والسلامة البدنية، والحق في حرية الاعتقاد الديني والأخلاقي، وحقّ الملكية الشخصية.
الثانية ـ الحقوق السياسية: وهي عبارة عن حق المشاركة في الأمور السياسية والاجتماعية، مثل: حرية المطبوعات، حرية العلوم، حرية التَّحقيق والتعليم، حرية التجمّع وإنشاء الجمعيات الثقافية.
الثالثة ـ الحقوق الاجتماعية الأوّلية: مثل الحق في العمل والأمن الاجتماعي والتنوُّع الثقافي والاجتماعي وغير ذلك.
أما ما هو مرتبط بالعالم الإسلامي من هذه الحقوق، فقد بينه «المؤتمر العالمي للعلماء المسلمين»، المنعقد في أيلول (سبتمبر) سنة 1981م، حيث توصل إلى أن الإسلام منذ بروزه كان قد وضع عشرين حقاً من «حقوق الإنسان» بشكل واضح وصريح، مثل الحق في الحياة، الحق في الحماية من الاعتداء والظلم والاضطهاد الحقّ في اللجوء، حقوق الأقليات، حرية الاعتقاد، الحق في الأمن الاجتماعي، الحق في العمل، الحق في التربية والتعليم، وحق المشاركة في جميع الأشكال الاجتماعية.
مصطلح «حقوق الإنسان»، التعريف والمحدِّدات
يثير مصطلح «حقوق الإنسان» سؤالًا: لماذا كان «الإنسان» المحور الذي يدور حوله هذا المصطلح، وإلى أي حدّ هو كذلك؟
وفي جوابنا عن هذا السؤال ـ مع الإغماض عن الأسباب التاريخية والاجتماعية
________________________________________

[الصفحة - 192]


لنشأة هذا المصطلح ـ يكفي أن نشير إلى أن الغرب ـ أو الدول الغربية بعبارة أوضح ـ توصّلت من خلال تجاربها التاريخية المعقّدة التي كانت قائمة في ما بينها على أساس التَّحالفات تارة والخصومات أخرى، وخصوصاً في القرن الثامن عشر، إلى هذه النتيجة، وهي أنه من الممكن افتراض حياة مسالمة للإنسان، إذا كان النظر فيها مقتصراً على الإنسان بما هو إنسان، أي الخالي من الخصائص الأخرى كالدين والسياسة والحسب والنسب والعرق واللون والجنس والجاه والمقام والمال والثروة والقدرة، وسائر الاعتبارات المشابهة، إلا عن كونه إنساناً فقط، أي من حيث هو إنسان، لا بوصفه مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، أو دهرياً، ولا بوصفه أسود أو أبيض أو غنياً أو فقيراً، أو عالماً أو جاهلًا، أو حاكماً أو محكوماً، أو غير ذلك.
هكذا ظهرت مسألة حقوق الإنسان وراجت، لكنها بعد ذلك ـ وشيئاً فشيئاً ـ أخذت تتشكل بمعنى آخر.
فالحق يعدّ ملكاً طبيعياً لكل إنسان، وأمراً ضرورياً له، ومن أكثر المسائل أصالةً في وجوده وماهيته، فهو لم يُكتسب من أحد، ومن ثم لا يقدر أحد على سلبه منه، كما أنه ليس حقاً على أحد، بل حق في «شيء»: حق في الحياة، والحرية، وحق في المساواة وغير ذلك، بخلاف الحقوق المترتِّبة على الأشخاص كحق الولد على الوالدين مثلًا وحقّهما عليه، أو حق المرأة على الزوج وبالعكس، فهذه الحقوق تقع مقابل أشخاص وأفراد آخرين، وهي نوعٌ من الحقوق يمكن للإنسان ـ بوساطة المال ـ أن يقوم بوظيفته على صعيدها مقابل الطرف الآخر.
شرعيّة حقوق الإنسان
والسؤال الذي يطرح الآن هو: إذا كانت شرعية الوظائف الدينية والحقوق المترتبة عليها تنبع من «الوحي»، أو من المصادر القانونية الأخرى، فمن أين تنشأ شرعية الحقوق في ظاهرة حقوق الإنسان؟ بمعنى ما هي الأسس التي تعتمد عليها تلك الشرعية التي يمكن أن تضمن الجانب الإجرائي في هذه الحقوق، وتسنّ لها القوانين الجزائية، بحيث تستوفي هذه القيود؟
الحقيقة أن واضعي الأسس الأوَّلية لحقوق الإنسان لم يهدفوا إلى الاعتماد على
________________________________________

[الصفحة - 193]


هذا الدين أو ذاك في إثباتهم لهذه الحقوق، أو على أي مرجع تشريعي آخر، بل لم يكن بمقدورهم ذلك، وإلا لم يعد موضوع المسألة الإنسان من حين هو إنسان، لذا كان عليهم أن يعتمدوا ـ لإثبات الشرعية وضمان الجانب التنفيذي لهذه الحقوق ـ على الإنسان نفسه، وعلى ما ثبت بالبرهان المنطقي، وانبثق من جذور فلسفية واضحة، وأن يستندوا إلى أهم هذه اللوازم. فوجدوا أن «كرامة الإنسان» التي هي أوضح مسألة ملازمة للإنسانية ـ حيث لا تعتمد على أي مصدر أو مرجع آخر، وهي مورد اتفاق جميع البشر في كل زمان ومكان، الأمر الذي تذعن له كافة الأديان ـ يمكن أن تُعتَمد بوصفها أهم أساس بديهي وواضح لحقوق الإنسان، فالكرامة أمر لا يمكن أن ينفك عن أيٍّ من الحيثيات والاعتبارات الإنسانية الأخرى، وهو يحيط بخصائص كل فرد من أفراد الإنسانيَّة نفسها.
هذه هي الخطوة الأولى، أي أنهم رأوا أن «الكرامة الإنسانية» أصل أوَّلي وجزء أساسي من ماهية الإنسان، لا «الحق».
الخطوة الثانية: حتى يستطيعوا أن يُعطوا «الكرامة» ـ التي هي أمر فردي خاص ـ اعتباراً عاماً، كان من الضروري التوسل بمسألة «المساواة».
والمساواة في الكرامة مورد اتفاق جميع البشر أيضاً، وهي التي استطاعت وتستطيع أن تقنع جميع الناس بضرورة احترام كلٍّ منهم لحقوق الآخر الشخصيَّة. كما أنها استطاعت أن تثبت الحق في مساءلة كل من يخالف النظام العام. ولم تكتف المساواة بطرح هذا المعنى الكلِّي، بل أمّنت أيضاً الجانب الإجرائي، وضمنت تنفيذه، وأقرَّت بأن يُلاحق ـ ضمن الحدود الإنسانية ـ كل من يتجاوز هذه الحقوق.
ومسألة ضمان إجراء هذه الأمور سوف تؤمِّن الجانب العملي للكرامة والمساواة وتخرجهما من القوة إلى الفعل، بمعنى أن الكرامة والمساواة من الأمور الكامنة في ذات الإنسان، وتحتاج إلى ما يبرزها ـ أي العدالة ـ، بينما للعدالة جانب إجرائي يجب أن يصدر من جانب أعلى وجهة أخرى.
إذاً فمسألة العدالة هي المسألة الوحيدة التي كانت مورد اتفاق جميع الناس ـ ولا تزال ـ وتتجلَّى عادة في الخطاب العام للإنسان مع أصحاب السلطة والحكم،
________________________________________

[الصفحة - 194]


بل في العلاقة أيضاً مع كل من لديه قدرة ولو كانت بسيطة، أو من يملك شيئاً من القرار.
هذه خلاصة الكلام في ظهور فلسفة حقوق الإنسان وأسس شرعيتها.
الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان
يرى الإسلام ـ كما يبيِّن القرآن ـ أن «الله» هو المحور الأساسي لعالم الوجود، ومن ثم فالإنسان الواقعي هو الإنسان الذي يجعل حياته وفكره وعمله قائماً على أساس الإخلاص لله الواحد الأحد وفي سبيله، وعلى هذا الأساس يكمن منشأ الكرامة الإنسانية ـ في الإسلام ـ في التوجه الخالص إليه تعالى، كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة {اءِنَّ اءَكْرَمَكُمْ عِندَ الِ اءَتْقَاكُمْ} [الحجرات/13] .
لكن نظرة الغرب إلى الإنسان، في نسيجه العالمي، تغاير هذا الموقف تماماً، فالفكر الغربي يُعطي الإنسان محوريةً أساسية، ويعتقد بالأصل الفلسفي القائل: إن «الإنسان هو الميزان لقياس جميع الأمور»، وهذا الأصل يعود إلى ما قبل زمن سقراط، بل إن أساطير اليونانيين كانت تنطلق من هذا المبدأ، وتبعتها في ذلك جميع مدارسهم الفلسفية، فآلهة اليونانيين وعالمهم والحوادث الخاصة بهم، كانت تدور في فلك الإنسان ورغباته. وقد تسرَّب هذا الاعتقاد شيئاً فشيئاً إلى المسيحية الأوروبية، أي المسيحية التي لم تنشأ من الذين كانوا يعتنقون الدين اليهودي، بل التي نشأت من أشخاص كانوا يعتقدون بديانات أخرى، وهكذا استُبدِلَ الأصل القائل بمحورية «الله» إلى ذاك القائل بمحورية «الإنسان»، وصار الإله بهذا المعنى في خدمة الإنسان وحاجاته.
ويكشف تصوير الذنب بوصفه أمراً شخصيّاً للإنسان يجب الخلاص منه، عن وجود آليَّة إيديولوجية تفرض ضرورة فداء الإله للإنسان في صورة السيد المسيح (عليه السلام) ، وعملية فداء الإله لنجاة البشر من الذنوب تصبُّ في الواقع في خدمة الإنسان الذي صار هو المحور، ومن دون هذا «الفداء» لا يبقى ـ في نظر هذه الإيديولوجيا ـ أي قيمة لهذا الإله أو للسيد المسيح (عليه السلام) .
________________________________________

