البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الغزو الثَّقافي المعاصر وموقفنا منه

الباحث :  د عبد الهادي الفضلي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  20
السنة :  السنة الخامسة شتاء 1421 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  2074

الغزو الثَّقافي المعاصر وموقفنا منه (الكتب والبحوث)

الدكتور عبد الهادي الفضلي (*)

مدخل البحث
هناك مفاهيم قديمة وأخرى حديثة ذات مساس شديد بحياة المسلمين بشكل مباشر وغير مباشر، وذات تأثير فيها على نحو الإيجاب أو السَّلب.
وهي، بهذه المواصفة، تفرض نفسها على الفقهاء المسلمين، وتدخل عالم الفقه الإسلامي، بغية أن يقول كلمته فيها، فيفهم المسلمون كيف يتعاملون معها.
وقد تناولتُ، في بحث لي سابق، واحداً من هذه المفاهيم، وهو مفهوم «التبليغ الإسلامي»، فأوضحته وبيَّنتُ مشروعيَّته، وذلك لأهمية دوره الفاعل في بناء شخصية الفرد المسلم وشخصية الأسرة المسلمة، ومن ثَمَّ تشييد كيان المجتمع المسلم وكيان الدولة المسلمة.
وفي هذا البحث، اخترتُ مفهوماً آخر من هذه المفاهيم، وهو ما يعرف بـ «الغزو الثقافي»، وذلك لأنه يأتي صنو الغزو العسكري في أهدافه السياسية وفي أضراره المدمِّرة للثقافة الإسلامية، بوصفها فكراً دينياً، ومن ثم لحياة المسلمين مجتمعاً ودولة.
ويدخل الغزو الثقافي، بوصفه مفهوماً ـ ومن ناحية منهجية ـ ضمن موضوع «الجهاد الإسلامي» الذي هو من جملة موضوعات الفقه الإسلامي، فكما يَلزمنا الدِّفاع لصدِّ الغزو العسكري، كذلك يلزمنا الدِّفاع لصدّ الغزو الثقافي،
________________________________________
(*)أحد أبراز علماء المنطقة الشرقية في السعودية ، و أستاذ جامعي في جامعتي الملک عبد الغزيز ، في جدَّة و الجامعة الإسلامية في لندن

[الصفحة - 46]


لوحدة المسوِّغ الشرعي لذلك الموجود في كليهما، وهو الأهداف الواحدة والأضرار الواحدة.
لهذا كان على الفقهاء ـ لا سيما المعاصرين منهم ـ أن يدرجوه في قائمة محتويات الجهاد الإسلامي، ولكن هذا لم يحدث، وأكثر منه أن موضوع الجهاد حذف من موضوعات الفقه عند متأخري المتأخِّرين والمعاصرين، فلم يبحثوا فيه خارجاً، ولم يذكروه في رسائلهم العملية، بحجَّة أنه ـ أعني الجهاد ـ ليس من المسائل المبتلى بها الآن.. في الوقت الذي لم يكن الغزو ضد الإسلام بوصفه ديناً وضد المسلمين بوصفهم أمَّةً ودولة ليتوقف، لا سيما الغزو الثقافي منه الذي يستهدف الغزاة منه العقيدة الإسلامية في الصميم.
وبان لنا بوضوح، بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة، في إيران، هذا الذي ألمحت إليه، فقد صدر خلال السنوات العشر الأولى من عمر الثورة أكثر من مئتي كتاب ضد الفكر الإمامي.
والآن، وبعد مرور ما يزيد على عشرين عاماً من عمر الثورة الإسلامية، تصدر العشرات من الكتب باللغة العربية وغير العربية، وبأقلام عربية وغير عربية، موضوعها كما يعرب عن ذلك جل عناوينها «نقد الفكر الديني» و «نقد العقل الإسلامي» و «نقد النص الديني» والخ...
وهنا أقول: كما كانت الثورة الإسلامية سبباً عند هؤلاء للهجوم على الفكر الإمامي بخاصة والفكر الإسلامي بعامة، لتكن سبب انفتاح عندنا على هذه المفاهيم، فنقوم بالبحث فيها، ودراستها ونقول كلمة الفقه فيها، فنتوسَّع في مجالات الاجتهاد إلى ما يشمل هذه المفاهيم وأمثالها.
ولنا من موضوع الحكم الإسلامي خير مثال وشاهد لذلك، فإنه لم يبحث إلّا في مرحلة التمهيد الفكري للثورة الإسلامية الإيرانية، وأيام ما بعد الثورة، وهو واحد من هذه المفاهيم المعنيَّة هنا.
وقد تنبَّه لهذا غير واحد من المفكرين الآخرين، وأبانوا عنه ودعوا إليه، منهم محمد أركون في كتابه «من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي» (1)، فقد عدَّ الثورة
________________________________________
(1)راجع: محمد أركون، من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ط2، ص 13.

[الصفحة - 47]


الإسلامية عاملًا مهمَّاً في تغيُّر الاجتهاد من طريق التوسُّع في مجالاته الحياتية والتوسُّع في آفاق نظرة الفقهاء لواقع الحياة المعاصرة.
وإني لأرى في ما تنشره الآن الدوريات الإسلامية، في إيران وغيرها، من بحوث ترتبط بموضوع تطوير الاجتهاد، تباشير خير لمستقبل زاهر نرجو تحقّقه قريباً.
أهداف البحث
يهدف البحث إلى تحقيق الأمور الآتية:
1 ـ بيان حدود ما ينطبق عليه عنوان الغزو الثقافي من هذه الكتابات المعاصرة ممَّا أشرت إليه، لكشف مفارقة الخلط بين ما هو صادر عن شبهة في مخالفته وأخطائه، وما هو صادر عن تعمُّد ذلك، وما هو صادر عن حسن نيَّة أراد أصحابه منه الصَّواب فكان الخطأ.
2 ـ تحديد نقطة الخلاف من خلال التَّمييز بين الثَّابت والمتغيِّر في الفكر الإسلامي، وأيُّهما الذي يدان به صاحبه إن خالف فيه.
3 ـ محاولة بيان الحكم الشرعي في الموقف من هذه الثَّقافة الغازية.
4 ـ محاولة بيان ما ينبغي أن يتبع عندما نريد مقارعة الفكر بالفكر.
5 ـ أمور أخرى تفهم من خلال قراءتنا للبحث.
والآن لنكن مع موضوع البحث، وهو «الغزو الثقافي المعاصر في ما نشر منه، من كتب وبحوث».
التَّسمية
في الغالب يُسمَّى هذا الزحف الثقافي بـ «الغزو الثقافي cultural invasion».
وقد يطلق عليه عنوان: «الغزو الفكري» ويعرف، أيضاً، باسم «الامبريالية الثقافية cultural imperialism».
وهذه الأسماء جميعها وأمثالها تلتقي عند مفهوم واحد هو الاستعمار الثقافي الذي قد يطلق عليه للتغطية عنوان «التطبيع الثقافي cultural harmonization».
________________________________________

[الصفحة - 48]


ولكي نتبيَّنه، بجميع أبعاده، نمهِّد له ببيان معنى «الاستعمار» وأنواعه، لأنه ولد في أحضان الجديد منه.
الاستعمار colonialism
كلمة «استعمار» ترجمة عربية لكلمة «colonialism» الانجليزية، ويردف بينها وبين كلمة «إمبريالية» التي هي تعريب على هيئة المصدر الصناعي لكلمة «imprialism».
وقد أصبح معنى الاستعمار، نتيجة شيوع ابتلاء كثير من الدُّول الصغيرة به، من المعاني المعروفة.
ومن خلال واقعه المعيش فإنه يعني التسلُّط القهري ـ أي بالقوة ـ من قبل دولة قوية على أخرى ضعيفة، بغية إخضاعها للنفوذ السياسي، أو من أجل استغلال ثروات الدولة الضعيفة، وهو ما يسمَّى بالتسلُّط الاقتصادي أو الاستعمار الاقتصادي.
وقد يكون الاستعمار عسكرياً، وقد يكون حضارياً وثقافياً.
وفي الغالب، تنحصر مظاهره في التسلُّط الاقتصادي والتسلُّط الدِّيني.
كما أنّه، في الغالب، يعمل على تغيير الهوية الحضارية للدولة المستعمَرة، لترتبط عضوياً بالدَّولة المستعمِرة، ويأتي هذا من طريق الغزو الثقافي.
وتعرّف «موسوعة المورد» الاستعمار بـ «نزوع الدولة الكبيرة إلى فرض سلطانها على البلدان الأخرى، والاحتفاظ بسيطرتها عليها بمختلف الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية».
كما تعرّف الامبرياليةَ بأنها «فرض دولة من الدُّول سلطانها على بلد آخر بوسائل سياسية أو عسكرية أو اقتصادية».
وفي «موسوعة الثقافة»: «لا يخرج الاستعمار، في حقيقته، عن كونه أحد مظاهر التسلُّط السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي أو الحضاري الذي تمارسه دولة على غيرها».
________________________________________

[الصفحة - 49]


وغالباً ما يكون الهدف من هذا التسلُّط هو الاستغلال الاقتصادي للدَّولة الخاضعة للسيطرة الاستعمارية، وتسخير إمكاناتها الطبيعية ومواردها البشرية، لرفع مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية للدولة صاحبة النفوذ الاستعماري».
أقسام الاستعمار
بعد أن تبينَّا معنى الاستعمار نحاول أن نستعرض أهم تقسيماته؛ الأمر الذي يساعد على إلقاء الضوء لكشف معنى الغزو الثقافي بصورة أجلى، وهو تقسيمه إلى: قديم وجديد، وذلك لأن الكثير من البلدان المستعمرَة في عصرنا هذا تعيش تحت وطأة الاستعمار الجديد المغلَّف بثوب الاستقلال الموهوم، ولأن الغزو الثقافي ولد في أحضان الاستعمار الجديد.
الاستعمار القديم.
وهو التسلُّط المباشر، وقد عرفه العالم القديم زمن قيام الامبراطوريات الكبرى ذات النَّزعات التوسعية من طريق الغزو العسكري، كالامبراطورية البابليَّة والامبراطورية الآشورية والامبراطورية الفارسية والامبراطورية الرومانية.
وقد امتدَّ هذا اللَّون من الاستعمار إلى العالم الحديث؛ حيث عملت الدُّول الأوروبية المعاصرة على إنشاء الامبراطوريات في مختلف أرجاء العالم.
فمنذ منتصف القرن الخامس عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر، استعمرت اسبانيا والبرتغال وفرنسا وانكلترا وهولندا بلداناً متعدِّدة بدوافع اقتصادية أو دينية، وقد أدَّى ذلك إلى حروب استعمارية كثيرة، وبخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم إن الموجة الامبريالية انحسرت بعض الشيء في أوائل القرن التاسع عشر لتعود في أواخره أشد وأقوى ممَّا كانت، وبخاصَّة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وروسيا واليابان، التي راحت تتنافس على احتلال المستعمرات في أفريقيا والشرق الأوسط والشرق الأقصى.
وقد أدى هذا التنافس إلى نشوب الحرب العالمية الأولى ثم الحرب العالمية الثانية بعد ذلك (2).
________________________________________
(2) موسوعة المورد: مادة imperialism.

[الصفحة - 50]


الاستعمار الجديد
إن وضعناه في مقابل الاستعمار القديم، يمكن أن نقول: إنه التسلُّط غير المباشر، أي أنه مغلَّف بغلاف الاستقلال الموهوم.
ففي «موسوعة المورد»: «الاستعمار الجديد neocolonialism ضرب مبطَّن من الاستعمار يتمثل في محاولة الدول الكبرى الاحتفاظ بسيطرتها العملية على المستعمرات السابقة، وذلك عن طريق بسط نفوذها الاقتصادي أو العسكري أو الثقافي عليها» (3).
وفي «موسوعة الثقافة» نقرأ: «والاستعمار الجديد ما هو إلّا أحد أشكال السيطرة الاستعمارية التي لا تعتمد على التحكم السياسي المباشر أو التواجد العسكري الواضح، ولكنه يقوم على السيطرة الاقتصادية والاجتماعية» (4).
وفي «معجم المصطلحات السياسية والدولية» نقرأ: «الاستعمار الحديث neo colonsation: فرض السيطرة الأجنبية من سياسية واقتصادية على دولةٍ ما، مع الاعتراف باستغلالها وسيادتها دون الاعتماد في تحقيق ذلك على أساليب الاستعمار التقليدية، وأهمها الاحتلال العسكري، ويعتبر نظام المحميات والدول تحت الوصاية من أشكال الاستعمار الحديث.
كما يطلق على هذا الأسلوب الاستعماري مصطلح (الامبريالية الجديدة).
ويستخدم الاستعمار الحديث في تحقيق أغراضه وسائل خاصة لتحاشي المعارضة الشعبية الصريحة أو معارضة الرأي العام العالمي.
ومن ذلك عقد الاتفاقات الثنائية غير المتكافئة، وتكبيل الدول النامية بشروط تحرمها من حرية التصرف، وإقامة القواعد العسكرية والخ».
إن هذا التمهيد يُسلمنا ـ وبشكل واضح ـ إلى أن الغزو الثقافي هو وسيلة من الوسائل التي تستخدمها الدول الكبرى من طريق محو الهوية الثقافية للدول الصغرى من أجل الوصول إلى الهدف من الاستعمار، وهو تحقيق النفوذ السياسي والاستغلال الاقتصادي.
________________________________________
(3) المصدر نفسه.
(4) موسوعة الثقافة، ص 72.

[الصفحة - 51]


الغزو الثقافي
الغزو الثقافي مصطلح سياسي حديث وُلد في أحضان الاستعمار الحديث بعد الحرب العالمية الثانية.
ويرجع هذا إلى أن الاستعمار الجديد يركِّز، في أهدافه، على الجانبين المهمَّين في حياة أبناء البلدان الخاضعة لنفوذه، وهما: الجانب الاقتصادي والجانب الثقافي؛ وذلك من طريق استغلال الثروات بمختلف أنواعها لصالحه، ومحو الهوية الثقافية لتحل محلها ثقافته، وفي حدود ما يحقق له هدفه من فصل المواطنين عن ثقافتهم وربطهم بثقافته لتتم له استمرارية الإخضاع فالنفوذ الشامل.
والغزو، هنا، يعني زحف الثقافة الاستعمارية على ثقافة أبناء البلد المغزو كما تزحف العساكر الاستعمارية لاحتلال البلد المغزو.
أمَّا الثَّقافة فيراد بها ما يعطي لأبناء المجتمع ولكيانهم السياسي الهويَّةَ الخاصة المميِّزة لهما من سواهما.
ومن هنا يتمثل الهدف الاستعماري من الغزو الثقافي في محو الهوية الثقافية لمجتمع البلد المغزو ودولته.
فالمحو الثقافي cultural extinction هو هدف الغزو الثقافي.
ولا إخال أن في المسلمين، وهم يتابعون وسائل الاعلام على اختلاف أنماطها وجنسيَّاتها، من لا يدرك أن هناك زحفاً ثقافياً يستهدف الكيانات المسلمة في ثقافتها الإسلامية، في مجالات التعليم والتربية والإعلام وسواها.
وبعد هذا، وقبل البدء بالتركيز على نقطة المركز في موضوع البحث، علينا أن نفرِّق بين المفاهيم الأربعة الآتية، لنحدِّد بالضبط ما نعنيه بالغزو الثقافي، ولنبتعد عمَّا وقع فيه غير واحد من الخلط بينها، وهي:
1 ـ الغزو الثقافي cultural invasion.
2 ـ التبادل الثقافي cultural Accultvation.
________________________________________

[الصفحة - 52]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف