البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدِّين والدُّنيا العلاقة، الدَّور، التأثير

الباحث :  الشيخ صادق لاريجاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  31
السنة :  السنة الثامنة خريف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1504

الدِّين والدُّنيا العلاقة، الدَّور، التأثير

الشيخ صادق لاريجاني (*)

مقـدّمــــــة
يمكن للمرء أن يتأمَّل في ظاهرة العلمانيَّة، ويقلّبها من وجوه شتى وأبعاد متعدّدة، لعل من أهمّها البعد التاريخي؛ إذ تعدّ العلمانيَّة، التي تعني عموماً فصل الدِّين عن السياسة، ظاهرة طرأت على مسار التحوُّل الفكري والاجتماعي والسياسي الغربي. ومن أهم عوامل هذا الفصل تاريخياً أداء الكنيسة وسيطرة رجالها على مقدّرات الأمور في الغرب. ويرى الكثير من الكتّاب والمثقفين المسلمين أن لا وجه لطرح فكرة العلمانيَّة في العالم الإسلامي، لأنها ظاهرة غربيَّة في أساسها، برزت في أجواء كنسيَّة، وكان مصدرها المزاعم التي أطلقها رجال الدِّين، والمتمثِّلة في أنهم الوسطاء بين الخلق والخالق. ولمَّا كان الإسلام ليست فيه مثل هذه الأفكار، فلا معنى لطرحها والردّ عليها أساساً. غير أنَّه من الحق أن نقول: إن العلمانية، وبغضِّ النظر عن بعدها التاريخي، تعدّ نظرية فلسفية سياسية، ولا بد للباحث المسلم من أن يلتفت إلى هذا الأمر، ويدلي برأيه فيه نفياً أو إيجاباً. ولكن ما هي هذه الأطروحة الفلسفيَّة السِّياسية؟
نستطيع أن نضع منطلقين لهذه الأطروحة:
1 ـ لا علاقة للدِّين بالدَّولة، وليس هناك أي نوع من أنواع السِّياسة في التَّعاليم الدينية.
________________________________________
(*)باحث من إيران، ترجمة: عباس الأسدي

[الصفحة - 9]


2 ـ لا علاقة للدِّين بالشؤون الدنيوية للفرد، والإنسان مفوّض في إدارة شؤونه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
واضح أن الأطروحة الثانية أكثر شموليَّة من الأولى، وبطبيعة الحال، فإنَّ الاستدلال الذي يطرح في الدِّفاع عن أي منهما، أو الردَّ عليه، يختلف عن الاستدلال الذي يقدَّم عن الآخر. وسنبحث، في هذا المقال، العلمانية في معناها الواسع؛ حيث سنتطرَّق أوَّلًا إلى بعض الأشكال من تدخّل الدِّين في الشؤون الدنيوية، ثم نناقش الانتقادات التي يوجهها أنصار العلمانية إلى هذه الحالات.
ومن الضَّروري أن نبيّن، أوَّلًا، دور المعرفة العملية في إدارة المجتمع، ذلك أن هذه الإدارة تحتاج إلى مثل هذه المعرفة، لكونها من سنخ الفعل الآدمي، فحينما يبادر الفرد إلى تنظيم علاقات مجتمعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإنه يفكر في ما سيفعله في أهدافه النهائية، وكيفيَّة الوصول إليها.
يعتقد الكثير من الفلاسفة بأن الإنسان يتجه نحو غاية معيَّنة في أي فعل اختياري يصدر عنه، حتى الأفعال التي يجري التَّصور أنهاعبث، فإن لها غاية قد تكون خيالية ووهمية غير واقعيَّة، بمعنى أن إرادة الفرد لن تتحرَّك وتخرج إلى حيّز الفعل من دون غاية أو هدف محدَّد. ربما لا يوافق الجميع على هذا الرأي، ولكن مما لا يمكن إنكاره هو أن الأفعال العقلانية للإنسان يجب أن تسوَّغ بغايات وأهداف، فإذا سلّمنا بأن الأفعال العبثية لا تتجه نحو غاية معينة، فإننا لا نستطيع أن نتغافل عن وجود غايات وقيم ومعايير في الأفعال العقلانية أو ننكر ضرورتها، ومنها إدارة المجتمع، والمراد منها الإدارة على الأسس العقلانية، فالفرد العاقل لا يداخله الشك في أن مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تقع إلا في وجود قيم وأخلاق وضرورات عقلية وأخلاقية.
إننا بحاجة إلى نوعين من المعرفة والحكم في المسوِّغ العقلاني والأخلاقي للأفعال:
1 ـ معرفة الغايات والأهداف والقيم والضَّرورات والمحظورات، أو الحكم المعياري (normative) : ثمة آراء متعدِّدة ومتضاربة، في فلسفة الأخلاق، عن هذه المعرفة المعيارية، فهناك من يقول: إنها من نوع الحكم الإنشائي، وقال آخرون:
________________________________________

[الصفحة - 10]


إنها من النوع الاعتباري، ورأى فريق ثالث أنها من النوع التكويني، وتتنازع هذا الفريق اختلافات كثيرة في هذا المجال.
2 ـ المعرفة المرتبطة بكيفية تحصيل هذه القيم والأهداف، وهي من دون شك معرفة غير معيارية إنما ترتبط ـ كالمعارف الأخرى ـ بالتكوينيات.
فالعلاقة بين الوسائل والغايات هي علاقة تكوينية وعلاقة العلَّة بالمعلول، لذا فإن الكشف عنها هو وظيفة العلم والفلسفة (إذا كان فيها مثل هذه القدرة)، وليس مهمة العلوم المعيارية.
لنلاحظ، الآن، كيف يتدخَّل الدين في إدارة المجتمع، وما هو الدَّور الذي يؤدِّيه، أو يمكن أن يؤدِّيه في المعارف المعيارية أو في معرفة العلَّة والمعلول، وهل من شأن الدين أن يتدخل في مثل هذه الأمور، أو أن العقل الإنساني الذي يتمتع بالاستقلال والأصالة يجعل مثل هذا التدخُّل مستحيلًا؟
أشكال تدخّل الدِّيني في الدّنيوي
يمكن أن نتصوَّر أربعة أشكال مختلفة لتدخُّل الدِّين في إدارة شؤون المجتمع البشري، بعضها لا يمكن القبول به بتاتاً، أو أنَّه بحاجة إلى الإصلاح:
أ ـ للدِّين تأثير في ظهور القيم والغايات، وإن حسن الشيء أو قبحه مرتبط بالدين وبالتَّشريع الإلهي، والحسن هو ما أراده الله، لا أنه كان موجوداً ثم اختاره الله.
ب ـ الدِّين يتدخَّل في كشف الهدف النهائي والأهداف الوسيطة للأفعال الإنسانية، وهو ـ وفاقاً لهذا الرأي ـ لا يعمل على إيجاد ما هو واجب وخلق ما هو حسن، وإنما كلٌّ من الواجب والحسن مستقل بذاته، ويقتصر دور الدين على الكشف وإزالة الغموض والجهل البشري عنه.
ج ـ يتدخَّل الدِّين للوصول إلى سبل كسب القيم والكمالات واجتناب المفاسد والشرور. ويعتقد أصحاب هذا الرأي بأن الفرد وحده لا يستطيع أن يهتدي إلى هذه السُّبل، وبأن معرفة الهدف شيء ومعرفة الطرق إليه شيء آخر، ويحتاج الإنسان في كليهما إلى تدخل الدِّين وتعاليمه النَّيرة.
________________________________________

[الصفحة - 11]


د ـ لا علاقة لنا بأسباب تدخُّل الدين في الشؤون الدنيوية، وأسس مثل هذا التدخُّل، إنما المهم أن الدِّين يتدخل فيها، وما علينا، بوصفنا مؤمنين بالدِّين، إلَّا أن نمتثل لأوامره ونواهيه، فالمهم عند الفرد المؤمن أن يتحقَّق ما إذا كان للدِّين رأي في قضية معينة أم لا، بغض النظر عن أسباب هذا التدخُّل وجذوره، فهذه مسألة ثبوتية ترتبط بالخالق وبصاحب الشريعة، أما ما يخصنا فهو معرفة أوامر الدين ونواهيه والامتثال لها. ولما كان للدين رأي في الاجتماع والسياسة فيفترض بنا أن نمتثل ونستجيب له.
وبقليل من التأمُّل، يتَّضح لنا أن الشكل الرابع لا يأتي في عرض الأشكال الثلاثة التي سبقته إنما في طولها، غير أنَّه يبقى شكلًا من أشكال تدخُّل الدِّين في الشؤون الإنسانية.
مناقشة الشكل الأول لتدخُّل الدين
يتدخَّل الدِّين ـ وفاقاً لهذا الشَّكل ـ ليجعل قيمةً للقيم ويضع هدفاً للأهداف، ولا يتَّصف الشيء بالحسن ما لم يأمر الدِّين به، وواضح أن مثل هذه الصورة لتدخّل الدِّين تصطبغ باللون الأشعري، ولا تنتظم على أساس عقلي، كما أوضحت ذلك مباحث فلسفة الأخلاق. فمثل هذا الرأي يتقاطع مع بديهيات العقل العملي، ثم إنه ينطوي على إشكالية في داخله. فإذا كان الواجب يصبح واجباً بالأمر الإلهي، فمن إذاً دعا إلى الامتثال لهذاالأمر والانصياع له؟ إن إرجاع هذا الواجب إلى أمر آخر من قبل الله سيجعل المسألة أكثر تعقيداً، ويجعلنا أمام نوع من التسلسل لا نهاية له، وإرجاعه إلى مصدر آخر غير الأمر الإلهي يغنينا منذ البداية عن الاستناد إلى الأمر الإلهي.
الصورة نفسها تتكرَّر في مسألة الحسن والقبح، فإننا لا نستطيع أن نسند هاتين الصِّفتين إلى الأمر الإلهي، فالتأمل العقلي وشهود العقل العملي يقودان إلى القول باستقلال الحسن والقبح بالمعنى الذي صوّره الإمامية والمعتزلة والكثير من فلاسفة الأخلاق.
ومع ذلك، تستطيع الشريعة أن تؤثّر في خلق القيم وإبداعها بشكل آخر، كأن توفِّر إمكانية التحقُّق المصداقي للواجب والحسن، بحيث لا يمكن أن يتحقّق ذلك
________________________________________

[الصفحة - 12]


من دون الدِّين، وتوضيحاً لذلك نقول: إن التعبُّد بالأمر الإلهي والامتثال للأمر الربّاني يعد أمراً واجباً وحسناً، بل يقف على رأس الواجبات، فإذاامتثل الفرد للأمر الإلهي فإنه يكون قد أوجد مصداقاً للحسن. ولكن من الواضح أن الامتثال للأمر الإلهي وإطاعة المولى يستحيلان من دون وجود الأمر أو الطلب (الشوق والحب)، أو أن الامتثال والتعبُّد على حد تعبير علماء الأصول مقولة تحتاج إلى وجود الأمر أو أوَّلياته، بحيث يمكن إضافة الفعل إلى الله؛ فالدّين، في مثل هذه الحالات، لم يجعل الحسن حسناً ولا الواجب واجباً، إنّما وفَّر إمكانية تحقُّقه الفردي، بحيث كان يستحيل ذلك من دون أمر الشريعة، وعليه يمكن أن يكون الدين خالقاً للقيم ومبدعها (في عالم الخارج)، وهذا ليس بالشيء القليل.
ويدَّعي بعض المؤلِّفين أن الإنسان قادر على الاستغناء عن الدين إذا عرف بعض مصالحه ومفاسده، والإمساك بزمام أمور المجتمع بيده، ليصبح الدِّين في هذه الحالة، وتدخله في الشؤون الدنيوية، لغواً (إن لم يكن ممتنعاً).
وللرَّد على هذا الرأي نقول:
أوَّلًا: لا يمكن الجزم بقدرة الإنسان على تحديد مصالحه ومفاسده كاملة شاملة لدى إدارته شؤون المجتمع. هذه المسألة سنتجاوزها حالياً لنتطرق إليها تفصيلًا في ما بعد.
ثانياً: مجرَّد معرفة الإنسان بمصالحه ومفاسده لا يلغي وجود الشريعة، ذلك أن الدِّين يستهدف إدارة المجتمع في إطار التعبُّد، فضلًا عما يطمح إليه من إشباع الحاجات الفردية والجماعية في إدارة المجتمع الإنساني، ويهيِّىء له الأجواء المناسبة التي توفِّر للفرد ممارسة العبودية بأفضل ما يمكن. فما أبعد البون بين الرؤية الضيِّقة لإدارة المجتمع التي تحوم حول الإنسان وبين تلك النظرة التي تعدّ الأوامر والنواهي الإلهية نافذة حتى إلى بعض الأمور التي تخص الإنسان، والتي جعلها الله تشريفاً للعبد المكلَّف لا تكليفاً، ووعاء لإبداء العبودية، فقد شاء الله أن يكشف عن نفسه حتى يستطيع عباده التحرك وفاقاً لهذه الرغبة والوصول إلى رضاه والتقرُّب إليه.
ولا يمكن أن يقال هنا: إن البحث يدور حول تدخّل الدين في إدارة المجتمع،
________________________________________

[الصفحة - 13]


ولا علاقة له بالتعبّد وتوفير الظرف المناسب لعبودية الفرد لربِّه، لأن الدِّين، وهو يشرف على إدارة المجتمع، يتطلَّع إلى هدف أعلى وأسمى، وهو إيصال العبد إلى عالم النور.
وقد عدَّ بعض علماء الأصول الآية الكريمة: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} بأنها تعبّر عن هذا المعنى، وقالوا (خلاف الظاهر الأوَّلي للآية): إن الأمر الإلهي هو لإيجاد الظرف الذي يتيح للعباد ممارسة العبادة بشكلها الخالص، وإن عبارة «ليعبدوا الله» ليست في مقام المفعول به لـ «أمروا»، وإنه لم يقصد من الآية الأمر بالعبادة (وهو أمر إرشادي)، إنما «ليعبدوا الله» هو غاية الأمر، أي أنهم أمروا لكي يستطيعوا العبادة.
وعلى هذا المنوال، يقال: إن جميع الأوامر التوصليّة تسقط من دون قصد القربة، كالأمر بتطهير الأشياء النجسة، فالقيام بذلك يحتاج إلى قصد القربة ليصبح تعبديّاً، ذلك أن للدِّين هدفين في أيّ أمر توصُّلي: الأول، الفرض الأدنى الذي يتحقَّق بصرف الإتيان به حتى من دون قصد القربة، والثاني، الفرض الأعلى الذي لا يتحقَّق إلا بقصد القربة، وهذا هو الهدف الأصلي للأمر.
خلاصة القول: إنه ليس من الصحيح ما يقوله الأشاعرة من تدخُّل الدين في إيجاد القيم الكلية نفسها، بيد أن الدِّين يمكن أن يؤدِّي دوراً في خلق مصاديق الحسن والواجب الأخلاقيَّين.
مناقشة الشكل الثاني لتدخُّل الدين
خلاصة هذه الصُّورة أن للدِّين تأثيراً في معرفة الأهداف العملية؛ فعلى الرغم من أنه ليس مقوِّماً للحسن والقبح والواجب والمحظور إلَّا أنه يستطيع أن يصبح كاشفاً لهذه الأمور.
كما أنه يتيح للفرد الوصول إلى جميع الأهداف والكمالات المطلوبة، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبلغها وحده.
هذه الصورة، بشكل عام، صحيحة، ولكن لا بد من تقييدها إلى حد ما.
________________________________________

[الصفحة - 14]


فيمكن أن نقول: إن بعض الأهداف والغايات ممكنة الوصول للإنسان، فالاقتراب من الكمال المطلق ـ مثلًا ـ هو غاية، بل غاية الغايات، وليس من المستبعد على العقل البشري أن يدرك ضرورة التقرُّب إلى الكمال المطلق (إذا أقرَّ) بموضوعه؛ وهكذا بالنسبة لبعض الأهداف الأخرى؛ ولكن هناك سلسلة من الأهداف الطولية التي تنتهي إلى الكمال المطلوب من المتعذر للفرد أن يصل إليها لعدم معرفته بروابط العلة والمعلول، وهو ما سنتطرق إليه في مناقشة الحالة الثالثة من حالات تدخُّل الدين.
عليه، فإنَّه من المعقول جدَّاً القول: إن الدِّين مؤثر في تحديد هذه الأهداف الطولية وتبيينها؛ وبخاصة إذا قلنا بالتعددية في الأهداف، أي إذا كان الهدف النهائي ليس واحداً، من قبيل أن القيم المستقلَّة والمطلقة متعددة، فالصدق ـ مثلًا ـ يتوافر على قيمة مستقلَّة ومطلقة، كما أن قتل النفس بلا دليل ينطوي على قبح مستقل ومطلق، وهكذا بحيث أنها لا تصدر عن قيمة مستقلة ومطلقة واحدة أي التقرُّب إلى الكمال المطلوب.
في هذه الحالة، يصبح من المعقول جداً أن يهرع الدِّين لنجدة الإنسان في تبيين الأهداف النهائية؛ وليس ثمة دليل يبرهن على أن الفرد يستطيع الوصول إلى جميع القيم المطلقة.
والخلاصة هي أن الإنسان يحتاج إلى الدِّين لمعرفة جميع الأهداف المستقلة (هذه الحاجة ممكنة تماماً، وهذا يكفي لتصحيح التمسُّك بالدِّين).
ثم إن هناك الكثير من الحاجات الطولية لا يستطيع المرء، بأي وجه من الوجوه، أن يتعرف إليها بشكل دقيق، لأنَّه لا يدري بالضبط أيّ هدف من الأهداف ينتهي إلى الهدف النهائي. وهذه الملاحظة ترتبط بشكل وثيق مع الشكل الثالث.
إذاً الصورة الثانية صحيحة أيضاً، شريطة تحديدها ببعض القيود.
مناقشة الشَّكل الثالث لتدخُّل الدِّين
الصُّورة الثالثة تستند إلى افتراض أن سبل الوصول إلى الأهداف غير واضحة المعالم للإنسان في الكثير من الأحيان، بحيث يعجز عن فهمها وإدراكها.
________________________________________

[الصفحة - 15]


فإذا سلّمنا بأنَّ الأهداف النِّهائية (أو الهدف النِّهائي) للإنسان يمكن إدراكها بالقوة العقلية، غير أنَّه لا يمكن معرفة الوسائل الموصلة إلى هذه الغاية أو الغايات، فإنَّه بوسع الفرد أن يتوصَّل إلى بعضها ويستيقن من صحته نسبياً، فيكتشف ـ على سبيل المثال ـ من خلال التجربة الاقتصادية نوعاً من العلاقة بين العرض والطلب والسعر؛ ولكن تبقى هذه المعرفة محدودة جدَّاً، ولا تتجاوز في الكثير من الأحيان الحدس والظن.
إن الإنسان الملتزم المؤمن بالكمال المطلق يهدف، في نهاية المطاف، إلى القرب من هذا الكمال، ويبحث عن السبيل الموصلة إليه، ويأتي هنا دور الدِّين لانتشال الفرد من الجهل والظلمة: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} .
وقد أشرنا، من قبل، إلى أنَّ للدّين دوره في التدخُّل في شؤون الفرد حتى مع افتراض أن الإنسان على علم بجميع أهدافه وسبل الوصول إليها، وهو ما سنتطرق إليه بمزيد من التفصيل لاحقاً، إلَّا أن الحديث يدور، في هذه الفقرة من البحث، حول واقع لا يمكن إنكاره، وهو أنَّ سبل الوصول إلى الأهداف والغايات متعذِّرة على الإنسان سوى في حالات خاصَّة يتعاطى معها بنوع من الظن أو الاطمئنان.
ثمة مقولة في غاية الغرابة لعادل ظاهر عن علاقة المعرفة الدينية بالمعرفة العملية، إذ يفترض، في مقام نقد من يقول: إن المعرفة العملية مشتقة من المعرفة الدينية، أن نوعي المعرفة ممكنان، ومن دون هذا الفرض لا يبقى معنى للبحث في اشتقاق المعرفة العملية من المعرفة الدينية.
كلام يبعث على الاستغراب، ذلك أن من يعتقد بأن المعرفة العملية رهينة المعرفة الدينية ينطلق من كون المعرفة العملية لا وجود لها من دون الاستعانة بالدين، وقد قلنا من قبل: إن للمعرفة العملية ركنين: الأول معرفة الأهداف، وهي معرفة قيمية، والثاني معرفة السبل التي تنتهي إلى هذه الغايات، وهي من نوع المعرفة العملية. لذلك فإنَّ التشكيك في قدرة المعرفة العملية يعود إلى أحد هذين الركنين: عدم الاستقلالية في معرفة الأهداف، أو العجز عن العثور على السبل الموصلة إليها.
________________________________________

[الصفحة - 16]


أن نستهل البحث بنفي هذه الشكوك ونستند إلى قدرة المعرفة العملية إنما هو، إذاً، مصادرة لما هو مطلوب واستسهال للمسألة.
حصيلة الكلام أن موقف علماء الدِّين ينطلق من إيمان الإنسان بالكمال المطلق، والقرب إليه هو الهدف الأخير الذي يطمح إلى الوصول إليه، بيد أنَّ معرفة سبل هذا الوصول متعذِّرة عليه، وما عليه إلا الاستعانة بالدِّين لكي يطوي هذه السبل وصولًا إلى الهدف.
هذا الموقف يتَّصف بالعقلانية والرصانة، أما رأي عادل ظاهر فهو رأي غير صحيح، ذلك أنه يعرض الموضوع بصيغة معروفة الجواب سلفاً.
ليس ثمة إشكالية في هذه الصورة الثالثة من تدخُّل الدين في شؤون الدنيا، ولعلها أفضل الأشكال من بين البدائل المختلفة.
مناقشة الشَّكل الرَّابع لتدخُّل الدِّين
خلاصة هذا الشَّكل التخلِّي عن أية علاقة بين المعرفة الدِّينية والمعرفة العملية، بحيث لا يوجد أي مبنى لهذه العلاقة في لزوم العمل على أساس الدِّين في الشؤون الدنيوية. المهم في هذه الصورة أن الأسلوب العملي يقوم على أساس العلاقة بين الخالق والمخلوق، فلا بدَّ من الامتثال لأمر الله في تعاليمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وما هو ضروري ولازم، في هذا الشكل من أشكال التدخُّل، أن يعرف الإنسان ربَّه، ويسعى، عبر توجيه عقله، إلى الامتثال المطلق لأوامره تعالى ونواهيه. وحتى إذا قلنا بأن المعرفة العملية ممكنة من دون المعرفة الدينية، فلا يمكن القول: إن الدين لا يتوافر على نظام سياسي خاص. فقد أمر الله تعالى بنظام خاص، ويلزم الامتثال لهذا الأمر. فالمسألة لا تتعلّق بالارتباط المعرفي بين المعارف الدينية والمعارف العملية فقط، إنما لها علاقة أيضاً بالرابطة بين الخلق والخالق (1) .
إن الله تعالى هو مالك جميع المخلوقات، وهو الذي وهبها الحياة وجميع الصفات الكمالية الأخرى؛ ومن تلك المخلوقات الإنسان الذي يقوم وجوده على
________________________________________
(1)عادل ظاهر، الأسس المنطقية، ص 22 و23.

[الصفحة - 17]


الفيض الإلهي، ولهذا فهو ملزم بالطَّاعة المطلقة لله تعالى من دون أن يتمتَّع بأي استقلال ذاتي.
هذه الصُّورة تستند إلى مقدِّمتين:
1 ـ إن المخلوق ملزم بطاعة خالقه في الأحوال والأفعال جميعها، وبلا أيِّ قيد أو شرط.
2 ـ ثمَّة أمر من الله تعالى للمؤمنين بأن يؤسِّسوا مجتمعهم الإسلامي على أساس التعاليم الإسلامية فحسب.
ويطعن عادل ظاهر، في كتابه، في هاتين المقدِّمتين؛ ويقول في خصوص المقدمة الثانية: إن بعض الباحثين الإسلاميين يوافقها بلحاظها الصغروي، وزعم أن لا وجود لنصوص تحدِّد نظاماً خاصاً للمجتمع الإسلامي. ومع ذلك، فإنه لا يصرّ على هذه الإشكالية، ويدّعي أنها تأتي في سياق النِّزاع الديني لا الفلسفي، ولهذا فإنه لا يخوض فيها.
ثم يقول: إن هذه المقدِّمة لا تنسجم مع الأسس الفلسفية لمعرفة الله، لأن أساساً من أهم هذه الأسس هو أن الله مكّن الإنسان من معرفة القيم كي يستطيع الوصول إلى الله ومعرفته، وهذا ما يتنافى مع المقدمة الثانية، لأنَّ تشكيل النظام الإسلامي وفاقاً للأوامر والنواهي الإلهية من دون أن تحفّه قيود الزمان والمكان لا يترك مجالًا للمعايير الإنسانية وتحديد الأهداف والغايات من جانب الإنسان؛ فحينما تنتظم الأمور على أساس هذه الأوامر والنواهي المجردة من الزمان والمكان، لا يبقى أي مجال للإنسان لمعرفة غاياته وأهدافه العملية وتقييمها.
المقدمة الثانية، إذاً، تتقاطع مع استقلالية الفرد في معرفة المعايير ومسؤوليته في تحديد القيم، ومثل هذه المعرفة لازمة لمعرفة الله.
فإذا لم نستطع أن ندرك استقلالية القيم والمعايير، فكيف ندرك أنَّ الله هو الخير المطلق، وأن ما يفعله هو الحسن. إن الكثير من اعتقاداتنا إزاء الله هي اعتقادات قيمية، وأن الوصول إلى معرفة مستقلَّة لهذه القيم يعتمد على الاستعدادات التي أودعها الله تعالى في الإنسان.
________________________________________

[الصفحة - 18]
الإشكالية باختصار هي عدم وجود مجموعة القوانين التي تدير النظام الحياتي بالمعنى العام لأنَّها تتصادم مع ما يريده الله تعالى لعباده في التعرُّف عليه؛ هذه المعرفة التي تتوقَّف على قدرة الإنسان واستعداده لاكتشاف القيم والغايات.
هذه الإشكالية التي أوردها عادل ظاهر غير مسوَّغة لسببين: أوَّلهما ما هو لازم في معرفة الله العلم بكبرى الكمال والحسن أو الخير، لا العلم بجميع مصاديقه، كما أن العلم بجميع مصاديق الشر ليس ضرورياً. فلكي نحكم بأن الله هو الخير المحض، وهو العادل، لا نحتاج إلَّا إلى فهم أصل الحسن والقبح والكمال والعدالة ونعرف مصداقها، فعلى سبيل المثال، نعلم أن الكمال بما أنه كمال هو خير، كما نعلم أن الله هو الكامل المطلق، عندئذ نحكم بأن الله هو الخير المطلق. هذاالحكم لا يستلزم أن نتعرف إلى جميع مصاديق الخير، كما لا يتطلب العلم بجميع مصاديق الشر.
وثانيهما أن معرفة الخير غير مشروطة بمعرفة سبل الوصول إليه، وأن إعطاء الله تعالى الإنسان القدرة على معرفة الخير والشر لا يعني أنه أصبح قادراً أيضاً على معرفة السبل الموصلة إليهما؛ فمن الممكن جداً أن يسلك الفرد طرقاً خاطئة للوصول إلى الغايات التي يعرفها حق المعرفة، ومثال ذلك المؤمن؛ حيث يعلم أن غاية الدِّين القرب إلى الحق تعالى واللقاء به، بيد أن الكثير يخطئون الطريق، وهم يحثّون الخطى نحو تحقيق هذه الغاية، وقد يسلكون سبلًا في غاية الخطورة لا تعود عليهم إلا بالخسران المبين.
إنَّ إمكانية جهل الإنسان بالسبل الموصلة إلى الأهداف والغايات يفتح الطريق على مصراعيه لتدخّل الدِّين والأمر والنهي الإلهيَّين، ويبطل المزاعم القائلة بتضارب ذلك مع استقلال الفرد في فهم الغايات والمعتقدات القيميّة. وقد لاحظنا أن الاستقلال المطلوب في معرفة الله هو أن يستطيع المرء التوصل إلى مفهوم الخير والكمال بصورة مستقلَّة عن الشرع، ويحكم بأن الله هو الخير المحض، الأمر الذي لا يتناقض مع جهل الإنسان بمقدمات الوصول إلى الأهداف والغايات؛ كما لا يتقاطع مع جهله ببعض الغايات.
________________________________________

[الصفحة - 19]


هذا في ما يتعلق بالمقدمة الثانية، أما الإشكاليات المثارة حيال المقدمة الأولى فسنناقش بعضها في الفقرة اللاحقة.
لزوم الامتثال المطلق
أسلفنا أن إحدى مقدِّمات الشكل الرابع قضت بأننا ملزمون بشكل مطلق بالامتثال للأوامر والنواهي الإلهيَّة. أما تدخل الدين في الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية فهو أمر يمكن استنباطه من خلال مراجعة نصوص الكتاب والسنَّة، ثم الامتثال للنتيجة.
يعلم أي فقيه، أو باحث إسلامي، أن للشريعة كلمة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، رغم أن بعضهم ينكر شموليّة هذه التعاليم والوصايا، ولكن لا يمكن لأحد أن ينفي تماماً تدخُّل الدِّين عموماً في هذه الميادين. وما هو ملزم بالنسبة لنا هو هذه الأوامر والنواهي من دون أن يهمنا ما إذا كانت المعرفة العملية مشتقَّة من المعرفة الدينية أم لا، المهم هو أن نبحث عن هذه الأوامر والنواهي ونمتثل لها (2) .
وقد ناقشنا للتوّ بعض الإشكاليات المتصلة بالأوامر والنواهي المتعلّقة بالحكومة والسياسة والاقتصاد والمجتمع؛ وسنبحث في ما يأتي مسألة لزوم الامتثال المطلق.
فقد طعن بعضهم في هذا الحكم العقلي، وفرض عليه قيوداً بحيث أنهى فاعليته عملياً.
إنَّ المهم، في هذه المسألة، هو أن نعرف مناط لزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية، والسبب الكامن في اعتبار هذا الامتثال لازماً ومطلقاً، إذ يرفض عادل ظاهر الاحتمال القائل: إنَّ مناط لزوم الامتثال هو مجرد القدرة الإلهية المطلقة، لأن قدرة الآمر لا تثبت وحدها مثل هذا الحق، بحيث تطلب من الآخرين الامتثال لأوامرها ونواهيها. كذلك فإنَّ مجرد الإرادة لا يمكن أن يصبح معياراً لامتثال الآخرين لها، حتى وإن كان صاحب الإرادة إنساناً لا تزوغ إرادته عن الخير، فإن هذه الإرادة
________________________________________
(2)نفسه، ص 262.

[الصفحة - 20]


وحدها غير كافية لوجوب الامتثال لها، أي إنها لا تثبت حقاً للأمر على الآخرين. أجل، قد يكتشف الفرد أن في الفعل الذي تتعلق به إرادته خيراً أخلاقيّاً، ولهذا يجب عليه الامتثال له « (3) .
والآن لنسأل: إذا كانت القدرة المطلقة أو الإرادة لا يمكن أن تكون معياراً للزوم الطاعة، فما هو إذن وجه لزوم طاعة الأوامر والنواهي الإلهية؟
ثمة احتمالات ثلاثة يمكن طرحها للرَّد على هذا السؤال، والعنصر المشترك بينها تطرّقها بشكل عام إلى العلاقة ما بين الإنسان والله، أو العلاقة بين الله والكون:
الاحتمال الأوَّل: إن سرّ لزوم الامتثال للأوامر الإلهية هو نفسه السرّ الذي يُلزم المحكوم بإطاعة أمر الحاكم؛ ولمَّا كان الله تعالى هو الحاكم على كلّ العالم فإننا ملزمون بطاعة أوامره.
الاحتمال الثاني: إن الله تعالى هو خالقنا ونحن مدينون له؛ وسرّ لزوم طاعته هو هذا الارتباط الحياتي، كما هي الحال في لزوم طاعة الأبوين، لأننا مدينون لهما بحياتنا.
الاحتمال الثالث: إن الله هو خالق العالم كله وبالنتيجة مالكه، ومن حق المالك أن يطلب منا كيف نتصرَّف في ملكه لنواصل حياتنا في دائرة هذا الملك.
وسوف نلاحق هذه الاحتمالات بصورة متتابعة.
علاقة الحاكم والمحكوم
ينبغي التَّفكيك بين معنيين للحكومة في ما يتعلَّق بالارتباط بين الحاكم والمحكوم: الأوَّل الحكومة التكوينية، والثاني الحكومة القانونية والقيميّة، ولا شك في أن لله سلطة تكوينية على العوالم جميعها، بمعنى أن نظام الكون يتحرَّك بإرادة الله.
فالقوانين الحاكمة، في هذا العالم، لا يمكن التخلّف عنها، ولكن يلزم الالتفات إلى أن هذا المعنى للحكومة لا يمكن أن يصبح معياراً لضرورة الامتثال والطاعة للأوامر الإلهية، لأن لزوم الامتثال والطاعة يطرح حينما تكون هناك القدرة على العصيان والمخالفة. فعلى الرغم مما تحمله القوانين التكوينية من معنى سلطة
________________________________________
(3)نفسه، ص 264.

[الصفحة - 21]


الحكومة الإلهية، غير أن هذا المعنى لا علاقة له بالحكومة التي يمكن أن يتوافر فيها عنصرا الطاعة والامتثال.
أما الحكومة القانونية والقيميّة فيمكن التأمل فيها على أساس النظرية القديمة القائلة: إن القوانين الإنسانية التي تدير أمور المجتمعات تستلهم أفكارها من العلم الإلهي، وتعود جميعها إلى الله. فقد قسَّم توما الأكويني هذه القوانين إلى أربعة أصناف: القانون الأزلي والقانون الإلهي والقانون الطبيعي والقانون الإنساني.
والمراد بالقانون الأزلي ذلك القانون الموجود في الذات الإلهية باعتبارها مالكة الوجود والطبيعة والقانون.
أمّا القانون الطبيعي فهو مشتق من القانون الأزلي الذي يستطيع العقل الإنساني وحده أن يتوصَّل إليه.
والقانون الإلهي هو الآخر جزء من القانون الأزلي، الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر الوحي، وهو قانون يركِّز على الغايات الأخروية.
وأخيراً القانون الإنساني، إذ يشتق من القوانين الطبيعية، ويمكن اعتباره في أحد أوجهه تطبيقاً من تطبيقات القانون الطبيعي، أو ما يسمَّى اصطلاحاً «الجزئي بالإضافة»، وتراعى فيه الخصائص الزمانية والمكانية، ولذلك فهو قابل للتغيُّر والتحوُّل (4) .
في هذا الخصوص، هناك من ذهب إلى أبعد من هذا الحد، وقال: إن الحكم لله فقط وليس للإنسان مثل هذا الحق، ولهذا لا يمكنه وضع قوانين ملزمة للآخرين؛ وما عليه إلا أن يكشف عن الأوامر والنواهي الإلهية ويستوعبها. إن من يؤمن بهذه النظرية كأبي الأعلى المودودي ينكر القوانين الإنسانية، ولهذا فهو يفرط أكثر مما ذهب إليه توما الأكويني.
وقد أشكل عادل ظاهر على هذا الرأي بأن القانون الإلهي (الوحي) لا يمكنه أن يمثِّل قانوناً ينظِّم الحياة البشرية من جميع جوانبها؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن لأحكام الحدود والدِّيات والمواريث ولباس المرأة أن تكون صالحة لجميع الأزمنة،
________________________________________
(4)نفسه، ص 415. انظر أيضاً فقرات من كتاب Summa Theologica لتوما الأكويني التي وردت في كتاب: Johnson, Philosophy of low, pp. 14 - 30 Conard

[الصفحة - 22]


ولا بدَّ من تقييدها بقيود ليصار إلى استخدامها في المجتمع العربي أيام صدور أحكام الشريعة أو المجتمعات المماثلة. وعليه، لا يمكن للإنسان أن يغدو مجرّد منفِّذٍ للأحكام والقوانين الدينية، بل يجب أن يبادر إلى تدوين سلسلة من القوانين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتنظِّم شؤون المجتمع بما يتناسب مع كل ظرف. أمَّا أن يدَّعي أحدهم بأنه على اتصال مباشر مع الله يسأله في كل ظرف عن القانون الإلهي، فهذا كلام باطل، ولا يلتقي مع كون نبوَّة النبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) هي النبوّة الخاتمة (5) .
ويمكن الرَّد على هذه الإشكالية بالقول: إن القوانين الإلهية الحاكمة لا تعني وجود حكم إلهي في كل صغيرة وجزئية، إنما المراد وجود أطر محدَّدة من قبل الوحي الإلهي يمكن الاستناد إليها لكسب التكليف في القضايا الجزئية. كما أن القول بعدم صلاحية الأحكام الإلهية بخصوص لباس المرأة والحدود والديات والمواريث، في كل زمان ومكان، يدعو إلى الكثير من التأمُّل، لأنه ليس من الصعب الالتزام بهذه الأحكام إذا لم نكن قد وضعنا في الحسبان مسبقاً أطروحات ذات أولوية.
يفسر عادل ظاهر، إذاً، حكم القوانين الإلهية تفسيراً سيئاً، ثم يطرح أمثلة يحكم منذ البدء على عدم إمكانية تطبيقها في الأزمنة والأمكنة جميعها.
إن مشروعية حكومة معيَّنة، أو قانون ما، بحث مصيري ينطوي على أهمّية بالغة، كما أن إضفاء صفة الشرعية والإلزام على قانون محدَّد بحث نظري ـ فلسفي له تأثير كبير على أبحاث الحكومة الدينية، وعليه يبحث المعتقد بانحصار الحكم بالله فقط عن جذور مشروعية أي حكومة أو قانون في طيّات الأوامر والنواهي الإلهية.
وإذا تجاوزنا كلام المودودي إلى ما قاله توما الأكويني، من عدم حصر القوانين بالإلهية منها، واعتقاده بالقانون الإنساني المتغيِّر، فإن الإشكالية التي تم توجيهها إلى هذا الأخير هي السبب الذي يدعونا إلى مواكبة القانون الطبيعي إذا كان المراد به القانون المنبثق عن دوافع وميول ضرورية معيَّنة حيال غايات خاصة في العالم؛ مع افتراض أن هذه القوانين قائمة على أساس ميول لم تصل إلى الاضطرار، وإلَّا فقدت معنى موافقتها ومخالفتها اختيارياً، وعليه بوسع الفرد أن يعمل بالقانون الطبيعي أو لا يعمل، فما هو السبب الذي يوجب على الإنسان إذاً العمل به؟
________________________________________
(5)عادل ظاهر، م.س.، ص 267 و268.

[الصفحة - 23]


يحاول عادل ظاهر أن يستنتج، هنا، أن القوانين الطبيعية غير ملزمة حتى لو أقررنا أخيراً بأنها تعود إلى الذات الإلهية، وبالنتيجة فإن الحكومة الإلهية، بمعنى حكومة القانون والقيم، غير ثابتة. وإذا كان لا بد من أن تستند القوانين التي تنظِّم حياة الإنسان على ما هو خارج عن ذاته، فما هي سوى القوانين الأخلاقية المستقلة عن إرادة الله، وبالنتيجة فإن الحكومة النهائية إنّماهي للأخلاق لا للدين (6) .
وللردّ على هذه الإشكالية يمكن القول: صحيح أن الميل الطبيعي للغايات لا يمكن ضمانه أخلاقياً، لكن من الواضح أنَّ مراد توما الأكويني من الميل الطبيعي هو الميل الفطري، لا أيّ ميلٍ، حتى ولو كان منبثقاً عن الشهوات والبعد الحيواني في الإنسان؛ وإلا لما كان هناك أي معنى لعودة القانون الطبيعي إلى القانون الأزلي، وهنا يمكن الإقرار بوجود وجوب عقلي يلزم كل إنسان بالانصياع لنداء فطرته الحقيقية، ليطيع القوانين الطبيعية بهذا المعنى؛ ولا يمكن إنكار هذا الوجوب العقلي سواء في الامتثال للأوامر الفطرية أو الامتثال للأوامر الإلهية، وهو ما سنلقي المزيد من الضوء عليه في تتمة البحث. غير أننا نضيف هنا: إن بعض الكتّاب توصلوا في بحوث فلسفة الأخلاق إلى نتيجة مقاربة جداً لما توصَّل إليه عادل ظاهر.
فقد أنكر الدكتور عبد الكريم سروش لزوم طاعة الواجبات الفطرية تأسيساً على أن الميل الطبيعي إلى شيء لا يضمن أخلاقيّته، وهذا نزاع صغروي فضلًا عن استبطانه إنكاراً للفطرة، فهو يقول في نقد مقال العلامة الطباطبائي (قدس سره): «غاية جهد هذه المقالة أن تثبت أن كل واجبٍ معلول مقتضى القوى الطبيعية والتكوينية الفعالة في الإنسان، وحينما يثبت ذلك يثبت تلقائياً وجوب العمل بذلك الواجب، بعبارة أخرى: إن الواجبات التي تستلهم من تكويننا الطبيعي، إنما هي أحكام طبيعية وفطرية تكتسب جوازها ووجوبها من دون الحاجة إلى أي برهان. بمعنى أنه لا يجري السؤال عن الحكم إن كان حسناً أم سيئاً بمجرد أن يتضح بأنه فطري، لأن أي حكم فطري هو حكم حسن في جميع الأحوال».
هنا ـ في تصورنا ـ يقع خلط مدمّر، لأن السؤال هو هو ما زال يفرض نفسه: لماذا يجب العمل بمقتضى التكوين الطبيعي، ولماذا تجب طاعة الأحكام الفطرية،
________________________________________
(6)نفسه، ص 269 و270.

[الصفحة - 24]


حتى لو افترضنا أننا توصلنا إلى مقتضى التكوين الطبيعي أو الحكم الفطري؟ من هنا يتضح وجود نوعين من الوجوب، فإذا لم نؤمن بالوجوب الرئيسي أو الأولي، لا يمكن أن نصوغ أي وجوب أخلاقي آخر، وهنا يتضح المعنى الذي ذهب إليه عدد من الحكماء الذين قالوا: إن الوجوب مفهوم بسيط لا يخضع للتجزئة، ولا يمكن تفسيره على أساس أي واقع مادّي (7) ، ثم يشكل حول كيفية الوصول إلى ما إذاكان الحكم فطرياً أم لا؟
من المستغرب أن ينتهي هذا الكلام المنطقي في ظاهره إلى القول: إن الوجوب الأولي هو الأمر الإلهي، أي أنه رأي أشعري تماماً لا يمكن لأي عاقل القبول به، لأن السؤال الذي تواجهه مثل هذه النظرية للوهلة الأولى هو: من أين جاء وجوب الوجوب الأوَّلي؟ ولماذا يجب أن نطيع الأمر الإلهي؟ من أين جاء هذا الوجوب؟ هل هو من الله أو من غيره؟ الاحتمال الأوَّل يقودنا إلى نوع من التسلسل اللانهائي، فيما تواجه الاحتمال الثاني إشكالية منذ الوهلة الأولى مفادها أن حاجتنا إلى وجوب غير الوجوب الإلهي يفضي بنا إلى الجزم بأن هذا الوجوب هو الوجوب الأوَّلي، وليس الوجوب الديني، ويمكن حل المسألة بإعلان عجزنا عن الاستغناء عن الوجوب العقلي، ولما كنا على معرفة بكمال الله وسيطرته وملكه فإن أوامره ونواهيه ترتبط بهذا الوجوب العقلي؛ فالعقل يلزم الإنسان بطاعة الأوامر الصادرة عنه تعالى، كما يلزمه بالإذعان للأوامر الفطرية للوجدان التي تتبلور بمقتضى غاياته الكمالية.
وعود على بدء نسأل: هل أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بمعناها غير التكويني، هي علاقة بين الله والإنسان توجب الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية؟ الجواب: نعم، ولا شك في ذلك، وأصل هذا الإلزام يعود إلى الوجوب العقلي الذي يتوافر عليه الإنسان إزاء الله وطاعة أوامره.
والإشكالية الوحيدة التي يمكن أن تُطرح، هنا، هي ما إذا كانت هذه العلاقة تعود إلى احتمالات أخرى سنأتي عليها لاحقاً في اكتساب هذا الإلزام وتلك المشروعية، وما إذا كانت هذه العلاقة بالشرح الذي قدمناه معياراً مستقلًّا لامتثال الأوامر الإلهية، أم إنها تقع في طول هذه الاحتمالات وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.
________________________________________
(7)عبد الكريم سروش، دانش وأرزش (العلم والقيمة)، ص 269.

[الصفحة - 25]


العلاقة بين الخالق والمخلوق
الضَّرورة الأخرى التي تدعو إلى لزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية هي العلاقة بين الخالق والمخلوق. إن أصل وجودنا وجميع خصائص هذا الوجود مدينون بها لله الخالق، وإن الامتثال والطاعة لمن ندين له بهذا الوجود ربما كان مستلهماً من المبدأ الأخلاقي في شكر المنعم أو الإحسان للمحسن؛ فكسب رضا من ندين له بجميع جوانب هذا الوجود يعدّ مصداقاً لهذا المبدأ الأخلاقي الذي لا يختص بالله فحسب، ويتجلّى أيضاً في العلاقة مع الوالدين، ولكن مع الفارق الهائل بين دَين الفرد للأبوين ودينه لله، ذلك أن الأبوين ليسا إلا علة وسيطة لوجود الإنسان، في حين يعدّ الخالق علة العلل، بل العلة الحقيقية لهذا الوجود.
الضرورة الثالثة للزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية، وترتبط بشكل أو بآخر مع الخالقية، هي علاقة الملكية. فالله تعالى هو خالق الكائنات جميعها، وبالنتيجة فهو مالكها، والتصرُّف في هذا الملك يحتاج إلى إذن منه. فهو الذي يجب أن يأمر بفعل شيء ما وينهى عن غيره، ويعود لزوم الامتثال لهذه الأوامر والنواهي إلى لزوم الإذن في التصرُّف، فأي فعل يصدر عن العبد يعدّ نوعاً من التصرُّف من قبله مما يحتاج إلى إذن المالك. وبالطبع فإن تصوُّر ملكية الله للأشياء يعدّ مسألة غامضة. فهل لله ملكية اعتبارية للأشياء فضلًا عن ملكيته التكوينية لها؟ وهل أن الملكية التكوينية هي التي تدعو إلى لزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية، أو أن ذلك يحتاج إلى تصور نوع من الملكية الاعتبارية؟
ويكتفي سوينبرن (R. Swinburne) بالقول: إن خالق الشيء من العدم لا شك في أن يصبح مالكاً له، من دون أن يوضح نوع الملكية وما إذا كانت حقيقية وتكوينية أو اعتبارية.
ولجون لوك (J.Locke) نظرية معروفة في هذا المجال، اعتقد فيها بأن الإنسان حينما يوظف قواه في الطبيعة ويصنع شيئاً فإنه يحظى بحق الملكية إزاءه، وهو أحقّ من غيره بملكية عمله (8).
________________________________________
(8)نقلًا عن عادل ظاهر، م.س.، ص 271.

[الصفحة - 26]


والحقّ أن تحليل ظاهرة الملكية والحقّ المترتّب عليها ومصدرها أمر في غاية الصعوبة، وقد ناقشنا هذه المسألة في بحث آخر مما لا يتسع المجال لذكره هنا تفصيلًا، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الفقهاء المتأخرين لهم باع طويل وأبحاث معمَّقة في هذا الموضوع في أوائل بحث البيع، لا سيما المحقق الأصفهاني (الشيخ محمد حسين) الذي ألّف رسالة مستقلة في باب الحق والحكم والفرق بينهما (9) ، وللشهيد مطهري أيضاً آراؤه في باب الملكية والحقوق بشكل عام.
وما يذلّل المسألة القول: إن هذه الملكية لا تؤثر على المبدأ الأخلاقي الذي أشرنا إليه، فالإنسان ملزم بعدم التصرُّف في ملك غيره (من أي سنخ كان) من دون إذنه؛ بتعبير آخر: أن يخضع هذا التصرف لأوامر المالك ونواهيه، وهذا مبدأ أخلاقي لا خلاف عليه تقريباً، ويمكن أن يصح مصدراً للزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية.
إشكاليتان
ثمة إشكاليتان هنا تسجَّلان على ما قدّمناه من أفكار:
الأولى: إن لزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية ليس لزوماً مطلقاً، إنما هو في حده الأقصى لزوماً أوَّلياً (prima faua)، بمعنى أنه يصبح لزوماً بالفعل في حال غياب حيثيات أخرى، أما مع وجودها فإنه يبقى لزوماً مشروطاً غير فعلي، وعليه فليس صحيحاً ما يقوله الدعاة إلى إقامة الحكم الإسلامي عن وجود أمر من قبل الله لإدارة شؤون المجتمع، لأن هذا الأمر وعلى فرض وجوده ليس أمراً فعلياً، ولن يصبح فعلياً إلا بعد ملاحظة اعتبارات وحيثيات كثيرة أخرى والاطمئنان إلى عدم وجودها.
ولكن لماذا لا يتّصف هذا الأمر بالفعلية والإطلاق؟ هناك اعتبارات أخلاقية ترجح أحياناً على مراعاة الأوامر والنواهي الإلهية، وهي بالنتيجة مقدمة عليها. لنفترض أن الله أمر بتدمير مدينة على ساكنيها الأبرياء، فهل يتم الامتثال لمثل هذا الأمر؟ لا ريب في أن القواعد الأخلاقية لا تحثنا على تنفيذ هذا الأمر بل تمنعنا منه.
________________________________________
(9)حاشية المكاسب، الطبعة الحجرية.

[الصفحة - 27]


ينطبق الأمر نفسه على العلاقة مع الأبوين، فعلى الرغم من أن الطاعة لهما واجبة أخلاقياً، لكن ليس أمامنا أي دليل يلزمنا بالطاعة في الحالات التي تفضي إلى الظلم والعدوان. لهذا فإن لزوم طاعة الأوامر والنواهي الإلهية ليست مطلقة، وكذلك الأمر بالنسبة للأبوين (10) .
ثمة جواب واضح عن إشكالية الأوامر الإلهية، وهو أن الله يمثّل الخير المطلق، ولا يمكن أن يصدر عنه أمر ينطوي على شرّ أو يتقاطع مع الأخلاق، لذا فمن المحال افتراض صدور أمرٍ عن الله يتضمّن جانباً غير أخلاقي، فإذا أمر الله بإدارة المجتمع الإسلامي بشكل معين، فلا يمكن أن يتضمن هذا الأمر بعداً أخلاقياً يمنع من فعله.
ويرد عادل ظاهر على هذا القول، فيرى أن لا شك في أن الله لا يأمر خلافاً للجوانب الأخلاقية الراجحة، غير أن هذا لا يعني أن الأوامر الإلهية مطلقة؛ فعلى سبيل المثال أمر الله بالصدق، وهذا الأمر ليس مطلقاً لجميع الظروف على الرُّغم من مراعاته للقواعد الأخلاقية العامة. ومن الخصائص اللازمة لفعلية هذا الأمر أن نكون مخيّرين بين قول الصدق وعدمه، وإلَّا إذا افترضنا إمكانية مراعاة الشق الثاني، فإن من الأولى لزوم قول الصدق (11) (إذا كان السكوت على سبيل المثال أنفع).
نعتقد بأن عادل ظاهر يرتكب مغالطة واضحة، ذلك أن الاعتبارات الأخلاقية الراجحة التي تستطيع منع فعليّة الأمر الإلهي تنفي موضوع قضية وجوب طاعة الأمر الإلهي وليس أصلها، بعبارة أخرى: إنّ تدخّل الجوانب الأخلاقية الأخرى التي تخص ظروفاً معيّنة يمنع على أقصى تقدير الأمر الإلهي، ولا يمنع قضية وجوب طاعة الأمر الإلهي؛ فهذه القضية هي قضية حقيقية لا يتنافى عدم فعلية موضوعها مع إطلاق محمولها، بمعنى أن الامتثال لازم أينما يتحقَّق الأمر حتى لو منعت بعض الاعتبارات الأخلاقية من تحقّق الأمر الإلهي.
ثم يشير عادل ظاهر إلى إشكالية أخرى ويقول: إن مسألة لزوم الامتثال تتخذ منحىً آخراً لو طرحنا موضوع كون الله خيراً مطلقاً. وقد ادّعى أنصار الحكم الإسلامي وبعض الفلاسفة أن الخالقية تعدّ شرطاً كافياً للزوم الامتثال لأوامر الله،
________________________________________
(10)عادل ظاهر، م.س.، ص 274.
(11)نفسه، ص 276.

[الصفحة - 28]


بينما اضطر هؤلاء إلى إلحاق مقدمة أخرى، وهي كون الله خيراً مطلقاً. فبين الموقفين الأول والثاني فرق هائل، فالأول يربط الأخلاق والواجبات الأخلاقية بالمعرفة الدينية، بينما يتطلَّب الثاني استقلال المعرفة الأخلاقية عن المعرفة الدينية (12) .
وإذا أقررنا باستقلال المعرفة الأخلاقية (أو المعرفة العملية والمعيارية) عن المعرفة الدينية، عندها لا يتوقف تنظيم شؤون المجتمع على أوامر الشارع ونواهيه، إنما يقام على التأملات الأخلاقية والمعيارية المستقلة. بعبارة أخرى: إن الاعتبارات العملية والأخلاقية المستقلة وليست الأوامر والنواهي الإلهية هي التي تلزم تدبير شؤون المجتمع على هذه الشاكلة أو تلك، فإذا أمرنا الله بإدارة المجتمع بصورة معينة، فإن هذا الأمر صحيح بوصفه الأخلاقي، وبوصفه هذا نحن ملزمون به، وبالنتيجة فإن الإلزام ليس مستلًّا من الأمر والنهي الإلهيَّين، إنما هو قائم على اعتبارات العقل العملي المستقل.
الإشكالية أعلاه قائمة على خطأين أساسيين:
الخطأ الأول: رأى أن عدم تبعية الأخلاق إلى الدين بنحو عام يستلزم استقلالها في جميع المعايير والإلزامات، فيما الأمر ليس كذلك.
الخطأ الثاني: رأى أن العقل العملي المستقل يستطيع التوصل إلى جميع المصالح والمفاسد والإلزامات المترتبة على ذلك، وحقيقة الأمر ليست كذلك.
في توضيح الخطأ الأوَّل نقول: إن عادل ظاهر يعتقد جازماً بأن الأوامر والنواهي الإلهية يمكن فقط أن تؤدِّي إلى لزوم فعل معيّن أو عدم لزومه في إطار حكم عقلي يثبت بنحو عام لزوم الامتثال؛ أما القول: إن علينا أن ننفّذ لأن الله أمرنا بالفعل «الكذائي» فهو في الواقع مقدمة مطوية لقياس مضمر.
ثم يستنتج أن المعرفة الأخلاقية مستقلة عن المعرفة الدينية.
إنَّ مشكلة هذا الكلام هي عدم وجود تلازم بين النتيجة والمقدمات؛ فربما نوافق على أنه ليس من الضرورة أن تكون جميع الإلزامات الأخلاقية هي نتاج الأوامر والنواهي الإلهية، ولكن نقول في الوقت نفسه: إن الأمر والنهي الإلهيَّين يمكن أن
________________________________________
(12)نفسه، ص 276 و278.

[الصفحة - 29]


يتطلَّبا بعض الإلزامات، بل نستطيع أيضاً أن نقرّ بأن هذه القضية الأخيرة مع الوجوب الكلي هي التي تنتج الإلزامات. وهذا الوجوب هو الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية.
أجل، الوجوب يتطلَّب الانصياع للأوامر الإلهية حتى وإن كانت القضية عملية ومعيارية، لكنها لا يمكن أن تنتج أي وجوب خاص، فالأوامر والنواهي الإلهية هي التي تشكل الموضوع، ومنها يُنتج الوجوب المرتبط بالأفعال. إن القضية الكلية أعلاه لا تدعو إلى العمل بالعدل، ولكن حينما نضع الأمر الإلهي بالعدل إلى جانب تلك القضية فسينتج وجوب العمل بالعدل.
لا يعني هذا الكلام سوى أن الأوامر والنواهي الإلهية يمكن أن تتطلب إلزامات خاصة لا وجود لها في حال عدم الأمر بها. ويمكن القول بنحو أخصّ عن الحكم الإسلامي وتنظيم شؤون المجتمع حسب الأوامر والنواهي الإلهية: إنه ليس هناك أي إلزام خاص في تنظيم شؤون المجتمع من قبل القضية الحقيقية في وجوب العمل بالأوامر والنواهي الإلهية في حال عدم وجود أي أوامر من هذا القبيل، ويتحقق الإلزام مع وجود هذه الأوامر وإن ألحقنا بها هذا الوجوب العقلي والعملي. وليس لدعاة إقامة الحكم الإسلامي ومعارضي العلمانية كلام سوى هذا، وليس ثمة لزوم للإصرار على أن المعرفة العملية منبثقة من المعرفة الدينية. وقد ارتكب عادل ظاهر هذا الخطأ حينما قال: إن المعرفة العملية مستقلة ما دامت ليست منبثقة عن المعرفة الدينية، ولهذا ليس ثمة دور للأوامر والنواهي الإلهية في الإلزامات المرتبطة بتنظيم شؤون المجتمع.
في توضيح الخطأ الثاني، حيث يفهم من كلام عادل ظاهر، في غير موضع، أن العقل العملي قادر على فهم الفعل الصحيح ولا حاجة للوحي والأوامر والنواهي الإلهية، ويقيّد هذه القدرة بقيد «من حيث المبدأ» أو «على الأصول» (13) .
إن هذا الخطأ من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى بحث جاد؛ فالمرء يدرك صحة فعل معين وسقمه عندما يعلم بنتائجه. وليس من الصعوبة بمكان التصديق بالغايات الأصيلة العملية والمعيارية باعتبارها أموراً كلِّية، مثل الكمال النهائي والسعادة، بيد أن طريق الوصول إلى هذه القيم والمعايير لا يمكن الإفتاء فيه حتى مع قيد «على
________________________________________
(13)نفسه، ص 281.

[الصفحة - 30]


الأصول». كيف يستطيع الفرد الذي تخفى عليه معظم نتائج الأفعال أن يقرِّر أي فعل يفضي إلى الكمال النهائي، أو يقرِّب الإنسان إليه. إن الإشكالية الأساسية لدى المؤلف تتمثل في أنه يعدّ المعرفة العملية ممكنة من حيث المبدأ. وهذا هو واقع الأمر في كلِّيات الأخلاق أو القيم النهائية، لكن هناك شكوى وهواجس في طريق الوصول إليها والمسار المؤدي إليها؛ ولهذا نرى أن الفيلسوف الواقعي جورج مور (G.Moore) يوصي باتخاذ أسلوب محتاط وحذر ومحافظ والعمل ما أمكن بالأخلاق التقليدية. إن الحاجة إلى الأوامر والنواهي المولوية الشرعية والإلهية إنما تأتي في سياق الكشف عن هذه السبل الموصلة إلى الكمال النهائي. وقد توهّم عادل ظاهر حينما زعم أن الإنسان قادر على المعرفة العملية نافياً بذلك الحاجة إلى الدين.
سبق وقلنا: إن هناك إشكالين يتعلَّقان بلزوم الامتثال المطلق للأوامر والنواهي الإلهية: أولهما ناقشناه بالتفصيل في ما مضى من البحث، أما الثاني فنترك التفصيل فيه إلى فرصة أخرى، على أن نشير هنا فقط إلى أن هذا الإشكال يحوم حول إمكانية التطبيق الظرفي والمكاني للأوامر والنواهي الإلهية، ويزعم من يطرح هذه الشبهة أن مثل هذه الأوامر لا يمكن أن تصدر عن الله، وليس من المعقول أن يصار إلى الالتزام بها بشكل مطلق. هذه الإشكالية لا ترتبط بموضوع الطاعة لله، إنما تقوم على أساس أن القوانين التي تطرح لتنظيم حياة البشر نسبيَّة ومحدَّدة بزمان ومكان معيَّنين، ولا يمكن أن تتعلق بالأوامر والنواهي الإلهية المطلقة التي تخاطب المكلَّفين بغض النظر عن الخصوصيات الزمانية والمكانية (14) .
الخلاصة
حاولنا، في هذا البحث، أن نتطرَّق إلى أنواع حالات تدخُّل الدين في الشؤون الدنيوية، ونناقش الانتقادات الموجهة إليها. وقد لاحظنا، من النَّاحية الثبوتية، أن الاحتمال الأكثر وجاهة هو أن الدين يستطيع، بل يجب، أن يتدخل في الشؤون الدنيوية للإنسان، لأن هذا الأخير ينشد الكمال، وأي انحراف، وإن كان صغيراً، من شأنه أن يمنعه من الوصول إلى الكمال النهائي. وليس من اليسير على المرء أن يختار طريقاً واحداً من بين الكثير من الطرق المفتوحة أمامه. وقد قام الوحي الإلهي
________________________________________
(14)نفسه، ص 273.

[الصفحة - 31]


بمهمَّة إرشاد الإنسان، وبيّن له طريق تدبير حياته، ما يمكِّن من الرد على شبهات العلمانيين بشكل كامل.
أما من الناحية الإثباتية، فإن لزوم الامتثال للأوامر والنواهي الإلهية يتطلَّب منَّا أن نتَّبع تعاليم القرآن والسنّة النبوية وسنّة المعصومين، وقد لاحظنا أن الشبهات المطروحة في هذا مردودة، وأن علينا أن نختار العبودية المطلقة لله الواحد الخالق والمالك لكل ما في الوجود.
________________________________________

[الصفحة - 32]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف