البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحضارات والثَّقافات بين واقع الصِّراع وطموح الحوار

الباحث :  أ نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  21
السنة :  السنة السادسة ربيع 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  1295
الحضارات والثَّقافات بين واقع الصِّراع وطموح الحوار

أ نبيل علي صالح (*)

مثّل إعلان «الجمعية العمومية للأمم المتحدة»، في جلستها الخامسة والثلاثين، المنعقدة في 3 تشرين الثاني سنة 1998م، التي وافقت فيها على جعل عام 2001م «عاماً دولياً للحوار بين الحضارات» (1)، في استجابةٍ عمليَّة مباشرة لدعوة الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي الخاصَّة بفكرة الحوار، والتي طرحها أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، منطلقاً لنقل موضوع «حوار الحضارات والثقافات» من دائرة الاهتمام الفكري النخبوي ـ ذات الصلة بالاختصاص الأنتروبولوجي (علم الإناسة البشرية) ـ إلى دائرة أوسع وأشمل هي دائرة المثقَّفين، والسياسيين، وأهل الخبرة والرأي في المجتمعات الإنسانية.
ويبدو أنَّ السعي الحثيث، في هذا الاتجاه، سيسهم في إيصال منظمة «الأمم المتحدة» إلى المستوى الذي تصبح معه أكثر قرباً والتصاقاً بواقع الشعوب والأمم، بعد أن ظلَّت، ولمدة طويلة، مقتصرة في أعمالها على تنظيم العلاقات السياسية، و «ضبطها»، وفصل النِّزاعات والخصومات بين الدول والحكومات.
وممَّا لا شك فيه أن موضوع «حوار الحضارات» يطرح أمامنا مجموعة من الأسئلة والمشكلات والقضايا الإشكالية المركّبة التي تتخطَّى في حدودها قضايا التواصل والانفتاح الثقافي نفسه.
ونحن، عندما نصف قضية «الحوار بين الحضارات»، ومن ثمَّ علاقة الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب، باعتبار ذلك جزءاً من مسألة الحوار نفسها، بأنها علاقة
________________________________________
(*) باحث من سوريا
(1) تنادت منظَّمات ثقافية دوليَّة، في مقدِّمتها اليونسكو، إلى عقد ندوات عديدة حول هذا الموضوع، قبل أن تعلن الأمم المتحدة عن مشروعها الحواري بين الحضارات.. فقد عُقِدتْ أوَّل ندوة في هذا الخصوص في لشبونة عام 1990م، وعقدت ندوة أخرى تحت عنوان: «من أجل التضامن وضد التعصب، وفي سبيل حوار بين الثقافات»، عام 1995م في مدينة تبليسي، وصدر عنها كرَّاس من مطبوعات اليونسكو أخذ عنوان: «لقاء بين الحضارات: صراع أم وجود».

[الصفحة - 272]


إشكالية معقدة، فإن ذلك يأتي، أوَّلًا، على خلفيَّة كونها علاقة تاريخية مثخنة بالجراح، ومثقلة بإرث طويل من الصِّراعات والمواجهات الجزئية والشاملة تمتد أكثر من ألفي عام. ويأتي، ثانياً، مبنيَّاً على أبعاد أيديولوجية تتصل بالفكر والدين والتصورات والمفاهيم الحضارية الكبرى في الحياة الإنسانية، الأمر الذي دفع بهذه العلاقة إلى الارتباط الكامل بحركة المصالح الدنيوية على مستوى الحاضر والمستقبل، وجعلها خاضعةً، في الامتداد الزمني، لرؤى مفاهيمية مستقبلية متباينة تخفي الكثير من مواقف كل طرف من هذه العلاقة إزاء الطرف الآخر وردود فعله عليها.
ومع التحوُّل الخطير الذي شهده عالمنا المعاصر، والمتمثّل في تفكُّك عالم القطبين ـ الذي ضَمِن حدَّاً أدنى من التوازن في العلاقات الدَّولية على المستويات جميعها ـ وتحوّله إلى عالم القطب الواحد الذي بات يُغري بمواجهة «الآخر» ما دامت ستنتهي بهزيمته، واحتوائه، وتدجينه، والتحكم بمقدراته، وموارده، ومصائره... الخ.. أقول: مع هذا التحوُّل الخطير يطرح بعض المفكرين الغربيين مفهوم «نهاية التاريخ»، وكذلك مفهوم «صدام الحضارات» مبدأً يحكم التطوُّرات المستقبلية التي يرغبون في تحقيقها، وتحويلها إلى واقع يُعزّز الهيمنة الأمريكية على العالم و «أمركته».
لكنَّنا قبل الدخول في مناقشة تلك الطروحات (والمفاهيم) وتحليلها لا بدَّ لنا من التوقُّف المتأمِّل عند معنى «الحوار» و «الحضارة» و «الثقافة»، وضرورة ضبط المسألة مصطلحاً وإشكاليَّة.
1 ـ «الحوار» و «الحضارة» و «الثَّقافة»..
حركيَّة المصطلح وإشكالية التداخل والافتراق
الحــوار
بدايةً، يحسن بنا أن نعرض مفهوم «الحوار»، حتى نتعرَّف إلى «حوار الحضارات والثقافات»، وننطلق باتجاه تأسيس رؤية واضحة تكشف عن أهمية الحوار للإنسان وحاجته إليه.
________________________________________

[الصفحة - 273]


والحوار: الرجوع عن الشيء، وإلى الشيء، حار إلى الشيء وعنه حوراً، ومحاراً، ومحاورة: رجع عنه وإليه. وفي الحديث: «من دعا رجلًا بالكفر وليس كذلك حار عليه»، أي رجع إليه ما نسب إليه. والمحاورة، مراجعة المنطق، والكلام في المخاطبة (2). قال تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره} {الكهف/37}، أي وهو يراجعه الكلام، ويجادله.
والتحاور، التجاوب.. لذلك كان لا مندوحة في الحوار من متكلِّم ومخاطب، ولا بد فيه من مراجعة الكلام وتبادله وتداوله. وغاية الحوار: توليد الأفكار الجديدة في ذهن المتكلم. وعدم الاقتصار على عرض الأفكار القديمة. وفي هذا التجاوب توضيح للمعاني، وإغناء للمفاهيم يفضيان إلى تقدُّم الفكر(3).
وإذا كان الحوار تجاوباً بين الأضداد كالمجرد والمشخّص، والمعقول والمحسوس، سمِّي جدلًا. والجدل هو النقاش والخصومة. وهو ـ منطقياً ـ قياسٌ مؤلَّف من مقدمات مشهورة أو مسلَّمات. وغرضه إلزام الخصم، وإقحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان (4). والجدل أصلًا هو من الحوار والمناقشة. قال أفلاطون: «الجدل هو الذي يحسن السؤال والجواب، وغايته الارتقاء من تصوُّر إلى تصوُّر، ومن قول إلى قول، للوصول إلى أهم التصوُّرات، وأعلى المبادى». وقد اقتبس المحدثون عن أفلاطون، فأطلقوا الجدل على الارتقاء من المدركات الحسية إلى المعاني العقلية، ومن المعاني المشخّصة إلى الحقائق المجردة، ومن الأمور الجزئية إلى الأمور الكلية.
وقَبْل أفلاطون زعم سقراط أنَّ العلم لا يعلَّم، ولا يدوّن في الكتب، بل يكشف بطريق الحوار. ويذكر العلماء أن قاعدة القواعد في النظام الكوني هي «حوار الكائنات»، وإنْ جامدة. ليأخذ بعضها من بعض، كما هي طبيعة الحاجة، فيكون الانسجام والشد والعقد والاستمرار.
فالحوار ليس قصراً على الكلمات اللسانية المسموعة. إنما قد يتجاوزها إلى الإشارة الموضحة، والبسمة المشرقة، والحس الخافق، والدورة المقبلة، والعمل الصالح، والموقف الصالح حتى الصمت لا يبعد أحياناً أن يتأتَّى حواراً.
________________________________________
(2) ابن منظور، لسان العرب، دار لسان العرب، بيروت، ج1، ص 750.
(3) انظر حسين حمادة، الحوار القرآني، مجلة المعارج، المجلد الأول، عدد 8، ص 36، بيروت 1321هـ.
(4) م.ن، ص 36.

[الصفحة - 274]


ومن البداهة القول: إن الإنسان كائن عقل واجتماع.. كائن علاقة وحاجة. ومن البداهة القول أيضاً: إن هذه الأحوال أحوج حاجاتها اللقاءات المتحاورة، ليكون المجتمع على بيّنة من أمر علاقاته، وعلى تناسق مؤتلف، وتفاهم واع، وترابط معقود. كما الكون بقوانينه وأنظمته التي تجعله يحفظ بعضه بعضاً، ويستمر بعضه ببعض. وهذا هو أصل مفهوم الحوار.
الحضارة والثَّقافة
تميّز مفهوم «الحضارة»، منذ ظهوره في البنية الفكرية الغربية، لأول مرَّة عام 1772م، بغناه وتعقّده إلى درجة أن «كروبر» و «كلوكهان» حلّلا مئة وستين تعريفاً له، وصنّفا هذه التعريفات في ست زمر: وصفية، وتاريخية، ومعيارية، ونفسية، وبنيوية، وتكوينية (5).
والواضح أن مسألة العلاقة ما بين الحضارة (Civilization) والثقافة (Culture) هي من أبرز مظاهر تلك الكثافة في التعقيد والغنى.. ويعود طرحها للمرة الأولى إلى المرحلة الواقعة بين عامي 1845 و1858م، حين ميَّز «الكسندر دوهومبولت» ما بينهما، فجعل «الحضارة» معادلةً للجوانب التقنية والمادية، وجعل الثقافة معادلةً للجوانب الأيديولوجية والمعنوية. وقد هيمن هذا التمييز بشكل خاص على الفكر الألماني، إلا أن تطور الفكر الأنتروبولوجي ـ الذي ارتبط تقليدياً بدراسة تاريخ الحضارات، وتحليل الفوارق ما بينها ـ تخطَّى حدود هذا التمييز ومعالمه إلى معنى أوسع وأشمل يرى أن الجوانب المادية والمعنوية في كلٍّ مركَّبٍ ومتكامل (6)، تنطلق من العلاقات الداخلية الجوهرية القائمة ما بين المظاهر المادية والمظاهر الثقافية. إذ يشير مفهوم الثقافة إلى البنية «السوسيوثقافية» والنفسية الموازية لذلك الإنتاج المادي، والمتواشجة معه، بما يخلق لدى «أصحاب الثقافة» إمكانية التأثير والسيطرة المتعاظمة على نشاطهم، ومحيطهم، وإنتاجهم المادي، على نحو أو آخر.
من هنا صَدرتْ فكرة العلاقة ما بين الثقافة والتقدُّم، من حيث إنّ تقدم الثقافة مرتبط بتقدم العقل. وقد أعطى تطور الفكر الأثنولوجي الثقافة أهميةً مركزية في
________________________________________
(5) راجع: P.H.Chonbart de Lauwe: Images de culture, pagot, Paris 1970, P.18
(6) جاك لومبار، مدخل إلى الأنتولوجيا (الأنتروبولوجيا)، ترجمة حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، ط1، ص 154 ـ 157، قارن مع شومبار، ص 15 و16، ومع مادة «الحضارة» في موسوعة لا لاند الفلسفية، المجلد الأول، منشورات عويدات، بيروت ـ باريس، ط1، عام 1996م.

[الصفحة - 275]


تعريف «الحضارة» من خلال ظهور الأنتروبولوجيا الثقافية الأنكلو ساكسونية (7). ولا أدلَّ على هذه الأهمية من أن هذه الأنتروبولوجيا قد انتشرت وشاعت تحت اسم «الأنتروبولوجيا الثقافية» لا تحت اسم «الأنتروبولوجيا الحضارية» الذي لم يتم استخدامه إلا على نطاق محدود. بل إن البلدان «الأنكلو ساكسونية» هجرت مصطلح «الأنتروبولوجيا» نفسه ـ لما التصقَ به من محمولات عرقية عنصرية تركِّز على مواصفات الإنسان الجسدية ـ إلى مصطلح «الأنتروبولوجيا الثقافية».
وقد ارتبط الأنتروبولوجي الثَّقافي باسم تايلور (1833 ـ 1917م) الذي كان أوَّل من صاغ مفهوم الثقافة، وحدَّده بأنه «الكل المعقد الذي يشتمل على المعارف، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقوانين، والأعراف، و... غيرها من الاستعدادات والعادات التي يكتسبها المرء بوصفه عضواً في المجتمع». ويرتبط هذا التعريف ـ على حد تعبير كلود ليفي ستراوس ـ بالاختلاف المميز بين الإنسان والحيوان، أو الثقافة والطبيعة، حيث يظهر الإنسان صانع أدوات، فتبدو عندئذٍ العادات والمعتقدات والمؤسسات تقنيات بين أخرى، ذات طبيعة ثقافية، أي تقنيات في خدمة الحياة الاجتماعية (8). ومن هنا أخذ مفهوم «الثقافة» يتضمَّن ـ في الاستخدام الفعلي ـ مفهوم «الحضارة» إلى درجة أننا لم نلمس اليوم سيادة نوع من مفهوم ثقافي خالص «للحضارة» يسلِّم باستخدام «الحضارة» و «الثقافة» في دلالة واحدة (9).
والثقافة الألمانية، هي وحدها، التي استطاعت، من بين الثقافات الغربية جميعها، أن تميِّز بوضوح بين الحضارة والثقافة، فضمّنت المصطلح الأول، كما ذكرنا، كل ما يتعلق بالمكتسبات البشرية التقنية، وضمَّنت الثاني كل ما يتعلق بالمكتسبات الفكرية والأدبية. أما في باقي الثقافات البشرية فلا يزال هناك خلط كبير بين هذين المصطلحين، وعادة ما يستخدم الواحد مكان الآخر من دون أي تأمل أو تفكُّر.
أمَّا في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة فنحن نستخدم مصطلح «الحضارة» للدلالة على معانٍ متعددة ومختلفة، يمكن أن تشمل كل ما هو متحضر بالمقارنة مع ما هو همجي. حيث نقوم بوصف نظمنا أو سلوكاتنا وأفكارنا بأنها «حضارية» للدلالة على رقيِّها، ورفعتها، ومجدها، أو غير «حضارية» للدلالة على فقرها، وانخفاض مستواها.
________________________________________
(7) محمد جمال باروت، ما بعد المركزية الأوروبية، من التفاوت إلى الاختلاف، مجلة الآداب، العدد (3/4)، ص 28، نيسان 2000م
(8) كلود ليفي ستراوس، الأنتروبولوجيا البنيوية، ترجمة: مصطفى صالح، دمشق: وزارة الثقافة، 1977م، ص 409.
(9) محمود أمين العالم، صراع الحضارات أم تعدد ثقافات (ندوة)، مجلة المستقبل العربي، العدد 238، ص 76، عام 1998م.

[الصفحة - 276]


وإذا عدنا إلى قاموسنا العربي القديم، فإننا نجد أنَّ كلمة «حضارة» مرادفة لكلمة «حاضرة»، وهي مشتقَّة من «الحضر» (أي سكان المدن)، عكس «البدو» (أي سكان البادية). وعندما تحدَّث ابن خلدون عمَّا يشبه مفهوم الحضارة بلغتنا ـ أي التقدم المادي والمعنوي للإنسان أو للمجتمعات ـ استخدمَ كلمةَ «العمران» التي تشير إلى عمارة الأرض، ومن ثم ازدهار العمران، والفنون، والصنائع، والأفكار. لكنه نظر إلى هذا الازدهار من منظور تقليدي جعل منه دورة ضمن دورات نشوء الدولة وانهيارها. وارتبطت «الحضارة» عنده بالطور الأخير من العمران، الذي ترقى فيه العوائد، والأذواق، وتزداد أنماط المعيشة دعةً ورفاهاً. إن العمران مرتبط عند ابن خلدون بنشوء الدولة واستقرارها (10). ولكنه اكتشف، أيضاً، بموازاة ذلك، علاقةً أساسيةً بين هذا الازدهار التابع لاستقرار الدولة، وبين عدم انقطاع حبل العلم. ومن هذه الناحية يقترب ابن خلدون كثيراً من بعض النظريات الحديثة التي تنظر إلى الحضارة من منظور تطوُّر العلم، وتراكم المعرفة والتقنية البشريَّتين.
وعندما اصطدم العرب المسلمون بالواقع الجديد للحضارة الغربية من خلال حركة الاستعمار الحديث، استخدموا كلمة «المدنيَّة» في مقابل كلمة الحضارة، وميَّزوا بين «المدنيَّة الإسلامية» و «المدنيَّة الغربية»، وعملوا على استيعاب الخبرة والمعرفة الجديدة القادمة من الحضارة الغربية، من خلال محاولتهم الارتقاء التاريخي ببعض وسائل تنظيم حياتهم الاجتماعية والفكرية، وحتى السياسية وأساليب هذا التنظيم. وإذا أردنا أن ندخل في مسألة الفرق بين «الحضارة» و «المدنية»، فإننا نرى أن مفهوم «المدنية» ربما يكون أخص من مفهوم «الحضارة». لأن الحضارة تشمل الحالات الإنسانية جميعها بما فيها الحالات التي تنطلق في أجواء الإنسان الذي يتميز ببعض الموروثات أو المكونات البدائية (11). وأما «المدنية» فهي التي تمثل المنهج السلوكي في حياة الإنسان من خلال المجتمع الذي يتميز بطريقة معيَّنة في تكوين البيئة الاجتماعية، وفي تكوين النظام الذي يحكم الناس بشكل متقدم يبتعد بهم عن حالة البداوة.
انطلاقاً مما تقدم يمكن أن نقول: إن الحضارة، في مفهومها العام، هي كل شكل من أشكال تنظيم الحياة البشرية، وهي، بالتالي، ثمرة جهد يقوم به الإنسان
________________________________________
(10) برهان غليون، مجلة الآداب، م.س، ص 44.
(11) العلامة السيد محمد حسين فضل الله، المشروع الحضاري الإسلامي، بيروت: دار التعارف ـ 1990م، ص 40.

[الصفحة - 277]


لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرات مقصوداً أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية. وبذلك تكون الحضارةُ حصيلة إيجاد علاقة خاصة، ونمط تعامل الإنسان مع العالم. ويتجلَّى في الإجابة عن التساؤلات، وتلبية الاحتياجات التي تظهر إلى الوجود بوحي من هذه العلاقة. وبناءً على هذا المعنى فللبدو أيضاً نوع من الحضارة. كما أن الإنسان منذ أن عاش بصورة جماعية كان يتمتع بصورة من صور الحضارة.
2 ـ الحضارات وإشكاليَّة الحوار المطلوب
بدا العالم، منذ بداية نشوء الحياة على الأرض، وتشكّل الحضارات الإنسانية، أقرب ما يكون إلى حالة «منتدى» حضارات عالمي متميِّز تشترك أممها في عضويته. ومن ثم فإنّ فيها ما هو «مشترك حضاري عام». وأيضاً فإنّ هذه الأمم تتمايز حضارياً (12)، الأمر الذي يستدعي الحفاظ على الهويَّات الحضارية المتميزة، لا لمجرد الحفاظ عليها رغم أهمية ذلك، وإنما لأسباب وطنية وعقدية تلعب دورها الحاسم في إنهاض أمم كثيرة من كبوتها.. باعتبار أن هناك قدرات غير منظورة مختزنة في داخل هذه الخصوصيات يمكن أن تعمل على شحن شعوب هذه الأمم بالكبرياء المشرع، والطاقات المحركة في معركة الإبداع، بالإضافة إلى ما يمكن أن تقدمه التعددية الحضارية ـ في هذا المجال ـ من دور كبير في إثراء مصادر العطاء العالي.
والذين يعايشون حياة الشعوب والأمم ذات الحضارات الغنية، والتاريخ القديم، والتُّراث العريق ـ أو يغوصون في تراث هذه الأمم، وفلسفتها، ومذاهبها، وعاداتها، وتقاليدها، وأعرافها ـ يدركون أن العالم الإنساني فيه أمم متعددة، تتميز كل منها بشخصيتها القومية والحضارية الخاصة والمميزة.
ونحن إذا ما نظرنا في مذاهب هذه الأمم وأعرافها، وفي معايير الحق والباطل، والحلال والحرام، والمشروع والممنوع لدى أنبيائها، وفي موازين الأذواق والحاسة الجمالية، وفي تصوُّراتها لمكان الإنسان من الكون، وتصوراتها لمصيره بعد الموت، وتصوراتها الفلسفية لهذا الكون، وما وراء المادة والطبيعة، إذا نحن نظرنا إلى مذاهب هذه الأمم ـ في هذه القضايا ـ أدركنا الخصائص التي تمايز بينها جنباً إلى
________________________________________
(12) د. محمد عمارة، الغزو الفكري وهم أم حقيقة، ص 908.

[الصفحة - 278]


جنب مع خصائص تشترك فيها فتجمع بينها. ولا يخفى أن الباحث الذي يسبر أغوار المواريث الفكرية لهذه الأمم، ويتتبع خيوط هذا التمايز الحضاري، يجد أنها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. حيث كان البابليون، والأشوريون، والفينينقيون، والمصريون، وغيرهم ممَّن أسهموا في الفكر الإنساني، وكان لهم تمايز حضاري (13).
ولعلَّ نظرة فاحصة إلى أمم مثل الفرس، والصين، والهند، واليابان ستفضي بالباحثين إلى الإجماع على حقيقة تميُّز الشخصيات القومية، والمواريث الحضارية، وطرائق العيش، والحياة، وفي النظرة إلى الكون والوجود والحياة، وتصورها، لدى شعوب هذه الحضارات وأممها.
وكذلك الحال إذا ما نحن تأمَّلنا الحضارة الغربية منذ اليونان وحتى نهضتها الحديثة، والحضارة الإسلامية منذ تبلورها، بوصفها ثمرة لإدماج المواريث القديمة للشعوب التي دخلت الإسلام، حيث عمل المسلمون على تطويرها وفاقاً لمعاييرهم وتصوراتهم.. ولذلك أمكن لنا القول هنا: إن التأثيرات الحضارية، والاستعارات الثقافية، والأفكار، والآراء، والنظريات المتبادلة بين الأمم والشعوب إنما هي ظاهرة صحية طبيعية وسليمة، لا خطر فيها ولا خوف منها (14).
من هنا يعبّر الحوار ـ في لحظة تشكّله الأولى ـ عن وجود خلل واضطراب عام في داخل منظومة العمل الخاضعة لضبط حركة هذا الموقع الإنساني أو ذاك، سواء أكان هذا الموقع سياسياً أم فكرياً.. الخ. فالبشرية وصلت ـ في طبيعة الحضارة المادية الحديثة، وبعد كل هذا التقدم الهائل على مستوى العلم، والتقنية، والتطور الكبير في حركة الثقافة على المستوى العالمي ـ إلى نتائج كارثية كان من شأنها أن ساقت الإنسان نفسه ليعيش بائساً، ومحبطاً، ومحتاراً على امتداد القرن العشرين بأكمله، وجعلته ممزَّقاً بين منجزٍ علمي ضخم غير متصوَّر، وهمجية مريعة قاتلة؛ الأمر الذي أفقد هذا الإنسان الطمأنينةَ والراحة والهدوء، لأنه افتقد أساساً الحكمة والهدف من وجوده على هذه الأرض. فهو ضحّى بكل شيء ليصبح مطمئناً، ولكن النتيجة كانت غير ذلك، والواقع الذي تعيشه الحضارة حالياً هو الواقع الذي بدأ يكشف أزماتها الحقيقية الناجمة ـ كما ذكرنا ـ عن فقدان الجانب الروحي (الغائي)
________________________________________
(13) د. أحمد السايح، أضواء على الحضارة الإسلامية، الرياض: دار اللواء، 1981م، ص 78.
(14) انظر د. محمد عبد الرحمن مرحبا، أصالة الفكر العربي، ص 152، منشورات عويدات ـ فرنسا 1982م.

[الصفحة - 279]


في منطلقاتها، وفي خلفياتها، وفي أبعادها المختلفة بالمستوى الذي جعل مواقفها تصطدم ببعضها بعضاً، بحيث تخلق مشكلات كبيرة تجعل الإنسان يقف أمام الجدار المسدود في حركته النفسية والشعورية، وفي علاقاته ومصالحه جميعها.
وبالإضافة إلى ذلك، فقد ازدادت الفجوة اتساعاً بين أطراف كثيرة شملت مناحي الحياة جميعها. وتشكّلت بسببها ثنائيات عديدة لا تواصل فيها. وانطلقت أزواج وفيرة من المصطلحات المتنافرة لتغطِّي مساحة هذا الواقع المرتبك كله، مثل: الغرب والشرق، والشمال والجنوب، المركز والهامش، الغني والفقير.. الخ. ثم جاءت العولمة لتعطي هذا الواقع ـ من خلال سيطرة القطب الواحد، وهيمنته على الواقع العالمي كله ـ صورةً سوداء داكنة تنذر بأخطار تفوق حد التصور، وتهدِّد الوجود البشري نفسه.
إزاءَ وَضْعٍ شاذٍ كهذا الوضع لا مكانَ فيه لقيم الحق وأخلاق العدل ـ إلا في ما ندر ـ بدا أنه لا مناص من العودة إلى مسألة «حوار الحضارات»، باعتبار أن هذا النوع من التحاور ـ المبني على ركائز الوعي، والانفتاح، والعقلانية، والاعتراف بالآخر ـ يمكن أن يسهم ـ ولو جزئياً ـ في إعادة وصل ما انقطع بين الأمم والشعوب، ومن ثم يمكن أنْ يعيدَ العالمَ إلى توازنه المفقود منذ زمن طويل، وإلى الإنسان تماسكه واطمئنانه (بعد أن حوَّلته الشعارات والأيديولوجيا الزائفة إلى كائن مهمّش) بعيداً عن واقع الهيمنة، والتبعية، وسَلْب الشعوب مُقَدَّراتها، وإرادتها، وطاقاتها، وثقافاتها، وسلامها، وأمنها، ومصائرها. كما بدا أنّ حوارَ الحضارات وحده ـ بما تمتلكه هذه الحضارات من طاقات روحية خلّاقة ـ يستطيع أنْ يُزوِّدَ الأمم بمبادرات تتجاوز بها ذاتها، وجغرافيتها، واقتصادها، ونظمها، وقومياتها، وأعراقها نحو أفق يكون فيه الآخر، والانفتاح عليه، ضرورة وجود (15).
من هنا ـ وفي مواجهة هذه الصِّراعات الإقليمية والدولية المتزايدة، حول قضايا متعددة، ومنها مفاهيم الهوية وأيديولوجياتها، وكذلك في مواجهة افتقار الحضارة الغربية للبعد الروحي (الميتافيزيقي) الذي جعلها تصطدم بجدار المعنى (16) ـ تكتسب فكرة الحوار أهميةً كبرى، خصوصاً بعد اتساع جمهورها في أوساط النخب الثقافية، بل والسياسية.
________________________________________
(15) مجلة الآداب، م.س، ص 44.
(16) وصلت الحضارة الغربية إلى درجة عالية من الإشباع المادي المحسوس، فقد أصبحت الحياة أسرع وأسهل، وأصبح الإنسان أطول عمراً (كمياً وكيفياً)، ولكن بالرغم من هذا التقدم كله، والغنى، والثراء المادي يبقى هناك جانب يشكل ثغرة هائلة فيها، ألا وهو الجانب الميتافيزيقي. ولعل في قول أحد العلماء المعاصرين «من أن الإنسان ليس شيئاً سوى آلة بيوكيميائية، مشحونة بجهاز احتراق، يمنح الطاقة للكمبيوترات» ـ أفضل تعبير عن الحالة المأساوية الخطيرة التي وصلت إليها حضارة الإنسان المعاصر. (راجع: مقالة كاظم جهاد، قراءة لمفهوم التمركز الغربي بين كلود ليفي ستراوس ودريدا، مجلة الوحدة، العدد 4، ص 47 ـ 59، 1985م).

[الصفحة - 280]


ولذلك يأتي هذا الطرح الحواري ـ في هذه الظروف التي يعيش فيها العالم حالات استقطاب حادة متعددة ـ ليمثل فرصة وأسلوباً مناسبين للتعبير عن الأمل بوجود المعنى والحكمة في أصل الخلق، وللتبشير أيضاً بقدرة الإنسان على جَعْل الحياة جميلةً ومعطاءة وذات معنى لكل إنسان. ولكن ذلك لا يكون إلا بتفاعل الإنسان مع الإنسان. أي بأنْ يعترف الإنسان بوجود تعدُّدية ثقافية، تأخذ شكلها المطلوب وعنوانها المميز، وأسلوبها الخاص من الحضارة التي تنتمي إليها. لكنّ الذي يجب ألَّا يخفى على أحد هو تَعرُّض معظم ثقافات العالم لانسحاق وتهديد حقيقي بالتفكك والدمار نتيجة الصعود الكاسح للثقافة الغربية المركزية ـ وبخاصة الثقافة الأمريكية ـ وتَمَحْورها حول ذاتها. فهي الذات والمركز، وغيرها الهامش والطرف.
ولذلك، فإننا نؤكّد أن الحوار الحضاري المطلوب لن تكون له أية قيمة تذكر إلا إذا انتقل من كونه حواراً بين الثقافات أو الحضارات إلى حوار بين الجماعات على إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية (أي الثقافية) «بما يستجيب للحد الأدنى من معنى العدالة كما تستبطنه اليوم الأغلبية الساحقة من الساكنة البشرية» (17). خصوصاً وأن هذه الأغلبية الساحقة تلتقي مع غيرها من الجماعات البشرية المتقدمة على تشجيع الإبداع الفكري، والبحث العلمي، والتفكير العقلاني، والتسامح الأخلاقي. لكن هذه الجماعات لا تملك جميعاً الإمكانيات والوسائل اللازمة لتطوير هذه القيم الحديثة المطلوبة والمرغوبة.
وبالنَّظر إلى ذلك يمكن أن يكون للحوار والتقارب بين الجماعات، معنىً جديداً، وروحاً جديدة مسؤولة، خصوصاً إذا ما توسعت دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها ـ من ثم ـ من حتمية الاعتماد المطلق والآحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية. أي بإيجاد فرص أكبر وأوسع لتنويع هذه المرجعيات بحيث يظهر أمامها أن الحوار بين أصحاب الثقافات المختلفة يمكن أن يتحول ـ بالرغم من سِمَته الإنسانية الواضحة ـ إلى وسيلة للتغطية على الأسباب الحقيقية للصراعات الدَّولية بمستوياتها وخلفياتها المتعددة. وهذا الوعي الفعَّال لمسألة الحوار هو الذي يمكن أن يُظْهِر ـ لتلك الجماعات ـ أنّ الانفتاحَ على الآخر إثراءٌ للنفس،
________________________________________
(17) مجلة الآداب، م.س، ص 49.

[الصفحة - 281]


وليس إفقاراً لها. ويبدو لي أن هذا الأمر لن يحصل ما لم يتحرر أطراف الحوار من عقدة التنظير المعرفي، وينزلوا إلى الأرض، ويعملوا على تأسيس الحوار الحضاري المطلوب على نظام فكري وعلاقات سياسية جديدة تقوم على قواعد التحرر، والندّية والتكافؤ، وليس على قواعد النهب والسيطرة والإقصاء والتهميش كما هو موجود حالياً. وهذا الأمر يستلزم وجود «رؤية حوار الحضارات» في إطار حق الأمم جميعها في الاختلاف والتعددية في المفاهيم والرؤى والتصورات، بحيث يتحرك ذلك كله ضمن عدالة إنسانية تتيح للثقافات جميعها فرصة النمو والتطور والازدهار في ظل عالم إنساني واحد.
إنَّنا نعتقد أنّ مقولات القوة، والصراع، والهيمنة ـ التي لا تزال ترسم العلاقات بين الحضارات وتقودها وتتحكم بها، وتفرز أنماطاً جديدة من علاقات السيطرة والهيمنة ـ لا يمكن أن تبقى هي العناوين السائدة على ساحة الحياة الإنسانية على امتداد الزمن، بل لا بد لمقولة الحوار في النهاية من أن تهيمن على العلاقات الداخلية، داخل كل مجتمع بعينه، وداخل كل حضارة بمفردها.
فعلاقات الحوار ـ التي تنطوي على تأصيل قيم التعددية ومعانيها، والانفتاح، والتواصل، والاعتراف بالآخر، والتسليم بضرورة التداول السلمي للسلطة السياسية، والتعامل بشفافية وإنسانية ـ هي التي يمكن أن تؤسس ـ على المستوى الداخلي ـ ذاتاً حضارية كلية، أو جماعية، أو روحاً موحدة نسبياً، يمكننا ـ بالاستناد إليها ـ أنْ ننتقل من الحوار الداخلي بين التيارات والقوى والمواقع السياسية والثقافية السائدة في داخل اجتماعنا الديني والسياسي العربي والإسلامي إلى ساحة الحوار، واللقاء، والتنافس الحضاري الخارجي، في سياق انفتاح الذات وخروجها من دائرتها الخاصة إلى الفضاء الإنساني الأرحب والأوسع.
وإذا كان هذا يدل على التفاعل الخلّاق بين النقد والإبداع، فإنَّ حوار الحضارات يجعل أيضاً من هذا التواصل أسّاً رابطاً بين الحرية، والمصير، والوجود، والمعرفة، والفهم. لكنّ اعتقادنا الجازم بأهمية تعميق هذا التواصل والانفتاح بين الثقافات، والتعددية الثقافية، لا يعني ـ بأيِّ حال من الأحوال ـ أن هناك مساواة مطلقة بين الثقافات، كما لا يعني أن حوار الثقافات قد أضحى مسألة حتمية أو
________________________________________

[الصفحة - 282]


ضرورية. ذلك أن الثقافة ليست هي التي تحاور، بل المجتمعات، ومن ضمنها الأفراد المهتمون بالحوار، أو المسؤولون عن شؤون الجماعة. والعلاقة الطبيعية بين متعددين هي بالضرورة علاقة صراع وتواصل معاً: صراع مع الآخر الغريب، وتواصل مع القريب (18). فلا قرابة من دون صراع مع الآخر، ولا صراع من دون هوية تبين حدود الذات والقريب والصديق. وموضوع الصراع بين الثقافات ـ أو بين الجماعات في الميدان الثقافي ـ هو السيطرة على الرأسمال الرمزي الذي يشكّل رصيد كل ثقافة، أو هو التثقُّف الذي يستدعي السيطرة على مواقع استراتيجية في شبكة العلاقات والموارد الثقافية العالمية.. فالحق أن الصراع الثقافي (أو الصراع على الثقافة) يقوم على وسائل تختلف عن تلك التي تستخدمها الحرب، وهو يجري كل يوم من دون أن يدرك الناس أنفسهم ذلك أحياناً، وذلك من خلال توسُّع دائرة نفوذ اللغات، والأفكار، والإشارات، والرموز، والأسماء، والصيغ، وأنماط الاستهلاك والتسلية، والآداب، والفنون، والأذواق، وأساليب التنظيم والتأهيل والإدارة، والسلوك.. الخ، وهو صراع مستمر سواء أدخلت المجتمعات المختلفة الثقافة في نزاع دولي مسلح أم لم تدخل فيه.
وفي هذا المجال عرفت الأوساط والأدبيات، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وبروز عوامل موضوعية أخرى تتعلق بتطور المسار التاريخي للتجربة الغربية، إسهامين لافتين يمثلان الموضوع الأقرب لإشكاليات العلاقة مع الغرب، ويمكن أنْ توفِّرا لنا بعضَ الكفاية المعرفية والسياسية لوعينا بالغرب المعاصر:
الأولى مقولة نهاية التاريخ، وتقول: إنَّنا إنما نشهد انبثاق عالم متناسق نسبياً الآن يقوم على قاعدة الديمقراطية الغربية بمعناها الفكري والسياسي. «وإننا على الأغلب لا نشهد نهاية الحرب الباردة أو أية مرحلة تاريخ ما بعد الحرب، بل نهاية التاريخ كما كان، أي النقطة الأخيرة من نقاط التطور الأيديولوجي للبشرية، وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية، بوصفها شكلًا أخيراً من أشكال إدارة المجتمعات البشرية، وهذا لا يعني (حسب فوكوياما صاحب هذه النظرية) أنه من الآن فصاعداً لن تقع أحداث جديدة تشغل صفحات الدوريات. لأن انتصار الليبرالية حدث بشكل رئيسي في مجال الأفكار أو الوعي. وإلى الآن لم يتحقق في العالم المادي الواقعي.
________________________________________
(18) م.ن.

[الصفحة - 283]


لكن تتوافر لدينا أسس جوهرية للافتراض أن المَثَل الأعلى سوف يصبح سريعاً هو الموجِّه الأول لتطور العالم المادي» (19).
الثانية مقولة «صدام الحضارات»: وهي عبارة عن أطروحة فكرية ـ سياسية كتبها «صموئيل هنتنغتون» على شكل مقال في العام 1993م، تحت عنوان: «صدام الحضارات» (ما لبث أن وسّعها وأخرجها في كتاب حمل عنوان: «صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي الجديد» عام 1996م). يدعم هذا المقال أطروحة تقول: إن الهوية الثقافية سيكون من شأنها أن تحل في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهو واقع سيكون من شأنه أن يسفر عن مجابهات في الحضارات. وأن عالم ما بعد الحرب الباردة (وسقوط الاتحاد السوفييتي) سوف يكون عالماً منقسماً ومتصارعاً وفقاً لمراكز تحالف حضارية (إسلامية، كونفو شيوسية، غربية،.. الخ). وأن على صنّاع السياسة الخارجية في الغرب (المركز الحضاري الغربي، وبخاصة الولايات المتحدة) أن ينتبهوا إلى هذه الحقيقة، وأن يحددوا ويخططوا لسياساتهم الخارجية وفقاً لها، وبناءً على شعار عام يطلقه «هنتنغتون» محتواه «الغرب والبقية»، وذلك إذا أرادوا استمرار السيادة الحضارية والسياسية للغرب (20).
يتضح من سياق الاستعراض السابق للنَّظريتين «السياسيتين» السابقتين (ونحن هنا لسنا بصدد تقديم مناقشة نظرية وفلسفية للأسس والمبادى التي قامت عليها الأطروحتان، ولكننا نسعى إلى فهم ماهية التوظيف المعرفي والسياسي الآني لهما، بما يساعدنا على توضيح صورة وعي الغرب لذاته، وتمظهرات هذا الوعي في تشكيل السياسة الغربية تجاه العوالم الأخرى) في نصّيهما الفكريين، وما يعكسانه من دلالات وسمات ومعالم وملامح الحضارة المعرفية والعملية التي تنتسب إليها أفكار النظريتين معاً، يتضح أنّ كلا الكاتبين: فوكوياما وهنتنغتون، يصل تقريباً إلى نتيجة واحدة معدة مسبقاً، وإن اختلفت الطريق إلى هذه النتيجة، ألا وهي: ضرورة «سيادة الغرب». «هنتنغتون» يصل إلى هذه النتيجة عن طريق «يجب»، وذلك حين يقسم حضارات العالم إلى «المركز: الغرب، والهامش: بقية العالم»، وضرورة أن يقوم متخذو القرار في الغرب بأخذ هذه «الحقيقة» في الاعتبار، والعمل على استمرار هيمنة الغرب وسيادته عن طريق تحالفات «حضارية»
________________________________________
(19) فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ ودراسات أخرى، ترجمة: يوسف جهماني طه، بيروت: دار الحضارة الجديدة، 1993م، ص 13.
(20) انظر: samuel. p. huntington, ٌthe civilization??, in the summer 1993, issue of forign affairs.

[الصفحة - 284]


مع دول حضارة الغرب ذات «الثقافة» المشتركة مع الولايات المتحدة بخاصة (21).
أما «فوكوياما» فيصل إلى تلك النتيجة عن طريق «الضرورة»؛ وذلك حين يفلسف تاريخياً انهيار المعسكر الشرقي، وانتصار الديمقراطية الليبرالية. ويعلن ـ كما ذكرنا ـ أن التاريخ قد وصل إلى نهايته بذلك. وأن سيادة الغرب الديمقراطي ـ من خلال تعميم أنموذجه الثقافي الديمقراطي في السلطة وآلية الحكم ـ قد أصبحت مسألة قطعية ونهائية، ولا عودة عنها مطلقاً، ولا مجال ـ من ثمَّ ـ لتغيرات جذرية جديدة في تاريخ الإنسان على هذا المستوى.
إذن، نحن نقف الآن أمام فلسفة تاريخ يقوم منطقها على عناصر التفوق، والقوة، والسيادة. وما أقدم عليه «فوكوياما» ـ في الإطار التاريخي المعاصر لمعالجته ـ هو تعميم هزيمة الأنموذج الاشتراكي وتهاويه، وتحويلها إلى هزيمةٍ وتهاوٍ شاملين لجميع النماذج الأخرى القائمة خارج المنظومة الحضارية الغربية (22). لقد ركّز «فوكوياما» على سيادة الليبرالية وانتشارها، إلا أنه لم يسع إلى قراءة دلالات عودة الدين بقوة إلى حيز الفاعلية الاجتماعية، وعلى الأخص الدين الإسلامي الذي بات ركيزةَ الدينامية الاجتماعية، ومادَّةَ التغيير السياسي في معظم المجتمعات الإسلامية.
وفيما لو سلّمنا بالوجهة التي ساق «فوكوياما» تحليله إليها حول عدم اكتراث الشباب الأوروبي والأمريكي، والمجتمعات غير الإسلامية بالإسلام، تدليلًا على عدم قدرته على امتلاك أهمية شاملة، فإن ذلك لا يلغي كون المجتمعات الإسلامية ـ في سعيها الدؤوب لأسلمة هياكلها السياسية وخياراتها الاجتماعية والاقتصادية ـ ستؤدي دوراً تلقائياً في مواجهة جموح الليبرالية الديمقراطية التي يتسبب بها الاجتياح الحضاري الغربي. وهذا ما من شأنه أنْ يُفْسد على «الغربنة» الشاملة مطامِحَها، ويُعطِّل شمولية التاريخ الكوني الذي يتنبأ به «فوكوياما». إنّ الرفاه الاقتصادي، والاستقرار السياسي، والقدرة التكنولوجية الفائقة يجب ألّا تغيّب أشكالًا أخرى من التناقضات الحادة الناتجة عن تطور الرأسمالية نفسها، والتي تُشكّل المادة الأيديولوجية للسجال الغربي الغربي الراهن، مثل ارتفاع معدَّلات البطالة، وازدياد حدة التفاوت الطبقي، وتنامي معدلات الجريمة، وانتشار المخدرات، وتفكك الأسرة، وازدياد العزلة الفردية، ويقظة الانقسامات العرقية.
________________________________________
(21) تركي الحمد، الثقافة العربية في عصر العولمة، بيروت ـ لندن: دار الساقي 1999م، ط1، ص 76.
(22) صدام الحضارات، نصوص نقدية في المنهج والمضمون لمقولة «هنتنغتون»، بيروت: المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 1999م.

[الصفحة - 285]


لقد ركّزت طروحات «فوكوياما» و «هنتنغتون» على الجانب السياسي على حساب الجانب الثقافي والحضاري، وبَنَتْ مجمل نظريتيهما التحليلية على معلومات تفصيلية غنية ببعدها الكمي، لكنها تفتقر للمعنى التاريخي في سياق المدى الطويل للتحليل العام لمسار حركة التاريخ. وهنا كان الخلل في آلية معالجة الأحداث السياسية التي عصفتْ بالعالم مؤخراً، ومن ثم في النتائج التي وصل إليها الكاتبان. فقد انطلق الكاتبان ـ في تحليل كلٍّ منهما ـ من حدثٍ سياسي معيَّن وهو سقوط المشروع الشيوعي، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وخرجا منه بنتائج عامة مطلقة سيطر عليها تفكير «رغبوي» خاضع لتصورات ورؤى ذهنية سياسية محدودة تتصل بطبيعة اتخاذ القرار السياسي في الولايات المتحدة التي يعمل الكاتبان في مراكز دراساتها الاستراتيجية ذات الصلة المباشرة والوثيقة بمراكز القرار السياسي في الداخل الأمريكي.
إنَّ الأفكار «الصِّراعية» التي أوصلت الكاتبين إلى نتائجهما السابقة لا تصلح أبداً لأن تتخذ مقولات رئيسية مصيرية ومستقبلية ذات بعد دلالي إنساني عام. بالرغم من أننا لا نستطيع أن نغض النظر عن حقيقة وجود صراعات سلمية (وحتى دموية) بين ثقافات الشعوب والأمم، ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن الديمقراطية الغربية قد انتصرت في معركتها الأخيرة.. لكن المسألة هنا هي أن الصراع عمل دائم يجري كل يوم ـ كما أكدنا سابقاً ـ وهو حقيقة قائمة لها نماذجها، وتشكُّلاتها، وأبعادها، ورموزها المختلفة. والمشكلة الجوهرية لا تكمن هنا ـ كما تشيع نظرية «صراع الحضارات» ونقيضها المؤكد لها «حوار الحضارات» ـ من الوجود المتصور والموهوم لثقافات متمايزة، ومتغايرة، ومتخاصمة، لا تاريخية بعضها علمي وعلماني وعقلاني وإبداعي.. وبعضها سحري، وديني، وعاطفي، وتقليدي.. وبعضها سلمي، وتسامحي، وتعددي، وبعضها عدواني، ومتعصب، وآحادي كما يزعم، بقدر ما تكمن في طبيعة التفاوت الكبير والمتزايد في الوصول إلى الموارد الثقافية، وفي مقدمتها الموارد الثقافية الحديثة من علوم وإبداعات عقلية وأدبية وفنية، وإمكانات وطرائق للتدريب والتأهيل والتكوين الإنساني (23).
من هذا المنطلق ـ ونظراً إلى أن مسيرة التحوُّل الراهنة التي تقودها الرأسمالية
________________________________________
(23) مجلة الآداب، م.س، ص 50.