[الصفحة - 195]


وعلى هذا الأساس، احتلّت «محورية الإنسان» اليونانية الغربية، مكان «محورية الله» بوصفها أساساً للدين السامي.
لكن تصوير هذه المحورية، في نظر الإسلام، مختلف أساساً، فالإنسان بفطرته قد يمّم وجهه نحو الخالق الواحد، وهذه الفطرة هي التي تعدّ «محورية الله» جزءاً أصلياً لها. إذاً النظرة الغربية تُغلّب «محورية الإنسان» من هذين الأمرين، بينما يُغلّب الإسلام «محورية الله»، بل لعل ما هو موجود في الإسلام هو «محورية الله» فقط، لا أن الغلبة لهذه المحورية، وكذلك في الغرب الأمر بالعكس، فالموجود فقط هو محورية الإنسان. وإذا ما كان الفكر مبنيَّاً على أساس «محورية الله»، فسوف تكون مصالح الإنسان أيضاً مأخوذة في نظر الاعتبار بشكل أفضل وأكثر كمالًا.
لقد حاولت الكنيسة، طوال التاريخ، أن تحدّ من إطلاق «محورية الإنسان»، وتخضعها لقيودها وأوامرها، لكن في النهاية، استطاعت القوة المحركة لـ «محورية الإنسان» أن تحرّر الإنسان الغربي من تلك القيود والأوامر الكَنَسيَّة.
وقد ترك هذا الاختلاف ـ بين «محورية الله» في الأديان السامية وخصوصاً في الإسلام، وبين «أصالة الإنسان» في الثقافة الغربية ـ أثره على حقوق الإنسان، يمكن أن يُختصر بأن حقوق الإنسان المستخرجة من الأديان ينظر إليها من منظار الأمر والإرادة الإلهيين، وحينئذٍ لا يمكن غض النظر عن هذه الأوامر من تمام حيثياتها واعتباراتها. فعندما يُتحدث عن الإنسان وحقوقه في الإسلام، لا يمكن أن يكون ذاك الإنسان مطلقاً، بل سيكون الإنسان المرتبط بالله والمقيَّد بتعاليمه، بينما نرى أن الحقوق الإنسانية التي لا تسلّم بأية محدودية للإنسان، سوف تحافظ على هذا الإطلاق مهما أمكن.
مبادى حقوق الإنسان
أ ـ أصالة الكرامة الإنسانية
أهم مبدأ من مبادى حقوق الإنسان هو «الكرامة الإنسانية» كما تقدم، ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في الآية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء/70] .
________________________________________

[الصفحة - 196]


وفي ذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) في خطبة صفة خلق آدم: «واستأدى الله، سبحانه، الملائكة وديعته لديهم ووصيته إليهم، في الإذعان بالسجود له والخشوع لتكرمته، فقال سبحانه:{اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة، وتعزّز بخلقة النار واستهون خلق الصلصال .»
ومنشأ هذه الكرامة، التي جعلت الملائكة يسجدون لآدم، هو النفخ الذي أجراه الله من روحه فيه (عليه السلام) . ويشير الإمام (عليه السلام) ، في هذه الخطبة، إلى مراحل خلق الإنسان فيقول:«ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنساناً ذا أذهان يجليها، وفكر يتصرف بها» (2) ، فمن خلال هذه الكرامة تتشكل الأسس العملية للاحترام، وعلى أساسها تنتظم أكثر الأصول الحقوقية والأخلاقية عنده.
وعلى أساس أصل الكرامة هذا، تبنَّى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أصالة حرية الإنسان وعدم عبوديته لأحد، كما نراه بوضوح في المادة الرابعة فيه: «لا يجوز استرقاق أي شخص أو استعباده»، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما.
ويقول الإمام (عليه السلام) في ذلك ضمن كلام واضح وجميل: «يا أيها الناس! إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار » (3) .
وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) : «الناس كلهم أحرار، إلا من أقرّ على نفسه بالعبودية »(4) .
لكن بما أن النِّظام الاجتماعي الغالب قبل الإسلام كان «نظام الرِّق»، فقد قامت الحكومة الإسلامية بوضع سلسلة من المقرَّرات والأوامر الفقهية لحثّ تجار الرقيق وسائر الناس على عتق العبيد، فمثلًا، نرى مسألة الكفَّارات الموضوعة على الكثير من المخالفات الشرعية، موجودة في جميع أبواب الفقه تقريباً، وتعدّ مسألة العتق واحدة من أهم مصاديق هذه الكفَّارات. وقد بذل الإمام علي (عليه السلام) جهداً كبيراً في إجراء هذا الحكم الإسلامي، ففي رواية أنه (عليه السلام) أعتق ألف عبد (5) ، كما أن الاهتمام بالعتق لم يكن مقتصراً على المسلمين، بل كان يشمل حتى الرقيق من الأقليات الدينية كذلك، فقد ورد في خبر أن أمير المؤمنين (عليه السلام) اشترى عبداً نصرانياً وأعتقه (6) .
________________________________________
(1)نهج البلاغة، الإمام علي (عليه السلام) ، شرح محمد عبده، دار المعرفة، بيروت: 1/22.
(2)م.ن، 1/21.
(3)الكليني، الكافي، 8/69.
(4)الحر العاملي، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الثانية 1414هـ، قم، 23/54.
(5)م.ن.، 16/32.
(6)م.ن.، 16/30.

[الصفحة - 197]


ومما كان يؤخذ في نظر الاعتبار عند العتق، مصالح العبد الدنيوية، لذلك نهى (عليه السلام) عن عتق العبد الأعمى أو العبد المُقعد (7) ، حتى لا يبتلى مثل هؤلاء الأشخاص في مشاكل اجتماعية بعد تحريرهم من الرق، فهذا النهي عبارة عن نوع من التأمين الاجتماعي للأشخاص فاقدي القدرة والمقعدين.
وكذلك اعتنى الإمام (عليه السلام) ، في مدة حكمه، بحماية مبدأ الكرامة، ونبّه عماله على رعاية هذه المسألة، ففي عهده إلى مالك الأشتر يقول (عليه السلام) : «وأشعر قلبك الرحمةَ للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك...» (8) . هذا الكلام، وإن كان في ظاهره دستوراً أخلاقياً، لكنه يمكن أن يؤسِّس للمباني الحقوقية في التعامل بين الحكومة والشعب، ومن الملاحظ أن الإمام (عليه السلام) لم يقتصر في اعتنائه بكرامة الإنسان وحقوقه على الإشارة إلى الجوانب النظرية للمسألة فحسب، بل لقد لفت نظر الناس إليها بممارساته العملية، وعمل على جعل ثقافتهم قائمة على هذا الأساس. فعندما كان في طريق العودة من حرب صفين إلى الكوفة، ومرّ بالشَّباميين، وهم شعبة من قبيلة همدان، خرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي وكان من وجوه قومه، وأقبل يمشي معه وهو (عليه السلام) راكب، فقال له (عليه السلام) : «ارجع؛ فإن مشي مثلك مع مثلي فتنة للوالي ومذلة للمؤمن» (9) .
وفي مكان آخر، روي أنه عند مسيره إلى الشام لقيه دهاقين الأنبار، فترجلوا له واشتدّوا عليه، فقال (عليه السلام) : ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلقٌ منّا نعظم به أمراءنا، فمنعهم (عليه السلام) عن هذا الفعل بقوله: «والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقّون به على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، »وأربح الدعّة معها الأمان من النار(10) . فعلي (عليه السلام) لم يكن ليرضى أبداً بأن تصاب كرامة الإنسان بلطمة، وإن كانت هذه اللطمة مقابل حاكم مثله.
وإضافةً إلى ذلك، لم يكن (عليه السلام) يرى ضرورة الحفاظ على كرامة الإنسان حال حياته فقط، بل إنه أوصى حين وفاته بأن يبقى الإنسان محترماً، أياً كان هذا
________________________________________
(7)م.ن.، 16/27.
(8)نهج البلاغة، م.س.، 3/84.
(9)م.ن.، 4/77.
(10)م.ن.، 4/10.

[الصفحة - 198]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف