البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحريَّة من وجهة نظر السيِّد الشَّهيد الصَّدر

الباحث :  عبد الكريم ال نجف
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  19
السنة :  السنة الخامسة خريف 1421 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  1735

الحريَّة من وجهة نظر السيِّد الشَّهيد الصَّدر

‏عبد الكريم آل نجف (*)

مقدمة
تُعَدّ مسألة الحرية واحدة من أبرز جدليَّات الفكر الإنساني، وأكثرها حضوراً وتداولًا منذ ظهور الإنسان على الأرض حتى الآن، بل يمكننا أن نستشعر من القرآن الكريم أنَّ هذه المسألة سبقت حضور الإنسان وظهوره، فلمَّا أخبر الله ، سبحانه وتعالى، ملائكته بخلق الإنسان وأن المخلوق الجديد سوف يكون خليفته في أرضه، أحسّت الملائكة أنَّ منصب الخلافة يستبطن قدراً من الحرية والاختيار، وأن ذلك سوف يسمح بظهور الفساد وتحوُّله إلى أمر ممكن، بعدما كان ممتنعاً، لأن جميع مخلوقاته التي خلقها قبل الإنسان كانت مسيّرة طبقاً لقانون تكويني صارم بحيث يمتنع عليها الفساد، وقدّر الملائكة أنهم ربما كانوا أولى بهذا المنصب لأنهم {لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون} {التحريم/6}، وبالتالي فالفساد ممتنع عليهم، ومن الأنسب أن تكون الخلافة لهم، فانطلقوا يتساءلون: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون} {البقرة/30}، فإنَّ الطاعة وعدم صدور المعصية يكون لهما شأن واعتبار عندما يصدر عن حرية واختيار بحيث يكون العبد قادراً على الطاعة والمعصية معاً، بل لا تسمَّى الطاعة طاعة حتى تصدر عن حرية واختيار، ولذا لا تسمَّى مطاوعة الطين للبنّاء طاعة، فضلًا عن أن توجب له المدح والثناء، فالكمال لا يكون كمالًا حتى يصدران عن حرية وقصد واختيار، وسيتضح من خلال البحث أن هذه هي النقطة المركزية في الرؤية الإسلامية لمسألة الحرية.
________________________________________
(*)باحث إسلامی من العراق

[الصفحة - 155]


نريد أن نستبق القلم ولا أن نستعجل النتائج. وإنما غرضنا الإشارة إلى أهمية موضوع الحرية وخطورته في الظروف الراهنة التي يجتازها الفكر الإسلامي المعاصر، وضرورة الاستهداء بأنقى المصادر الفكرية وأكثرها أصالة عندما يقوم الإنسان بمعالجتها، ويتصدَّى لبيان موقف الإسلام منها ورأيه فيها.
وهذا ما يدعونا إلى مطالعة تراث الروَّاد الأوائل للنهضة الإسلامية المعاصرة أمثال سيد قطب والمودودي والشهيد مرتضى المطهري والسيد الشهيد الصدر، وعلى رأسهم جميعاً الإمام الخميني (رحمه الله ) . واستلهام ما يمكن استلهامه من المعالجات المبتكرة للقضايا الرَّاهنة من عطاء تلك المدرسة وأصولها الخلّاقة. والدراسة التي بين أيدينا محاولة متواضعة لتقديم قراءة عن فكر الرائد الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله ) ورؤيته التأسيسية المبدعة لهذه المسألة، على أمل أن تكون قراءة موفَّقة.
والمصادر التي تعتمد عليها هذه القراءة هي: اقتصادنا، الإسلام يقود الحياة، المدرسة الإسلاميَّة، نظرة عامة في العبادات، المرسل الرسول الرسالة، المدرسة القرآنية، فلسفتنا، مقال الحرية في القرآن، جواب السيِّد الشهيد على سؤال حول الفرق بين الاستعمار والفتح الإسلامي، بحوث في علم الأصول.
مفهوم الحريَّة والجانب الذي نقصده منها
تُطْرح مسألة الحرية من جهات متعدِّدة، فتارة يُبْحث في تعريفها وتحديد معناها، وأخرى يُبْحث في وجودها ومدى واقعيتها ومقدار ما يتمتع الإنسان به منها، وثالثة في أقسامها ومدى تأثيرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وواضح أن مهمَّة هذه الدراسة ليست التصدِّي إلى موضوع الحرية نفسه، بل هي التصدِّي لبيان وجهة نظر السيِّد الشَّهيد الصَّدر فيها، وبالتالي فالدِّراسة معنيَّة بهذه الجهات والمحاور بمقدار ما تناوله السيِّد الشَّهيد منها.
أمَّا البحث الأوَّل: فلم نعثر في التراث الفكري للسيِّد الشَّهيد الصَّدر (رحمه الله ) على معالجة وتناول له، وواضح أن السيِّد الشَّهيد الصَّدر ليس باحثاً أكاديمياً يتولى بجهده معالجة موضوع معين من ألفه إلى يائه، وإنما هو مفكر إسلامي يتناول القضايا
________________________________________

[الصفحة - 156]


الفكرية من زاوية إشباع الحاجات المطلوبة وملء الفراغات التي تتطلَّب قدرة فكرية استثنائية. كما أن موضوع الحرية، وإن كان من جملة ما يعالجه الإسلام من أفكار وقضايا، إلّا أنه ليس مبدأً أساسياً فيه، ولا شعاراً مركزياً في حضارته، وبالتالي فالمفكِّر الإسلامي ليس معنيَّاً بأن يقدم معالجة شاملة لموضوع ليس له موقع مركزي في الإسلام، نعم على المفكر الغربي أن يقدّم هذه المعالجة الشاملة للحرية لأن الحرية هي القاعدة التي قامت عليها الحضارة الغربية.
وإذا ما طالعنا التراث الغربي في تعريف الحرية وتحديد معناها ومفهومها رأينا فيه تأكيداً متواصلًا على وجود تعاريف ومعانٍ مختلفة كثيرة للحرية حتى قال مونتسكيو: «ليست هناك كلمة أعطيت معاني مختلفة كالحرية» (1)، ثم عرّفها بعد ذلك بقوله: «أن يقدر المرء على أن يعمل ما ينبغي عليه أن يريد، وإلّا يُكره على عمل ما لا ينبغي أن يريد... هي الحق في أن يعمل المرء كل ما تجيزه القوانين العادلة، وإذا كان لمواطن أن يعمل ما ينهى عنه كان لغيره نفس هذا الحق فتلاشت الحرية» (2).
وهناك من ذهب إلى استحالة تعريف الحرية، لأن التعريف يقتضي ذكر الحدّ الذي يتقيَّد الشيء به وجوداً وعدماً، فإذا ذكرت الحدّ انتفت الحرية، وهذا يعني استحالة تعريف الحرّية (3).
السيِّد الشَّهيد لم يجد نفسه معنيَّاً بهذا الجانب، إلّا أنه لمَّا رأى ضرورة معالجة موضوع الحرية وإبداء رأي الإسلام فيها، أحسّ بضرورة بيان الزاوية التي تعنيه، وبالتالي كان لا بدَّ له من بيان المفهوم الذي يريد من خلاله معالجة هذا الموضوع، وبيان معنى الحرية الذي يقصده بالطرح فكتب يقول: «ونحن حين نطلق كلمة الحرية نقصد بها معناها العام، وهو نفي سيطرة الغير، فإن هذا المفهوم هو الذي نستطيع أن نجده في كل من الحضارتين وإن اختلف إطاره وقاعدته الفكرية في كل منهما» (4).
لكنَّه، بعد عدّة صفحات، يحلل الحرّية إلى مدلولين: مدلول سلبي وآخر إيجابي، ويميِّز على أساس ذلك بين الإسلام والغرب، فالحرية الغربية «تعبير عن إيمان الإنسان الغربي بسيطرته على نفسه وامتلاكه لإرادته بعد أن رفض خضوعه لكل
________________________________________
(1)روح القوانين، المقالة 11، أول الفصل الثاني.
(2) المصدر نفسه، المقالة 11، الفصل الثالث.
(3) حقيقة الحرية، محمد مهدي الآصفي، ص 56 و57.
(4) المدرسة الإسلامية، ص 101.

[الصفحة - 157]


قوة، فلا تعني الحرية في الديمقراطية الرأسمالية رفض سيطرة الآخرين فحسب، بل تعني أكثر من هذا، سيطرة الإنسان على نفسه وانقطاع صلته عملياً بخالقه وآخرته، وأما الإسلام فموقفه يختلف بصورة أساسية عن موقف الحضارة الغربية، فهو يعنى بالحرية، بمدلولها السلبي، أو بالأحرى معطاها الثوري الذي يحرر الإنسان من سيطرة الآخرين ويكسر القيود والأغلال التي تكبِّل يديه، ويعتبر تحقيق هذا المدلول السلبي للحرية هدفاً من الأهداف الكبرى للرسالة السماوية بالذات {ويضع عنهم أمرهم والأغلال التي كانت عليهم} {الأعراف/156}. ولكنه لا يربط بين هذا وبين مدلولها الإيجابي في مفاهيم الحضارة الغربية لأنه لا يعدّ حق الإنسان في التحرر من سيطرة الآخرين والوقوف معهم على صعيد واحد نتيجة لسيطرة الإنسان على نفسه، وحقه في تقرير سلوكه ومنهجه في الحياة؛ الأمر الذي نطلق عليه المدلول الإيجابي للحرية في مفاهيم الحضارة الغربية، وإنما يربط بين الحرية والتحرر من جميع الأصنام والقيود المصطنعة، وبين العبودية المخلصة لله، فالإنسان عبد الله قبل كل شيء، وهو بوصفه عبداً لله لا يمكن أن يقر سيطرة لسواه عليه أو يخضع لعلاقة صنمية مهما كان لونها وشكلها، بل إنه يقف على صعيد العبودية المخلصة لله مع المجموعة الكونية كلها على قدم المساواة» (5).
إنَّنا، في جانب المفهوم من موضوع الحرية، نلمس خصيصة بارزة من خصائص المدرسة الفكرية للسيِّد الشَّهيد الصَّدر، وهي أن هذه المدرسة قد عبأت جميع طاقاتها الاستثنائية من أجل معالجة المسألة الاجتماعية للإنسان المعاصر ولم تجد أمامها فرصة كافية للخوض في جوانب أكاديمية ذات ثمرات جانبية لا تصب في صميم هذه المسألة التي كانت الهاجس الأهم لتلك المدرسة الفذة، حتى عندما كانت تخوض في الأبحاث الموغلة في التجريد، حيث كانت المسألة الاجتماعية بوابة البحث الفلسفي والمنطق الذي عالجه السيد الشهيد في كتابيه الشهيرين: فلسفتنا والأسس المنطقية للاستقراء.
أمَّا البحث الثاني: فقد كان متوقَّعاً أن يتناوله بنحو من الأنحاء في كتاب «فلسفتنا» المخصَّص للرد على المادية الديالكتيكية، أو كتاب «اقتصادنا» الذي عني عناية خاصة بالرَّد على المادية التاريخية؛ وذلك لقوّة المناسبة بين هذين الموضوعين
________________________________________
(5) المصدر نفسه، ص 108 و109.

[الصفحة - 158]


وموضوع الحرية الإنسانية؛ وبخاصَّة أن السيد الشهيد لا يخفي اعتقاده بأن الماركسية هي أكمل صورة وصلت إليها الفلسفة المادية، وأن هذه الفلسفة تنطوي على فكرة جبرية، ولكن الذي يطالع الكتابين لا يعثر فيهما على أثر مباشر لهذا البحث سوى إشارة عابرة في نهاية كتاب «فلسفتنا» ذكر فيها: «أن تكيف الأفكار العملية بمقتضيات البيئة وظروفها ليس آلياً بل هو تكيف اختياري ينشأ من دوافع إرادية في الإنسان تسوقه إلى جعل النظام المنسجم مع محيطه وبيئته» (6).
وأكد، في كتابه «المرسل الرسول الرسالة»، أن «أهم ظاهرة في الكون: هي ظاهرة الاختيار لدى الإنسان، فإن الإنسان كائن مختار...»، وفي سياق نفي الجبرية المادية يلاحظ أن «الظروف الموضوعية لا تحرك الإنسان كما تحرك العاصفة أوراق الشجر لأن هذا يعطِّل دوره ككائن هادف، فلا بد للظروف الموضوعية إذن من تحريك الإنسان عن طريق الإثارة والإيحاء بتبني أهداف معينة، وهذه الإثارة ترتبط بإدراك الإنسان للمصلحة في موقف عملي معين» (7).
وأوسع محلّ تعرض فيه السيّد الشّهيد للبحث الثاني المتعلِّق بمدى واقعية الحرية والاختيار لدى الإنسان هو درس البحث الخارج لعلم الأصول؛ حيث ناقش فيه هذا الموضوع كما هو ديدن علماء الأصول كلما مرّ الدرس الأصولي ببحث الطلب والإرادة والفرق بينهما، وتحقيق الحق في هذه المسألة التي اختلف فيها الأشاعرة مع المعتزلة وانجرّ الخلاف فيها إلى البحث في مسألة الجبر والتفويض. وهنا ميّز السيد الشهيد هذه المسألة وعدَّها مركبة من مسألتين هما:
1 ـ مسألة كلاميَّة يبحث فيها عن حقيقة الفاعل الذي تصدر منه أفعال الإنسان، هل هو الله أو الإنسان نفسه؟ فقال الأشاعرة: إن الفاعل هو الله وانتهوا بذلك إلى الجبر، وقال المعتزلة: إن الفاعل هو الإنسان، فإنَّ هذا لا يدل على الاختيار فلعلّ فاعلية الإنسان لأفعاله كفاعلية النار للإحراق لا اختيار فيها.
وعلى أساس ذلك، أنجز بحثاً في مرحلتين: كلامية وفلسفية انتهى إلى إثبات الاختيار الإنساني (8).
وهذا الإثبات النظري للحرية والاختيار الإنساني لم يتركه السيّد الشهيد إثباتاً
________________________________________
(6) فلسفتنا، ص 400.
(7) المصدر نفسه، ص 66.
(8) بحوث في علم الأصول، تقريرات بقلم السيد محمود الهاشمي، ج2، ص 27 ـ 39.

[الصفحة - 159]


نظرياً بعيداً عن الواقع، بل حوّله إلى واقع عبر تطبيقه على الساحة التأريخية، حيث خصص مساحة واسعة من كتابه «المدرسة القرآنية» لبيان دور الإنسان ومحتواه الروحي واختياراته في حركة التأريخ والمجتمع، ذلك أن التأريخ يمثل التطبيق الميداني الذي يكشف عن جدلية الحرية بين الله والإنسان، والقرآن الكريم هو أفضل من يكشف لنا قوانين هذه الجدلية وطبيعتها. وكيف يتحرك التأريخ بين قطب مطلق تعود كل حركة وكل شيء إليه، وهو الله سبحانه، وبين قطب نسبي محدود أتيحت له الحرية في نطاق تكويني معين، وهو الإنسان، فلا جبر إلهيّاً مطلقاً ولا تفويض إنسانيّاً مطلقاً وإنما أمر بين أمرين، وقد أطلق القرآن الكريم على العلاقة بين هذين القطبين وعلى القوانين التي تسيرها وتنظِّمها وعلى الحركة التأريخية المنبعثة عنها اسم «السُّنن»، وكرّر هذه التسمية سبع عشرة مرّة، قادحاً بذلك شرارة فكرة لم يلتفت إليها الفكر الإنساني إلّا في القرن السابع عشر الميلادي عندما ظهرت بعنوان: «فلسفة التأريخ»، وكانت المادية التاريخية في ما بعد من جملة الاتجاهات الغربية في هذا المضمار.
فالسُّنن القرآنية هي القوانين التي تنظِّم حركة التاريخ على أساس حرية الإنسان واختياره، وفي نطاق إرادة الله الأزلية، وتُعدّ معالجة السيد الشهيد الصدر لهذا الجانب من أروع ما قيل فيه. ولنستمع إليه وهو يقول: «هذا الوهم، وهم التعارض والتناقض بين فكرة السنة التاريخية أو القانون التاريخي وبين فكرة اختيار الإنسان وحريته، هذا الوهم كان من الضروري للقرآن الكريم أن يزيحه وهو يعالج هذه النقطة بالذات، ومن هنا أكد سبحانه وتعالى على أن المحور في تسلسل الأحداث والقضايا إنما هو إرادة الإنسان» (9).
«هذه السنَّة التأريخية للقرآن بيَّنت بلغة القضية الشرطية لأن مرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين، بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والإنسانية» (10).
ومن أمثلة هذه السنَّة قوله تعالى: {إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم} {الرعد/11}.
________________________________________
(9) المدرسة القرآنية، ص 83 و84، ط. دار التعارف.
(10) المصدر نفسه، ص 105.

[الصفحة - 160]


وقد لاحظ أن هناك صيغة ثانية للسُّنن التأريخية هي صيغة القضية الفعلية الناجزة وأن «هذا الشكل من السُّنن التاريخية هو الذي أوحى في الفكر الأوروبي بتوهم التعارض بين فكرة سنن التاريخ وفكرة اختيار الإنسان وإرادته» (11).
وإذا انتقلنا من الساحة التاريخية التي هي ساحة العلاقة بين الإرادة التكوينية الإلهية وإرادة الإنسان إلى الساحة التشريعية التي هي ساحة العلاقة بين الإرادة التشريعية الإلهية وبين إرادة الإنسان، وجدنا القرآن الكريم ينظِّم هذه العلاقة على النَّحو الذي يؤكِّد وجود الإرادتين معاً، ووجود الرابطة بينهما أيضاً، وذلك عبر مفهوم الخلافة البشرية الذي يصفه السيد الشهيد بقوله: «لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف، لأن الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه ولا مسؤولية بدون حرية وشعور بالاختيار والتمكن من التحكم في الظروف» (12)، وقد دوّن في المحاضرة الثامنة من «المدرسة القرآنية» أروع الأفكار في بيان مفهوم الخلافة البشرية عن الله سبحانه؛ حيث لاحظ أن القرآن الكريم طرح مفهوم الخلافة «تارة بوصفها فاعلية ربانية... إني جاعل في الأرض خليفة... جعلًا من الله يمثل الدور الإيجابي والتكريمي من رب العالمين للإنسان، وعرض الصيغة الرباعية نفسها من زاوية أخرى، عرضها بوصفها وبنحو ارتباطها مع الإنسان بما هي أمر يتقبله الإنسان، عرضها من زاوية تقبل الإنسان لهذه الخلافة؛ وذلك في قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولًا} . الأمانة هي الوجه التقبلي للخلافة والخلافة هي الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة» (13).
وهذا ما يبرز المضمون الإيجابي الخلّاق الذي يستبطنه مفهوم الخلافة، فهو من جهة الخلافة تكريم ورعاية ومسؤولية، ومن جهة الأمانة تكريس للاختيار والحرية الإنسانية. وهنا يعلق السيّد الشهيد بقوله: «وأكبر الظن أن هذه الحقيقة هي التي أثارت في نفوس الملائكة المخاوف من مصير هذه الخلافة وإمكانية انحرافها عن الطريق السوي إلى طريق الفساد وسفك الدماء... ومن هنا... قدموا أنفسهم كبديل عن الخليفة الجديد... ومن هنا علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها وأثبت للملائكة من خلال المقارنة بينه وبينهم أن هذا الكائن الحر الذي اجتباه للخلافة قابل
________________________________________
(11) اقتصادنا، ص 24.
(12) المدرسة القرآنية، ص 108.
(13) المصدر نفسه، ص 131 و132.

[الصفحة - 161]


للتعليم والتنمية الربانية، وأن الله قد وضع له قانون تكامله من خلال خط آخر يجب أن يسير إلى جانب خط الخلافة، وهو خط الشهادة الذي يمثل القيادة الربانية والتوجيه الرباني على الأرض»(14).
ويوضح السيد الشهيد أن خط الخلافة يندمج في مرحلتي النبوة والإمامة مع خط الشهادة في شخص النبي والإمام، لأنهما شهيدان من جهة، وممثِّلان عن الجماعة البشرية من جهة أخرى، ووظيفتهما انتشال هذه الجماعة وسوقها نحو الكمال، والشهادة في هاتين المرحلتين قرار سماوي لا اختيار للإنسان فيه، نعم في المرحلة التالية ينفصل الخطان، بعدما استطاعا مجتمعين أن يرسِّخا التوحيد في الأرض ويمرّنا البشرية على منهج العبودية الشاملة لله سبحانه وتعالى، وذلك في مرحلة المرجعية؛ حيث يتاح للأمة دور في انتخاب المرجع الشهيد الذي تراه، فالمرجع استمرار لخط الشهادة، والأمة استمرار لخط الخلافة (15).
ومن سياق ذلك كله يتضح وجه المغالطة في شبهتين هما:
1 ـ الشُّبهة القائلة إن المنطق الديني منطق جبري بطبعه وجوهره وإن الدين ينطوي على مصادرة جوهرية للحرية.
2 ـ الشُّبهة القائلة إنَّنا نريد الحرية للإنسان ولا شأن لنا مع النظريات والأديان، لأن الأصل هو الإنسان لا النظريات والأديان.
أمَّا الشُّبهة الأولى فجوابها: إن مسألة الحرية من جملة المسائل المشتركة التي تطرح على بساط البحث الديني والمادي معاً، ذلك أن الإنسان مخلوق يتوسط الأرض والسماء، ويخضع لتأثيراتهما، وهو في ماهيته منقسم بين جنبة سماوية هي الروح وجنبة أرضية هي الغرائز، ومسألة الحرية حينما تطلق في نطاقها الفلسفي يراد بها أن المؤثرات الطبيعية التكوينية التي لا اختيار للإنسان فيها ولا يقدر على دفعها كالمناخ، والبيئة والوراثة والعرق والعامل الاقتصادي وضغط الحاجات المادية القاهرة التي يعجز الإنسان أمامها فتضطره إلى اتجاه معين، مثل هذه المؤثرات التي تعطي عناوين فلسفية معينة كالضرورة والصيرورة هل تشكل مصادرة للحرية الإنسانية أو لا؟ فالمنكرون للحرية يجيبون بالإيجاب والمؤمنون بها يجيبون بالنفي. والفرق
________________________________________
(14) الإسلام يقود الحياة، ص 138 و139.
(15) المصدر نفسه، ص 149 و161 و169.

[الصفحة - 162]


الوحيد بين المؤمن والمادي، في هذه المسألة، هو أن المؤمن يسند هذه المؤثرات إلى الله سبحانه باعتبارها من مخلوقاته، فإن أجاب بنفي الحرية فغرضه أن الله يجبر العبد على أفعال عبر هذه المؤثرات ونحوها، وإن أثبت الحرية فغرضه أن الله لا يجبر العبد على أفعاله وأن هذه المؤثرات لا تشكل دليلًا على نفي الحرية، بينما المادي لا يسند هذه المؤثرات إلى قدرة غيبية مطلقة، بل يقف عندها ويدرسها فلسفياً، وقد تكون النتيجة عنده نفي الحرية وقد تكون إثباتها (16).
وكما ظهرت جذور جدلية الدين والحرية في مسألة كلامية هي الجبر والاختيار كذلك ظهرت جذور جدلية الفكر المادي والحرية في مسألة فلسفية هي مسألة الضرورة والصيرورة والحتمية، وتعني الحتمية أن الإرادة والحرية أمران ظاهريان وهميان، وأننا خاضعون للحتمية في طرائق سلوكنا (17).
وسيأتي أن معنى الحرية عند المؤمن في نطاقها الاجتماعي هو أن تشتد عزيمة الإنسان في مواجهة المؤثرات الطبيعية ولا ينسحق أمامها، بينما تعني الحرية عند المادي في نطاقها الاجتماعي مكافحة سلطة الآخر، أي أن حرية المؤمن والمادي تسيران في اتجاهين متعاكسين.
وهكذا يتضح أن الحرية مسألة مشتركة بين الفكر الديني والمادي معاً وأنها تظهر في الفكر الديني بلون معين، وفي الفكر المادي بلون آخر، وأن الادعاء بأن الدين ينطوي في جوهره على مصادرة للحرية مغالطة باطلة، والادعاء بأن الليبرالية وهي ذات هوية مادية تنطوي في جوهرها على إطلاق للحريات، عمل أشبه بالشعارات الاعلامية منه بالفكرة المنطقية.
ونقطة الخطأ المشتركة بين الادّعاءين والمغالطتين مسألة اجتماعية تأريخية اختص بها الإنسان الغربي، ومن فرط اعتداد هذا الإنسان بنفسه أن جعل هذه المسألة عنواناً عاماً لا يختص به، بل يشمل الإنسان بما هو إنسان، وتلك المسألة هي مسألة الكنيسة والصراع بين رجال العلم والإصلاح من جهة ورجال الحكم والكنيسة من جهة ثانية، ومع أن هذه مسألة خاصة لها شروطها الاجتماعية وملابساتها التأريخية وظروفها الفكرية الخاصة بها، إلّا أنهم جعلوا الكنيسة مثالًا لكل دين، واستنتجوا أنَّ
________________________________________
(16) انظر: الطبيعة وما بعد الطبيعة، يوسف كرم، ص 101 ـ 116.
(17) الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 135 و136، ط. القاهرة.

[الصفحة - 163]


الدين مقولة قوامها الاستبداد، لأن الرمزية الدينية إذا حلّت في فرد، أضفى ذلك الفرد على نفسه خصائص مطلقة، ونظر إلى من حوله من البشر نظرة المطلق إلى النسبي، نظرة السيد إلى العبد.
ولعلّهم غفلوا عن أنَّ هذه الحالة التي يصفونها ويرون إليها كأنها سلوك ديني حتمي ونموذجي حالة أخلاقية سيئة قابلة للظهور في مجتمع مادي وفي مجتمع ديني غافل ـ أو منحرف ـ عن الحقائق الدينية التي تعدّ الجميع سواء في صقع العبودية لله سبحانه، وأن العلو والاستكبار ليسا سلوكاً مرفوضاً فقط من وجهة نظر الدين، بل سلوك يعارض التوحيد الحقيقي، وهي ليست قابلة للظهور في مجتمع ديني واعٍ يؤمن بأن {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً}{القصص/81}. وأن {المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} {التوبة/71}. وأن من خصائص المؤمنين أن {أمرهم شورى بينهم} {الشورى/38}.
الفرعونية التي قالت {أنا ربكم الأعلى} {النازعات/24} والماركسية التي آمنت بديكتاتورية البروليتاريا مثالان بارزان للاستبداد المادي، والخلفاء الأمويون وأباطرة الروم مثالان بارزان للاستبداد المتلفِّع بعباءة دينية زائفة، بينما لا يوجد مثال واحد لاستبداد ديني حقيقي، ولو كان الدين طريقاً حتمياً للاستبداد. لكان الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) أكبر المستبدِّين في التاريخ، فهل يشهد التاريخ لاستبداده أو لتواضعه وتقيده بالقانون حتى وصفه القرآن الكريم بأنه:{لو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} {الحاقة/46}.
وقد عرض السيد الشهيد الصدر لهذه الشبهة، في سياق مناقشاته العميقة للمادية التاريخية، حيث أشار إلى أن الماركسية تعتبر «تأكيد المثالية على حقائق مطلقة الوجود يتضمن إيمانهم بقيم مطلقة للوضع الاجتماعي أيضاً، فما دامت المثالية أو الميتافيزيقية تؤمن بأن الحقيقة العليا ( الله ) في الوجود مطلقة ثابتة فهي تؤمن أيضاً بأن الظواهر العليا في المجتمع من حكومة وأوضاع سياسية واقتصادية حقائق ثابتة أيضاً» (18).
ويردّ السيد الشهيد على هذه الشبهة بعدم وجود أساس للتلازم المدَّعى بين
________________________________________
(18) اقتصادنا، ص 128.

[الصفحة - 164]


الإيمان بقوَّة مطلقة على صعيد النظرة الكونية والإيمان بقوى مطلقة على الصعيد الاجتماعي والسياسي، ويستشهد على ذلك بأرسطو زعيم الميتافيزيقية الفلسفية الذي يؤمن بالنسبية على الصعيد السياسي، ويقارن في دنيا الفلسفة اليونانية القديمة بين هرقليطس، أكبر فيلسوف مادي قديم، والذي كان أرستقراطياً بعيداً عن الروح التغييرية الثورية الديمقراطية، وبين أفلاطون الذي كان يدعو إلى فكرة ثورية، وهو إمام المثالية في وقته.
ويقارن في دنيا الفلسفة الغربية الحديثة بين هوبز المادي الذي ناهض الثورة الشعبية في انجلترا التي تفجرت بقيادة كرومويل، ثم هرب إلى فرنسا وأيد الحكم المطلق هناك ووضع كتابه «التنِّين» في تأييده ونصرته، وبين باروخ سبينوزا الفيلسوف الصوفي الذي آمن بحق الشعب في انتقاد السلطة بل وفي الثورة عليها أيضاً (19).
أمَّا الشُّبهة الثانية فجوابها: إنها تنطلق من نظرة سطحية عاطفية شأنها شأن من يقول: إننا نريد العدالة ولا شأن لنا مع الأديان والنظريات والقوانين والمقررات!! فإن الأمور إذا أخذت بما هي شعارات وعناوين تُعَدّ نقاط اتفاق أكثر أفراد البشرية ولكنها عندما يؤتى بها إلى الواقع التطبيقي تظهر لها جذور وامتدادات تحتاج إلى تحقيق وتنقيح وتمحيص، فمن يريد الحرية عليه أن يحدد المعنى الذي يريده منها، والمفهوم الذي يقصده، فهل يريد الحرية بمفهومها المادي، أو بمفهومها الديني، أو بمفهوم جديد لا ديني ولا مادي؟ وهذا المفهوم الجديد الذي قد يطلبه أصحاب هذه الشبهة لا يشكل خروجاً عن الأطر النظرية الايديولوجية التي أرادت الشبهة الفرار منه، وإنما هو بحد ذاته إطار نظري قائم بذاته، وحينئذٍ فلا بد لنا من مناقشة هذا الإطار كما نناقش الإطار الديني والإطار المادي.
والقرآن الكريم فضح هذا المفهوم الثالث، وأشار إلى أنه ينطوي على تضليل وخداع أكثر مما ينطوي على فكرة واقعية، حيث قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} {الجاثية/23}، فالمفهوم الثالث ليس خارجاً عن فكرة الألوهية، بل هو داخل فيها ولكن في إطار جديد زائف.
وهذا المفهوم الثالث هو الذي تورَّطت به الحضارة الغربية، وضلَّلت من خلاله
________________________________________
(19) المصدر نفسه، ص 129.

[الصفحة - 165]


العديد من الشعوب والأمم؛ وذلك حينما نادت بالفصل بين الدين والسياسة، فإن هذا النداء لا ينطوي على فكرة حقيقية، لأن الواقع لا يخلو من أحد أمرين: فإما أن يكون إلهياً، أو يكون مادياً، ولذا لا توجد فلسفة ثالثة ليست إلهية ولا مادية، وبالتالي لا يوجد أساس فلسفي لنظام اجتماعي ليس إلهياً وليس مادياً، وهنا كتب السيد الشهيد يقول: «فإن المسألة الاجتماعية للحياة تتصل بواقع الحياة ولا تتبلور في شكل صحيح إلّا إذا أقيمت على قاعدة مركزية تشرح الحياة وواقعها وحدودها، والنظام الرأسمالي يفقد هذه القاعدة، فهو ينطوي على خداع وتضليل، أو على عجلة وقلّة أناة» (20). والدليل على مدى اتصال المسألة الاجتماعية بالمسألة الفلسفية أن الديمقراطية تقوم «على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها. والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها، وهذا الأساس بنفسه لا موضع له ولا معنى إلّا إذا أقيم على فلسفة مادية خالصة لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلّا عن عقل بشري محدود» (21).
ولذا فالديمقراطية تُعَدّ، في المقياس الفلسفي، نظاماً مادِّيّاً «بكل ما للفظ من معنى، فهو إما أن يكون قد استبطن المادية، ولم يجرؤ على الإعلان عن ربطه بها وارتكازه عليها، وإما أن يكون جاهلًا بمدى الربط الطبيعي يبين المسألة الواقعية للحياة ومسألتها الاجتماعية... وهو بكلمة نظام مادي وإن لم يكن مقاماً على فلسفة مادية واضحة الخطوط» (22).
أما البحث الثالث: فهو النقطة الأساسية المقصودة بموضوع الحرية، وهو البحث في دور الحرية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد عالجه السيد الشهيد بصورة وافية مستوعبة في مؤلفاته العديدة، وقد أشار السيد الشهيد الصدر إلى أن المقصود ببحث الحرية هو الحرية في نطاقها الاجتماعي، أمَّا الحرية الطبيعة التي تعني حرية الإنسان إزاء الطبيعة وممارسة اختياره بشأنها فهي خارجة عن نطاق البحث الايديولوجي المذهبي، لأن المذاهب والنظريات لم تناقش في هذه الحرية، ولم تخالف في كونها المظهر الأصيل لكرامة الإنسان، إنما البحث وقع في الحرية الاجتماعية بصيغها الأربعة: الحرية الاقتصادية والسياسية والشخصية
________________________________________
(20) المدرسة الإسلامية، ص 48.
(21) المصدر نفسه، ص 49.
(22) المصدر نفسه، ص 49.

[الصفحة - 166]


والفكرية، ونقطة الفرق بين الإسلام والغرب، هنا، تتمثل في الإجابة عن السُّؤال الآتي: هل يتجسَّد المظهر الأصيل لكرامة الإنسان في الحرِّيَّة، بجميع مجالاتها الطّبيعيَّة والاجتماعيَّة والسياسية، أو بخصوص الحرِّيَّة الطَّبيعيَّة، فالغرب يدَّعي الجواب الأوَّل، ويؤسِّس عليه أن تحديد الحريَّة في كل مجال من مجالاتها يعدّ مساساً بالكرامة الإنسانيّة بينما يختار الإسلام الجواب الثاني.
الحرية وجدلية الأرض والسماء
إن الكلام المتقدِّم في جواب الشبهة الثانية هو المدخل المناسب للبحث في موضوع الحرية، والإطار الصحيح الذي لا يمكن من دونه استنطاق الحقيقة فيه، وهو ما اختاره السيد الشهيد الصدر في معالجاته المنثورة في مختلف كتبه وآثاره النفيسة لموضوع الحرية، بل إن المتتلمذ في مدرسته يستطيع أن يعد ذلك القطب الأساس في معالجاته للمسألة الاجتماعية برمّتها، وقد سجل ذلك بقلمه إذ كتب يقول: إن أشكال «التناقض الاجتماعي الذي يواجهه خط العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهذه الأشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد، من تناقض رئيسي واحد، وهو ذلك الجدل الإنساني الذي شرحناه، القائم بين حفنة التراب وأشواق الله سبحانه، ما لم ينتصر أفضل النقيضين في ذلك الجدل الإنساني فسوف يظل هذا الإنسان يفرز التناقض تلو التناقض» (23).
ومسألة الحرية من جملة تلك المسائل التي تخضع لهذه الجدلية، وتعد تطبيقاً من تطبيقاتها.
للحرية، في نطاقها الاجتماعي والسياسي، طريقان ومنبعان، تتولَّد من كل منهما بطريق مختلف عن الآخر، أولهما فكرة سيادة الإنسان على نفسه، وثانيهما فكرة سيادة الله على الإنسان والكون معاً، من الفكرة الأولى تعدّ الحرية، بمفهومها الغربي، ومن الفكرة الثانية تنبع الحرية بمفهومها الإسلامي، ونتيجة لتعاكس الفكرتين نجد الحرية الناتجة عن كل منهما تسير في اتجاه معاكس للحرية الناتجة عن الأخرى، الفكرة الأولى تعدّ الإنسان منبع الحرية، فهو سيد على نفسه وعلى الطبيعة ولا سيد عليه وعليها غيره. والترجمة العملية لهذه الفكرة تؤدي إلى إطلاق
________________________________________
(23) المدرسة القرآنية، ص 206.

[الصفحة - 167]


التناقضات والصراعات الاجتماعية بالنحو الذي ينتهي إلى أن تكون حرية الأقوى عنصر نفي لحرية الأضعف، ولو في إطار القانون، وإلى أن يكون الإنسان أسيراً لنزواته وغرائزه المادية والجسدية وإن كان في الظاهر يبدو كأنه حرٌّ في تصرّفاته، فتبدأ الحرية الغربية من التحرر من سلطة الله وسيادته على الكون والإنسان، وتنتهي بأقرار تبعية الإنسانية لسلطان المادة وطاغوت الجسد.
بينما تعدّ الفكرة الثانية الله سبحانه مصدر الحرية، فهي تبدأ بنفي سيادة الإنسان على نفسه، وتجعل ذلك حقاً لله سبحانه وتعالى وما على الإنسان إلا أن يرتبط ب الله سبحانه وينتهلها منه، ولا يعني ذلك أنه يأخذها بلا جهد كما تؤخذ المنحة، بل يعني أن سلطان المادة الذي لمسنا دوره في جعل الإنسان عبداً لغرائزه وشهواته في الفكرة الأولى لا يمكن قهره وإطلاق حرية الإنسان منه إلا بالانضواء تحت لواء قوة أكبر منها، وبذا تبدأ الحرية الإسلامية بالعبودية لله وتنتهي بالتحرر من إغراء المادة وسلطانها.
وهكذا تبدو معركة الحرية معركة بين قطبين كل منهما يقول للإنسان: كن عبداً لي حتى أحرّرك من القطب الآخر. المادة تقول للإنسان: أنا قوة أكبر منك بل أنا الحقيقة الوحيدة في الوجود ولا سبيل أمامك إلا أن تعترف بي وتنكر الله الذي تصفه الأديان بأنه القيمة المطلقة والمبدأ الأعلى للوجود. و الله سبحانه وتعالى يقول للإنسان: أنا خالقك وخالق الوجود والكون، وأنت لا تستطيع بمفردك أن تقاوم سلطان المادة وتأثيرها عليك، فآمن بي واتجه نحوي واتبع منهجي التربوي والعبادي حتى تستمد من وجودي المطلق نفحة تتمكَّن بها من التحرر من طغيان المادة، فليست هناك حرية مطلقة، وإنما هي تحرر من قطب مقرونة بعبودية حتمية للقطب الآخر.
والفرق بين الإسلام والغرب: أن الإسلام يصرح بعبودية الله طريقاً للتحرر من المادة، بينما الغرب يخفي طرف العبودية للمادة ويعلن طرف سيادة الإنسان على نفسه مبدأً له. وهنا يصرِّح القرآن الكريم بأن هذا خداع وحرية كاذبة، قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} {الجاثية/23}؟
التوحيد يقطع صلة الإنسان بالمثل الأرضية المنخفضة، ويبقي رأسه مرفوعاً
________________________________________

[الصفحة - 168]


إلى أعلى فيكون بذلك عبداً لله وسيِّداً على الأرض، وتقوم المادة بعكس ذلك حينما تقطع صلته بالمثل السماوية العليا وتبقي رأسه مطأطئاً إلى الأرض، فيتحوَّل مسار الإنسان من أعلى إلى أسفل، هذا هو جوهر الفرق الذي يطرحه السيد الشهيد الصدر بين الحرية الغربية والحرية الإسلامية في كتاب «المدرسة الإسلامية» ومقال «الحرية في القرآن»، المنشور في مجلة الأضواء النجفية.
ويؤكِّد السيد الشهيد أنَّ «انقطاع الصلة الحقيقية للإنسان الأوروبي ب الله تعالى ونظرته إلى الأرض بدلًا عن النظرة إلى السماء، انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن قيمومة رفيعة من جهة أعلى أو تحديات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته، وهيأه ذلك نفسياً وفكرياً للإيمان بحقِّه في الحرية وغمره بفيض من الشعور بالاستقلال والفردية، الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمه إلى اللغة الفلسفية، أو تعبر عنه على الصعيد الفلسفي، فلسفة كبرى في تاريخ أوروبا الحديثة، وهي الوجودية..» (24).
ويمضي قدماً في تحليله العميق مقرراً: إن الحرية قد نشأت في الحضارة الغربية «تحت ظلال الشك الجارف المرير الذي سيطر على تيارات الفكر الأوروبي كافة نتيجة للثورات الفكرية التي تعاقبت في فجر تاريخ أوروبا الحديثة وزلزلت دعائم العقلية الغربية كلها» (25).
فالحرية الغربية «ظاهرة حضارية بدأت شكاً مرّاً قلقاً وانتهت إلى إيمان مذهبي بالحرية، وهي تعبير عن إيمان الإنسان الغربي بسيطرته على نفسه وامتلاكه لإرادته بعد أن رفض خضوعه لكل قوة» (26).
ويقسم السيد الشهيد الصدر الحرية الغربية إلى: حرية شخصية وحرية اجتماعية. والحرية الاجتماعية تشمل الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية. ثم يبدأ بنقد هذه الحريات الأربع وتقويمها في ضوء فكرته السابقة عن المصير السيء للحرية الغربية بحكم الإطار المادي الذي يحكمها.
فالحرية الشخصية حوَّلت الشهوات والغرائز من أداة تنبيه خلقها الله سبحانه لترشد الإنسان باتجاه تغذية مقوّمات وجوده المادي إلى «قوّة دافعة تسخر الإنسان دون أن يملك بأزائها حولًا أو طولًا، لأنها إذا أصبحت كذلك خسر الإنسان حريته
________________________________________
(24) اقتصادنا، ص 19.
(25) المدرسة الإسلامية، 104.
(26) المصدر نفسه، ص 108.

[الصفحة - 169]


منذ بداية الطريق ولا يغير من الواقع شيئاً أن تكون يداه طليقتين ما دام عقله وكل معانيه الإنسانية التي تميزه عن مملكة الحيوان معتقلة ومجمدة عن العمل» (27).
فهذه حرية ظاهرية لا أثر كبيراً لها ما دام الإنسان قد فقد قدرته على السيطرة على شهواته ولم يعد بوسعه أن يقل نعم أو لا إلا بالنحو الذي تقتضيه هذه الشهوات.
ويضرب السيد الشهيد على ذلك مثالًا بارزاً هو فشل الحكومة الأمريكية في منع المجتمع الأمريكي من تناول الخمر رغم الإمكانات الهائلة والمتنوعة التي جندت من أجل ذلك. وهذا دليل حسّي على أن المجتمع الأمريكي ليس حرّاً في سلوكه الشخصي وأنه لا يستطيع أن يقول: لا لما يراه قبيحاً في عقله وتجربته اليومية.
وهذه النتيجة تشمل الحرية في مجالها الاجتماعي، فالحرية السياسية والاقتصادية عندما تطرح في نطاق مذهب اجتماعي مادي يصبح مدلولها العملي عبارة عن تحكُّم الأقوى بالأضعف: وإن كانت في سياقها القانوني الظاهري تأخذ صورة حكم الأكثرية وتساوي الجميع في فرص الظهور، ويصبح المسرح الاجتماعي تجسيداً لمقولة الصراع من أجل البقاء، وما دامت الطبيعة لم تزوِّد الجميع بقابليات متساوية، فإن قانون تساوي فرص الظهور أمام أفراد المجتمع في المجال السياسي والاقتصادي يصبح قليل الجدوي ويكون التأثير الأكبر للإمكانات والاستعدادات المادية. وهنا كتب السيد الشهيد الصدر يقول: «إن الفئة الرأسمالية، بحكم مركزها الاقتصادي من المجتمع وقدرتها على استعمال جميع وسائل الدعاية وتمكنها من شراء الأنصار والأعوان، تهيمن على مقاليد الحكم في الأمة وتتسلم السلطة لتسخيرها في مصالحها والسهر على مآربها، ويصبح التشريع والنظام الاجتماعي خاضعاً لسيطرة رأس المال بعد أن كان المفروض في المفاهيم الديمقراطية أنه من حق الأمة جمعاء، هكذا تعود الديمقراطية الرأسمالية، في نهاية المطاف، حكماً تستأثر به الأقلية وسلطاناً يحمي عدّة من الأفراد كيانهم على حساب الآخرين بالعقلية النفعية التي يستوحونها من الثقافة الديمقراطية الرأسماليَّة. ونصل هنا إلى أفظع حلقات المأساة التي يمثلها هذا النظام، فإن هؤلاء السادة الذين وضع النظام الديمقراطي الرأسمالي في أيديهم كل نفوذ وزوَّدهم بكل قوة وطاقة سوف يمدون
________________________________________
(27) المصدر نفسه، ص 114.

[الصفحة - 170]


أنظارهم بوحي من عقلية هذا النظام إلى الآفاق ويشعرون بوحي من مصالحهم وأغراضهم أنهم في حاجة إلى مناطق نفوذ جديدة...» (28). فنشأت بسبب ذلك ظاهرة الاستعمار.
وهكذا فإذلال الشُّعوب وفرض العبودية عليها ظاهرة تولدت في رحم الحرية الغربية، وهذا بنفسه دليل على أن الحرية الغربية تنتهي إلى أغلال وعبودية ورق. وهذه النتيجة إنما تبرز أكثر في الاستعمار لأنَّ الاستعمار هو النقطة الأخيرة في مسيرة الحرية الغربية باتجاه عبادة المادة.
أما الحرية الفكرية في الغرب فيظهر مضمونها المخالف للحرية حينما يعلن الغرب السماح لظهور أي فكرة سوى تلك التي لا تقبل بفكرة الحرية وتشكل خطراً عليها، «لأن هذا التوسع في الحرية سوف يكون على حسابها ويؤدي في كثير من الأحايين إلى ألوان من العبودية الفكرية تتمثل في التقليد والتعصب وتقديس الخرافات» (29).
إذ ليس معنى الحرية الفكرية أن يقال للإنسان: فكّر كما تريد وكما تشاء، لأن هذا المعنى ينتهي إلى مصادرة الفكر والحرية الفكرية، إذ يتاح للإنسان تقليد آبائه، وتقليد مجتمعه والتعصب لمحيطه وأسلافه، كما هو الشائع في أكثر الأزمنة والأمكنة. فهل في عبادة الأوثان، وعبادة البقرة، وتقديس بوذا، المنتشرة في أفريقيا وشرق آسيا ما يدل على وجود مظهر فكري وحرية فكرية، أو أنها تعصبات قومية وقبلية موروثة؟ وهل تحرر الإنسان الغربي من التعصب لنفسه والتعصب ضد غيره خصوصاً تعصبه ضد الإسلام أو أنه صاغ هذا التعصب الذي كان يمارسه إنسان الجاهلية الأولى بصورة ساذجة في صياغة فكرية عبر نظريات أسبغ عليها طابعاً فلسفياً وعملياً، كالقومية والنظرية العرقية، وهذا يعني أن الحرية الفكرية الغربية قد صادرت نفسها، وأنها أصبحت طعمة للتعصب، بعدما كان المفترض فيها أن تكون عامل تشجيع للبرهان والدليل المنطقي.
وهكذا يتضح أن الحرية الغربية، بمفهومها المادي المنطلق من فكرة سيادة الإنسان على نفسه ونفي كل سيادة لغيره عليه، قد انتهت في المجالات السياسية
________________________________________
(28) المصدر نفسه، ص 54 و55.
(29) المصدر نفسه، ص 127.

[الصفحة - 171]


والاقتصادية والشخصية والفكرية إلى تكبيل وأغلال وقيود، وحلول سيادة المادّة على الإنسان. وبعدما كان المفروض تحرير الإنسان من سلطة الآخر، أصبحت النتيجة وقوع الإنسان تحت سلطة ما هو أدنى منه في رتبة الوجود، وهو المادة.
فيأتي الإسلام لينقل الإنسان من عبودية المادة إلى عبودية الله ، من عبودية الأدنى إلى عبودية المطلق، من عبودية تفرض نفسها بضغط الحاجات المادية إلى عبودية تفرض نفسها بقوة الدليل والبرهان المنطقي، من عبودية مغلّفة بشعار الحرية، إلى عبودية صريحة تنتج حرية صادقة.
يأتي الإسلام ليفك الحصار المادي عن الإنسان ويطلقه في فضاء الحياة ويقول له: إن الحرية هي أن {لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً} ، وأن الطريق إلى تحصيلها يتمثَّل في {ألَّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئاً}{آل عمران/64}، وأن هذا الطريق هو طريق الأنبياء لا غير {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} {الأعراف/156}. وأن العبودية القبيحة هي عبودية المماثل {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} {الأعراف/192}. أما عبودية المطلق الخالق العظيم فهي ليست غير قبيحة فقط، وليست ضرورية فقط، بل هي {فطرة الله التي فطر الناس عليها} {الروم/30}، وبالتالي فهي طريق الحرية والكمال.
ومن هنا يؤكد السيد الشهيد الصدر باستمرار، وفي مختلف مؤلَّفاته، أن التوحيد هو الإطار والأساس للحضارة الإسلامية وأن الحضارة الإسلامية تأخذ خصائصها الإيجابية والفعالة والخلاقة من خلال هذا الإطار، وأن هذا المعنى ينسحب على جميع المفردات التفصيلية في الحياة، كالعدل، والعمل، والعلم، والأخلاق. فنجده يتحدث في كراس «نظرة عامة في العبادات» عن دور المطلق في سوق البشرية نحو الكمال وحل تناقضاتها الأساسية، ويجري في «المدرسة القرآنية» مقارنة بين الدور الخلَّاق الذي تلعبه المثل العليا الحقيقية والدور الهدَّام الذي تلعبه المثل العليا الزائفة. وقد أشار في أثناء هذه المقارنة إلى الحرية بوصفها أنموذجاً للمثل العليا الزائفة. ولنستمع إليه حيث يقول في محاضرته:
«الإنسان الأوروبي الحديث، في بدايات عصر النهضة، وضع مثلًا أعلى وهو
________________________________________

[الصفحة - 172]


الحرية. جعل الحرية مثلًا أعلى لأنه رأى أن الإنسان الغربي كان محطَّماً ومقيَّداً، كانت على يديه الأغلال في كل ساحات الحياة، كان مقيداً في عقائده العلمية والدينية بحكم الكنيسة وتعنت الكنيسة... أراد أن يجعل من الإنسان كائناً مختاراً إذا أراد أن يفعل يفعل، يفكر بعقله لا بعقل غيره ويتصور ويتأمل بذاته ولا يستمد هذا التصور كصيغ ناجزة من الآخرين، وهذا شيء صحيح إلا أن الشيء الخاطىء في ذلك هو التعميم الأفقي، فإن هذه الحرية بمعنى كسر القيود عن هذا الإنسان، هذا قيمة من القيم، هذا إطار للقيم، ولكن هذا وحده لا يصنع الإنسان، ليس هذا هو المثل الأعلى، فإن هذا وحده لا يصنع الإنسان، أنت لا تستطيع أن تصنع الإنسان بأن تكسر عنه القيود وتقول له: افعل ما شئت، لا يوجد إنسان ولا كائن لا يوجد إقطاعي ولا قسيس ولا سلطان ولا طاغوت يضطرك إلى موقف أو يفرض عليك موقفاً، هذا وحده لا يكفي، فإن كسر القيود إنما يشكل الإطار للتنمية البشرية الصالحة، يحتاج هذا إلى مضمون، إلى محتوى، مجرد أنه يستطيع أن يتصرف، يستطيع أن يمشي في الأسواق، هذا لا يكفي. أما كيف يمشي؟ ما هو الهدف الذي من أجله يمشي في الأسواق؟ المحتوى والمضمون هو الذي فات الإنسان الأوروبي، الإنسان الأوروبي جعل الحرية هدفاً وهذا صحيح ولكنه صيّر من هذا الهدف مثلًا أعلى، بينما هذا الهدف ليس إلا إطاراً في الحقيقة، إذا جرّد هذا الإطار عن محتواه سوف يؤدي إلى الويل والدمار، إلى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار لأن الإطار بقي بلا محتوى، بقي بلا مضمون» (30).
إن المثل العليا والقيم المطلقة هي ما لا يقبل الحد من الأمور، فإذا وضع لشيء حدّ، لم يكن ذلك الشيء مثلًا أعلى، وقد وجدنا في تعريف مونتسكيو للحرية «أن يقدر المرء على أن يعمل ما ينبغي عليه أن يريده..» فهي ليست كل ما يريد، بل ما ينبغي أن يريد، وهذا يعني أن للحرية حدَّاً تنتهي عنده، ولا بد لهذا الحد من واضع يضعه، ولا بد من أن يكون هذا الواضع يمثل قدرة أعلى من الإنسان حتى يكون حدّه ملزماً ومؤثراً، وهذه لوازم لا يقبل بها الغربيون، ولعلهم بسبب ذلك مال كثير منهم إلى عدم إمكان تعريف الحرية، رغبة منهم في أن يضفوا عليها معنى
________________________________________
(30) المدرسة القرآنية، ص 167 و168.

[الصفحة - 173]


مطلقاً، ويحولوها إلى مثل أعلى، ولكن المثل الأعلى لا يصنع، وكيف يصنعه الإنسان والمفروض فيه أن يكون أساساً في بناء الإنسان، هذا دور واضح.
ويؤكد السيد الشهيد الصدر أن التوحيد يؤدِّي دورين أساسيين على صعيد الحرية هما:
1 ـ إنه يعطي الحرية مضمونها الحقيقي على الصعيد الاجتماعي والشخصي والسياسي والفكري، فليس الحرية أن يقال للإنسان: «هذا الطريق قد أخليناه لك فسر بسلام. وإنما يصبح الإنسان حرّاً حقيقة حين يستطيع أن يتحكم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق ورسم معالمه واتجاهاته، وهذا يتوقف على تحرير الإنسان قبل كل شيء من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه...» (31).
وعلى أساس ذلك نجده يحلل الحريات الأربعة ويراها حريات ناقصة في ظل الحياة المادية وتامة في ظل الحياة الدينية الإسلامية.
2 ـ دوره على الصعيد الثوري، فإن الإسلام بفضل إطاره التوحيدي «ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان وعلى ألوان الاستغلال والاستعباد.. غير أن هذه الثورة تميَّزت عن أي ثورة اجتماعية أخرى في التاريخ تميُّزاً نوعياً لأنها حررت الإنسان من الداخل، وحرَّرت الكون من الخارج في وقت واحد، وأطلقت على التحرير الأول اسم الجهاد الأكبر، وعلى التحرير الثاني اسم الجهاد الأصغر» (32).
ذلك أن التاريخ البشري قد شهد «منذ أقدم عصور الاستغلال أساسين مختلفين للثورة. الأساس الأول ما تزخر به قلوب المستضعفين والمضطهدين من المشاعر الشخصية المتقدة بسبب ظلم الآخرين واستهتارهم بحقوق الجماعة...
الأساس الثاني: استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر أخرى أساساً للثورة، وبكلمة أخرى تطوير تلك المشاعر على نحو تمثل الإحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحق والقسط والإيمان بعبودية الإنسان لله التي تحرره من كل عبودية، وبالكرامة الإنسانية،...
وواضح من خلال المقارنة أن الأساس الثاني وحده هو الذي يشكل الخلفية الحقيقية للثورة والرصيد الروحي القادر على جعلها ثورة بدلًا عن تجميدها في
________________________________________
(31) المدرسة الإسلاميَّة، ص 114.
(32) الإسلام يقود الحياة، ص 27.
المنهاج – العدد التاسع عشر – خریف 1421 هـ - 2000 م

[الصفحة - 174]


منتصف الطريق، بينما الأساس الأول لا يمكن أن ينجز سوى ثورة نسبية تتغير فيها مواقع الاستغلال.... وهنا يأتي دور الوحي والنبوة» (33).
«وعلى هذا الأساس نؤمن بأن الثورة الحقيقية لا يمكن أن تنفصل بحال عن الوحي والنبوَّة وما لهما من امتدادات في حياة الإنسان، كما أن النبوَّة والرسالة الربَّانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان» (34).
ولأجل هذا الدور الخلَّاق الذي يؤدِّيه التوحيد والمثل العليا المطلقة في النفس والحياة البشرية، وهو دور يرقى إلى الحد الذي يتيح للتوحيد أن يكون الأساس الوحيد الذي لا بديل له للحضارة الإنسانية، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد أطلق على الدين الذي بعث به الأنبياء وجاءت به الرسالات والكتب السماوية، تسمية «الإسلام» بصيغة «إفعال» وبالنحو الذي يعني حمل النفس الإنسانية على ما ينبغي التقيّد به. وهذا لا يعني أن النفس تفرّ من التوحيد، لأن التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها. والنفس تأنس بالتوحيد ولا تفر منه، ولكن لأي شيء جاءت صيغة «إفعال» هذه المشعرة بوجود شيء في الدين تفر منه النفس وقد أريد من الإسلام إلزامها به؟ ذلك الشيء هو الناحية الاجتماعية. أو بتعبير آخر، التوحيد في امتداداته الاجتماعية التي تعني ضرورة تهذيب النفس وإعدادها باتجاه البذل والعطاء حتى تكون في خدمة الإنسان وخدمة الصالح العام، وأن لا تكون معتدية على الآخرين، ولا متجاوزة على حقوقهم، فإن النفس لو خلّي لها السبيل تميل إلى استيفاء ما تشتهيه وترغب فيه، ولا يهمها أن يكون ذلك حقاً لها أم لغيرها، وهنا تحتاج النفس إلى «إفعال» وحمل وتهذيب، وبالتالي إلى عبودية وتوحيد، وهذا ما يتكفل به الإسلام، وفي إطار ذلك كله يصبح واضحاً أن التوحيد، بما هو قيمة مطلقة، يمتلك حقاً طبيعياً في السيادة على الإنسان، وبما هو أساس وحيد لحضارة الإنسان ومنبع وحيد لكماله، يكون من الطبيعي أن لا ينحصر بإنسان من دون آخر، وببقعة جغرافية من دون أخرى، بل هذا ينافي كمال التوحيد وينافي ما فيه من حقيقة مطلقة، فلا بد من أن تكون سيادة التوحيد على الأرض سيادة تامة شاملة، ولا معنى لانحصار الإسلام في الجزيرة العربية فقط، بما يعني في النتيجة أن الجهاد والفتح ليسا ظلماً ولا استعماراً، بل طريق لإيصال التوحيد وبسط سيادته على الأرض، وليس الهدف منه استعلاء المسلم
________________________________________
(33) المصدر نفسه، ص 156 و157.
(34) المصدر نفسه، ص 160.

[الصفحة - 175]


على غيره، وإنما الهدف هو إعلاء كلمة التوحيد وبسط سيادته على الأرض، فالتوحيد يستبطن حقاً طبيعياً في الجهاد والفتح، بل يكون التوحيد من دون الجهاد ناقصاً في مضمونه ومحتواه، بينما ليس للغرب حق في أن يتوسع ويفتح الأمصار، لأنه لا ينطلق من قيمة مطلقة، ولأنه ينطلق من فكرة سيادة الإنسان على نفسه والاستعمار نقض لهذه الفكرة، وسلوك يكشف إما عن عدم صدق الغرب في حملها، أو عن عدم استحقاق هذه الفكرة لأن تكون أساساً للحضارة، وهذا هو الفرق الجوهري بين الجهاد الإسلامي والاستعمار الغربي، ومضمون الجواب الرائع الذي أجاب به السيد الشهيد الصدر على سؤال وجهه الشيخ محمد يعقوب إليه بشأن ذلك (35).
وعلى هذا، فالجهاد سلوك منسجم مع قاعدة الإسلام التوحيدية ونابع منها، بينما الاستعمار سلوك مناقض لقاعدة الحضارة الغربية المتمثِّل بالحرية وبفكرة سيادة الإنسان على نفسه.
________________________________________

[الصفحة - 176]