البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراxة في كتاب الغزو الثقافي , المقدمات والخلفيات والنتائج

الباحث :  نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 29 / 2015
عدد زيارات البحث :  1762

قراءة في کتاب: الغزو الثقافي المقدمات والخلفیات والنتائج

الأستاذ نبیل علي صالح (*)

مرّت على الحياة الإسلاميَّة مرحلة تاريخيَّة مضيئة من الازدهار والتطوُّر الثقافي والعلمي والحضاري، شملت جميع أبعاد حركة الأمَّة والمجتمع. وقد كان الغرب خلال تلك المرحلة ـ التي امتدَّت لقرون طويلة ـ مستغرقاً في حالة نوم عميق خضع خلالها لأجواء سلبيَّة مظلمة، وسيطرت عليه ثقافة الكسل والاسترخاء والتعب، وعشعشت في داخله قيم التخلُّف والجهل والظلام. لكن المشهد، على ما يبدو، قد انعكس، وتبدَّلت صوره وتلاوينه المختلفة، فدخل المسلمون في أجواء التخلُّف نفسها. وقد كان ذلك نتيجة طبيعيّة لانشغالهم عن فهم حقائق التطوّر الربّاني ونواميسه في التواصل والانفتاح الواعي والمدروس على الآخر، وانهماكهم في ملذّات الحياة الدنيا، وانسياقهم وراء ترّهات الحياة وأباطيل الوجود. وقد أدّى بهم ذلك إلى العودة للوراء، ووقوعهم فريسة سهلة تحت سيطرة الغزو الثقافي والسياسي والاقتصادي للآخر الذي استمرَّ في فرضها عليهم، منذ بدايات الغزو الصليبي وحتى يومنا الحالي، الذي نشهد فيه طغيان أعلى مراحل هذا الغزو لبلادنا الإسلاميّة تحت شعارات إنسانيَّة وهميَّة ومزيَّفة.
وفي هذا المجال، شكَّلت مقولة «الغزو الثقافي» أنموذجاً عمليَّاً للجدل الذي دار ـ ولا يزال دائراً ـ بين مختلف القوى والتيَّارات الثقافيَّة والسياسيَّة، العربيَّة والإسلاميَّة، على مستوى التحقُّق من وجود هذا النوع من الغزو ـ حيث لا يزال بعضهم يشكِّك بوجوده أصلاً ـ ثمّ فهم طبيعته، ومرتكزاته العمليَّة، وأساليب مواجهته. وقد انهمكت دوائر ثقافيّة ـ وحتى سياسيَّة ـ كثيرة عندنا بتسخين أو تخفيف حدَّة التعامل مع هذه المسألة الهامَّة، التي تتّصل فكما قلناف بالتقدّم والتطوّر (أو التأخّر) الحضاري الإسلامي ككلّ؛ خصوصاً بعد أن عاد الإسلام المحمّدي الأصيل إلى الساحة الواسعة، وتجذّرت
________________________________________
(*)باحث وکاتب من سورية.

[الصفحة - 264]


امتداداته الحيَّة في صُلب الواقع، واستأنف دوره الحضاري الرائد بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة المباركة في إيران عام 1979م. بقيادة الإمام الخميني الرَّاحل (قده).
وبديهي أن ينصبَّ الاهتمام الراهن حول علاقة الإسلام بالثقافات الأخرى ـ ومنها الثقافة الغربيَّة المهيمنة حاليَّاً ـ وتتركَّز الدِّراسات الفكريَّة على ضرورة دراسة مواقع الغزو الثقافي والإعلامي المعاصر وأجوائه ورموزه؛ باعتباره أهمّ الأسلحة التدميريَّة التي يعمل الآخر على الاستفادة القصوى من تأثيراتها السلبيَّة على عالمنا الإسلامي، وتحريكها ضدّه من أجل الإبقاء على تخلُّفه وهامشيَّته في مواقع الحياة جميعها، والتحذير من المشاركة العمليَّة الفاعلة إلى جانب الغرب في بناء الحضارة الإنسانيَّة.
ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحاً أمامنا من خلال فهمنا لطبيعة القاعدة التي بنت (وتبني) الثقافة الغربيَّة عليها وجودها باستمرار، وهي ـ بالدرجة الأولى ـ قاعدة الغزو الثقافي الدائم، والحضور الإعلامي الضاغط والمكثَّف في جميع الاتّجاهات التي نحن على صلة بها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بما يؤدِّي ـ في النهاية ـ إلى تمييع ثقافة الشباب الملتزم بالإسلام بوصفه نهجاً حضاريّاً ورساليّاً في امتداد الحياة كلِّها، وهدر طاقاتهم، وتسفيه مواهبهم، وتشويه السلوك الاجتماعي العام للمسلمين، وفرض رؤية وجوديَّة وكونيَّة ماديَّة جديدة عليهم تتناقض ـ جملةً وتفصيلاً ـ مع معايير ثقافتنا الإسلاميَّة وأبعادها ومعطياتها القائمة على قاعدة الوسطيَّة والتوازن الدقيق بين الروح والمادّة.
وعلى خلفيَّة هذه المواجهة الحضاريّة الشاملة بيننا وبين الغرب (التي نتمنّى أن يكون «الحوار بالتي هي أحسن» عنوانها وقاعدتها الأساسيَّة) يأتي هذا الكتاب: «الغزو الثقافي» الذي يظهر فيه مؤلِّفه ـ سماحة السيِّد علي خامنئي ـ متابعاً دقيقاً، وراصداً واعياً لموضوع الغزو الثقافي، وذلك من موقعه الرسمي والشعبي، ومسؤوليّته الرساليَّة العالية.
لقد جاءت طروحات هذا الكتاب ومباحثه ـ بمجملها ـ واقعيّة وصريحة كونها انطلقت من خلال إنسان مسؤول عاش شبابه في حركيَّة الثورة الإسلاميَّة،
________________________________________

[الصفحة - 265]


وكان من الإسلاميّين الأُوَل الذين انفتحوا على قضايا الإسلام في العصر، فامتلك ـ نتيجةً لذلك ـ ذهنيّة إسلاميّة مستنيرة وعصريّة في فهمها الملتزم لقضايا الإسلام والإنسان. أي أنّه كان يلاحق الأمور، ويتابع مجريات الأوضاع على أرض الواقع اليومي بتفاصيله وتشعُّباته جميعها بعيداً عن حالة المنظِّر الثقافي العام الذي قد يفكِّر في الأجواء الثقافيَّة الضبابيَّة التي يمكن أن تكون بعيدة ـ في معظم الأحيان ـ عن حقائق الحياة وتجارب الواقع.
وبطبيعة الحال، نحن لا نستطيع أن نعدّ هذا الكتاب أكاديميّاً بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، لأنَّه جاء على شكل منطلقات وبيانات وخطابات ورؤى فكريَّة ومواقف عمليَّة حيال مسألة الغزو الثقافي، تكوّنت لدى سماحة السيِّد الخامنئي خلال مدّة من الزمن، حتى تجمّعتْ ونضجتْ ـ على خلفيّة هذه المتابعة ـ نصوصاً كثيفةً وغنيَّة تمَّت إعادة تنظيمها وتنسيقها وإعدادها من جديد لتخرج بهذه الحلّة الفكريَّة المثمرة.
لقد قُسّمتْ مباحث الكتاب إلى ثلاثة فصول، حمل الأول منها عنوان: «مقدِّمات تأسيسيَّة في مقولتي: الغزو الثقافي والتبادل الثقافي» (ص: 35 - 80). وفيه تناول المؤلِّف أفكاراً نظريَّة وتطبيقيَّة ـ تتَّصل بمفهومي «الغزو» و «التبادل» الثقافي ـ ضمن خمسة عناوين رئيسيَّة:
1 ـ مفهوم الغزو الثقافي (ص: 37 - 38).
2 ـ أهمِّية الإيمان بوجود الغزو الثقافي وضرورة النهوض لمواجهته (ص: 38 - 56).
3 ـ الفوارق بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي (ص: 56 - 65).
4 ـ الخلفيّة التأريخيّة والجذور العلميَّة والثقافيَّة لإيران المسلمة:
أ ـ الصلة التاريخيَّة بين العلم والدِّين وانفصالهما عن بعضهما. ‏
ب ـ ازدهار العلم هدف أساسيّ للثورة الإسلاميَّة (ص: 65 - 74).
5 ـ مسؤوليَّة الشباب الخطيرة في تحقيق النموّ العلمي (ص: 74 - 77).
أمَّا الفصل الثاني من الكتاب فقد تمحور الحديث فيه حول قضيَّة «العالم الإسلامي والغزو الثقافي» (ص: 83 -
________________________________________

[الصفحة - 266]


158)؛ حيث تمَّ تقسيمه إلى أربعة أقسام هي:
القسم الأوَّل: لمحة تاريخيَّة عن خطِّ مواجهة الثقافة الاستكباريَّة للثقافة الإسلاميَّة (ص: 83 - 92).
القسم الثاني: علل الغزو الثقافي الاستعماري للعالم الإسلامي وجذوره(ص: 95 - 100).
القسم الثالث: الغزو الثقافي الاستعماري للعالم الإسلامي فالوسائل والأدوات (ص: 103 - 120).
القسم الرابع:
1 ـ نهوض المسلمين لإحياء حاكميَّة الإسلام.
2 ـ تبيين الحقائق الإسلاميَّة عن طريق الفنِّ والوسائل الأدبيَّة.
3 ـ اتِّفاق المسلمين ووحدة كلمتهم.
4 ـ تصدير الثورة معناه بثّ الثقافة الإسلاميَّة الأصيلة (ص: 123 - 155).
نأتي الآن إلى الفصل الثالث والأخير من هذا الكتاب الذي دار فيه الحديث حول «الثورة الإسلاميَّة والغزو الثقافي» في ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: نبذة عن تاريخ الغزو الثقافي في إيران.
القسم الثاني: علل الغزو الثقافي المناهض للثورة الإسلاميَّة وجذوره.
القسم الثالث: وسائل العدوِّ في الغزو الثقافي المضاد للثورة الإسلاميَّة وأدواته (ص: 159 - 249).
خلاصةً عامَّة ومفيدة لمجمل ما جاء في الكتاب نجد ضرورة ملحَّة في تثبيت أهمّ أفكار الرؤية المفاهيميَّة وعناصرها التي احتوتها مباحثه.. وهي:
أوَّلاً: التركيز الدائم على إسلاميَّة الإيرانيِّين، وضرورة تعلّمهم من المحيط الحضاري الذي يعيشون فيه، ويتفاعلون معه؛ أي أنّ صفة الإيرانيَّة أو الإسلاميّة، أو أيَّة صفة أخرى، يجب ألاّ تمنع الإنسان من التعلُّم والانفتاح على الآخرين في مواقع قوّتهم، في أفكارهم الجيِّدة، وطروحاتهم المفيدة للإنسانيَّة جمعاء.
ثانياً: التفريق بين مقولتي «الغزو» و «التبادل» باعتبار أنَّ الغزو يعني اجتثاث أصول الثقافة الخاصَّة والقضاء عليها نهائيَّاً، أو على الأقلّ النظر إليها بوصفها ثقافةً هامشيَّة (لا مركزيَّة) في
________________________________________

[الصفحة - 267]


مقابل اعتبار الثقافة الغربيَّة هي الثقافة المركزيَّة الوحيدة المؤهَّلة لقيادة العالم. بينما تعني مقولة «التبادل» ضرورة الانفتاح الواعي والمدروس على الآخر، ومدّ جسور التعاون والتواصل الثقافي والحضاري معه من موقع النّدية والتَّكافؤ لا من موقع المحاكاة والتماهي والذوبان في منظومته الروحيَّة والمفاهيميَّة.
ثالثاً: إذا كان الغرب مسؤولاً عن المقدّمات الأساسيّة لآليات هذا الغزو وأساليبه، فإنّ المسلمين مسؤولون بشكل أكبر عنه، ويتحمَّلون قسطاً أوفر من مسؤوليّة هزائمهم وسقوط مشاريعهم التحديثيَّة في هذا المجال. لأننا ـ بوصفنا مسلمين ـ نهيِّىِّ له (للغرب) الأساليب والآليات المناسبة التي تمنحه مساحة واسعة من حرِّية الحركة والامتداد على أراضينا من خلال تضعيفنا لأنفسنا. فلضعفنا، وبضعفنا يحدث الغزو، وينمو، ويكبر، ومن ثمّ ينتشر.
رابعاً: نحن نعترف بوجود الغرب بوصفه قوَّة حضاريَّة متقدِّمة علينا في علومها وصناعاتها وتقنيَّاتها، وقد يمتلك أصحابها أفكاراً وأشياء أفضل ممَّا هو موجود في دائرتنا الحضاريَّة الإسلاميَّة؛ لذلك فالمطلوب هو أن نحثَّ الخطى، ونشمر عن السواعد، ونتغلَّب على الصعاب، ثمَّ ننطلق باتّجاه امتلاك عناصر تقدُّم تلك الحضارة وتطبيقاتها وأدواتها من خلال إرادتنا الواعية والحرَّة، ومن دون قسر أو إكراه.
ممَّا تقدَّم يبدو لنا أنّ عناصر تلك الرؤية الموضوعيّة المتوازنة لمسألة حسّاسة وخطيرة كمسألة «الغزو الثقافي والإعلامي» تعبِّر عن متابعة حركيَّة دؤوبة وحيَّة، ونابضة بالحسِّ الواعي والمسؤول لجميع ملفّات الواقع الحضاري الإسلامي والإنساني المعاش حاليَّاً وأجوائه، في ظلِّ مناخ سياسيّ واجتماعيّ وإعلاميّ عالميّ يعمل على تأصيل نزعات الدمار والخراب، وقيم الفرديَّة، والتعصُّب، والدوران حول محور الغرائز والأنانيَّات، ومحاولة تعميق ثقافة الكسل والاسترخاء والجمود بين الشعوب المستضعفة جميعها.
ولهذا وجدنا الكتاب يتعامل مع قضيَّة «الغزو الثقافي» من خلال اعتبارها حقيقة واقعة لا مفرَّ أمامنا من ضرورة
________________________________________

[الصفحة - 268]


وعيها ودراستها وتحليلها علميّاً وموضوعيّاً، والإسراع إلى اتّخاذ الإجراءات العمليّة المناسبة لمواجهتها، والتخلُّص من آثارها السلبيَّة وأجوائها الضاغطة على الفكر والإنسان في عالمنا الإسلامي، طبعاً ليس بالانغلاق على النفس والتقوقع على الذات، ولكن بتعميق قيم الانفتاح الواعي والتواصل الممنهج والمدروس مع الآخر. وهذه نقطة إيجابيّة لمصلحة الكتاب الذي قلنا عنه سابقاً بأنَّ مؤلِّفه يميِّز تمييزاً واضحاً وذكيَّاً بين مقولتي «التبادل» و «الغزو»، ومقولتي «الانفتاح» و «الانغلاق».
وفي هذا السياق نؤكِّد على مسألة (نقديَّة) مهمَّة جدَّاً؛ وهي أنَّه يجب علينا جميعاً ـ خصوصاً من هم في مواقع المسؤوليَّة والعمل الرسالي ـ ألاّ نستغرق كثيراً في الحديث عن مقولة «الغزو» بحيث تتحوَّل، أمام أجيالنا، من كونها مظهراً سلبيَّاً ـ يجب وعي معطياتهِ الداخليَّة ومحاولة تطويق أسسهِ ومرتكزاته في مواقعها الأولى ـ إلى حالةٍ في النفس تتحرَّك في الداخل الشعوري والوجدانيّ لتلك الأجيال الصاعدة ـ التي تمتلك طاقاتٍ ومواهبَ هائلة فبوصفها عقدةً مرضيَّة أو عاهة نفسيَّة مستديمة لا شفاء منها؛ بحيث تبدو الغاية الأساسيَّة لها في التمويه على الواقع الفاسد والظالم، والاختباء خلف مقولات «المواجهة» و «التحدِّي» و «الدفاع عن الذات» لتمرير مشاريع وصفقات خاصَّة مشبوهة يمكن أن تتحرَّك في داخل أجوائنا الإسلاميَّة لتُسقط وعينا الإسلامي الفعّال بديننا ومبادئنا ومشروعنا الحضاري الإنساني.
وهذا أمر واقعيّ وطبيعيّ يمكن أن تعاني منه أيَّة حضارة أو أمَّة؛ إذ إنَّ هناك ـ على مستوى أمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّة ـ كثيراً من المؤسَّسات والأشخاص والمواقع الكبيرة ـ ممَّن ينتمون اسميَّاً إلى تلك الأمة، ويمارسون عملهم في مواقع المسؤوليَّة العالية فيحاولون التستّر خلف تلك الشعارات، والاختباء وراء تلك المقولات الصحيحة والمحقَّة بهدف رعاية مصالحهم، وتثبيت أقدامهم وقواعدهم المهتزَّة هنا وهناك.
لذلك ـ وفي مقابل تصحيح رؤية الوضع العام السائد حاليَّاً بخصوص تلك القضايا ـ لا بدَّ من مراعاة جانب التفاهم الثقافي والحوار الحضاري مع الآخر في عالم متداخل ومتشعِّب، فيه
________________________________________

[الصفحة - 269]


الكثير من الثقافات المتنوِّعة المنتشرة في كلِّ حدب وصوب. ونحن ـ طبعاً ـ نؤكِّد على أهمّية هذه النقطة بالرّغم من وجود الكثير من النخب الثقافيَّة والسياسيَّة التي تشكِّك أصلاً بمصداقيَّة هذا التوجُّه الهادف والمسؤول.
وبطبيعة الحال، يجب أن نفهم بأنّ المعنى الحقيقيّ لمفهوم «التبادل» و «التفاهم» الثقافي والحضاري مع الآخر لا يعني مطلقاً أن نقلِّده؛ لأنّ تقليده لن يتيح لنا سوى التشويه والانحراف وإلغاء الأنا الحضاريّة والثقافيَّة الخاصَّة بنا (وهذا ما يريده الغرب أساساً)، وكذلك لا يعني أن نقفز فوق منجزات الحضارة الغربيَّة وتطبيقاتها ـ كما ذكرنا سابقاً ـ ولكنّه يعني ـ في أحد تعبيراته ـ أن نستجيبَ فعليّاً للتحدِّيات التي تواجهنا من خلال الخروج من حالة القصور والعجز المطبق، الذي نعايشه، بالتحرُّر من العادات والقيم والمبادى البالية التي تصادر العقل، وتعطِّل الفكر، وتوقف مسيرة التقدُّم والازدهار الحضاري. الحلّ هو بالحوار والتفاهم والتصالح (العلمي) مع الغرب، وفكّ الارتباط العملي القائم بين روحانيَّة هذا الغرب وثقافته من جهة، وعلومه وإنجازاته التقنيَّة والتكنولوجيَّة من جهة ثانية، تماماً كما قامت اليابان ـ وغيرها من الدول المتقدِّمة التي رفضت الاندماج والذوبان في الثقافات الأخرى ـ بتحمّل مسؤوليَّة بناء ذاتها الحضاريَّة وفقَ مناهجها وثوابتها التاريخيَّة، وانطلقت لتصنع عالميَّتها من خلال خصوصيَّتها الثقافيَّة.
لذلك علينا أن نعمل على تعميق الممارسة الإبداعيَّة لثقافتنا الإسلاميَّة وهويَّتنا الحضاريَّة على نحو فاعل ومنتج وخلاَّق يفتح أمامنا السبل والمجالات الواسعة من أجل أن نصنع حداثتنا، ونبرز عالميَّتنا بما يتناسب مع وضعنا وذاتنا ونسيجنا التاريخيّ والعقائديّ الإسلاميّ.
وبالنتيجة، نحن أصحاب ثقافة عالميَّة وحضارة كونيَّة، رضينا بذلك أم لم نرضَ. فنحن نشهد أحداث العالم، ونتفاعل مع أوضاعه ومجرياته كبيرها وصغيرها. أي أنّنا نشارك في الحركيَّة العالميَّة لهذا العصر الكوني بصورة من الصور، كما تشارك سائر الأمم والدول فيه، مع فارق أساسي؛ وهو أنَّ كلَّ مجتمع يمارس عالميَّته انطلاقاً من
________________________________________

[الصفحة - 270]


خصوصيَّته (رؤيته الكونيّة) المنتجة والقادرة على المساهمة في عمليّة التجديد والإبداع الحضاري العالمي.
وبديهي جدَّاً أن نؤكِّد هنا أنَّ عالميَّة الحضارة ـ وضرورة تفاعلها مع الحضارات الأخرى ـ لا تلغي إمكانيَّة وجود أجواء للصراع أو للتنافس (الانتقام) الحضاري بين الأمم الحضاريَّة البشريَّة على امتداد الساحة الكونيَّة الكبرى، وفي هذا المجال، من الطبيعيّ أن يكون للغزو الثقافي والإعلامي ـ خصوصاً في عصر العولمة، ومجتمعات الثورة المعلوماتيَّة الحاليَّة ـ دورٌ أساسيٌّ في هذا الصراع الكونيّ.
من هنا نؤكِّد على ضرورة أن تمارس حضارتنا الإسلاميَّة ـ التي ساهمت في عمليَّة النموِّ والإبداع الحضاري العالمي في ما مضى من التاريخ الإنساني ـ خصوصيَّتها الشاملة على نحو فاعل وخلاَّق يتيح لها أن تواجه بقوَّة مقولة «الغزو» ـ وغيرها من مقولات الصراع والتنافس وقضاياهما ـ وتصنع حداثتها الإسلاميَّة، وتبرز عالميَّتها الإنسانيَّة، وتؤكِّد حضورها الفعَّال، وتنشر سلطانها، وتعمِّم خصائصها.
إنَّ مواجهة غزو الآخر ـ المتفوِّق علميَّاً وصناعيَّاً ـ لا تكون ـ كما أسلفنا ـ بالتقوقع على الذات، والانغلاق على قيمها وتعاليمها الخاصَّة، أو ممارسة هذه الخصوصيَّة بطريقة تتأكَّد فيها هامشيَّتها، ويُساء فهمها، كما هو شأن مجتمعاتنا وبلداننا الإسلاميَّة التي إذا أرادت أن تصنع حَدَثاً، فإنَّها تنطلق لإبراز قوَّة الآخر وضخامته بما قد يسقط ـ نفسيَّاً وواقعيَّاً ـ معالم الممانعة الحيَّة لدينا وعناصرها، الأمر الذي سرعان ما يرتدّ علينا وبالاً ونكالاً. وقد جعل هذا الأمر معظم سياساتنا الداخليَّة والخارجيَّة سلسلة متواصلة من الأخطاء والكوارث والأزمات.
إنَّنا نؤكِّد ـ مع الكتاب ـ أنّ «الغزو الثقافي» مسألة واقعيَّة، لها جذورها وأجواؤها المسيطرة حاليَّاً، ولا نستطيع أن نهرب من مواجهتها، وفيها يتحرَّك الغرب مدعوماً باديولوجيَّة شاملة فمعزَّزة بسلطات معرفيَّة هائلة، وبمختلف ضروب القوَّة الثقافيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة ـ من أجل تنصيب «أيديولوجيَّته» ـ عن طريق الغزوف خياراً وحيداً للبشريَّة كافَّة. وبالمقابل نجد أنَّ عالميَّة حضارتنا
________________________________________

[الصفحة - 271]


وإنسانيَّتها هي مسؤوليَّة خطيرة وجسيمة ملقاة على عاتقنا جميعاً، ولا يمكننا التهرُّب منها، فإمَّا أن نتحمَّلها، ونحسن أداءها، وممارستها فعلى طريق إسقاط مقولات الصراع ومنها مقولة «الغزو الثقافي»ف أو ننعزل وننكفى وننحو باللائمة على الغرب وأهله.
من هنا ينبغي علينا أن نعمل ففي سياق إنتاج القوَّة الفكريَّة والعلميَّة للنهوض بواقعنا ومواجهة الآخر إنفاذاً لقوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ.. } }الأنفال/60{ فعلى أساس أن ننتج حلولاً لقضايا الإنسان المعاصر، حتى نستطيع أن نواجه المشكلة بالحلول الواقعيَّة التي نمتلكها من تراثنا ومن واقعنا الراهن، من أجل صنع عالم إسلاميّ مثقّف بالإسلام في ما يحتاجه الإسلام من الثقافة المعاصرة؛ لأنَّ وجود معرفة وثقافة إسلاميَّة عاشت في ما مضى من الزمان لا يكفي للانتقال إلى مرحلة حضاريَّة جديدة؛ لأنَّ المثقَّفين الإسلاميِّين في الواقع الثقافي الماضي كانوا يعالجون مشاكل ذلك العصر وتحدِّياته بما لديهم من ثقافة ومخزون فكري، وقد أنتج العصر الحالي مشاكل وقضايا حياتيّة كثيرة، فلا بدَّ لنا من أن نعرف كيف يمكن أن نواجه هذه التحدِّيات العصريَّة المتنوِّعة بعقليَّة إسلاميَّة معاصرة، تعرف كيف تنطلق المشكلة، وما هي أهدافها ودوافعها، وطرق علاجها! وهذا الكلام لا يفترض بنا أن نسقط أمام العصر، ونخضع لمقولاته وتعقيداته وأجوائه السلبيَّة، بل أن نعرف ماذا في داخله؛ ليكون لنا حسُّ معاصرته؛ لأنَّنا إذا عرفنا الداء لا بدّ من أن نعرف الدواء. وهذا أمر لن يتمَّ ما لم نعرف لغة هذا العصر، وذهنيَّته. وذلك من خلال أن ننزل إلى أرض الواقع، ونعايش التجربة الإنسانيَّة الحيَّة في مواقع انطلاقتها وامتدادها، لا أن نبقى بعيدين عنه (عن العصر)، ومنغلقين على أنفسنا بداعي الحرص الشديد على نقاوتنا وطهارتنا، والحفاظ على أصالتنا وحضارتنا، والخوف الشديد على ذاتنا من غزو الآخر.
ونحن نعتقد ـ استكمالاً للحديث السابق عن أساليب المواجهة ـ أنَّ ممارسة النقد العلميّ والموضوعيّ لأفكارنا وممارساتنا العمليَّة، وذاتنا الحضاريَّة، وتعميق الحسّ النقدي للإنسان المسلم، هي أحد أهمّ تجليّات المواجهة الحضاريَّة المبدعة مع الآخر؛
________________________________________

[الصفحة - 272]


لأنَّ بناء حضارتنا لا يقوم فقط ـ كما أكَّد الكتاب ـ على تضخيم إيجابيَّات الواقع، وغضِّ النظر عن سلبيَّاته الكثيرة، بل يقوم ـ إلى جانب تعميق النهج والخطوات الإيجابيَّة ـ على قاعدة مواجهة الحياة والواقع بطريقة النقد العقلاني الهادى والمتوازن الذي يدفع الإنسان المسلم إلى محاكمة الأمور بقوَّة المنطق والحكمة والتوازن والمسؤوليَّة، لا بمنطق القوَّة والعاطفة والاتّهامات الجاهزة للآخر، ويرشده إلى السبل الكفيلة ببناء أسس نقديَّة واعية تسمح بنموِّ ثقافة منتجة جديدة، وقادرة على تقديم الحلول العمليَّة للمشاكل المطروحة حاليَّاً، بما فيها الحلّ الضروري لأزمة انسداد أفق التغيير والتحرُّر، سواء أكان تحرُّراً عقليّاً أم ماديّاً.
________________________________________

[الصفحة - 273]