البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العَوْلَمة في المجال الثَّقافي

الباحث :  حبيب ال جميع
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  23
السنة :  السنة السادسة خريف 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 9 / 2015
عدد زيارات البحث :  1771

العَوْلَمة في المجال الثَّقافي

الشَّيخ حبيب آل جُمَيْع

العَوْلَمة: من الغزو إلى الاختراق الثَّقافي
قبل عدَّة سنوات كان الحديث منصبَّاً، بشكل كبير، على تداعيات الغزو الثقافي وما يسبِّبه من تحدِّيات حضارية شاملة، وتأثيرات سلبيَّة على المجال الثقافي بخاصَّة، داخل العالم العربي والإسلامي.
وخلال تلك الموجات المتتالية لما أطلق عليه «غزو ثقافي»، تحرَّكت أقلام المثقَّفين العرب والإسلاميين للوقوف في وجه هذا الغزو المنظَّم، الذي يهدد الهوية الحضارية للأمَّة العربية والإسلامية، ويعمِّق حالة الاستلاب الثقافي. وعلى الرغم من تلك المناداة ونواقيس الخطر التي دُقَّت، والاتهامات التي وُجِّهت لعدد من المؤسَّسات الحكومية والأهلية، وللنّخب المتغرِّبة، باعتبارها تشجِّع هذا الغزو الثقافي وتعمِّقه بطرق غير مباشرة؛ وذلك بإهمال اتخاذ التدابير الوقائية من جهة، ومباشرة في بعض الأحيان، خصوصاً ما تقوم به تلك النُّخب من التبشير بعدد من النّظريات والقيم التي تقوم عليها الحضارة الغربية، فتقدِّمها بوصفها قيماً إنسانية توصَّل إليها الإنسان الغربي من طريق التطور التاريخي الحتمي، فإنَّ هذه الموجات لا تزال تتتالى.
وبالتَّالي، فقد تُعومِلَ مع هذا الغزو الفكري والقيمي الغربي، على أنه إحدى موجات الحداثة الفكرية التي يجب على العالم العربي والإسلامي أن ينخرط فيها، ويستوعب معطياتها، إن أراد أن يواكب العصر ويساير التطوُّر الحضاري الإنساني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 305]


لكن بالرغم من كثافة هذا الغزو الفكري الغربي، والتشجيع المباشر وغير المباشر الذي يلقاه، داخل العالمين العربي والإسلامي، من طرف مؤسسات ونخب، إلّا أن شرائح عريضة من المجتمع، ومن بينها قطاعات نخبوية، لم يؤثِّر فيها هذا الغزو إلا بمقدار تنبيهها لخطورته، وضرورة إيجاد ردات فعل، تبلورت فعلًا في محاولات حثيثة للبحث عن وسائل وآليات تدعم الممانعة الثقافية والحضارية بشكل عام.

وقد أدَّت ردود الفعل هذه، والحديث عن بلورة آليات للمانعة، إلى انفجار النقاش حول جدوى الانفتاح على قيم الغرب وثقافته، ما أثار أسئلة منها: هل يعدّ ذلك ضرورياً بحكم الغلبة الحضارية، وإن كان الأمر كذلك فما مقدار هذا الانفتاح؟ وما هي حدوده القصوى؟ كما تناولت الأقلام التداعيات السلبية للتغريب والاستلاب الثقافي، باعتبار أن النهضة العربية والإسلامية المنشودة لن تقوم على قاعدة جماهيرية مستلبة، ومشوَّهة الهوية، ومهجَّنة فكرياً وثقافياً.

وقد أسهم الصِّراع الايديولوجي بين الشَّرق والغرب، وانقسام دول العالم الثالث ـ ومن بينها الدول العربية والإسلامية ـ بين مناصر أو مناهض للشرق أو الغرب، في دعم الجهود التي كانت تبذل لمواجهة بعض عناصر الغزو الثقافي ومقاومتها، لأن ذلك كان يصب في دعم الدَّولة الوطنية واختياراتها الإيديولوجية في السياسة والاقتصاد خصوصاً. وبالتالي فقد كانت بعض العناصر التي تعدّها فئات من النُّخب (الإسلاميون خصوصاً) غزواً فكرياً وقيمياً غربياً (الغرب هنا بشقَّيه: الرأسمالي والاشتراكي) اختياراً أيديولوجياً للدولة أو الحزب الحاكم. لذلك فقد كان الصراع الفكري داخل الدول العربية والإسلامية بين النُّخب، يدور حول تحديد مفهوم هذه الاختيارات الإيديولوجية، وهل يمكن اعتبارها من قبيل الغزو الفكري الذي يمس الهوية الفكرية والحضارية للأمَّة أو يندرج ضمن التطور السياسي والاقتصادي والفكري، الذي جاء نتيجةً طبيعيَّة للتطور الحضاري الذي تعرفه الإنسانية، واستجابة ضرورية للاحتكاك الحضاري الذي نعيشه، والذي لا يمكننا تجنُّبه بحال من الأحوال؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 306]


إلَّا أنَّه في هذه المرحلة التي كثر الحديث فيها عن الغزو الثقافي وتداعياته السلبية، لم تكن وسائل الإعلام ووسائط الاتصال قد بلغت من التطور والانتشار ما وصلته الآن. وهذا التطور الثقافي في وسائل الإعلام، واكبته أحداث سياسية واقتصادية مهمَّة عرفتها الساحة العالمية. فالمعسكر الاشتراكي تعرَّض للانقسام السياسي والتجزُّؤ، بفعل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي عرفتها دوله خلال السنوات الأخيرة، ما عجّل بسقوطه وتفكُّك كتلته السياسية والاقتصادية والإيديولوجية، في المقابل نجد أن المعسكر الغربي والرأسمالي يعدّ هذا التفكك والانهيار انتصاراً له ولأيديولوجيته السياسية والاقتصادية. ومن ثم انطلق الحديث داخل أوساطه الفكرية عن انتصار الأنموذج الغربي الليبرالي بوصفه الأنموذج السياسي والاقتصادي الأخير والأفضل الذي وصل إليه تطوُّر البشرية، وأن على الدول التي كانت تقف البارحة منه موقف المعارض والرافض، أن تسرع لركوب قطاره وسلوك طريقه، وبدأ الحديث عن القطب الواحد الذي يتحكَّم بتسيير قطار الاقتصاد العالمي، حيث العمل على قدم وساق لتحرير الأسواق العالمية وإلغاء الحواجز الجمركية بين الدول لاستقبال السلع. ترافق ذلك دعاية واسعة النطاق للترويج لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، وضرورة تبنِّي الأيديولوجية الليبرالية جملةً وتفصيلًا.
وهكذا، فبين عشيَّة وضحاها، بدأت عناصر الأيديولوجية الغربية الليبرالية تعرف طريقها نحو أوسع انتشار عرفته عبر العالم، مستفيدة من قوَّتها الاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها بالدرجة الأولى، ومستغلَّة وسائل الأعلام المتطوِّرة جدَّاً لتسويق هذه الإيديولوجية والتبشير بها. وفعلًا، فقد بدأ الحديث عن العَوْلمة الاقتصادية بوصفها ظاهرة ملموسة، تتبلور كل يوم لتشمل جميع القطاعات الاقتصادية داخل العالم الثالث، فليس هناك الآن حديث إلا عن الخَصْخَصَة، وتقليص دور الدَّولة في تسيير الاقتصاد الوطني، وتحرير الأسواق المحلِّية وفتحها أمام الإنتاج العالمي، وربطها من ثم بعجلة الاقتصاد العالمي الذي تتحكم فيه، بالطبع، الشركات العابرة للقارات والمؤسسات المالية والتمويلية الغربية العملاقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 307]


وعليه، يمكن أن نقول: إن العالم في طريقه ليصبح سوقاً واحدة مفتوحة على جميع الأسواق والاقتصاديات، تتحكم فيه، إلى جانب رؤوس الأموال الغربية، قوانين الاقتصاد الليبرالي المعمول بها في الغرب بشقَّيه: الأوروبي والأمريكي. ثم بدأ الحديث عن العولمة بوصفها ظاهرة جديدة برزت على السطح. فانطلقت الأقلام وعقدت المؤتمرات والندوات لعلاجها ومناقشة أبعادها وتداعياتها الإيجابية والسلبية، ليس على المستويين الاقتصادي والسياسي فقط، وإنما على المستوى الثقافي أيضاً. لأن العولمة الثقافية بالخصوص بدت كأنها كاسحة ستجرف جميع الخصوصيات الحضارية لجميع الشعوب الغربية وستقضي عليها. بل إن شعوباً أوربية شعرت بمخاطر هذه العولمة لأنها في حقيقة الأمر، عولمة تحمل في طياتها مشروعاً لأمركة العالم. لأن القيم النفسية والسلوكية والعقديّة الأمريكية هي المهيمنة على هذه العولمة الثقافية. فالولايات المتحدة الأمريكية تهيمن على الإعلام وتمتلك النسبة الأكبر من وسائل الإعلام العالمية، ومن ثمّ فهيمنتها ليست اقتصادية فحسب وإنما ثقافية كذلك، وهذا أخطر ما في هذه العولمة أو «الَأمْرَكة». لأن الذوق والسلوك والعرف... الأمريكيَّة، ستعرف طريقها نحو العالمية، مشكِّلةً ضغطاً وتحدِّياً لباقي الأذواق والسلوكيات والأعراف التي تشكّل، بالإضافة إلى الأديان والعقائد، المنظومة المتكاملة للخصوصية الحضارية لباقي الشعوب في العالم.

وبما أنَّ أجهزة الاستقبال والتقاط البثِّ الإذاعي والتلفزيوني الفضائي قد استطاعت، في الآونة الأخيرة، الدخول إلى معظم المنازل والبيوت، بسبب انتشارها وكثافة تسويقها العالمي ورخصها كذلك، فإن المادة الإعلامية الغربية والأمريكية بدأت فعلًا تصل إلى المتلقِّين في العالمين: العربي والإسلامي من دون حواجز تذكر. بل بسهولة ويسر، وهذا ما جعل الحديث عن الاختراق الثقافي يحل محل الحديث السابق عن الغزو الثقافي، لأن وسائل مقاومة الغزو كانت متيسِّرة وأكثر فاعلية. بحيث كان بمقدور المؤسسات الحكومية والأهلية أن تقاوم هذا الغزو أو تقف في وجهه، أو على الأقل، تخفف من آثاره السلبية، كما كان بإمكانها في بعض المجالات أن تصدَّ هذا الغزو. إلا أن الوضع الآن قد اختلف كثيراً، فلم يعد بإمكان المؤسسات الحكومية أو الأهلية أن تقوم بالدور نفسه. ومما يزيد الوضع خطورة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 308]


ارتباط هذا الاختراق، أو العولمة الثقافية، بتبنِّي الخيارات الاقتصادية والسياسية الغربية. وممَّا لا شك فيه أن وسائل الإعلام الغربية والأمريكية تؤكِّد على ترابط هذه الخيارات في المجالين الاقتصادي والسياسي مع ما تروِّج له من قيم ثقافية وسلوكيات وأنماط عيش غربية، وأذواق في الملبس والمأكل، وصولًا إلى صياغة تفاصيل الحياة اليومية وكل ما يتعلق بها من شؤون تخص الفرد أو الأسرة أو المجتمع.
وهنا تكمن الخطورة فعلًا، لأنَّ وسائل الإعلام، وخصوصاً الإنتاج السينمائي الهوليودي، يسعى بجد وقوة لنشر قيم المنافسة وترويجها وتمجيد القوة، والتأكيد على الفردانية، ونشر ثقافة الاستهلاك، والدعوة إلى تحرير الرغبة الإنسانية من مختلف القيود، وإبعاد كل ما هو غيبي عن حياة الإنسان، ومن ثمَّ تقدِّم للإنسان أهدافاً جديدة، تتمحور حول السعي الحثيث لتحقيق الرغبات الشخصية من دون اعتبار لقيم الحق أو العدل كما بشَّرت بها الأديان.
وبما أن هذه المادة الإعلامية بدأت تطرق باب الإنسان وتشاركه خلواته من دون رقابة أو تمحيص، فإن آثارها المدمّرة بدأت تظهر وتنتشر داخل الأوساط الاجتماعية فعلًا. فظواهر التفسُّخ الأخلاقي والتفكُّك الأسري، وظهور جرائم لم يكن المجتمع العربي والإسلامي يعرفها، وغيرها من الظواهر الغربيَّة، دليل على أن هذا الاختراق بدأ يؤتي أكله.
وبما أن الإجراءات لوقف هذا الاختراق، أو مواجهته، أكثر صعوبة وأشد تعقيداً، فإنَّ المادّة الإعلامية والثقافية الغربية لا تجد حتى الآن، صعوبة في الوصول إلى عقل المتلقِّي في العالمين العربي والإسلامي، وقد بدأت فعلًا صياغة الأذواق والاهتمامات والأهداف، ومن ثمَّ فنحن أمام عولمة أو «أَمْرَكة» حقيقية في طريقها للتوسُّع والتغلغل والانتشار، ولا أحد يعرف إلى أين ستصل، وما هو الحجم الحقيقي الذي ستأخذه تداعياتها السلبيَّة على الهوية الحضارية للأمَّة العربية والإسلامية.
تأثير العولمة الثَّقافية على الهويَّة العربيَّة والإسلامية
من المعروف أن مشكل الهوية كان قد طرح للمناقشة والتَّداول والمعالجة مع بدايات الاحتكاك بين الحضارتين الغربية والعربية الإسلامية، خصوصاً بعد شمول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 309]


السيطرة العسكرية الغربية العالمين العربي والإسلامي، لأن الغرب شرع في نشر لغته وأنموذجه الحضاري داخل الأوساط الاجتماعية، مستغلًّا الضعف الذي كانت الثقافة العربية والإسلامية تعاني منه، فعمل الاستعمار الغربي على زيادة تهميش عناصر الثقافة العربية والإسلامية، وأهمها اللغة العربية، بوصفها أداة فاعلة لنقل الثقافة والمحافظة عليها، وباعتبارها الوسيلة الوحيدة للارتباط بالموروث الثقافي للأجداد، هذا الموروث الذي كان ولا يزال يغذِّي إمكانات التحدي والبقاء ويعمّقها، ويمكِّن من الاستمرارية ويقاوم الذوبان الحضاري.
لذلك فمن بين أهم الشِّعارات التي رفعت في وجه الإستعمار وساعدت بشكل حاسم في إخراجه وتحقيق الاستقلال، كان شعار، الدِّفاع عن الهوية.
ثم مع الغزو الثقافي المنظَّم، لم يتوقف الحديث عن الهوية التي يجب أن تحصَّن أمام هذا الغزو. وعليه فخلال المئة سنة الماضية تقريباً وإلى الآن، لم يتوقَّف الحديث عن الهوية التي تتعرض لمخاطر الغزو والاحتكاك، ومن ثم إلى خطر الذوبان.
لكن ما يلاحظ هو أن معالجة هذا الموضوع قد تطوَّرت بشكل ملفت، لأنَّ مجموعة من التَّداعيات كانت قد استوعبت بطريقة إيجابية، وذلك لأن المفكِّر العربي والإسلامي تعامل معها على أنها لا تمس جوهر الهويَّة، وإنما هي عناصر تتعلق بالجانب المتحوِّل في حضارتنا وقيمنا وأعرافنا، وبالتالي فأيُّ تأثير عليها، سواء بالتطور أم بالإلغاء والنسخ، ليست له مدخلية حقيقية في العناصر الأساسية المكوِّنة لهويتنا العربية والإسلامية.
وقد دعم هذا الاتجاه ضعف تماسك عدد من العناصر التي تروِّج لها الثقافة الغربية، باعتبارها غير عقلانية أو مناوئة لقيم دينية راسخة وسليمة ومنسجمة مع الفطرة الإنسانية، لذلك لم تجد الثقافة العربية والإسلامية صعوبة علمية وعملية في نقد هذه العناصر والكشف عن تهافتها والرد عليها بشكل مقنع ومؤثر، وقد استوعبت هذه الردود قطاعات واسعة من الأمة (نخب وعوامّ) واعتقدت بموضوعيتها وقوَّتها، ما جعل تلك العناصر الثقافية الغربية (كالإلحاد مثلًا) تتراجع وينحسر انتشارها بشكل كبير، بل إن موجات مناهضة للثقافة الغربية شكلًا ومضموناً قد عرفت طريقها نحو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 310]


الانتشار الواسع داخل الأوساط الثقافية والاجتماعية بشكل عام، ومن ثم تعزَّزت مكوِّنات الهوية في الوقت الذي تصاعدت فيه موجات الدعاية للثقافة الغربية.
ومن المظاهر التي سُجِّلت وأُرِّخ لها، بوصفها ظاهرةً ميَّزت العقود الثلاثة الماضية، ظاهرة المدِّ الإسلامي، أو الأصولية كما يسميها الإعلام الغربي، التي انتقد دعاتها بشدة الحضارة الغربية وحملوا على ثقافتها وقيمها، ودعوا إلى رفضها ومقاومتها والتشبُّث بالقيم العربية والإسلامية والعناية بالموروث القيمي الحضاري لأمتنا. وقد لاقت هذه الدعوات استجابة عريضة داخل الأوساط الاجتماعية والنُّخب الثقافية بدرجات متفاوتة.
وقد عُدَّ انتشار هذا المدّ من الصَّحوة الإسلاميَّة بمثابة رد فعل طبيعي على عقود من التغريب ومحاولة اللِّحاق والاستتباع الحضاري الذي حاولت بعض النخب السياسية التابعة ثقافياً للغرب أن تفرضه. كما عدّ دليلًا على إحقاق مشاريع التحديث الثقافي التي مست الهوية في عدد من عناصرها، والتي كانت تستمد مكوِّناتها الأيديولوجية من الحداثة الغربية وتتغذَّى من إنتاجها الثقافي.
وممَّا لا شك فيه أن ظاهرة الصَّحوة الإسلامية قد عزَّزت مفهوم الهوية الحضارية وعمَّقته وكشفت عن إمكانات ضخمة تختزنها ذاكرة الأمَّة الثقافية ووجدانها الداخلي، وأن الضربات المتتالية التي تعرضت لها هذه الهوية لم تكن قاتلة، بل ساعدت على نفض الغبار عنها وتفعيل عناصرها ومدّها بدماء وحيوية جديدة.
وقد سُجِّل كذلك تراجع لعدد من رموز النُّخب التي كانت تجعل من نفسها وسائط لنقل الثقافة الغربية، بل أصبحت مجموعة منهم من الدُّعاة لرفض الثقافة الغربية ومقاومتها والتشبُّث بعناصر الهوية العربية والإسلامية.
وإذا كانت هذه الظاهرة الدَّاعية إلى التشبُّث بالهوية وإحيائها، قد كشفت عن مواقف متطرِّفة، تدعو للانغلاق ورفض الآخر بشكل نهائي وقاطع، فإن مواقف أكثر نضجاً وفهماً للصراع الحضاري وللموقف الحرج الذي تعاني منه الأمة العربية والإسلامية، ليس على المستوى الثقافي فحسب، ولكن على المستوى الحضاري العام، كانت قد تبلورت، لأنها وانطلاقاً من موضوعية المعالجة شعرت بضرورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 311]


التَّثاقف والانفتاح على الآخر، لكن بشروط من أهمها: تفعيل عناصر الثقافة العربية والإسلامية، وتنشيطها، والكشف عن خصائصها ومميِّزاتها، ومحاولة تقديمها بحلل جديدة لائقة، تستطيع أن تقاوم وتنافس بل وتنتصر في نهاية المطاف، وعدم الخلط بين الثابت والمتحول في ثقافتنا.
كما أنَّ النَّقد الموجَّه للحضارة والثقافة الغربيَّتين كان أكثر عقلانية وموضوعية، يميز بين ما هو إنساني عام وما هو خصوصية أنجبتها رحم ظروف التطور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته المجتمعات الغربية. لذلك اتصفت هذه الانتقادات بالعمق، وتبنَّتها شرائح واسعة من المثقفين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الأيديولوجية.
فالحديث عن الهوية العربية والإسلامية والتحدِّيات التي تواجهها من طرف الحضارة الغربية ليس وليد بروز ظاهرة العولمة الثقافية، وإنما يرجع، كما أسلفنا القول، إلى بداية الاحتكاك العسكري والثقافي مع هذه الحضارة قبل قرنين من الزمان تقريباً، وقد عرف هذا الاحتكاك تطوُّراً اتسم بالمد والجزر، بالاستجابة الإيجابية حيناً وبالتصادم والعدوان حيناً آخر. لكن ما يميِّز ظاهرة العولمة هو كون التحديات الآن أخذت بعداً آخر، أكثر شمولية وخطورة، لأن الثقافة الغربية امتلكت الآن الوسائل والأدوات القادرة على الوصول إلى عقل الإنسان العربي والمسلم بشكل دائم ومستمر، وقد امتزجت وتداخلت مع عدد كبير من المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية، لذلك فقدرتها على التأثير أصبحت مضاعفة وغير محدودة.
وأمام الإخفاقات التي تعاني منها مجالات الثقافة والاقتصاد والسياسة داخل العالمين العربي والإسلامي، فإن أرضية التأثير والاستيعاب أصبحت مهيَّأة أكثر لاستقبال موجات الثقافة الغربية، وهي تدعو وتنشر قيمها باعتبارها قيماً إنسانية متقدمة. جاءت نتيجة قرون من تراكم الخبرات والتجارب الإنسانية في غير مجال وعلى غير صعيد.
هذا الوضع الجديد الذي وصل إليه الاحتكاك الذي أخذ طابع الصراع، في أكثر الأحيان، والإمكانات التقنية الهائلة التي تملكها الثقافة الغربية، والوضع المزري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 312]


الذي يتخبَّط فيه العالم العربي والإسلامي، هو الذي يؤرِّق النُّخب المثقفة العربية والإسلامية، ويجعلها تتوجَّس خيفة من العولمة الثقافية، أكثر بكثير من خوفها من الغزو الثقافي الذي عالجته وناقشت تداعياته من قبل.
فهذه العولمة شاملة وليست ثقافية فقط، وإنما اقتصادية وسياسية، وهذان العنصران يدعمان الثقافة بشكل كبير، لأنها بدورها تساعدهما على التجذُّر والتعمق باعتبارهما خيارين حضاريَّين يستجيبان لحتمية التطور. وهذا يشكل تحدِّياً خطيراً للهوية العربية والإسلامية لم يسبق لها أن تعرَّضت له بالحجم والقوة والخطورة نفسها.
لذلك نجد أن النُّخب المثقفة العربية والإسلامية هرعت لمناقشة ظاهرة العولمة الجديدة، لمعالجتها والكشف عن أخطارها على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية جميعها. وقد عقدت غير ندوة ومؤتمر لمناقشة هذه الظاهرة، كما خصصت مجموعة من الدَّوريات المتخصِّصة بشؤون الفكر والثقافة ملفات لمناقشة تداعيات العولمة والتعريف بها. وكتب الكثير حولها من طرف المفكرين والمثقفين. وفي ما يأتي سنحاول تتبع آراء مجموعة من المفكرين العرب والإسلاميين حول الآثار السلبية للعولمة الثقافية على الهوية العربية والإسلامية، وما هي الوسائل التي يقترحونها للحد من تأثير التداعيات المدمّرة لهذه الظاهرة الخطيرة التي تعدَّ من أهم التحدِّيات التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية الآن وأخطرها..
المثقَّفون العرب وموقفهم من العولمة الثَّقافية
نظّم مركز دراسات الوحدة العربية، في بيروت، ندوة حول: «العرب والعولمة»؛ وذلك بين 18 و20 كانون الأول (ديسمبر) عام 1997م. حضر النَّدوة عدد كبير من المثقَّفين والمفكرين الاقتصاديين وأكاديميين مختصِّين في ميادين معرفية مختلفة. وقد تناولت الأوراق التي قُدِّمت لمعالجة العولمة، على المستوى الثقافي، لأنها قُدِّمت ـ كما أشار إلى ذلك المعقِّبون عليها ـ رؤى عميقة تجاه العولمة الثقافية، كما قُدِّمت مقترحات نظرية وعلميَّة للحد من التَّداعيات السَّلبية لهذه العولمة.
الورقة الأولى كانت للدكتور محمد عابد الجابري، أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب)، تحت عنوان: «العولمة والهوية الثقافية: عشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 313]


أطروحات»، يعرِّف الجابري الثقافة بأنها: «المعبِّر الأصيل عن الخصوصية التاريخية ومهامه هنا، وقدراته وحدوده، وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل». وبناء على هذا التَّعريف يرى «أن العالم لا يحتضن ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد هذه الثقافة في يوم من الأيَّام، وإنما وجدت وستوجد ثقافات متعدِّدة متنوِّعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، أو بتدخُّل إرادي من أهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوِّماتها الخاصة، من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش، ومنها ما يسعى إلى الانتشار، ومنها ما ينعزل حيناً وينتشر حيناً آخر...» (1).
هذا ما يراه الجابري بخصوص التَّعدُّد الثقافي الذي يزخر به العالم، أمَّا العولمة فيعدّها «إيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم وأمركته... لأنها تعمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية، بالذات، على بلدان العالم أجمع... لذلك فهي تنحو باتجاه القضاء على الخصوصية الثقافية بشكل عام، في الأذواق وأولويَّات التفكير ومواضيع التفكير ومناهج التفكير..». أما وسائلها فهي سمعية بصرية، تهدف المادة الإعلامية التي تروّجها وتنشرها إلى: «تكريس نوع من الاستهلاك، لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع، معارف إشهارية تشكل في مجموعها ما يمكن أن نطلق عليه «ثقافة الاختراق»، والنتيجة التي ستحقِّقها هذه العولمة الثقافية، عبر وسائل الإعلام، هي تعميق الاستتباع الثقافي والحضاري بشكل عام».
أمَّا بخصوص ثقافة الاختراق، أو مضمون هذه العولمة بشكل عام، فهو كما ذكره باحث أمريكي ينحصر في الأوهام الخمسة الآتية: وهم الفردية، وهم الخيار الشخصي، وهم الحياد، وهم الطبيعة البشرية التي لا تتغيَّر، وهم غياب الصراع الاجتماعي. وبعد أن يشرح الجابري هذه الأوهام الخمسة ينتقل إلى أطروحة جديدة يؤكد فيها أن العولمة: «نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى، ويدفع للتفتيت والتشتيت. ليربط الناس بعالم اللَّاوطن واللَّاأمة، واللَّادولة، أو يفرقهم في أتون الحرب الأهلية».
أما بخصوص وضع الثقافة العربية، فقد وصفها الجابري بأنها تعاني من ثنائية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)د. محمد عابد الجابري، «العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات» المستقبل العربي (بيروت)، السنة 20، العدد 228 (شباط/ فبراير 1998م)، ص 14.

[الصفحة - 314]


في مستوياتها المختلفة، المادية والروحية، وهذه الثنائية هي نتيجة الاحتكاك مع الثقافة الغربية التي جاءت نتيجة تطوُّر «قوامه التحديث والحداثة». أمَّا الثَّقافة العربيَّة، كما يقول الجابري، فلم تعش ذلك التطور بل بقيت بمعزل عنه تجتر وضعاً قديماً توقَّف عن النمو منذ قرون.

وللإجابة عن سؤال: ما العمل إزاء هذه السلبيات والأخطار التي تطبع علاقة العولمة بالعرب على صعيد الهوية الثقافية؟ عرض الجابري موقفين سمَّاهما سهلين: موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلي.. وموقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري شعاره: «الانفتاح على العصر» و «المراهنة على الحداثة». هذان الموقفان يصنّفهما الجابري ضمن المواقف اللاتاريخية. فالأول سلبي غير فاعل لعدم وجود نسبة معقولة من التكافؤ بين إمكانات العولمة والثقافة المنغلق عليها، وبالتالي فالانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موت بطيء.. والثاني يُعَدّ دعوة للاغتراب وفسح المجال أمام ثقافة الاختراق، وهذا الموقف الثقافي ينطلق من الفراغ أي من اللَّاهوية..
أمَّا الموقف الذي يقترحه الجابري إزاء الثَّنائية والاختراق وإيديولوجيا العولمة، فينطلق من العمل داخل الثقافة العربية من أجل تجديدها «بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل.. وتجديد الثقافة العربية والدفاع عن الخصوصيات ومقاومة الغزو والاختراق جميعها أمور تحتاج إلى اكتساب الأسس والأدوات التي لا بد منها لدخول عصر العلم والثقافة، وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية...».
أمَّا الدكتور عبد الإله بلقزيز، أمين عام المنتدى المغربي العربي، فقد تساءل، في ورقته التي حملت عنوان: «العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة»، عن هذه العولمة: هل هي مؤشر على نهاية عهد السيادة الثقافية؟
فالمصدران الرئيسيَّان التقليديَّان اللذان كانت الثقافة الوطنية تنهل أسباب سيادتها وتجدِّدها منهما، أي (الأسرة والمدرسة)، يبدو ـ كما يقول بلقزيز ـ كما لو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 315]


أن العياء دب في أدائهما، ونال من وظائفهما التربوية والتكوينية، ومن قدرتهما على الاستمرار في ممارسة أدوارهما التقليدية الفعالة في إنتاج منظومات القيم الاجتماعية وإعادة إنتاجها. وهذا الخلل الطارىء على العمل الوظيفي «الطبيعي للأسرة وللمدرسة الوطنية، إنما كان ثمرة مرة لحقيقتين تقوم على وجودهما ورسخوهما أوفر الدلائل، هما: إخفاق النظام التعليمي، وتفكيك بنية الأسرة، في امتداد الانهيار الكامل والشامل لنظام القيم..».
هذا في ما يتعلّق بخلفيّات وضع الثقافة العربية، أمَّا بخصوص العولمة الثقافية فقد وصفها بلقزيز بأنها ثقافة الصُّورة، فهي ليست ثقافة مكتوبة بل «ثقافة ما بعد المكتوب».
وهذه الثقافة لا تحتاج إلى لغة، لأنها، بحد ذاتها، خطاب ناجز مكتمل يمتلك سائر مقوِّمات التأثير الفعّال على مستقبله، أمَّا مضمون هذه الثقافة البصرية السمعية، كما يقول بلقزيز، فهو على مستوى من الهزال والفقر والسطحية، يثور معه التساؤل المشروع عن مستقبلنا الإنساني!؟
إنَّها ثقافة معلَّبات مسلوقة جاهزة للاستهلاك، تتنافس الشركات الإعلامية لتسويقها مستخدمة جميع ما ابتكره العقل البشري الغربي من وسائل الإغراء والخداع، ومع تراجع معدَّلات القراءة والاهتمام بالكتاب، فإن نظام القيم معرض للتَّفتُّت، الأمر الذي يكرِّس «منظومة جديدة من المعايير ترفع من قيمه النفعية والفردانية الأنانية، والمنزع المادي ـ الغرائزي المجرَّد من أي محتوى إنساني... إلخ».
أما بخصوص إمكانية مقاومة زحف هذه العولمة، فقد دعا بلقزيز إلى الممانعة الثقافية، عبر المقاومة الإيجابية لهذه العولمة أو السيطرة الثقافية الغربية كما سماها؛ وذلك «عن طريق استعمال الأدوات عينها التي تحقَّقت بها الجراحة الثقافية للعولمة»، كما أشار إلى إمكانيَّة الاستفادة من نظريَّات علم الاجتماع الثقافي التي تؤكد على أن «فعل العدوان الثقافي غالباً ما يستنهض نقيضه»، وهذا نوع من أنواع الممانعة الثقافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 316]


الدكتور أحمد صدقي الدَّجاني، رئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم في منظَّمة التحرير الفلسطينية، الذي شارك في أعمال ندوة «العرب والعولمة» انتقد العولمة الثقافية لأنها تنشر قيماً سلبيَّة أخطرها في نظره: «النظر إلى الإنسان على أنه مجرد مستهلك» (2)ورأى أن محاولة إنهاء الثقافات وتنميط البشر على ثقافة غربية واحدة يقيناً سيخفق (3).
ويقترح الدكتور الدجاني، لكي تأخذ ثقافتنا مكانتها ضمن هذه العولمة، أن نحسن تقديمها، وقبل ذلك نعتني بها عن طريق الاهتمام بقطاع التربية والتعليم، وأن نهتم «بتوفير الذاكرة الأدبية والذاكرة التاريخية» (4)، مؤكداً على الاستفادة من التَّقنية المعاصرة لأنها ملك عالمي.
أما المفكر الإسلامي منير شفيق فيرى أنَّ الأمَّة العربية تواجه تحدِّيات شاملة مع العولمة، ليس فقط على مستوى الثقافة، ولكن على المستويين الاقتصادي والسياسي، لذلك، فالمعركة شاملة، ومن ثم فمن التبسيط أن نحصرها في الجانب الثقافي، لأن العولمة تريد أن تقتحم علينا بلادنا لتفقدنا استقلالنا، لتفقدنا ثقافتنا وهويتنا (5).
وهذا التَّحدي الثقافي للهوية تشكو منه بعض الدول الأوروبية التي رأت في العولمة الثقافية هيمنةً للأنموذج الأمريكي وسيطرته على المجال الثقافي العالمي إنتاجاً وتسويقاً.
الدكتور سيار جميل، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت (الأردن)، وصاحب كتاب «العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط: مفاهيم عصر قادم» (طبع سنة 1997م)، شارك في ندوة «العرب والعولمة». فقدّم تعقيباً على ورقة السيد ياسين من مصر «في مفهوم العولمة»، يرى الدكتور سيار «أن الثقافة العربية والإسلامية تعاني من تحدِّيات واسعة على مستوى التكوين والإنتاج، وعلى مستوى الآليات والوسائل والأساليب كذلك» (6).
وأن هذه المعاناة كانت قد بدأت مع الاحتكاك الثقافي بالحضارة الغربية، لذلك فالدَّعوة إلى المحافظة على الخصوصيات في عصر العولمة، لن يتحقق إلا بالاهتمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2)د. أحمد صدقي الدجاني، «الثقافة العربية والإسلامية وتحديات العولمة»، مجلة الكلمة (بيروت)، السنة الخامسة، العدد 18 (شتاء 1998م)، ص 143.
(3)المصدر نفسه، ص 143.
(4)المصدر نفسه، ص 143.
(5)منير شفيق، «عالمية الثقافة الإسلامية أمام تحديات العولمة»، مجلة الكلمة (بيروت)، السنة الخامسة، العدد 19 (ربيع 1998م)، ص 105.
(6)د. سيّار جميل، «الثقافة الإسلامية والاختراق الثقافي في ظل العولمة»، مجلة الكلمة (بيروت)، السنة الخامسة، العدد 18 (شتاء 1998م)، ص 145.

[الصفحة - 317]


بالحقول المعرفية والواقعية ومعالجتها، وإحداث الإصلاحات والتغيرات المطلوبة، على أن تكون هذه المعالجة «شمولية في النظرة والتطبيق» (7).
وأمام التفوُّق التقني الذي تستثمره العولمة الثقافية الغربية يرى الدكتور سيار أننا لن نستطيع أن نوقف هذه الهجمة الإعلامية، لكننا باستطاعتنا الحد من تأثيراتها السلبية عن طريق «مثلًا إيجاد قنوات فضائية عربية وإسلامية، أن نشيع أدبياتنا وأفكارنا وفنوننا في العالم، أن ننفتح على بعضنا البعض، أن نتكتَّل اقتصادياً، أن تكون أية مجلة أو جريدة أو أية مراسلات مفتوحة بين دول العالم الإسلامي، عمل جماعي متكتل، متنوع، ومنفتح على بعضه عربياً وإسلامياً». كما أكد الدكتور جميل على ضرورة «تأسيس كتلة اقتصادية عربية إسلامية تساعد حركة الثقافة» (8).
أمَّا إذا لم نهيِّىء مثل هذه البدائل وغيرها فقد حذَّر الدكتور سيار من طغيان ثقافة الآخر علينا، ورأى أنه نتيجة هذا الطغيان ستصل العولمة الثقافية إلى مداها الأوسع، أي الاستتباع الثقافي النهائي للغرب الذي سيعمِّق الاستتباع الاقتصادي والسياسي.
أمَّا الباحث السعودي الأستاذ محمد محفوظ، مدير تحرير مجلة الكلمة، فيرى أن الثقافة التي تنشرها وسائل الإعلام الغربية والأمريكية بالخصوص، «إنما تعمِّق مسار الاغتراب في حياة أصحاب النزعة الوطنية، ومن خلال هذا الاغتراب، ينغرس الشعور الوهمي، بأن الثَّقافة التي ينتجها الغرب هي ثقافة الكون كله» (9).
أمَّا التَّحديات الحقيقية التي تواجه الثقافات الوطنية أمام دعوات الكوكبة والعولمة الشاملة، فهي، في نظره، من جراء العلاقة غير المتكافئة بين الشعوب والأمم التي تحمل يافطة الثقافات الوطنية وتبذل جهداً في هذا السبيل (10). إن الغرب، كما يقول محفوظ، «يطمع في أن يكون منتجاً كونياً لا ينافسه أحد في ذلك». من هنا تنبع أهمية إعادة الاعتبار إلى عناصر الثقافة الوطنية، والعمل على تنشيطها في النسيج المجتمعي، «لأن بقاء عناصر الثقافة الوطنية ساكنة، يعني تحوُّل بعضها إلى فلكلور محلي، نشجع به السياحة، ونحنِّطه في متاحف وأماكن أثرية لا غير. إن الإرتكاز على عناصر الثقافة الوطنية ومقوِّماتها هو الذي يوفِّر لنا أسباب الوعي والإدراك الكافيين لاستيعاب تطوُّرات العالم وتحديد مستقبلنا» (11).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(7)المصدر نفسه، ص 146.
(8)المصدر نفسه، ص 147.
(9)محمد محفوظ، «نقد المشروع الثقافي الغربي وطموحات العولمة»، مجلة الكلمة (بيروت)، السنة الخامسة، العدد 19 (ربيع 1998م)، ص 56.
(10)المصدر نفسه، ص 55.
(11)المصدر نفسه، ص 57.

[الصفحة - 318]


ملاحظات
من خلال استعراضنا لآراء هذه المجموعة من المثقفين والأكاديميين العرب والإسلاميين، نسجِّل عدة ملاحظات نذكر منها:
1 ـإنَّ التحدِّيات التي ستعاني منها الثقافة العربية والإسلامية، في ظل العولمة، كبيرة وخطيرة وتحتاج إلى مبادرات عاجلة وفاعلة.
2 ـالثقافة العربية بحاجة إلى إعادة بناء وتجديد وتفعيل من الداخل لتهيئتها للمقاومة والتَّصدَّي.
3 ـضرورة الاهتمام بقطاع التربية والتعليم، شكلًا ومضموناً، والبحث عن الوسائل الفاعلة لإخراجه من الثنائيات التي تحكمت فيه خلال العقود الماضية.
4 ـضرورة استخدام وسائل العولمة وتقنيَّاتها المتطوِّرة لنشر الإنتاج الثقافي العربي، عبر الصورة والصوت. والاهتمام بجودته لينجذب إليه المتلقي العربي، فيستهلكه بدلًا من الإنتاج الغربي. وإعادة النظر في البرامج الإعلامية الغربية التي تستهلكها وسائل الإعلام العربيَّة بلغتها من دون ترجمة أو رقابة.
5 ـضرورة التَّعاون بين الدُّول العربية والإسلامية في المجال الثقافي لإنتاج ثقافة عربية وإسلامية، تأخذ مكانها في خضم هذه العولمة وتسويقها، لتحد من تأثيرات الاختراق الثقافي، كما تقدِّم البديل الثقافي والحضاري الذي يحصِّن الهوية ويدافع عنها.
وأخيراً، فإن معالجة ظاهرة العولمة الثقافية والحديث عن تداعيتها السلبية على ثقافات الشعوب غير الغربية، لم يستنفد بعد أغراضه، لأن العولمة الثَّقافيَّة الغربية لم تصل بعد إلى مرادها الذي تطمح إليه. لكن لا أحد يعرف حجم المخاطر التي تنتظر ثقافات شعوب العالم الثالث وأممه، إذا هي لم تبادر بسرعة وفاعلية لإيجاد وسائل الممانعة والتصدِّي والمقاومة؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 319]