[الصفحة - 286]


التقنية والمعلوماتية، أو العلمية الجديدة ستعمّق منطق التفاوت الثقافي والعلمي بين الأمم والشعوب، ما سيشكّل محوراً للانقسام والتمايز والشعور بالدونية والتراتبية والتهميش والتشريد والتفكك ـ فإن نظرية «صراع الحضارات» ستعمل أكثر فأكثر على «شرعنة» التفاوت وقوننته، وإكسابه بعداً سياسياً وحضارياً عالمياً.
إننا نعتقد أن هذه الأطروحة لا تزال أطروحة أيديولوجية بامتياز. أي أن وظيفتها الجوهرية هي مساعدة الاستراتيجيات الصناعية الراهنة على التحقُّق، لا تقديم مبادى صوغ هذه الاستراتيجية. أما الاستراتيجيات السائدة فإنها تستند ـ في صياغتها ـ على رؤية جديدة للاندماج بين المصالح الوطنية، هدفها تمكين الدول الصناعية الرئيسية من الحفاظ على حصتها الراهنة في الموارد الطبيعية، والثروة العلمية والتقنية. وهذا الحفاظ هو شرط الاحتفاظ بمستوى المعيشة الراهن للسكان، وبالتالي بمستوى كبير من الاستقرار السياسي، وبالتالي من إمكانيات التنمية المستمرة والازدهار والمجد (24). في مقابل هذا التوجه اللاإنساني نؤكِّد أن الحضارة الإنسانية قد تشكلت عبر العصور، ونتجت ـ باختلاف الأمكنة والبقاع، وعلى تنوع صُنّاعها ـ عن شراكة إنسانية غير مباشرة، أسهمت كل أمة أو شعب فيها بمقدار، إلى أن بلغت ما بلغته في عصرنا الراهن.
نعم هناك تعدُّدية ثقافية في هذا العالم، وهذا أمر واقعي نعترف بوجوده، وقد يتصارع أصحاب هذه الثقافات مع بعضهم بعضاً في مرحلة ما ـ كما ذكرنا ـ ولكن هذا لا يعني أن الصراع هو القضاء والقدر، أو هو خاتمة المطاف وجوهر العلاقات بين الشعوب التي وصفها القرآن الكريم بالقول: {يا أيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا...} {الحجرات/13}. والتعارف هنا هو الحوار نفسه. وهذا الصراع أو التدافع الذي قام ـ ويمكن أن يقوم دائماً بين الثقافات المختلفة ـ يكون دائماً منطلقاً من دوافع سياسية آنية، أو ممزوجاً بها، وهي منطلقات لا تصلح للعيش الطويل في امتداد ساحة الحياة والزمن. أما الذي يبقى ويستمر فهو منطق التواصل والتحاور والتفاعل والتداخل بين هذه الثقافات. لأنه المنطق الأكثر قوة وقدرة على التعبير عمَّا يجول في داخل فطرة كل إنسان.
________________________________________
(24) صدام الحضارات، م.س، ص 405.

[الصفحة - 287]


3 ـ الإسلام والدَّعوة إلى حوار الحضارات
لا شك في أن الحديث عن الحوار ـ بالمعنى العام ـ يجعلنا ننفتح على مفهوم التواصل الإنساني بين الحضارات، والذي يمثل نقل جميع عناصر الفكر الإنساني ـ بخصائصه الثقافية جميعها ـ إلى الحضارة الأخرى وللإنسان الآخر الذي يقوم بالدور نفسه لهذا الشخص. من هنا فإننا نرى أن الحوار هو معنى أن يكون الإنسان اجتماعياً، واللاحوار يعني موت الحركية الإنسانية بالنسبة للآخر، أن يعيش كل إنسان معزولًا عن الآخر.
ومن هنا فإننا نلاحظ أن الحوار كان أساسياً في الفكر الديني والإسلامي بالذات (25).. ففي القرآن الكريم ـ الذي هو كتاب حوار ـ نلاحظ أن الحوار الأول الذي سجله القرآن كان حوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس.. فإبليس رفض السجود لآدم، لكنه لم يرفض فرصة الحوار مع الله. وقد عبَّر عمَّا في نفسه وقدَّم طلبه إلى الله بعد أن رفضه سبحانه وتعالى، ثم بعد أن طلبه عبّر عن خطته{فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} {الأعراف/16}. ونلاحظ أن الله تعالى أجابه بعد ذلك: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} {الحجر/42}.
هذا الحوار يعطينا فكرة أنّ المخلوق، حتى لو كان في موقع التمرد والعصيان، فإنه لا يفقد فرصة الحوار مع خالقه.. فالله يعطيه الفرصة، ويفسح له في المجال ليتحدّث عما يجول في نفسه كما يجيبه عن تساؤلاته مهما كانت طبيعية هذه التساؤلات. بالإضافة إلى ذلك يعطينا هذا الحوار فكرة أخرى، وهي أنه ليس هناك شخص مرفوض في عمليَّة الحوار، فبإمكانك أن تحاور أي إنسان مهما علا شأنه أو انخفض، ومهما كانت درجة سقوطه الإنساني والديني والاجتماعي والسياسي.. وهكذا نجد أن الله تعالى قد قدّم لنا نماذج وتجارب مختلفة للحوار كما في حواره تعالى مع الملائكة.
وهذا الأمر يؤكد لنا أن الحوار هو الوسيلة المثلى لتأكيد المعرفة، ولتحريك الواقع الإنساني والحضاري، ما يجعل مهمته لا تقتصر على الجانب الثقافي، بل تتحرك في الجانب العملي أيضاً.
________________________________________
(25) العلامة السيد محمد حسين فضل الله، نشرة بيّنات 199.

[الصفحة - 288]


لقد أسس القرآن للحوار، وأراد للناس أن يتحاوروا بالحق، وأراد للإنسان أن يملك المعرفة والوعي في ما يحاور فيه.. يقول تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم} {آل عمران/66}. وأراد للحوار أن ينطلق من خلال أصول موضوعية تحترم إنسانية الإنسان المحاور، سواء في مقام الدعوة أم في مقام الخصام والجدال، فيقول: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} {العنكبوت/46}.
وهكذا نجد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يحاور الآخرين، وينهي الحوار في حالة ويفتحه في حالة أخرى.
ومدرسة الحوار في القرآن تقوم على منهج موضوعي يجرّد الحوار من ذاتية المتحاور: {إنَّا أو إيَّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} {سبأ/24}. ويجعل المتحاورين لا يتبنيان شيئاً، حتى لو كانا في العمق ملتزمين التزاماً حاسماً حول هذا الموضوع. وبذلك يؤكد القرآن، في منهجه الحواري، ضرورة أن يمنحك الوضوح في نظرتك إلى الإنسان الآخر. ويمنح الآخر الوضوح في نظرته إليك. لذلك فنحن نرى أن الحوار ضرورة للحياة الاجتماعية في بعدها السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، وفي كل شيء (26).
من هذا المنطلق ـ وتأكيداً لضرورة أن يؤدِّي الإسلام الدورَ المنوط به من خلال المشاركة الفاعلة في محاولة صنع ملامح القرن الجديد والألفية الجديدة من عمر البشرية ـ فإن العالم الإسلامي معني بشكل مباشر بالحوار الحضاري بين الأمم والشعوب، وبخاصة في ظروف التحوُّلات الدولية التي طرأت وستطرأ على العالم كله، حيث إننا نشهد ازدياداً ملحوظاً في اللهجة العدوانية التي يتحدث بها الغرب عن الإسلام. وقد أصبحت شعارات من نوع الخطر الإسلامي، والإرهاب الإسلامي، شعارات دارجة في الإعلام الغربي، وهناك من يسعى جاداً لتحويل الإسلام إلى العدو رقم واحد في أذهان الغربيين (27).
لقد أكدنا سابقاً أن السلوك الحواري ـ بمضمونه الإنساني العادل ـ مقوّم أساسي في داخل المنظومة الفكرية والعقديَّة الحضاريَّة الإسلامية، وأن هناك توجّهاً
________________________________________
(26) م.ن.
(27) القرن الواحد والعشرون ومستقبل الحضارة الإنسانية، د. محمد عادل شريح، مجلة الثقافة الإسلامية، العدد 84، ص 160.

[الصفحة - 289]


قويّاً لدى العالم الإسلامي كله نحو تعميق الحوار في الواقع الإنساني المعاصر.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هي حقيقة هذه الدعوة وذلك التوجه؟! ثم ما هو الجواب الذي يمكن أن يقدمه الإسلام عن السؤال الإشكالي المطروح حول حقيقة الصدام والصراع بين الشعوب والأمم والحضارات؟!
في الواقع يحمل الدين الإسلامي رؤى وأفكاراً ومفاهيم ومواقف وتصورات عن الوجود والحياة والإنسان والتاريخ، في ما يتعلَّق بقضايا الحياة والمعيشة وأصول العلاقات الاجتماعية وطبيعتها المختلفة. وهذه الرؤى والنظرات تتراوح بين النص التفصيلي الدقيق وبين طبيعة المبادى الكلية العامة، وتتماسك في مدار منهجي وعقدي متكامل واحد، وتنضبط فيه باعتباره ديناً توجيهياً، هو دين الله سبحانه، فهو باعتقاد التوحيد صاحب منهج حضاري شمولي.. وبتلك الرُّؤى والمفاهيم والأفكار والمواقف المتحركة في مدى منهجه، هو صاحب حضارة (28).
بهذه الدلالة نفهم قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} {آل عمران/19} الذي يعني أن الإسلام هو التسليم، للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام (29)، بما هي نظام شمولي وتفصيلي للحياة في آن معاً. أي بما لهذا النظام من حضور تشريعي واحد مودع في الفطرة الإنسانية. فهو في حقيقته أمر واحد، وإن اختلف كماً وكيفاً في شرائع الأنبياء والرسل (30).
الإنسان، في المفهوم الإسلامي، «سيِّد الكون» الذي أراد الله، سبحانه وتعالى، له أن يقود حركته من خلال ما أودعه فيه من طاقات ومن قوى يمكن أن تتيح له القيام بهذه المهمة الكبيرة. ونستطيع أن نستوحي ذلك من خلال الحوار الذي دار بين الله تعالى وبين ملائكته في خلق آدم (عليه السلام) حيث قال سبحانه: {إني جاعل في الأرض خليفة} {البقرة/21}. وعرّفهم بأنه قد علَّمه من العلم ما لا يعلمون. ثم نلاحظ تقدير الإنسان حين أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له، ما يوحي بعظمة خَلْقه، وبالقيمة الكبيرة التي يمثلها الإنسان بوصفه خلق الله سبحانه وتعالى (31). ولذلك فقد عدَّ الإسلام الإنسان مسؤولًا عن نفسه، وعن خياراته العملية وجميع التزاماته في الحياة.
________________________________________
(28) صدام الحضارات، م.س، ص 368.
(29) المرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مجلد 3، ص 120.
(30) م.ن.
(31) نشرة بينات، م.س.

[الصفحة - 290]


وهكذا نجد أن النظرية الإسلامية للإنسان ترى أن هذا المخلوق يمثل العنصر الذي جُعِلت الحياة كلها لتتحرَّك في مداره، كما جعلت الآخرة كلها لتتحرَّك في مداره. ومعنى ذلك أن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أساس أنه ـ من خلال رعاية الله له ـ هو مركز الكون، والعنصر الذي يدور الكون في دائرته. وعلى هذا الأساس فإننا لا نجد ـ في المواقع الحضارية جميعها ـ أية فرضية حضارية (غربية أو غير غربية) يمكن أن تعطي الإنسان هذا المفهوم الشامل الكامل.
ضمن هذا السياق تنطلق المسألة الحضارية عندنا لتكون تبصُّراً بالغايات. إن الغايات ـ إسلامياً ـ هي الموجِّه لحركة الإنسان وفكره ومعرفته وأفعاله ووسائله (32)، بحيث لا تنفصل الغاية عن وسيلتها ولا عن وسيلة تحقّقها، فتكون الحضارة الإسلامية نسيجَ الإسلام، ونظامَ تحقُّقِ غاياته، ويكون الإسلام كيان الحضارة الإسلامية، وضابط نظام أجزائها وإنجازاتها وظاهراتها. وهو ـ بهذا المعنى ـ كيانها الفكري، وعلله، ومصادره، وتجلياته في القول، والعمل، والتطلعات، ومعايير محاكمته للوجود والأشياء وعلاقات البشر بالعالم، وتنظيم اجتماعهم فيه.. إنه ـ بمعنى آخر ـ مشروعها الحضاري الذي تلتزم تحقيقه. ومن هنا اعتبارنا أنه مشروعها الحضاري الخاص الناهض إلى التحقق الدينامي وصولًا بالإنسان إلى التكامل في بناء ذاته، وقيادة العالم الذي استخلف فيه، إلى الغاية التي من أجلها فُوِّض تلك القيادة، وحمل مسؤوليتها بناءً على خياراته الحرة (33).
من هنا يمكننا أن نقول ـ بالاستناد إلى رؤية الإسلام وتصوره لمجمل حركة الإنسان في التاريخ، وفي سياق الصيرورة الاجتماعية الحركية ـ إنّ تاريخ الحضارات البشرية قد عرف ـ بالتصنيف الإسلامي لهذا التاريخ ـ نوعين من الحضارات، لا عدة حضارات (بالتصنيف الذي اعتمده «هنتنغتون») وهما: حضارة التوحيد التي تتمثل بالمشروع الإلهي للإنسان والعالم والوجود بما هو منظومة معرفية، واجتماعية، وقيمية سياسية خاصة، هي نفسها التي تنزَّلت بها الرسالات السماوية المتعاقبة، واستُكْملت بالإسلام. و الحضارة المادية التي اصطنعها الإنسان (34)، والتي وصلت إلى أنموذجها الغربي الراهن الذي تعاني فيه ـ هذه الحضارة ـ نقصاً خطيراً في الحياة الروحية والمعنوية أمام تعمق نمط الحياة المادية وازدهارها. وإن هذا النقص الذي
________________________________________
(32) مختارات من أقوال الإمام الخميني، الترجمة العربية، ج3، ص 29.
(33) علي شريعتي، الإنسان والتاريخ، ص 13.
(34) صدام الحضارات، م.س، ص 369.

[الصفحة - 291]