البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدولة الاسلامية دولة عالمية

الباحث :  عبد الكريم آل نجف
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 26 / 2015
عدد زيارات البحث :  1018

الدولة الإسلامية دولة عالمية

الشیخ عبد الكريم آل نجف‏ (*)

ـ مقدمة
ـ مفهوم الدولة العالمية
ـ الدولة العالمية ضرورة إنسانية وإسلامية
ـ الأبعاد العالمية للدولة الإسلامية
قبل الدخول في صميم البحث لا بد من التطرق إلى جهات الأهمية التي يحضى بها الموضوع الذي نحن بصدده وهو عالمية الدولة الإسلامية ويمكننا تحديد جهات الأهمية بالنقاط التالية:
1 - سد فراغ في مجال ضروري وحيوي‏
إذ لم يوجه المعنيون من الكتّاب والمفكرين الإسلاميين العناية الكافية بهذا الموضوع، وما هو مسطور في الكتب إرشادات عامة بعالمية الإسلام وقابليته على مزج الأجناس وصهر القوميات وإذابة الفوارق بين الأوطان، وبغض النظر عن أهمية الموضوع وحيويته فإن سد الفراغ يشكل بحد ذاته غرضاً كافياً للاهتمام وبذل الجهد.
2 - بلورة نظرية غائبة أو غير مكتملة
إن عالمية الإسلام مبدأ كلي، ومن الضروري عدم الاكتفاء ببيان هذا المبدأ ومدى إيجابيته ومصداقية الإسلام فيه، بل تجاوز ذلك إلى الحرص على ترجمته وتحويله إلى مبادى تفصيلية ونظريات متكاملة في المجالات السياسية والاجتماعية والقانونية طبعاً لطريقة «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع». وبمقتضى ذلك تصبح عالمية الإسلام رافداً أساسياً من روافد تكوين النظرية السياسية وبناء الدولة في الإسلام.
________________________________________
(*)باحث إسلامي من العراق.

[الصفحة - 54]


لقد درس العلماء السياسة موضوعة الدولة بإسهاب طبقاً للمنهج الوضعي المعتمد لديهم وحلّلوها إلى عناصر وأركان، وعلى المفكر الإسلامي أن لا يواكب هذا المنهج ويحذر من الدعاية القائلة بأن العلوم حيادية بين الأديان والايديولوجيات لأن هذه الدعاية صادقة في العلوم الطبيعية وكاذبة تماماً في العلوم الإنسانية كعلوم الاجتماع والنفس والتربية والسياسة، لأنها قائمة على أساس علماني، أي أنها ذات جذر وانتماء ايديولوجي خاص وبالتالي لا يمكن وصفها بالحياد، ومن النماذج البارزة لذلك علم السياسة الذي حلل الدولة إلى عناصر ثلاثة، الشعب والإقليم والسيادة، وهي عناصر مستوحاة من المناخ العلماني القائل بأن «الدين للَّه والوطن للجميع» وسيأتي في طيِّ هذه الدراسة أن عنصر السيادة يمثل مركز الخلل الأخلاقي في النظرية الغربية ونقطة الافتراق الأساسية بينها وبين النظرية الإسلامية في حقل الدولة العالمية، وهذا يعني ضرورة الشروع بتأسيس علم سياسي إسلامي يقوم بتحليل الدولة ونشأتها وخصائصها طبقاً للمنهج الإسلامي، وهكذا الأمر في العلوم الإنسانية الأخرى، وفي صورة واحدة فقط يمكن تفهم حيادياً العلوم الإنسانية وهي ما إذا تخلَّى الخبير في هذه العلوم عن الاحتكار العلماني لهذه العلوم وتصور إمكانية ظهور نظريات دينية إيجابية قادرة على إدارة دفة الحياة الإنسانية في الحقول المختلفة على أساس الوحي السماوي، أو بتعبير آخر، تخلى عن الاحتكار الغربي القائم على أساس ما اعتبره الغربيون بديهيات، كبديهة «العلمانية» التي لا نقاش فيها لديهم فجعلوها بسبب ذلك أساساً تقوم عليه العلوم الإنسانية.
3 - تكريس خصيصة إسلامية أصيلة في المجتمع‏
إن العالمية خصيصة إسلامية أصيلة ومشرفة وباعثة على الافتخار بما ننتسب إليه من دين وأمة وتأريخ. وحينما نتحدث عن دولة عالمية ونكتب عنها فإنما نريد من وراء ذلك السعي إلى تكريس هذه الخصيصة وتعميقها أكثر، بخاصَّة في هذا العالم الذي أصبح يحنّ إلى الدين والسماء ويحلم بالألفة العالمية والإنسانية وينفر من القومية وحروبها.
________________________________________

[الصفحة - 55]


إننا لا نستطيع التحدث عن تجربة إسلامية ودولة إسلامية ما لم نأخذ بكل جزئيات الإسلام وأبعاده ومعالمه. والعالمية ليست جزءاً ولا بعداً من الإسلام فحسب؛ إنها روح تسري فيه، ومنهج حاكم عليه. فلا بد أن تعطى أهمية.
4 - تنقية المجتمع من الشوائب‏
لا ينكر أحد أن المجتمع الإسلامي يحمل في داخله تركة ثقيلة ومؤسفة من الانحرافات التي حصلت في التأريخ الإسلامي عن خط الإسلام الأصيل ومنهجه القويم، ومن جوانب ذلك العصبيات القبلية والقومية والوطنية التي حصلت في التأريخ الإسلامي بدءاً من قضية السقيفة ذات المنطق القبلي المتعصب ومروراً بالمعركة التي شغلت المسلمين من الأندلس إلى الهند مدة طويلة وأطلق عليها تسمية «شعوبية»، وانتهاءاً بانهيار الخلافة العثمانية والدولة القاجارية في تركيا وإيران وقيام دولتين قوميتين مكانهما.
وليس من شك أن مثل هذه التركة تترك آثارها السلبية على ثقافة المجتمع وأجوائه النفسية والأخلاقية، ولعل أيسرها تقوية جانب العصبية وإضعاف روح الأخوة والانفتاح الإسلامي.
وإذا أضفنا المرحلة المعاصرة المشبعة بالتغريب والثقافة القومية استطعنا أن ندرك حجم الشوائب ونوعيتها التي طرأت على المجتمع الإسلامي وكدّرت صفوه، وفي حالة كهذه لا يسعنا إلاّ أن نتساءل: كم هي الحاجة ملحَّة وضرورية إلى طرح المفاهيم الإسلامية الأخلاقية العالمية وتأكيدها وتعميقها في المجتمع والدولة؟
5 - مواجهة الخطر القومي‏
إن خط الشهادة بما يمثِّل من سلطة إلهية سماوية على الكون والإنسان يتكون من ثلاث مراحل، هي: مرحلة التوحيد، ومرحلة النبوة، ومرحلة الإمامة. وإذا ما تابعنا السير التأريخي لهذا الخط وهذه السلطة وجدنا الخصم الأساسي والمشترك في كل المراحل هو العصبية. فالعصبية هي التي دفعت إبليس للاعتراض على الذات الجليلة في مسألة السجود لآدم إذ قال مستنكفاً { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } {الأعراف/12} ، وهذه هي محنة التوحيد مع العصبية، والعصبية هي التي
________________________________________

[الصفحة - 56]


واجهت النبوات دائماً. قال تعالى: { وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذيرٍ إلا قال مترفوها إنَّا وجدنا آباءنا على أمة وإنَّا على آثارهم مقتدون } {الزخرف/23} فهي محنة الأنبياء، وأخيراً هي المشكلة التي واجهت الإمامة إذ قال المعترضون على علي (عليه السلام): لا تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد، وإذا راجعنا الخطاب الذي ألقاه أبو بكر في مؤتمر السقيفة وجدناه مشحوناً بالعصبية. فهي محنة الإمامة أيضاً.
وفي التأريخ السياسي الحديث واجه المسلمون القومية بوصفها خطراً أشد من الإلحاد والماركسية، فهي التي أسقطت الخلافة العثمانية، وهي التي جزأت المسلمين إلى دويلات، وهي التي مهدت للتغريب والتبعية الغربية، وهي الخطر الذي من الممكن أن يستزل النهضة الإسلامية الحديثة إلى منافرات محلية وخصومات إقليمية.
وهذا يعني أن البحث والكتابة عن عالمية الإسلام ودولته عمل من شأنه تحصين الجبهة الداخلية ضد الخطر الكبير الذي يواجهها.
6 - المساعدة على نشر الإسلام وتوسيع رقعته‏
إنَّ هناك مؤشرات متزايدة تدلل على أن الإنسان المعاصر غداً مهيئاً لتقبل الإسلام وتفهمه واعتناقه، وبالتالي على إمكانية الشروع بفتوحات إسلامية جديدة من طرف المسلمين إذا تحلّوا بالكفاءة والجدارة اللازمة لهذا الدور التأريخي.
وهناك مؤشِّرات أخرى متزايدة أيضاً تدلل على تنفر الإنسان المعاصر من القومية والعصبيات، وتشير إلى الانفتاح والميل إلى الإلفة الإنسانية، ومن هنا فإن البحث في عالمية الإسلام ودولته سيحقق غرضاً رسالياً وإنسانياً كبيراً إذ سيرشد الإنسانية إلى العلاج الناجح ويعمق في داخلها روحية الانفتاح على الإسلام، ولا يشك أحدٌ في أن هذه وظيفة رسالية ينبغي على جميع المسلمين القيام بها واستثمار هذه الفرصة التأريخية المؤاتية لها.
مفهوم الدولة العالمية
وقبل البحث في عالمية الدولة الإسلامية لا بدَّ أولاً من تحديد مفهوم الدولة العالمية وما هو المعنى المقصود بهذا العنوان؟
________________________________________

[الصفحة - 57]


المفهوم الشائع لهذا العنوان في أغلب المؤلفات السياسية حتى الإسلامية منها يدلُّ على أن الدولة العالمية هي الدولة التي تبسط سلطانها على أوطان وقوميات مختلفة بغضِّ النظر عن المحتوى الايديولوجي لها، وسواءً أكانت مكتفية برقعة معينة من الأرض أَم طامحة إلى السيادة على المعمورة كلها، وحينئذٍ يكون النموذج الواضح لها هو النظم الامبراطورية، ولذا نجد كاتباً كأحمد حسين يتحدث في سياق دعوته إلى الحكومة العالمية الواحدة عن النظم الامبراطورية في التأريخ على أنها حكومات عالمية كانت هي السَّائدة في التاريخ الإنساني وهي التي عرفها للتاريخ أكثر من غيرها (1) ومن وجهة نظره فإن قيام الدولة العالمية من جديد «لن يحتاج إلى إجراءات ثورية أو تطورات حادة وعنيفة فما على قادة الدول إلا أن يتخذوا من ميثاق هيئة الأمم الحالي نقطة الأساس والمنطلق وإدخال بعض التعديلات على ميثاقها لسدِّ الثغرات التي كشفت عنها التجربة والتطبيق»(2).
فالمسألة من وجهة نظره دستورية إدارية وليست ايديولوجية عقائدية!!
بل إِنَّ هذا المعنى ينطبق على ما هو أسوأ من ذلك، ففي العديد من المؤلَّفات يجري إطلاق تسمية «الدولة العالمية» على الحكومة اليهودية التي يحلم اليهود بإقامتها على العالم.
وفي ثلاثينات القرن الميلادي الحالي روّج الغرب لفكرة الدولة العالمية الواحدة، وظهر لها أنصار في بعض بلدان العالم الإسلامي، ولكن الموقف العام كان معارضاً لها لما تحمله من طابع استعماري. وكذا نجد كاتباً كأنور الجندي يعدُّها ضمن الدعوات الهدامة. فقد كتب يقول: «لقد علا صوت الدعوة العالمية في مصر والعالم الإسلامي في الثلاثينات وحمل لواء الدعوة إليها أمثال سلامة موسى وغيره ولم تكن قد تكشفت بعد تلك الغايات البعيدة» (3) و «قد استمدت هذه الدعوات وجودها من منطلق مغلوط ومن منطق استعماري في الأساس هو ما أطلق عليه اسم رسالة الرجل الأبيض إلى العالم الملوّن، والهدف الكامن من وراء هذه الدعوة هو سوق الناس جميعاً إلى الولاء والعبودية للسيادة الغربية الحاضرة، وتذويب الفكر الإسلامي في أتون العالمية أو احتواء مقدراته ودمجها في مفاهيم وقيم تختلف في جوهرها عن قيم الإسلام» (4).
________________________________________
(1)حسين، أحمد، الأُمة الإنسانية، ص 388.
(2)المصدر نفسه، ص 432.
(3)الجندي، أنور، الإسلام والدعوات الهدامة، ص 159.
(4)المصدر نفسه، ص 158.

[الصفحة - 58]


ونُقل عن هنريك رالف أنه يقول في كتاب له بعنوان «الإنسانية والوطنية»: «إِنَّ النزعة الإنسانية يجب أن لا يعتنقها إلاّ الأمم القوية، أما الأمم الضعيفة فإن لم تستمسك بمقوماتها الخاصة سحقتها الأمم القوية» (5).
وندد المفكر الإسلامي الشيخ محمد الغزالي بهذه الدعوة، فقد كتب يقول:
«أما مبدأ العالمية فهو وإن كان مبدأ الإنسانية والسلام والخير العام إلا أن أمم الغرب وحكومات الاستعمار جعلته شبكة تصطاد بها ضعاف العقول وتكسر به حدّة المقاومة عند الشعوب المظلومة التي تكون لقمة سائغة لها» (6).
وندّد بها أيضاً الأستاذ عباس محمود العقاد وذكر عنها كلاماً مشابهاً لما سبق‏ (7).
ومن يقرأ كتاب «أحجار على رقعة الشطرنج» للأَميرال وليام غاي كار يجده حاشداً بتأكيدات متوالية على أن فكرة العالمية قد نشأت من مخططات التلمود والصهيونية.
وهنا نقاط ثلاثة لا بد من بيانها، وهي:
1 - إن المفهوم الذي تم بيانه للعالمية هو مفهوم سياسي محض لا تلامسه أي جنبة أخلاقية، وأنه قد أساء بسبب ذلك إلى أصل الفكرة العالمية وجعلها محمّلة بتركة ثقيلة وسمعة مشوّهة بحيث يصعب على من يريد الدعوة إليها مجدداً أن يجد من يصدّق بنزاهته، وهذه صعوبة جديدة تضاف إلى الصعوبات الأصلية التي تواجه فكرة الدولة الإسلامية العالمية التي تعدُّ من أصول الفكر السياسي الإسلامي وضروراته البارزة.
2 - إنَّ موقف المعارضين للعالمية لم يكن دقيقاً، وإنه وقع ضحية الخلط بين أصل الفكرة وبين التوظيف الاستعماري الغربي لها. فإن العديد من أقطاب الفكر الغربي دعوا إلى العالمية ونبذ القومية تحت ضغط الواقع المرير الذي عاشه الغرب بخاصَّةٍ والعالم عامة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، والذي تمّ تفسيره على أنه من إفرازات القومية، وهناك عشرات الشواهد والأرقام التي يمكن إيرادها في هذا المجال، ولكن ضيق المجال لا يسمح لنا إلا بذكر شاهد واحد هو أن الفيلسوف
________________________________________
(5)المصدر نفسه، ص 158.
(6)الغزالي، محمد، حقيقة القومية العربية، ص 200.
(7)العقاد، عباس محمود، ساعات بين الكتب، ص 298.

[الصفحة - 59]


الإنجليزي المعروف براتراند رسل كان من الدعاة إلى العالمية ونبذ القومية وأنه قد تعرَّض إلى السجن أثناء الحرب العالمية الثانية بسبب دعوته إلى السلم والتسامح العالمي، وأنه كان يعتقد بدور الجامعات ومؤسسات التعليم الأخرى في تحقيق المجتمع العالمي المطلوب، وكان يطمح إلى تأسيس جامعة تفتح أبوابها لكل الجنسيات والقوميات ولا ترفض إلا الرافضين للمعاونة العالمية(8).
وفي كتابه «التربية والنظام الاجتماعي» نقرأ قوله: «إنَّ القومية هي القوة الرئيسية التي تسوق حضارتنا إلى دمارها» (9) و «أنه مهما كانت الحاجة الأكثر حيوية للمستقبل فسوف تكون تنمية الأفكار لامعة للمواطنة العالمية» (10).
ولكن العامل السياسي المتمثِّل بالنزعة الاستعمارية المتحكمة في الذهنية السياسية الغربية هو المسؤول عن تحويل هذه الدعوة إلى دعوة هدّامة، وإلا فإنَّ أصل العالمية بوصفها مبدأً وفكرةً من أفكار القرن العشرين ليست سلبية، وإنما هي مظهر أخلاقي انفلت من قبضة المادية المتحكمة في هذا القرن ليعبّر عن أعماق إنسانية تحاول التعبير عن ضمير مكبوت.
3 - وهذا لا يعني أن تلك الفكرة العالمية كانت جديرة بالنجاح. فقد كان من الطبيعي أن تقع في الفخ الاستعماري، وتصبح واحدة من أدواته. ولم تكن قادرة وهي في الصورة التي ظهرت فيها والخلفية الفكرية التي انطلقت منها على تجاوز ذلك المصير. ذلك أنَّ العالمية في أساسها مفهوم أخلاقي متقوّم بحب الإنسانية وشعور عميق بأصالة الوحدة النوعية للبشر وغلبتها على الفوارق المحلية من لون ولغة ووطن وقومية، وهو شعور موجود لدى كل إنسان، ولكنه لا يصبح حقيقة مؤثرة في الفكر والسلوك ما لم يستند إلى عقيدة أخلاقية متكاملة، وهذا هو العنصر الغائب في الغرب والذي لا يسمح بظهور فكرة إنسانية حقيقية، وغاية ما تظهر فيه شعارات قد تكون صادقة، لكنها سرعان ما تصبح مطية العدوان والصراع.
ولذا نعتقد أنَّ العالمية الإسلامية هي العالمية الحقيقية والوحيدة في تأريخ الإنسان، وهي العالمية التي تخدم الجنس البشري وترقّيه وليس فيها خطر على أحد، فليست المسألة إدارية دستورية حتى يمكن حلها بهيئة كهيئة الأمم المتحدة، ولا
________________________________________
(8)العقاد، عباس محمود، ردود وحدود، ص 140.
(9)رسل، براتراند، التربية والنظام الاجتماعي، ص 138.
(10)المصدر نفسه، ص 27.

[الصفحة - 60]


تعليمية حتى يمكن حلها عبر مؤسسات التعليم، وإنما هي مسألة أخلاقية روحية. ولذا يعجز مفكر غربي ليبرالي أمثال «رسل» عن فهمها، ولذا نجده يقول: «إن الدعوات الوطنية إنما نجحت في الأغلب الأعم لإحساسهم أنها تجري مع المصالح الوطنية في مجرى واحد، فإذا أريد لنظرة العالمية الجديدة أن تفلح وتؤتي ثمرها؛ فمن الضروري أن تتمثل للناس موافقة للمصالح الوطنية على ذلك المنوال» (11). وهكذا فالطريق إلى العالمية يمرُّ عبر قناة الوطنية، وفي هذا تغليب وتعميق واضح للوطنية وجعلها ذات أولوية على العالمية، وما هو إلا تفسير الماء بعد الجهد بالماء، فالنتيجة هي الوطنية لا العالمية. ولا معنى لذلك إلا أن الوطنية هي قدر الإنسان المرتبط بالأرض، والعالمية هي قدر الإنسان المرتبط بالسماء، ومن حقنا أن نسأل رسل: هل بإمكان جامعته العالمية المنشودة أن تنتج يوماً ما مواطناً إنجليزياً يؤيد استقلال الدول النفطية ويرى ذلك أنفع للمصالح البريطانية من الهيمنة الإنجليزية عليها؟
إنَّ الدولة العالمية حقيقة أخلاقية وطموح إنساني طبيعي، إلا أنه لا وجود لهذه الحقيقة والطموح إلاّ في نطاق الإسلام، لأنه العقيدة الوحيدة القادرة على دعم المحتوى الأخلاقيّ للإنسان والارتفاع به إلى المستوى الروحي المطلوب والسيطرة على الغرائز وتهذيبها ومنها الغريزة القومية التي هي في الحقيقة تعبير اجتماعي عن الأنانية الفردية وحب الذات.
وفي الحقيقة إنَّ العالمية الإسلامية تستمد زخمها وخلاّقيتها من عناصر ثلاثة:
1 - عقيدة التوحيد
فقد وصف إله الإسلام نفسه في أكثر من أربعين مورداً من القرآن الكريم بأنه «رب العالمين» فهو رب كل العالم ومنها عالم الإنسان، فهناك عالمية كونية واسعة الأرجاء، وليس عالم الإنسان إلا جرماً صغيراً من اجرامها، أي أن العالمية ظاهرة كونية قبل أن تكون ظاهرة إنسانية. وتصور كهذا من شأنه تصفية الغرور والكبرياء في عالم الإنسان وتعميق الحسّ العالمي وجعله بدرجة غالبة على ما سواه ودعم أصالته في الشخصية الإنسانية. وإذا كان الكون منظمة عالمية، فليكن الإنسان بقومياته وأوطانه منظومة عالمية تابعة للمنظومة الكونية المنصهرة في عبودية ربِّ العالمين.
________________________________________
(11)العقاد، عباس محمود، ردود وحدود، ص 241.

[الصفحة - 61]


وهذا هو الدور الخلاَّق الذي تلعبه عقيدة التوحيد في إنجاز العالمية الإسلامية، فهي مظهر التوحيد في الحياة الاجتماعية، وبقدر ما يوصف الرب بالقدرة والهيمنة على الكون يكون الحس العالمي في شخصية الإنسان قوياً مكيناً ومهيمناً على ما سواه.
إن أسرة تفتقد إلى الرب أسرة مفككة متناحرة، وبشرية ترفض ربوبية «رب العالمين» بشرية متناحرة مهددة بحروب عالمية وقنابل ذرية.
2 - المحتوى الروحي والأخلاقي‏
1 - العالمية تعني شيئاً واحداً هو حبُّ الإنسانية، وهذا المعنى لا يتم إلا إذا بلغ الحسّ العالمي درجة غالبة على الشعور المحلي، وهذه الدرجة لا تتحقق إلا في إطار عقيدة متوازنة متكاملة تجعل الغيب حقيقة أكبر وأهم من المادة، والروح حقيقة أكبر وأعظم من الجسد، ومصالح «الآخر» أولى من مصالح «الأنا»، فإن حبَّ الإنسانية تجسيد اجتماعي لأولوية الغيب على المادة وتقدم الروح على البدن وإيثار «الآخر» على «الأنا»، وهذا هو الركن الروحي والأخلاقي الذي تقوم عليه العالمية ولا تجده في غير الإسلام.
3 - دعم هيمنة العقل على الغريزة
القومية غريزة وانفعال ولذا تؤدي إلى الحروب والصراعات، لأن الغريزة لا تعرف القيم، والعالمية قيمة أخلاقية عقلية، ولا بد لمن يرفعها شعاراً أن يدعم هيمنة العقل على الغرائز، وهذا المعنى لا يأخذ صورته الكاملة إلا في إطار عقيدة أخلاقية متوازنة كالإسلام.
هذه هي الأركان التي تقوم عليها العالمية الإسلامية. وهي بمجموعها تشكِّل القاعدة العقائدية والروحية للدولة العالمية الإسلامية المنشودة.
وهكذا فالدولة العالمية ليست مفهوماً جغرافياً يقاس بمساحة الأرض التي تسيطر عليها تلك الدولة، وإنما هي مفهوم أخلاقي يقاس بالقيم الأخلاقية. فالدولة النبوية عالمية وإن لم تستوعب الجزيرة العربية بسلطانها. والامبراطورية البريطانية غير عالمية وإن استوعبت ثلثي الأرض.
________________________________________

[الصفحة - 62]


الدولة العالمية ضرورة إنسانية وإسلامية
وبالمفهوم الذي طرحناه للعالمية يتضح أن الدولة العالمية ضرورة إنسانية، وأبسط دليل على ذلك إجماع البشرية بكل أديانها وثقافاتها على الاعتقاد بأن نهاية التأريخ ستشهد قيام هذه الدولة، فالمسلمون يؤمنون بقيام الدولة المهدوية الواحدة، واليهود يؤمنون بظهور سلطانهم على العالم، والنصارى يعتقدون بعودة المسيح المنقذ، والماركسيُّون يؤمنون بقيام الشيوعية الثانية، ومهما كانت هذه الاعتقادات صحيحة أو باطلة إلا أن المستفاد منها شي‏ءٌ واحد هو أن الدولة العالمية فكرة تعيش في وجدان الإنسان وأحلامه، وأنها فكرة طبيعية لديه.
ومن الأهمية بمكان أن نتحدث عن ضرورة قيام الدولة العالمية بالقدر المناسب، تاركين التفصيل في ذلك إلى دراسة خاصة، والضرورة المقصودة تارة إنسانية عامة وأخرى خاصة بالعالم الإسلامي.
أما الضرورة الإنسانية فهي تجسيد وحدة النوع البشري ورفعته على ما سواه والانسجام مع الفطرة البشرية. قال تعالى: { يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم } {الحجرات/13} فهذه الآية تؤكد أن الانتماءات المحلية خلقت لتؤكد الانتماء الإنساني، خلافاً لما هو الحاصل في حياة الإنسان من الغرق في بحر الانتماءات المحلية والدوائر الضيقة إلى حدود تُنسي الإنسان انتماءه إلى النوع الإنساني، وربما أدَّت به إلى الاعتقاد بانشطار هذا النوع إلى درجات راقية وأخرى منحطة كما هو مقتضى النظرية العرقية التي شيّدها عدد من أعلام الفكر الغربي في القرن الميلادي التاسع عشر، وبلورها جوبينو الفرنسي وحوّلها هتلر إلى اتجاه سياسي ومبدأ دولي‏ (11). ولم يكن بإمكان الغرب تجاوز هذه النتيجة البشعة لأنَّ التأكيد على الخصائص المحلية في سياق حضارة مادية لا تعرف القيم لا بد وأن ينتهي إلى نكران الوحدة البشرية. ومهما قيل عن إمكانية السيطرة على المشاعر القومية وإيقافها عند حدود معقولة فإن الواقع العملي يبقى يكذب ذلك ما لم تُحذف الحضارة المادية وتقام حضارة أخلاقية روحية، وهكذا فإن قيام الدولة العالمية بالمفهوم الإسلامي الأخلاقي لها يشكِّل ضرورة
________________________________________
(11)العقاد، عباس محمود، ردود وحدود، ص 241.

[الصفحة - 63]


إنسانية لدعم أصالة الشعور الإنساني والحسِّ العالمي وتهذيب الانتماءات المحلية وبالتالي الانسجام مع قانون الفطرة.
ومن جوانب الضرورة الإنسانية أيضاً إنقاذ المجتمع الإنساني من مخاطر القومية التي جعلت الألماني ينادي «المانيا فوق الجميع» والإنجليزي ينادي «سودي يا بريطانيا واحكمي»، وأدت إلى سيادة المشاعر العدوانية بين الجميع حتى انتهى الأمر إلى قيام حربين عالميتين.
إن الحرب العالمية ظاهرة جديدة أفرزتها الحقبة القومية في تاريخ الإنسان. وهي تدلل على أن الانطلاق من الخصائص المحلية يؤدي إلى تمزيق الخصيصة الإنسانية والوحدة البشرية، وإن من يريد حماية هذه الخصيصة وهذه الوحدة عليه أن يجعلها منطلقاً له بحيث تكون الخصائص المحلية ثانوية ومتكيّفة معها، وهذا ما لا يتم إلا في إطار أخلاقي روحي من شأنه مكافحة طغيان «الأنا» المحلية وخلع القيادة عنها وإخضاعها لقيادة «الأنا» العالمية، ومن هنا فإن نداءات العالمية التي صدرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى واشتدت بعد الحرب العالمية الثانية، وأفرزت ظهور عصبة الأمم أولاً، ثم تطورت إلى صورة هيئة الأمم المتحدة ليست كافية لمواجهة الخطر القومي.
وليس صدفة أن يشهد نهاية القرن العشرين اشتداداً لنداء العالمية ومصحوباً بصحوة دينية، فإن هذه الصحوة تمثل في أحد جوانبها تطوراً نوعياً في نداء العالمية، كما أن غلبة الإسلام في هذه الصحوة تدلل على أن هذا النداء يسير باتجاه العالمية الإسلامية.
ومن جوانب الضرورة الإنسانية للدولة العالمية أيضاً أن ما تحمله من صفة الإطلاق الإنساني وعدم الخضوع للقيود المحلية يمثِّل الصفة النموذجية للأهداف التي ينبغي أن تحملها الدولة. ذلك أن الهدف الذي ينتخبه الإنسان لحياته لا يكون خلاّقاً ما لم يحمل صفة الإطلاق واللانهائية، وهذه الصفة تنطوي بطبعها على بعدين:
1 - البعد الخلاّق الذي يستنفر أكبر الطاقات الجسدية، فإن الهدف المحدود يستنفر طاقات محدودة، والهدف غير المحدود يحرّك الإنسان في مسيرة غير
________________________________________

[الصفحة - 64]


محدودة وينتزع منه أكبر طاقاته. فلو جعلنا هدف الإنسان محصوراً ببلده فإن هذا الهدف سيتحقق في يومٍ ما، وعند ذاك يصبح الإنسان عابثاً بلا هدف، بينما إذا وسَّعنا دائرة الهدف لتشمل الإنسانية كلها؛ فسنحقق بذلك الإطلاق على صعيد الدائرة الإنسانية، ثم ننطلق باتجاه الدائرة الكونية لأننا لا نعبد رب الإنسانية فقط وإنما نعبد رباً هو «رب العالمين»، وهكذا يتصل الهدف بلا نهائية «ربِّ العالمين»، وعلى هذا الأساس انطلق القرآن الكريم بمخاطبة الإنسان: { يا أيها الإنسان إنَّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه } {الانشقاق/6} . فلا نهاية للكدح حتى تنتهي حياة الإنسان.
2 - البعد القيمي، ذلك أن القيم مطلقة بطبعها، ولا معنى لربط الفضيلة بدائرة بشرية أو جغرافية معينة، فالشجاعة فضيلة في كل زمان ومكان ومن كل إنسان، والجبن رذيلة من كل إنسان وفي كل زمان ومكان، وسلّم الكمال لا نهاية له لأنه من صفات المطلق سبحانه وتعالى.
والبعدان متكاملان، فالبعد الخلاَّق يفرز الطاقات وينتزع الجهود الإنسانية بأكبر قدر ممكن، والبعد القيمي يوجهها التوجيه الأخلاقي المطلوب، ولذا كان شعار الدولة الإسلامية قوله تعالى: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } {القصص/83} وقوله تعالى: { الذين إن مكنَّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللَّه عاقبة الأمور } {الحج/41}فالكدح الإنساني لا نهاية له وهذا هو البعد الخلاق، والطاقات المنتزعة من خلال هذا الكدح لا تصرف في العلوِّ والعدوان والفساد، وإنّما في إقامة القيم والفضائل «أقاموا الصلاة...»، وهذا هو البعد القيمي.
بينما إذا جعلنا الوطنية أو القومية هدفاً للإنسان؛ فإن هذا الهدف وبسبب محدوديته سوف يتجمَّد في نقطة معينة وسيصبح الإنسان في تلك النقطة عابثاً لا هدف له، ولأن الفضيلة مطلقة ولا تنسجم مع هدف محدود لذا سيقع هذا الإنسان في المأزق الأخلاقي ويتحوَّل شعوره الوطني والقومي إلى أنانية وعدوان وميل راسخ إلى العلو على الآخرين، وهذا ما يمثِّل جانباً من جوانب المشكلة الهدفية في الحضارة الغربية، وهي التي تفرز نوازع الدمار والعبثية فيها.
________________________________________

[الصفحة - 65]


يقول براتراند رسل: «الولاء الوطني غير كافٍ وحده أن يكون مثلاً أعلى لأنه باعتباره مثلاً أعلى ينطوي على انعدام قوة الإبداع» (12) ويقول أيضاً: «إنَّ الشعور القومي يتسم بعنصر خفي أو واضح من العداء للغير» (13). ويُنقل عن فولتير قوله: «ما تمنى أحد العظمة لبلاده ألا وتمنى التعاسة للآخرين» (14).
هذه هي بعض جهات الضرورة الإنسانية للدولة العالمية، وللعالم الإسلامي حسابه الخاص. فإضافةً للجهات الإنسانية العامة المذكورة آنفاً فإن الدولة الإسلامية العالمية تعدُّ ضرورة للعالم الإسلامي لأجل جهات إضافية أخرى خاصة به. منها إثبات مصداقية الإسلام وتجسيد مبدأ من مبادئه، فإن العالم الإسلامي مسؤول عن تطبيق مبادى الإسلام ونظمه، وفي مقدمتها مبدأ العالمية، وتتأكد هذه النقطة أكثر إذا لاحظنا أن الإسلام قد منح المسلمين دور قيادة البشرية انطلاقاً من قانون سماوي يقضي بإعطاء هذا الدور لأتباع خط النبوات المتمثِّل في مرحلته الأخيرة بالإسلام، والقيام بوظيفة قيادة البشرية يتطلب الدعوة لمبدأ العالمية، والعمل على تأسيس الدولة الإسلامية العالمية.
ومن جهات الضرورة الإسلامية أيضاً تغذية حاجات المجتمع الإنساني المعاصر إلى العالمية وتأدية ذلك بوصفه وظيفةً إزاء الإنسانية وإزاء الإسلام نفسه حيث يمكن عن هذا الطريق تحقيق دورة انتشارية واسعة جديدة للإسلام.
ومن جهات الضرورة الإسلامية أيضاً إنقاذ المجتمع الإسلامي من التلوّث الغربي بالشعور القومي المفرط لأنَّ القومية أكبر وأخطر مفردة غربية لوثت بيئة المجتمع الإسلامي وجعلته مهدّداً بالتمزق والازدواجية بين مفاهيم متناقضة بعضها إسلامية نابعة من الأصالة وبعضها غربية وافدة عبر الاستعمار.
ومن جهات الضرورة الإسلامية أيضاً أن العالمية وإن كانت بعيدة المنال على صعيد الواقع إلا أن حضورها الفعال في الذهنية الإسلامية لكونها مفهوماً فكرياً وقيمة أخلاقية ومبدأً سياسياً دولياً يعد ضرورة لحفظ التوازن الأخلاقي والأصالة الإسلامية في المجتمع الإسلامي. فإننا لا ننكر ضغط الغريزة القومية وسعيها للاستحواذ على المجتمع وإخضاعه لتأثيرها، وقد آمنا بأنها الخطر الأكبر الذي واجه التوحيد والنبوة
________________________________________
(12)حلل كاتب هذه السطور النظرية العرقية وردّ عليها في دراسة منشورة في مجلة التوحيد العدد «71»، ص 49.
(13)القبانجي، صدر الدين، المذهب السياسي في الإسلام، ص 125.
(14)مغنية، محمد جواد، الإسلام والعقل، ص 210.

