البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

علي حرب بين الاستلاب والارتداد

الباحث :  أ مختار الاسدي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  19
السنة :  السنة الخامسة خريف 1421 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  1418

علي حرب بين الاستلاب والارتداد

‏ الأستاذ مختار الأسدي (*)

ارتأيتُ أن يكون عنوان هذا المقال، كما تراه، هجومياً مثيراً يُحاكي، في إثارته وهجوميته، عنوان كتاب الأستاذ علي حرب: «الاستلاب والارتداد»، ويُناغي عنوان مقدمته الجميل المعبّر: «اللَّاهوت والاستلاب» الذي أحاول قراءته بالأدوات التي قرأ بها هذا الأستاذ «استلاب» غارودي و «ارتداد» نصر حامد أبي زيد أو بالعكس، لا فرق.
وأقول: لا فرق، لأن الأستاذ حرب راح يرتّب رؤيته في هذا الكتاب، وغيره من الكتب، وفق منهج نصِّي نقدي ما انفك كغيره ممَّن انتقدهم أو نقدهم، يستحضر «حقيقته» ويُشغّل «لعبته»، ويمارس «متعته» الكلامية والخطابية (1).
وأقول لعبته لأنه راح يوضح «لا لا لهوتيَّته»، ويبني أفكاره وأفهامه وأطروحاته على هذه «المنطوقات» أو «الملفوظات» ببراعة وروعة وبلاغة، كانت تحسب للنقطة والشدّة والضمّة حسابها، وبإحكام وأحكام يستحقّان الثناء والإعجاب، ودقّةٍ وعمق يستحقان التقدير والاحترام، مضافاً إليهما ثقة عالية بالفكرة المطروحة والرأي «المنقود»... ثقةً تنمّ عن وضوح كامل لما أراده أن يُطرح أو يُجرح أو يُجترح أو يُهتك أو يُوضّح أو يُؤوّل أو يُفضح... حسب تعبيراته ومنطوقاته طبعاً..
باختصار شديد، قرأت كتب الأستاذ علي حرب الثلاثة، في نقده لـ «الحقيقة، والنص، والاستلاب» فوجدتُه شأنه شأن الكثيرين من المفكرين والمثقفين المعاصرين الذين يضعون «الأسماء» ويُسمّون المسمَّيات، ويروحون يبنون صروحهم، أو صروح مفاهيمهم وخطاباتهم، على أساسها، «فيلعبون بالنصوص
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)يقول علي حرب: «ليست خياراتنا سوى استراتيجيات نمارس خلالها لهونا ولعبنا»، ويضيف: «أنا لستُ صاحب مشروع ثقافي، ولستُ داعية إلى تثقيف الغير أو تهذيبه أو تحريره.. الكتابة هواية أمارسها وأستمتع بها، وعليّ أن أتقن هذه الهواية، بل هذه اللعبة..». راجع كتابه: (نقد الحقيقة) ط2، سنة 1995، المركز الثقافي العربي، ص 139.

[الصفحة - 218]


ويتمتعون ويشتغلون» ويحترقون ويَحرقون، ولكن بجاهزية وحضور لا تحسّ معهما أي انحياز أو ذاتية أو فردانية إلَّا بعد إتقان قدراتهم على استخدام نصوصهم نفسها، وإبداعهم ومناورتهم في توجيهها وتأويلها، شأن جميع الكلمات والأسماء والمسمَّيات، وكما يقول حرب نفسه: «شأن كل الأسماء والكلمات التي تشهد على التباس القول، ومحنة المعنى، وإشكالية الحقيقة» (2)، وبخاصَّة حين يعتقد هذا المثقف «أنَّ الكلام كلما كان أكثر حَجباً للحقيقة، كان أكثر قوة وصموداً، ومن ثم أقدر على إظهار حقيقته وفرض نفسه» (3).
أضع هذه الكلمات والعبارات والأقواس والنصوص، وأنا أحاول استنطاق كتابات الأستاذ علي حرب مركّزاً على كتابه المذكور «الاستلاب والارتداد» آملًا ـ كما يحبّ ويرغب ويقاتل و«يناضل» ـ ألّا أكون واحداً من «سدنة» الحقيقة المتعالية، ولا حارساً من حرّاس العقائد، ولا فرداً أو ذاتاً أو كينونةً أو وجوداً من اشتقاقات «كانت»، أو تشظِّيات «ديكارت»، أو هوامات «غارودي»، أو حفريات فوكو أو مربّع باديو.. أو.. أو.. أو.. ممَّن استغرق حرب فيهم وأبدع وابتدع، ولا مؤدلجاً أيضاً من مؤدلجي النصوص الذين يعبدون «الجثث»، ويتكلمون من «عل»، ويمارسون «امبريالية المعنى» والمخاتلة بالنص، ويخفون حقيقتهم المتعالية بالحديث نيابةً عن «الحقيقة المتعالية» فعلًا، ممَّن تناوشهم حرب بمنهجه النقدي المتين... كما أرجو ألّا «يحشرني» حرب مع الذين حشرهم في نقده ممَّن يتحدّثون بناسوتية لا تخلو من لاهوتية، وأحادية تزعم الحيادية، وواحدية نابعة عن مطلق أو مطلقات، بدءاً ـ كما سنرى ـ بحسن حنفي وأركون، مروراً بالجابري والعظم والنيهوم، وانتهاءً بمحمد عمارة وغارودي وأبي زيد، ولم ينجُ منه حتى تقي المدرّسي والخميني والخامنئي وحسن الترابي والقاضي فاروق عبد العليم (4) الذي قال إنه «موجود في كل مكان، وتشهد على ذلك معاركنا الثقافية التي نخوضها ضد بعضنا البعض بعقلية اصطفائيةٍ فاشيّة..» (5).
أقول: آمل، وآمل فقط أن لا أصل إلى ما وصل إليه الأستاذ حرب، أو غرق فيه، أي لم يصل، رغم إبحاره المغامر، فبقي طافياً ـ كما رأيتُ ـ حالًّا أو متحلحلًا في حيّز أو «مزيحاً» لحيِّز ـ كما يحلو له أن يقول ـ ناسفاً كل الكتب السماوية
________________________________________
(2) الاستلاب والارتداد، علي حرب، الطبعة الأولى، 1997، المركز الثقافي العربي، ص 9.
(3) نقد الحقيقة، ص 2.
(4) الذي قاضى الأستاذ والمفكر نصر حامد أبو زيد في القاهرة.
(5) الاستلاب والارتداد، ص 107.

[الصفحة - 219]


ومرسلها ورسلها، بصدقٍ لا أظنه مفتعلًا، وإخلاص لا أظن فيه شائبة، وبحثٍ جادّ عن شيء يفتقده أو يريد الوصول إليه، وهذاحسن ظنٍّ لا أريد أن أتماهى معه إن شاء الله ، فتراه أثناء ذلك يهزّ كلّ «الثوابت» ـ على الأقلّ المعروفة المتداولة ـ وينسف جميع «الحقائق» المتّفق عليها جدلًا، ويهتِك حجُب جميع النصوص المهتوكة فعلًا، ويروح يمارس «حقيقته» وحدها التي لا يريد أن يضع لها «لام التعريف» أو يخطّها «بالقلم العريض» لكي لا تختلط بتلك الموضوعة أو المخطوطة..
فلا حقيقة بمفهومها اللاهوتي عنده، ولا حقيقة متعالية بقالبها الناسوتي المصطنع المؤدلج، ولا نصّ بلا مخاتلة أو مماهاة أو تماهٍ، ولا معنى إلّا ويخفي معنىً آخر وراءه ويستتر بنصه أو نصيّته، أو كما يقول: «ليس النَّص نصَّاً على المعنى والمراد بقدر ما هو حيّز لممارسة آلياته المختلفة في الحجب والخداع والتحوير والكبت والاستبعاد» (6).
وأكثر من ذلك:
«إن كل نص يحتاج إلى نص آخر لإيضاح ما غمض منه، أو تفصيل ما أُجمل، أو تحرير ما اختلط، أو فك ما استغلق أو تأويل ما اشتبه..» (7).
خلاصته وحصاده
يرى الأستاذ حرب ـ في نقده، كما قرأته ـ كلّ لاهوتٍ ـ مُنتَج من ناسوت، وكل ناسوت منبثق عن لاهوت.. الكل يمارسون «الخداع والتضليل»، أو يعيشون «العماء الأيديولوجي» الذي يمارسه «من يقولون بوحدانية المعنى وتعالي الحقيقة، فيما هم لا يعملون في مقالاتهم ومساعيهم إلّا على انتهاك الكلمات والخروج على الدَّلالات جرحاً وتعديلًا، أو ابتداعاً أو تأويلًا..» (8).
كلمة الإسلام، حسب تحليله النقدي ـ نعم «كلمة الإسلام الواحدة تجمع بقدر ما تفرّق» عنده طبعاً، وغارودي، لاهوتي أدخل ناسوتيته في لاهوتيته، فصار منظّراً بدل أن يكون مفكّراً، وسادناً بدل أن يكون فيلسوفاً، وحامد أبو زيد ناسوتي أدخل لاهوتيته في ناسوتيته خداعاً وتقيّةً وضعفاً أمام «الإرادة البربرية» التي حاكمته
________________________________________
(6) نقد الحقيقة، غلاف الكتاب ومقدمته.
(7) المصدر نفسه، ص 12.
(8) الاستلاب والارتداد، ص 10.

[الصفحة - 220]


«بتعصّبها الأعمى وعُنفها الفاحش». وأحمد بن بلّا الذي يقول «إن قرار فصله عن زوجته يتعارض مع سماحة الإسلام، ويصطفّ مع أولئك الذين يمارسون خداع الذات والغير..» (9).
صادق جلال العظم، كان أو صار «لاهوتياً معادياً للواقع والتاريخ على عكس ما يُعلنه ويُصرّح به في خطاباته» (10).
«الجابري يُنشى علاقة مع الغيب، ويحاول في الوقت نفسه أن يسوّغ لا معقوله بوسائل عقلية وأدوات منطقية» (11).
أراكون «لا يُنجز قراءة معيَّنة، ولا يؤسس ميداناً علمياً، ولا يتبنَّى منهجاً معيَّناً، بل هو على العكس من ذلك، يختار (المنهجية التعددية) ذات الاختصاصات المتداخلة». ومن هنا ـ حسب قول حرب طبعاً ـ «الميوعة أو الانفلات المنهجي الذي تتسم به كتاباته العلمية» (12) ولم يشفع له برنامج عمله في «تشكيل معرفة معادية للخداع والأسطرة والأدلجة والتقديس» (13).
أما حسن حنفي (الثائر المستغرب) ـ كما عرّفه حرب أيضاً ـ فإنه متأثر بفلاسفة الغرب منبهر بهم، بحيث يضع أسماءهم في متن نصوصه، فيما يضع العرب في هوامشه، ولكنه «يقدّم نفسه فقيهاً من فقهاء المسلمين، يجدّد لهم دينهم، وهذا هو الفصام بعينه، الفصام بين اللفظ والمعنى، وبين الدالّ والمدلول، بين العبارة وواقع الحال.. وكأنه قدر محتوم على الفيلسوف المسلم من ابن رشد إلى حسن حنفي أن لا يستطيع نقد العقائد والمذاهب إلا باسم الدين نفسه» (14).
وهكذا الصادق النيهوم، في كتابه «الإسلام في الأسر»، «متماهياً مع موروثه وتأريخيته (سلفيته) يبني أوهاماً بين المسجد والجامع يريد إرجاعنا إلى القمقم والقوقعة الأصولية وسلطة السلف والنص والعقائد الموروثة...»، وباختصار.. إنه «أسير إسلامه وليس العكس» (15).
محمد عمارة هو الآخر، والرؤى كلها لعلي حرب، «يرفض أن يكون المنهج العرفاني طريقاً للتديّن، فيما التدين نفسه يقوم على الوحي الذي هو الوجه الآخر للكشف والإلهام...» (16).
________________________________________
(9) جميع العبارات المحصورة بين مزدوجين في هذه الفقرة وردت في كتابه المارّ الذكر (الاستلاب والارتداد) ومفاد غيرها كذلك.
(10) نقد النص، ص 150، و «اللاهوتي هنا حسب دلالتها في نص الكاتب طبعاً، وليس حسب دلالتها العُرفية الشائعة».
(11) المصدر نفسه، ص 120.
(12) المصدر نفسه، ص 85.
(13) المصدر نفسه، ص 67.
(14) المصدر نفسه، ص 30.
(15) المصدر نفسه، ص 169.
(16) المصدر نفسه، ص 172.

[الصفحة - 221]


والنتيجة، والحصاد، والحصيلة، وبالعنوان العريض في كتاب علي حرب العريض «نقد النص»: «خطاب عربي أيديولوجي يشهد على سقوطه» (17).
فقط وفقط، الذي نجا من هذه السهام الحارقة الخارقة، الدالّة، الجريئة، هو القاضي محمد حسن الأمين الذي «حذّر بجرأة من خطر الحق الإلهي المسلّط على الرؤوس..» (18).
وهكذا يستمر الأستاذ علي حرب بلا كلل أو ملل، أو قل لا ينفك، أو لا يفتأ، يمارس «متعته» الخطابية والكلامية والفلسفية النقدية، ويشتغل بالنصوص على النصوص، ويضرب النصل على النصل غيرَ وجِلٍ ولا هيّاب ـ وإنْ أخفى ما أخفى ـ وراء النص الذي يعشقه ويؤكّد أن قوته في احتجابه، لا في مباشرته، و «كلما ازداد الحَجْب ازداد إمكان الكشف وتنوّعت احتمالات القراءة»، وهذا يعني ازدادت متعة «كشف المحجوب» أي «كشف الأوراق المستورة، أو المستندات السرّية» ـ حسب تعبيره ـ لينتهي متغنِّياً مسروراً بهذه «اللعبة المتعة» أو «المتعة اللعبة» (19)مترنِّماً بقول الشاعر:
ولا تحسب مقال الرُّسل حقّاً ولكنْ قول زورٍ سطّروهُ
وكان الناس في عيشٍ رغيدٍ فجاءوا بالمحال وكدّروهُ (20)
في صميم اللُّعبة
لم أردْ بهذا المسح الاستعراضي السريع لبعض آراء الأستاذ علي حرب أن أحسِب نفسي متجرّداً أزعم الموضوعية في قراءتي له ولنصوصه التي يختفي وراءها، لأنه عميق وعميق جداً في تمثّله للنص واستنطاقه له والتنقيب في مخفياته و «مستنداته السريّة»، ولم أحاول استعداء المذكورين عليه، لأن الرجل واضح وصريح وهو يقتحم أو يتقحم نصوص الآخرين باقتدار وشجاعة ينالان الإعجاب والتقدير، كما ذكرنا.
كما لم أرغب في محاكمته في مرافعة «بربرية» ربما تضطره هو الآخر «أن يقف» مدافعاً عن نفسه «تقية وخداعاً» أيضاً، كحال «صاحبنا» أبي زيد الذي دافع عنه «عن حريته طبعاً» وليس عن موضوعه، في زمنٍ أحادي يغلب فيه الضجيج على الوعي، والصخب على الرشد، وتطفو في بحره، بل في مستنقعه، الأسماك الميّتة،
________________________________________
(17) المصدر نفسه، ص 177.
(18) الاستلاب والارتداد، ص 57.
(19) هناك نصّ جميل أو نصّان في القرآن الكريم لعلهما فاتا الأستاذ علي حرب يقولان: «إنَّماالحياة الدنيا لعب ولهو»، ولكن النص القرآني هذا يُفيد التقرير لا الإقرار طبعاً، رغم اشتباك المعنى وتداخل الدلالة.
(20) نقد النص، ص 190.

[الصفحة - 222]


وتتحكم فيه لغة التحجّر والانغلاق والتقوقع والدوغمائية اليقينية المرعبة. وذلك لأني أتّفق معه تماماً في حربه على العقلية الأحادية المغلقة، وامبريالية النص البغيضة، واتفق معه في مواجهة الأدلجة، ولغة «التوحّش» والمخاتلة والانبهار بالغرب والعقلانية اللامعقولة، والقولبة، وأصحاب الأصالة الصافية، وأدعياء النقاوة العقديَّة، والاصطفاء، وتجار الهوية.. وباختصار شديد، أنا معه، معه، في حربه على الاستلاب والارتداد بكلا بُعديه الناسوتي واللاهوتي..
ولكني، في الوقت نفسه، لم أحاول أن أمارس «متعتي» الفكرية أو «المعرفية» على حساب «متعة» الرجل و «لعبته» وحبوره، فأستخدمُ نصوصاً حادَّة ربما تضعني في مصاف «السدنة» وخنادق «الدعاة» و «حراس العقائد» الذين حاول الأستاذ حرب الاحتراز من الاصطفاف معهم، بل استبعادهم، محاولًا التخلّص من ذلك بالحيادية المرجوّة أو الممكنة، رغم استحالتها، وإنْ راح هو نفسه هنا وهناك يكشف أو ينكشف عن أحادية أو لا معقولية غير ممدوحة هي الأخرى، وذلك بتوزيع اتهامات حادّة على الآخرين، جاءت بالتأكيد ردود أفعال على ما أسماه «الإرهاب الديني»، و«العنف المتوحش» فيقول:
«إذْ التنوير هو خروج المرء من قوقعته الدينية ونهوضه من سباته العقائدي..» (21). أفهم أنه يقصد بالدينية هنا، بُعديها الناسوتي واللاهوتي، فيما هو لا ينفك يؤكّد المرّة تلو المرّة أنه يقف في مواجهة صريحة ضد أولئك الذين يقولون بـ «القطع والبتّ»، ويضيف بوضوح كامل:
«ومن يعتقد أن بإمكانه طرد لا معقولاته أو تصفية أهوائه بالكليّة، لا يُحسن سوى تلغيم عقله»، وأكثر: «بهذا المعنى لا يبلغ المرء رشده العقلي، ولهذا فهو (المرء) لا يتوقف عن ممارسة فاعليته النقدية والتنويرية..» (22). وفي الوقت نفسه الذي يهاجم فيه «القوقعة الدينية» و «السبات العقائدي»، فينسى «ديمقراطيته» وحق الآخرين عليه و «ديمقراطيتهم» ويروح يقول:
«إن الديمقراطية تتنافى مع العقل العقائدي سواء كان هذا العقل دينياً أم غير ديني، إسلامياً أم غير إسلامي، يقوم على التوحيد أم على التثليث..».
________________________________________
(21) الاستلاب والارتداد، ص 12.
(22) المصدر نفسه، ص 15.

[الصفحة - 223]


ويُضيف: «فليس المهم المضمون العقائدي، وإنما المهم كيفية ممارسة الواحد لمعتقده، وطريقة تعامله مع أفكاره، أو طريقة أدائه لحقوقه..» (23).
إذن، وبكلمة، إن الأستاذ حرب ضدّ القَطْع والبتّ، وضد الاصطفائية التي يزعم أصحابها أنهم طردوا لا معقولاتهم وتحرروا من أهوائهم، ولكني أتساءل: كيف فسّر الأستاذ حرب استسلامه لهذه المسلّمة (مسلمته طبعاً) المارّة الذكر، «التنوير هو خروج المرء من قوقعته الدينية، ونهوضه من سباته العقائدي» ومن ثم القفز بعد صفحتين إلى القول الآخر:
«فمن ينطلق من فكرة مسبقة يريد التقدّم بها، لا يُحسن سوى التأخر عنها.. ومن يرسم نموذجاً كاملًا يُعمل على احتذائه يبق مقصّراً عنه.. ومن يعتقد بوجود حقيقة متعالية وثابتة في الماضي أو في المستقبل ويسعى للتماهي معها، لا يقوم إلا بالارتداد عنها وطعنها باستمرار...».
أكرّر: إن الأستاذ حرب لا يقصد بـ «القوقعة الدينية» اللفظة بحدّ ذاتها، بل كل «قوقعة» تنبثق من «حقيقة متعالية» حاضرة أو ماضية، دينية أو إلحادية، ولكن الإشكال يبقى قائماً كما نصّ هو عليه نفسه، أن «ليس بإمكان أحد طرد لا معقولاته أو تصفية أهوائه بالكليّة..».
أي، هل قدر هو على ذلك، أعني هل طرد أهواءه أو انطلق من حقيقة متعالية جديدة خلاصتها الادّعاء والقول، وحقيقتها الاختفاء وراء النص ومخاتلته أو المخاتلة به، وهو نفسه القائل مثلًا:
«إن الكتابة، أيّاً كانت مجالاتها، ليست همّاً معرفياً تنويرياً بقدر ما هي ممارسة سلطوية على القارى.. إنها استراتيجية متعدّدة يتداخل فيها المعرفي والسلطوي والعشقي والعصبوي والجمالي..» (24)، أي ليس كل من يدّعي الديمقراطية ديمقراطياً ـ كما يقول حرب ـ وليس كل بكّاء حزيناً، وليست كل نائحةٍ ثكلى كما يقولون...
هذا أوَّلًا، وثانياً: إنه يرى أن الاثنين: غارودي وأبو زيد يمارسان «الارتداد بسبب الشعور بالاستلاب»، الأول «من جانب حداثة الغرب المدمّرة» والثاني «من
________________________________________
(23) نقد النص، ص 125 و126.
(24) نقد الحقيقة، ص 140.

[الصفحة - 224]


جانب أصولية الإسلام الخانقة» (25). ولا يرى أن حكمه هذا على الرجلين ربما يكون تحاملًا أو اتهاماً أو دوغمائيةً أو تحميلًا، فيما نراه دائماً يؤكّد أن الموقف الصحيح هو أن يتخلّى المرء عن موقفه «اليقيني الدوغمائي» وأن يكون «ديمقراطياً»!!
أقول: هل نبعت رؤيته هذه من يقين أو أنها هي الأخرى رؤية قطعية مزاجية بتّية جازمة، مارس فيها «متعة النص» و «لعبة المعنى»!
فإذا كانت يقينيَّة، صار «دوغمائياً» هو الآخر، وإذا كانت ممارسة ممتعة، يكون الرجل قد شرنق نفسه، إذْ يمكن أن يكون الرجلان أيضاً قد مارسا «اللعبة» أو «المتعة» نفسها، والفرق بين الطرفين (أي طرف الرجلين وطرف علي حرب) أن الطرف الأول دفع ضريبة «لعبته» أو «متعته» اضطهاداً ومحاربةً وملاحقةً ومحاكمة «بربرية» بشكل واضح وصريح، فيما لم يدفع بعد الطرف الثاني هذه الضريبة، ربما لأنه أقدر على الاختفاء وراء النص أو أكثر قدرة على ممارسة المخاتلة في لعبة النص والنقد واللعب بـ «الحقيقة».. أو أنه أوتي حظاً في الانسلال من «العنف المتوحش»، أو هكذا توهمته، ربما ظالماً له أو مترحماً عليه... لا أدري..
وللإنصاف: إن واحداً من هذه الاحتمالات قد يكون صحيحاً، لأن «سدنة اللاهوت» و «حراس العقائد» لم يلتفتوا بعد إلى فبركته أو فبركاته «اللفظية» في اللعب على الحقيقة والنصوص، مع أنه يتّهم غارودي ـ انموذجاً ـ وفي مواضع عديدة: «أنه فبرك لنفسه صورة مثالية ونموذجية عن العقيدة الإسلامية»، مؤكّداً «أنها لم تترجم في يوم من الأيام أو عهد من العهود..» (26)، وأكثر من ذلك يقول:
«إنه (أي غارودي) فبركَ لنفسه صورة عن الإسلام لا مرتكز لها في التأريخ ولا في واقع الأمر، ولا في الأصول ولا في الفروع...» (27).
بل ولا حتى في عهد النبوّات ـ كما سنرى ـ التي لم يستطع، أو لم يجرؤ، أحد حتى الآن، لا من القدماء ولا من المحدثين، على إنكار ذلك، أي إنكارها بوصفها تجربة معرفية عظيمة، وممارسة إنسانية وعملانية رائدة..
أؤكّد «عهد الأنبياء» وليس الأوصياء أو الخلفاء أو الصحابة أو الحواريين، أو
________________________________________
(25) الاستلاب والارتداد، ص 23.
(26) المصدر نفسه، ص 39.
(27) المصدر نفسه، ص 71.

[الصفحة - 225]


غيرهم، تنزّلًا لا تنازلًا، وبخاصَّة تجربة نبينا محمد الذي لم يتردّد الأستاذ حرب في أن يقول فيه ما نصه:
«كذلك النبي العربي، كان كغيره من الأنبياء قد ملك الدنيا وانخرط في صناعتها، وأنه أحبّ النساء والطيب، الأمر الذي تجلّى في سعيه لإقامة مدينة الصلاح على الأرض بإخضاع البشر وحمْلهم على التسليم بما أتاهم من لدن الغيب، والالتزام بشريعته، والطاعة له ولمن يخلفه بعده من خلفائه..» (28).
أو قولته الأخرى: «... فهو بشر مثل بقية الناس، كما جاء في القرآن، وقد عاش الحياة بقضّها وقضيضها، فقاد الجيوش، وفتح الفتوح، وملكَ البلاد وتزوّج وأعجب بالنساء (لاحظ) ولو كنّ متزوّجات كما يروي الزمخشري في كشّافه..» (29).
قفزة مخاتلة
لا أريد هنا أن أمسّ زرّاً حسَّاساً جدَّاً كما يفعل الدوغمائيون والتقريريون القطعيون، ولا أريد أن أقفز على أهواء اللامعقول عند جميع البشر كما يؤكد الأستاذ حرب.. ولكني أتساءل: هل هذا هو الوجه الواقعي للنبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) كما قدَّمه التاريخ؟! وهل هذه هي الصفحة الحقيقية «لحقيقته»!؟ «ملك، فاتح، معجب بالنساء، يُخضع البشر! يحْملهم على التسليم له ولخلفائه! يملك البلاد!! ويتزوج متزوجات!!» من دون أن يغوص في هذا النص ويقرأه قراءة «حربية» (نسبةً إلى علي حرب) ولو لمرّة واحدة، كما هو شأنه في قراءة النصوص وهتك الحجُب والكلمات؟!
أقول: هل هذا هو الوجه «النقدي» أو الذي يجب أن يُنقد للنبي فعلًا، وهو الذي قال ويقول للتاريخ إنه لم يؤذ نبي بمثل ما أوذي، وهل كان النبي يخفي وراء نصّه شيئاً للمخاتلة والمتعة واللعب؟ وهل كانت «نصوصه» فعلًا تختزن «مستندات سرية» وفيها «أوراق مستورة»، أو أنها كانت واضحة وصريحة ومباشرة، كما هي ممارسته وترجمته وإدارة ملكه! «خير الناس من نفع الناس»، «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»، «ولا لابن البيضاء على ابن السوداء إلا بالحق»، «و الله
________________________________________
(28) نقد الحقيقة، ص 61.
(29) نقد النص، ص 68.

[الصفحة - 226]


لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وكذلك نصّه الآخر: «المنتج الثقافي» ـ كما يحلو لحرب تسميته ـ: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» بل أكثر من ذلك:
{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} لاحظ! لا من موقع الإيمان، ولكن من موقع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وبعدها «وتؤمنون ب الله » (30).
غيض من فيض وقليل من كثير لا نريد الاستشهاد به وممَّا يعرفه الأستاذ حرب قبل غيره، وممَّا دفع النبي ضريبة «فتحه» ـ من فتح الفتوح المارة الذكر ـ جوعاً ومطاردةً وحذفاً وإقصاءً وشطباً ومحاولات قتل وتصفية وإبعاد واستبعاد، وهو الصادق الأمين قبل النبوّة، والمستقيم الرؤوف بعدها ـ بعد أن ملك الملك ـ بل لم يُمارس الملك حسب معنى المعنى عند حرب ـ إلا ضدّ أولئك الذين عملوا على تمييع تلك النصوص أو إجهاض محاولات تطبيقها على أرض الواقع، فساداً أو إفساداً، هوىً و «بربريةً»، «توحشاً» و «شرنقةً»، «انغلاقاً» و «جاهلية»، «دوغمائيةً» و «اصطفاءً» وكل ما حاربه حرب أو دعا ويدعو إلى محاربته اليوم وبعد اليوم إن شاء الله ..
أما دعوته الناس لطاعته وسعيه لإخضاعهم وحملهم على التسليم، والالتزام وتجييش الجيوش لذلك، ووو... وإعجابه بالنساء والطيب، و.. و... لم تكن إلا لتفعيل تلك المبادى ومحاربة تلك البربرية أو ترويضها، وممارسة تلك «المتعة» المعرفية والعملانية، هذا، إن كانت متعةً فعلًا، ولم تكن رسالةً وهدفاً ودعوةً وفهماً ونظريةً ورؤيةً تستحق التقدير أكثر مما تستحق التعريض، ثم التعريض المختفي وراء الزمخشري، والمستتر خلف الماوردي.. (31).
وبعد الانجرار إلى هذا المأزق الذي صنعه الأستاذ حرب لنفسه مع الأسف، وتشرنق فيه، في قراءته العاجلة للنبوَّات، وكيف أنها أنتجت بولس الرسول «لاهوت للسيطرة»، (حسب تعبيره) وأنتجت واقعاً من ظواهر، أن خلفاء محمد هم «أول من
________________________________________
(30) لاحظ منطوق الآية الكريمة: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ب الله .
(31) راجع النص في (نقد الحقيقة)، ص 61 «وكيف عاش الأنبياء ملوكاً وماتوا ملوكاً».

[الصفحة - 227]


خرج على شريعته وظلمَ أهل بيته» (32) من دون استنطاق أو قراءة أهل البيت أنفسهم الذين تم الخروج عليهم فعلًا، وهل يمكن حسابهم أو احتسابهم في صف «المرتكز» الذي حاول حرب تجاهله، أو «الترجمة» التي حاول تسفيهها، أو «الأصل» الذي حاول نسفه!! (33).
أي هل من الإنصاف أن يُحمّل غارودي جريرة «تهويماته أو هواماته» في هذه التجربة، فيقال عنها: «إنها لم تترجم في يوم من الأيام» أو «إنها صورة مفبركة لا مرتكز لها في التاريخ، ولا واقع في الأمر، ولا الأصول ولا الفروع...»!!
أليس خطأً أو شطحة من شطحات علي حرب وهو يستحضر جانباً من جوانب النبي ـ على فرض صحته ـ ويستبعد جانباً آخر، وهو القائل:
«ليس الخطأ مجرد نقيض للصواب، بل هو ما يَسكُت عنه الخطاب، أو يستبعده أو يُهمّشه..»(34)؟!
مقترح جيد، ولكن!
أقول: بعد هذا الانحياز أو الإزاحة أو الانزياح، يقدّم الأستاذ علي حرب المقترح العلمي الآتي:
«الأجدى أن يُعيد النظر في التعامل مع الأصول والنماذج؛ بحيث نقرأها قراءة جديدة لا تقوم على نفيها والقفز فوقها، إذ ذلك جهل وعبث، ولكن لا تقوم في المقابل على استعادتها والتماهي معها، إذْ ذلك وهمٌ وخداع..» (35).
ولكن كيف؟! هذا ما لم يوضّحه الأستاذ حرب، وهو يضع نفسه مع الصف الذي يدين «التحامل والتخوين والإدانة والإلغاء» مشكوراً طبعاً ـ وينسى في خضمّ «لعبته» وتحامله هو وتخوينه وإدانته وإلغائه لتجربة النبوّات وترجمتها، فيتحرّق مخلصاً وصادقاً طبعاً على «جحيم الحرب في أفغانستان» و «ذبح الكتاب في الجزائر» و «تطليق» أو محاكمة أبي زيد، وأزمات طه حسين وفرج فودة ونجيب محفوظ، ولكنه ينسى في حمأة تحرّقه أيضاً وألمه أنه لم يقف على الأرض التي كان رجالها هم السبب في جميع تلك المذابح والمحارق والمحاكم، لا سيما حين راحوا
________________________________________
(32) نقد النص، ص 40.
(33) أي لماذا لم يحاول حرب قراءة هذا الوجه الناصع المعارض الذي جسّده خلفاء محمد من أهل بيته ضد خلفائه الرسميين الذين سفّه علي حرب تجربتهم؛ وذلك حسب مقتضى العلمية والموضوعية والإنصاف ما دام أقرّ بذلك.
(34) نقد النص، ص 138.
(35) الاستلاب والارتداد، ص 41.

[الصفحة - 228]


يمارسون «اللاهوت الديني» الذي جهل أو يجهل استقلاليته، وجحد أو يجحد «دهريته ودنيويته»، لا سيما حين يُسفّهون عقائد الناس الآخرين «بلاهوتية» مفرطة في «القطع والبتّ»، وينسفون لا معقول الآخرين أيضاً الذي يستحيل التخلّص منه، كما يرى حرب، بلا معقولهم هم الدوغمائي الأحادي المغلق، فينسون قولتهم «العظيمة»: «لا يخلو عقل من لا معقوله» (36) وهم لا يفتأوون، في كل هذا التسفيه والشطب والإلغاء والتهميش للآخر، يردِّدون ما يردّده حرب دائماً:
«إن النقد فاعلية فكرية وممارسة وجودية، وليس انشغالًا بالإدانة والتجريح، أو تلهّياً بالثناء والمديح..» (37).
هل التسوية مستحيلة فعلًا؟
هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذا كان الأستاذ علي حرب يستكثر على «أبو زيد» مثلًا خطابه أو خطاب الدفاع عنه «بأنه مؤمن مسلم لا شك في إيمانه وإسلامه»، لأنه، حسب تعبيره ـ بهذا الخطاب «يناهض الأصولية ولكنه يقف على أرضها»، ويؤكّد أن ذلك «سذاجة وخداع للذات والآخر وتضليل»، فكيف يستطيع هو نفسه أن يكون غير ذلك؟ أي «لا لاهوتياً» أو «تنويرياً» حسب زعمه، وهو لا يفتأ يكرّر: «إن الإسلاميين قوى خرافة وأساطير وتهويمات»!
بكلمة أخرى: كيف يمكن أن يتحرَّر من «لاهوتيته وأهوائه»، وهو يدين الآخرين بـ «لاهوتيتهم»؟! وأنهم «قوى الخرافة والأسطورة وقتل العقل»، ويزعم أنه ومن يقف على أرضه «العملانيين العقلانيين المتنورين» الذين يقفون مع «قوى التقدّم والعقل والحرية»!
فهل بعد هذا التجريح تجريح؟! وهل بعد هذا الثناء والمديح، ثناء ومديح؟!
وبشكل أقسى وأوضح: كيف يمكن أن نخرج من هذا المأزق الذي أوقع علي حرب نفسه فيه، وأوقعنا معه (المأزق اللاهوتي الوحداني الدوغمائي بكلا بُعديه الديني والإلحادي)، وبخاصَّة حين راح يقول وبضرس قاطع:
«إن محاولة تأويل الدين واستخدامه من قبل العلمانيين لا تخدم إلّا أهله (38)،
________________________________________
(36) نقد النص، ص 122.
(37) الاستلاب والارتداد، ص 83.
(38) قاصداً بذلك حسن حنفي والجابري وأركون وأبو زيد وغيرهم.

[الصفحة - 229]


أي الجماعات الإسلامية، وبالتالي فإن التسوية مع المؤسسة الدينية مستحيلة إلّا إذا غُلبت على أمرها، كما حصل للكنيسة في الغرب... أي ما دامت تمارس السلطة والعمل التاريخي باسم الغائب المقدَّس، وتتستّر على دنيويتها وجحد دهريتها..» (39).
أقول: إذا «قطع» حرب باستحالة التسوية، و«بتّ» بدنيوية الآخر ودهريته، ودعا إلى استبعاده وتهميشه، إنْ لم نقل تهشيمه (غُلبت على أمرها)، فكيف يمكن أن ينتظر من الآخر القبول به وبنقده ونصّه وغائبه المقدس الذي يؤكد «أنه من قوى العقل والحرية» فيما صاحبه الآخر «من قوى الخرافة والأسطورة»؟!
أليس هذا «شرنقةً عقائدية» حسب تعبير الأستاذ علي حرب؟ ولاهوتية مفرطة تنسى عقل لا معقولها أثناء مخاتلة الذات بالكلام؟!
إننا تماماً مع الأستاذ «علي حرب» في رفض أية وصاية دينية لاهوتية أو علمانية «لاهوتية»، كما أننا ضد أية مرجعية عقديَّة سلطوية، دينية أو تنويرية، «فالحجة تقارع بالحجة، والمنطق يجابَه بالمنطق، وعقلانية تخترق عقلانية أخرى بقوة مفاهيمها وفاعلية نماذجها أو مصداقية مناهجها»(40).
ومن هنا أيضاً، وكما يقول حرب:
«لا أحد أولى بالإيمان من أحد»، ولكن في الوقت نفسه لا أحد أولى «بالجحود» من أحد، فكما يختلط الإيمان والجحود، والتُّقى والفجور والإسلام والزندقة ـ حسب تعبيرات حرب طبعاً، ونصوصه ـ وهي فعلًا كذلك (41) وكما لا يحق لسدَنة الإيمان تكفير غيرهم بعدم الإيمان بدينهم، لا يحق لسدنة الكفر تكفير غيرهم بعدم الإيمان بدينهم، ما دام كل ناسوتي لاهوتيّ وكل لاهوتي ناسوتي في دوغمائية البتّ والقطع، وجزمية لا معقولية العقل، كما يقول حرب طبعاً، وكما هو فعلًا من التنقيب خلف المختفي وراء النص، ومستنداته السرّية..
نقول: لا يحق لأحد تكفير الآخر في دينه، لأن الدِّين هنا هو المختفي وراء النص فعلًا وليس المخاتل به، أو المتماهى معه، أي «لكم دينكم ولي ديني»، وهذا ما أكّده اللاهوت الحقيقي في قوله تعالى: {قُلْ يا أيُّها الكافرون، لا أَعْبُدُ ما}
________________________________________
(39) الاستلاب والارتداد، ص 100.
(40) نقد الحقيقة.
(41) ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكّاها* وقد خاب من دسّاها قرآن كريم.

[الصفحة - 230]


{ تَعْبُدُون، ولا أنْتُم عابدُون ما أَعْبُد، ولا أنا عابدٌ ما عَبَدْتُم، ولا أنتم عابدُون ما أعبد، لكم دينكم ولي دينِ}{الكافرون/1 ـ 6}.
وحين يتحقَّق ذلك تصبح التسوية غير مستحيلة لا من منطلق أن يؤمن واحد بالآخر، وإنما تمثُّل ذلك أو التوفّر عليه، أو محاولة الاقتراب بالوقوف على أرض مشتركة أو حدود مشتركة يمكن بعدها أو عندها الحديث عن الأفضل وليس الأصحّ مثلًا، أي «الإيمان بالخالق العظيم، أم الانفجار الكبير» (42).
وبعبارة أدقّ «الإيمان ب الله أم الإيمان بالإيمان ب الله »، حسب تعبير الدكتور علي الوردي المعروف، أي أيُّهما أفضل قيادة الناس وجرّهم إلى الكفر ب الله وجحوده، أم قيادتهم واستدراجهم إلى الإيمان به واعتناق حبّه..
وبتعبير آخر، وكما يريد الأستاذ حرب، وبما أن «الإنسان العقائدي» ليس هو الحل المنشود «فلنسعَ إلى ابتكارٍ شعار أقلّ نرجسيةً وأكثر تواضعاً، أو أقلّ عقائدية وأكثر عملانيةً» (43) قد يتسع لنا وله وللآخرين بلا إدانة أو تجريح أو «تَلَهٍّ بالثناء».
ولكني هنا، أتساءل، وأتساءل فقط: كيف يمكن المراهنة على إنسانٍ «أكثر عملانيةً» أكثر من الرهان على إنسان «أكثر عقائديةً»!؟ وبخاصَّة إذا اتفقنا أن العقائدية «السليمة طبعاً» تنضح عملًا، فيما العملانية الخالية من العقائدية أقلّ نضوحاً أو نضحاً بهذه العملانية؟! لأن العقائدية تمنح عملًا وأملًا فيما لا تمنح العملانية إلّا العمل.. وعمل وأمل أفضل من عمل بلا أمل، أليس كذلك؟
هذا أولًا، وثانياً؛ أيهما أفضل للإبداع، الإنسان العقائدي المطعّم بالعملانية، أم الإنسان العملاني المطعّم بالعقائدية، أم كلاهما؟! أظن لا فرق، لأن كلاهما الأنمودج الأفضل بلا بترٍ أو اجتراح أو جدعٍ أوليٍّ أو طيّ، أو أو أو... مخاتلة أو تماهٍ أو مماهاة!!
وأظن أيضاً أن التسوية الممكنة وغير المستحيلة هي اعتراف الواحد بالآخر، وعدم ممارسة الشطب أو الحذف أو الزحزحة، عفواً والإزاحة «لأن الزحزحة لا بدّ منها ـ كما يرى الأستاذ حرب ونرى أيضاً» ولا بأي شكل من الأشكال، لا في النص، ولا في معنى النص، ولا في نقد النص ولا في «مفهوم النص»، ولا بالمختبى خلف
________________________________________
(42) الاستلاب والارتداد، ص 114.
(43) المصدر نفسه، ص 72.

[الصفحة - 231]


النص الملتف فيه أو المتماهي معه... ولعلّ الجزء الأهم في هذا التساؤل هو العودة إلى عقائدية «الخالق العظيم» أكثر منه إلى «عقائدية» «الانفجار الكبير».
بكلمة أخرى، إننا لسنا مع علي حرب حين يقول:
«الدين ليس أداة تحرير بقدر ما هو دعوة إلى الخضوع والطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر»(44) من دون دراسة هذا النص، أي فلسفة الطاعة لهؤلاء، ونقدها ومعرفة «مستنداتها وأسرارها»، ومن دون إتمام الآية {فإن تنازعتم في شيء...} أي من دون قراءة هذا النص وهذا النص فقط من قبل ناقدنا الكبير مع الأسف، وأخيراً الحكم عليه من ظاهره، وليس المختبى وراءه أو المتعسَّف فيه، والوقوف في الصف المقابل (صف العقل والنور والتنوّر والتنوير)، وربما التنوّر، لا ندري...!!
ونقول: التنوّر، لأن لكل شيء حدَّاً، ولكل معقول لا معقول، وبالتالي فلا بد من الاتّفاق على حدّ معقول فيه الحد الأقل من «اللامعقول» خشية الاندياح مع اللامعقول تحت شعار المعقول وخشية اليأس من عدم القدرة على إدراك «الحقيقة» بلام التعريف، أي المعرّفة باللام.
ولسنا كذلك مع الذين يقولون:
«الإسلام هو الحل»، ولكنهم يمارسون ما لا يريده الإسلام نفسه ولا يقره وإنْ قرّره، ويفترضون بل يفرضون وصايتهم على الآخرين لا من موقعهم المعرفي أو الواقعي أو العملاني أو النبوي أو القرآني أو الإسلامي (45) وإنما من موقعهم السلطوي السياسي اللاهوتي الدوغمائي، ويوحون للآخرين أنهم يستمدون شرعيتهم من «حقيقة متعالية» هي في الحقيقة حقيقتهم هم أو «حقيقتهم» المتوحشة البربرية العنيفة التي تشطب وتحذف وتزيح وتزحزح، أي لا تكتفي بالتزحزح وإنما بالإزاحة والإقصاء وبشكل لا يقل دموية أحياناً عن الآخر إن لم نقل أكثر منه في بعض المقاطع والأحيان.
القضية باختصار: إن «البعض» هم فعلًا، أو يمثّلون «قوى الخرافة والأسطورة وقتل العقل» و «البعض الآخر»، يمثلون أو هم فعلًا «يخاتلون الذات بالكلام» ويمارسون لا معقولهم كالمعقول تماماً، فيما هم يقولون: «لا يخلو عقل من لا
________________________________________
(44) المصدر نفسه، ص 64.
(45) أقصد بالقرآني هنا «النص الواضح الصريح» بلا التفاف أو التواء أو زحزحة أو إزاحة: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي {النحل/90} «لا إكراه في الدين»، لا سيما وأن القرآن نفسه كما يقول حرب «يستغرق في مفهومه، ومعناه الإسلام وليس العكس، وأنه يختلف عن التوراة والإنجيل لتفاضله الدلالي وفضائه التأويلي، وليس لاختلافه العقائدي عنهما».. أي أنك ـ والكلام لحرب ـ «تقرأ فيه كل الشرائع والعقائد، وهذا سرّه ومكمن إعجازه» راجع (نقد النص)، ص 87. وهكذا الإسلام في مفهومه العقدي الذي لا يخفى على الأستاذ حرب أنه دين الله «الدين عند الله الإسلام» وإنْ لم يقرأه قراءة (نقدية) مع الأسف ـ كما سنرى ـ..

[الصفحة - 232]


معقوله» (46)، وإذا قُيّض لهم ـ لا نقول انفعالًا ـ إذا لم يُغلبوا على أمرهم ـ فإنهم يذبحون الإسلاميين في الجزائر كما تُذبح الطيور ـ وقد فعلوها ـ فيأتي رد الفعل أن يذبح الإسلاميون «الكتّاب» كما تُذبح الخراف، وهذا على سبيل المثال لا الحصر طبعاً، ولا للاستعداء أو الاستقواء، أو ما صار أو ما هو صائر حتى كتابة هذه السطور.. بلا مزاعم (ديمقراطية) أو ادعاءات رحمانية أو تهويمات «حربية» (47)!!! أو دعاوى أمريكية أو إمبريالية أو غير امبريالية!
الثورة الحقيقية فعلًا ـ كما يقول حرب ـ «هي الانتصار على الذات» (48) وعدم مخاتلة الذات بالكلام ـ نعم حتى بالكلام ـ فربّ شرارة أحرقت سهلًا وربّ كلمة أشعلت حرباً، ولعل أول خطوة على الطريق السليم، وكما يقول الأستاذ حرب أيضاً وبلا تحفّظ:
«أن نعيد النظر في ترسانتنا الفكرية، فلا يجدي نفعاً أن نفكر بعقلية الرسالات القديمة ولا بعقلية الأدلوجات الحديثة، لعلنا نحتاج إلى نمط جديد من التفكير، بل إلى تعامل جديد مع الفكر والواقع في آن» (49)، لكن كيف؟!
هذا هو ما تركه علي حرب، ونترك بابه مفتوحاً أيضاً، لعلّنا نهتدي إلى كوّة أو نافذة، قد ينفتح لنا منها ثقب صغير، لإضاءة هذا النفق المظلم المسدود، وربما سنعثر على هذا الثقب أو عود الثقاب في استكمال هذا الحديث، وفي الكلمة الأخيرة التالية...
أزمة الأستاذ علي حرب ـ كلمة أخيرة
يمكن أن تكون أزمة الأستاذ علي حرب، في قراءته للنصوص، ناشئة من أزمته السياسية قبل الفكريَّة، وإن كان هذا المعنى مختفياً تماماً ومستتراً ويحاول حرب وضعه في مدار بعيد وبعيد جداً عن هذا الفهم، ويمكن أن تكون أزمته ناشئة أيضاً عن مسألة نفسية أو فلسفية من غير السهل تفكيكها أو الاعتراف بها، لأنه يظهر أو هكذا يُظهر نفسه (في نصوصه) أنه فوق الأزمات وفوق التحديات وأعصى على الضعف وأقوى على الاعتراف بحقيقة، لا بد له من أن يضع لها «لام التعريف» أو يكتبها «بالخط العريض»... لكي ينسجم مع نفسه ونصوصه وأطروحاته..
________________________________________
(46) نقد النص، ص 122.
(47) نسبةً إلى (علي حرب) هذه المرة، وهذه المرّة فقط مع التماس الاعتذار.
(48) نقد الحقيقة، ص 54.
(49) الاستلاب والارتداد، ص 82، وهذا ما اصطلح عليه في الفقه الإسلامي المعاصر فلسفة الفقه أو ما وراء الفقه، أو مقاصد الفقه، أو دراسة الزمان والمكان في تحليل الفقه أو تجديده.

[الصفحة - 233]


أحاول تلخيص هذه الأزمة بسطور مقتضبة ومضغوطة جداً، وأرجو ألا تأتي مبتسرة أو متعالية أو جازمة أو «امبريالية» أو قاطعة.
في نقده لـ «غارودي» ـ مثلًا ـ الذي أكّد «بعد استلابه أو ارتداده» طبعاً أن البدايات كانت عظيمة ولكن التشويه أو التحريف جاءا كبيرين جسيمين بعدئذ، يرى علي حرب أن هذا الفصل «المتعسف» بين البدايات والنهايات، أو بين الأصل النقي ـ المزعوم ـ برأيه طبعاً ـ ونُسخه المزيّفة يُفضي إلى الاستبعاد والإلغاء، أي إلغاء حقائق التاريخ واستبعاد المختلِف المغاير ويؤكد أنه لا أصل، ولا نقاوة ولا صفاء ولا اصطفاء ولا بداية عظيمة ولا نُسخ مزيفة ولا نصّ أصيل ولا نبوّة عظيمة ولا حقيقة متعالية ولا هم يحزنون، وأن ذلك كله تحميل وتأويل، ونسْخٌ وتزييف، ولعبٌ بالنصوص، وتوظيفٌ للمعنى، و... و...
ويقول بالحرف الواحد: إنّ «مآل الفصل بين البدايات العظيمة والنهايات الكارثية: يُفضي إلى أو يُراد منه «الدفاع عن أساطير الأولين لإدانة أساطير المحدثين، والتستّر على المشكلات اللاهوتية بإدانة الممارسات البشرية... إنه استبعاد الإشكال الأعظم من دائرة الضوء..».
ولا يتردّد في تعريف هذا الإشكال الأعظم أو توصيفه بقوله:
«إن هذا الإشكال يتمثل في محنة المعنى بأشكاله الدينية الثلاثة وتأويلاته اللاهوتية المختلفة: الإله الذي يختار شعباً معيناً يعتبره شعبه المختار {أي إله موسى وشعبه}، والإله الذي يتجسد ويولد ثم يُصلب ويُبعث {أي إله عيسى وقومه}، والإله الذي يخلق إنساناً يعلم أنه يسفك الدماء ويُفسد في الأرض لكي يضعه موضع الامتحان والبلاء..» (50) {أي إله محمد وأمته}، ناسفاً الأديان الثلاثة طبعاً اليهودية والمسيحية والإسلام، غير هيّاب ولا متحفظ إلّا بإضافة عبارة أخرى في الهامش علّق فيها على هذه الإشكالات الفضائح (إشكالاته هو طبعاً) هي:
«هذه الإشكالات أشبه بفضائح أو مفارقات لاهوتية ثلاثة». وحين تشتد أزمته «السياسية» والفكرية والروحية يروح يؤكد في الهامش طبعاً: «... وعلى كل حال،
________________________________________
(50) الاستلاب والارتداد، ص 60.

[الصفحة - 234]


فإن تاريخ الفكر (لاحظ) كما يكشف عنه نقده، هو تاريخ المفارقات والفضائح، سواء على جبهة الدين أو جبهة الفلسفة..» (51).
وبعد ذلك مباشرة، ينزلق انزلاقة واضحة، فيزيح معنى ويضع معنى آخر، متحاملًا على ما أسماه «تهويمات غارودي الروحانية» التي تحدثت عن «الإله الذي صار إنساناً» لكي «يصير الإنسان إلهاً» فيقول: «إنها خديعة الإنسان لنفسه عن مصدره ومآله الإلهي، أو عن حقيقته وماهيته المتعالية».
ويُضيف: «وهذه الخديعة لم تخفف يوماً من وحشيَّة الإنسان على امتداد تأريخه الحضاري ومسيرته التقدمية» (52).
وينزلق أكثر بعد عدة صفحات قائلًا:
«فغارودي الذي يعتبر القرآن كتابه ومرجعه يحدِّثنا عن شريعة إلهية واحدة وعن أديان متعدّدة، فيما الآية القرآنية تؤكد وتجزم (أن الدين عند الله الإسلام)»، متغافلًا وفي هذه المرّة فقط ـ كما مر ذكره ـ عن دلالة كلمة «الإسلام» هذه أو مدلولها، ومتعمداً عدم استنطاقها أو هتكها أو فضح مكتومها، وهو صاحب النقد والهتك والنقد والاستنطاق، بل صاحب القولة الشهيرة المارّة الذكر: «القرآن تقرأ فيه كل الشرائع والعقائد ويستغرق في مفهومه ومعناه الإسلام نفسه». ومن هنا قال أو يقول دائماً: «إن النص يخفي استراتيجيته ولا يُفضي بكل مدلولاته، ولهذا فأنا أذهب ـ والقول له طبعاً ـ إلى أن قوة كل نص هي في حجبه ومخاتلته، لا في إفصاحه وبيانه، في اشتباهه والتباسه لا في أحكامه أو إحكامه، في تباينه واختلافه لا في وحدته وتجانسه..» (53).
ولا نظنّه هنا لا يعرف كلمة «الإسلام» تشقيقاً واشتقاقاً، ملفوظاً ومنطوقاً، دلالةً ومدلولًا وبنص القرآن أيضاً وتصريحاته وفصاحته، لا بمخاتلته أو حجبه أو «تهويماته» أو تمويهاته:
{ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً..} {آل عمران/67}.
{يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار..} {المائدة/44}
________________________________________
(51) المصدر نفسه، ص 60، الهامش.
(52) المصدر نفسه، ص 61، ولا أدري فعلًا هل هو منصف أو موضوعي هنا أم لا.. وهل الجاهلية مثل الإسلام (البداية) وهل زمان فرعون مثل زمان موسى (الأصل)، وهل السيد المسيح وحوارييه الأوائل مثل النسخ المزيفة المعاصرة؟ وهل الأصل كالفرع، وهل الذي يهب نفسه لحقن الدماء وفداءً لها لا يختلف عن ذاك الذي يسفك الدماء ويفسد في الأرض؟! مجرد تساؤلات!!
(53) غلاف (نقد النص) ومقدمته..

[الصفحة - 235]


{قالوا آمنا ب الله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيّون من ربّهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} {آل عمران/84}.
وعلى لسان إبراهيم: {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك... وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} {البقرة/128}.
وأخيراً وليس آخراً: {ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين} {الحجر/2}.
وهذا يعني أن «الإسلام» استوعب جميع «العقائد والشرائع» في دلالته ومدلوله، واتسع في كتابه و «فضائه الدلالي»، لجميع المعاني والخطوط العريضة للعقائد.
الله م إلا في الشروح والشروح على الشروح، أي في التفصيلات والتأوّلات والتأويلات التي يعشقها علي حرب ويتمتع باللعب على نصوصها، لأنها في أبسط التفسيرات وأكثرها سذاجةً، اختلاف، والاختلاف حوار، والحوار نقد، والنقد تكامل، والتكامل رحلة ممتعة، وكلام ممتع ربما أعذب من التكامل نفسه ـ كما يقول هو نفسه، ويؤكد في كتبه العديدة.
أقول: إنَّ الأستاذ حرب المتخصص بنقد النصوص واللعب بها وعليها واكتناه مكنوناتها وهتك أستارها، لم يتكلف هذه المرّة ممارسة لعبته العظيمة في استنطاق كلمة «الإسلام» وكشف حجبها وحجاباتها، فنراه مع الأسف يخبط خبط عشواء في عدم توقفه أو تأمله «لشعب الله المختار» الذي هو ربما كل شعب أو أمة سلكت طريق «العدل والإحسان» بلا ماضٍ ولا تاريخٍ ولا مستقبل، وإن عنتْ شعباً معيَّناً. في تاريخ معين وحقبة زمنية معينة، لتقريب المعنى وتوضيح الدلالة ووصف المدلول، لأن هذا الشعب نفسه وبنصّ القرآن أيضاً، وبعد أن زاغ وانحرف، باء بغضبٍ من الله وحلّت عليه لعنات السماء:
{.. قال أتستبدلون الذي أدنى بالذي هو خير أهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم وضُربت عليهم الذلّة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق..} {البقرة/61}.
________________________________________

[الصفحة - 236]


أما الإله الثاني الذي يتجسّد ويولد ثم يُصلب ويُبعث، فلم يفرّق حرب عند «استنطاقه» بين النص والمعنى ومعنى المعنى والمختبى وراء المعنى، المستتر به، ولا بين لاهوته وناسوته الذي نراه ضليعاً تماماً بتأويله وتوجيهه، لو شاء، وليس المرور عليه بهذه الجدحة أو الشرارة أو قل «الإدانة الصارخة والتجريح الفاضح»، كما لا نظنه يجهل «تهويمات» بعض أهل العرفان في جميع الأديان وتوحيدهم وتثليثهم وثنائيتهم أو تثنيتهم المعروفة وشطحاتهم «الجميلة»:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أحببته أحببتني وإذا أحببتني أحببتنا
أو الأخرى:
مزجت روحك في روحي كما تُمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسَّك شيء مسّني فإذا أنت أنا في كل حال
ولا أراه أيضاً عاجزاً عن استنطاق النص الآخر الثالث والتنقيب في حفرياته والاشتغال على رمزيته، ولماذا خلق «الإله الثالث» إنساناً يعلم أنه مفسد وسفاك (عدا الأستاذ حرب طبعاً الفرع لا الشخص) وهل يمكن أن يُسعد حرب بغير فهم الأضداد والتمتع بكشفها «فالضد يكشفه زيفه الضد»، والاستئناس بجمال الكلام عنها وهو الذي يؤكد غير مرة أن الكلام عن حدث معيّن أحياناً أجمل من الحدث نفسه، أو كما قال بالنص:
«الكلام الجميل عن الحياة يصبح أجمل من الحياة نفسها وربما بديلًا عنها» (54) وأنه «ليس هناك أروع وأمتع من أن يقع الإنسان تحت تأثير امرأة تفتنه ويمارس سلطانه عليها» (55).
وأكثر من ذلك، وكما يقول أيضاً: «لا شيء يعوّضك عن التنزّه مع امرأة جميلة» (56).
ولكن هذا الإنسان أو «امرأته» نفسه هو السفاك القاتل الذي «احتجّ» حرب على «الإله» الذي خلقه، وعرّض به وبخالقه، ناسياً أو متناسياً أن جمال المرأة التي فتنتُه
________________________________________
(54) نقد الحقيقة، ص 131.
(55) نقد النص، ص 277.
(56) نقد الحقيقة، ص 139.

[الصفحة - 237]


وسُحر بها ما كان يمكن أن يكون أو يُعرف لولا قُبح الأخرى، وأن متعة التنزّه معها ما كان يمكن تذوّقه لولا جمالها الساحر المنبعث من قبح الأخرى السافر:
فلولا القبح ما عُرف الجمالُ ولولا النقص ما عُرف الكمال
وهذا واضح طبعاً، أي تسطيح المسألة أو تبسيطها، لو كانت جميع النساء جميلات لضاع الجمال أو لما بقي شيء اسمه «جمال». ولولا متعة هذا الجمال لما كان هذا السفاك المُفسِد «الممتحن المبتلى» هو نفسه المتمتع المتنزّه المفتون بالمرأة وجمالها وسحرها الذي يقدّم كتابه المهم لفاتنته ويهديه لها وباسمها وبالنص والحرف:
«إلى فاتنة،
بجُهدك أكتب وفي مداركِ أقع
إلى ماهر وعامر،
لكما أكون وإليكما أتطلّع»!!
فهلّا يعرف الأستاذ حرب أنه بصراع الأضداد هذا صار طعم الكمال لذيذاً، ومن قُبح الدنيا ومساوى أهلها صار الهيام بالآخرة عذباً، بل لولاها ما كان للآخرة معنىً أو لا يكون، كما لولا القبح ما صار للجمال معنى، ولولا النقص ما صار للكمال معنى «بل ما صار له نصٌّ»، ولولا النصوص ما صار للَّعب عليها وبها متعة، أي ما صار لها جمال أو كمالٌ أو لهو أو اشتغال أو أنس أو فتنة أو افتتان أو تطلّع أو سحر..
وبكلمة: لولا التدافع (57) لصارت الدنيا بائرة فاترة، والآخرة صمت ومقبرة أو بالعكس، ولما عشنا الأمل ولا عرفنا العمل، ولا تذوقنا طعم الكلام الجميل عن الحياة الذي هو «أجمل منها بل بديل عنها»..
نعم، وباختصار شديد، هل بغير دنيا مرّة نعشق آخرة حلوة، وهل بغير قبيحة نحب جميلة؟ وهل بغير آخرة نفهم دنيا؟ هل بغير «يزيد» نتصور «حسيناً»؟ وهل من دون وضاعة أبي لهب ندرك عظمة محمَّد، أو قل هل بغير النفرة من خسّة الأول يمكن الاستمتاع بنكهة عظمة الثاني؟! (الآخر..).. وهل وهل وهل..
إذن، لو لم يكن الذي كان، لما صار الذي صار، أي لما صار هذا الحديث جميلًا، ولما مارس الأستاذ حرب الكتابة هوايةً ومتعةً ولعبة (58)، ولما تطلّع إلى
________________________________________
(57) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً.. {الحج/40}.
(58) يكرر (حرب) في كتابه نقد الحقيقة، ص 130 ما نصه: «الكتابة هواية أمارسها وأستمتع بها، وعليَّ أن أتقن هذه الهواية أو اللعبة».

[الصفحة - 238]


«فاتنة ودار في مدارِها»، ولما استمتع بالتنقيب عن «حفريات» حسن حنفي و «تهويمات» غارودي، و«لاهوتية» جلال العظم، و«ناسوتية» حامد أبو زيد ـ بل «لاهوتيته» هو الآخر ـ ولما استأنس بنقد علاقة الجابري مع غيبه، و «انفلات» أراكون و«ميوعته»، وقوقعة الصادق النيهوم وأصوليته، وعرفانية محمد عمارة ومخاتلته، وعقلانية ديكارت البسيطة الأحادية الجانب واستبدالاته و و و... ما لا عدّ له ولا حصر..
ولما كتبتُ أنا هذا الموضوع ـ الذي أرجو ثوابه ـ والذي أتمنى أن يُمارس (حرب) عليه لعبته ومتعته وشغله مرّة أخرى، لعلنا نتكامل أو نلتقي في يوم هو آت.. أقلّ روعةٍ فيه «أجر غير ممنون»، كما يقول القرآن الكريم، وأنهم «غير ممنون» هنا: بلا منَّة، وليس فقط «غير مقطوع»، كما يقول المفسِّرون. وأقلّ عتابٍ فيه: «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً»!!
ولا أقلّ «بحكم الله بيننا وبين عرب» في مشهد أخير، يقول فيه حاديه:
{إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} {السجدة/25} أو {إن الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} {المائدة/48}.
وبكلمات حرب نفسها ونصوصه ومعانيه وعمقه وسحر كلماته: «وما دام الاختلاف آية من آيات الخلق، فعلينا أن نعترف بحق الآخر، إذا أردنا إدراك الحقيقة وبلوغ الوحدة...» (59).
نعم ـ «المطلوب عقْل المختلِف لا نبْذه أو إقصاؤه أو تصفيته أو إبادته» (60).
والمطلوب ـ أيضاً ـ وحسب حرب أيضاً:
«مجاهدة للنفس، ووعياً مضاداً للذات، وتلك هي ثورة الحق» (61)، فهل سنكون مع حرب «أكثر انفتاحاً ومرونةً تجعلنا أقدر على استيعاب الاختلاف والتنوع وعلى اكتشاف غنى النص واتساعه..» باعتباره «فضاءً دلاليّاً»، أم ترانا «إمبرياليين» لا نعرف إلّا وجهاً واحداً، ووجهاً قبيحاً جداً، يسفك الدماء ويفسد في الأرض؟! فيما «حرب» ونحن والآخر جميعاً نؤكّد دائماً وأبداً «الضدّ يُظهر حسنه الضدّ.. وبضدّها تتميز الأشياء»؟
________________________________________
(59) نقد الحقيقة، ص 53.
(60) المصدر نفسه، ص 52.
(61) المصدر نفسه، ص 54.

[الصفحة - 239]


نعم.. وأخيراً وليس آخراً، وكما يقول حرب:
«الاختلاف آية من آيات الخلق وطريق إلى النشوء والارتقاء، وسبيل إلى التجدد وأداة للتعارف وباعث على العجب والدهشة. فلو لم يختلف الخلق عن الحق لما عُرف الحق. ولو لم تتميز الأشياء بعضها عن بعض لما كان ثمة إمكانٍ لمعرفة أي شيء، ولحلّ العماء. ولو لم تتبدل الأشياء وتتباين لما كان ثمة تجديد وتطور. ولو لم يختلف الناس بعضهم عن بعض لما تعارفوا، ولما عرفوا أنفسهم إذن، ولولا اختلاف المراتب والدرجات لما انتظم أمرٌ، ولسادت الفوضى، ولو لم تختلف الذكورة عن الأنوثة لانتفت الغرابة والدهشة ولحلّتْ البلادة والتفاهة، ولو لم تختلف الآراء والعقول لسيطر الجمود وحلّ الاستبداد» (62) ولولا الشكّ لما عُرف اليقين، بل بالشك عُرف اليقين..
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} {البقرة/251].
«فالاختلاف ـ حسب حرب أيضاً ـ هو مولّد المعنى وهو أيضاً رحمة» (63).. والاختلاف عند نبينا «رحمة» ـ اختلاف أمتي رحمة ـ.. وبالتالي.. فلا تهويمات «غارودية» ولا «هوامات» قرآنية، ولا «إشكالات» أو «فضائح» دينية ولا بدايات لا تختلف عن نهايات، ولا أصول أو نصوص «حربية» لها معنى واحد لا غيره، كل واحد يجد شيئاً يفتقده الآخر، وكل واحد يُدرك شيئاً وتغيب عنه أشياء، ويبقى «فوق كل ذي علم عليم»، «و الله أعلم» وهو «أحكم الحاكمين»، وبلا تحامل أو تحميل أو تمحّل أو تنطّع أو مخاتلة أو لعب أو لفّ أو دوران أو احتكار «إيمانٍ» أو «استعداء» كفر أو استقواء بـ «لاهوت» على ناسوت أو ناسوت على لاهوت وبلا اختفاءٍ وراء «لام للتعريف» صارت وراءها «لامات» أو موضوعية مزعومة جرّت خلفها «موضوعات» لا موضوعيات...!
وكلمة أخيرة وكما يقول حرب أيضاً:
«الماركسية لم تسقط لأنها مادية تأريخية واقعية جدلية، بل على العكس من ذلك، إنها سقطت لأنها مثالية لاهوتية غيبية طوباوية..» (64).
________________________________________
(62) المصدر نفسه، ص 49.
(63) المصدر نفسه.
(64) نقد النص، ص 144.

[الصفحة - 240]


وهكذا مع ناقدنا الكبير وحقيقته ونصه، ونقده للنص ونقده للحقيقة ونقده للنقد (أي نقد نقد الآخرين).. وكما بدأنا نعود.. تهافت الفلاسفة.. وتهافت التهافُت، وتهافتَ «تهافتُ التهافت» وهكذا دواليك.. ويبقى الأهم من ذلك كله.. هو «فضح ما يتستر عليه البشر «وإن كان الستر جميلًا وليس التستّر طبعاً»، في أقوالهم ومعارفهم وممارساتهم، على اختلاف هوياتهم» أي إنقاذهم من «التعمية والزيف، أو الجهل والنسيان، أو من الإرهاب والطغيان» (65).
________________________________________
(65) المصدر نفسه، ص 6.

[الصفحة - 241]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف