البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نحو مفهوم جديد للشورى في الاسلام

الباحث :  د فوزي أدهم
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1362

نحو مفهوم جديد للشُّورى في الإسلام

القاضي الدكتور فوزي أدهم (*)

تمهید
هل هناك نظرية عامة للشورى، بمعناها الواسع، في الإسلام محورها نصُّ القرآن الكريم في سورة الشورى { وأمرهم شورى بينهم } ، بحيث يستلزم أن تكون الشورى منبعاً لجميع نظم المجتمع، بما في ذلك النظام السياسي، كما يرى بعض المفكرين الإسلاميين المحدثين؟ (1) .
لا بد لنا، قبل الدخول في صلب الموضوع، من لفت النَّظر إلى ظاهرة مرضيَّة أصابت الجماعات الإسلامية، في المسائل السياسية، تتجلى في انتخاب أحداث معينة من ماضيها وإغفال أحداث أخرى، بشكل عمدي مقصود، بحيث أصبح التاريخ الإسلامي عبارة عن مجموعة حكايات متقطعة نرويها عند المناسبات، من دون أن يكون بينها رابط أو تسلسل ما.
وقد انعكس ذلك على فهم حقائق الأمور بحيث انعدم الإلمام بأسباب الأحداث الحقيقية أو تقدير موقف المشاركين فيها تقديراً صحيحاً أو إصدار أحكام بعيدة عن الهوى. ونضرب مثالاً لما يقال عن الأئمة مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان وأحمد بن حنبل من أنهم صمدوا لعدوان الحاكم الظالم. والوالي الغاشم لم يكن غير مسلم وإنما كان هو الخليفة المسلم أمير المؤمنين ورأس المسلمين، أو كان نائبه أو غير ذلك، فقد كان الذي عذب مالك بن أنس والي المدينة جعفر بن عبداللَّه بن العباس عم الخليفة أبي جعفر المنصور، وكان الذي ضرب أبا حنيفة النعمان والي مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين، ثم والي الخليفة أبي جعفر المنصور، وكان الذي نكل بأحمد بن حنبل الخليفة المأمون ثم الخليفة المعتصم!! (2) .
________________________________________
(*)أستاذ في کلَّية الإمام الأوزاعي ـ بیروت، وقاضي التَّحقیق الأوَّل في جبل لبنان.
(1)تراجع أمثلة على هذا الرأي في: الشاوي، توفيق محمد: الشورى أعلى مراتب الديموقراطية، الطبعة الأولى، دار الزهراء، الإعلام العربي، القاهرة، 1994، صفحة 15. الدريني، فتحي: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1987، ص 412 وما يليها.
(2)تراجع الأمثلة الواردة في كتاب الخلافة الإسلامية، العشماوي، محمد سعيد، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1992، ص 17 و18.

[الصفحة - 103]


لقد أدَّت هذه الظاهرة المرضية السياسية إلى اجترار موضوعات وهمية عاطلة عن الفائدة وإلى استحداث تعبيرات لغوية وصيغ كلامية لا أساس لها من الصحة، فظهرت أكثر ما ظهرت في ميدان السياسة، ذلك لأن السياسة هي السلطة والثروة، ومن ثم كان تأثيرها على الناس أسرع ونتائجها أوضح.
وتحتل الشورى المركز الأول بين هذه الموضوعات الوهمية. فقد تكلم فيها الفقهاء كثيراً واختلفوا فيها كثيراً حسب ظروف الزمان والمكان الذي وجدوا فيه، وسبب اختلافهم يكمن في أن القرآن الكريم تكلم على الشورى في آيتين مقتضبتين تسردان مبدأ عاماً لم يرد في الحديث المنقول عن الرسول، أو عن الصحابة، ما يكملهما أو يفصل أسلوب ممارسة الشورى، كما أن أيَّاً من الخلفاء الراشدين لم يجعل الشورى منهج تصرفه وقاعدة حكمه ليتبعه من خلفه‏ (3) .
إلا أن ذلك لم يمنع بعض الفقهاء القدامى والمحدثين من محاولة بناء نظام سياسي متكامل، للأمة الإسلامية، إستناداً إلى هاتين الآيتين، وهما آية وردت في سورة الشورى: { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } {الشورى‏ر 37}. وآية أخرى وردت في سورة آل عمران: { وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على اللَّه } {آل عمرانر 158}.
ولعل ما حدا بالمفكرين الإسلاميين المحدثين إلى محاولة استنباط نظرية عامة للشورى هو وجود النظم الديموقراطية الحديثة ومحاولة هؤلاء إجراء الموازنة ما بين الشورى والديموقراطية؛ إذ أنهم يرون أن الدعوة إلى الشورى الإسلامية أصبحت بديلاً يحل محل النظم التي ترفع شعارات الديموقراطية، لا بل إنهم يؤكدون أن لا تناقض هناك ما بين الشورى والديموقراطية الصحيحة، لأن هدف النظريتين واحد في المجال السياسي، وهو: تمكين الأمة من الحرية الكاملة في تقرير مصيرها واختيار حكامها وممارسة سلطانها عليهم بالتوجيه والمساءلة والمحاسبة وتمكين أفرادها من ممارسة حقوقهم الإنسانية الفطرية بحرية لأنها هي أساس السلام والتقدم في المجتمع البشري‏ (4) .
________________________________________
(3)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، دار الأبحاث والنشر، لبنان، طبعة 1990، ص 103.
(4)الشاوي، توفيق محمد: الشورى أعلى مراتب الديموقراطية، مرجع سابق، ص 16.

[الصفحة - 104]


وقد رأى بعض المفكِّرين أن الشورى أوسع نطاقاً وأعمق أصولاً من مجرد الاهتمام بمدى سلطة الحكام ومدى تقيدهم، في ممارسة السلطة، بقرارات ممثلي الأمة التي تصدر بالشورى، إذ أنها، أي الشورى، في نظرهم، أساس حرية الفرد في الجماعة، وهي التي تعطيه حقه الفطري في المشاركة في إصدار القرارات الجماعية. فالحرية والمشاركة في الرأي حق أساسي لجميع الأفراد، ولهم ممارسته على قدم المساواة. والمساواة لا يمكن أن يتمتع بها الجميع إلا بالعدالة، فغاية الشورى هي العدالة التي تقيم توازناً عادلاً ودقيقاً بين حرية الأفراد والجماعات من ناحية وبين وجود سلطة عامة تفرض حدوداً وقيوداً على هذه الحريات الفطرية من الناحية الأخرى، وهذا التوازن يقيمه الفكر الحر والحوار المتبادل والتشاور على أساس مبادى‏ء ثابتة مستقرة تنبع من عقيدة وشريعة تسموان على إرادة الجميع وتهيمنان على فكر الجماعة ونظامها، وبذلك تكون الشورى ميزاناً تمثل الحرية إحدى كفتيه والسلطة والديموقراطية الكفة المقابلة لها، وترتكز كلتاهما على محور شرعي ثابت مستقر من أصول الشريعة ومبادئها السامية... (5) .
تعود أهم أسباب النتائج التي توصل إليها معظم الباحثين بصدد موضوع الشورى بوصفها نظاماً سياسيّاً، في نظرنا، إلى العوامل التالية:
1 -الإحباط الناجم عن الفشل في المجالات السياسية، بحيث بدأ البحث في الماضي القديم عن أحلام تقلّل من مرارة الحاضر، وهذا ما حمل الدكتور سليمان الطماوي على العودة إلى تاريخ عمر بن الخطاب عقب نكسة عام 1967، وهذا أمر طبيعي في تاريخ الشعوب والأمم، حيث إنكب على تأليف كتاب عن عمر بن الخطاب. وهو الذي انصرف إلى بحث موضوعات القانون الإداري الوضعي‏ (6) . وقد أورد الدكتور الطماوي نفسه أنه قد ألف هذا الكتاب عقب النكسة بعد يأسه من الأوضاع السائدة.
2 -إشتغال غير المتخصِّصين في ميدان الفكر الإسلامي في قضايا الإسلام، إذ انبرى منذ مدَّةٍ طويلة عدد من الباحثين ممن لا علاقة لهم بالفكر الإسلامي، لا من قريب ولا من بعيد، إلى الاشتغال في هذه الميدان، فكانت نتائج ذلك
________________________________________
(5)المصدر نفسه، ص 18.
(6)الطاوي سليمان: عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة، دار الفكر العربي، 1969، ص 1 وما يليها.

[الصفحة - 105]


صدور أحكام ومواقف لا تتفق مع حقيقة الإسلام، وإذا بنا نرى، بخاصة، أساتذة اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وبعض المستشرقين وغيرهم، يقومون بأبحاث تخرج أساساً عن نطاق اختصاصهم، في حين ابتعد الاختصاصيون وهم رجال القانون والشريعة عن البحث في هذه الموضوعات.
3 -الخلط بين القواعد الشرعية والقواعد الفقهية، بحيث صار التعامل مع آراء الفقهاء كأنها من القواعد المنزلة والمنزهة عن الخطأ، وصار ينظر إلى آراء الفقهاء على أنها من المقدسات، في حين أنها لا تخرج عن كونها آراء تقبل الصواب كما تقبل الخطأ؛ وذلك خلافاً للقواعد الشرعية الثابتة.
من هنا كان لافبد من بحث موضوع الشورى وفقاً لمعايير جديدة ووفق خصائص العلم والتاريخ، بغية الخروج بمفهوم واضح بهذا الصدد.
لذلك، سوف أقوم ببحث هذا الموضوع في جذوره الأساسية في القرآن الكريم، ثم في السنَّة النبوية، ثم في تعامل الصحابة في التاريخ الإسلامي، على أن نستخلص النتائج في ما بعد.
المبحث الأول‏
الشُّورى في القرآن الكريم‏
يلاحظ أن ذكر الشورى التي يبني عليها بعض المفكّرين النظام السياسي الإسلامي وردت في ست كلمات هي: { وأمرهم شورى بينهم) (وشاورهم في الأمر } ، ثم غاب موضوع الشورى عن باقي الآيات.
وقد فسر البيضاوي‏ (7) { وأمرهم شورى بينهم } بأن الآية نزلت في الأنصار، إذ دعاهم الرسول إلى الإيمان فاستجابوا وأقاموا الصلاة، وهم ذوو شورى لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجمعوا عليه، وذلك من فرط تدبرهم ويقظتهم في الأمور. وجاء في تفسير الجلالين‏ (8) للآية نفسها أنها موجهة للذين أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه... وأمرهم الذي يبدو لهم يتشاورون فيه ولا يعجلون، «وهذا المعنى ورد أيضاً في تفسير ابن كثير» (9) . أما الآية الثانية فيقول البيضاوي‏في
________________________________________
(7)البيضاوي، أبو سعيد عبداللَّه بن محمد الشيرازي: تفسير البيضاوي، دار العلم للملايين، ص 644.
(8)تفسير الجلالين: دار المعرفة، بيروت، ص 644.
(9)ابن كثير، إسماعيل بن كثير الدمشقي، دار المعرفة، بيروت، ص 118.
(10)تفسير البيضاوي، دار العلم للملايين، طبعة أولى، ص 89.

[الصفحة - 106]


شأنها(10): { وشاورهم في الأمر } ، أي لأمر الحرب، إذ الكلام فيه أو في ما يصح أن يشاور فيه، إستظهاراً برأيهم وتطييباً لنفوسهم. فإذا وطنت نفسك على شي‏ء بعد الشورى فتوكل على اللَّه في إمضاء أمرك.
وفي تفسير الجلالين جاء (11) : { وشاورهم في الأمر } أي استخرج آراءهم في الأمور شأنك في أمر الحرب وغيره تطييباً لقلوبهم. فإذا عزمت على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فتوكل على اللَّه.
يستفاد من الآية الواردة في سورة الشورى أنها لا تتضمن أمراً إلى الحاكم بوجوب الاستماع إلى الشورى والتقيد بمضمونها، وإنما تشرح هذه الآية حالة معينة كان عليها الأنصار قبل الإسلام واستمروا عليها، بعده من حيث التشاور في ما بينهم على ما يعرض من الأمور، فقد كان التشاور أمراً مألوفاً في النظام العربي العشائري، فرئيس العشيرة ينتسب عادة إلى عائلة مرموقة اكتسبت مكانتها بشجاعة أفرادها وحكمتهم وكرمهم، ومن مهمات الرئيس أن يفصل في خلافات الأفراد ويتعاطى مع القبائل الأخرى، ويقرر الرحيل من مكان لآخر كما يقرر الغزو والحرب، وهو يستشير كبار العشيرة في كل ذلك، ولا يمضي شيئاً إلا بعد الاطلاع على آرائهم. فإذا قرر شيخ العشيرة أمراً بعد المشاورة تبعته القبيلة، وما زالت هذه حالة العشائر إلى يومنا هذا (12) .
لقد اتخذت هذه العادة العربية شكلاً منظماً في مكة قبل الإسلام، فقد نظم المكيون أمورهم حول «دار الندوة»، وهو المجلس الذي كان يدبر الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية في المدينة، ويتألف من كبار أهل مكة، فلا يتم أمر من أمور البلاد إلا باتفاق أعضاء الندوة، ولا تقضي قريش بأمر خارج الندوة (13). فليست الشورى إذاً شيئاً جديداً جاء بعد الإسلام، بل نرى أن المسلمين أهملوا عادة الشورى في «الندوة» بعد الدعوة، ولم يعد يرد ذكر لها في كتب السيرة والتاريخ.
أما آية { وشاورهم في الأمر } فإنها تثير بعض الملاحظات:
1 ـ من هم أهل الشورى؟ إذ ليس من الواضح إلى من يتوجه ضمير الغائب في «شاروهم»، أي إلى من يتجه طلب المشورة؟
________________________________________
(11)تفسير الجلالين، دار المعرفة، بيروت، ص 89.
(12)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، مرجع سابق، ص 104.
(13)هيكل، محمد حسين: حياة محمد، ص 254.

[الصفحة - 107]

2 ـ هل أن الحاكم ملزم بطلب المشورة؟
3 ـ هل أن الحاكم ملزم بالتقيد بالمشورة التي يطلبها أو تعرض عليه؟
من الواضح أن طلب المشورة ليس واجباً على الحاكم، لأنه يظهر من تفسير البيضاوي والجلالين أن الأمر بالشورى يتبعه أن ذلك يحدث تطييباً لنفوسهم وقلوبهم، وليس لمصلحة عامة.
كما أن الحاكم ليس ملزماً بالتقيد بالمشورة التي يطلبها أو تعرض عليه؛ إذ أن الجزء الثاني من الآية: { فإذا عزمت فتوكل على اللَّه } ، أي إذا وطنت نفسك على شي‏ء بعد الشورى، فتوكل على اللَّه في إمضاء أمرك، وإن كان مخالفاً لرأي الناصحين. فالشورى غير ملزمة للحاكم.
المبحث الثاني‏
الشورى في السنّة
يسند بعض المفكرين الإسلاميين‏ (14) الشورى إلى سنّة الرسول وإلى حديث «ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار» (15) .
وجه الدلالة أن الاستخارة هي طلب خير الأمور بعد البحث فيها وتبيُّنها، والرسول يطلب إلى المؤمنين أن يتخيروا من الأمور أصلها، تبعاً لما ينتهي إليه البحث العلمي الموضوعي المبرَّأ من الانفعال والهوى وأن يستشيروا أولي الرأي وأهل الاختصاص والخبرة إتقاء لسوء العاقبة.
والواضح أن الرسول يطلب إلى المؤمنين المشورة، غير أن المفكرين المسلمين قد التبس عليهم الأمر بين الشورى والمشورة، وشتان ما بين الفكرتين من فرق، فاستطلاع رأي الناس والاستماع إليهم أو قبول اقتراحاتهم يسمى مشورة، أما الشورى فهي نظام سياسي متكامل يتضمن القواعد التي تنظم مشاركة الناس بالحكم وكيفية مراقبة الحكام ومحاسبتهم، وليس في المشورة شي‏ء من هذا!!
كذلك يستند أنصار الشورى السياسية، إلى حديث الرسول: «من بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين، فلا بيعة له، ولا الذي بايعه» (16) .
________________________________________
(14)الدريني، فتحي: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مرجع سابق، ص 420 و421.
(15)القرطبي، أبو عبداللَّه محمد بن أحمد الأنصاري: تفسير القرطبي، ج‏4، ص 251.
(16)رواه الإمام أحمد: السيرة، ج‏4، ص 341 لابن هشام.

[الصفحة - 108]


والحقيقة أن البيعة تقليد بدوي سابق للإسلام يتعلَّق بتولية شيخ العشيرة، والبيعة ليست انتخاباً أو اختياراً للزعيم من قبل أفراد العشيرة، بل اعتراف منهم بقبول سلطة الشيخ الجديد الذي يحصل على مركزه بمكانته الشخصية، أو بنفوذ عائلته، أو بترتيب جرى بين النافذين في القبيلة، أو بفرض نفسه على الآخرين‏(17) .
وقد اقتبس الإسلام أسلوب البيعة المذكور وحافظ على تقليدها البدوي، إلا أن الفقهاء في العصور اللاحقة حاولوا أن يعطوها معنى مختلفاً، فقال أبو الحسن الماوردي: إن البيعة عقد وكالة بين الأمة وبين حاكمها المسؤول عنها، وإن عقد البيعة عقد مؤقت مشروط، فهو خاضع لمراقبة الأصيل، أي الأمة، فإن رأى الوكيل ملتزماً للشروط المحددة أبقى الوكيل إن شاء (18) . وقال ابن تيمية: إن الإمامة تثبت بمبايعة الناس لا بعهد الإمام السابق له‏ (19) .
إلا أنه من الواضح أن هذا الكلام بقي في إطار النظريات، إذ لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن قامت الأمة بعزل الإمام لأنه خالف عقد الوكالة كما يقول الماوردي. وقد عزل خلفاء وحكام كثر عن الحكم، لكنهم عزلوا عن طريق الجند لتحقيق رغبة طامع بالحكم، لا لأنهم حادوا عن شروط الوكالة المعقودة مع الأمة. كما أنه لم يحدث في التاريخ الإسلامي أن المسلمين رفضوا البيعة لشخص تولى الحكم بعهد السابق له، أي بالاستخلاف.
أما قول ابن تيمية: إن الإمامة تثبت بمبايعة الناس لا بعهد السابق له، فإن ما كان يجري في الواقع المستمر يخالف ذلك. فقد بقي الخلفاء والسلاطين قروناً طويلة، وفي مختلف العهود، يعينون من يخلفهم ثم يسوقون الناس للبيعة سوقاً، فالبيعة ليس كما يتوهم بعض الباحثين انتخاباً أو تفويضاً أو توكيلاً بالخلافة، وإنما هي الموافقة على الأمر الواقع والتسليم به. والبيعة فرض كفاية في الفقه الإسلامي، إذا قام بها قوم سقطت عن الآخرين. وليس الناس ملزمين بمراسم البيعة ما دامت فرض كفاية، ولكنهم ملزمون بالطاعة والقبول بالحاكم أو الخليفة (20) .
فالواضح إذا أن البيعة ليست من الشورى في شي‏ء، وبالتالي فإن حديث الرسول:«من بايع أميراً من غير مشورة المسلمين» لا يصلح ركيزةً للشورى
________________________________________
(17)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، مرجع سابق، ص 108.
(18)الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية، تحقيق عبد الرحمن بن عميرة، دار الاعتصام، مصر، ص 5 وما يليها.
(19)ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: منهاج السنّة.
(20)العجلاني، منير: عبقرية الإسلام في أصول الحكم، ص 107.

[الصفحة - 109]


السياسية، كما لا يوجد في السنة أي ممارسة عملية للشورى السياسية. أما المشاورة فقد مارسها الرسول (صلي الله عليه و آله) بشكل واسع، وهي تختلف جذرياً عن الشورى.
فقد توفي الرسول (صلي الله عليه و آله) ولم يترك أي دليل أو إشارة تهدي المسلمين إلى طراز الحكم المقبل وإلى من سيتولاه. ولم يكن في القرآن أو السنّة ما يبين ذلك عدا الآيتين اللتين تذكران مبدأ الشورى من دون أي تفصيل لطريقة ممارسة المبدأ ولشكل الحكم الذي سينشأ عن تطبيقه‏ (21) وكان الرسول (صلي الله عليه و آله) قد مارس بعد الهجرة إلى المدينة جميع شؤون الحكم، فكان الآمر والمفسر للآيات ومنفذ أحكام الشريعة والقاضي بين الناس ومدبر الغزوات وقائدها لنشر الدين وموزع الغنائم ومراسل الملوك، فجمع في شخصه السلطة الروحية والقضائية والتنفيذية والإدارية والعسكرية والخارجية، ولم يعرف عنه أنه شكل جهازاً إستشارياً تنفيذاً لآيتي الشورى، وإن كان يستشير بعض أصحابه، كما لم يعرف عنه أنه أقام مؤسسات سياسية أو إدارية تساعده في مهماته وتكون قدوة يحتذيها خلفاؤه.
المبحث الثالث‏
الشورى في التطبيق‏
خلال مرض الرسول (صلي الله عليه و آله) أدرك القريبون منه أن وفاته باتت وشيكة، فابتدأت الأفكار تجول حول من يتولى قيادة المسلمين من بعده، فكان تنافس بين المهاجرين والأنصار، وكان في الصحابة من يرى نفسه أحق من غيره كطلحة بن عبيداللَّه والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص، وكان الرسول (صلي الله عليه و آله) قد قال قبيل وفاته: «أيها الناس إني راضٍ عن أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف فاعرفوا ذلك» ولم يذكر بينهم أحداً من الأنصار. وكان بنو أمية يطمحون أيضاً إلى لعب دور هام معتمدين على زعامتهم المكية ومكانتهم المالية والاجتماعية . لقد تولى أبو بكر الخلافة بعد اجتماعه الشهير بالأنصار في سقيفة بني ساعدة بطريقة بعيدة عن الشورى السياسية.
يقول عمر بن الخطاب: «إن بيعة أبي بكر كان فلته... غير أن اللَّه وقى شرها... فمن بايع رجلاً عن غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له... وإنه كان من خبرنا، حين توفى اللَّه نبيه، أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: «إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار»، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: «أين تريدون يا معشر المهاجرين؟» فقلنا: «نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار»، فقالا: «فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم (أي لا فائدة
________________________________________
(21)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، مرجع سابق، ص 152.

[الصفحة - 110]


لكم في لقاء الأنصار)، فقلنا: «واللَّه لنأتينهم».. فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة... وإذا بين أظهرهم رجل مزمّل (ملتف في شي‏ء)... قلت: «من هذا»؟ قالوا: «سعد بن عبادة... فقام رجل منهم... وقال: نحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معاشر قريش رهط بيننا، وقد دفت (هجمت) إلينا من قومكم دافة. قال (عمر): فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، وقد كنت زوَّرت (هيأت وأعددت) في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر لمبايعته، فتكلم أبو بكر فما ترك شيئاً كنت قد زوَّرت (أعددت) في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت، إلا ما جاء به وبأحسن منه. وقال: «أما بعد يا معشر الأنصار، فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وهم أوسط (العرب) داراً (أي من مكة) ونسباً... فلما قضى أبو بكر كلامه قام (من الأنصار) رجل، فقال منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش... فارتفعت الأصوات وكثر اللغط (إختلاط الأصوات)... وقال أبو بكر للأنصار، منا (أهل مكة القرشيين) الأمراء ومنكم الوزراء. فقال عمر لأبي بكر: «إبسط يدك أبايعك (لقد ارتضاك النبي لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا) فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار. ثم نزونا (وثبنا ووطأنا) على سعد بن عبادة حتى قال قائلهم: قتلتم سعداً... وإنا واللَّه ما وجدنا أمراً هو أقوى (أصعب) من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما نتابعهم على ما نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد» (22) .
فمن الواضح من هذا الذي رواه عمر بن الخطاب، عن بيعة أبي بكر، أن الرسول (صلي الله عليه و آله) لم يستخلف أحداً، وأن الجدال بين المهاجرين والأنصار كان على الأمر وتعيين أمير، وأن مبايعة أبي بكر كانت فلتة وأنه أعقب المبايعة إعتداء على سعد بن عبادة زعيم الأنصار.
وفي الجدال الذي حدث في سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار، لا نرى رجوعاً إلى آيات القرآن الكريم المتعلقة بالشورى، أو إلى أحاديث الرسول بهذا الصدد، وإنما كان الجدال يدور بينهم حول من يتولى سياسة أمور الناس، ولا يتعلق بشؤون الدين. وكان الاقتراح المقدم من أحد الأنصار أن يكون منهم أمير
________________________________________
(22)أمين، أحمد: ضحى الإسلام، ج‏1، ص 295 وما يليها.

[الصفحة - 111]


ومن المهاجرين أمير، وهو نظام يشبه نظام تعيين قنصلين في روما في بعض الحقب، واقترح أبو بكر أن يكون من القرشيين الأمراء ومن الأنصار الوزراء، فالصراع كان يدور حول الأمر وعمن يكون الأمير، ولم يتعرض أحد أبداً بكلمة واحدة للدين أو الشريعة.
يقول الدكتور طه حسين، في ذلك، إن أبا بكر لم يبايع بالخلافة عن مشورة من المسلمين وإنما كانت بيعته فلتة وقى اللَّه المسلمين شرها كما قال عمر (23) .
ناقش الأستاذ علي حسني الخربوطي خطبة أبي بكر، حين بيعته، وما تلاها من تصرفات من حيث تطبيق مبدأ الشورى فقال: «إنها تدل على أن أبا بكر معترف للأمة بسلطة المراقبة على الحكم، لكنه لم يؤلف تلك الهيئة التي تراقب الحاكم. وهذا الإغفال من الصحابة لأمر إقامة مراقبة على الحكومة جر أسوأ النتائج... حتى انتهى الأمر بالفتنة المشهورة ومصرع عثمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن خطبة أبي بكر جاءت خالية من ذكر الشورى لأن قول أبي بكر: «إن أسأت فقوموني» يدل على أنه يحب منهم أن يقوموه متى أساء، والإنسان لا يسي‏ء إلا بعد أن يبرم العمل وينفذه. ومما يدل على أن هذا الفهم صحيح أن المسلمين انتخبوا أبا بكر وتركوه لنفسه، فإن حدث أن استشارهم في شي‏ء ورأى غير رأيهم آثر رأيه على رأيهم ومضى حيث أراد. وكذلك سار عمر وعثمان وعلي، وهذا تنازل من الصحابة عن أكبر حق لهم في حكومة دولتهم» (24) .
ولما ارتدت قبائل عربية كثيرة عن الإسلام ورفضت دفع الزكاة بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله) أراد أبو بكر أن يعيدها إلى الإسلام بالقوة، وعارضه الصحابة بمن فيهم عمر بن الخطاب. لكن أبا بكر استأثر برأيه فحارب وانتصر من دون أن يمارس الشورى السياسية وإنما استأثر بالقرار.
وعندما قاربته الوفاة لم يستشر أبو بكر أحداً في من يخلفه بل قال للمسلمين: إني اخترت لكم هذا الرجل (عمر) فاسمعوا وأطيعوا، فسمع البعض وأطاعوا وعارض كثير من كبار الصحابة فلم يؤبه لهم‏ (25) .
ولم يعرف عن أبي بكر وعمر أنهما جمعا حولهما طائفة من الصحابة، من أصحاب العقل الراجح والرأي السديد، يستشيرونهم في أمور المسلمين بصورة
________________________________________
(23)حسين، طه: علي وبنوه، ص 31.
(24)الخربوطلي، علي حسني: الإسلام والخلافة، ص 44 وما يليها.
(25)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، مرجع سابق، ص 106.

[الصفحة - 112]


منظمة كما اعتادت قريش في «دار الندوة» في مكة، مع أنهما كانا معاصرين لتلك الشورى التي سبقت الإسلام.
ولم تكن طريقة اختيار عثمان بن عفان للخلافة شورى مقنعة، فقد اختص عمر بها ستة من قريش ولم يشاركه أحد باختيارهم وحجب الشورى عن باقي الصحابة، ثم رتب الأمر بحيث ضمن استبعاد علي بن أبي طالب عن الخلافة.
حكى ابن إسحاق عن الزهري عن ابن عباس قال: «وجدت عمر ذات يوم مكروباً، فقال: ماأدري ما أصنع في هذا الأمر؟ أقوم فيه وأقعد».
فقلت: «هل لك في علي؟».
فقال: «إنه لها لأهل، ولكنه رجل فيه دعابة، وإني لأراه لو تولى أمركم لحملكم على طريقة من الحق تعرفونها».
قال: «قلت: فأين أنت عن عثمان؟».
فقال: «لو فعلت لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس، ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه، واللَّه لو فعلت لفعل ولو فعل لفعلوا».
قال: «فقلت: فطلحة؟».
قال: «إنه لزهو؟ ما كان اللَّه ليوليه أمر أمة محمد(صلي الله عليه و آله) مع ما يعلم من زهوه».
قال: قلت: «فالزبير؟».
قال: «إنه لبطل، ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع بالسوق، أفذاك يلي أمور المسلمين؟».
قال: «فقلت: سعد بن أبي وقاص؟».
قال: «ليس هناك، إنه لصاحب مقتب يقاتل عليه، فأما ولي أمر فلا».
قال: «فقلت: فعبد الرحمن بن عوف؟».
قال: «نِعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف، إنه واللَّه لا يصلح لهذا الأمر يا ابن عباس إلا القوي في غير عنف، اللين من غير ضعف، والممسك من غير بخل، والجواد من غير إسراف».
________________________________________

[الصفحة - 113]


قال ابن عباس: «فلما جرحه أبو لؤلؤة وآيس الطبيب من نفسه وقالوا له: «إعهد» جعلها شورى في ستة..(26) .
ليس من الدقة في شي‏ء أن يقال إن حكم أبي بكر وعمر كان حكماً شورياً بالمعنى الدقيق. فليس جميع المسلمين اختاروا أبا بكر وعمر للخلافة وإنما اختارهما فريق من المسلمين من أهل المدينة ولم تتمّ استشارة أهل مكة والطائف والبادية (27) . وقد وضع الخليفة عثمان حداً لموضوع الشورى عندما أعلن أن اللَّه عهد إليه بالخلافة وليس عليه أن يقدم عن أعماله حساباً سوى اللَّه‏ (28) .
إن التعامل بالشورى كان مفقوداً في عهود الخلفاء الثلاثة؛ الأمر الذي ما دفع المسلمين إلى الحرب عندما اختلفوا حول خلافة علي بن أبي طالب وانقسموا إلى شيع متقاتلة. ولو كان هناك شورى بالفعل لكان من الممكن تلافي ما حصل.
لقد ورث الأمويون هذا الوضع الدستوري وساروا على منواله، وكل ما فعلوه أنهم حصروا الخلافة في عائلتهم ولكنهم تركوها تنتقل من فرد إلى آخر من دون ضابط واضح، كما تابعوا مبدأ الاستخلاف الذي بدأه أبو بكر، أي أن يعهد الخليفة إلى من يريد أن يخلفه فيبايعه الناس.
أما في العصر العباسي فإنه من تسعة وثلاثين خليفة قتل أو عزل أو سملت عيون سبعة عشر خليفة أي نسبة 5,43 بالمئة. ونادراً ما حصل هذا في تاريخ الشعوب. فما هي النظرية السياسية التي سادت المجتمع الإسلامي وسمحت بحدوث هذه الأحوال؟، علماً بأن الخلافة العثمانية لم تكن أفضل حالاً.
المبحث الرابع‏
الشورى والنظريات السياسية
أولاً: نظرية أبو الحسن الماوردي: (974 - 1058م)
ينطلق الماوردي، في نظريته، من أنّ الخلافة واجبة شرعاً، فلا يجوز أن يوجد مجتمع إسلامي من دون إمام. وأهم ما شغله هو الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية التي ترتبط برباط ديني فأخلاقي تمثله الشريعة وتجسده الإمامة الجامعة.
________________________________________
(26)الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية، تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة، ج‏1، مصدر سابق، دار الإعتصام، ص 71 وما يليها.
(27)القاسمي، ظافر: نظام الحكم في الشريعة والتاريخ، ج‏1، ص 168.
(28)شامية، جبران: الإسلام هل يقدم للعالم نظرية للحكم، مرجع سابق، ص 107.

[الصفحة - 114]


إلا أنه اصطدم بواقع قائم في عهده؛ إذ أن الإمامة لم تعد جامعة، فقد وجد في زمنه ثلاثة خلفاء: عبد الرحمن الثالث الأموي في الأندلس وخلفاؤه، والمعز لدين اللَّه الفاطمي في مصر وخلفاؤه، والخلفاء العباسيون في المشرق. وكان هدف الفاطميين الأول هو تهديم العباسيين باعتبارهم قد اغتصبوا الخلافة من آل البيت أصحابها الحقيقيين‏ (29) .
لقد رجع أبو الحسن الماوردي إلى نظرية الخلافة، فقال: إن الخلافة تأتي بأسلوبين:
1 ـ بالاستخلاف أي أن يسمي الخليفة من يريد أن يخلفه.
2 ـ باختيار أهل الحل والعقد الذين يسميهم«أهل الاختيار».
وبعد المرحلة الأولى التي هي إما الاستخلاف أو الاختيار، يشدد أبو الحسن الماوردي على الخطوة الثانية وهي البيعة. فيقول: «إذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار وتفحصوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، قدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً وأكملهم شروطاً ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته» (30) .
وبعدها تجري البيعة، أي يأتي الناس ليعلنوا موافقتهم على من اختاره أهل الحل والعقد أو على الذي استخلفه الخليفة السابق فتصبح البيعة ملزمة للشعب، وطاعة الخليفة واجبة عليه في كل أمر مهما بلغ ظلمه إلا إذا خرج عن الدين.
لقد شاهد الماوردي قتل خليفة وعزل خليفة آخر قبل أن يستخلفا أحداً. فقد قتل السلطان معز الدولة (946) الخليفة المستكفي ونصب بعده الخليفة المطيع. ثم شاهد السلطان بهاء الدولة يخلع الخليفة الطائع وينصب الخليفة القادر. وكان الحدثان فرصة نادرة ليخبرنا الماوردي عن وضع نظريته موضع التطبيق في ما يتعلق بدور أهل الحل والعقد في اختيار الخليفة الجديد وتنصيبه.
فمن هم الذين شكلوا أهل الحل والعقد في عهدي السلطانين معز الدولة وبهاء الدولة حين تنصيب الخليفة المطيع ثم الخليفة القادر؟ وكم كان عددهم؟
________________________________________
(29)المرجع نفسه، ص 346.
(30)الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية، مصدر سابق، ص 5.

[الصفحة - 115]


وهل مثلوا مختلف المناطق والمذاهب؟ ومن دعاهم إلى الاجتماع؟ وأين كان مقر الاجتماع؟ وماهي أسماء الذين كانوا صالحين لمنصب الخلافة فاستعرضوهم ثم اختاروا منهم المطيع ثم القادر بعده؟ وما كان مدى حرية أهل الحل والعقد في هذا الإختيار؟ وكيف تم الاختيار؟ بالإجماع؟ أم بالأكثرية؟ أم بأسلوب آخر؟ وكيف كانت آلية عمل أهل الحل والعقد؟ وكيف كان المجتمعون يحلون خلافاتهم إذا حصلت؟
لقد سكت الماوردي عن جميع هذه التفاصيل، في حين أنه يجعل مقولة «أهل الحل والعقد» الركن الأساسي في نظريته السياسية، ويبني عليها شرعية الإمامة، بوصفها وكالةً عن الأمة الإسلامية.
لقد أراد الماوردي أن يوفق بين نظرية الخلافة الجامعة التي لم يعد لها وجود، والمتمثلة بشخص الخليفة الذي فقد عملياً كل سلطة وبين السلطة الفعلية التي اغتصبها السلاطين ومارسوها مستقلين في مناطقهم. أما الشريعة فقد أصبحت مبدأ سلبياً، بمعنى أن الحاكم كان يحاول أن لا يخالف أوامرها لكنه لم يعد يقتدي في سلوكه بتعاليمها إذا حالت دون تحقيق مطامعه.
لقد قال الماوردي: إن باستطاعة الخليفة أن يفوض سلطته إلى أمير. والغرض من ذلك المحافظة على الأساس القانوني والشرعي للحكم الواقعي بكونه مستمداً من الخليفة الذي يحتفظ نظرياً بسلطاته السياسية والإدارية وإن توقف عن ممارستها عملياً.
كما جعل الماوردي محور نظريته حضّ الناس على طاعة الخليفة والسلاطين مهما أساؤوا إلا أن يخرجوا عن الدين؛ وذلك في غياب أي مبحث في حريات الناس وحقوقهم وكيفية صيانتها والمحافظة عليها تجاه ظلم الخلفاء والحكام وتعسفهم.
ثانياً: نظرية الغزالي (1058 - 1111م)
أكد الغزالي أن وجود الإمامة ضرورة للمسلمين، وأن أهم واجبات الإمام تطبيق الشريعة. وقال: إن السلطة في الأمة الإسلامية هي ولاية من اللَّه خاضعة لمشيئته، وهذا يستتبع وجود إمام مطاع. أما من يكون وما هي صفاته وكيف
________________________________________

[الصفحة - 116]


يستولي على السلطة، فإن الغزالي عدَّ كل ذلك أموراً ثانوية وأفتى بأنه يمكن التخلي عن شروط الفقهاء السابقين المتعلقة بصفات الإمام وطريقة تنصيبه وضرورة أن يكون تقياً عادلاً نزيهاً، إذا كان التمسك بهذه الشروط يؤدي إلى اختلاف الأمة.
وبذلك أصبحت الشرعية تحتاج إلى شرطين فقط:
1 ـ حيازة الإمام على قوة عسكرية كافية تمكِّنه من القبض على السلطة والبقاء فيها.
2 ـ أن يكون مسلماً.
ويرى الغزالي أن أية إمامة هي أفضل من غيابها وأية سلطة أفضل من توزع الآراء (31) . أما بالنسبة للحكم السياسي فيرى الغزالي أن أي حاكم، ولو كان مغتصباً للحكم بقوة السلاح والتآمر ومهما كان مصدر سلطته، هو أفضل من الفوضى التي تنشأ في حال غيابه.
أما في موضوع الطاعة للحكام، فقد ذهب الغزالي إلى القول بطاعة الحاكم الظالم وعدم جواز عزله إذا كان ذلك يؤدي إلى اختلاف الآراء والنزاع. كما أن العمل على إزالة حاكم جائر واستبداله بحاكم عادل هو أمر مرذول.
وقد طلع الغزالي بنظرية تقول إنَّ وجود سلطان قوي إلى جانب خليفة ليس له شي‏ء من السلطة هو ضمانة لتمكين الخليفة من الدفاع عن الإسلام ونشره في العالم‏ (32) .
ثالثاً: نظرية ابن جماعة:
يقول ابن جماعة أن وجود الحاكم ضرورة دينية؛ إذ من دونه لا يوجد عدل في الأرض، وهو ظل اللَّه وطاعته واجبة ديناً أيما كان، أي أنه لم يعد من الضروري أن يكون الخليفة من قريش.
وعليه إذا قام من يطالب بالإمامة، وليست لديه الصفات اللازمة، وأجبر المسلمين بالقوة وبوساطة جيوشه على الاعتراف به من دون بيعة أو استخلاف، فإن سلطته تصبح شرعية وطاعته واجبة للمحافظة على وحدة المسلمين. وهذا واجب وإن كان الحاكم شريراً. فإذا تسلط أحدهم بهذا الشكل، ثم قام آخر وتغلب عليه
________________________________________
(31)الغزالي، أبو حامد: الإقتصاد في الإعتقاد، ص 107 و108.
(32)المصدر نفسه، ص 105.

[الصفحة - 117]


بقوة عسكرية، فإن طاعة الثاني تصبح واجبة، ويجب أن يكون المسلمون مع أي حاكم يستولي على السلطة (33) .
ويرى ابن جماعة أنه لم يعد من الضروري الاهتمام بكيفية وصول الحاكم إلى السلطة بالاختيار أو بالاغتصاب، فطاعته واجبة في الحالتين حتى تبقى الأمة متماسكة ومتضامنة، وإذا استولى سلطان على بلاد بالقوة فعلى الخليفة أن يفوض إليه الأمور وأن يدعو الرعيَّة لطاعة الحاكم الجديد لئلا تنقسم الأمة وتضعف. فإذا أخطأ السلطان وظلم فلا يجوز خلعه لئلا تضطرب الأمة (34) .
رابعاً: نظرية ابن تيمية:
تخلى ابن تيمية عن ضرورة وجود إمامة جامعة شاملة لجميع المسلمين، واعترف بشرعية قيام إمارات متعددة تجاوباً مع مقتضيات عصره، وأوصى المسلمين بوجوب طاعة حكامهم وجوباً دينيّاً حفاظاً على تطبيق الشريعة، وقد سار في موضوع الطاعة على نحو ما قاله الغزالي والماوردي وابن جماعة (35) .
استنتاج‏
نستنتج من هذه النظريات الأربع أن الشورى السياسية كانت غائبة، لا بل كانت مستبعدة عمداً في النظرية كما في التطبيق، وبالتالي فإن محاولة إظهار أنَّ الشورى، بوصفها نظاماً سياسيَّاً ونظرية، هي مبدأ إسلامي ثابت هو أمر غير دقيق وغير واقعي.
المبحث الخامس‏
أهل الحل والعقد
لقد انتشرت، في وقت من الأوقات، عبارة «أهل الحل والعقد»، فما هي حقيقة هذه الجماعة؟ ليس هناك من اتفاق بين الفقهاء حول تحديد أهل الحل والعقد.
فقد ذهب فريق من الفقهاء إلى أنهم هم الذين تختارهم الأمة من أهل العدالة والعلم والرأي وتتبعهم في أمورها العامة وأهمها اختيار رئيس الدولة (36) .
وذهب فريق آخر إلى أنهم هم أهل العلم والقرآن.
________________________________________
(33)ابن جماعة، بدر الدين: تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام، تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد، قطر 1985، ص 375.
(34)المصدر نفسه، ص 362 - 364.
(35)ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: السياسة الشرعية، ص 162.
(36)أبو يعلى الفراء الحنبلي: الأحكام السلطانية، تصحيح محمد خالد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت 1983، ص 3 و4.

[الصفحة - 118]


وذهب فريق ثالث إلى أنهم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس‏ (37) .
وقد حدَّد الماوردي أهل الحل والعقد بشروط معينة لا تبعد كثيراً عن شروط أبي يعلى، وسماهم أهل الاختيار من العدالة والعلم المؤدي إلى معرفة من يستحق الإمامة إذا توافرت شروطها، والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من للإمامة أصلح، وتدبير الأمور أقوم وأعرف‏ (38) .
ويرى بعض المفكرين المحدثين أن أهل الحل والعقد قد تشعبت بهم المهام وتعقدت، بحكم تنوع مطالب الحياة وتكاثر مرافقها ومصالحها العامة في عصرنا الحاضر، نتيجة للتقدم العلمي والتقني بوجه خاص، مما لا يستقيم أبداً إغفال أمره، وعدم إعطائه ما يستحق من التقدير والاعتبار في تدبير شؤون الحكم والسياسة، وهؤلاء منوط بهم تدبير هذه المصالح على الوجه الأجدى والأكمل، ولا يتم ذلك عقلاً إلا أن يتوافر فيهم من الشروط ما يمكنهم من تحقيق الغاية من وجودهم وأن تراعى تلك الشروط عند اختيارهم وإلا كانت جماعة مفرغة من المؤهلات التي هي أساس إسناد الأمر إليها شرعاً، وذلك غير جائز لأنه توسيد الأمر إلى غيره... (39) .
ويرى الشيخ محمود شلتوت أنه ليس أولو الأمر خصوص المعروفين في الفقه الإسلامي باسم الفقهاء والمجتهدين الذين يشترط فيهم أن يكونوا على درجة خاصة من علوم اللغة وعلوم الكتاب والسنّة، فإن هؤلاء لا تعدو معرفتهم في الغالب هذا الجانب، ولم يألفوا البحث في تعرف كثير من الشؤون العامة، كشؤون السلم والحرب والزراعة والتجارة والإدارة والسياسة، نعم هم كغيرهم لهم جانب خاص، يعرفونه حق المعرفة، وهم أرباب الاختصاص وأولو الأمر فيه، وهو ما يتصل من التشريعات العامة بأصول الحل والحرمة في دائرة ما رسم القرآن من قواعد الشريعة (40) .
وقد أكد هذا المعنى أيضاً الشيخ عبد الوهاب خلاف‏ (41) .
إننا نرى أن نظرية أهل الحل والعقد هي نظرية خيالية وهمية ليس لها سند في الواقع الإسلامي، ولم يلتفت إليها الخلفاء والسلاطين، وإذا استثنينا اللجنة التي جمعها الخليفة عمر بن الخطاب ورتبها بشكل يستبعد حصول علي بن أبي طالب
________________________________________
(37)الدريني، فتحي: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مرجع سابق، صفحة 437.
(38)الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب: الأحكام السلطانية، مصدر سابق، ص 6، وما يليها.
(39)الدريني، فتحي: خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم، مرجع سابق، ص 438،
(40)شلتوت، محمود: الإسلام عقيدة وشريعة، ص 462 - 464.
(41)خلاف، عبد الوهاب: مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ص 12 - 15.

[الصفحة - 119]


على الخلافة، لا نجد في التاريخ الإسلامي ذكراً لاجتماع أهل الحل والعقد في أي عهد قديم أو حديث. أما البيعة فلم تكن إلا تغطية لأمر واقع، وهو سوق الناس إلى إظهار القبول بمن تسلط على الحكم والخلافة.
المبحث السادس‏
الشورى هي المشورة
مما لا شك فيه أن القرآن جعل من المسلمين في مكة مجتمعاً متضامناً متكاملاً تضم أفراده روابط الأخوة والتضامن، ويجمعهم الإيمان باللَّه وعبادته، سبحانه، بإقامة الصلاة والتعاون بتبادل المشورة (42) .
إن الآية الكريمة { والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } تتعلق بالمعنى الاجتماعي التضامني، ولا تتضمن أمراً للخليفة أو الوالي أو الحاكم بالاستماع إلى الشورى والتقيد بمضمونها، وإنما ـ وكما سبقت الإشارة ـ تشرح هذه الآية وضعية معينة كان عليها الأنصار قبل الإسلام واستمروا عليها بعده من حيث التشاور في ما بينهم على ما يعرض عليهم من الأمور.
أما في ما يتعلق بالآية: { فبما رحمة من اللَّه لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر } فهي تتعلق بالمشورة بأمر الحرب.
يرى أنصار نظرية الشورى السياسية أن هاتين الآيتين قد أحاطتا بجميع الموضوعات المتعلقة بتطبيق مبدأ الشورى في الإسلام، من حيث ماهيتها وأهميتها وشمولها ووجوبها. وهم يعللون هذه النظرية بأن الآيتين المذكورتين الأولى منهما مكية والثانية مدنية، الأمر الذي يعني حسب رأيهم شمول مبدأ الشورى لكل تنظيم للمجتمع الإسلامي في جميع مراحله وظروفه‏ (43) ويضيفون أن آية الشورى كانت تخاطب المسلمين عامة، بوصفهم أفراداً في المجتمع، وتذكر صفاتهم والخصائص المميزة لمجتمعهم، وأولها وحدة العقيدة والعبادة، ويليها التعاون في شؤونهم العامة عن طريق التشاور. أما الثانية فكانت تخاطب الرسول (صلي الله عليه و آله) بعد أن أقام الدولة
________________________________________
(42)الشاوي، توفيق محمد: الشورى أعلى مراتب الديموقراطية، مرجع سابق، ص 36.
(43)المرجع نفسه، ص 37.

[الصفحة - 120]