[الصفحة - 66]


والإمامة معاً، ولأجل مواجهة هذا الزخم السلبي الذي تنطوي عليه لا بدَّ من استحضار العالمية بنحو مستمر ومركّز بما يحمي المجتمع من الانزلاق نحو القومية والنزوع نحو العلو. قال تعالى:{ وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } .
وينبغي التذكير هنا أن الحديث عن مكاسب العالمية الإسلامية وجهات الضرورة فيها لا يعني أننا نؤمن بها انطلاقاً من المصالح التي تحققها لنا، فإن الإيمان بها ينطلق بشكل أساسي من كونها قيمة خلقية إنسانية، وإنما تجسد تلك المكاسب والضرورات الانعكاس التطبيقي لهذه القيمة الخلقية.
يقول المستر جب في كتابه «حيثما يكون الإسلام»: «إنَّ الإسلام ما زال في قدرته أن يقدم للإنسانية خدمة سامية جليلة... فليس هناك أية هيئة سواه يمكن أن تنجح مثله نجاحاً باهراً في تأليف هذه الأجناس البشرية المتنافرة في جهة واحدة أساسها المساواة، فالجامعة الإسلامية العظمى في افريقيا والهند وأندونيسيا، بل وتلك الجامعة الإسلامية الصغيرة في الصين وتلك الجامعة الضئيلة في اليابان لتبين كلها أن الإسلام ما زالت له القدرة التي تسيطر كلية على أمثال هذه العناصر المختلفة الأجناس والفئات، فإذا ما وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس فلا بد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع» (15).
الأبعاد العالمية للدولة الإسلامية
وتتجسَّد عالمية الدولة الإسلامية من خلال عدة أبعاد يمكن الإشارة إلى أهمها في النقاط التالية:
1 - القيادة العالمية
عُرّفت الدولة بتعريفات عديدة منها التعريف القائل بأنها «جماعة من الناس استقرَّ بهم المقام على وجه الدوام في إقليم معين وتسيطر عليهم هيئة حاكمة تتولَّى شؤونهم في الداخل والخارج» (16)، وأركانها هي شعب وإقليم وسيادة، وقد يعبر عن السيادة بالسلطة أو الحكومة، فالبلد الذي ليس له شعب لا يسمى دولة، والشعب
________________________________________
(15)الحنبلي، حمدي، الإنسان العقائدي، ص 183.
(16)عبد ربه، عبد الحافظ، الثورة الاجتماعية في الإسلام، ص 334، نقلاً عن كتاب «حيثما يكون الإسلام».

[الصفحة - 67]


الذي لا يملك إقليماً لا يستطيع أن يكوّن دولة، ولذا لا تعد «إسرائيل» دولة، والبلد الذي ليست له سيادة لا يُعد دولة، كالبلدان الخاضعة للسيطرة الاستعمارية.
وإذا تعمّقنا في تحليل هذا التعريف والأركان الثلاثة المنبثقة عنه، نجده مستمدَّاً من المفهوم القومي، فالمقصود بالشعب جماعة من الناس ذات انتماء قومي خاص، والمقصود بالإقليم أرض معينة لجماعة معينة من الناس، والمقصود بالسيادة حق الشعب في اختيار الطريق والمصير الذي يحدده، فهي سيادة بالمعنى القومي والعلماني، وإذا توغلنا في التحليل أكثر وجدنا أن نظرية السيادة تمثِّل نقطة الخلاف الأساسية بين الفكر السياسي الليبرالي «القومي ـ العلماني». والفكر السياسي الإسلامي. ويمكننا إبراز هذه النقطة من خلال السؤال التالي: لمن السيادة؟ للَّه أم للإنسان؟
فإذا كانت السيادة للَّه سبحانه وتعالى، فما على الإنسان إلاّ التسليم والخضوع للإرادة الإلهية والقانون السماوي، وحيث إنَّ اللَّه سبحانه لا يتجسَّد في وجود مادي ولا يمارس هذه السيادة بشكل حسّي، ولذا فإن السيادة الإلهية تتمثل في الجانب التشريعي، وما على الإنسان إلاّ الانصياع للشرائع السماوية التي جاءت متسلسلة حتى ختمت بالإسلام، فهو الشريعة الإلهية الصحيحة الوحيدة منذ ظهورها وحتى اليوم الأخير لحياة الإنسان على الأرض.
وحينما يجسّد اللَّه سبحانه سيادته على الأرض من خلال الشرائع السماوية؛ فمن الطبيعي أن ينظر إلى البشرية بوصفها وحدة واحدة متساوية الأفراد، وحيث تتعذر الحياة الاجتماعية من دون هيئة حاكمة تقود المجتمع فلا بد من البحث عن قطب يدير المجتمع وهيئة تقوده، وهنا لا بد من تحديد قانون يتم من خلاله انتخاب القيادة العالمية للمجتمع الإنساني.
إننا إذا ألقينا نظرة على القرآن وجدنا أن خط النبوات قد أعطى قيادة البشرية إلى الأتقياء الصالحين من اتباع هذه النبوات حتى وصلت نوبة الإسلام، فجُعلت هذه القيادة بيد الصالحين من المسلمين، قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } {البقرة/143} ، { وتلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَليَعْلَمَ}
________________________________________

[الصفحة - 68]


{ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذ مِنْكُم شُهَدَاءَ واللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } {آل عمران/140} { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيكُم وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } {الحج/78} وبالتالي فإن القيادة الإسلامية للمجتمع الإنساني هي التجسيد الطبيعي للسيادة الإلهية على الأرض.
وإذا كانت السيادة للإنسان كما هي النظرية السائدة في الحياة الدولية المعاصرة؛ فمن الطبيعي أن ينظر كل إنسان إلى الدائرة القومية التي ينتمي إليها والبقعة الجغرافية التي ينتسب لها، فينقسم المجتمع البشري إلى أوطان وقوميات، ويدعي حينئذٍ كل شعب وقومية حق السيادة على نفسه وأرضه.
وهكذا يتضح أن نظرية السيادة الإلهية تفرز بشكل طبيعي دولة عالمية بحيث لا معنى للدولة القومية عند من يؤمن بهذه النظرية. وإن نظرية السيادة البشرية تفرز وبشكل طبيعي أيضاً دولة قومية بحيث لا معنى للدولة العالمية عند من يؤمن بهذه النظرية. وهذا معنى ما قلناه آنفاً من أن الدولة العالمية لا تتحقق إلاّ في إطار حضارة روحية أخلاقية. وقد عبّر روبرت م. ماكيفر عن هذه الفكرة بصورة أخرى حينما ذكر أن شكل الحكومة العالمية لا يصبح ممكناً «إلاّ إذا تخلَّت الدول التي تؤلف النظام الدولي عن حرصها على إقامة هذا النظام وعلى تسوية المنازعات التي تنشب بينها على أساس مبدأ السيادة» (17)، أي إذا تمّ التخلي عن نظرية السيادة البشرية.
وغالباً ما تُتخذ الحكومة العالمية شعاراً وذريعة للعدوان على الشعوب والقوميَّات الأخرى لتحقيق أهداف توسعية تأخذ في مداها الأخير صورة تشكيل النظم الامبراطورية، وقد تبين في ما سبق أنها الصورة الزائفة وليست الحقيقية للدولة العالمية، وأنها من إفرازات ومساوى العصبية القومية.
إن نظرية السيادة البشرية تمثِّل الركن الركين لليبرالية الغربية، ومن حق الباحث أن يتساءل عن المبرّر المنطقي والمسوّغ العقلي الذي جعل الغرب يؤمن بهذه النظرية ويرفض السيادة الإلهية. ذلك أن النظريات تقوّم من جهتين، الجهة الواقعية والجهة الاجتماعية، والمقصود بالجهة الواقعية الأسس العلمية أو الفلسفية التي تقوم عليها
________________________________________
(17)منصور، علي علي، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، ص 89.

[الصفحة - 69]


النظرية، والمقصود بالجهة الاجتماعية طبيعة عطاءات هذه النظرية وما تقدِّمه للمجتمع الإنساني من نتائج إيجابية أو سلبية.
والحقيقة أنَّ الانتخاب الغربي لهذه النظرية انطلق من الجهة الاجتماعية وعلى أساس تحليل ناقص، ولم ينطلق من الجهة الواقعية، وهذا هو الخلل الفلسفي أو العلمي العميق الذي يعتري الليبرالية الغربية، فإن نظرية السيادة البشرية لا تتم ولا يعقل الأخذ بها إلاّ على أساس إِلحادي وبعد الفراغ من مناقشة المسألة الكونية الكبرى المتمثِّلة بمسألة الإيمان والإلحاد، فإذا ثبت الإلحاد أصبح بإمكان الإنسان الادِّعاء بالسيادة لنفسه، وإذا لم يثبت الإلحاد لم يعد لهذا الادعاء أساس منطقي، وإذا ثبت الإيمان ثبتت السيادة للَّه على الإنسان والكون، والليبرالية الغربية لم تناقش هذه المسألة ولم تستند إلى أساس فلسفي، بل رفضت الخوض فيها وحدّدت موقفها الاجتماعي بشكل منفصل عنها، على أساس القول بالفصل بين الدين والسياسة، وهو قول لا معنى له فإن الدين إن كان حقيقة واقعية فلا بدَّ للمجتمع من الخضوع للسيادة الإلهية والنظام الاجتماعي الديني، وإن لم يكن حقيقة واقعية فلا بدَّ من تصفية وجوده الفردي والاجتماعي معاً، فلا معنى للاحتفاظ به كممارسة فردية ورفضه كممارسة اجتماعية، ولذا وصف السيد الشهيد الصدر الليبرالية الغربية بأنها تنطوي إما على خداع وتضليل أو على عجلة وقلة أناة (18)، مع التذكير بأن ذلك لا يعني أن الغرب يخلو من فلسفات إلحادية، فهي موجودة لكن العلمانية لم تقم على أساس فلسفي، أو بتعبير آخر إِنَّ الأساس العلماني لليبرالية الغربية لا يمكن تبريره فلسفياً.
والحقيقة أن الغرب التجأ إلى العلمانية تحت ضغط الواقع المرير للكنيسة حينما تحوَّلت إلى أساس للظلم والفساد والتخلف والعدوان، وهذا هو التحليل الاجتماعي الناقص الذي قلنا إِنَّ الانتخاب الغربي لنظرية السيادة البشرية قد تمَّ على أساسٍ منه، حيث اعتبر الغرب أن الدين وبالتالي نظرية السيادة الإلهية تؤدي إلى القول بالحق المقدس للملوك والأباطرة في الحكم بما يشاؤون، وهذه هي الثيوقراطية التي تثير الذعر في الذهنية الغربية. مع أن الدين ليس مسؤولاً عن الثيوقراطية وما حصل في الغرب ممارسة زائفة نُسبت للدين زوراً وبهتاناً، والدين لا يتمثل بالكنيسة، بل ولا بالمسيحية الصحيحة لأنها محكومة بالنسخ، والإسلام هو
________________________________________
(18)ماكيفر. م. روبرت، تكوين الدولة، ص 202 ترجمة حسن صعب.

[الصفحة - 70]


الممثل الوحيد للدين ولخط النبوَّات، والحاكم الإسلامي ليس له حق مقدس بالحكم بما يشاء، وإنما هو مكلف بأداء الوظيفة السياسية المنوطة به في إطار العدالة والمصلحة والشورى، ومن دون ذلك يصبح حكمه باطلاً مرفوضاً.
وهكذا نجد أن الجهة الواقعية لا تؤيد نظرية السيادة البشرية كما أن الجهة الاجتماعية لا تؤيِّدها أيضاً لأن هذه النظرية أدت إلى ظهور القومية، وبالتالي فهي مسؤولة عن نتائجها والمساوى التي أفرزتها.
بينما تحظى نظرية السيادة الإلهية بدعم الجهتين معاً، الجهة الواقعية تؤيدها لأنها مستندة إلى أساس إيماني ونظرة كونية توحيدية، ولذا فهي تستمد حقانيتها من حقانية التوحيد. كما أن الجهة الاجتماعية تؤيدها أيضاً بما مضى من البحث عن أهمية الدولة العالمية ومكاسبها وجهات الضرورة فيها؛ وأهمّ ما في هذه النظرية أنها تنعش الروح الأخلاقية بين أفراد البشرية حيث يقع الرب سبحانه موقع الأب بينهم ويصبحون ببركة وجوده إخواناً متراحمين ضمن أسرة واحدة. بينما تؤدي النظرية الأخرى إلى بعثرتهم كما تتبعثر الأسرة بعد غياب الأب عنها حيث يفتقدون إلى المركز الذي يجمعهم ورابطة الأخوّة في ما بينهم، بل سيصل التشتت بهم إلى درجة نكران الوحدة البشرية التي تربطهم، كما هو مقتضى النظرية العرقية التي قسَّمت البشرية إلى درجات نوعية متفاوتة من حيث الرفعة والانحطاط.
ومن معالم الروح الأخلاقية الكامنة في نظرية السيادة الإلهية أن أفراد البشرية سيتبادلون الاهتمام في ما بينهم، وستصبح حصصهم من ثروات الأرض متساوية، ذلك أن الرب الرحيم وزع هذه الثروات بينهم بنحو متساوٍ وأوصاهم بأن يهتم كل واحد منهم بالآخر، على غرار ما يفعل الأب في أسرته.
بينما تؤدي نظرية السيادة البشرية إلى غياب هذه الروح، وغلبة الاستئثار على أفراد البشرية. فيقصر كل واحد منهم اهتمامه على الدائرة القومية التي ينتمي إليها ويعمل على حصر ثروات هذه الدائرة به فلا ينتفع بها غيره، فيتنعم الأوروبي بثروات بلاده إلى حدِّ السفاهة ولا يعطي شيئاً منها للأفريقي وإن مات جوعاً، وتصل البشاعة أعلى درجاتها حينما يقوم الأوروبي باستغلال الإفريقي والهيمنة عليه وربما نهب ما
________________________________________

[الصفحة - 71]


عنده من ثروات قليلة. ولم يسأل أحدٌ يوماً نفسه عن المسوّغ الذي يجعل الثروة الظاهرة في هذه النقطة من الأرض خاصة بمن ينتسب إليها دون الآخرين من سكان الأرض، لأنَّ هذا السلوك أصبح بديهياً في ظلِّ سيادة الفكرة القومية التي أعطت الثروات طابعاً قومياً انحصارياً، فأصبح القحط والمجاعة وكأنها قدر الإفريقي دون سائر الناس، والرفاه الفاحش قدر الأوروبي دون سائر الناس أيضاً. ومن الطبيعي أن ترفض نظرية السيادة الإلهية هذه الظاهرة لأن للإنسان الحق في الانتفاع بعمله، أما الثروات الخام فلا قومية لها ولا وطن. ولو قدّر للإمام علي (عليه السلام) أن يحكم اليوم لتساوى عنده في العطاء الكويتي مع السوداني.
وقد يقال: إن النظرية الإسلامية في القيادة تؤكد على العنصر العربي وكأن القيادة المطلوبة هي القيادة العربية الإسلامية، ذلك أن المدرسة السنية قد آمنت بشرط القرشية في الخليفة، فيما حصرت المدرسة الإمامية الإمامة في اثني عشر إماماً من ذرية الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته. وهذا يعني اتفاق المدرستين على رؤية تعصبية للقيادة، فأين هي القيادة العالمية؟
ولدى الإجابة على هذا الإشكال، لا بد من طرح المسألة على صعيد المدرستين معاً، فعلى صعيد المدرسة السنية، آمنت هذه المدرسة بشرط القرشية في الخليفة استناداً لقول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم): «الأئمة من قريش»، وقد أفاض فقهاء ومفكرو هذه المدرسة في بحث هذه المسألة وتحليلها وتفسيرها وظهرت لهم في ذلك اتجاهات متعددة، ومنهم من رفض اشتراط القرشية مثل أبي بكر الباقلاني في القرن الرابع الهجري، وأكثر المحدثين منهم على هذا الرأي حيث اعتبروا شرط القرشية «من باب السياسة الشرعية المتغيرة بتغير العوامل والظروف، وليست من المبادى‏ء العامة الثابتة بدليل إجماع علماء المسلمين عبر التاريخ الطويل على إقرار ولاية غير القرشيين» (19). كما نصَّ على ذلك محمد المبارك، وكتب الشيخ محمد الغزالي يقول: «ومن حق المسلمين في عصرنا هذا وقبله بألف سنة أَلاَّ يفكروا في تولية أمورهم قرشياً، بل يتحرَّون الكفاية حيث كانت، ثم يسيرون وراءها خصوصاً بعدما رسخت أصول الإسلام في أجناس شتى وواتت الفرص شعوباً كثيرة في الشرق والغرب لتخدم هذا الدين» (20).
________________________________________
(19)انظر: الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، ص 19.
(20)المبارك، محمد، نظام الإسلام الحكم والدولة، ص 71.

[الصفحة - 72]


وهذا القدر من الجواب يعدُّ كافياً لولا ظاهرة فكرية تسود هذه المدرسة ويمكن إلحاقها بمسألة القرشية وهي ظاهرة الربط بين العروبة والإسلام ويمكننا مطالعة آراء أحد أعلام هذه المدرسة في ذلك بوصفه نموذجاً لها. فقد كتب الشيخ محمد الغزالي يقول:
«الرسالة التي شرفت بها العروبة ليست زعماً بنقاوة الدم أو وهماً بكرامة العنصر، كلا إنها رسالة إنسانية تجعل الأمة العربية حارسة للأخلاق والمثل العليا، أمينة على تراث السماء وصيانة الوحي والدفاع عن قضاياه وأحكامه ضد المنتحلين والمكذبين، وهذا معنى قوله جل شأنه: { كنتم خير اُمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } (21).
ويقول أيضاً: «إن الإسلام جعل منها ـ العروبة ـ دائرة عالمية فسيحة الأرجاء وسعت شتى الدماء والألوان» (22). ويقول أيضاً: «الوطن العربي ليس جزءاً أي جزء من الكيان الإسلامي الرحب، إنَّه مبعث الإلهام ومصدر التوجيه ومكان القيادة» (23) «وقيادة المسلمين لا يصلح لها إلاّ العرب وما ينبغي أن ينازعهم عليها أحد؛ فإن الإسلام يقوم على دعامتين جليلتين هما الكتاب الكريم والسنة المطهرة، والكتاب الكريم كما رأينا نزل بلغة العرب والرسول عربي الحياة والتراث، وما يفقه حقيقة الوحي ومنهج الرسالة إلاّ خبير بأدب العروبة، راسخ القدم في بيانها... يستطيع كل امرى أن يكون مسلماً عادياً ولكن لا يستطيع أن يكون فقيهاً في الإسلام أو أميناً على دعوته أو موجهاً لسياسته إلاّ امرؤ عربي، ولا نعني بالعروبة هنا الجنس بل نعني اللسان» (24) «ونرى لزاماً علينا هنا أن نقول إنَّ هذا الشرف المتاح للعروبة لم يجئها من نسبها الأرضي، بل جاءها من رسالتها السماوية» (25).
«ونحن العرب ما نعطي أنفسنا الحق في قيادة روحية أو سياسية لأحدٍ من الناس إلاّ لأن اللَّه اصطفى لغتنا للحق الذي أوحاه وبعث منا النبي الذي ارتضاه... إن مطالبتنا بحق العروبة في قيادة العالم الإسلامي كله وبحقها في إرشاد الجنس البشري أجمع يعود إلى تلك المواريث المقدَّسة التي آلت إلينا فخلدنا بها وسمت بسموها مكانتنا» (26) «... وقيادة المسلمين من خواصها الأولى عروبة الشعور والتفكير واللغة والآراء...» (27) «..الحرص على بقاء الإسلام نقيّ الجوهر،قريباً
________________________________________
(21)الغزالي، محمد، حقيقة القومية العربية، ص 174.
(22)المصدر نفسه، ص 56.
(23)المصدر نفسه، ص 111.
(24)المصدر نفسه، ص 51.
(25)المصدر نفسه، ص 14 - 15.
(26)المصدر نفسه، ص 16.
(27)المصدر نفسه والصفحة نفسها.

[الصفحة - 73]


للأخذ، مستجمعاً أسباب القبول التي أتى بها من عند اللَّه هو السر في جعل قيادته عربية واضحة العروبة» (28) «إن النزعة إلى تسوية المستعربين بالعرب مهما تباينت أجناسهم الأولى هو مقتضى الإسلام وأن مطالبة أولئك العرب الجدد بحقهم في ولاية الحكم ووظائف الإدارة أمر لا غبار عليه، بل الغبار في مصادرته وأن تسمية هذه النزعة شعوبية خطأ ديني لأنها نزعة إسلامية» (29).
«.. وإنَّ أولى المسلمين بزعامتهم أقدر رجل فيهم مصرياً كان أم فارسياً ما دام قد تعرب وحسن إسلامه وشرف بدينه على غيره من البيوتات العربية ولو كانوا سروات قريش...» (30).
ويمكننا تلخيص كل هذه النصوص والأقوال في نقاط أربع:
1 - إن العروبة دائرة عالمية وسعت شتَّى الألوان والأجناس وأن الأمة العربية مارست الأخلاق والوحي والقيم وأن لها رسالة إنسانية، وهذا هو معنى الآية { كنتم خير أُمة... } .
2 - إن قيادة المسلمين لا يصلح لها إلاّ العرب، وأن من خواصها عروبة الشعور والتفكير والآراء واللغة، وأن هناك مواريث مقدَّسة جعلت العروبة هي القائدة للعالم الإسلامي، وأن الوطن العربي هو مكان القيادة ومصدر الإلهام، وأن من شرائط الحاكم الإسلامي أن يكون متعرباً.
3 - إن المسلمين يقسمون إلى عرب ومستعربين وقوميات لم تستعرب بعد، وأن التسوية بين العرب والمستعربين في المناقب والولايات ليست شعوبية وإنما نزعة إسلامية صحيحة.
4 - إن المقصود بالعروبة اللسان وليس الجنس.
ولو أن الشيخ الغزالي تمسَّك بالنقطة الرابعة ولم يتجاوز حدودها لكان كلامه مقبولاً، فإن دور اللغة العربية في الفقاهة والاجتهاد وإدراك حقائق الفكر الإسلامي الأصيل أمر لا ينكره مسلم، وحيث إِنَّ الرأي السائد بين المسلمين هو اشتراط الاجتهاد في الحاكم الإسلامي، لذا فإن إدراك العربية إدراكاً كافياً يمكننا اعتباره خصيصة من خصائص الحاكم الإسلامي.
________________________________________
(28)المصدر نفسه، ص 17.
(29)المصدر نفسه، ص 18.
(30)المصدر نفسه، ص 176.

[الصفحة - 74]


لكن الشيخ الغزالي لم يقف عند حدود اللغة بل تجاوزها إلى البيئة الاجتماعية والجغرافية وهذا هو العنصر الذي يجعل آراءه بعيدة عن الروح العالمية للإسلام. فلو كانت العروبة عنده هي اللغة فقط فما معنى وصفها بأنها دائرة عالمية وسعت شتى الألوان والأجناس؟ وما معنى أن الأمة العربية هي حارسة القيم والوحي والفضائل؟
ألا يعني ذلك أنه ينظر إلى بيئة اجتماعية معينة؟ وما معنى أن يكون الوطن العربي مكان القيادة ومصدر الإلهام؟ وأن من خواص القيادة الإسلامية عروبة الشعور والتفكير والآراء واللغة؟ ألا يفهم من ذلك الانتماء القومي والجغرافي؟ ولا معنى لتقسيم المسلمين إلى عرب ومستعربين وقوميات لم تستعرب بعد إلاّ اعتبار العرب القومية القائدة للمسلمين بحيث تسعى القوميات الأخرى إلى الانتماء إليها والانسلاخ عن جلدتها الخاصة بها.
ولو كانت العروبة عنده هي اللغة فقط، فما معنى هذا التمجيد والإطراء وتقديم الامتيازات الرفيعة لها؟ فإن اللغة لا تستدعي ذلك كله، وهو ما يدلُّ على أنه يقصد المعنى القومي للعروبة.
إِنَّ الإسلام ـ وكذلك الشرائع السابقة عليه ـ لم يصب أياً من أحكامه على عنوان قومي أو وطني أو قبلي، وموضوعه الدائم هو الإنسان المجرَّد عن هذه العناوين. وآية { كنتم خير اُمة... } لا تدل على معنى قومي، لأن الاُمة الممدوحة فيها اُمة بالمفهوم الإسلامي لا القومي، صحيح أن العرب في زمن الآية كانوا يمثلون اُمة الإسلام، ولكن ما دام الإسلام يهمل الزاوية القومية فلا بد أن يكون معنى الآية هو امتداح جماعة الحق التابعين للرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بغض النظر عن انتمائهم القومي، وهذا هو المعنى الصحيح للأمة في الإسلام فلا يمكن أن يكون المقصود بالآية غيره.
إن ربط الإسلام بالعروبة ظاهرة فكرية خطيرة، فمع أن القرآن الكريم قد هدَّد المسلمين الأوائل بأن يستبدلهم بغيرهم بما يفهم منه أن الإسلام لا يرتبط ببيئة اجتماعية معينة وأنه لكل البشرية إلاّ أن العلاقة بين الإسلام والبيئة العربية في المرحلة الأولى منه جعلت الكثير من المفكرين يعتبرونها وكأنها من مقوِّمات الإسلام، وهذه الظاهرة تؤكد على ضرورة ترسيخ مفهوم العالمية الإسلامية وصقله في المجتمع
________________________________________

[الصفحة - 75]


الإسلامي أكثر فأكثر، وتدلل على خطورة المنزلق القومي بخاصّة عند من ترتبط التجربة الإسلامية ببيئتهم.
هذا كله على صعيد المدرسة السنية.
أما على صعيد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فإن حصر الإمامة في اثني عشر إماماً من أسرة واحدة لا يدل على معنى تعصبي، إذ أن هذه الإمامة لم تتقوَّم بالوراثة والنسب حتى تكون إمامة أسرية أو قبلية تعصبية وإنما تتقوم بالنص الإلهي والعصمة والأفضلية على سائر الخلق بالعلم والعمل. وهذه المقومات تنسجم تمام الانسجام مع النظرة العالمية في الإسلام، فإن النص الإلهي يعني انتخاب السماء لهؤلاء الأئمة لكونهم قيادةً خالدة للبشرية، وربما كانت الحكمة في هذا التدخل السماوي في أمر القيادة البشرية هو تسيير الدورة الحضارية الأولى للإسلام تحت إشراف سماوي مباشر حتى يأخذ المجتمع الإسلامي الاستعداد والتجربة الكافية لخوض الدورات اللاحقة بنفسه ودون الاعتماد على دور سماوي مباشر، وذلك في مرحلة قيادة الفقهاء النائبة عن القيادة المعصومة، كما أن العصمة تعني بلوغ الإمام مستوى القمَّة في الطاعة وهي تتساوق مع المفهوم العالمي للقيادة الإسلامية. وهكذا في المقوّم الثالث للإمامة وهو الأفضلية على سائر الخلق بالعلم والعمل.
2 - عالمية القانون‏
وللدولة الإسلامية قانون ينظّم العلاقات الاجتماعية على أساس الخصائص الإنسانية وباستبعاد تام للخصوصيات المحلية، بما يتساوق مع المحتوى العالمي لهذه الدولة.
وإذا ما ألقينا نظرة على الخطابات القرآنية وجدناها دائماً تنادي «يا أيها الناس، الإنسان، الذين آمنوا، الذين كفروا...» وليس في أي منها استنهاض لأي عنوان تعصبي محلي، فلا نجد فيها نداء «يا أيها العربي، المكي، القرشي» ومن الطبيعي أن تنعكس هذه اللغة على الشريعة؛ فنجدها شريعة تعتمد في معالجاتها القانونية على الخصائص الإنسانية الأصيلة كالعمل والإيمان، ولا تُدخل في حساباتها الخصوصيات المحلية كالقرابة والقبيلة والوطن والقومية. وهذا محور تخصصي
________________________________________

[الصفحة - 76]


واسع يحتاج إلى فرصة كافية للبيان والاستدلال والاستشهاد، وأنسب نقطة فيه يمكن الإشارة إليها الآن مسألة المواطنة في الدولة الإسلامية حيث لم تدخل الأرض ولا القومية كأسس في هذه المسألة، وإنما الأساس فيها هو الإيمان بالدولة الإسلامية وبدار الإسلام والاستعداد للدفاع عنها والجهاد من أجل اتساعها، فمن يلتزم بهذا الأساس يستحق اكتساب صفة المواطنة والانتساب للدولة الإسلامية ومن واجب الدولة أن تمنحه جنسيتها ما لم تكن هناك ظروف استثنائية قاهرة لا تسمح بذلك. وبذا تخرج المواطنة عن المفهوم التعصُّبي وتأخذ مفهوماً عالمياً.
3 - المجتمع العالمي‏
والبعد العالمي الثالث في الدولة الإسلامية، إنها دولة ذات مجتمع عالمي تنصهر فيه القوميَّات والألوان والأوطان في بوتقة العقيدة، وكلما ارتفع النداء «لا إله إلاّ اللَّه» اندكّت طواطم العصبية فيه ونهضت خصائص الإنسانية المتمثلة بالقيم والفضائل والكمالات الأخلاقية.
إنَّ المجتمع الإسلامي تسوده فكرة الجماعة خلافاً للمجتمع الأوروبي الذي تسوده فكرة الصراع‏(31)، وعندما نتعمَّق في دراسة هذا الفارق العميق بينهما نجد أن فكرة الجماعة وروحيتها أمر طبيعي في مجتمع تهيمن عليه القيم الدينية والأخلاقية كما لو كانت أسرة يديرها أب مقتدر كفوء، وأن سيطرة فكرة الصراع وروحيته على مجتمع مادي كذلك أمر طبيعي كما لو كانت أسرة افتقدت قطبها الأبوي وتشتت أمرها بسبب أهواء الأبناء، فالمجتمع الديني يعيش تحت شعار «يد اللَّه مع الجماعة»، والمجتمع المادي يعيش تحت شعار «الصراع من أجل البقاء» وهذا معنى قوله تعالى:{ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنَّ اللَّه ألف بينهم } {الأنفال/63} .
إنَّ فكرة الصراع هي التعبير الطبيعي عن قومية المجتمعات الحديثة، كما أن فكرة الجماعة تمثِّل التعبير الطبيعي والصادق عن المحتوى العالمي للمجتمع الإسلامي، وهي فكرة تتكامل مع مبدأ الولاية بين المؤمنين، قال تعالى: { ... والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } {التوبة/71} .
________________________________________
(31)المصدر نفسه، ص 173.

[الصفحة - 77]


4 - الثقافة العالمية
إنَّ الأساس العقائدي الراسخ للدولة الإسلامية من شأنه إفراز ثقافة تتمسَّك بالخصائص الإنسانية النبيلة وتتعامل مع الخصائص المحلية بحيطة وحذر وتحفّظ، فإِنَّ الثقافة المحلية على ثلاثة أنواع:
ـ ثقافة مطابقة للإسلام، أفرزتها الأجيال الإسلامية السابقة.
ـ وثقافة مستفادة من الجاهليات السابقة على الإسلام، أو من المبادى الهدَّامة والفلسفات المضادة له الناشئة في زمان وجوده.
ـ وثقافة ليست مطابقة ولا مخالفة للإسلام.
النوع الأول: إسلامي يستحق الانتشار والتبني، والنوع الثاني: منحرف ينبغي تصفيته، والنوع الثالث: مقبول بشرط أن لا يعلو أو يساوي الثقافة الإسلامية من حيث درجة الاهتمام والتبني، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فما في المجتمع من رسوم وأعراف وتقاليد وفنون وأفكار وممارسات محلية تُعد ثقافة من الدرجة الثانية ويتم التعامل معها على أساس أن تكون الثقافة الإسلامية هي الأبرز والأهم لأنها كلمة اللَّه، ولا بد أن تكون كلمة اللَّه فوق كلمة الناس التي هي من النوع الثالث الذي يمكن القبول به، وأما إذا كانت من النوع المنحرف فلا بدَّ من تصفيتها باعتبارها وجوداً غير مشروع في المجتمع الإسلامي.
وهكذا تتحكم الثقافة الإسلامية الأصيلة بالثقافة المحلية وتحافظ الدولة الإسلامية على صفتها العالمية في الميدان الثقافي.
5 - علاقات ما وراء الحدود
وتنعكس العالمية بشكل جلي على العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، فهي تعيش وسط دائرتين صغيرة وكبيرة، الدائرة الصغيرة هي الدائرة الإسلامية. والثانية هي الدائرة الإنسانية، وعلاقتها بالدائرة الإسلامية تقوم على أساس حماية المسلمين، والدفاع عن قضاياهم وتقديم المساعدات الممكنة لهم، وعلاقتها بالدائرة الإنسانية تتمثَّل بالعمل على نشر الدعوة الإسلامية وحماية المستضعفين ومقاومة أعمدة
________________________________________

[الصفحة - 78]


الاستكبار ورؤوس الفتنة التي تحول دون وصول شعاع التوحيد إلى قلوب الناس، هذا هو النهج الإسلامي العالمي في العلاقات الخارجية، وهو يواجه في الظروف الراهنة مشكلتين: مشكلة داخلية وأخرى خارجية. وكلتاهما ناشئتان من النظرة القومية الأنانية الاستئثارية الضيقة.
أما المشكلة الداخلية فهي التصور بأن هذا النهج يكلِّف إقليم الدولة تكاليف سياسية واقتصادية باهضة ويستنزف الموارد الداخلية للبلد، وهو تصور ناشى من الاعتقاد بأن ثروات إقليم الدولة حقٌّ خاص لسكانه دون سائر المسلمين، وهو اعتقاد ينافي النظرة الإيمانية وما تستلزمه من حسن الظنِّ باللَّه، وأن الأرزاق بيد اللَّه يقسمها كيف يشاء، وأن اللَّه قد جعل لفقراء المسلمين حقوقاً على أغنيائهم، وأن على المسلمين التناصر بينهم وأنهم يدٌ واحدة على من سواهم، كما أنه ينافي النظرة السياسية الصحيحة لأن التناصر بين المسلمين مبدأ متبادل بينهم، فحينما يجب على الدولة الإسلامية أن تنصر المسلمين يجب على المسلمين في الوقت نفسه نصرة الدولة الإسلامية، وهذا ما يجعل المسلمين قوة دولية هائلة، ويُكسب الدولة الإسلامية اقتداراً هائلاً.
إِنَّ الأحزاب الشيوعية العالمية هي التي جعلت الاتحاد السوفيتي السابق القدرة الثانية في العالم وقدرة المسلمين تفوق قدرة هذه الأحزاب، وبإمكانها أن تجعل الدولة الإسلامية القدرة الأولى في العالم شريطة أن يكون المنطلق هو الإسلام لا الأغراض النفعية البراغماتية أو الاستعلائية القومية.
وأما المشكلة الخارجية؛ فهي التعارض مع القانون الدولي الذي يعدُّ هذا النهج نوعاً من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. إلاّ أن المجتمع الدولي الراهن يخضع لميزان القوة والضعف أكثر من خضوعه للقانون الدولي، فالدولة القوية تستطيع أن تفرض منهاجها مهما كان، والدولة الضعيفة لا تكاد تحصل على ما يقدمه القانون الدولي لها، وأكبر دليل على ذلك السلوك العدواني الإسرائيلي والأمريكي الصارخ الذي يؤطَّر باستمرار بإطار القانون الدولي. وبإمكان الدولة الإسلامية أن تتجاوز هذه المشكلة من خلال اقتدارها المنطلق من العقيدة والقيم والأخلاق وحماية المسلمين والمستضعفين لها.
________________________________________

[الصفحة - 79]