البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إيران الإسلام والغرب: حوار أم صدام

الباحث :  د فرح موسى
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  21
السنة :  السنة السادسة ربيع 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  1320

إيران الإسلام والغرب: حوار أم صدام

الدكتور فرح موسى (*)

تمهيد

في خضمِّ مقولات العصر وتعقيداته، وفي إطار ما ترسُمه حضارة الغرب من خطوطٍ شاحبةٍ، وتسعى إليه من عولمةٍ وعالميَّةٍ طاغية، نرى لزاماً علينا أن نُطلَّ على آفاق المستقبل، وهناك أملٌ يحدونا في أن تكون الإطلالة كاشفةً عمَّا يمكن أن تؤول إليه أوضاع الشعوب، سواء في ظلِّ حوار الحضارات أم في ظلِّ صدامها. كما يحدونا الأمل أيضاً في أن تكون الإطلالة مستشرفة لجميع آفاق المستقبل، بحيث يمكن لنا التعرُّف إلى ما بثته الثورة الإسلامية في إيران من إشعاعاتٍ روحيَّةٍ ومعنويَّةٍ باتجاه الشعوب المسلمة والمستضعفة، إضافة إلى ما شكّلته هذه الثورة من منعطفات تحفّز الباحث في مجال الاستراتيجيا على تعميم نظرته، لأجل أن يستكشف طبيعة هذه المنعطفات، التي كان لها أكبر الأثر في تحول العالم كله نحو الدينية، الأمر الذي اضطرَّ الكثيرين من المهتمّين بالشأن الاستراتيجي إلى إعادة الهيكلة في مجال البنى المختلفة للاجتماع البشريِّ من جهة، وإلى إعادة النَّظر في كل ما تمَّت صياغته منهجيَّاً ومعرفيَّاً ومفهوميَّاً في إطار دراسة المقوِّمات والأسس التي تُبتنى عليها نظرة البشر إلى الكون والحياة والإنسان من جهةٍ أُخرى؛ لأن مرتكزات الأبحاث الاستراتيجية في السابق، كانت من حيث يدري أصحابها أو من حيث لا يدرون، تلحظ الجوانب الماديَّة والقدرات العقليَّة الهائلة في بناء منظومة الكون والحياة.

أمَّا اليوم، فإن البحث الاستراتيجي يقتضي ملاحظة الجانب المعنوي في حركة الشعوب، وبخاصَّةٍ بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران، حيث إنَّه تبدَّى للعالم أنَّ

(*) أستاذ في الجامعة الإسلاميًّة-لبنان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 175]


المنظومة المنشودة للإنسان والحياة، والقادرة على إحداث التوازن في النفس البشريَّة والعالم، هي المنظومة الإسلاميَّة، الدينية بشكل عام، وقد دلّت الأحداث والتجارب، بعد انتصار الثورة في إيران، وبروز العامل الديني فيها، على أن المطلوب لرسم استراتيجيا المستقبل وفهمها وتحديدها، هو استكناه الجذر الديني الضارب في أعماق التاريخ والإنسان. هذا الجذر الذي تأصَّل في الحضارات ودلَّ عليها، بإمكانه دائماً أن يُشكِّل أُنموذجه العالميّ بحسب ما ينطوي عليه كلّ دين من مبادىء وقوانين وتعاليم، وكما قال مالك بن نبي: «إِذا أَردتَ أنْ تتعرَّف إلى حضارةٍ ما، فتعرّف إلى الأصل الدينيّ الذي بعثها».

إنَّنا، في هذا البحث، سنُحَاول التعرُّف إلى ما آلت إليه الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران من وضعيةٍ مركزيةٍ، ودور محوري وتشكّلات بنائية مختلفة في ضوء أُطروحتها الإلهيَّة، التي ميَّزتها عن سائر ما عرفه العالم من أطروحاتٍ ومنظوماتٍ. كما أننا سنحاول تقديم رؤية معيّنة حول طبيعة التحوُّلات الجوهريَّة التي شهدتها إيران والعالم في ضوء الانعكاسات الدينيَّة والسياسيَّة على مجريات الأحداث، وعودة الشعوب الإسلاميَّة والمستضعفة إلى التفاعل مع القيم المعنويَّة، بعد أن استبدَّت بها الأهواء، وضيَّعتها مفاتن الحضارة في دياجير الظلام.

1 ـ إيران والانبعاث الديني

إنَّ إيران اليوم، ليست إيران القديمة، أو إيران الصفويَّة أو القاجاريَّة، أو البهلويَّة، أو الدولة الملحقة بهذا القطب الدوليّ أو ذاك، أو التابعة لهذه المنظومة أو تلك، وإنَّما هي إيران الإسلام، هذا الدين الإلهيّ الذي تميَّز بها وتميَّزت به حتَّى صارت وإيَّاه شيئاً واحداً، فلا تكاد تُذكر إيران، إلا ويُذكر معها الإسلام، الذي بات يُشكّل جوهرها، وقوام وجودها.

وقد استطاعت الثورة الإسلاميَّة بقيادة الإمام الخمينيّ (رض) وسائر العلماء المجاهدين أن تعيد النَّاس إلى نبع الدين الصَّافي بعد أن طهّرت الثورة مجراه من ملوّثات القرون الغابرة. وها هو يستمرُّ متوهّجاً متَدفِّقاً ليعيد الحياة إلى قلوب المسلمين وعقولهم، ويحكم في ما بينهم، كما كان في حياة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والأئمة الأطهار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 176]


وما نشاهده في العالم اليوم من انبعاث ديني، ومن إعادة اعتبارٍ لقيم الحقّ والخير والعدل والحريَّة، هو خيرُ دليلٍ على عودة الحياة الدينيَّة وتميّز منظومتها. فالشعوب عادت لتتواصل مع ذاتها، وتتصادم مع كلِّ ما يُسيء إلى تديّنها وأخلاقها وقيمها الأخلاقيَّة والإنسانيَّة. وإذا كان لهذا الانبعاث الدينيِّ من أسبابٍ وعواملَ، فلننظر إلى ما كانت عليه الشعوب قبل انتصار الثورة الإسلامية، من طغيانٍ واستبدادٍ واستلابٍ في ظلِّ سيادة القطبين الأنموذجين: الرأسماليّ والاشتراكيّ، لكي يتسنَّى لنا التعرُّف إلى جملة الأسباب والعَوامل التي أدَّت إلى أن يتحقَّق هذا الانبعاث في زمنٍ كَادت الأنفاس فيه تحبس لتقتسم بين هذا القطب الدوليّ أو ذاك، وليس أدلّ على ذلك من ظهور منظّمة دول عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ 1955، التي عجزت عن الاستقلال وكانت النتيجة، أنَّ كثيراً من الدول التي كانت تسعى للانحياز، تَلقَّت مساعدات ماليَّة واقتصاديَّة في العام نفسه من الولايات المتحدة الأمريكيَّة.

لم يكن هناك متنفَّسٌ للشعوب في زمن سيادة القطبين، إلَّا أن تكون الأنفاس باتجاه الغرب أو الشرق، وكان ذلك بالنسبة لكثيرين بمثابة القدر المحتوم والقضاء اللازم، ومع بداية الثورة الإسلامية، وظهور بوادر الانتصار، بدأت الشعوب الإسلاميَّة والمستضعفة تُدرك معنى الثورة على الذات واليأس قبل الثورة على تجبّر الطواغيت وطغيانهم. والحق يقال: إنَّ الإمام الخمينيّ (رض) هو رائد الانبعاث الدينيّ في هذا القرن، وفي القرون التي ستليه، ويمكن أن نشبّه ما قام به الإمام (رض) بما قام به الإمام عليّ (عليه السلام) حينما قاتل المارقين والنَّاكثين والقاسطين بهدف إعادة الاعتبار لقيم الحق والعدل والعقل والشورى. فالطَّاغوت هو الطَّاغوت، سواء أكان مسلماً أم مسيحياً، أم يهودياً... كان الشرق أم الغرب، أم إسرائيل. وحيثما تحقق الشعوب انتصارها عليه، تكون قد انبعثت دينياً، وانتصرت ذاتيَّاً ومعنويَّاً، ولو أنَّ الشعوب أخلصت لله تعالى، لاستمرَّت في انبعاثها، ولما شهدت خراباً في هياكلها الماديَّة والمعنويَّة، كما قال تعالى: {ولو أنَّ أَهْلَ القُرَى آمنُوا واتَّقَوا لفَتَحْنَا عَليهِم بركاتٍ من السَّمَاءِ والَأرْضِ ولكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} {الأعراف/96}.

وقال تعالى: {وَألَّوِ استَقَامُوا على الطَّريقَةِ لَأسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقاً} {الجن/16}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 177]


إنَّ العالم الإسلامي، وسائر المستضعفين في العالم، كانوا قبل الثورة الإسلاميَّة في إيران، يعيشون في جوّ ماديّ تستبدّ به عواطف الشهوات والملذات، وتنحسر فيه القيم والأخلاق لحساب الرغبات، ولم يكن هناك ثمَّة معنى للعقل، أو للعدل، أو للحرية، وأقصى ما كان يحلُم به الإنسان هو أن يكون غنيَّاً بأفكارالغرب وسلعه؛ لأنها تَتَجاوبُ مع ما هو عليه الإنسان في ذات نفسه من استلابٍ، وتتلاقى مع جموده العقليّ، وخوائه الروحيّ، وفقره النفسيّ. ومع الثورة الإسلاميَّة عادت دورة الزمان، وبعث الإنسان جديداً في ذات نفسه، وفي علاقاته؛ لأنَّ الثورة فتحت نوافذ العقول والقلوب، وحرَّكت دفائنها، وأشعرت الشُّعوب الإسلاميَّة بضرورة الخروج من أنفاق الحضارة المظلمة، وإزالة الصدأ المتراكم على ذاكرتها، لتعرف مجدداً أنَّ لها تاريخاً وحضارةً ومجداً وحضوراً تتجاوز به الذات إلى العالم، ومجداً استقرَّ بها على حدود المعمورة، وكاد يبلغَ بها حدود الملكوت.

2 ـ الإسلام والعولمة الغربيَّة

فالعالم اليوم، وما يعجُّ به من مصطلحاتٍ ونظريَّاتٍ حول حقوق الإنسان، والقيم والأخلاق، والحريَّات السياسيَّة والدينيَّة، وما إلى ذلك ممَّا تتشدَّق به حضارة الغرب، إضافةً إلى وعود النظام العالميّ الجديد، والقطبيَّة الأحادية، وحوار الحضارات أو صدامها، أو العولمة وآثارها، كل ذلك لا يَزالُ في إطاره النظريّ، ولم يتجاوز بَعد إلى عالم التطبيق، وفي اللحظة التي يُمكن أن يتبلور فيها شيءٌ بخصوص هذه العناوين، فإنَّه لن يبقى إنسانٌ يتفاعل معها، أو يخضع لها، باعتبار أنَّ العولمة التي يُراد لها أن تتخطَّى حدود القوميَّات والمحليَّات والهويَّات والأديان والثقافات لتبلغ منتهى الهيمنة والاستبداد والفرعونيَّة سيكون من نتائجها، فيما لو تحقّقت، القضاء على كلِّ أملٍ بالحياة، ودفع الشّعوب إلى حافة اليأس والفقر، بحيث لا تبقى أية إمكانية للتعايش أو للحوار. وهذه العولمة إنَّما يكون ممكناً تحقيقها فيما لو صحَّ الرِّهان الغربي، والأمريكيّ خصوصاً على خلع البشريَّة من طبائعها وأديانها وأعرافها، ومن تاريخها أيضاً لتتشكل وفقاً لُأنموذج الغرب وعراقته التاريخيَّة الزَّائفة. إنه حلم واهٍ يرتكز في الأساس إلى ذهنيَّة التوحش، وانعدام الحسّ التاريخي عند مَن يطمح إلى تحقيق ذلك، ويحلُم به، وقد بيَّن لنا القرآن الكريم ملامح هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 178]


المتكبِّر والساهي عن ذكر الله، حيث قال تعالى: {واضْرِبْ لَهُم مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لَأحَدِهِمَا جَنّتينِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَففْنَاهُمَا بنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرعَاً * كِلتَا الجنّتين آتتْ أُكُلها ولمْ تَظلِمْ مِنهُ شَيئاً، وفَجَّرنا خِلالَهُمَا نَهَراً * وكان له ثَمرٌ، فقال لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعزُّ نفراً * ودخل جَنَّته وهُو ظالمٌ لنفسِهِ، قال ما أَظنُّ أن تَبيدَ هذه أبداً * وما أظنُّ السَّاعة قائمةً ولئن رُدِدتُّ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيراً مِنهَا مُنقَلَباً} {الكهف/32 ـ 36}. فالآيات، كما نلاحظ، تتحدَّث عن الروح الطغيانية، التي قد تكون رجلًا، أو جماعةً، أو مجتمعاً، أو دولةً، وترسم لنا صورة واضحةً عمَّا يُمكن أن تكون عليه هذه الرّوح من أقوالٍ وأفعالٍ إزاء الآخرين، فهي تَرى نفسها أكثر مالًا، وأعزَّ نفراً، ولا بُدَّ من أن تكون مهيمنةً على الآخرين، وقاهرةً لهم، من منطلق أنها تملك القوّة والمال، والأرض والسماء كما قال تعالى في وصف الطغيان الفرعوني: {وَنَادَى فِرعَونُ في قومه قال يا قَومِ أليسَ لِي مُلكُ مِصْرَ وهذه الَأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبصِرُونَ} {الزخرف/51}.

وإذا تساءلنا عَمَّن يقوم بهذه العولمة اليوم، ويَسعى إليها، لوجدناه الطَّاغوت الغربي، وعلى رأسِهِ الولايات المتحدة الأمريكية، التي سبق لها أن توحشت في التّاريخ، ونَافست على أكل لحوم الهنود الحمر البشريَّة، ودأبت على استعمار الشّعوب منذ أن دَخَلت جَنَّتها وهي ظالمةٌ لنفسها. وهنا نسأل: أي نظام هذا يسعى إلى أمركَة العالم، وتعميم الفقر والحرمان والذلّ، ليفتخر في النهاية أنّه عالمي، وإنسان أخير يحيا خارج التاريخ كما يزعم فوكوياما!؟

ليست عولمة إيران الإسلاميَّة، كعولمة أمريكا الفرعونيَّة؛ لأنَّ إيران عندها اعتقاد جازم بأنَّ السَّاعة قائمة، وكلّ شيءٍ زائل، ولا ينقصها في إطار ما تنتمي إليه من أيديولوجيا، وتحتكم إليه من قوانين إسلاميَّة، أن تُقيم نظامها العالميّ الجديد على أنقاض الترهّل الماديّ والتصحُّر الروحيّ، أو أن تدعو إلى حوار الحضارات على قاعدة {لكنّا هُو الله رَبِّي ولا أُشرِكُ بِربِّي أَحَداً} {الكهف/38}، {تَعَالَوا إلى كَلمةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا الله...} {آل عمران/64} إنّها عولمةُ التوحيد والرّوح والمَبادىء والمعنويات، التي بدأ بها الأنبياء منذ فجر البشريَّة، وتابعها الأئمة والأولياء، واقتدى بها الإمام الخمينيّ (رض) وشعب إيران ليكون له ماكان للنبوة من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 179]


تحققٍ في التاريخ والزمان. وهذا الشعب يفتخرُ في أنه يُعيد هَيكلة ذَاتِهِ وقيمِهِ ومفاهيمِهِ، ليجعلَ من نفسه محوراً ومرتكزاً، تملُأ فضاء رُوحه المعنويات بعد أن أيقن العالم أنه لا يُمكن للماديَّة أن تنقذ البشرية من أزمة الاعتقاد بالمعنويّات، وهذه الأزمة، كمَا يرى السيِّد الخميني، تعدّ أهم أساس لمعاناة المجتمعات البشريَّة في الشَّرق والغرب.

إنَّ العولمة الدينيَّة التي تنشدها إيران، هي ذات مفاعيل عالميَّة، كونها ترتكز إلى الفطرة الإنسانيَّة وتُعبِّر عنها، كما قال تعالى: {فِطْرَة الله التي فَطَرَ النَّاسَ عَليهَا} {الروم/30}، إضافةً إلى أن أيِّ شعبٍ في العالم لا يخلو من دين، ومن حسّ خُلقي، ومن شأن الانبعاث الدينيّ في العالم أن يحقّق حواراً حقيقياً بين الحضارات، وإذا كان بعضهم قد وجد آفاقاً للصدام، كما أظهرت دراسة «هانتغتون»، فإنَّ مُرتكز هذا الصّدام قائم على استثناء محرّك الدين في إطار ما هو منشود من عولمةٍ ماديَّةٍ طاغيةٍ.

أمَّا حوار الحضارات، فإنَّ مرتكزه وأساس انطلاقته، هو الدين، ومهما كان هناك من تباينٍ واختلافٍ بين الحضارات؛ فإنَّ الدين يبقى عاملًا أساسياً في الحوار والتلاقي، كما أنّه يوفّر أساساً للهوية والالتزام الذي يتجاوز حدود القوميَّة ويُوحّد الحضارات، على حد تعبير «جيل كيبل».

وكما رأينا في أبحاثنا ودراساتنا، إنَّ الغرب يُراهن على صِدام الحضارات، ويعملُ له؛ لأنَّه ذو طبيعة وحشيَّة، ونزعة طغيانيَّة عبَّر عنها «جان ميجور» رئيس وزراء بريطانيا، حينما أشار إلى الإجراءات التي يتّخذها الغرب ضد العراق، وسارع «ميجور» إلى تصحيح نفسه وأشار لاحقاً إلى المجتمع الدولي، ومع ذلك فقد كان محقاً عندما زلّ لسانه؛ لأنَّ الغرب يدّعي بثبات لا يكاد يتغير أنَّه يتصرَّفُ نيابةً عن المجتمع الدوليّ.

ذلك هو معنى أن تكون عالميّاً في منطوق الغرب ومفهومه. إنه يُعدّ نفسه سيّد العالم وسلاحه الوحيد، وإذا كان لا بدَّ من الدين في حياة النَّاس، فلا بدّ من أن يكون هذا الدين أمريكيَّاً يتمُّ تأويله وفقاً لمنظومة الغرب ومصالحه الحيويَّة، ويُمكن لأيِّ باحثٍ في الشُؤون الدينيَّة والسياسيَّة أن يتأمَّل في سياسات الغرب اتجاه الشعوب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 180]


الأخرى ليكشف عن طبيعة المحاولات الذي يبذلها الغرب لتأكيد ذاته عالميَّاً، فهو كونه يُصَادم الدِّين، ولا يعدّه مُحرِّكاً أساسيَّاً في الحوار والتلاقي، فإنّه مضطرٌّ دائماً لاعتماد أسلوب القوّة لا في حواره وحسب، بل في علاقاته أيضاً، وبخاصَّةٍ مع الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة، بدليل أننا نرى كثيراً من الشعوب المستضعفة والمقهورة قد استنصرت الغرب ومجلس الأمن للدّفاع عن حقوقها، وكانت المعايير المزدوجة في سياسة الغرب سبباً رئيسيَّاً في الامتناع عن نصرتها؛ لأنّه يرتكز في عالميّته وعولمته وفي جميع سياساته على مبدأ القوَّة ويربط الانتصار لأحد بالأبعاد الاستراتيجيَّة لسياسته العسكريَّة والاقتصاديَّة، وقد أجمعت الأبحاث والدِّراسات على أنَّ خطاب الغرب عن حقوق الإنسان والديمقراطيَّة مرهونٌ دائماً باعتباراتٍ استراتيجيَّة، وأنَّ الأبعاد الأخلاقيَّة عنده تتوقّف حيث تبدأ المصلحة. فالدّين والأخلاق وجميع القيم والمبادىء، إنَّما تكون قيماً ومبادىء حقيقيَّة فيما لو حقَّقت المصلحة الماديَّة للغرب، أما أن يتم الإرتكاز إليها والصّدور عنها في تعميم الُأنموذج الغربيّ، فذلك ممَّا لا فائدة منه ولا طائل تحته؛ لأنه يكون بمثابة مأسسة جديدة للأنموذج، في وقتٍ بات ملحّاً على الإدارة الأمريكيَّة أن تستكمل طريقها في إطار خياراتها الانتقائية سواء في الدائرة الخاصة، أم في دائرة مجلس الأمن الدوليّ.

وهكذا، فإنَّ معنى العالميَّة الغربيَّة والعولمة الماديَّة، بما تعنيه من تعميم للفقر، أن يستمر الإنسان تابعاً، وملحقاً، ومستهلكاً، وقابلًا لكلّ ما تراه الأخلاقيَّة الأمريكيَّة مناسباً له، بحيث لا يكون له أدنى خيار أمام ذاته ووجوده، أو أمام دينه وهويّته وتاريخه، وهذا كلّه ليس من شأنه أن يخلق حواراً إيجابياً بين الشعوب؛ لأنه يوفر الأرضيَّة الصداميَّة، ويزيد من الهوَّة الثقافيَّة، التي تفصل الحضارات عن بعضها البعض.

وقد يكون ما ذهب إليه «هانتغتون» حول صدام الحضارات مبنيَّاً أساساً على النوايا الغربيَّة الهادفة إلى استعداء الدين، وتثبيت النظرة الحيوانية إلى الإنسان، والنظرة الماديَّة إلى الكون والحياة، وهذا ما لا يمكن للحضارات الُأخرى، سَواء الكونفشوسيَّة أو اليابانيَّة، أو الهندوسيَّة، فضلًا عن الإسلام والحضارات الأخرى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 181]


أن تتخذه خياراً، لكونه يتنافى مع مقوِّمات وجودها، ويعارض رؤاها وتطلّعاتها، ومنطلقاتها، الأمر الذي يجعل من الصدام الحضاري أمراً ممكناً بنظر السَّاعين إلى إقصاء الدِّين عن الحياة البشريَّة، والمعارضين لفكرة كون الدين محرِّكاً أساسياً في ما تنشده أيّ حضارةٍ من عالمية، في إطار فهمها للدين، وأدلجتها للحياة.

إنَّ الوهم الغربيّ بالانتصار في العولمة على خلفيَّة الانتصار في الحرب الباردة، هو الجرثومة القاتلة في الُأنموذج الغربيّ، وكذلك في الرؤية الغربيَّة الاستعلائيَّة لِمَا ينبغي أن تكون عليه الشعوب في قرن التحوُّلات الجيوبوليتيكيَّة السريعة، والتعقيدات التقنيَّة وثورة الاتصالات وتمدّد الناتو... فالانتصار الاستراتيجيّ في الحرب الباردة لم يكن الغرب سبباً رئيسياً فيه. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ مقتضى الاستراتيجيَّة يستدعي دائماً التفريق بين عوامل داخليَّة وأخرى خارجيَّة تضافرت وسارعت في انحلال الاتّحاد السوفياتي، ومن ثمّ المنظومة الاشتراكيَّة كلّها. وليس من الاستراتيجيا في شيءٍ أن نحسب السّقوط المريع للشيوعيَّة انتصاراً للمشروع الغربي، أو تكريساً للقطبية الواحدة أو إلغاءً لتعدّد الأقطاب في المجال الثقافيّ، أو السياسيّ، ولا شكَّ في أنه مثلما استفادت أمريكا من الناحية الاستراتيجيَّة في سقوط المنظومة الاشتراكيَّة؛ فإنَّ هناك منظومات أخرى، كالمنظومة الإسلاميَّة، استفادت من حيث ما أبرزته من خصائص ومزايا في مواجهة الغرب والشّرق.

ولسنا نبالغ إذا قلنا: إنَّ إيران اليوم ليست مجرَّد حالة ثقافيَّة أو سياسيَّة، وإنما هي، بالإضافة إلى ذلك، ذات بُعد استراتيجيّ من شأنه أن يمنع ظهور القطبيَّة الواحدة في العالم، ويُثبت تعدّدية الأقطاب على نحوٍ مختلف تماماً عمّا كان عليه الوضع في ظلِّ سيادة الاشتراكيَّة والرأسماليَّة. إنَّ الإمام الخمينيّ (رض) في رسالته إلى غورباتشوف بتاريخ 1/1/1989، توقّع انهيار الاتحاد السوفياتي وتلاشي المعسكر الشرقي. واستشرافه لهذا المستقبل وتعبيره عمَّا ستؤول إليه الأوضاع جاء في وقتٍ كان المحلِّلون فيه ينظرون بتحفّظٍ وحذرٍ لبداية تحوّلات الاتحاد السوفياتي. وهذا يُمكن إدخاله في الدائرة الاستراتيجيَّة؛ لأنَّ المنظومة الإسلاميَّة بُنيَت على أساس أن لا تكون شرقيَّة ولا غربيَّة، في مسعى جاد لتأكيد هشاشة المنظومات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 182]


القائمة وإخفاقها في تأمين سعادة البشريَّة، وغير خفيٍّ على أحدٍ أنَّ الإمام الخمينيّ (رض) استشرف مستقبل الغرب حينما نصح غورباتشوف وقيادته بألَّا يقعوا فريسة الأنموذج الرأسمالي؛ لأنه يحمل المشَاكل والعقد نفسها التي أودت بالأنموذج الاشتراكيّ، بغضِّ النظر عن وجود بعض التمايزات التي تجعل من أنموذجٍ ما قابلًا للحياة أكثر من أنموذجٍ آخر.

وأياً يكن الأمر، فإنَّ التحوُّل الجوهريّ في المنظومة الاشتراكيَّة تسبَّبت به أمور كثيرة، كان من جملتها العامل الدينيّ إلى جانب العامل الاقتصاديّ، فلو لم يكن هناك أمراض داخليَّة ونفسيَّة، لما كان لأحدٍ أن يتوقّع انهيار الاتحاد السوفياتي، باعتبار أنَّ الظروف والعوامل الخارجيَّة، وتحديداً التربّص الأمريكي، كانت أعجز من أن تُحقّق هذا الانتصار الاستراتيجيّ بوسائلها الخاصَّة.

وعموماً يمكن القول: إنَّ المنظومة الرأسماليَّة ليست بأحسن حالًا من المنظومة الاشتراكيَّة، فهي أيضاً كانت ولا تزال تعاني من أمراض خطيرة. والعقد العمياء تدفع بها إلى المصير نفسه؛ لأنها تفتقر إلى ما يوحّد مجتمعاتها بعد أن تحلّلت من جميع القيم والمبادىء، ونرى أنَّ هناك عاملًا واحداً لا يزال يشكّل السّبب الرئيسي في توحّدها هو عامل المال، أو الدولار، وإلا فإنَّنا لا نستطيع أن نُراهن على عوامل أخرى تُنذر باستمرار هذا الأنموذج إلى ما لا نهاية. فالغَربُ يُخفي الكثيرَ من مَساوئه وتحلّله تحت شعارات القوَّة والمال.

وأخيراً جاءت العَولمة، والنظام العالميّ الجديد، ووحدة القطبيَّة، لأجل إظهار فرادة هذا الُأنموذج وقدرته على استيعاب العالم، وقد سها الغرب عن حقيقةٍ هامةٍ جدَّاً ألا وهي ما تعيشه شعوب العالم من مآزق سياسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة، تدفع بها دائماً إلى التماس الحلول لمشاكلها من داخل منظومات خاصَّة بها، رغم كلّ ما تمارسه أمريكا والغرب من ضغوط اقتصاديَّة وسياسيَّة وعسكريَّة عليها، ولم تُفلح حتَّى الآن في التأثير على كثيرٍ من شعوب العالم. فهذه إيران، وسوريا، ولبنان، إضافةً إلى ما تعرَّضت له دول شرق آسيا من انهياراتٍ اقتصاديَّة، وما قامت به أمريكا من توجيه ضَرباتٍ عسكريَّة لكلٍّ من أفغانستان، وليبيا، والسُّودان، والعراق، ويوغوسلافيا، هذا فضلًا عن حروبٍ بالوكالة ضدّ إيران وسوريا ولبنان،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 183]


فجميع هذه الحروب المباشرة وغير المباشرة لم تفلح في إقناع الشعوب بأنَّ هناك نظاماً عالميَّاً جديداً، وقطبيَّة واحدة يجب الخضوع لها، والتكيُّف مع مصالحها. إنَّ أمريكا والغرب يستفيقان يوماً بعد يوم على وهمها، ويظهر لديها تنوعٌ حضاريٌّ وثقافيٌّ لا تزيده الضغوط الاقتصاديَّة، والحروب العسكريَّة إلَّا بروزاً ونصوعاً، كما أنه أدرك حقيقة أنَّه حتَّى ولو كان العالم من الناحية الاستراتيجيَّة قد أصبح عالماً غير مُتعدِّد الأقطاب، فإنَّه لا يزال متعدّد الأقطاب في المجال الثقافي، وخطأ الغرب كما بينَّا، يكمن في أنه عادل الانتصار الغربي الواهي في الحرب الباردة بشكلٍ خاطىءٍ بانتصار النماذج السِّياسيَّة والثقافيَّة الغربيَّة.

لقد سها الغرب عن أمرٍ مهمٍ جدَّاً، وهو افتقاره للنظرة الشَّاملة إلى أبعاد الحياة المختلفة، وتركيزه على بُعد المال والسُّلطة، هذا فضلًا عن أنه لا يملك ثقافة حيَّة تُساعده على بلورة ذاته عالميَّاً، بحيث يكون له قصب السَّبق في مجال الهيمنة على الثقافات الُأخرى، أو على الأقل استيعابها لتنشيط ذاته ثقافياً وأيديولوجياً. إنَّ الإفلاس الغربيّ في إطار مفاهيم الحياة، فضلًا عن القيم والمبادىء، هو الذي يدفع بالكثيرين إلى التنظير والتكهّن بوجود آفاق للصِّدام الحضَاري، تدفع إليه تباينات الحضارات واختلاف المنطَلَقات في الرُّؤى والمناهج والأهداف.

3 ـ إيران وقيادة الحوار الحضاريّ

وفي ضوء ما تقدَّم يمكن القول: إنَّ عالميَّة إيران في ما تنطلقُ منه من مبادىء وأُسسٍ، وفي ما تسعى إلى تحقيقه من أهداف، هي وحدها القادرة قيادة حوار الحضارات، لكون الحضارات جميعها تمتلك مُقوِّماتٍ وأُسساً ورؤيةً دينيَّة تُساعدها على التكيّف والتّفاعل مع الأنموذج الإسلاميّ الذي يصحُّ القول فيه، إنَّه كان أنموذجاً عالميَّاً للحياة والكرامة والحريَّة في الوقت الذي كان الغرب ولا يزال فيه متوحّشاً، والعالم كلّه يعيش بدائية الحياة في جميع أنشطته السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، والاقتصاديَّة... الخ، وإذا كانت حضارة الغرب اليوم تظهر عالميتها بالانتشار والتوسُّع عن طريق الطّغيان ووسائل القوَّة، فذلك لا يمكن أن يعوّض لها خسارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 184]


الذات والرُّوح، أو أن يجعل منها عالميَّة من حيث المنبع والمحتوى، كما هو شأن عالميَّة الإسلام.

إنَّ إيران، وبعد مخاضاتٍ عسيرةٍ في تاريخها الدينيّ والسياسيّ، قبل الإسلام وبعده، وصولًا إلى انتصار الثورة الإسلاميَّة، عادت لتنشد الخيار الديني بكل ما ينطوي عليه من عالميَّةٍ في المبادىء والقيم والأخلاق، وبكلِّ ما يترتب عليه من مسؤولياتٍ إنسانيَّةٍ وحضاريةٍ، وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الأولياء الصَّالحين الذين قاموا بنشر الدين، ودافعوا عنه في مواجهة الطّواغيت، والذين اتّخذت منهم إيران قدوةً في ما رسمته من خطوطٍ، أو عبَّرت عنه من مبادىء، هؤلاء الأولياء علّموا المسلمين أن لا يكونوا فراغاً تملأه ثقافات الآخرين، وأرشدوهم إلى أن يكونوا عالميين بما يحملونه من أهدافٍ، ويرسّخونه من قيمٍ، كما هو مقتضى الدِّين الذي ينتمون إليه ويصدرون عنه. ولهذا، فإنَّ من أهمّ ما يمكن الارتكاز إليه في تأكيد عالميَّة الإسلام في النظرة إلى الكون والحياة والإنسان، وفي بلورة المشروع الحضاري الإسلامي، هو ما أرشدنا إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث بيّن للمسلمين طريقة التعايش مع الآخرين، وكيفيَّة التعامل والحوار معهم. وبرأينا أنّ من أهمِّ النصوص الدالّة على عمق النظرة الإسلاميَّة إلى الحياة والإنسان، هو النصُّ الذي يقول فيه الإمام علي (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق».

أليس في قول الإمام عليّ (عليه السلام) هذا، ما يدلُّ على عالميَّة الإسلام في ما ينشده من حواراتٍ وتفاعلاتٍ وعلاقاتٍ؟

أليس في قوله مَا يدلُّ على أنَّ المقياس في العالميَّة والعولمة، هو كرامة الإنسان، وليس ما ينتجه، بحيث تكون قيمة الإنسان ما يحسن، وليس ما يأكل أو يلبس أو يشرب؟

أليس في قول الإمام عليّ (عليه السلام) ما يؤكّد أنَّ المعنويّات تبقى شرطاً أساسياً في التلاقي والحوار، بعيداً عن المصالح الضيِّقة، التي غالباً ما تفقد الإنسان إنسانيّته؟

هذا هو منهاج إيران في منظومتها الجديدة العالميَّة، وهي بعدما قامت به من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 185]


تجاربٍ، وأثبتته من نجاحاتٍ في سياساتها الداخليَّة والخارجيَّة، وفي حواراتها الإنسانيَّة، مع الذين هم أخوةٌ لها في الدين، أو نظراء لها في الخلق، استطاعت أن تلفت العالم إلى منهجيَّة جديدة في الحياة، وإلى قطبيَّة الإسلام الواعدة في أطرٍ من الحريّة والاستقلال والتفاعل الحرّ؛ ـ لأن الذي بعث الإسلام، وأراد للإنسان أن يكون جديداً وعالميَّاً، وشاهداً، ـ قادر على أن يعطيه دوره العالمي الفاعل والمؤثر فيما لو استطاع هذا الإنسان تأكيد ذاته وتحقيقها على النحو الذي يبرزها بوصفها أُنموذجاً وسطياً في خضمِّ ما يعيشه العالم من ثقافاتٍ وحضاراتٍ.

إنَّ الإمام علياً (عليه السلام) كان رجلًا عالميَّاً بكلِّ معنى الكلمة، وهو في عالميته الإنسانية، ورؤيته الحضاريَّة كان يصدر عن الإسلام ويعبِّر عنه، ولهذا، فقد استطاع أن يتجاوز حدود الزمان، والمكان، وذلك من منطلق كونه الإنسان الحرّ والمالك لإرادة التغيير في النفس والعالم، وممَّا يدلُّ على عمق هذه الشخصيَّة العالميَّة، هو أنَّ الإمام (عليه السلام) كان ينشد الحوار حتَّى مع أعدائه، ويرفض البدء بأيِّ عملٍ قبل التحاور بشأن ما يكون له من آثار ونتائج، وهذه هي طبيعة الإنسان المسلم، إذ أنَّه يجد نفسه دائماً مسؤولًا عن إدارة الحوار الحضاريّ، وحتَّى الصِّدام الحضاري فيما لو كان ضرورياً كما هو الحال اليوم مع الحضارة الماديَّة، بدليل أنَّ الأنبياء جميعاً، حَاوروا الفراعنة والسَّلاطين. كما فعل إبراهيم (عليه السلام) مع نمرود، وموسى وهارون (عليهما السلام) مع فرعون، والنبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) مع قريش، والإمام عليّ (عليه السلام) مع أعدائه في حروب الجمل وصفين والنهروان. وهذا كله إنَّما كان من أجل تأكيد عالميَّة الإسلام وحيويته في استيعاب جميع الأطر الحضاريَّة التي كانت سائدةً في أزمانهم، وقد صَوَّر لنا القرآن الكريم كيف تكون عواقب الذين ظلموا وأترفوا في الحياة الدنيا، وقالوا: إنا فوقهم قاهرون، وأمريكا اليوم هذا منطقها، {وقَدْ أَفلحَ اليومَ مَنِ استعلَى} . {ومَا أَظنُّ السَّاعةَ قائمةً} ، إلى ما هنالك من مزاعم واهية، ونظريَّات خاوية، ونتيجة هذا الطغيان لا بدَّ أن تكون، كما كانت نتيجة أيِّ صراعٍ بين النبوّة والمترفين، وكم هو ملفتٌ تعبير القرآن في تصوير مآلات النزوع الطغياني، حيث قال تعالى: {وأُحِيطَ بثَمرِهِ فأصبحَ يقلِّبُ كَفَّيه عَلَى ما أنفق فيها، وهي خاويةٌ على عُروشِها}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 186]


{ويقول يا ليتني لم أُشركْ بربي أحداً، ولم تكن له فئة ينصرُونه مِن دُون الله وما كَانَ مُنتصراً} {الكهف/42 و43}.

لقد سبق لروسيا أن قلَّبت كفَّيها، وأمريكا تنتظر المصير نفسه؛ لأنها تحاور الآخرين من موقع الكفر بالذي خَلقَ الكون والحياة والإنسان، وتزعم لنفسها جنَّة الخلد حيثما توجَّهت وانقلبت، كما قال تعالى: {ولئن رُددت إلى ربِّي لَأجِدَنَّ خَيراً منها مُنقلباً} .

إنَّ إيران اليوم تُتابع مسيرة الأنبياء وتنشد الحوار الحضاري وتَسعى إليه، وتراه ضرورةً من ضرورات الحياة؛ لأنَّ صدام الحضَارات يعني أن يكون العالم ساحة فوضى ونهبٍ وقتالٍ وتناقضٍ في المصالح والأهداف، خلافاً لما أمرت به رسالات السماء، وقد رأينا، كيف أنَّ الإمام الخمينيّ حاور العالم من موقع رسالة الإسلام وما تنشده من حريّة ووسطيَّة، كما فعل حينما خاطب غورباتشوف، وأكثر زعماء العالم لأجل أن تكون الإنسانيَّة والحضارات جميعها في منأى عن الطاغوت، الذي هو على استعدادٍ دائماً لحرق المدن والقرى، بل والعالم كله من أجل أن يشعل سراجه!

نعم، الإمام الخمينيّ (رض) لم يكن متساهلًا مع الغرب وأَمريكا خصوصاً؛ لأنّها لم تحترم خيار الشّعب، واستمرَّت في إعداد المؤامرات للنيل من الثورة وشعبها؛ الأمر الذي كان يستدعي دائماً التربُّص بها ومواجهتها، ولو أنها كانت تملك مقوِّمات الحوار، لما كان الإمام ليتوانى عن مخاطبتها والتحدُّث إليها، هذا فضلًا عن أنّ أمريكا ارتكبت الجرائم الكبرى بحقِّ الشعب الإيرانيّ، وجمَّدت أمواله، وغير ذلك ممَّا لا يحصى كثير، مما أقدمت عليه أمريكا بهدف الإساءة إلى الجمهوريَّة الإسلاميَّة.

غايةُ القول: إنَّ إيران دخلتْ في عالمٍ جديدٍ، من حيث كونها عبَّرت عن منظومةٍ جديدةٍ في إدارة المجتمع والدَّولة، وفي سياساتها وعلاقاتها في الدَّاخل والخارج. ونظراً لما تعدّ له قوى الشرِّ في العالم لجعل إيران على الأقلّ في موقع الدِّفاع عن نفسها، لمنعها من ترجمة رؤيتها الحضاريَّة. فإنّ مما تقتضيه حقيقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 187]


الأنموذج الإسلاميّ، أن تستمرَّ إيران في تأصيل الثورة الإسلاميَّة عن طريق إثبات الجدارة والقدرة على التعامل مع القضايا والأحداث كافة، وهي تملك من القدرات والكفايات المادية والمعنوية ما يؤهِّلها لتقديم رؤيتها للحياة والكون والإنسان، وجعلها محطّ نظر جميع الشعوب الإسلامية والمستضعفة وإعجابها؛ لأنَّ العالم يُراهن على أخطاء في التكتيك والاستراتيجيا، لأجل الاستفادة منها في طريق زعزعة النفوس والتأثير عليها حتَّى لا تمتلك إمكانيّة التفاعل مع الرؤية الإسلاميَّة. ويُضاف إلى ذلك أنَّ دور إيران اليوم يتجاوز الزمان والمكان والجغرافيا والتاريخ الخاصّ بها، ليضعها في مصافِّ الدولة المركزيَّة والمحوريَّة، بحيث تكون مركز جذبٍ، دون أن يعني ذلك تحوّل إيران إلى مركز استقطاب كما كان حال الغرب والشّرق في ما عُرف بالجبّارين، وإنَّما يكون لإيران الدّور والوظيفة والمسؤوليَّة والمنطلقات الفكريَّة والأيديولوجيَّة التي تُساعدها على إبراز ذاتها وإنجاح تجربتها، لتكون أُنموذجاً حيَّاً فاعلًا ومؤثّراً، وذات دورٍ في تعريف الشّعوب إلى نفسها ودفعها إلى تشكيل ذاتها ليكون لها المحوريَّة والمركزيَّة والاستقطاب الذاتي كإيران تماماً، وكما هو حال بعض الدول الإسلاميَّة كالسُّودان مثلًا.

وانطلاقاً من ذلك، فإنَّ إيران اختارت الحلَّ الديني لجميع قضاياها الدينيَّة والسياسيَّة، في المجتمع والدّولة، وفي جميع جوانب الحياة الإنسانيَّة، وخرجت من موروثها الفقهيّ والسياسيّ، الذي كان مهيمناً عليها طوال القرون الماضية، كما أنها أكَّدت ذاتها على نحوٍ مختلفٍ تماماً عمَّا كانت عليه في تاريخها، حتَّى التاريخ الشيعي الخاصّ منه، وما كان ذلك ليتمّ لإيران، أو لتقدر عليه، لولا أنّها استطاعت إعادة قراءة الدِّين وتطهيره ممَّا عَلِقَ به من ملوّثات سلطانية. وهُنا تجدرُ الإشارة، إلى أنَّ هناك مسؤوليات جساماً تقع على عاتق الجمهوريَّة الإسلاميَّة، تستدعي منها دائماً عدم التلهّي بالشؤون الداخليَّة والأنساق الفكريَّة ذات الطابع الحجري؛ لأنَّ عولمة الإسلام تقتضي دائماً أن تكون إيران بوصفها مركز ثقل في موقع الفعل لا في موقع الانفعال، ويُضَاف إلى ذلك ما هو ملقى على إيران من مسؤوليات ثقافية، تحتِّم عليها دائماً مواجهة الثقافات المعادية للثورة الإسلاميَّة، وذلك من منطلق أنَّ إيران وضعت من خلال ثورتها ومنجزاتها الحضاريَّة المتميِّزة في الموقع الذي يسمح لها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 188]


بالكشف عن جميع الأطروحات الضالة، والتي تهدف إلى التأثير على الشعوب الإسلاميَّة، وتشويه صورة إيران في العالم.
فإيران ليست دولةً يمكن أن تكتفي بمعالجة أوضاعها الداخليَّة بمعزل عمَّا يشهده العالم من تحوُّلاتٍ وتعقيداتٍ في المجالات كافة، كما أنها ليست دولة ذات وظيفة اجتماعية وحسب، بل هي دولة رساليَّة، مؤهَّلة دائماً لرصد الأحداث واستشراف المستقبل بكلِّ ما يمكن أن يجود به من مفاجآت.

لذا، فإنَّ إيران، كما أشرنا، هي دولةٌ ذات وظيفة عالميَّة، تستدعي منها دائماً الإطلالة على العالم والتأثير فيه من خلال منظومتها الإسلاميَّة الحيَّة ذات السمة الحضاريَّة المميَّزة، والمخالفة تماماً لكلِّ ما هو سائدٌ في العالم من منظوماتٍ وحضاراتٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الصفحة - 189]