البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات

الباحث :  الشيخ زين العابدين شمس الدين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  25
السنة :  السنة السابعة ربيع 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1142

وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات

الشيخ زين العابدين شمس الدين (*)

تمهيــد
إن الحديث عن تحرير المرأة ومساواتها بالرجل أخذ طابعاً جدِّياً عند الكتاب العرب والمسلمين منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وكانت باكورة ظهوره قد حصلت في مصر عندما طرح الشيخ محمد عبده بعض المسائل حول المرأة، منطلقاً من إشكاليَّات خاصة بالمجتمع المصري، وتبعه على ذلك تلميذه قاسم أمين في كتابه «تحرير المرأة»، وغيرهما من الكتاب والمفكِّرين (1)، الذين انطلقوا في معالجتهم لهذه المسألة وأمثالها من باب محاكاة الحضارة الغربية في تطورها ونموها واعتبار أن التمسُّك بالتراث في بعض المسائل يعوِّق المواكبة الحضارية، بل ويتنافى مع الحداثة المطلوب تحقيقها في مجتمعاتنا، ومن أهم تلك المسائل مسألة حقوق المرأة وما يتعلق بها من موضوعات، فقد صار من المسلَّم به أن أي مشروع نهضة، على المستويين: الاجتماعي والحضاري، لا يمكن أن يستثني في برنامجه موضوع المرأة وحقوقها، لما للمرأة من أهمية كبيرة في حياة الإنسان الاجتماعية، فإنها تشكل نصف المجتمع في أغلب الأحيان.

من هنا كثرت الكتابات عن المرأة عند كتَّابنا، ومن جملة ما تناولوه بالبحث والدِّراسة مسألة «تعدُّد الزوجات»، وحق الرجل في الزيادة على الزوجة الواحدة، فضلًا عن غيرها من المسائل الشائكة ـ بنظرهم ـ والتي قد لا تقل أهمية عن مسألتنا، كمسألة الحجاب والإرث والديات وغيرها...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)لبنان باحث من الحوزة العلمية، من
(1)نذكر، من باب المثال: نجيب جمال الدين وشحادة الخوري والطاهر الحداد وفاطمة المرنيسي ونوال السعداوي.

[الصفحة - 319]


فكان من الطبيعي أن تُعَدَّ مسألة التعدُّد والزواج الثاني ـ في نظر بعض هؤلاء الكتاب والباحثين في ظل ظاهرة الحداثة ـ ظلماً للمرأة، وهدراً لحقوقها، وتجاهلًا لمشاعرها تعزيزاً لحقوق الرجل ومشاعره، بل ذهب بعضهم إلى تصوير المسألة بشكل أكثر قبحاً وأشد إيلاماً من الناحية الإنسانية، باعتبار أن هذه المظلومية للمرأة كانت لحساب شهوات الرجل ونزواته، وبالتالي فإن هذه المسألة كانت خاضعة لضوابط أنانية ومعايير حيوانية بعيدة البعد كلّه عن احترام مشاعر المرأة بوصفها إنساناً، وتتنافى مع قدسيتها وحقوقها التي منحها إياها الإسلام، بل إنها تجانب، في كثير من الأحيان، أبسط الحقوق الإنسانية للمرأة، والتي أصبحت في وقتنا هذا من الأمور التي لا يختلف عليها اثنان.
من هنا وقع بعض هؤلاء الكتاب في سجال كبير، تارةً، تحت عنوان الدِّفاع عن الإسلام ونظامه ودفع هذه التهمة المشينة عنه، وأخرى تحت عنوان الالتحاق بركب الحداثة وإزالة كل ما يعوّق ذلك ويمنعه، عبر قولهم: إنَّ هذا القانون الإسلامي كان خاضعاً لظروف النظام القبلي الذي كان سائداً في فجر الدولة الإسلامية، ومنسجماً مع حياة المجتمعات البدائية، ومن ثمَّ فلا يمكن لنا اعتبار هذا التشريع تشريعاً خالداً يتناسب مع جميع الظروف، وينسجم مع المجتمعات كافة وفي الأوقات جميعها، وبالأخص في هذا العصر الذي تطورت فيه الحياة الاجتماعية إلى الحد الذي لم يسبق له مثيل، وصار تطبيق مثل هذا القانون من علامات التخلف الحضاري والتقوقع في زاوية من زوايا التاريخ.
ولعلَّه من المفيد أن نشير هنا إلى أن الهجوم على نظام تعدُّد الزوجات في الإسلام واعتبار هذا القانون منافياً للفطرة، ومنسجماً مع التسلط الذكوري على المرأة، كان قد استلم دفته وقاد الحرب فيه المبشرون المسيحيون في القرون الوسطى، كما يستوحى من كلمات ول ديورانت في كتابه «قصة الحضارة» (2).
وقد طالعنا، منذ أمد غير بعيد، بعض الكتاب الذين نقضوا على إجراء قانون تعدُّد الزوجات في هذا الوقت، وانتصروا للقانون التونسي الذي أقر المنع من الزيادة، ومنع من الزواج المتعدد، أعني به الدكتور نصر حامد أبو زيد، فقد تناول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2)ول ديورانت، قصة الحضارة، 1/70.

[الصفحة - 320]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
هذه المسألة بشكل عابر في كتابه «دوائر الخوف، قراءة في خطاب المرأة»، والكتاب المذكور، وإن كان يلاحظ احتواؤه على الكثير من المطالب المهمة والشائكة التي يستدعي البحث فيها ومناقشتها مجالًا أوسع من هذه المقالة المتواضعة، إلَّا أن هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى هذه المسألة بالذات في كتابه، ومن أن نضع بعض الملاحظات في شأنها.
وسوف نستعرض دليله مع توضيح وتلخيص، مسلِّطين الضوء على أهم المطالب المرتبطة ببحثنا، والتي أوردها ضمن فصل مستقل، ونحاول قدر الإمكان أن نبيِّن بعض الملاحظات عليه من دون الدخول في سجال عام ومناقشة شاملة لأصل هذه المسألة (تعدُّد الزوجات)، باعتبار أن البحث في جميع الجوانب المرتبطة بها يحتاج إلى كتاب مفصَّل، لسنا في صدده الآن.
استعراض دليل أبو زيد
في بيانه لمنع العمل بتعدُّد الزوجات، اعتمد الكاتب المذكور على دليل واحد يتألَّف من ثلاثة محاور:
المحور الأول: هو أن الآية التي تتحدث عن إباحة التعدُّد: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء/3]، مذيَّلة بإباحة معاشرة ملك اليمين، ومعاشرة ملك اليمين منصوص عليها بالدرجة نفسها من الإباحة والوضوح الموجودين في مسألة تعدُّد الزوجات، والحال أن معاشرة ملك اليمين قد غابت تلقائياً بفضل التطور الواقع لوعي الإنسان عبر العصور، وتقدم السنن الاجتماعية وسيرورة الحياة.

فإباحة تعدُّد أربع نساء يجب أن تفهم من خلال طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة قبل الإسلام، باعتبار أن الإسلام قد جاء في ظرف كان الرجل فيه لا يقف عند حد معين من النساء في مسألة الزواج، فكان بعضهم يتزوج العشرة والعشرين، وفي هذا السياق نرى أن إباحة هذا العدد ـ أي الأربعة ـ يمثل تضييقاً لفوضى امتلاك المرأة من قبل الرجل قبل الإسلام، ونقلة نوعية في طريق تحرير المرأة من الارتهان الذكوري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 321]


المحور الثاني: وجود بعد في القرآن الكريم غير مذكور بصراحة، وهو البعد المضمر، و «المسكوت عنه» في الخطاب.
هذا البعد المسكوت عنه نصل إليه عبر الجمع بين الآيتين {وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} و {لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} [النساء/129]. فإن الآية الأولى ـ والتي هي مؤكدة للمحور الأول من حيث اعتبارها تضييقاً للتعدد ـ تشترط الزيادة بالعدل.
والآية الثانية تنفي العدل بين النساء في حالة التعدُّد، وهو نفي مركَّب على مستوى الدلالة: نفي إمكانية العدل بين النساء نفياً أبدياً، ونفي محاولة الحرص على تحقيق هذا العدل.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن العدل مبدأ من المبادى الجوهرية في الإسلام، نجد أن ثمة تعارضاً ـ من وجهة نظر القرآن ـ بين «المبدأ» الذي هو العدل، وبين الحكم بـ «الإباحة»، وإذا تعارض الحكم مع المبدأ فلا بد من التضحية بالحكم حفاظاً على المبدأ.
وهكذا يكاد القرآن ـ في تطوُّر سياقه الداخلي ـ يحرِّم تعدُّد الزوجات بطريقة ضمنية، أو بدلالة المسكوت عنه.
المحور الثالث: وهو محور منطقي مبني على المحورين السابقين ومؤكد لهما، فإذا فرضنا أن إباحة الأربع نساء كانت تضييقاً لتعدُّد أوسع منه، فإن عنوان الإباحة لا ينطبق على هذا التضييق الذي كان بخطاب الإباحة؛ باعتبار أن التقييد يمثل صياغة قانونية معدَّلة لحكم اجتماعي لم يعد يلائم تطور وعي الجماعة، ولا مستوى الوعي الذي أراد القرآن تحقيقه. وإذا انتفت صفة الإباحة عنه لم يعد داخلًا تحت المباحات، ومن ثمَّ لا يكون إلغاؤه محرَّماً. بل الأحرى أن نقول إن إلغاءه وقصر الزواج على زوجة واحدة يعد بمثابة تضييق آخر رأى المشرع أنه يناسب تطور المجتمع. وهذا التضييق لا يندرج تحت باب «تحريم المباح»، أي أنه يخرج من حيِّز الأحكام الدينية ويدخل في حيِّز الأحكام المدنية.
ولو سلَّمنا أن تعدد الزوجات حكم يقع ضمن دائرة المباح، فإن عدم فعله ـ ولو بالمنع عنه ـ لا عقاب عليه بحسب القاعدة الفقهية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 322]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
هذا خلاصة ما استدل به «الدكتور أبو زيد» في كتابه المذكور لتوضيح دعواه في هذه المسألة (3).
بحث ومناقشة
وكلامه هذا يتضمَّن عدة نقاط، سنفرد كلًّا منها على حدة ونحاول طرح بعض الملاحظات عليها:
النُّقطة الأولى: إن وجود ملك اليمين، في الآية المجوِّزة للتعدُّد، يكشف عن وجود ارتباط حكمي بينهما؛ فإذا انتفى الحكم الأول للأسباب التاريخية والوعي الاجتماعي ينتفي حكم الثاني للأسباب نفسها.
وهنا نقول: أولًا ـ إن اجتماع جواز التعدُّد مع نكاح ملك اليمين، في الآية الكريمة، لا يكشف عن وجود ارتباط تقنيني وثيق بين حكميهما، بحيث إذا انتفى أحدهما لأسباب تاريخية معينة ـ ولو كانت وعي المجتمع وسيرورة الحياة ـ ينتفي الحكم الآخر الموجود معه في الخطاب نفسه، فإذا سلم أن المشرع منع من أحد الحكمين وصار نكاح ملك اليمين حراماً، أو فرض انتفاء العمل به شرعاً، فلا موجب لانتفاء الحكم الآخر أو تحريمه، بل يبقى على ما كان عليه من الحكم السابق، إذ لا يصح أن يتعلَّق الحكم بغير متعلقه الخاص، وبعبارة أخرى: لا يمكن لنا القول: إنَّ المولى أراد من المنع عن أحد الحكمين وتحريمه ـ على فرض ذلك ـ المنع عن الحكم الآخر أيضاً، لمجرد اشتراكهما في خطاب الإباحة، إلا بناء على قياس ذوقي لا يرجع إلى أساس منطقي.
ثانياً: إنه من غير المسلَّم به أن المشرِّع قد حرم نكاح ملك اليمين، بل الحكم بالإباحة لا يزال موجوداً، لكن الذي حصل هو أن موضوع هذا الحكم قد اختفى تدريجياً بفضل تطور الحياة الاجتماعية (4)، فإن انتفاء موضوع حكم ما، لا يستلزم انتفاء حكمه ثبوتاً، بل يكون انتفاء حكمه على نحو القضية السالبة بانتفاء الموضوع، فلو فرض وجود موضوع له ـ كأن يفترض عودة التداول بظاهرة ملك اليمين إلى المجتمعات ـ لعاد الحكم الإسلامي السابق إلى ما كان عليه في عصر النص من الإباحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3)دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة، نصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، ص 287 ـ 293.
(4)هذا الكلام مع غض النظر عن المشروع الإسلامي في التقليل من ظاهرة الرق والعبودية في المجتمعات الإسلامية كما سوف نشير إلى ذلك لاحقاً.

[الصفحة - 323]


النقطة الثانية: إن الوعي الاجتماعي وسيرورة الحياة اللذين فرضا إلغاء ظاهرة ملك اليمين، هما اللذان ينبغي أن يفرضا إلغاء ظاهرة التعدُّد في المجتمع.
وهنا نقول: أولًا ـ إن هناك فرقاً جوهرياً بين الوعي الذي حصل بالنسبة لملك اليمين والوعي (المنشود) في مسألة تعدُّد الزوجات، هذا الفارق يلاحظ بقراءة سريعة للأحكام المتعلقة بالعبيد والإماء، وتلك المتعلقة بالزواج المتعدِّد، فمثلًا نلاحظ أن المشرع قد فرض وجوب عتق عبد عند حصول مخالفة لبعض الأحكام الشرعية، وجعله كفارة لبعض التجاوزات التكليفية، بل واستحبابه في كثير من المناسبات كالأعياد وأيام الجمعة وفي أيام شهر رمضان، إضافةً إلى وجود كم كبير من الخطابات الشرعية التي تحث على عتق المماليك بسبب ومن دون سبب، وغيرها من الأحكام المتعلقة بهذه المسألة، والتي تغنينا عن الإتيان بشواهد أخرى لإثبات صحة هذه الدعوى. وهذا لا يمكن ملاحظته في الخطابات والأحكام المتعلِّقة بمسألة تعدد الزوجات.
من هنا نستكشف وجود سياسة في الإسلام تهدف إلى تحرير العبيد والمماليك عبر مدَّة زمنية تتناسب مع وعي الناس في ذلك الحين، وتنسجم مع سيرورة الحياة، ما يؤدِّي إلى الحد من هذه الظاهرة في المجتمع بشكل تدريجي، بل وإلغاؤها عملياً من قاموس الحياة الاجتماعية للمسلمين. ومثل هذه السياسة لا نجدها بالنسبة إلى تعدد الزوجات.
بل نلاحظ العكس من ذلك تماماً، فإننا إذا ألقينا نظرة على البرنامج والنظام التربوي الذي تتربى عليه المرأة المسلمة والمجتمع المسلم، لا نجد فيه أي هدف للإسلام، أو أي سياسة تستوجب القضاء على هذه الظاهرة مع مرور الزمن، إن لم نقل: إنَّ النتيجة قد تكون عكسية تماماً، فإن التربية الإسلامية للمرأة تنسجم أشد الانسجام مع مسألة التعدُّد. والذي يشير إلى ذلك وجود كم لا بأس به من الخطابات الشرعية مشفوعة ببعض المفاهيم الأخلاقية ـ التي تلاحظ بوضوح عند مراجعة سريعة لمصادر التشريع الإسلامية ـ التي تساعد على القبول بفكرة الزوجة الثانية لدى النساء والرضا بوجود ضرة لها. وليس هنا مكان إبراز هذه الخطابات والأدلة، بل لها مقام آخر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 324]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
وما نراه من أخلاقيات عند المسلمين تتنافى مع تطبيق هذا القانون في هذا الوقت، إنما هو نتيجة ابتعادنا عن التعاليم الإسلامية وما تريد أن توصلنا إليه من تربية وسلوك، فهل هناك من تزوَّج زوجة ثانية، وحافظ على العدل الواجب شرعاً بين الزوجتين؟ أو هل كانت الزيجات الأخرى منطلقة من واقع المسؤولية التي كلف بها الزوج اتجاه زوجاته؟ الجواب واضح بالسلب، وذلك نتيجة تأثر أكثر مجتمعاتنا بالثقافة الغربية وتطبُّعها بها، تلك الثقافة التي تجعل من أهم أولوياتها سعادة الفرد ولذاته الخاصة مقابل أقل قدر من المسؤولية التي يتحملها أمام الآخرين، فيقوم الزوج بالتزوج ثانياً إرضاءً لهذه النزوة، من دون التوجه إلى الوظيفة الملقاة على عاقته بعد إقدامه على هذا الفعل. وهذه الثقافة تختلف كثيراً عن الثقافة الإسلامية التي تعتمد على مشاركة الفرد في تحمُّل مسؤولياته الاجتماعية اتجاه كل فرد من أفراد المجتمع خصوصاً الأقرب فالأقرب، وهذه الثقافة تجعل في سلَّم أهدافها وأولوياتها صلاح الإنسان ككل وسعادته كنوع، خصوصاً فيما لو فرض تعارض الصلاح الاجتماعي مع المصالح الشخصية.
وثانياً ـ إن هناك مقولة ترى أن القانون الإسلامي لم يتعامل مع نظام الرق وملك اليمين من منظور نفعي واستغلالي محض، بل ترى أن مواجهة هذا النظام في صدر الإسلام كان سيواجه متاعب كثيرة على صعيد تطبيقه، وسيثير فوضى اجتماعية عارمة. لذا عمد الإسلام إلى تطبيق سياسة التدريج في تنفيذ هذا القانون، ومن أهم الشواهد على هذه المقولة هو أن الإسلام لم يكن يرى سبباً لعبودية الإنسان الحر غير الأسر في الحروب والغزوات، وهذا السبب لإنشاء العبودية في الإسلام لم يكن من جملة تشريعاته الابتدائية، بل كان إمضائياً نتيجة قانون المعاملة بالمثل، حيث كان القانون الحربي عند أكثر المجتمعات في ذلك الوقت هو استرقاق الأسرى ـ في أحسن الحالات، حيث كانوا يقتلون الأسرى أحياناً ـ ولم يكن الاسترقاق وإنشاء العبودية لأشخاص ولدوا أحراراً من جملة قوانينه، كما ذكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر: «ونحن إذا لاحظنا حكم الإسلام بشأن الأسير، خلال التطبيق في الحياة السياسية للدولة الإسلامية، وجدنا أن الاسترقاق لم يحدث إلا في تلك الحالات التي كان الاسترقاق فيها أصلح الحالات الثلاث ـ القتل والفداء والأسر ـ لأن العدو الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 325]


اشتبكت معه الدولة الإسلامية في معاركها كان يتبع نفس الطريقة مع أسراه» (5).
وهذا خير دليل على الفارق الجوهري الموجود في كلتا المسألتين المطروحتين في هذه الآية.
النقطة الثالثة: إن مسألة التعدُّد يجب أن تفهم من خلال العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة قبل الإسلام، وأن الإباحة تعدّ تضييقاً لحالة الزواج غير المحدودة التي كانت عليها سابقاً، ومن ثمَّ يمكن للمشرع الآن أن يحصر الزواج في امرأة واحدة بعد هذه المراحل من تطور البشرية ووعيها، بعد أن صارت الأرضية مناسبة له الآن، فإن هذا الحصر يعد نقلة طبيعية وامتداداً للطريق الذي بدأه النظام الإسلامي.
والجواب: أولًا ـ إن مجرَّد كون التقييد الذي جاء به الإسلام بعد مدّةٍ من الفوضى في الزواج مثلًا، لا يكشف عن أن مراد الإسلام من هذا التقييد هو التضييق المتكرر الذي ينسجم مع تطور المجتمع في جميع حالاته، بحيث يمكننا القول: إنَّ الحكم الإسلامي الآن هو تحريم التعدُّد رأساً، فإن مثل هذا الكلام يحتاج إلى معرفة الملاك لهذا الحكم، والحكمة من هذا التشريع، وبيان أن العلة والغاية من التقييد هما تحرير المرأة الذي كان الإسلام قد بدأ به ـ كما فهمه الكاتب ـ وهذا ما لا نلمسه في البيان الإسلامي وخطاباته الشرعية في هذه المسألة، فضلًا عن غيرها، إضافةً إلى أن الكاتب لم يشر إلى الدليل الذي اعتمده لإثبات هذا الملاك وبيان أن الغاية من هذا الحكم هي ما توصل إليه.
تماماً كما هو الحال في مسألة الإرث وغيرها من مسائل المفاضلة بين الرجل والمرأة كالديات والشهادات، فإنه لا يمكن لنا أن ندَّعي أن رأي الإسلام في هذا الوقت هو في أن ترث المرأة كما يرث الرجل مثلًا، بدعوى أنها لم تكن تورث قبل الإسلام، وأن الإسلام قد أعطاها نصف ما أعطى للرجل تحت عنوان الخطوة الأولى في طريق تحريرها من الحرمان الذي كان الرجل يعاملها به، ونحن الآن نكمل الطريق الذي بدأه الإسلام في سبيل ذلك. إن مثل هذا الحكم، إن لم يكن تشريعاً واضحاً، لا يمكننا الإتيان به أو نسبته إلى الإسلام، إلا بعد التعرف على ملاك التشريع السابق بشكل واضح ومعقول. فهو لا أقل يعتمد على بعض التحاليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5)الشهيد السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، دار الكتاب الإسلامي، ص 316.

[الصفحة - 326]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
التاريخية التي لا ترتكز على أصل موضوعي يشرح لنا ملابسات هذا التشريع ويكشف النقاب عن تداعيات ظروفه. ومع عدم التعرف على العلة والملاك للحكم كذلك نبقى على الحكم الأول.
نعم إذا قام دليل صريح على أن الغاية لحصر التعدُّد في أربع نساء في الآية إنما كانت لتقييد نشاط الرجل الجنسي في ذاك الوقت ضمن هذا الحد، كان هذا الكلام في غير محله، لكن ما جاء به الكاتب لا يكفي لإثبات ذلك.
إضافةً إلى أنه يمكن النقض بأن الملاك لهذا التضييق قد يكون عدم وجود ارتباط عقدي وزوجي بين الرجل والمرأة أصلًا، واقتصار الارتباط بينهما على العلاقة الجنسية العابرة، باعتبار أن نفي هذا الارتباط هو تضييق آخر يمكن للمشرع أن يفعله إذا كان منسجماً مع تطور وعي الجماعة وسيرورة الحياة، فمن أين لنا أن نقتصر في إثباتنا بأن الملاك للتضييق هو خصوص الاقتصار على الزوجة الواحدة من دون غيره من التقييدات التي قد تنسجم لاحقاً مع وعي المجتمع، وتفرزها التطورات المستمرة للحياة الاجتماعية؟
وبعبارة أخرى، إذا فرضنا أن الارتباط الزوجي بين الرجل والمرأة صار في وقت ما لا يتناسب مع التطور الثقافي للمجتمع، وأصبح المناسب لهذا التطور هو العلاقة الجنسية الآنية بينهما، فهل يمكن أن ندعي أن مثل هذا القانون يفهم من ظاهر هذه الآية، بدعوى أن هذا القانون هو بمثابة تضييق آخر ـ بمعنى عدم ممارسة عقود الزواج أصلًا ـ يمكن للمشرع أو للحاكم أن يفرضه؟ إذ بناء على ما تفضل به الكاتب يصح هذا الكلام، بل لا بد من ذلك للمحافظة على تطور البشرية وسيرورة الحياة، إلا أن مثل هذا الكلام والخروج بهذه النتيجة، فضلًا عن افتقاره للأصول الموضوعية والضوابط المنطقية لاستنباط الأحكام، هو نتيجة لا أظن أحداً حتى الكاتب يرضى بها أو يقول بمقتضاها، إلا أن كلامه يوصل إلى ذلك، ومن الواضح أن نسبة هذا الحكم إلى الإسلام غير دقيقة، ويعدّ ذلك مسخاً للأحكام الشرعية والقوانين الإسلامية المتعارف عليها.

وثانياً ـ إن القانون الإسلامي قد عامل المرأة معاملة حسنة جداً، وانتشلها من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 327]


براثن الوحشية والظلم، التي كانت تعيشهما قبل ذلك من قبل الأنظمة والقوانين التي كانت سائدة ما قبل عصر النص، وأن المرأة في النظام الإسلامي قد احترمت احتراماً لم يسبقه ولم يلحقه مثيل، والتشريع الإسلامي قد وفَّاها حقوقها على أتم وجه وأكمل بيان، ولم يسوِّف لها شيئاً من حقوقها التي فرضها لها؛ فلا داعي بعد ذلك إلى القول: إنَّ المرأة لا تزال أسيرة بيد الرجل، ولا بد الآن من الاستمرار في عملية تحريرها، وإكمال الطريق الذي بدأه الإسلام في إخراجه للمرأة من قيودها، فإن مثل هذا الكلام إنما يصح إذا لم نكن نرى أن الإسلام قد أسلف المرأة حقوقها وأنقدها عملية التحرير المرجوة لها، من دون أن يخشى من غضب المجتمع الذي كان يسيطر عليه الرجل.
أمَّا ما نجده من خلاف ذلك في المجتمعات الإسلامية، من هدر لحقوق المرأة واستخفاف بها، فهو نتيجة عدم التزام المسلمين بالقانون والتشريع الإسلاميَّين، ومن ثمّ فهو خلل في المسلمين ناتج عن قلة إدراكهم ومعرفتهم بالنظام الإسلامي وعدم التزامهم بتشريعاته، فلا يمكننا اعتباره خللًا تشريعياً فيه.
وثالثاً ـ إن «المشرِّع»، في وقتنا هذا، يقتصر تعامله مع الشريعة الإسلامية على استنطاق ما في داخلها من أمهات المسائل وأصول الأحكام التي يستفيد منها في تطبيقها على كل عصر، ويستخدمها في استنباط بعض الأحكام الطارئة والموضوعات المستحدثة، لا أنه يحكم على ما ثبت جوازه بصراحة ووضوح بأنه حرام ويمنعه، لأجل أن الشارع قد فرض بعض القيود على حكم كان موجوداً قبل ذلك، فليس من صلاحيات الحاكم و «المشرع» أن يحرم ما ثبتت حليته بدليل واضح، ولا أن يحرم كذلك.
نعم للحاكم الشرعي أن يمنع تطبيق أي قانون أو نظام، أو يحرم بعض الأحكام المباحة بحكم ولايته وحكومته، كما له أن يفرض بعض الأحكام كذلك، فيما إذا كانت المصلحة الاجتماعية تستدعي ذلك وتقتضيه الضرورة، إلا أن هذا المنع أو الإلزام لا يكون شرعياً، بل هو حكم ولائي مؤقت. ويُعدّ هذا من جملة الصلاحيات المعطاة للحاكم وولي الأمر، لكن من الواضح أن هذا المنع أو الفرض يختلف عن التحريم المراد تطبيقه والمبحوث عنه في مقامنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 328]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
ورابعاً ـ إن الحكم بحرمة التعدد هو حكم جائز بالنسبة للمرأة، ويتنافى مع حقوقها المفروضة من قبل الإسلام، إن لم نقل: إنَّ الضرورة الاجتماعية تقتضي هذا الحكم، وذلك لأن من الحق الإنساني والاجتماعي لكل أنثى أن تعيش في بيت مع زوج يحفظ لها عفتها ويعطف عليها ويعاشرها وينجب لها الأولاد، ويتكفل بسد حاجاتها الجنسية والعاطفية، ويأخذ بيدها نحو الحياة الدافئة والحميمة، حتى تمارس كامل أنوثتها وتبرز تمام طاقاتها مع زوجها وأولادها، وهذا لا يحصل لكل أنثى إلا إذا فرضنا أن بعض الرجال قد عمل بنظام تعدد الزوجات، باعتبار أن عدد النساء يزيد على عدد الرجال في الكثير من المجتمعات، كما تشهد بذلك الإحصائيات السكانية المأخوذة عن دوائر الأمم المتحدة في العالم. فإذا فرضنا أن العمل بهذا النظام قد ألغي وحظر في المجتمعات التي يزيد عدد النساء المؤهلين للزواج فيها على عدد الرجال كذلك ـ كما هو الموجود في جميع المجتمعات حتى تلك التي يزيد عدد رجالها على النساء ـ فإن نسبة لا بأس بها من الإناث سوف تبقى من دون ذكور، ومن ثمَّ سوف يعانين من نقصان اجتماعي وغريزي، يشكل لهن فراغاً حقوقياً وشعوراً بالظلم المقنن، فضلًا عما سوف يتعرضن له من مخاطر تربوية وسلوكية واجتماعية، يعود وبالها على المجتمع برمته. وما نشاهده اليوم من فوضى جنسية غير محدودة في المجتمعات الغربية والإسلامية إنما هو نتيجة عوامل عدة، منها، إن لم يكن أهمها، منع تعدد الزوجات قانونياً، كما في الدول الغربية، أو المنع منه بالنظرة الاجتماعية، كما في بعض الدول والمجتمعات الإسلامية.
لكن الكاتب رفض فكرة المقايسة والربط بين منع التعدد وبين المصير الذي وصلت إليه المجتمعات الغربية من الفوضى المذكورة، والتي تشكل المثال الأبرز في ذلك. حيث يقول: «والدفاع عن تعدُّد الزوجات، في سياق المساجلة، يقوم على افتراض ضمني فحواه أن الغرب هو المقياس الذي تقاس عليه الأمور، وهو منطق معاكس تمام المعاكسة لمشروع النهضة على أساس حضاري مستقل ومتميز، بل هو نقيض له» (6).
وهنا نقول: إن أصل المقايسة بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية هو قياس مع الفارق الكبير المتمثل بالفارق الثقافي والديني والحضاري و...، وهذه المقايسة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(6)دوائر الخوف، ص 226.

[الصفحة - 329]


تمثل نوعاً من الاعتراف بالمرجعية الغربية في تحديدها للصواب والخطأ، ولا تنسجم مع المشروع النهضوي للمسلمين والعرب. إلا أن المقايسة التي طرحت في مسألة تعدد الزوجات ليست من هذا القبيل، بل هي مقايسة تهدف إلى تسليط الضوء على الجانب السلبي من القانون المانع للتعدُّد، والكشف عن وجود خطر اجتماعي كبير في تطبيقه، من باب «والضد يظهر حسنه الضد»، وهذا ما يراعى عادة في دراسة أي مشروع من جهاته السلبية والإيجابية، وتؤخذ النتيجة المفترضة ـ إيجابية كانت أم سلبية ـ بعين الاعتبار، بحيث تؤثر على استمرار هذا المشروع أو القانون، لا أنها تتنافى مع القول: إنَّ الغرب لا يُعدُّ المقياس والميزان لصحة الأمور بالنسبة لنا، أو رفض هذه المقولة بتاتاً.
النقطة الرابعة: إن العدل يُعدّ من المبادى الأساسية في الإسلام، والحكم بالإباحة يعارض المبدأ فيقدم المبدأ، وينتفي الحكم بالإباحة.
ونحن نقول: إننا نرتضي القول: إنَّ العدل من المبادى الأساسية في التشريعات الإسلامية جميعها، خصوصاً الاجتماعية منها، ومن ثم اشترط الإسلام العدل في حكمه بإباحة الزيادة على الزوجة الواحدة، لكننا لا نسلم بأنَّ الحكم بالإباحة خلاف العدل، فإن منشأ هذا القول هو افتراض أن المراد بالعدل الموجود في الآية المجوِّزة للتعدد والمطلوب كشرط فيه هو العدل نفسه المنفي إمكان تحصيله في الآية الأخرى {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} .
والجواب: أولًا ـ إن هذا الافتراض لم يقبل به أحد من المفسرين، حيث ذكروا أن المراد بالآية الأولى هو العدل الواجب في النفقة والمبيت لا أكثر من ذلك، أما العدل المنفي إمكانية تحصيله في الآية الأخرى فهو العدل في الحب والميل القلبي، خصوصاً إذا لاحظنا ذيل الآية؛ حيث ورد {فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة} ، فكأن الميل القلبي بالشكل الذي لا تكون الزوجة معه معلقة، هو ميل مقبول ومسموح به شرعاً، وليس داخلًا في نطاق الحكم التكليفي بوجوب العدل، لأن العدل بهذا المعنى غير مقدور لأحد من الناس.
وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره لآية {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 330]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
{ولو حرصم} : «أن فيه قولان: الأول لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع، وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلَّفين، والثاني: لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب، لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال، وأضاف: فلا تميلوا كل الميل أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي، لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل» (7).
وكذا قال ابن جرير الطبري في تفسيره: {لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} : لن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين نسائكم وأزواجكم في حبهن بقلوبكم حتى تعدلوا بينهن في ذلك مما لا تملكونه وليس إليكم، (ولو حرصتم) يقول: ولو حرصتم في تسويتكم بينهن في ذلك (8).
وأشار العلامة الطباطبائي، في تفسيره، إلى وجود شاهد على ذلك، وهو: «أن الذيل يدل على أن المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرُّف أصلًا بلزوم حاق الوسط حقيقة وأن المشرع هو العدل التقريبي عملًا من غير تحرُّج» (9).
وهذا المعنى الذي تبناه المفسرون، هو نفسه الذي يؤيده السياق التاريخي للمسألة، فبما أن دراسة أي مسألة لا بد من أن تنطلق من حيثياتها وظروفها المحيطة بها، كما تفضل الكاتب بذلك (10)، فلا يمكن أن نفهم المراد الحقيقي والجدي من هاتين الآيتين إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار النصوص التاريخية المحيطة بالمسألة، وهذا السياق يفيد في كون المراد من الآية النافية لإمكانية العدل هو العدل القلبي، لا ذاك العدل الواجب بين الزوجات. ومما يثبت ذلك الروايات والأخبار الواردة عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وحتى لا نجر المقال إلى الدخول في بحث تاريخي وروائي، نذكر على ذلك أنموذجاً واحداً من الأخبار: «عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقسم ويعدل ويقول: «اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تلمني في ما لا تملك ولا أملك» يعني القلب» (11).
وثانياً: إن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) قد أتى بالتعدد ومارس هذا الحق عملياً، فإذا افترضنا أن العدل الواجب تحصيله هو المنفي في الآية الأخرى عينه، لكان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) هو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7)التفسير الكبير للفخر الرازي، ج11، ص 67.
(8)ابن جرير الطبري، جامع البيان، ج5، ص 422. وانظر كذلك زاد المسير لابن الجوزي وتفسير القرطبي وتفسير ابن كثير، وغيرها من كتب التفاسير.
(9)العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة إسماعيليان، ج5، ص 102.
(10)حيث قال «إن إباحة التعدد يجب أن تفهم وتفسر في سياق طبيعة العلاقات الإنسانية في المجتمع العربي قبل الإسلام»، ص 288، ونحن هنا نقول: إنَّ مراجعة النصوص التاريخية والروائية تكشف لنا عن الكثير من أسرار هذه الآية، بل لا يمكن أن يفهم المراد منها إلا بعد مراجعة سياقها العام وأسباب نزولها وما يتعلق بها من نصوص.
(11)ابن الأشعث السجستاني، سنن ابن داود، ج1، ص 473. وانظر أيضاً سنن الدارمي، والمستدرك للحاكم النيسابوري، والسنن الكبرى للبيهقي، وغيرها من الكتب التي تعرضت لهذا الأمر أو التي تعرضت لتفسير هذه الآية.

[الصفحة - 331]


أول من عصى الأوامر الإلهية بتزوجه أكثر من واحدة مع عدم إمكانه العدل بينهن ـ كما أفادته الآية من النفي حيث إنه (صلي الله عليه و آله و سلم) أحد المخاطبين بهذه الآية والنفي التي تخبر عنه شامل له ـ وواضح أنه لا يصح اعتبار أن النبي قد خالف الأوامر التي جاء بها وفرضها على سائر المسلمين، مع ملاحظة أنه لم يستثن نفسه من الحكم بوجوب العدل، حتى يقال: إنَّ حكم النبي هنا مستقل في هذه الواقعة كما هو الحال في بقية الأحكام الخاصة به (صلي الله عليه و آله و سلم).
إضافةً إلى أن كبار الصحابة(رض) قد مارسوا هذا الأمر كذلك، فلو كان النفي الموجود في الآية نفياً للعدل القلبي وأنه حرام، لكان على النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أن ينبه أصحابه على اجتناب فعل هذا المحرم الكبير ـ كما ورد مثل هذا التعبير في بعض الروايات الناعتة للمجحف بحق أزواجه ـ كما حصل بالنسبة للأفعال التي اعتاد الصحابة القيام بها مع أنها لا تتناسب مع التعاليم الإسلامية، فقد غلظ الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) على أصحابه في منعهم من الإتيان بها.
وثالثاً: إذا رأينا أن المراد، من الآية الموجبة للعدل، هو العدل نفسه المنفي إمكانية تحصيله في الآية الأخرى، وهو العدل في جميع جوانب حياة الزوج مع زوجته، تصير الآية الأولى المبيحة للزواج بأكثر من زوجة واحدة لغواً، ولكان تشريع التعدد من أول الأمر بلا فائدة، باعتبار أن الآية تبيح فعلًا مشروطاً بأمر لا يمكن تحصيله حتى مع الحرص على ذلك، كما أفادته الآية الثانية: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} ، بل يصير الحكم بالجواز منافياً للتكليف الشرعي، وهو فعل مستهجن ومستبعد صدوره من العقلاء، فكيف برب العقلاء؟
النقطة الخامسة: وهي أن في الإسلام أحكاماً مسكوتاً عنها ومبينة بطريقة ضمنية في القرآن، وحرمة التعدد من جملة هذه الأحكام، اكتشفت عن طريق ضم الآيتين: المقيدة بالعدل والنافية لحصول العدل.
ونحن نقول: إننا لا ننكر وجود مثل هذه الأحكام؛ فإن في القرآن بياناً لكل شيء و {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام/29]، وهو يعتمد على إعمال التحليل في بعض الآيات المشتركة في موضوع واحد والربط بينهما كذلك، وهذا ما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 332]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
يطلق عليه بعض المفسرين اصطلاح «التفسير الموضوعي للقرآن»، أو «تفسير القرآن بالقرآن». إلا أن استخراج مثل هذه الأحكام خاضع لضوابط معينة وشروط محددة، لا يمكن استخراج أي من الأحكام من دونها، ومن جملة تلك الشروط بل وأهمها أن لا يكون الحكم المستخرج بوساطة ضم آيتين مذكوراً ضمن آيات واضحة الدلالة على خلاف هذا الحكم، ولا بد من أن يكون الحكم «المسكوت عنه» والمكشوف بوساطة الضم المدعى، غير مذكور صريحاً في مكان آخر من القرآن أو في غيره من مصادر التشريع، كما هو الحال في مسألتنا، فإن إباحة التعدُّد حكم قرآني مذكور في آية واضحة الدلالة على ذلك، وإن كان مذكوراً في مكان آخر، لكان ذلك قرينة على عدم إرادة هذا الجمع واستخراج هذا المعنى، ومن ثمَّ فلا يعود مسكوتاً عنه، لصيرورته حكماً منطوقاً به لا مسكوتاً عنه.
النقطة السادسة: وهي أن الحكم بإباحة الأربع هو في الواقع تضييق لتعدد أوسع منه، وهو صياغة قانونية معدَّلة لحكم اجتماعي لم يعد يلائم تطور وعي الجماعة، ومن ثمَّ لا يصدق عليه اسم (المباح). وإذا انتفى اسم المباح عنه أمكن إلغاؤه، ولا يكون إلغاؤه من باب تحريم المباح.
حتى لو قلنا: إنه مباح ويصدق عليه هذا العنوان، فإن المنع عنه لا يكون فعلًا محرماً ولا عقاب عليه.
والجواب أولًا ـ إنه لم يتضح مراده من قوله: «إذا كانت إباحة التعدد هي في الواقع تضيق لتعدد أوسع سابق على حكمها. فإن اسم الإباحة لا ينطبق عليها» (12).
فإن كان مراده هو عدم صدق الإباحة الشرعية على التعدد، فما معنى قوله، أولًا، إباحة التعدد؟ فهل يحتمل فيها غير الإباحة التي أطلقها القرآن في الآية؟ وإذا كان كذلك كانت الإباحة شرعية وصدق عليها عنوان الإباحة مقابل عنواني الحرمة والوجوب.
وإن كان مراده هو أن هذا الحكم بالإباحة نتيجة رغبة الشارع في وضع حد مضيِّق للتعدد السابق، بمعنى أن الخطاب متوجه إلى بيان تضييق الحكم من دون بيان إباحة الأربعة بالمعنى الشائع للإباحة، ولا يكون التضييق كاشفاً عن وجود إباحة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(12)دوائر الخوف، ص 290، إنما نقلنا عبارته بالنص لتوضيح فكرته والملاحظة عليها.

[الصفحة - 333]


شرعية ولكن من باب ضيق الخناق عبر بما يستوحى منه الإباحة، فيكون المراد بالآية هو: لا تنكحوا أكثر من أربع نساء، وليس مرادها جواز التزوج من أربعة. إن كان مراده هذا، فيرد عليه بأنَّ هذا الخطاب لا ينسجم مع الطريقة المتبعة في القرآن لبيان أحكامه، وللزم أن تكون الآية بخلاف ما يظهر منها، حيث إن الظاهر من الآية هو العكس من ذلك، بمعنى أن الآية تريد بيان حكم التزوج من الأربعة، وأنه مباح، خصوصاً أنها تشتمل على خطاب {ما طاب لكم} الذي يستفاد منه الإباحة بوجه قوي، بل إن هذه العبارة تفيد كون الخطاب نصاً في الإباحة كما هو الملاحظ بوضوح، وأما إرادة التضييق من خلال بيان هذا الحكم فهي على منوال القواعد الخطابية والبلاغية للقرآن، فلا يكون متنافياً وأصل الإباحة.
فيكون المراد من الآية بيان أمرين في وقت واحد: أحدهما إباحة التزوج بأربع نساء وجواز الزيادة على الزوجة الواحدة، والثاني هو التضييق على الحالة التي كانت قبل هذا التشريع، وحصر الإباحة بالأربعة فقط من دون الزيادة على ذلك، وعليه فلا موجب لحصر مراد الآية بأحد هذين الأمرين من دون الآخر.
وثانياً ـ لم تتضح العلاقة بين انتفاء الإباحة وعدم صدق اسم المباح على التعدد، وبين إمكانية إلغائه وتحريمه، ولعل هذا الترابط بينهما مستند إلى النظرة القائلة: إنَّ الإباحة تعني رفع اليد من قبل الشارع عن هذه الواقعة وهذا الموضوع، وإيكال الحكم فيه إلى اختيار الناس، فإن شاؤوا أطلقوا عليها الحرمة، وإن شاءوا أطلقوا عليها عنواناً آخر. وأغلب الظن أن هذه النظرة تعتمد على تفسير التشريعات الإسلامية على أسس علمانية قائمة على نفي ضرورة وجود حكم في كل واقعة من وقائع الحياة.
وتوضيح ذلك أن التشريع الإسلامي قد فرض وجود حكم لكل واقعة بحيث لا يخلو فعل من الأفعال، أو أي أمر، من دون أن يكون له أحد الأحكام التشريعية الخمسة (الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة)، ومن ثمَّ فإن انتفاء الإباحة معناه ثبوت أحد الأحكام الأربعة الأخرى مكانه بشكل تلقائي، فلا معنى لأن يكون الفعل الخارج من حكم الإباحة الشرعية، قد ثبت أنه حرام أو ممنوع عنه شرعاً، لأن الحرمة هنا متساوية النسبة مع بقية الأحكام الأخرى، فلماذا اخترنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 334]


وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته إلى تعدُّد الزوجات
الحرمة ولم يحكم على هذا الفعل المنتقل من مرحلة الإباحة بأنه واجب أو مستحب أو مكروه؟، وهل هناك مرجح للحرمة على غيرها من الأحكام؟ الظاهر أن هذا من باب الترجيح من دون مرجح القبيح في نظر العقلاء، وهو لا يصح مستنداً على المستوى التشريعي والقانوني. لكن الظاهر أن مراد الكاتب هو عدم ضرورة وجود حكم في كل واقعة، وإذا لم يكن هناك حكم أمكننا أن نجعل محله حكماً آخر حسبما نرى نحن المصلحة في ذلك، وسوف يأتي مزيد من التَّوضيح لهذا الأمر في الجواب على النقطة السابعة.
وثالثاً ـ إن قوله «ومع التسليم بأن تعدد الزوجات حكم يقع في دائرة المباح، فإن عدم فعله ـ ولو بالمنع منه ـ لا عقاب عليه بحسب القاعدة الفقهية» (13). هذا الكلام يستبطن تناقضاً واضحاً وتنافياً صريحاً؛ فإن معنى الإباحة الشرعية ـ كما هو المفهوم من كلامه وكما وضح الكاتب ذلك في كتابه (14)ـ هو جواز فعله وجواز تركه، ومعنى المنع عنه وتحريمه هو عدم جواز فعله، فكيف يمكننا أن نحكم على مباح بالحرمة ونمنعه؟ بل كيف يمكن أن نجمع بين حكمين متضادين على موضوع واحد؟
نعم، يمكن أن لا نفعل المباح ونمتنع عن فعله خارجاً، لكن هذا الامتناع امتناع على مستوى الفعل والتطبيق، ولا إشكال في ذلك، إنما الإشكال في منعه على مستوى التشريع والقانون، كما هو المراد إثباته من قبل الكاتب.
النقطة السابعة: وهي أنه بعد انتفاء الإباحة عن حكم التعدد، كما تقدم في النقطة السابقة، لا يكون إلغاؤه تحريماً. بل إن إلغاءه وقصر الزواج على واحدة يعدّ نقلة تضييقية أخرى رأى المشرع أنها تناسب تطور المجتمع، فتكون كسائر الأحكام المدنية.
هنا تتجلى بوضوح النظرة العلمانية التي ترتكز عليها هذه النقطة، فإن نفي حكم الإباحة عن فعل اجتماعي داخل في الأصل ضمن نطاق التشريع الإسلامي ودائرته، يعدّ رؤية علمانية ضيقة للإسلام، تقصر الدين الإسلامي وأحكامه في خصوص العلاقة الذاتية مع الله، وتحشرها في زاوية العبادات والنشاطات الروحية والشخصية، حتى ما كان منها ذا طابع اجتماعي، أو ما يرتبط بها حكم تكليفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13)المصدر نفسه، ص 291.
(14)حيث قال: «لقد صنف الفقهاء المسلمون أحكام الشريعة في خمسة أصناف متقابلة، فالواجب يقابله المحظور، والمندوب يقابله المكروه، وبين الصنفين يقع المباح الذي لا ثواب على فعله ولا عقاب على تركه»، ص 290 و291.

[الصفحة - 335]


وتقطع صلاتها بكل ما سواها. والتفصيل الموجود في كلامه بين الأحكام الدينية والأحكام المدنية، خير شاهد على ذلك.
والجواب على هذه النقطة من جهاتها كافة يقتضي استئناف بحث حول العلمانية والإسلام، لا شك في أن المقام لا يتسع لذلك، لكن مما ينبغي ذكره هنا ولا يضر التذكير به ـ وإن كان لإثباته مكان آخر ـ هو أن الأحكام الإسلامية عبارة عن مجموع كلي من الأحكام العبادية والمدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها...، فإنه لا يمكن الفصل بين هذه الأحكام أصلًا، أو التفريق بينها بتاتاً، خصوصاً فيما إذا كانت المسألة مذكورة الحكم بشكل مباشر، كما في مثل هذا المقام؛ فإنَّ مسألة التعدُّد قد وردت صريحة في القرآن الكريم وفي مصادر التشريع الأخرى، وتم التعرض لحكمها بشكل مفصل، وتعلقت بها أحكام تكليفية أخرى من قبيل وجوب النفقة والمبيت والعدل وغيرها، فكيف يمكن القول، بعد ذلك: إنَّ حكم تعدُّد الزوجات ليس حكماً دينياً، بل هو حكم مدني واجتماعي؟ وإذا كان الأمر كذلك أمكننا أن نحول الكثير من الأحكام الشرعية إلى أحكام مدنية ونضع لها أحكاماً تختلف عما هو موجود في الشريعة، بحجة أن الحكم فيها هو حكم مدني أو اجتماعي محض.
ومن هنا نلاحظ أن البحث في مسألة تعدُّد الزوجات لا يمكن أن نخرج منه بنتيجة واضحة ومكتملة بمجرد طرح بعض المداليل النصية المنقوصة، من دون دراسة تفصيلية للمسألة على ضوء رؤية شاملة للنص القرآني والروائي معاً، ودراسة تاريخية مفصلة إلى جانب ملاحقة التداعيات العملية وما يحتوي تطبيقها من إيجابيات أو سلبيات، وعلى ضوء ذلك كله يتمكن الباحث من الخروج بنتيجة أكثر وضوحاً وشمولية واستيعاباً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 336]