البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مقوِّمات المشروع الإصلاحي‏ للشَّيخ محمَّد حسين النَّائيني

الباحث :  ماجد الغرباوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  15
السنة :  السنة الرابعة خريف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2015
عدد زيارات البحث :  1702

مقوِّمات المشروع الإصلاحي‏ للشَّيخ محمَّد حسين النَّائيني‏ (*)

يتَّضح، من خلال معرفة حياة الشيخ النائيني ومتابعة فصول الأحداث السياسية التي رافقته، فأثَّر بها أو تأثَّر بها، أن الرَّجل كان يتحرّك ضمن مشروع سياسي يتّسم بالوضوح والثَّبات في مقاومة الاستبداد ومحاربة الاستعمار، وظلَّ وفياً لمبادئه حتى المراحل الأخيرة من عمره. ولم يكتف بالانخراط في صفوف المجاهدين والثوّار، أو الوقوف إلى جانب القيادة السياسية، أو التصدِّي لقيادة العمل السياسي بنفسه، بل راح ينظّر لمشروعه السياسي والإصلاحي، حتى نجح في إرساء أسس سليمة صالحة لتشييد رؤية متكاملة عن المشروع السياسي الإسلامي. وبهذا العمل التنظيري الرصين، استطاع أن يجلي الحقيقة ويرسم معالم الثورة ضدّ الاستبداد والتسلُّط، ويجعل السائرين في درب الحرّية (إبان الحركة الدستورية) على بيِّنة من أمرهم، بعدما اختلطت الأوراق بشكل معقّد من جرّاء التبنّي العلمائي لكلا التيارين المتنازعين في الساحة السياسية، وشدّة تدخّل الاستعمار في الأوضاع الداخلية. فإذا كان الشيخ الآخوند الخراساني والمازندراني والطباطبائي والبهبهاني والنائيني وغيرهم على رأس تيار الإصلاح الداعي إلى نظام دستوري يقيّد حركة السلطان (الشاه) وممارساته المطلقة، ويعيد للأمّة شخصيتها ودورها في تقرير مصيرها، كان السيِّد اليزدي والشيخ فضل اللَّه النوري يتحرّكان ضمن التيار المعاكس، فأصبح من الصَّعب على غير الخبير فرز الأوراق واختيار الورقة الرابحة، وربّما تسبَّب الوضع في تردُّد بعض أنصار التيّار الأوّل أو تراجعهم لضبابية المشهد السياسي.
________________________________________
(*)رئيس تحرير مجلة التوحيد.

[الصفحة - 216]


غير أنَّ الشَّيخ النَّائيني خطا خطوة كبيرة على الطريق الصحيح لحسم الموقف نظرياً وتبديد الشكوك التي حامت حول شرعية الحركة الدستورية والشكّ في مطابقتها للشريعة الإسلامية، فبادر إلى تأليف كتاب: «تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة» ليملأ الفراغ النظري حول هذه المسألة وغيرها من مسائل الفقه السياسي. فأثار الكتاب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعلمية، وأحدث ضجّة أعطت زخماً جديداً للحركة (1) ؛ إذ بيَّن الكتاب الأسس النظرية لشرعية «المشروطة» والحكم الدستوري طبقاً للقرآن الكريم والسنّة الشريفة والفهم الصحيح للشريعة الإسلامية.
ثمّة حقيقة تجدر الإشارة إليها، وهي أن الكتاب ولد في مناخ شهد توتّراً قوياً في العلاقات السياسية، فانعكس على تصريحات قادة كلا التيارين وبياناتهم بوضوح، بل كانت إسقاطات الصِّراع حاضرة لدى الشيخ النَّائيني عند تأليفه الكتاب، وهذا ما تؤكِّده بعض العبارات القاسية ضدَّ التيار المعارض للمشروطة.
تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة
ألَّف الشَّيخ النَّائيني كتاب «تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة» بعد إغلاق المجلس إبَّان حقبة الاستبداد الصغير 23/ جمادى الأولى/ 1326هـ (23/6/1908م) ـ 26/ جمادى الأولى‏/ 1327هـ (15/7/1909م). وطبع الكتاب أوّل مرّة في بغداد سنة 1327هـ (1909م)، ثم أعيد طبعه بعد عام في طهران، لكن الشيخ بادر إلى جمعه وإتلافه، ولم ير الكتاب النور ثانية إلا عام 1955م؛ حيث طبع هذه المرّة مشتملاً على مقدّمة وتحقيق وتعليق للسيّد محمود الطالقاني. وقد اعتمدنا على هذه النسخة في دراسة أفكار الشيخ النائيني.
وكان الشيخ حريصاً أن تكون لغة الكتاب مفهومة من قبل طبقة واسعة من الناس غير أنه جاء بلغة فارسية معقّدة وعسيرة.
ورغم صغر حجم الكتاب إلاّ أن الشَّيخ نجح في رسم صورة واضحة لأفكاره ومتبنَّياته الفكرية المنسجمة مع المشروع السياسي المطروح آنذاك، فحظي بتأييد واسع لدى العلماء، وأمضاه اثنان من العلماء الكبار؛ هما: الآخوند الخراساني والشيخ عبداللَّه المازندراني، وقد تصدَّر الإمضاءان الصفحة الأولى من الطبعة الثالثة،
________________________________________
(1)حائري، د. عبد الهادي، تشيع ومشروطيت، طهران، مؤسسة أمير كبير، ص 217.

[الصفحة - 217]


الأمر الذي أكسب الأفكار الواردة فيه شرعية كبيرة، وصار مرجعاً لتكوين رؤية ناضجة عن السياسة والحكم في الإسلام.
لهذا احتفظ الكتاب بحيويّته وفاعليّته رغم تقادم السنين عليه، فأخذ يعدُّ فكر الشيخ النائيني فكراً إصلاحياً، وأدرج اسمه بقوة في قائمة المصلحين الإسلاميين‏ (2) .
الجذور الفكريَّة للكتاب‏
لا يخفى أن الشيخ النائيني من العلماء الذين كرّسوا حياتهم لدراسة العلوم الإسلامية وفقه الشريعة وأصولها والنصّ القرآني والحديث الشريف، وقد احتفظ لنفسه برؤية محدَّدة عن الإسلام وأهدافه ومبادئه، تسمح له بصياغة أفكار ونظريات جديدة، وهذا جليٌّ من خلال الأفكار التي ذكرها في كتابه المشار إليه، لكن هذا لا يعني أن جميع ما كتبه هو من إبداعاته ولم يعتمد مرجعية معيّنة في صياغة أفكاره وبلورة نظرياته. وكونه متخصّصاً في العلوم الإسلامية لا يمنع من أن يستفيد من أفكار الآخرين إذا كانت تصبّ في الهدف نفسه.
فمن يقارن بين كتاب «تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة» للنَّائيني وفكتاب «طبائع الاستبداد» لعبد الرحمؤن الكواكبي يلاحظ، بوضوح، سياق الأهداف الداعية لمحاربة الاستبداد وتقويض عرى الطَّواغيت والظَّلمة.
وإذا توقَّف الكواكبي عند طرح الأسئلة والاستفهامات بشأن الدولة الدستورية، فإن النائيني قدَّم نظرية متكاملة حول البناء الدستوري للدولة الإسلامية، واستطاع أن يصوغ أفكار الكواكبي صياغة علمية استناداً إلى الكتاب والسنّة ونهج البلاغة، وقدَّم رؤية متكاملة عن التوحيد الذي تحدّث عنه الكواكبي في «طبائع الاستبداد» (3) .
والذي يؤكِّد تأثُّر الشيخ النائيني بفكر السيّد الكواكبي هو استخدامه لمصطلحات كتاب «طبائع الاستبداد» نفسها، مع ترحّمه على من قسّم الاستبداد إلى استبداد سياسي وآخر ديني، والذي قام بهذا التقسيم من الإسلاميين هو السيّد الكواكبي‏ (4) .
وليس من الصَّعب أن يحصل النائيني على كتاب «طبائع الاستبداد»؛ لأنه طبع أوّل مرة عام 1905م في القاهرة، ثم ترجم إلى الفارسية عام 1907م‏ (5) . ولعلّه أوّل
________________________________________
(2)المطهري، مرتضى، الحركات الإسلامية في القرن الأخير (بالفارسية)، إيران، قم، منشورات صدرا، ص 60.
(3)المصدر نفسه، ص 46.
(4)النائيني، الشيخ محمد حسين، تنبيه الأمة وتنزيه الملة (بالفارسية)، تعليق: السيّد محمود الطالقاني، طهران، الشركة المساهمة للنشر، ص 27.
(5)ترجمه إلى الفارسية عبد الحسين قاجار، طهران، 1907م.

[الصفحة - 218]


كتاب آنذاك يكرس لدراسة ظاهرة الاستبداد من وجهة نظر إسلامية، وإن كانت هناك دراسات عن الموضوع نفسه تمثّل وجهات نظر أخرى؛ أهمّها كتاب «الاستبداد» للكاتب الإيطالي «فتوريو الفبري» (1749 - 1803)، الذي أشار إليه السيّد الكواكبي في «طبائع الاستبداد» (6) .
فمسألة استقاء الأفكار والتلاقح الفكري والمثاقفة واقتباس المعلومات أمر طبيعي في حيِّز الثقافة، وليست المعرفة سوى تراكم مستمر للمعلومات وتطوير الإشارات المعرفية الصادرة من هنا وهناك.
يتكوَّن كتاب «تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة»، للشيخ محمد حسين النائيني، من مقدّمة شرح فيها المؤلّف حقيقة الاستبداد، دستورية الدولة، تحقّق الدستور ومجلس الشورى الوطني، وبيان معنى الحرّية والمساواة.
والفصل الأوّل خُصِّص لبيان حقيقة السلطة، والانحراف الذي يطرأ عليها، وإمكانية تقيّد السلطة الغاصبة، مع توضيح حقيقة التقييد وحدوده.
وفي الفصل الثاني أجاب عن سؤال مفترض هو: هل تقيُّد السلطة واجب في زمان غيبة الإمام المعصوم أو لا؟ فأجاب إجابة فقهية وافية لتسويغ وجوب تقيّد السلطة بدستور مقرّ من قبل الأمّة وممضى من قبل الفقهاء.
والفصل الثالث خصّصه لبيان قدرة الدستور على تحديد ممارسات السلطات، وتعرَّض فيه للشورى وأهمّيتها ودورها، واستشهد بسيرة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والإمام علي (عليه السلام).
والفصل الرابع خصّصه للإجابة على الإشكالات والأوهام التي تحوم حول النظام الدستوري.
والفصل الخامس شرح فيه وظيفة مجلس الرقابة المكوَّن من مجموعة من المجتهدين.
أمّا الخاتمة فقد اشتملت على أمرين:
1 ـ بيان مصادر الاستبداد.
2 ـ الطرق الكفيلة بمعالجة الاستبداد.
________________________________________
(6)الكواكبي، عبد الرحمؤن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار الشرق العربي، ط3، 1411هـ، 1991م، ص 151.

[الصفحة - 219]


المشروع الإصلاحي‏
يهدف المشروع الإصلاحي للشيخ النائيني إلى الأهداف التي نافح عنها السيد جمال الدين الحسيني المعروف بالأفغاني والسيّد عبد الرحمؤن الكواكبي وغيرهما من المصلحين. ويشابه إلى حدٍّ كبير ملامح مشروع السيّد جمال الدين، لكنه يفترق عنه بقوة التنظير الفقهي والأصولي، ونجاحه في صياغة نظرية متكاملة في السياسة والحكم.
ويمكن أن نحلّل مشروع الشيخ النائيني الإصلاحي في الخطوات الآتية:
أولاً: محاربة الاستعمار
سوف لن نتوقّف طويلاً عند هذه النقطة بعدما طالعنا سيرة الشيخ النائيني في جهاده المستمر للاستعمار، فقد انضمّ أوّل مرّة إلى سرايا الجهاد التي أعدَّها الشيخ الآخوند الخراساني للدفاع عن شمال إيران. ولمّا توفي الآخوند كان النائيني أحد العلماء الذين اجتمعوا في مدينة الكاظمية ثانية للتحرّك صوب إيران دفاعاً عن مدينة مشهد التي تعرّضت لقصف القوّات الروسية بالمدفعية.
كما شارك الشيخ النائيني في حركة الجهاد دفاعاً عن ثغور العراق التي اقتحمتها القوّات البريطانية الغازية، وكان له دور متميّز في إدارة العمليات الجهادية والوقوف إلى جانب القيادة العلمائية.
أمّا في أحداث عام 1920م.، في العراق، فقد كان الشيخ أحد قادة تلك الأحداث والمناهض الأوّل لخطط الاستعمار البريطاني، وقد وقف بشدّة بوجه التآمر على سيادة الشعب العراقي وحقّه في تقرير مصيره، ورفض أيّ حكومة في ظلّ الانتداب البريطاني. وقد تعرّض بسبب مواقفه المتشدّدة إلى النفي خارج البلاد.
كما كان أحد المندّدين بالغزو الإيطالي لليبيا، وأحد الدعاة إلى الدفاع عن ليبيا المسلمة في محنتها مع الاستعمار.
تلك المواقف الجهادية تكفي بنفسها دليلاً واضحاً على مصداقية الشيخ محمد حسين النَّائيني في دعوى محاربة الاستعمار ورفض السياسة الغازية لبلاد المسلمين.
________________________________________

[الصفحة - 220]


ثانياً: مناهضة الاستبداد
عاش الشيخ النائيني جزءاً من حياته في ظلّ الاستبداد القاجاري في إيران، وظلَّت تقلقه الممارسات التعسّفية لذلك الاستبداد وشدّة وطأته على الشعب الإيراني، وهو في مقرِّ إقامته في العراق.
ومنذ الشَّوط الأوّل من حياته العلمية في مدينة أصفهان، أخذ الشيخ النائيني يحمل انطباعاً سيئاً عن الاستبداد بجميع أنواعه فكما مرّف وظلّت تلك الصورة السوداوية للاستبداد تساهم في تكوين بنيته المعرفية وتحفِّزه باستمرار ضدّ أي لون من ألوان الاستبداد. فانحياز الشيخ إلى أنصار المشروطة أمر طبيعي يفرضه الاتّجاه العام لتفكيره المضاد للاستبداد. وإذا أضفنا العامل الديني إلى شخصية الشيخ النائيني أصبح من السهل تفسير مواقفه المضادة للاستبداد وحساسيته العالية إزاءه. كما يمكن أن نجزم أن مناهضته للاستبداد ليست «تكتيكاً» وإنما «استراتيجية» ضمن مشروعه الإصلاحي. وقد عمل بقوة من أجل تغيير الواقع وخلق مناخ نقي من الاستبداد والاضطهاد السياسي. وبهذا استحقّ أن يكون أحد الروّاد الأوائل للإصلاح.
تكلّم الشيخ محمد حسين النائيني طويلاً عن الاستبداد في كتابه: «تنبيه الأمَّة وتنزيه الملَّة»؛ فعرّفه وذكر أنواعه وأسبابه وطرق مكافحته والتخلّص منه. كما درس تاريخ الاستبداد في ظل الدولة الإسلامية، وما هي مناشئه فيها، وما هو دور الاستبداد الديني في تعميق الاستبداد السياسي وتعقيده. وسنتعرّض إلى أفكار الشيخ النائيني من خلال مراجعة كتابه آنف الذكر.
تعريف الاستبداد
المستبدّ (Despot) مشتقَّة من الكلمة اليونانية ديسبوتيس (Despotes)، التي تعني ربّ الأسرة، أو سيّد المنزل، أو السيّد على عبيده، ثم خرجت إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم، بعد أن طوّرت الكلمة غير مرّة على أيدي رجال الفكر السياسي، كان آخرهم مونتسكيو (1689 - 1755م) (7) .
________________________________________
(7)إمام، د. إمام عبد الفتاح، الطاغية.. دراسة فلسفية من الاستبداد السياسي، سلسلة عالم المعرفة (183)، الكويت، المجلس الوطني، 1414هـ، 1994م، ص 52 - 57.

[الصفحة - 221]


وقال الكواكبي: إن الاستبداد في اصطلاح السياسيين: «هو تصرّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة» (8) .
أما عند النائيني: فف«هو أن يتعامل السلطان مع أفراد مملكته معاملة المالكين لأموالهم الشخصية، فالبلاد وما فيها ملك شخصي له، وأبناء مملكته كالعبيد والإماء، أو كالأغنام والعبيد، مخلوقين ومسخّرين لإرادته وتحقيق شهواته»(9) . ثم يخلص إلى القول بأن الاستبداد هو «اغتصاب الحرّية» (10) . والاستبداد بعبارة مكثفة هو التفرّد بالسلطة أو الرأي مع قمع المعارضة.
«والسلطة المستبدّة هي تلك التي تمارس حكم الناس دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون، فالقانون في نظر هذه السلطة قيد على المحكومين دون أن يكون قيداً على الحاكم.. ومن هنا، ففي وسع هذه السلطة أن تتّخذ ما تشاء من إجراءات أو مواجهة الأفراد لمصادرة حرياتهم أو ممتلكاتهم» (11) .
و«تكون السلطة استبدادية ما دامت لا تخضع في تصرّفاتها للقانون، ولا يجد الفرد قضاء يبطل تصرّفاتها إذا صدرت على خلاف ما يقضي به القانون القائم» (12) .
ثم يستغرق الكواكبي في بيان صفات المستبدّ فيقول: إن المستبدّ يتحكّم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدّي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين.
المستبدّ: عدوّ الحقّ، عدوّ الحرّية وقاتلهما.
المستبدّ: يتجاوز الحدّ ما لم ير حاجزاً من حديد.
المستبدّ: إنسان مستعدّ بالطبع للشر وبالإلجاء للخير.
المستبدّ: يودّ أن تكون رعيته كالغنم درَّاً وطاعة (13) .
تاريخ الاستبداد
رافق الاستبداد الإنسان منذ أن طمع الإنسان في استغلال السلطة وتسخيرها لخدمة مصالحه ورغباته، فاستعبد الناس وأذلَّ الرقاب، حتى ظهر وهو يمارس الاستبداد لوحة سوداء مرعبة تثير الاشمئزاز وتبعث على التشاؤم.
________________________________________
(8)طبائع الاستبداد، مصدر سابق، ص 23.
(9)تنبيه الأمة وتنزيه الملة، مصدر سابق، ص 8.
(10)) المصدر نفسه، ص 65.
(11)أبو راس، د. محمد الشافعي، نظم الحكم المعاصرة، القاهرة، وعالم الكتب، 1984م، ص 318.
(12)المصدر نفسه.
(13)طبائع الاستبداد، مصدر سابق، ص 27 و28.

[الصفحة - 222]


وقد ضجّ التاريخ بنماذج كثيرة من الطواغيت والمستبدّين؛ فلو راجعنا الجانب الآخر للحضارات، الذي حاول بعض الباحثين إخفاءه والتستّر عليه، سواء الحضارة السومرية أو البابلية أو الآشورية أو الفرعونية أو الصينية وغيرها، نجد أن تلك الحضارات قامت على جماجم بشرية، وارتقت سلّم المدنية على حساب حرية الإنسان وحيثيته، ولولا الإهدار المتواصل لكرامته لما شيدت حضارة مادية عبر التاريخ‏ (14) ، ولما ظهرت حكومات مطلقة ذات سيادات واسعة غير مقيّدة بدستور أو قانون يحدّد سلطتها.
أما في الدولة الإسلامية فلم يسجل الشيخ محمد حسين النائيني في كتابه أي مظهر استبدادي في سياسة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) أو الخلفاء، واستشهد لنفي الاستبداد عن السياسة الإسلامية وتقبل الخليفة محاسبة الأمة له في تلك الحقبة الزمنية بمشهد من سيرة الخليفة الثاني، عندما حاسبته الأمة لارتدائه حلة يمانية تستر بدنه بينما كانت حصّة كلّ فرد من المسلمين أقلّ من ذلك، ولم يستجيبوا له في الخروج إلى الجهاد، وقالوا: «لا سمعاً ولا طاعة»، حتى أقنعهم بأنه ضم حصّته إلى حصّة ولده عبداللَّه‏ (15) .
ولكن الشيخ أرجع الاستبداد في الدولة الإسلامية إلى الحكم الأموي عندما صار الحكم وراثياً لا يراعي شرط الكفاءة اللازمة في الحاكم الإسلامي. وقد استشهد برواية متواترة عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم): «إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين اللَّه دولاً وعباد اللَّه خولاً» (16) .
فتحوَّلت الدَّولة من «دولة ولائية إلى دولة تمليكية مغتصبة لرقاب المسلمين» (17) .
ومنذ ذلك الحين، صار الاستبداد ظاهرة مألوفة في بلاد المسلمين، وممارسة يومية للحاكمين حتى ألف الإنسان الاستعباد والخضوع إلا الأحرار من أصحاب النفوس الأبية.
وقد انقسم الموقف تجاه الاستبداد؛ فمن العلماء من وقف ضدّ الظاهرة الاستبدادية حتى تعرّض للاضطهاد والتعذيب وربما الاستشهاد، ومن الفقهاء من كرّس حياته لشرعنة الاستبداد وبلورة نظرية في الفقه السلطاني؛ لذلك ليس من الغريب أن تجد الفقه السياسي الإسلامي فقهاً سلطانياً على مرّ التاريخ؛ لأنه ولد في
________________________________________
(14)لقراءة بعض الصور الاستبدادية في الحضارات القديمة راجع: مكاوي، د. عبد الغفار، جذور الاستبداد.. قراءة في أدب قديم، سلسلة عالم المعرفة (192)، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون، 1415هـ/1994م.
(15)تنبيه الأمة وتنزيه الملة، مصدر سابق، ص 16.
(16)المصدر نفسه، ص 19.
(17)المصدر نفسه، ص 21.

[الصفحة - 223]


أحضان الاستبداد، ووضع أساساً لشرعنة ممارسات السلطان وحكمه، الذي ترفضه قيم السماء والفطرة السليمة.
وقد تمادى بعض الفقهاء في تسويغ الاستبداد حتى قبلوا بولاية السلطان الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على السلطان الظالم والفاسق، وبأنَّه لا يجوز الخروج عليه. فهذا ابن كثير ـ مثلاً ـ أكّد أن يزيد بن معاوية «إمام فاسق»، لكنه يقول مع ذلك: إنّ «الإمام إذا فسق لا يعزل بمجرّد فسقه على أصحّ قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه، كما جرى ممّا تقدّم إلى يومنا هذا...» (18) .
لقد ضرب الخلفاء الأمويون والعباسيون مثالاً في الاستبداد السلطاني، ومارسوا مع الأمة سياسة استعبادية ظالمة لم تستنشق معها الأمة نسيم الحرية أبداً. وكانت آلية حكمهم هي القوة وإخماد المعارضة بالسيف؛ فهذا عبد الملك بن مروان يعرض سياسته عند تولي الأمر فيقول: «أما بعد، فلست بالخليفة المستضعف، ولا الخليفة المداهن، ولا الخليفة المأفون، إلا أني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم،... ألا إن الجامعة (القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، واللَّه لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، واللَّه لا يأمرني أحد بتقوى اللَّه بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه» (19) .
ويقول الحجاج المعروف بجبروته وشراسته وفسقه: «واللَّه لا آمر أحداً أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه» (20) .
وهكذا ظل الاستبداد الأموي ـ العباسي نموذجاً يحتذى من قبل الحكومات اللاحقة، ويمارس سطوته على الشعوب المقهورة حتى استساغ بعضها حياة الاستعباد والخضوع لسلطة المستبدّ من دون ردّة فعل تعيد للإنسان حرّيته وحقّه في تقرير مصيره.
وإذا كان الاستبداد في زمان الأمويين والعباسيين مقتصراً على الجانب السياسي، فإنه تشعَّب، في ما بعد، إلى استبداد فكري وثقافي وديني وأبوي
________________________________________
(18)ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار الكتب العلمية، ج‏8، ص 226.
(19)السيوطي، تاريخ الخلفاء، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، المكتبة الإسلامية، ص 218، وانظر: ابن عبد ربّه، العقد الفريد، بيروت، دار إحياء التراث، ج‏4، ص 375.
(20)حمادي، د. محمد ماهر، الوثائق السياسية والإدارية للعصر الأموي، ص 55، عن كتاب الطاغية، مصدر سابق، ص 210.

[الصفحة - 224]


وقبلي... حتى غدا الاستبداد فعلاً يومياً يمارسه صاحب السلطة «أياً كانت سلطته سياسية أو معنوية». وأصبح رفض الاستبداد عملاً إجرامياً يستحقّ عقوبة الإعدام أو السجن والتعذيب، كما صار مروقاً على الدين وتجاوزاً صريحاً لمقامات وسلطات مصطنعة.
أسباب الاستبداد
حاول الشيخ النَّائيني أن يغوص في عمق الظاهرة الاستبدادية بحثاً عن أسبابها، مستعيناً في قراءته لها بالقرآن وبما جاء في كتاب «نهج البلاغة»؛ فعاد إلى حقبة الفراعنة في أرض مصر، أحد نماذج الحكم الاستبدادي التاريخية، وحاول من خلال القرآن الكريم أن يحدّد أسباب الاستبداد، والدواعي التي دفعت فرعون إلى أن يتعالى ويقول: { أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى } {النّازعات/24} .
تحدّث القرآن الكريم عن علاقة فرعون مع قومه، فأشار إلى طرفي العلاقة: «علاقة الأمة بفرعون وعلاقة فرعون بالأمة».
الأول: كانت علاقة الأمّة مع فرعون مصر علاقة عبادة وطاعة عمياء لمليكهم، { وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ }{المؤمنون/47} .
الثاني: علاقة السلطان مع الأمّة، وهي علاقة الاستعباد وسلب الحرّية والاضطهاد والقهر { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }{الأعراف/127} .
هذا النَّوع من العلاقة لا يؤمِّن الأمن للأنموذج الحضاري، ولا يوفر المناخ الملائم لممارسة المساحة المتاحة من الحرّية، وإنما سيتحوّل الفرد إلى مستلب الإرادة، مقموع في داخله، يألف الاستعباد، ويعجز عن اتّخاذ أي قرار، وربّما يتعثّر أو يسقط في منتصف الطريق إذا استنشق نسيم الحرّية، أو سُمح له بممارسة حياته الخاصّة في معزل عن السلطة.
إن عقدة الاستبداد هي قابلية الفرد للاستعباد، وعجزه عن التحرّر الداخلي، وعدم رفضه للظلم والقهر الذي يمارسه المستبدّ ضدّه، ويرضى أن يكون مستلب الرأي والإرادة. وهذا ما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) في خطبته القاصعة، عندما تحدّث عن أسباب «ابتلاء بني إسرائيل بالأسر والعذاب، فقال: (اتّخذتهم الفراعنة
________________________________________

[الصفحة - 225]


عبيداً)، ثم قال في تفسير هذه العبودية: (فساموهم العذاب وجرعوهم المرار فلم تبرح الحال بهم في ذل الهلكة وقهر الغلبة)...» (21) .
وفي نص آخر له: «كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق، وبحر العراق، وخضرة الدنيا إلى منابت الشيح» (22) .
ولهذا جاء على لسان النبي موسى (عليه السلام) في حواره مع فرعون { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ }{الشعراء/22} ، أي هل أنك تمنّ عليّ لاتّخاذك بني إسرائيل عبيداً؟
إذاً، كما أن طبيعة التعالي والشعور بالتفوّق سبب لظهور الاستبداد، كذلك خنوع الأمّة وقابليتها للاستعباد سبب آخر له.
لهذا لم تقتصر ظاهرة الاستبداد على حقبة الفراعنة، وإنما هي سنَّة ممتدّة ما دام على وجه البسيطة إنسان يتحرّك. والقرآن الكريم ساق أمثلة أخرى تؤكّد دور الفرد والأمّة المستلبة في تكريس الاستبداد كقوله تعالى: { اتَّخذُوا أَحْبارَهُم ورُهْبانَهُم أَرباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالمَسِيحَ بنَ مَريمَ } {التوبة: 31} . و «يظهر من الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة، أنها فسّرت عبادة النصارى لأحبارهم ورهبانهم بالانقياد والطاعة لهم، والظاهر أنهم كما قبلوا بإرادتهم سياسة سلاطين الجور رغم أنها تفضي إلى ملكيَّتهم وعبوديَّتهم، كذلك انصاعوا إلى إرادة رؤساء المذاهب وتحكماتهم لأنها جزء من الدين؛ لذا ذمت الروايات الشريفة المروية في {كتاب‏} «الاحتجاج» تغلّب علماء السوء وعبدة الهوى وطلاّب الدنيا والرئاسة» (23) .
آليَّة الاستبداد
عندما يضمن المستبدّ قابلية الناس للاستعباد يبدأ بقمع المعارضة، ويمارس الحكم السلطوي بعد أن يخلع على نفسه جميع الصفات الإلهية، ويستخدم آلية محدّدة قوامها رفع شعار الدين واستغلال جهل الأمّة.
فالملاحظ أن المستبدّ يرفع شعار الدين ويرتدي عباءته‏ (24) عند الضرورة، بعد أن يستغلّ جهل الأمّة، ويستعين ببطانة من الجهلاء.
________________________________________
(21)تنبيه الأمة وتنزيه الملة، مصدر سابق، ص 21.
(22)علي، الإمام، نهج البلاغة، تنظيم صبحي الصالح، قم، منشورات الهجرة، ص 297، الخطبة 192.
(23)تنبيه الأمة وتنزيه الملة، مصدر سابق، ص 27.
(24)هذا عنوان أحد فصول كتاب: الطاغية، مصدر سابق، ص 157.

[الصفحة - 226]


فعلى الصعيد الأوّل، نجد فرعون يرفع شعار الدين ضدّ موسى (عليه السلام) ويوحي إلى قومه بأن واجبه يطالبه بالدفاع عن الدين، فرفع شعار { أَخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُم } {غافر/26} ، في محاولة لاحتواء الحالة الجديدة الناتجة عن حركة موسى (عليه السلام) في المجتمع ودعوته قوم فرعون إلى عبادة اللَّه تعالى ونبذ عبادة الطاغوت.
وهذه الظاهرة كثيراً ما تشاهد في مجتمعات تشكو من تدنّي الوعي، وعدم القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل، فتندفع في تأييد المستبدّ وممارساته الظالمة ضدّها من دون أن تشعر بوخز الضمير وتأنيبه.
أما على صعيد الجهل، فإن «العوام هم قوة المستبدّ وقوته بهم، عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهلّلون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض، فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون: كريم، وإذا قتل منهم ولم يمثّل يعتبرونه رحيماً، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة» (25) .
إن جهل الأمّة يخدم مصالح السلطان ويستعديه عليهم، ووعي الأمة يفضح السلطان وسلوكه المنحرف؛ لهذا أكّد السلاطين على بطانة الجهل خدمة لمصالحهم، وحاربوا تيّارات الوعي والإصلاح، فهذا ناصر الدين شاه أحد نماذج الاستبداد في العصر القاجاري، يقول: «إنه يودّ أن يكون محاطاً بحاشية من الأغبياء لا يعرفون عن بروكسل هل هي مدينة أم نوع من الخس» (26) .
من هذا المنطلق دأب المصلحون على تأكيد العلم والوعي، وحثّوا الأمّة على التعلّم وعدم الغفلة عما يعمله السلطان، بينما أكد المستبدّون دائماً أنهم ظل اللَّه في أرضه، وأنَّ واحدهم يمثّل إرادة اللَّه في الأرض، وهي شعارات أفضت إلى ظهور الحكومات الدينية في العصور الوسطى، ولها جذورها في الحضارات السابقة. حتى ادّعى السلطان أنه الإله، أو ابن الإله، أو ظل الإله، أو سلطان اللَّه، أو يمثّل مشيئة اللَّه في الأرض.
وقد ردّد الخلفاء الأمويون والعباسيون: «أيها الناس، إنما أنا سلطان اللَّه في
________________________________________
(25)طبائع الاستبداد، مصدر سابق، ص 49.
(26)لمحات اجتماعية، مصدر سابق، ج‏3، ص 103.

[الصفحة - 227]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف