البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أنظمة الحكم ومشروعيَّة النِّظام في ضوء النَّظرية الإسلاميَّة

الباحث :  الشَّيخ قاسم الإبراهيمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  22
السنة :  السنة السادسة صيف 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  1644

أنظمة الحكم ومشروعيَّة النِّظام في ضوء النَّظرية الإسلاميَّة

الشَّيخ قاسم الإبراهيمي (*)

جاء في المادَّة الأولى من دستور الجمهوريَّة الإسلاميَّة
«نظام الحكم في إيران هو الجمهوريَّة الإسلاميَّة»...
الجمهوريَّة لغةً واصطلاحاً
الجمهورية (Republic) ، لغةً، مصدر صناعي من الجمهور، مستعمل في معانٍ كثيرة، منها: الرَّمل الكثير المتراكم الواسع، والجماعة من النَّاس والخيل (1)والأرض المشرفة على ما حولها (2)والكريمة من النِّساء (3)وغيرها.
لكن هذه المعاني جميعها مصاديق للجمهور واستعمالاته، أمَّا الأصل فربَّما أخذ فيه الاجتماع، وربما الاستطالة والارتفاع، وربما الكثرة الغالبة، أعني المعظم.
والأوّل ظاهر الفراهيدي (4)والثَّاني ظاهر الأصمعي (5)وابن السَّكيت (6)والثَّالث صريح ابن دريد (7)وأبي البقاء (8)، وهو المنسوب إلى المشهور (9).
واستظهر ابن فارس التَّركيب من الأوّل والثاني؛ حيث قال، في باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوّله جيم: «وذلك على أضرب: فمنه ما نُحت من كلمتين صحيحتي المعنى مطّردتي القياس...، فمن ذلك قولهم للرَّملة المشرفة على ما حولها جُمهور، وهذا من كلمتين: من جَمَر، وقد قلنا: إن ذلك يدلّ على الاجتماع، ووصفنا الجمرات من العرب بما مضى ذكره، والكلمة الأخرى جَهَر، وقد قلنا إن ذلك من العلوّ، فالجمهور شيء متجمع عالٍ» (10). وهو الظاهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)باحث حوزوي
(1)العين، الفراهيدي، 4: 117.
(2)البارع في اللغة، القالي: 194 نقلًا عن الأصمعي.
(3)المحيط في اللغة، ابن عباد، 5: 118.
(4)انظر: العين 4: 117.
(5)انظر: البارع في اللغة: 194.
(6)انظر: تهذيب الألفاظ، ابن السّكيت: 153.
(7)جمهرة اللغة، ابن دريد 2: 1138.
(8)الكليات، أبو البقاء: 331.
(9)انظر: البارع في اللغة: 194.
(10)معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 1: 505 ـ 506.

[الصفحة - 156]


لدينا لجمعه بين الاستعمالات، مع أن الأصل في الاستعمال عند الدَّوران بين ما وضع له وما لم يوضع، الأوّل، أعني الحقيقة، وتطابقه مع الأصول، أعني المواد اللُّغوية الأصلية.
وتفسيره بالمعظم تفسير بلازم الكثرة تسامحاً.
والإيراد على التركيب منهما: باقتضائه عدم الانطباق على ما لم يجمع بين المعنيين لنا الالتزام به بحمل جميع الاستعمالات عليه، وإن غلب أحد المعنيين على الآخر.
والحاصل أن الجمهرة قريب من معنى الرُّكام في جمعه لمعنيي الاجتماع والعلوّ إن لم يكن مرادفه.
واصطلاحاً، نظام من أنظمة الحكم ربما عبّر عنه بأنه من أنظمة الحكم الديمقراطي الذي يقوم على مبدأ حكم الشعب للشعب، أو بأنه مصدر السُّلطات يتم فيه انتخاب رئيس للدَّولة، أو الجمهورية، إما مباشرة، أو بوساطة نوّاب الشعب ليتولَّى منصب الرئاسة مدة معيَّنة منصوص عليها في الدستور، وربما سُلِكَ طريق ثالث يلفِّق بينهما بأن يكون الترشيح للرئاسة من قبل نوّاب الأمَّة، ثم يعرض المرشح على الُأمّة لاستفتائها بصورة مباشرة. وتكون الرئاسة إما فردية، وهو المشهور بين دول العالم، أو ثنائية، وهو نظام للحكم روماني قديم، أو جماعية منوطة بمجلس، مثلًا، ينتخب منه رئيساً للجمهورية وتكون صلاحياته منوطة مع ذلك بالمجلس، كما في مجلس الرئاسة الأعلى السّوفييتي السابق والمجلس الفدرالي السويسري (11).
لكن ما عبّر به عن أنَّ الجمهورية نوع من أنظمة الحكم الديمقراطي الذي يقوم على مبدأ حكم الشعب للشعب، أو بأن الشعب هو مصدر السلطات، لعله من باب التمثيل بأبرز المصاديق، كأن منشأ ذلك ما عليه المفهوم الأمريكي من جعل مفهوم الجمهورية مرادفاً لمعنى الديمقراطية كما نبَّه على ذلك محمد شفيق غربال في موسوعته العربية (12)، وإلّا فلا المدلول العرفي لهذه الكلمة، ولا مادة اشتقاقها الأصلية، فيهما دلالة على هذا المعنى بالخصوص، وإنَّما غاية ما يدلّان عليه ابتناء نظام الحكم فيها على آراء الناس بحسب المفهوم اللُّغوي، وعدم كون الحكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(11)انظر للمثال: القاموس السياسي، أحمد عطية الله: 399 ـ 400، الموسوعة السياسية د. عبد الوهاب الكيّالي، 2: 89 ـ 90 دائرة المعارف، بطرس البستاني، 6: 534 موسوعة المورد العربية، منير البلعبكي، 1: 394.
(12)الموسوعة العربية الميسرة، محمد شفيق غربال، 1: 646.

[الصفحة - 157]


منحصراً بطبقة أو أسرة معيّنة أو بشخص محدّد مدى الحياة بحسب المفهوم العرفي، ولذا جاء في الموسوعة العربية الميسَّرة في تعريف الجمهورية: «دولة يرأسها حاكم منتخب، سواء قام الشعب بانتخابه مباشرة، أو انتخبه البرلمان، أو هيئة شعبية أخرى. وتميل معظم الدول الحديثة إلى الأخذ بهذا النظام وهجر النظام الملكي الوراثي» (13).
ولا يعني ابتناء نظام الحكم في الجمهورية على آراء الناس كون الشعب هو مصدر السلطات، إذ قد يكون مصدر السلطات غيرهُ، غاية الأمر أنه ترك للشعب فسحة التدخُّل كلًّا أو بعضاً في إدارة البلاد.
أنظمة الحكم (14)
تقابل الجمهورية، أي النِّظام المستند في طريقة تعيين الحاكم إلى رأي الشعب، أنظمة للحكم أخرى منها المَلكية والطبقية، والعهدية، والاستبدادية.
فإنه إما أن يؤخذ فيها ثبوت شأنية الحكم لأسرة معيَّنة من دون غيرها تنتقل بين أبنائها بالتَّعيين أو الانتخاب على أساس من العرق والوراثة، ويبقى المعيَّن أو المنتخب حاكماً للدولة مدى الحياة، فتلك الملكية التي يُعرف الحاكم فيها بالملك، والدولة بالمملكة. وترجع جذور فكرة الملكية إلى بعض نظريات التفويض الإلهي (15).
وإمَّا أن يؤخذ هذا الشأن لطبقة معيَّنة من طبقات الشعب بملاحظة صفات في أفرادها تقتضي، في تصوّرهم، هذا التفوّق، كالثراء أو العرق أو نوع العمل، أو غير ذلك.. وترجع جذور هذا النوع من الحكم إلى نظام المدن اليونانية والرومانية؛ حيث كانت السلطة دُوَلةً بين عدد من الأسر. ومن أمثلته المعاصرة نظام الاتحاد السّوفييتي المنهار؛ حيث حصر دستور الاتحاد السّوفييتي لعام 1936م. حق ممارسة السلطة السياسية والوظائف العامة بطبقة الشَّغيلة (16).
وإن أخذ في شأنية الحكم إيصاء الحكم السابق وعهده بالحكم إلى شخص بعد وفاته، لا على أساس من النَّسب أو الصفة، بل على أساس من اختيار شخصي للحاكم السابق، فكأن القانون يعطي الحاكم حق تعيين من يخلفه بعد وفاته، فهو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(13)المصدر نفسه.
(14)لتقسيم أنظمة الحكم أسس للقسمة مختلفة، وقد اعتمدنا في هذا التقسيم على الآلية التي بها تناط مهمة الحكم وإدارة الدولة إلى الحاكم أساساً وبقطع النظر عن مصدر مشروعية حكم الحاكم، فلا يعترض بإدخال خلافة الإمام علي (عليه السلام)في الحكومات العهدية لورود النصّ بشأن نصبه.
(15)انظر القاموس السياسي: 219.
(16)الدساتير والمؤسسات السياسية د. إسماعيل الغزال، ص 130 و131.

[الصفحة - 158]


الحكومات العهدية. وهو نوع من الأنظمة قديم العهد يرجع تأريخه إلى سالف الأزمان على ما تنقله الكتب التاريخية، بل والقرآن، من كيفية تصدّي الأنبياء لنظام الحكم. وقد مارس الرَّسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) والأئمة المعصومون (عليهم السلام)هذه الطريقة في نصب من جاء بعدهم؛ حيث قام كل منهم بتعيين الخلف بعده. ومارسها أبو بكر أيضاً في تعيين عمر خليفة له من بعده. وهذا النِّظام لا يحدّد للرئيس مدّة معينة لرئاسته بل تستمر رئاسته مدى الحياة.
أما إن أخذت القوَّة والقدرة ملاكاً للحكومة والنِّظام، فتلك حكومة استبدادية. وغالباً ما لا تنحصر بمدَّة معيَّنة، بل تخضع لميزان القوى وقدرات الحاكم على البقاء في منصبه، وتمثِّل حكومة العراق هذا النوع من الحكومات.
وتختلف هذه الحكومات، إحداها عن الأخرى، في جملة صفات، منها اتصاف الحكم في الحكومات الاستبدادية بحالة التزلزل، وعدم الثَّبات، والطغيان، والتسلُّط، والأثرة، وحب الذات، وسحق الحقوق والكرامات الإنسانية، ومصادرة الحريات الفكرية، والتلاعب بالقوانين وغير ذلك.
وتؤثِّر سائر التشكيلات وصلاحياتها في ممارسة الحكم تأثيراً كبيراً على ثبات النظام واستقراره.
كما تختلف هذه الحكومات من حيث الاستقبال الذي تلقاه، فبعضها يلقى استقبالًا كبيراً من الناحية العملية من قبل الناس والحكومات كالجمهورية، في حين يرفض بعضها نظرياً لا عملياً فقط كالحكومات الاستبدادية، وما بينهما متوسِّط.
هذا، وقد اتَّخذت أغلب هذه الحكومات صفة دستوريَّة، وأصبحت ذات كيانات رسمية لها وظائفها واختياراتها وإمكاناتها وطريقة عملها وطبيعة الارتباط في ما بينها بما يحول دون تطرّق حالة التذبذب والاستئثار بالسلطة والانفلات السياسي إلى الحكم والنظام الحاكم، فأصبحت متقاربة في ما بينها من حيث الآثار.
وتنبغي الإشارة إلى أن التحدّث عن هذه الأنواع الخمسة لا يعني انحصار أنظمة الحكم فيها، وعدم إمكان فرض نظم غيرها، وإنما كان ذلك بحسب المشهور والمعروف منها فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 159]


مشروعيَّة النِّظام (Legitimacy of regim)
المشروعيَّة، في مفهوم عام، تعني انطباق الأمر المتَّخذ ـ تشريعياً كان أم تنفيذياً أم قضائياً أم غير ذلك لو فرض ـ على القواعد النظرية الجارية الأعم من كونها قانونية أو عرفية أو دينيَّة وشرعيَّة.
والبحث عن مشروعيَّة النِّظام بحث عن أحد مصاديقها، فالنظام المطبّق للقواعد المذكورة مشروع، وغيره غير مشروع.
وإذا كانت القواعد النَّظرية هذه، المسمّاة في مجال السياسة بالنظريات السياسية، تنبع بالدرجة الأساس من تصوّرات المجتمع وعقائده، فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظرة التصوّرية له عن الكون ككل، سواء كانت هذه النظرة مدوّنة في الكتب ومصوغة بشكل قوانين ومواد في دستور الدولة، كما هو المتَّبع في الدول المتحضرة، أم كانت مجرّد ارتكازات ذهنية متأصّلة في أذهان أفراد المجتمع، ولم تخرج بالتَّدوين من حيِّز الذهن إلى الخارج بوجود مدوَّن، كما في المجتمعات البدائية التي يقوم نظامها على أساس من السُّنن والأعراف والرسوم المستمدَّة من تصوّرات وعقائد يحملونها في أذهانهم.
وكيفما كان فللأيديولوجية الفكرية والنظرة الكونيَّة تأثير مباشر على منشأ مشروعية النظام.
وعلى أية حال، فالنَّظريات المطروحة حول مشروعية النظام يمكن تصنيفها حسب نظرتها إلى الكون إلى صنفين: نظريات دينية (ثيوقراطية) ونظريات لا دينية.
النَّظريَّات الماديَّة (Matirialis)
هي النَّظريات التي ترفض الإيمان بما وراء المادّة والطبيعة، وتلخِّص كل الكون بها، وتنكر كل وجود لشيء خارج عنها. فكل ظاهرة تقع في هذا العالم، ومنها ظاهرة تولِّي الحكم، محكومة بقوانين عالم المادّة وأحكامه، ولا بدّ من تفسيرها على أساس ذلك. وأهم هذا النَّوع من النظريات اثنتان:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 160]


الأولى: نظريَّة القوّة (Powey Force)
ويذهب أصحابها، كبلونارك وديجي، إلى أنّ القوَّة هي الأساس الذي تقوم عليه السلطة والحكم. فالقوي يفرض سلطانه على الضعيف لتحقيق إرادته، وهذا معنى الحكومة. وكثيراً ما يستشهد هؤلاء لنظريَّتهم بأمثلة كثيرة من التَّاريخ قديماً وحديثاً (17).
وهذا المقدار من البيان غير وافٍ بالمطلوب، فإن مجرّد قيام حكومات نتيجة تمتّعها ببعض القدرات لا يعني بحال من الأحوال شرعيَّتها، إذ إنَّ الشرعيَّة، بناء على ما بيّناه، عبارة عن مطابقة الأمر المتَّخذ للقواعد النظرية الجارية، فمن هنا احتاج هذا البيان إلى مزيد تعميق بالقول: إنَّ القواعد النَّظرية المعمول بها، لمَّا كانت لا يفترض فيها وجود أمر وراء عالم المادة يجب تطبيقها عليه، فهي تعبّر عن قناعات واضعيها التي غالباً ما تتأثَّر سلباً أو إيجاباً بعد الكسر والانكسار بمراكز القوى السائدة في المجتمع، وقوّتها هي المؤثرة في صنع القرارات.
ولا نعني بالقوَّة القدرة العسكرية والنظامية فحسب، بل الأعم منها، ومن ذلك القدرة الاقتصادية والسياسية والفكرية والأدبية وغيرها.
فالحاكم الضَّعيف، بحسب قدراته الذاتية، لا يسعه الصمود والبقاء طويلًا في الحكم، لفقدانه الفكر الحصيف والعزيمة الراسخة مثلًا، لكن ارتقاءه موقع الحكومة لا يخلو من عامل قوة فيه دفعه إليه، ولو لأنه وريث الحاكم السابق، أو لأن الأجواء السياسية في صالحه مثلًا.
لكن بعض هذه العناصر لا تستمر عامل قوة دائماً أو طويلًا، فسرعان ما تخسر موقعيَّتها ويضعف تأثيرها، ولو بطول الزمان. وخلال تلك المدّة ستظهر مراكز قوى جديدة في المجتمع، فتحدث حالة غير مستقرَّة في ميزان القوى تؤدِّي ـ ما لم يكسب الحاكم الضعيف عناصر قوة جديدة إليه ـ إلى تحوُّل دفعي أو تدريجي في مصالح مراكز القوى الجديدة في المجتمع؛ إذ لا بدَّ لهذه الحالة اللامتوازنة من أن تترك تأثيراتها على الحاكم الضَّعيف، ما سيخلق للحاكم أزمات عديدة لا مخرج له منها إلّا بالتعسُّف الذي ينجرّ في كثير من الأحيان إلى ضعف أكبر فيه، أو إدخال هذه المراكز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(17)نظام الحكم في الإسلام، د. النبهان: 35.

[الصفحة - 161]


في حل الأزمات التي لا بدّ من أن يثير فيها الدافع إلى كسب بعض الامتيازات التي ستضفي قوة جديدة إلى قوتها، وتضيف ضعفاً جديداً إلى الحاكم حتى تحصل حالة من الاستقرار والموازنة في مراكز القوى. وبذا يجاب عن الوجه في التحوّلات الحاصلة في نظام الحكم.
فالقوَّة هي العامل المؤثِّر الوحيد في خلق معايير جديدة في المجتمع ـ أعم من القدرة العسكريَّة والفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة وغيرها ـ بموجبها يحصل التغيير، وهو معنى الشرعيَّة.
الثَّانية: نظريَّة الديمقراطية (Demacracy)
وهي من النَّظريات العريقة في القدم؛ إذ يرجعها بعض الباحثين إلى عصور اليونان القديمة، حيث منها اشتقَّت اللفظة التي تعني «حكم الشعب»، وذكرها أفلاطون في كتاب الجمهورية، بل مورست نظاماً للحكم في اليونان خلال تلك المدة (18).
ثم إنَّ مجيء فلاسفة كبار كهوبز ولوك وجان جاك روسو وتنقيحهم لأصولها أضفى على هذه النظرية لباساً من العلمية، وطبعها بطابع القانون.
وتذهب النَّظرية، على رأي هوبز ولوك معاً، إلى وجود اتفاق بين أفراد المجتمع على الانتقال من الحياة الفوضوية إلى الحياة المنظَّمة يختارون بموجبه شخصاً يحكمهم، إما مع صلاحيّات مطلقة يحوِّلها أبناء الشعب عبر تنازلهم عن جميع حقوقهم كما يعتقد هوبز، أو مع صلاحيات مقيَّدة بالتزامات من طرفه برعاية بعض الحقوق كما يذهب لوك، ويطلق على هذا الاتفاق «العقد الاجتماعي». فالعقد الاجتماعي، برأي هوبز، تحويل والتزام من طرف واحد، في حين هو على رأي لوك التزام من طرفين.
أمّا جان جاك روسو فيختلف عن هوبز ولوك بذهابه إلى أن أفراد المجتمع يتنازلون بموجب هذا العقد، بملء إرادتهم، عن حقوقهم الفردية لصالح الجماعة، أو ما يسمِّيه «الإرادة العامة» التي تخلق لهم كياناً سياسيَّاً وتقرّر لهم حقوقاً في إطار الجماعة غير حقوقهم الفردية يكون التطاول عليها تطاولًا على الجماعة باعتبارها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(18)انظر: الموسوعة السياسية: د. الكيالي، 2: 751.

[الصفحة - 162]


المقرّرة لتلك الحقوق، وهكذا تكون القوانين المحدّدة لأطر النظام منبثقة عن الإرادة العامة الناشئة من اجتماع إرادات الإفراد ضمن مصب واحد (19).
وتستبطن هذه النَّظريات أصولًا موضوعية غير ما فرض، أوّلًا، من عدم الاعتقاد بما وراء المادة الذي يترتَّب عليه عدم وجود أصل حاكم فوقي مستمدّ منها: أولًا ـ البناء على أصالة الإنسان في العالم، أو ما يدعى (Humanism) ، وثانياً ـ القول بأصالة الفرد (Individualism) ، وهو ما يعني تساوي الأفراد من حيث تمتعهم بالأصالة وعدم ولاية أحد على أحد، وثالثاً ـ وينتج عن الأصل المتقدِّم تساوي الأفراد في تمتُّعهم بالحقوق الفردية وانبساط المنافع عليهم.
ولا يخفى أنَّ المراد بالعقد الاجتماعي واتفاق الأفراد على التنازل عن حقوقهم كلًّا أو بعضاً وتفويضها إلى الحاكم، أو إلى الجماعة، ليس وجود وثيقة بين الطَّرفين تنصّ على ذلك، بل إن أصل انتخاب شخص عليهم يتضمَّن هذا الاتفاق، فهي اتفاقات ضمنية بحتة، فلا يردّ عليه بإنكار مثل هذا الاتفاق.
كما لا يردّ عليه أيضاً بعدم حصول الاتفاق لوجود المخالف، فإنه على فرض التَّسليم بوجوده ـ خصوصاً مع متطلّبات المدنيَّة الحديثة التي لا تنفك عن اختيار الحياة الاجتماعية، وعجز الفرد عن تلبية احتياجاته من دون الاعتماد على الشرائح الأخرى المختلفة للمجتمع، ما يتطلب نظاماً ومنظماً ـ فإنَّه غير مضرّ بعد تفسير الاتفاق والإرادة العامة بالإرادة الغالبة
التي لا ريب في تعيّنها بعد فرض ضرورة النظام وعدم البُدّ من التزاحم مع حكم العقل بترجيح رأي الأكثر عند دوران الأمر بينه وبين الأقل.
لكن يواجه هذا النَّوع من النَّظريات، أعني النَّظريات الماديَّة، إشكال بنائي هو عقيدة أنصارها القائلة برفض الإيمان بوجود قوَّة وراء المادة لديها قوانين يمكن أن تشكِّل أصلًا كلّياً حاكماً على القوانين الوضعية التي يسنّها البشر.
النَّظريَّات الدِّينيَّة (Theocracy)
وهي نظريَّات تقوم على أساس الإيمان بوجود قوَّة وراء المادَّة ذات علم وحياة وإرادة هي الله المدبّر لأمر الكون على سنن وقوانين ثابتة، والمحيط به علماً. فما من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(19)انظر: النظم السياسية، ثروت بدوي: 103.

[الصفحة - 163]


قوَّة أَوْلى بإدارة الكون، وأحق بنظام الحكم، منه؛ فالأصل عند ذلك عدم وجود حاكميَّة غير حاكميَّة الله، سبحانه، ولا ولاية لإنسان على إنسان آخر، لأن مناط الإنسان بإنسانيته وقيمه، فما زاد عن ذلك ليس مرجّحاً يقتضي اختصاص صاحبه ببعض الحقوق والمزايا من دون سائر الناس. وتحصيل إنسان الحكم بالقدرة، أو المال، أو بانتخاب الشَّعب له، لا يساوق عندها اكتساب حاكميَّته المشروعية، بل لا بدّ لتحصيل المشروعية لحكمه من اكتساب صفة إلهية.
وربما كان هذا النَّوع من النَّظريات من أقدم النَّظريات المطروحة في مشروعية الحكم على الإطلاق؛ حيث ترجع جذوره إلى حضارات عريقة في القدم، كحضارة وادي الرافدين وبلاد النيل واليونان، بل ربما إلى أبعد من ذلك بكثير.
غير أن نظريات هذا النوع مختلفة شكلًا ومضموناً، فمنها:
1 ـ نظريَّة تأليه الحاكم: وتقوم على وحدة الحاكم والإله، إمَّا بجعل معنى الإله ـ انسياقاً مع التَّصوُّر الساذج ـ هو المالك لمقدّرات الأمور من المال والقدرة والجاه، والحاكم مالك لها كذلك، فيكون الحاكم هو الإله، كما قد يظهر من بعض المقاطع الواردة في القرآن الكريم حول فرعون؛ إذ قال تعالى: {ونَادَى فرعونُ في قَوْمِه، قال: يا قومَ أليسَ لي مُلكُ مِصْرَ، وهذهِ الأنهارُ تجري من تَحْتِي أفلا تُبْصرُون. أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مَهِينٌ، ولا يكاد يُبيْن. فلولا ألقي عليه أَسْوَرةٌ من ذهبٍ أو جاءَ معه الملائكةُ مُقترنين} [الزّخرف/51 ـ 53]. وقال في موضع آخر: {وقال فرعونُ: يا أيُّها الملُأ ما علمتَ لكم من إلهٍ غيري، فأوقدْ لي يا هامانُ على الطِّين، فاجعل لي صرحاً لعلّي أطّلعُ إلى إله مُوسى وإنِّي لأظنُّه من الكاذبين} [القصص/38]أو يجعله قوَّة غيبية لها القدرة على التصرُّف بالكون، غاية الأمر أنها يمكن أن تحلّ في جسم بشر، فيكون الحاكم ذا طبيعتين: إلهية بها يحكم، وبشرية بها يحيا. وعلى كلا التوجيهين يكون الممارس لعملية الحكم هو الله سبحانه وتعالى الذي ثبت له حق السِّيادة.
وقد آلت هذه النظرية بعد تيسُّر سبل العلم والمعرفة وتنقيح العقائد والأصول إلى الانقراض تقريباً، ولا يكاد يُرى لها مصداق واقعي اليوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 164]


2 ـ نظريَّة الحق الإلهي بالتَّخويل المباشر: وتتَّفق مع الأولى في أن الحكم حقُّ الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الناس متكافئون من حيث الإنسانية، وأن الحكم أمر ضروري للناس، لكن الله سبحانه لا يسعه مباشرة الحكم بنفسه لا مجرداً متمثِّلًا بصورة بشر، بل يفوّض حقَّه شخصاً من الناس، فهو يحكم بمقتضى التخويل المفترض، وبذلك يكتسب حكمه صفة الشرعية.

لكن إعطاء الحق هذا إما أن يثبت بمقتضى كلام الله ووحيه، بل تكشف عنه إرادته التكوينية المتمثِّلة بتمكين الممارس عمليّة الحكم من الوصول إلى سدة الحكم، إذ لو لم يشأ الله وصوله إليها لحال بينه وبينها، فوصوله إليها كاشف عن رضاه به (20)وقد تمسك بمحتوى هذه النظرية بعض خلفاء بني أمية والعباس، وتبنّته الكنيسة في مرحلة القرون الوسطى (21)، أو بالاستناد إلى بعض النصوص القاصرة عن إفادة مثل هذا المعنى قطعاً كنقل القديس بولس عن المسيح قوله: «ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، أو قوله تعالى: {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله} [الإنسان/30]، أو قوله: {والله خلقكم وما تعلمون} [التكوير/29].
ويتوجَّه على هذه النظرية أن تفويض الله حقَّه إلى شخص الحاكم يتضمّن ـ مضافاً إلى ما يستتبع من نسبة جميع التصرّفات المشينة التي يمارسها الحاكم مقدّمة للوصول إلى الحكم، أو بعد وصوله إليه، إلى إرادة الله سبحانه وتعالى، وهو ما يعني إمَّا الالتزام بصدور القبيح منه تعالى عن ذلك، أو إخراج الحسن والقبح من دائرة أحكام العقل ـ القول بعدم تخلّف إرادته التشريعية ـ التي بموجبها يجعل الحاكم ـ عن إرادته التكوينية ـ التي بها يوصله إلى سدّة الحكم ـ فهو لا يريد غير ما يقع. ومن هنا عُدّ هذا المذهب توجيهاً وتسويغاً للواقع فاسداً كان أم صحيحاً، وتأييداً للسلطات القائمة جائرة كانت أم عادلة.
3 ـ نظرية الحق الإلهي غير المباشر : وتتفق مع ما قبلها في أن الحكم حقُّ الله سبحانه وتعالى وعدم ولاية أحد على أحد، وفي أنَّ الله لا يمارس عملية الحكم مباشرة، بل بوساطة إنسان، لكنها تختلف معها في أن الأولى تذهب إلى التخويل التكويني المباشر من الله حقه للحاكم، في حين تذهب هذه إلى عدم التخويل المباشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(20)انظر: نظام الحكم في الإسلام: 31 والموسوعة السياسية د. الكيالي 2: 554 ـ 555.
(21)انظر: الموسوعة السياسية د. الكيالي، 2: 554 ـ 555.

[الصفحة - 165]


من الله بل عن طريق الشَّعب (22)، فمن يختاره الشَّعب حاكماً عليه فهو الحاكم المخوّل من قبل الله للحكم بين عباده، وصل إلى الحكم أم لم يصل، ومن يصل الحكم ولم يختره ليس مخوّلًا من قبله، ولا طاعة له، بل يجب الخروج عليه لأنه غاصب لحق الله سبحانه.
وهذه النَّظرية كما تنسجم مع مبنى كون الوصول كاشفاً عن الإرادة التكوينية لله، عز وجلّ، المتمثلة بإرادة الشعب واختياره له، كذلك تنسجم مع مبنى انفكاك الإرادة التكوينية له تعالى عن إرادته التشريعية وأنه أعطى حقه تشريعاً لمن يختاره الشعب حاكماً من دون غيره وإن بلغ سدّة الحكم، وبالثاني يندفع إشكال عدم التخلف المتقدم، وقد أيّد نظرية الحق الإلهي بقسميها الفيلسوفان جاك بوسويه الفرنسي وروبرت فيلمر البريطاني (23).
لكن يواجه هذه النظرية عدم وضوح دليل من التشريع في غير شريعة الإسلام يدلّ على شرعية الانتخاب على التوجيه الثاني، وترتب الإشكالات السابقة على الأوَّل.
مشروعيَّة النِّظام في ضوء النَّظرية الإسلامية
أمّا في الإسلام فمشروعيَّة النِّظام تقوم على جملة من الأسس والمبادىء تؤخذ أصولًا موضوعية قد فرغ البحث عنها في علم الكلام. أهمُّها:
1 ـ الإيمان بالله، سبحانه، موجوداً حيَّاً عليماً قادراً ليس من المادة ولا مفارقاً لها، بل قيُّومٌ بها، فما يقع فيها من ظواهر وأحداث يقع بقدرة الله لا بإذنه حسب، ومع ذلك فهو لا يكشف عن رضاه لإمكان تخلّف إرادته التشريعية عن التكوينية.
2 ـ الإيمان بأن حياة الإنسان لا تقتصر على الدُّنيا وعالم المادة، بل هناك عالم ثانٍ ونشأة أخرى، أو حياة جديدة ينتقل الإنسان إليها بعد الموت هي دار الخلد.

3 ـ الإيمان بأن الله خلق الدنيا داراً لابتلاء الإنسان وامتحانه، حيث أفصح له عبر أوامره ونواهيه عمّا يريد منه عمله في الوقت الذي تركه مختاراً ـ اختياراً لا يخرج به عمّا وضعه الله من سنن لهذا الكون، ما يعني خروجه عن قدرته ـ إلى أجل معين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(22)انظر: نظام الحكم في الإسلام: 32.
(23)انظر: الموسوعة السياسية الكيالي 2: 555.

[الصفحة - 166]


ليصنع ما يشاء وكيف يريد، ثم لينتقل بعد انتهاء الأجل الذي أجّل إلى حيث يوفِّيه حسابه إن خيراً بخير وإن شراً بشرّ.
وممَّا تقدَّم يفهم السر في إرسال الرُّسل وبعث الأنبياء وإقامة الحجج، فقد تمَّ ذلك ليستنقذوا النَّاس من الجهالة، وحيرة الضلالة، وليبيِّنوا لهم دينهم، ويضعوا عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
كما تفهم أيضاً الحكمة من جعل الإنسان مختاراً وتخلّف إرادة الله التشريعية عن إرادته التكوينية.
كما يفهم كذلك أن هناك تشريعات صادرة من تلك القوَّة الغيبية ليست امتحانية ولا عبثيَّة، بل منشؤها الحكمة والعلم بما به مصالح العباد، ونظام البلاد. وهذه الأحكام تشكل أصلًا فوقيَّاً حاكماً على جميع السنن والقوانين والأحكام التي يضعها البشر على أساس من إدراكهم الناقص لمصالح الأشياء والأفعال ومفاسدها.
والحكم، بوصفه ظاهرةً، في جانبه التشريعي حق الله فحسب، إلّا ما تركه خلوَّاً لعباده يملؤونه بما تُمليه متغيِّرات الزمان، وفي جانبه التنفيذي مراعى بحكم الله أيضاً، فالأصل الأوّلي عدم حكومة أحدٍ على أحدٍ، ولا تصرّفه فيه وما يرتبط به، وكل حكومة أو تصرف لشخص الأصل الأولي فيه عدم مشروعيَّته حتى يقوم دليل حكم الله فيه فتثبت مشروعيَّته.
وظاهر من خلال ما تقدّم أن الأصول التي اعتمدناها لتثبيت النتيجة التي توصّلنا إليها، وإن كانت مطابقة لما عليه الشريعة الإسلامية، لكنها أصول عقلية بحتة يمكن لكل واحدٍ الانتهاء إلى نتائجها مع سلوكه طريقاً فكرياً صحيحاً.
إسلاميَّة النِّظام
ممَّا تقدّم يظهر أن اللازم رعاية الأحكام الشرعيَّة في ممارسة عملية الحكم، وهو ما يقتضي الرجوع إلى الشريعة لمعرفة أحكامها. وإذ كانت الشريعة الإسلامية أتم الشرائع، وأكملها تقصيّاً للأحوال وأوسعها إحاطة بالفروع، وأقدرها على التكيُّف مع الظروف، ومواكبة تطوّرات العصر ومتغيّرات الزمان، وأن الله سبحانه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 167]


أوجب العمل بها إن لم يكن على جميع البشر بناء على تكليف الكفَّار بالفروع، فلا أقل من المسلمين، فلا بدّ من تقيُّد عنوان نظام الحكم ـ جمهورياً كان أم ملكيّاً أم غيرهما ـ بالإسلامية.
ومن هنا كان لزاماً علينا من الآن فصاعداً التعرُّض في كل قضية نتناولها بالبحث لوجهة نظر الإسلام فيها.
نوع نظام الحكم من وجهة نظر الإسلام
قد مضى منا بيان خمسة من أنظمة الحكم هي: الجمهورية والملكية والعهدية والطبقية والاستبدادية، ولم نُبدِ هناك نظراً في المختار منها، نظراً منا إلى ما بعد الحديث عن إسلامية النظام. أمَّا وقد فرغنا من الحديث عنها فقد آن الأوان للبحث عن نوع نظام الحكم الذي يختاره الإسلام. فهل يرى الإسلام ـ على فرض انحصار النُّظِم بالخمسة المذكورة ـ لزوم العمل بأحدها على وجه الخصوص، أم جواز العمل بأيٍّ أو بعض منها، أي هل يرى العمل بأحدها على سبيل التعيين أو التخيير، أم تُراه له نظام خاصُّ به بناء على فرض عدم الانحصار؟
الحقُّ أن ما يهمُّ الشارع المقدّس التصدِّي لبيانه في ما يخصُّ نظام الحكم هو التَّطبيق الأفضل للأحكام الشرعيَّة: الاجتماعية بمباشرتها من قبل الجهاز الحكومي، والفردية بإيجاد الجوّ المناسب لتطبيقها، ما يعني صعود الأقدر والأجدر على العمل بهاتين الوظيفتين، ولا يهمّه السبيل المتّبع لوصول الحاكم إلى سدّة الحكم ما دام يحقِّق له غرضه المطلوب ولا يحصل فيه تعدٍّ وتجاوز على حقوق الآخرين.
ومن هنا قد نجده يوماً يختار النصب الإلهي المباشر كما في نصب الأنبياء والأوصياء (24): ويوماً يحدّد مواصفات الحاكم المطلوب له ليتصدّى الواجد لها بنفسه للمنصب أو ينتخبه عموم الناس لذلك أو غير ذلك، كما هو الحال في عصر الإمام المهدي(عج) وهو ما سيأتي بيانه.
نعم، لا ريب في أن مقتضى عدل الله، سبحانه وتعالى، في لطفه عدم تخصيصه أحداً بعناية ـ ومنها الحاكمية ـ من دون مرجع فيه، فإن الناس عنده سواء لا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(24)للمثال: قال تعالى: وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً..[البقرة/247].

[الصفحة - 168]


فضل لأحد بلون أو لغة أو حسب أو نسب أو شرف أو ثراء أو قوة أو غير ذلك على أحد، إنما إيمانه وتقواه، وخُلُقه.
وإذ كان هذا، فالناس ـ ما لم يرد دليل خاص على إرادة المولى عزّ وجلّ أحداً بنحو القضية الخارجية أو الحقيقية، أعني بالشخص أو بالعنوان ـ شرع سواء في حقهم للتصدي للحكم، والرضا بالمتصدي له، أو رفضه، إذ مقتضى الأصل الأوّلي عدم ولاية أحد على أحد وعدم نفوذ أحكامه في ما هو لغيره بغير رضا منه، وهو معنى ابتناء نظام الحكم على آراء الشعب الذي فسرنا به الجمهورية.
فالجمهورية نظام على مقتضى الأصل الأوَّلي.
أمّا سائر الأنظمة، ملكيَّة، وطبقية وعهدية واستبدادية وغيرها، فلا دليل على مشروعيتها في الإسلام. نعم، يكفي أصل البراءة في دفع احتمال منع الشارع عن قيامها، لكن الآثار التكليفية المترتِّبة على جوازها وضعاً من نفوذ أحكامها وجواز تصرّفاتها في حق الغير موقوف على رضاه، ما يرجع مشروعيتها إلى آراء الشعب مرة أخرى فيكون عوداً إلى الجمهورية، وإن فارقتها في الشكل من حيث انحصار الحكم بأُسرة أو طبقة وتعيّن الحاكم بالوصاية والعهد والقدرة، لكنه غير مهم بعد استنادها روحاً إلى رأي الشعب بحيث لو شاء إخراج السلطة عن إطارها المتعارف جاز، فالمتابعة شكلية ظاهرية.
لكن لو قطعنا النظر عمّا يقتضيه الأصل الأوَّلي من عدم ثبوت ولاية لأحد على أحد فهل ثمة دليل اجتهادي موافق أو مخالف له أوّلًا؟ ثم لو فرضنا عدم وجود الدَّليل المخالف إما بوجود الدليل الموافق للأصل أو للاستناد إلى الأصل نفسه فهل مقتضى ذلك عند مخالفة بعض أفراد الشعب خضوع الأقلية لرأي الأكثرية أم هناك ضابط للتحكُّم في الأمر، أي هل تثبت لرأي الأكثرية صفة الإلزام بالنسبة إلى غيرهم أو لا؟
هذا ما ينبغي التعرّض له في مقالة مستقلّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 169]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف