فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة الدراسات الغربية أزمة العالم الحديث رينيه غينون ترجمة: عدنان نجيب الدين جمال عمار

الفهرس

الفصل الاول: العصر المظلم15

(Lage sombre)

الفصل الثاني: التعارض بين الشرق والغرب31

(L opposition entre l orient  Et l occident)

الفصل الثالث: المعرفة والفعل47

(Connaissance Et action)

الفصل الرابع: العلم المقدّس والعلم الدنيويّ59

(Science sacree etScience profane )

الفصل الخامس: الفردانيّة75

(L individualisme)

الفصل السادس: الفوضى الاجتماعية91

(Le chaos social)

الفصل السابع: حضارة ماديّة107

(Une civilisation materielle)

الفصل الثامن:  الاجتياحُ الغربيُّ129

(L envahissementOccidental)

 الفصل التاسع:  بعض الاستنتاجات143

(Quelques conclusions)

(3)

 

 

مقدمة المركز

إنّ جدلية التراث ـ الحداثة أوجدت تيارات مختلفة سواء أكانت في الغرب أم في العالم الاسلامي، فهناك من انحاز إلى التراث وهناك من انحاز إلى الحداثة، وحاول البعض التوفيق بينهما وإن كان على حساب طرف دون آخر .

ولم نقصد بالانحياز نحو التراث تلك الحالة السلفية التي ترفض جميع أنماط الحياة الجديدة وتتقوقع على ماضيها بما فيه من تخلف وتقهقر وأخطاء، بل المراد من التراث (في بحثنا هذا) العبور عن غبار الحداثة والعلم المادي، والوصول إلى الحكمة الخالدة والعلم القدسي المنضوي في التراث والمتوزّع في شتى الثقافات والأديان والمذاهب السابقة.

التراث بهذا التفسير وبهذه الرؤية يتزاوج مع نوع من الباطنية، ويقترب من العرفان والتصوف ليكوّن نظرة كونية تستقي معالمها من الطرق الصوفية وتعاليم الأديان والمذاهب المختلفة التوحيدية والوضعية.

يُعتبر رينيه غينون (1886 ـ 1951) أو عبد الواحد يحيى ـ الاسم الذي انتخبه لنفسه بعدما أسلم في مصر عام 1930م ودخل في الطريقة الشاذلية ـ رائد الدعوة المتحمسة في الرجوع إلى التراث والتمسك بالمدرسة التقليدية في الغرب. المدرسة التي أنتجت علماء وفلاسفة تقليديين أمثال:

(5)

آناندا كوما راسوامي (1877-1947) فريتيوف شوان (1907-1998) تيتوس بوركهارت (1908 ـ 1984) ماركو باليس (1895-1990) مارتين لينجز (1909-2005) ويتال بيري (1920-2005) وأخيراً السيد حسين نصر (1933 ) ووليام جيتيك (1943) حيث تبلورت دعوتهم في نقد الحضارة الغربية المعاصرة وما أنتجته من دمار للأخلاق والفضيلة والإنسانية والبيئة، والدعوة إلى التراث والفلسفة التقليدية أو الحكمة الخالدة، والتعددية المنبثقة من روح العرفان والتصوف.

وقد تنوّعت آراء وكتب وأبحاث رينيه غنون بتنوّع المشارب الفكرية والدينية التي سلكها طيلة حياته، فمن كاثوليكي متحمّس إلى غنوصي يبحث في العلوم الغريبة، وأخيراً إلى مسلم سلك الطريقة الشاذلية، ولكن الصبغة الغالبة فيها تتمحور حول نقد الحضارة الغربية والدعوة إلى الالتزام بالتراث والمدارس التقليدية للحضارات السابقة.

وقد تبلورت زبدة آراء غنون في كتابيه: (أزمة العالم الحديث) و (زمن الكمية ـ أو حكم الكم ـ وعلامات آخر الزمان).

يتمحور هذا الكتاب (أزمة العالم الحديث) بفصوله التسعة حول محورين بيّنهما المؤلف في مقدمته:

الأولى: (أنّ هذه الحضارة التي يتبجح بها المُحْدَثون لا تحتل مكانة مميزة في تاريخ العالم، وأنّه من الممكن أن تلقى المصير نفسه لحضارات أخرى اختفت عبر أزمنة تتفاوت في قِدَمها، وأنّ بعضها لم يخلّف سوى آثار ضئيلة وبقايا تكاد لا ترى أو لا يمكن التعرف عليها إلا بصعوبة) .

(6)

الثانية: (أنّه ليس من سبب للاكتفاء بأن نتلقّى بشكل سلبي الفوضى والظلام الذي يبدو للحظات أنّه انتصر).

إنّ المؤلف من خلال استقراء البنى التحتية والأسس التي اعتمدت عليها الحضارة الغربية، يحاول إثبات دخولها في أزمات متعدّدة؛ ليستنتج منها تحقق فرضية (إمكانية انهيار حضارة الغرب كسائر الحضارات). فعليّة هذا الانهيار بعد أن صوّره في البداية كفرضيّة، إذ إنّ تلك الأزمات قد أدخلت حضارة الغرب في مآزق حرجة سوف تطيح بها بالمآل .

وهذا ما يبيّنه بالتفصيل في فصول كتابه من قبيل: (العصر المظلم، العلم الدنيوي، الفردية، الفوضى الاجتماعية) وغيرها من المباحث.

بعد إثبات هذه الظاهرة نصل بشكل طبيعي إلى المحور الثاني وهو عدم وجود أيّ مبرّر لمتابعة هكذا حضارة منهارة وخاوية، بل الأولى التمسّك بالتراث والمدرسة التقليدية والرجوع إلى الحكمة الخالدة والعلم القدسي المنضوي في تعاليم المدارس التقليدية السابقة .

من هذا المنطلق وتماشياً مع رسالة المركز الاسلامي للدراسات الإستراتيجية في رسم استراتيجيات دينية ومعرفية جادة، وقع الاختيار على ترجمة هذا الكتاب ليكون تمهيداً لما يرنو اليه المركز من وضع خطط وبرامج دينية معرفية تعالج الأزمات المحدقة بالانسان في العصر الحديث.

وختاما كان لزاماً علينا أن ننوّه إلى التأثيرات الباطنية والتأويلية في أفكار مؤلفنا هذا، إذ نرى مثلا خيوط الفكر الهندوسي سارياً في جميع فصول الكتاب وذلك في

(7)

تعيين الدورات التي شهدتها البشرية، ولكن هذا لا يقلل من أهيمة جهد المؤلف في نقد الغرب وحضارته والإشارة إلى ثغراته وما يفتحه من مناخات نقدية للقارئ الكريم.

ونحن إذ نقدم هذا السِّفرَ القيّمَ إلى القرّاء، نُثَمِّن جهود المترجمين له:

الدكتور عدنان نجيب الدين والشيخ جمال عمار حيث تبَنّى كل واحد منهما ترجمة فصول من الكتاب .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

 

النجف الأشرف

محرم الحرام 1438 هـ

(8)

 

 

توطئة

قبل عدّة سنوات، عندما كتبنا «الشَّرْقُ وَالغَرْبُ»، كنّا نعتقد أنّنا قد قدّمنا، حول المسائل التي كانت موضوع هذا الكتاب، كلَّ التوجيهاتِ النّافعةِ لتلك المرحلة على الأقلّ. ومنذ ذلك الوقت، تسارعت الأحداث بشكل تصاعديٍّ دائماً، ومن دون أن تجعلنا نغيّر كلمة واحدة ممّا سبق وقلناه آنئذٍ، فإنّها تجعل بعضَ التوضيحاتِ الإضافيّةِ ملائمةً، وتفرض علينا التوسُّع في بعض وجهات النظر التي لم نكن نعتقد أنّه مِن الضروريِّ الإلحاحُ عليها في البدْء. وهذه التوضيحات تفرض نفسها لا سيّما مع ما رأيناه يتّضح من جديد، في هذه الفترات الأخيرة، وبشكل عدائيٍّ أكثر مما ينبغي، من بعض مظاهر الغموض التي سبق أنْ التزمنا تمامًا بإزالتها؛ مع الامتناع بعناية عن الخوض في أيِّ جدل، رأينا من المفيد وضعَ الأمور في نصابها مرّة أخرى.

وفي هذا الإطار هناك اعتباراتٌ هي، وإنْ كانت أساسيّةً، تبدو غريبةً جدًّا عن الأغلبيّة السّاحقة من معاصِرينا الذين، من أجل جعلهم يفهمونها، لا يجب أن نملَّ من العودة إليها مرّاتٍ عديدةً بتقديمها بمظاهرها المختلفة، وبشرحها بشكل أتمَّ كلّما كانت الظّروف تسمح بذلك، ما يولِّد صعوباتٍ لم يكن توقّعُها دائماً ممكناً لأوّل وهْلةٍ.

يتطلّب عنوانُ هذا الكتاب بعضَ الشروحات التي يجب تقديمُها قبل أيِّ شيء حتّى يُمكنَ فهمه مِن دون أيِّ التباس. إنّ إمكانيّة الكلام عن أزمة للعالم الحديث مع أخذ كلمة «أزمة» بمعناها المألوف جدًّا، أمرٌ قد كفّ الكثيرون عن التّشكيك به، وبهذا الخصوص على الأقلّ، حصل تغيير ملموس مهمّ: تحت تأثير الأحداث، بعض الأفكار الوهميّة بدأت تتبدّد، ولا يمكننا من جانبنا إلا أن نسعد بذلك، لأنّ هناك بالرغم من كلّ شيء أعراضاً مؤاتية وهي مؤشٌّر على

(9)

إمكانيّة تصحيح العقليّة المعاصرة، وهي بارقة خافتة في خضمِّ هذه الفوضى الحاليّة. من هنا فإنّ الإيمان بـ «تقدّمٍ» ما غيرِ محدَّدٍ، والذي سبق أن اُعتُبِر نوعاً من الدُّوغما (العقيدة الجامدة) (Dogma) التي لا تُمَسّ ولا تُنَاقش، لم يَعد مقبولاً بشكل عامّ؛ ويَستشفّ البعض بشكل مبهَم وغامض بعض الشيء أنّ الحضارة الغربيّة بدلاً من أن تتوجّه باستمرار وتتوسّع في الاتّجاه نفسِه، يمكنها الوصول يوماً ما إلى نقطة توقّف أو الغوص تماماً في ظلام أو كارثة.

وربّما لا يرى هؤلاء بوضوح أين يكمن الخطر، والمخاوف الوهميّة أو السخيفة التي يُبدونها أحياناً تثبت بشكل كافٍ الإصرار على كثير من الأخطاء في عقليّتهم. وحسناً أنّهم أدركوا أخيراً وجود خطرٍ ما وإن شعروا به من دون أن يفهموه حقيقة، وأنّهم توصّلوا إلى فهم أنّ هذه الحضارة التي يتبجّح بها المُحدَثون (modernes) لا تحتلّ مكانة متميِّزة في تاريخ العالَم، وأنّه من الممكن أن تَلقى المصيرَ نفسَه الذي لقيته حضاراتٌ أخرى اختفت عبر أزمنة تتفاوت في قِدَمِها وأنّ بعضها لم يخلّف سوى آثار ضئيلة وبقايا إمّا أنّها تكاد لا تُرى أو أنّها لا يمكن التعرّف عليها إلّا بصعوبة.

لو قلنا، إذًا، أنّ العالَم الحديث قد أصيب بأزمة، فإنّ ما نفهمه عادةً من هذا القول هو أنّه قد وصل إلى نقطة حرجة، أو بعبارة أخرى، أنّ تحوّلاً عميقًا نسبيًّا هو وشيكُ الوقوعِ، وأنّ تغييرًا في الاتّجاه يجب أن يحدثَ في الأمد القصير، طوعاً أو كرهاً، وبطريقة مفاجِئة نوعًا ما وبكارثة أو من دونها. إنّ هذا الفهمَ مبرَّرٌ بالكامل ويتناسب مع جزء مما نفكّر به نحن، ولكن مع جزء منه فقط، لأنّه بالنسبة إلينا، وبوضع أنفسنا من خلال وجهة نظر أكثر عموميّة، يمثّل العصر الحديث بمجمله بالنسبة للعالَم مرحلةَ أزمة. ويبدو من جهة أخرى أنّنا أمام حلٍّ، وهذا ما يجعل الطابع غير الطبيعيّ لهذه الحالة من الأشياء التي تستمرّ منذ عدة قرون أكثرَ حسّاسيّة اليوم، ولكن لم تكن نتائجُها لِتبدوَ ملحوظَةً بقدْر ما هي عليه حاليًّا. لهذا تجري الأحداث بهذه السرعة المتزايدة وهذا ما كنّا نلمّح إليه بدايةٍ، ومن المؤكّد أنّه يمكن أن يستمرّ أيضاً لبعض الوقت لكنْ لا إلى أجل غير مسمّى، ومن دون أن يكون بالإمكان تعيين حدٍّ معين، إلا أنّ الانطباع الذي لدينا هو أنّ هذا الأمر لا يمكنه الاستمرار طويلاً.

(10)

وتتضمّن كلمةُ «أزمة» دلالاتٍ أخرى، تجعلها أصلحَ للتعبير عمّا نريد قوله: فانّ اشتقاق الكلمة الذي غالبًا ما نُغفله بالنتيجة في الاستعمال الشائع، لكنِ الذي من المناسب أنْ نرجع إليه كما يجب أن نفعل عندما نريد أن نعيد لمصطلحٍ ما تمامَ معناه الخاصِّ وكاملَ قيمته الأصليّة، قلت: إنّ اشتقاق (كلمة أزمة) يجعله مرادفاً جزئيّاً لـ «حُكم» (jugement) ولـ «تمييز» (discrimination). إنّ المرحلة التي يمكن أن نقول عنها حقًّا «حرجة» (critique) في أيّ نسقٍ للأشياء هي تلك التي توصل مباشرة إلى حلٍّ مناسب أو غير مناسب، إنّها تلك التي يدخل فيها قرار بهذا الاتجاه أو ذاك؛ وعندها، وبالنتيجة، يصبح ممكناً إطلاق حُكمٍ على النتائج التي تمّ الحصول عليها، وموازنة ما هو «مع» وما هو «ضدّ» بإجراء تصنيفٍ للنتائج، بعضها إيجابيّ وبعضها سلبيّ، ورؤية رجحان الميزان إلى أيٍّ منهما بشكل نهائيٍّ. وبالطبع ليس لدينا أيُّ ادّعاء بإقرار مثل هذا التمييز بشكل كامل، فهذا سيكون مبكرًا لأنّ الأزمة لم تجد بَعدُ طريقها إلى الحلّ وقد لا يكون ممكنًا القول بشكل دقيق متى وكيف سيكون، خاصّة أنّه من المفضّل الامتناع عن بعض التوقُّعات التي لا تعتمد على حُجج يمكن تعقُّلها بشكل واضح للجميع، والتي يُخْشى أن يجريَ تأويلُها بشكل غير مناسب وأن تُضاعف الغموض بدلاً من تبديده. كلُّ ما نستطيع أن نفعله هو المساهمة إلى حدٍّ ما، وبقدر ما تُتيحه لنا الوسائلُ التي بحوزتنا، في منح من له الأهليَّةُ الوعيَ ببعض النتائج التي تبدو مكينةً تماما منذ الآن، وفي تهيئة -وإنْ يكن ذلك بطريقة جزئيّة وغير مباشرة- العناصرِ التي يجب استخدامها في الـ«الحُكم» المستقبليّ الذي تنفتح انطلاقًا منه مرحلةٌ جديدةٌ من تاريخ البشريّة على الأرض.

بعض التعابير التي نستخدمها تَستحضر، بلا شكّ، في أذهان البعض فكرةَ ما نسمّيه «يوم الحساب» (jugement dernier)، وفي واقع الأمر لن يكون من الخطإ أن نفهم ذلك حرفيّاً أو رمزيّاً أو كليهما في آنٍ، لأنّ أحدَهما لا ينفي الآخرَ في الواقع، وليس شرحُ ذلك بذي أهميّة هنا، فليس هذا مكانَه ولا وقتَه. وعلى أيّ حال، يمكن للموازنة بين أن نكون «مع» أو«ضدّ»، وكذلك التمييز بين النتائج الإيجابيّة والسلبيّة التي تَحدَّثْنا عنها للتّوّ، أن يجعلانا نفكّر بالتأكيد بتوزيع «المنتَخَبين» و«الساقطين» على مجموعتين غير قابلتين للتغيير من الآن فصاعداً، حتى وإن لم

(11)

تكن تلك سوى مجرّد مماثَلة، علينا الاعتراف بأنّها مماثَلة صالحة على الأقلّ وذات مضمون، تتناسب مع طبيعة الأشياء، وهذا يستدعي بعض التفسيرات.

ليس مصادفةً، بالتأكيد، أنْ تكونَ الكثيرُ من العقول مسكونةً اليومَ بفكرة «نهاية العالم»؛ ولنا أنْ نأسَف لذلك من بعض النواحي، لأنّ المبالغات التي تترتب على هذه الفكرة المفهومة بشكلٍ سيِّئٍ، والهذيان «المسيحيّ» الذي هو نتيجة لها في مختلف الأوساط، وكلّ هذه التجليات الناتجة عن الاختلال العقليّ في عصرنا الراهن، لا تساعد كلّها سوى على زيادة خطر هذا الاختلال بنسب غير بسيطة مطلقاً. فلا يمكن تجاهل أنّ هناك واقعاً لا يمكن عدم أخذه بالاعتبار. والموقف الأكثر ملاءمة عندما نعاين مثل هذه الأشياء هو بالتأكيد الموقف الذي يعني استبعادها بصورة قطعيّة من دون الإمعان بتفحصها، ومعالجتها كترّهات أو مجرّد أحلام لا قيمة لها. ومع ذلك نحن نعتقد أنّه وان كانت مجرّد ترّهات، ففي الوقت الذي نستنكرها من الأفضل البحث عن الأسباب التي أوجدتها وعن نسبة الحقيقة فيها التي تتفاوت نسبةُ تحريفها بالرغم من ذلك، لأنّ الخطأ في المجمل ليس سوى نمط من الوجود محض سلبيّ؛ فالخطأ المطلق لا يمكن أن يكون موجوداً ولا في أيّ مكان، وهو ليس سوى كلمة فارغة من المعنى. وإذا عاينّا الأشياء بهذه الطريقة، يمكننا أن نلاحظ من دون عناء أنّ هاجس «نهاية العالم» مرتبط بشكل وثيق بحالة الشعور بالضيق العامّ التي نعيش فيها راهناً: فنذير الظلام لشيء ما، يوشك على النهاية، والذي يؤثّر من غير ضابط على بعض التخيُّلات، يُحدث فيها بطبيعة الحال تمثلات غير منتظمة، وفي أغلب الأحيان تكون ذات طبيعة ماديّة تعبّر بدورها عن نفسها خارجيّاً بمبالغات كنّا قد أشرنا إليها. وهذا التفسير ليس مبرّراً لها؛ أو على الأقلّ لو استطعنا إيجاد عذر للذين وقعوا لا إراديّاً في هذا الخطإ، لأنّ لديهم استعداداً عقليّاً مسبقاً هم غير مسؤولين عنه، فهذا ليس سبباً لتبرير الخطإ نفسه. ويبقى في ما يختصّ بنا، أنّه لا يمكننا بالتأكيد أن نلقي باللوم المبالَغ فيه على أنفسنا إزاء المظاهر «المسمّاة دينيّة» في العالم المعاصر، وكذلك بخصوص كل الترّهات الحديثة عموماً، فنحن نعلم أنّ البعض منّا قد تغويهم المقاربة بطريقة مغايرة، وربّما ما قلناه هنا يجعلهم

(12)

يفهمون بطريقة أفضل كيف نتعاطى مع الأشياء، ببذل الجهد لننظر دائماً من الزاوية الوحيدة التي تهمّنا ألا وهي الحقيقة المنصفة والمُترفِّعة عن النفعيّة.

هذا ليس كلَّ شيء: فمجرّد التفسير «السيكولوجيّ» لفكرة «نهاية العالم» ولتجلياتها الراهنة إذا كانت فقط في إطارها لا يمكن أن يعتبر كافياً بنظرنا، كما أنّ الوقوف عند هذا التفسير سوف يكون عرضة للوقوع تحت تأثير الأوهام الحديثة التي نتصدّى لها في كل مناسبة. فبعض الناس، وكما ذكرنا، يشعرون بشكل غامض بالنهاية الوشيكة لشيء ما لا يستطيعون تحديد طبيعته ولا مداه بدقة؛ وينبغي تقبّل أنّ لديهم هنا إدراكاً واقعيّاً جدّاً برغم ضبابيّته واستناده إلى تفسيرات خاطئة أو تشويهات مبدعة، فمهما كانت هذه النهاية، فإنّ الأزمة التي لا بدّ من وصولنا إليها هي جليّة بما فيه الكفاية، وإنّ العديد من الإشارات التي لا لبس فيها والتي من السهل ملاحظتها تقود كلّها وبطريقة متناسقة إلى الاستنتاج نفسه. هذه النهاية ليست «نهاية العالَم» بلا شكّ، بالمعنى العام الذي يريد فيه بعض الناس فهمه، ولكنّه على الأقل نهاية عالَمٍ ما. وإذا كان هذا الذي ينبغي أن ينتهي هو الحضارة الغربيّة بشكلها الراهن، يصبح مفهوماً أنّ أولئك الذين اعتادوا على ألّا يروا شيئاً آخر خارجها، وعلى اعتبارها «الحضارة» من دون أي نعت، يعتقدون بسهولة أنّ كلّ شيء سينتهي بانتهائها، وأنّها إذا زالت ستكون فعلا «نهاية العالَم».

سنقول، إذًا، لو أردنا وضع الأشياء في نصابها، أنّنا، وكما يبدو، نقترب فعلاً من نهاية عالَمٍ ما، أي نهاية عصرٍ ما أو دورة تاريخيّة ما، يمكن أن تتناسب في هذه الحالة مع دورة كونيّة بحسب ماعلّمتنا إيّاه كلُّ العقائد التقليديّة. فقد حصلت في الماضي أحداث من هذا النوع، وسيحصل مثلها، من دون شك، في المستقبل؛ أحداث ذات أهميّة متفاوتة بحسب ما تنهيه من مراحل متفاوتة الامتداد تخصّ إمّا البشريّة جمعاء على الأرض، وإمّا هذا الجزء أو ذاك الجزء الآخر منها، وإمّا عرقاً أو شعباً معيّناً.

 ومن المفترض في الحالة الراهنة للعالم، أنّ التغيير الذي سيحصل سيكون مداه شاملاً جدّاً،

(13)

ومهما كان الشكل الذي سيتخذه، والذي لا نحاول تحديده، فإنّه سيصيب الكرة الأرضيّة برمّتها مع تفاوت في مدى تأثيراته. وعلى أيِّ حال، فإنّ القوانين التي تحكم مثل هذه الأحداث تطبّق من خلال المماثلة على جميع المستويات بما في ذلك ما يُقال عن «نهاية العالَم» بمعناه الأعمّ الذي يُستطاع فهمه، والذي لا يتعلّق عادة إلاّ بالعالم الأرضيّ، ومع الاحتفاظ بكل النسب عندما يختصّ الأمر فقط بنهاية عالمٍ ما، يبقى حصر المعنى صحيحاً أيضاً.

تساعد هذه الملاحظات الأوليّة على فهم أكبر للاعتبارات التي تلي؛ وقد أتيحت لنا الفرصة في مؤلفات سابقة للإشارة إلى «القوانين الدوريّة»: وقد يكون من الصعب على أيّ حال أن نعرض هذه القوانين عرضاً كاملاً بشكل يمكِّن من إدراكها بسهولة من قِبل العقول الغربيّة، لكن على الأقلّ، من الضروري أن يكون لدينا بعض المعطيات حول هذا الموضوع في ما لو أردنا أن يكون لدينا فكرة حقيقيّة عما هو العصر الراهن وما يمثله بدقة قي مجمل تاريخ العالم. لذلك سوف نبدأ بتبيان أنّ ميزات هذا العصر هي في حقيقة الأمر الميزات التي أشارت فيها العقائد التقليديّة على مدى الأزمان إلى المرحلة الدوريّة التي تتوافق معها، وكذلك تبيان أنّ ما هو غير سليم وغير منتظم من وجهة نظرٍ ما هو مع ذلك عنصر أساسيّ لنظام أوسع، ونتيجة حتميّة للقوانين التي تحكم تطوّر أي ظاهرة. ويبقى أن نقول على الفور، أنّه ليس من سبب للاكتفاء بأن نتلقّى بشكل سلبيّ الفوضى والظلام الذي يبدو للحظات أنّه انتصر، لأنّه لو كان كذلك، لن يبقى لدينا سوى الصمت؛ هذه واحدة، بعكس ذلك، لكي نعمل بقدر ما نستطيع للخروج من هذا «العصر المظلم» الذي يسمح من خلال العديد من العلامات برؤية نهاية له في أمد يطول أو يقصر، إن لم نقل في وقت وشيك. وهذا أيضاً من ضمن النظام، لأنّ التوازن هو نتيجة عمل اتجاهين متعارضين في وقت واحد؛ فإذا كان بإمكان أيّ منهما التوقف عن العمل، يصبح التوازن منعدماً إلى الأبد، والعالم نفسه ينهار؛ لكنّ هذه الفرضية غير قابلة للتحقق، لأنّ حدّي التعارض لا يتحقق معناهما إلا بوجود كل واحد منهما. ومهما كانت التجليات يمكننا الوثوق بأنّ الاختلالات الجزئيّة والمؤقتة تساهم بالنهاية في تحقيق التوازن الكلّي.

(14)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

العصر المظلم

L'AGE SOMBRE

(15)
(16)

 

العصر المظلم

L'AGE SOMBRE

 

تفيد العقيدة الهندوسيّة أنّ مدّة الدورة البشريّة التي يُعطى لها اسم «المانفانتارا» (Manvantara) تنقسم أربعة عصور تميّز ما يعادلها من حقبات من التعتيم التدريجي للروحانيّة الأساسيّة وهي المراحل نفسها لتقاليد العصور الغربيّة القديمة، وتعني من جهتها: العصر الذهبيّ، والعصر الفضّيّ، والعصر البرونزيّ والعصر الحديديّ، ونحن نعيش حاليّاً العصر الرابع «الكالي يوغا» (Kali-Yuga) أو «عصر الظلمة»، وما نزال فيه منذ أكثر من ستة آلاف سنة، أي منذ العصر السابق على كل العصور التي عرفها التاريخ «الكلاسيكي». ومنذ ذاك الحين، أصبحت الحقائق، التي كان الولوج إليها سهلاً بالنسبة إلى كلّ البشر، خفيّة ويصعب إدراكها؛ ويتضاءل شيئاً فشيئاً عدد الذين يمتلكونها، وإذا كان كنز الحكمة «غير البشريّة» السابق على كل العصور غير ممكن خسارته بالمطلق، فهو يتدثّر بأنقبة تزداد سماكة بحيث يصعب اختراقها، مما يجعله غير منظور ويصعب اكتشافه. لذلك هو موضوع تساؤل تحت أشكال من الرموز المختلفة لشيء ضاع في الظاهر، على الأقل وبالنسبة إلى العالم الخارجيّ، والذي عليه أن يجد أولئك الذين يتطلّعون إلى المعرفة الحقيقيّة؛ ولكن يُقال أنّ ما أصبح مخفيّاً سيعود ليصبح مرئيّاً في نهاية هذه الدورة التي ستكون في الوقت نفسه بداية لدورة جديدة بفضل الاستمراريّة التي تربط بين كلّ الأشياء.

لكن، نسأل من دون شكّ، لماذا ينبغي لتطوّر الدورة أن يتمّ بهذا الشكل، أي بمنحى

(17)

تنازليّ من الأعلى إلى الأسفل، وهو كما نلحظه، بلا عناء، سلبُ فكرة «التطوّر» كما يفهمها المعاصرون؟ ذلك أنّ تطوّر أيّ تجلٍّ يقتضي بالضرورة ابتعاداً تدريجيّاً وبشكل متصاعد عن المبدإ الذي ينبثق عنه ابتداءً من النقطة الأعلى ويتجه حتماً إلى الأسفل مثل الأجسام الثقيلة، فهو يتجه نزولاً بسرعة متزايدة وبلا توقف لكي يلاقي بالنهاية نقطة يتوقف عندها. ويمكن لهذا السقوط أن يتميّز كما لو أنّه تحوّل تدريجيّ إلى المادة، لأنّ التعبير عن المبدإ هو روحانيّة محضة. ونقول هذا عن التعبير لا عن المبدإ نفسه، لأنّ المبدأ لا يمكن تعيينه بأيّ من المصطلحات التي يبدو أنّها تشير إلى تعارضٍ ما أبعد من كلّ التعارضات. على أنّ كلمات مثل «الروح» و«المادّة» التي نستعيرها هنا من أجل السهولة في اللغة الغربيّة ليس لها مع ذلك سوى قيمة رمزيّة؛ وهي لا يمكنها بأيّ حال أن تلائم حقيقةً ما هو مقصود إلاّ بشرط الابتعاد عن التأويلات الخاصّة التي تعطيها الفلسفة الحديثة، فـ «الروحانيّة» و«الماديّة» ليستا بنظرنا سوى شكلين متكاملين يقتضي كلٌّ منهما وجودَ الآخر وهما على القدر نفسه من التجاهل لمن يريد الارتفاع فوق وجهتي النظر هاتين المحتملتين. ولكن من جهة أخرى، لسنا في معرض طرح ميتافيزيقيا محضة للمعالجة هنا، ولذلك، ومن دون أن نفقد أبداً رؤية المبادئ الأساسيّة، يمكننا، مع أخذ الاحتياطات الضروريّة لتجنّب أيّ لبس، أن نسمح لأنفسنا باستخدام مصطلحات، برغم عدم ملاءمتها، تبدو قابلة لأن تجعل الأشياء أسهل على الفهم، بمقدار ما يمكن فعله، من دون تشويهها بالرغم من ذلك.

وكي نكون دقيقين في المجمل، فإنّ ما قلناه للتوّ عن تطوّر التجلّي يقدّم رؤية هي مع ذلك جدُّ مبسّطة، وتخطيطيّة لما يمكن أن يجعلنا نعتقد أنّ هذا التطوّر يحصل في خطّ مستقيم وباتجاه وحيد من دون تذبذب من أيّ نوع؛ أمّا الحقيقة فهي أكثر تعقيداً. وبالفعل، ينبغي أخذ كلّ الأمور بالاعتبار، كما سبق أن أشرنا إليه: هناك اتجاهان متعارضان، أحدهما نازل والآخر صاعد، أو إذا أردنا استخدام نمط آخر من التمثيل، أحدهما طارد والآخر جاذب، وهيمنة أحدهما على الآخر تسبق مرحلتين متكاملتين للتجلّي: الأولى هي

(18)

الابتعاد عن المبدإ، والأخرى هي العودة إلى المبدإ، وغالبا ما يجري مقارنتهما رمزيّاً بحركتَي القلب أو بمرحلتي التنفس. وبالرغم من أنّ هاتين المرحلتين جرى وصفهما عادة كمتتاليتين، يجب إدراك أنّه، في الواقع، وفي الوقت الذي يعمل فيه دائماً هذان الاتجاهان اللذان يتوافقان معهما بالتزامن بنسب مختلفة؛ يحصل أحياناً في لحظات حرجة، حيث يبدو أنّ الاتجاه النازل على وشك الهيمنة نهائيّاً في المسيرة العامّة للعالم، أن يتدخّل فعل خاصّ ليقوّي الاتجاه المعاكس بكيفيّة تؤدّي إلى إعادة التوازن ولو بشكل نسبيّ بحيث تشمله شروط اللحظة ممّا يؤدي إلى تصحيح جزئيّ يبدو معه السقوط وكأنّه قد توقَّفَ أو حُيِّدَ بشكل مؤقت.

ومن السهل فهم أنّ هذه المعطيات التقليديّة التي يجب الاكتفاء بها هنا لرسم معالم لمحة عامّة جدّاً، تجعل هذه التصاميم المختلفة -التي يخضع لها المُحْدَثون بشكل واسع وعميق- لكل محاولات «فلسفة التاريخ» ممكنة. ولكن لن نذهب في تفكيرنا الآن إلى ينابيع الدورة الحاضرة، ولا ببساطة إلى بدايات الكالي-يوغا، فمقاصدنا لا تتعلّق بشكل مباشر على الأقلّ، سوى بمجال جِدِّ محدودٍ، أي بالمراحل الأخيرة لهذا الكالي-يوغا. ويمكننا بالفعل، في داخل كلٍّ من المراحل الكبرى التي تحدثنا عنها، التمييز بين مختلف المراحل الثانويّة التي تشكّل تفرّعات منها؛ وكلّ جزء هو بطريقة ما مشابه للكلّ. هذه التفرّعات تعيد إنتاج، في ما لو استطعنا القول، وعلى صعيد أضيق، المسيرة العامّة للدورة الكبرى التي تندرج ضمنها؛ ولكن هنا أيضاً، يقودنا البحث الكامل لكيفيّات تطبيق هذا القانون على مختلف الحالات الخاصّة إلى أبعد من الإطار الذي رسمناه لهذه الدراسة.

لكي ننهي هذه الاعتبارات الأوليّة، نشير فقط إلى بعضها في العصور الأخيرة لا سيّما الحرجة منها التي اجتازتها البشريّة، وهي التي تدخل في مرحلة ما تعوّدنا تسميتها بـ «التاريخيّة» لأنّها عمليّاً الوحيدة التي يمكن الولوج إليها في التاريخ العاديّ أو «الدنيويّ»؛ وهذا يقودنا بصورة طبيعيّة إلى ما يجب أن يشكّل الموضوع الخاص بدراستنا، لأنّ العصر

(19)

الأخير من هذه العصور الحرجة ليس سوى العصر الذي يشكّل ما نسمّيه الأزمنة الحديثة.

إنه لأمر غريب، وكأنّنا لم نلحظ أبداً كم يستحقّ أن يكون: وهو أنّ المرحلة «التاريخيّة» حقّاً بالمعنى الذي أشرنا إليه تعود إلى القرن السادس قبل التأريخ المسيحيّ، كما لو كان عبر الزمان عائق لم يكن من الممكن تجاوزه باستخدام وسائل البحث التي يستعملها الباحثون العاديّون. وابتداءً من هذا العصر أصبحنا نملك أينما كنّا تسلسلاً زمنيّاً دقيقاً جدّاً وقائماً. وعلى العكس من ذلك، فكلّ ما سبق لا يفيدنا سوى بتقديرات غامضة، والتواريخ المقترحة للأحداث نفسها فيها مغالطات بما يعادل قروناً؛ حتى البلدان التي لم يعد لدينا فيها سوى آثار بسيطة ومتناثرة كما هي الحال في مصر على سبيل المثال؛ إنّه لأمر صادم، وما هو صادم أكثر كما في حالة استثنائيّة ومميّزة كالصين مثلاً التي تملك حوليّات مؤرخة عن طريق الملاحظة الفلكيّة تذهب إلى عصور غابرة ولا تترك مجالاً للشكّ، مما حدا بالمُحْدَثين إلى وصف هذه العصور «بالأسطورية» كما لو أنّ هناك منطقة لا يستطيعون الاعتراف لها بالحق بأيّ يقين وحيث يمتنعون هم عن الحصول عليه.

إنّ العصر القديم المسمّى بـ «الكلاسيكيّ» ليس هو بالحقيقة سوى عصر نسبيّ وهو أقرب إلى الأزمنة الحديثة منه إلى العصور الغابرة لأنّه لا يعود إلّا إلى منتصف الكالي-يوغا الذي ليست مدته بحسب العقيدة الهندوسيّة إلا الجزء العاشر من عصر المانفاتارا، ويمكن أن يكون لدينا ما يكفي للحكم إلى أيّ درجة يحق للمُحْدَثين بأن يكونوا فخورين بسعة معارفهم التاريخيّة! قد يؤدّي كلّ هذا بلا شكّ أيضاً لأنّ يبرّروا لأنفسهم، بالإجابة بأنّها ليست سوى مراحل «أسطوريّة»، ولذلك يعتبرون أنّها لا تستحق بأن يُحسب حسابها، لكنّ هذه الإجابة ليست بالتحديد سوى اعتراف بجهلهم وبعدم فهمهم الذي وَحْده يفسّر ازدراءهم للتقليد؛ فالفكر الحديث بالخصوص ليس بالنتيجة -وكما سنبيّن ذلك لاحقاً- سوى فكرٍ مُعَادٍ للتقليد.

(20)

لقد حصل في القرن السادس قبل التقويم المسيحيّ ما شكّل سبباً لتغييرات ضخمة لدى غالبيّة الشعوب، هذه التغييرات أعلنت عن سمات مختلفة بحسب البلدان. ففي بعض الحالات حصل تكييف للتقليد مع شروط غير تلك التي كانت موجودة سابقاً، تكييف يكتمل بمعنى أورتودوكسيّ متشدّد؛ وهو ما حصل في الصين حيث العقيدة المتشكّلة بدائيّاً في مجموعة وحيدة كانت قد انقسمت مجموعتين متمايزتين بشكل واضح: الطاويّة المخصّصة للنخبة وتشتمل على الميتافيزيقا المحض والعلوم التقليديّة ذات النسق التأمليّ؛ والكونفوشيوسيّة المشتركة بين الجميع من دون تمييز ومجالها الممارسات العمليّة الاجتماعيّة بشكل رئيس. وعند الفرس، يبدو أنّ هناك تكييفاً للمازديّة، إذ أنّ هذا العصر كان عصر زرادشت الأخير. ففي الهند شهدنا وقتها ولادة البوذيّة التي مهما كان طابعها الأصليّ، كان عليها الوصول، بالمقابل، على الأقل في بعض فروعها، إلى ثورة ضدّ الفكر التقليديّ وصولاً إلى نفي أيّ سلطة، وصولاً إلى فوضى حقيقيّة بالمعنى الاشتقاقي لـ «غياب المبدإ» في النسق الفكريّ وفي النسق الاجتماعيّ. والغريب حقّاً أننا لا نجد في الهند أيَّ نُصُبٍ يعود إلى أبعد من هذا العصر، وأنّ المستشرقين الذين يريدون فعل أيّ شيء عن بدء البوذيّة التي يبالغون في أهميتها على نحو ممتاز، يحاولون الاستفادة من هذه النتيجة لصالح أطروحتهم؛ وتفسيرُ هذا الشيءِ بسيطٌ: هو أنّ كلّ المباني السابقة كانت من الخشب بحيث أنّها اختفت من دون أن تترك أيّ أثر ؛ لكنّ الصحيح هو أنّ مثل هذا التغيير في نمط البناء يتناسب بالضرورة مع التعديل العميق للشروط العامّة لوجود الشعب الذي حصل عنده هذا التعديل.

وبالاقتراب من الغرب، نرى أنّ العصر نفسه عند اليهود كان عصر البابليين؛ وربّما يكون أحد الوقائع الأكثر إثارة في معاينتها هو أنّ مرحلة قصيرة من سبعين سنة كانت كافية لكي يخسروا حتى كتاباتهم لأنه كان عليهم في ما بعد إعادة تكوين كتبهم المقدّسة بأحرف مختلفة عمّا كانت عليه حتى ذلك الحين. ويمكننا أيضاً ذكر أحداث أخرى تعود تقريباً إلى التاريخ نفسه: نشير فقط إلى بداية المرحلة «التاريخيّة» الخاصّة بالنسبة إلى روما، التي

(21)

أعقبت العصر «الأسطوريّ» للملوك؛ ونحن نعلم، وإن بصورة غامضة، بوجود أحداث مهمّة لدى الشعوب السّلتيّة؛ لكن من دون التأكيد أكثر، نصل إلى ما يخصّ اليونان، هناك أيضاً، كان القرن السادس (قبل ميلاد المسيح) نقطة الانطلاق للحضارة المسمّاة «كلاسيكيّة» وهي الوحيدة التي يعترف لها المُحدَثون بطابعها «التاريخيّ» وكلّ ما سبق غير معروف تماماً لكي تجري معالجته كـ«أسطوريّ» بالرغم من أنّ الاكتشافات الأثرية (الأركيولوجيّة) الحديثة لم تعد تسمح بالشكّ على الأقلّ بوجود حضارة حقيقيّة؛ ولدينا بعض الأسباب التي تجعلنا نعتقد بأنّ هذه الحضارة الهيلينيّة الأولى كانت أكثر أهميّة فكريّاً من تلك التي أعقبتها، وأنّ علاقاتها تسمح بتقديم مماثلةٍ ما مع تلك الموجودة بين أوروبا العصر الوسيط وأوروبا الحديثة.

ومع ذلك، فمن الملائم أن نلاحظ أنّ الانقسام لم يكن بهذا التجذّر إلا في الحالة الأخيرة، بسبب وجود -على الأقلّ جزئيّاً- تكييف حاصل في النسق التقليديّ، وبصورة أساسيّة في مجال «الأسرار»؛ وينبغي ربطها (بالفيثاغوريّة) التي غالباً ما كانت بصورتها الجديدة تصحيحاً (للأورفيّة) السابقة ذات العلائق الواضحة مع العبادة (الدلفيّة) لأبولون المتعلّقة بالأصقاع الشماليّة ما يسمح لنا برؤية علاقة نسب مستمرّة ومنتظمة بأحد التقاليد الأكثر قدماً للبشريّة. ولكن من جهة أخرى، سوف يظهر قريباً شيء ليس له مثيل والذي سيكون له في ما بعد تأثير سيّئ على العالم الغربي بأسره: ونقصد بالقول هنا هذا النمط الخاصّ من الفكر الذي يتخذ لنفسه اسماً يحتفظ به وهو «الفلسفة»؛ وهذه النقطة مهمّة جدّاً فيجدر أن نتوقف عندها للحظات.

إنّ كلمة «فلسفة» بحدّ ذاتها يمكن أن نأخذها بالتأكيد بمعنى شرعيّ جدّاً، وهو بلا شكّ معناها الأوّليّ، لا سيّما إذا ما كان صحيحاً، كما نفترض، أنّ فيثاغورس هو أول من استخدمه: ولا يعني الاسم اشتقاقيّاً سوى «محبّة الحكمة»، وهو يعني بدايةً استعداداً مسبقاً مطلوباً للوصول إلى الحكمة، ويمكن أن يعني أيضاً، كامتداد طبيعيّ، البحث المتولّد

(22)

عن هذا الاستعداد المؤدّي إلى المعرفة. وذلك ليس سوى مرحلة أوليّة وتحضيريّة للتوجّه نحو الحكمة، ودرجة مقابلة لحالة أسفل منها، والانحراف الذي حصل في ما بعد كان لجعل هذه الدرجة الانتقاليّة هدفاً بذاته، وادّعاءً بإبدال الحكمة «بالفلسفة» ما يؤدّي إلى نسيان أو تجاهل الطبيعة الحقيقيّة لهذه الحكمة. وهكذا ولدت ما يمكن أن نسميه الفلسفة «الدنيويّة» (profane)، أي حكمة مدّعاة محض إنسانيّة، إذًا ذات نسق عقلانيّ فحسب، آخذة مكان الحكمة الحقيقيّة التقليديّة، الما فوق عقلانيّة والـ «لا إنسانيّة».

ومع ذلك، يبقى شيءٌ ما من هذه خلال كلّ العصور القديمة؛ وما يبرهن على ذلك هو أولاً ديمومة «الأسرار» التي لم يكن طابعها الاستهلاليّ خاضعاً للنقاش بشكل جوهريّ، وكذلك واقع أنّ تعليم الفلاسفة أنفسهم كان له في الغالب جانب ظاهريّ وجانب باطنيّ في آن، وهذا الأخير الذي بإمكانه السماح بالارتباط بوجهة نظر عليا يتجلّى علاوة على ذلك بطريقة واضحة جدّاً، مهما كان غير كامل بنظر البعض لعدّة قرون لاحقة عند الاسكندريين. لكي تتشكّل الفلسفة الدنيويّة بصورة نهائيّة كفلسفة، كان يجب أن تستمر «الظاهريّة» وحدها وأن يذهب القوم إلى إنكارٍ مطلَقٍ لأيّ «باطنيّة»؛ وهذا ما كان ينبغي أن تؤدّي إليه، لدى المُحْدَثين، الحركةُ التي بدأها اليونانيون.

إنّ الاتجاهات التي كانت تتأكّد لدى هؤلاء كان يجب أن تُدفع نحو نتائجها الأكثر تطرّفاً، والأهميّة القصوى التي أولوها للتفكير العقلاني كانت تتصاعد باستمرار وصولاً إلى «العقلانيّة»، وهو الموقف الحديث بشكل خاصّ الذي يتضمّن ليس فقط تجاهل أي نسق ما فوق عقلانيّ بل إنكاره بشكل واضح؛ ولكن علينا ألاّ نستبق الأمور أكثر، ذلك أنّه سيكون علينا العودة إلى هذه التداعيات وملاحظة تطوّرها في جزء آخر من عرضنا.

 وبخصوص ما أتينا على ذكره للتوّ، علينا أن نتذكّر بشكل خاص وجهة النظر التي تهمّنا: وهي أنّه من المناسب البحث في العصر «الكلاسيكيّ» القديم عن بعض منابع العالم

(23)

الحديث؛ إذًا، هذا الأخير ليس مخطئاً تماماً عندما يستشهد بالحضارة الإغريقية اللاتينيّة ويدّعي أنه امتدادٌ لها. ومع ذلك يجب القول أنّ الأمر ليس سوى متابعة من بعيد وغير أمينة بعض الشيء، لأنهّ، بالرغم من ذلك، هناك في ذلك العصر القديم أشياء كثيرة في المستوى الفكريّ والروحيّ، ولن يكون بالإمكان العثور على ما يعادلها لدى المُحْدَثين؛ إنهما، على أيّ حال، وبفعل التعمية المتدرّجة على المعرفة الحقيقيّة، درجتان جدُّ مختلفتيْن. ويمكننا فضلا عن ذلك، إدراك أنّ تراجع الحضارة القديمة جلب، بشكل متصاعد ومن دون حلّ للاستمراريّة، حالة مشابهة بشكل متفاوت لتلك التي نراها اليوم؛ ولكن في الواقع، لم يكن الأمر كذلك، فبين الحالتين كان هناك، بالنسبة إلى الغرب، عصرٌ حَرِجٌ هو في الوقت نفسه واحد من عصور التصحيح كنّا قد أشرنا إليه أعلاه.

هذا العصر هو عصر بداية انتشار المسيحيّة المتوافق من جهةٍ مع تشتُّت الشعب اليهوديّ، ومن جهة أخرى مع المرحلة الأخيرة من الحضارة الإغريقيّة اللاتينيّة؛ ويمكننا المرور سريعاً على هذه الأحداث، بالرغم من أهميتها، لأنّها معروفة أكثر من تلك التي كنّا نتحدّث عنها حتى الآن، وتزامنها كان ممّا لاحظه المؤرخون حتى السطحيّون منهم. وغالباً ما كنّا نشير إلى بعض العلامات المشتركة بين تفسّخ العصر القديم والعصر الحالي؛ ومن دون أن نذهب بعيداً في إبراز التوازي بين الأمرين، علينا الاعتراف بوجود بعض أوجه الشبه البارزة. فالفلسفة المحض «دنيويّة» عظُم دورها: فظهور الشّكّيّة من جهة، ونجاح «الأخلاقيّة» الرواقيّة والأبيقوريّة من جهة أخرى، بيّنا بما يكفي مدى انحطاط النزعة الفكريّة. وفي الوقت نفسه، انتكست العقائد المقدّسة القديمة التي لم يعد أحد يفهمها، بفعل عدم الفهم ذاك، انتكست إلى «الوثنيّة» بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي أنّها لم تعد سوى خرافات وأشياء، فقدت دلالتها العميقة، واستمرت في البقاء من خلال تجليات خارجيّة. وكانت هناك محاولات لردّات فعل ضدّ ذاك الانحطاط: فقد حاولت الهيلينيّة نفسها أن تنهض من جديد بفعل عناصر مستفادة من العقائد الشرقيّة التي كان من الممكن أن تكون على تماسّ

(24)

معها. لكنّ هذا لم يعد كافياً، فالحضارة الإغريقيّة اللاتينيّة كان لا بدّ من أن تنتهي، وكان على النهوض التصحيحيّ أن يأتي من الخارج ويجري بشكل آخر مختلف.

وكانت المسيحيّة هي من قام بهذا التحوّل؛ ولِنُشِرْ بشكل عابر إلى المقارنة التي يمكن أن نقيمها على مستوى العلاقات بين ذلك الزمان وزماننا نحن، وهي مقارنة يمكن أن تكون واحداً من العناصر الحاسمة «للخلاص» الفوضويّ الذي نشهده حاليّاً. بعد مرحلة الاضطرابات المرافقة للاجتياحات البربريّة، وهي مرحلة كان لا بدّ منها لإنهاء الحالة القديمة للأشياء، نشأ نظام طبيعيّ استمرّ عدة قرون وهو العصر الوسيط الذي يجهله المُحْدَثون بشكل كبير، فهم غير قادرين على فهم نزعته العقليّة، إذ أنّه يبدو بالنسبة إليهم وبكل تأكيد أكثر غرابة وأبعد ما يكون عن العصر الكلاسيكيّ القديم.

يمتدّ العصر الوسيط الحقيقيّ، بالنسبة إلينا، من عهد شارلمان إلى بداية القرن الرابع عشر؛ ففي هذا التاريخ المذكور بدأ أفول جديد امتدّ عبر مراحل مختلفة وبشكل متزايد الحدّة إلى زمننا الراهن. وفي زماننا هذا، كانت نقطة البداية للأزمة الحديثة: إنّها بداية انحلال «المسيحيّة»، التي تماهت معها الحضارة الغربيّة في العصر الوسيط؛ وفيه أيضاً كانت نهاية النظام الإقطاعيّ الذي كان متضامناً مع هذه «المسيحيّة» نفسها، وهو أصل تكوين «القوميّات». علينا تجاوز العصر الحديث بقرنين إلى الوراء أي أكثر مما نفعله عادة، لنجد أنّ حقبتي النهضة والإصلاح هما نتيجتان لم يكن من الممكن أن تحصلا إلاّ من خلال انحلال العصر السابق؛ إنّهما، بعيداً عن أن تكونا عمليتي تصحيح، قد مثلتا مُؤشرَيْن على سقوط أكثر عمقاً، لأنّهما قد أنجزتا القطيعة النهائيّة مع الفكر التقليديّ، الأولى في مجال العلوم والفنون، والثانية في المجال الدينيّ نفسه وهي التي كانت كما يبدو الأصعب على الفهم.

وما يطلق عليه عصر النهضة هو، في الواقع وكما ذكرنا في مناسبات سابقة، موت عدّة أشياء؛ وبحجة العودة إلى الحضارة الإغريقيّة اللاتينيّة لم يُؤخذ منها إلاّ ما كان في

(25)

ظاهرها لأنّ هذا وحده ما أمكن التعبير عن نفسه في النصوص المكتوبة؛ وهذه الاستعادة المنقوصة، علاوة على ذلك، لم يكن لها إلاّ سمة اصطناعيّة جدّاً، لأنّ الأمر يتعلّق بالشكل الذي توقف منذ قرون عن الاستمرار في حياتهم الحقيقيّة. أمّا بالنسبة إلى العلوم التقليديّة في العصر الوسيط التي استمرّت بعض مظاهرها المتأخرة في هذا العصر، فلم تلبث أن اختفت تماماً كما مظاهر الحضارات البعيدة التي قضت الكوارث عليها؛ وهذه المرّة لم يأتِ شيء ليحلّ محلّها. ومن هنا فصاعداً لم يعد موجوداً غير الفلسفة والعلم «الدنيويّيْن»، أي إنكار الفكر الحقيقي، وحصر المعرفة في المستوى الأسفل، والدراسة التجريبية والتحليليّة للوقائع التي لم ترتبط بأيّ مبدإ، والتشتّيت في تفاصيل غير ذات دلالة لا عدّ لها ولا حصر، ومراكمة الفرضيّات غير المستندة إلى أساس، والتي تنهار بلا توقف الواحدة تلو الأخرى، ومراكمة رؤى مبعثرة لا تقود إلى شيء، سوى إلى هذه التطبيقات العمليّة التي تمثّل التفوّق الفعليّ الوحيد للحضارة الحديثة؛ تفوّق لا تُحسد عليه، والذي، في تطوّره المؤديّ إلى خنق أي انشغال آخر، قد أعطى لهذه الحضارة الطابع الماديّ المحض الذي جعل منها فظاعة حقيقيّة.

والغريب هو سرعة السقوط الكلّي لحضارة العصر الوسيط في عالم النسيان؛ ورجال القرن السابع عشر ليس لديهم أدنى فكرة عنها، والنُّصُب التي بقيت لم تعد تعني شيئاً في أعينهم، لا على المستوى الفكريّ ولا حتى على المستوى الجماليّ؛ فيمكننا الحكم انطلاقاً من هذا الأمر كم أنّ العقليّة قد تغيّرت في هذه الأثناء. ونحن لا نسعى إلى البحث هنا عن العوامل المعقَّدة جدّاً بكل تأكيد والتي ساهمت في هذا التغيير الجذريّ الذي يصعب القبول بحصوله بطريقة تلقائيّة ومن دون تدخّل إرادة موجِّهة تبقى طبيعتها لغزاً شديد الغموض؛ وهناك، بهذا الخصوص، ظروف غريبة جدّاً مثل التعميم في لحظة حاسمة، حيث يجري تقديم هذه الظروف كاكتشافات جديدة، وهي أشياء معروفة في الواقع منذ زمن طويل، ولكن معرفتها، بسبب وجود بعض المساوئ التي قد تفوق

(26)

الفوائد، لم تنتشر حتى الآن في المجال العام .

من المستبعد جدّاً كذلك أن تكون الأسطورة التي جعلت من العصر الوسيط عهد «الظلمات» والجهل والبربريّة قد وُلدت واعتُمدت من ذاتها، وأنّ التزوير الحقيقي للتاريخ الذي استسلم له المُحْدَثون قد حدث من دون أيّ فكرة مسبقة؛ لكنّنا لن نذهب أبعدَ من ذلك في دراسة هذه المسألة، لأنّ ما يهمّنا، بالمجمل في هذه اللحظة، من هذا العمل مهما كانت طريقة إنجازه، هو التثبّت من النتيجة.

هناك كلمة وضعت تكريماً لعصر النهضة وتُلخِّص مسبقاً كل برنامج الحضارة الحديثة: هذه الكلمة هي «الإنسانويّة» (humanisme). ويتعلّق الأمر في الواقع باختزال كلّ شيء إلى أبعاد محض إنسانيّة، وتجريد كل مبدإٍ ذي مستوى عالٍ، بما يُمكِّننا من القول بطريقة رمزيّة: الاستدارة عن السماء بحجّة ربح الأرض؛ فاليونانيّون الذين ندّعي الحذو حذوهم لم يكونوا أبداً بعيدين عن هذا المعنى، حتى في زمن انحلالهم الفكريّ الأكبر، على الأقلّ انشغالاتهم المصلحيّة لم تكن أبداً عندهم في المقام الأول، وهذا أيضاً ما كان يجب أن يحصل عند المُحْدَثين. لقد كانت «الإنسانويّة» صورة أولى لما أصبح لاحقاً النزعة اللائكية (laicisme) المعاصرة؛ ولأنّنا نريد جعل كل شيء على مقياس الإنسان الذي يؤخذ كغاية بذاته انتهى الأمر بالهبوط من درجة إلى أخرى وصولاً إلى المستوى الأسفل الذي هو عليه الآن، وبعدم الاستمرار بالبحث إلاّ عن إرضاء حاجاته المطلوبة في الجانب المادّي من طبيعته، بحث، مَشُوب بالأوهام، عن الراحة لأنّه يخترع دائماً حاجات أخرى اصطناعيّة لا يستطيع إشباعها.

فهل يذهب العالم الحديث إلى أسفل هذا المنحدر القاتل، أو كما حصل مع حالة انحلال العالم الإغريقيّ اللاتينيّ ستحدث نهضة جديدة هذه المرّة قبل الوصول إلى قعر الهاوية التي نتجه إليها؟ يبدو أنّ التوقف في منتصف الطريق لم يعد ممكناً، وبناء على كلّ

(27)

المؤشرات التي قدّمتها العقائد التقليديّة، فنحن قد دخلنا فعلاً في المرحلة الأخيرة للكالي-يوغا، في المرحلة الأكثر ظلمةً لهذا «العصر المظلم»، في هذه المرحلة من الانحلال التي لم يعد الخروج منها ممكناً إلاّ بكارثة، لأنه لم يعد المطلوبُ نهضةً بسيطةً، بل تجديداً كلّيّاً. الفوضى والغموض يهيمنان في المجالات كافّة، وقد وصلا إلى نقطة تتعدّى بكثير كلّ ما رأيناه سابقاً؛ وأصبحا يهدّدان الآن، انطلاقاً من الغرب، العالم بأسره؛ ونحن نعلم أنّ انتصارهما لا يمكن أن يكون إلاّ ظاهريّاً ومؤقَّتاً، لكنْ عند هكذا درجة، يمكن أنْ يشكِّل علامة على أكبر الأزمات التي عرفتها البشريّة في القرن الحاليّ.

ألم نصل إلى هذا العصر المخيف الذي أعلنت عنه الكتب المقدّسة في الهند «حيث الطوائف ستختلط، وحيث لن يكون للعائلة وجود»؟ يكفي أن ننظر حولنا كي نقتنع بأنّ هذه الحالة هي حالة العالم الراهن، لكي نتأكّد من السقوط العميق الذي سمّاه الإنجيل «رجس الخراب». ولا يجب أن نخفي على أنفسنا خطورة الوضع؛ فمن المناسب مواجهته كما هو من دون أي «تفاؤل»، ولكن أيضاً من دون أي «تشاؤم» لأنّ نهاية العالم القديم كما ذكرنا ستكون بداية عالم جديد.

هناك سؤال يُطرح الآن: ما هو سبب وجود مرحلة كتلك التي نعيشها اليوم؟ بالفعل، مهما كانت الشروط الحاليّة غير عاديّة بذاتها، عليها أن تدخل في النسق العام للأشياء، هذا النسق الذي، بحسب معادلةٍ في الشرق الأقصى، يتكوّن من مجموع هذه الاضطرابات الفوضويّة؛ هذا العصر المتعب جدّاً والمضطرب جدّاً يجب أن يكون له، كما لكلّ العصور، مكانته المتميّزة في مجمل التطوّر البشريّ، علاوة على ذلك، فإنّ واقع كونه متوقّعاً في العقائد التقليديّة هو مؤشّر كافٍ. وما سبق أن قلناه عن المسيرة العامّة لدورة التجلّي، ذهاباً باتجاه التحوّل التدريجيّ إلى المادّة، يعطينا مباشرة تفسيراً لمثل هذه الحالة، ويبيّن أنّ ما هو غير طبيعي وفوضويّ من وجهة نظر خاصّة، ليس سوى نتيجة لقانون يرتبط بوجهة نظر عليا أو أكثر اتساعاً. ونضيف من دون إلحاح، أنّه كما كلّ تغيير يطرأ على حالة ما، فإنّ

(28)

الانتقال من دورة إلى أخرى لا يمكن أن يكتمل إلاّ في الظلمة؛ وهنا أيضاً يوجد قانون هامّ جدّاً وله تطبيقات متعدّدة، وعرضه المفصّل بعض الشيء يأخذنا بعيداً جدّاً.

وهذا ليس كل شيء: فمن الضروري أن يتناسب العصر الحديث مع تطوّر بعض الإمكانيّات التي منذ البداية كانت ضمن الوجود بالقوّة للدورة الحاليّة؛ ومهما كانت هذه المرتبة التي تشغلها تلك الإمكانيّات متدنّية في سلّم المجمل العام لا يجب أن تكون أقلّ من غيرها من حيث دعوتُها للتجلّي بحسب النسق الذي أوكل إليها.

بعد هذه الحصيلة، يمكن القول أنّ ما يميّز المرحلة القصوى للدورة، تبعاً للتقليد، هو استغلال كلّ ما أُهمِل أو رُفض خلال المراحل السابقة؛ وفعليّاً هذا هو ما يمكن معاينته في الحضارة الحديثة بحيث إنّه لا يعيش تقريباً إلاّ ممّا جرى رفضه من قبل الحضارات السابقة. ويكفي لإدراك ذلك أن نرى كيف أنّ ممثلي مراحل تلك الحضارات التي ما زالت مستمرّة في العالم الشرقي يقدّرون العلوم الغربيّة وتطبيقاتها الصناعيّة. هذه المعارف الدنيا غير ذات الفائدة بنظر الذي يملك معرفة من مستوى آخر كان يجب أن «تتحقق» بالرغم من ذلك، لكنّ هذا التحقق غير ممكن إلاّ في فترة تكون فيه العقلانيّة الحقيقيّة قد اختفت.

إنّ هذه الأبحاث ذات البُعد العمليّ حصريّاً، بالمعني الضيّق للكلمة، كان يجب أن تستكمل، وذلك غير ممكن إلاّ في قطبيّة قصوى مع الروحانيّة الأساسيّة من قبل أشخاص منغمسين في المادّة إلى درجة أنّهم لم يعودوا يدركون ما هو أبعد، وأصبحوا بالقدر نفسه عبيداً لهذه المادّة التي يريدون استخدامها أكثر فأكثر، وهذا ما يقودهم إلى اضطراب متزايد باستمرار غير مبنيّ على قاعدة ومن دون هدف، وإلى تشتت داخل كثرة محضة وصولاً إلى الانحلال النهائيّ.

هكذا ترتسم معالم الخطوط الكبرى لتفسير حقيقيّ للعالم الحديث، والمختزلة في ما هو جوهري؛ لكن، ولنعلن ذلك بصراحة تامّة: إنّ هذا التفسير لا يمكن اعتباره تبريراً بأيّ حال

(29)

من الأحوال، فشرٌّ ما محتمل لا يُقلل من كونه شرّاً؛ وإن صدر خيرٌ ما عن الشرّ فهذا لا ينفي عن الشرّ طابعه؛ وفضلاً عن ذلك، نحن لا نستخدم هنا بالطبع مصطلحَي «الخير» و «الشرّ» إلاّ لكي نفهم بصورة أفضل وخارج أي مقصد «أخلاقيّ» بالخصوص. والاضطرابات الجزئيّة لا يمكن إلّا أن توجد لأنّها عناصر ضروريّة للنظام العام؛ لكن وبالرغم من ذلك، فإنّ عصراً من الفوضى هو نفسه شيء يمكن تشبيهه بفظاعة ما، وهي مع كونها نتيجة لبعض القوانين الطبيعيّة، فهذا لا يخفف من اعتبارها انحرافاً ونوعاً من الخطإ، أو كارثة، وإن كانت ناتجة عن المجرى الطبيعي للأشياء، إلاّ أنّها، إذا نظرنا إليها منعزلةً، بلبلةٌ وشذوذٌ. فالحضارة الحديثة كما كلّ الأشياء لها ما يبرّر وجودها، وإذا كانت هي فعلاً، الحضارةَ التي تنهي دورة ما، يمكننا القول أنّها هي ما يجب أن تكونه، وأنّها قد أتت في زمانها ومكانها؛ لكنّ ذلك لا يخفف من كونها عرضةً للمحاكمة بحسب كلام الإنجيل الذي غالباً ما يُساء فهمه: «يجب أن تحدث فضيحة، لكنْ، تعساً لمن كان مسبِّباً لها!».

(30)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

التعارض بين الشرق والغرب

L'OPPOSITION ENTRE L'ORIENT ET L'OCCIDENT

(31)
(32)

 

التعارض بين الشرق والغرب

L OPPOSITION ENTRE

 L ORIENT ET L OCCIDENT

 

إنّ إحدى السمات الخاصّة بالعالم الحديث هي الانقسام بين الشرق والغرب؛ وبرغم أننا سبق أن عالجنا هذه المسألة بطريقة خاصّة، فمن الضروري العودة إليها هنا لتوضيح جوانب معيّنة وتبديد بعض المفاهيم الخاطئة. الحقيقة هي أنّ هناك دائماً حضارات مختلفة ومتعدّدة تطوّرت كلّ منها بطريقتها الخاصّة وباتجاه يتلاءم مع استعدادات هذا الشعب أو ذلك العرق؛ لكن التمييز لا يعني تعارضاً، فيمكن أن يكون هناك نوع من التكافؤ بين حضارات مختلفة الأشكال، إذ أنّها كلّها ترتكز على المبادئ الأساسيّة نفسها التي تمثّلها فقط تطبيقات مشروطة بظروف مختلفة. تلك هي حالة كلّ الحضارات التي يمكن أن نسمّيها عاديّة أو أيضاً تقليديّة، إذ ليس بينها أيُّ تعارض جوهريّ؛ والاختلافات إذا وجدت ليست سوى ظاهريّة أو سطحيّة.

بالمقابل، إنّ حضارة لا تعترف بأي مبدإٍ أسمى، وليست مؤسّسة في الواقع سوى على إنكار المبادئ، هي منزوعة من أيّ وسيلة للتفاهم مع الآخرين، لأنّ هذا التفاهم لكي يكون فعّالاً وعميقاً لا يمكن أن يأتي إلاّ من أعلى، أي، وبالتحديد ممّا ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعيّة. وفي الحالة الراهنة للعالم لدينا، من جهة، كلّ الحضارات التي بقيت أمينة للفكر التقليديّ، وهي الحضارات الشرقيّة، ومن جهة أخرى، حضارة معادية

(33)

للتقليد (ضدّ تقليديّة / antitraditinonnelle) بشكل جليّ، هي الحضارة الغربيّة الحديثة.

مع ذلك، فإنّ البعض ذهب إلى حد رفض أن يكون تقسيمَ الإنسانيّة نفسَه قسمين، شرقًا وغربًا، مطابقاً للواقع؛ لكنّ هذا الأمر، على الأقلّ بالنسبة للعصر الحاليّ، لا يبدو أنّه يمكن أن يكون موضع شكّ بشكل جدّيّ. أوّلاً، إنّ وجود حضارة غربيّة مشتركة بين أوروبّا وأميركا، هو واقع يجب أن يكون العالم كلّه متّفِقاً حوله، مهما كان الحكم الذي يمكن أن نطلقه على قيمة هذه الحضارة.

بالنسبة إلى الشرق، الأمور أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود حضارة واحدة عمليّاً بل عدّة حضارات شرقيّة؛ لكن يكفي أن تمتلك بعض السمات المشتركة وهي تلك التي تميّز ما أطلقنا عليها حضارة تقليديّة، وأنّ هذه السمات لا توجد في الحضارة الغربيّة لكي يكون التمييز وحتى التعارض بين الشرق والغرب مبرّراً بشكل كامل. ومع ذلك هذه هي الحال في الواقع، والطابع التقليدي هو بالفعل مشترك بين كلّ الحضارات الشرقيّة، ومن أجل تثبيت الفكرة، نذكّر بأنّ التقسيم العام الذي تبنّيناه قبل قليل، والذي ربّما يكون مبسّطاً بشكل لا بأس به، لو أردنا الدخول بالتفاصيل، هذا التقسيم مع ذلك هو صحيح إذا تمسّكنا بالخطوط الكبرى: الشرق الأقصى ممثّل بشكل أساسيّ بالحضارة الصينيّة؛ والشرق الأوسط، بالحضارة الهندوسيّة، والشرق الأدنى، بالحضارة الإسلاميّة.

وتجدر الإضافة بأنّ هذه الأخيرة، وبمراعاة أمور عديدة، يجب أن يُنظر إليها بالأحرى كوسيط بين الشرق والغرب، وأنّ كثيراً من سماتها تقرّبها ممّا كانت عليه الحضارة الغربيّة في العصر الوسيط: لكن لو نظرنا إليها في علاقتها بالغرب الحديث، فعلينا الاعتراف بأنّها على تناقض معه مثلها مثل الحضارات الشرقيّة التي يجب أن تكون مشتركة معها في هذه النظرة.

(34)

هذا ما يجب التركيز عليه هنا: إنّ التعارض بين الشرق والغرب لم يكن له من مبرّر لمّا كان لا تزال توجد في الغرب أيضاً حضارات تقليديّة؛ فالتعارض ليس له معنى إلاّ عندما يتعلّق الأمر بالغرب الحديث، لأنّ هذا التعارضَ هو تعارضٌ عقليٌّ أكثر من كونه تعارضاً بين كيانين جغرافيَّيْن متفاوتَيِ التحديد.

في بعض العصور، والأقرب منها إلينا هو العصر الوسيط، كان العقل الغربي يشبه كثيراً، بجوانبه الأكثر أهمية، ما لا يزال عليه اليوم العقل الشرقي أكثر مما يشبه ما أصبح عليه هو نفسه في الأزمنة الحديثة. وبالتالي فإنّ الحضارة الغربيّة كانت قابلة للمقارنة بالحضارات الشرقيّة بالقدر نفسه من القابلية الموجودة في ما بينها.

لقد حصل في القرون الأخيرة تغيُّرٌ هامّ أخطر من التحوّلات التي استطاعت أن تتجلّى سابقاً في عصور انحطاط لأنّها تذهب إلى انقلاب حقيقيّ بالاتجاه المعطى للنشاط الإنساني؛ إنّ هذا التغيّر قد وُلد، حصريّاً، في العالم الغربيّ. وبناء عليه، عندما نتحدّث عن العقل الغربيّ، بالاستناد إلى ما هو موجود حاليّاً، ما يجب علينا أن نفهمه من ذلك ليس شيئاً آخر سوى العقل الحديث. وبما أنّ العقل الآخر غير مستمرّ إلا في الشرق يمكننا وبالاستناد دائماً إلى الظروف الحاليّة تسميته بالعقل الشرقيّ. هذان المصطلحان، بالمجمل، لا يعبّران عن شيء آخر غير واقع فعليّ، وإذا ما ظهر واضحاً أنّ أحد هذين العقلين الموجودين هو غربيّ بالفعل، لأنّ ظهوره ينتمي للتاريخ الحديث، لا يمكننا الحكم بشيء مسبقاً بخصوص مجيء الآخر الذي كان، سابقاً، مشترَكاً بين الشرق والغرب، والذي يختلط أصله في الحقيقة بأصل الإنسانيّة نفسها، لأنّ ما يمكن تسميته طبيعيّاً يعود إلى العقل لأنه قد ألهم كلّ الحضارات التي نعرفها وإن بتفاوت، باستثناء واحدة هي الحضارة الغربية الحديثة.

(35)

إنّ البعض، الذين هم، بلا شكّ، لم يُعَنُّوا أنفسهم بقراءة كتبنا، اعتقدوا أنّ من واجبهم أن ينسبوا إلينا القول بأنّ كل العقائد التقليديّة كانت ذات أصل شرقيّ، وأنّ العصور الغربيّة القديمة نفسها في كل العهود قد تلقّت تقاليدها من الشرق؛ ونحن لم نكتب شيئاً من هذا القبيل، ولا شيء يوحي بمثل هذا الرأي، لسبب بسيط وهو أنّنا نعلم جيّداً أنّ هذا خطأ. وبالفعل، إنّها المعطيات التقليديّة التي تتعارض بوضوح مع تأكيد من هذا النوع: فنحن نجد في كلّ مكان التأكيد الرسميّ بأنّ التقليد الأوّليّ للدورة الحاليّة قد أتى من الأقاليم الشماليّة، تلا ذلك تيّارات ثانويّة كثيرة تزامنت مع مراحل مختلفة وأهمّها -على الأقلّ على امتداد تلك التي لا زالت آثارها ظاهرة- ذهب من الغرب إلى الشرق.

لكن كلّ ذلك ينتسب إلى عهود بعيدة جدّاً أبعد من تلك التي تسمّى عادة عصور «ما قبل التاريخ» وليست تلك هي التي أمام أعيننا؛ فما كنّا نقوله، هو أولاً، إنّه منذ وقت طويل جدّاً، تحوّل مخزن التقليد الأوليّ إلى الشرق، فهناك توجد الآن الأشكال المذهبيّة التي انطلقت منها مباشرة؛ يلي ذلك أنّه في الحالة الراهنة للأشياء، لم يعد للعقل الحقيقيّ التقليديّ، مع كل ما يلزم عنه، من ممثلين حقيقيّين إلاّ في الشرق.

ولكي نكمل توضيح هذا الأمر، علينا أن نعبّر عن رأينا، ولو بشكل مختصر على الأقلّ، حول بعض الأفكار عن استعادة «التقليد الغربيّ»، التي برزت إلى العلن في بعض الأوساط المعاصرة؛ والفائدة الوحيدة التي تقدّمها هذه الأفكار هي في الجوهر تبيان أنّ بعض العقول لم تعد راضية عن السلب الحديث، وأنّها تبدي الحاجة لشيء جديد غير ذلك الذي يقدّمه لها عصرنا هذا، وأنّها تستشرف إمكانيّة العودة إلى التقليد بشكل أو بآخر باعتباره الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة الراهنة.

(36)

للأسف، ليست «التقليديّة» (traditionalisme)، البتّة، هي نفسُها العقلَ التقليديَّ الحقيقيَّ؛ لا يمكنها أن تكون، وغالباً ما لا تكون في الواقع، سوى مجرد نزعة، تطلُّع متفاوت في اتّساعه، لا يفترض وجود أيّ معرفة حقيقيّة؛ وفي خضمّ التشوّش العقلي الذي يشهده عصرنا، يثير هذا التطلّع، وبصورة خاصّة -وهذا ما يجب قوله- مفاهيم غريبة الأطوار وخياليّة فاقدة لأيّ أساس جدّيّ. ومع عدم وجداننا لأي تقليد حقيقيّ يمكننا الارتكاز عليه سنذهب إلى حدّ تصوّر تقاليد زائفة، نستبدلها بالقديمة، هي غير موجودة أصلاً وتفتقر إلى المبادئ بالقدر نفسه من افتقار المبادئ المستبدَل بها؛ وكلّ الفوضى الحديثة تنعكس في هذه البناءات، ومهما كانت نوايا أصحابها، فالنتيجة الوحيدة التي يحصلون عليها هي مساهمة جديدة في الخلل العام.

للتذكير، سنشير في هذا الصدد إلى «التقليد الغربيّ» المزعوم الذي صنعه بعض «الإخفائيّين».واسطة العناصر الأشد تبايناً، وخاصة الموجّهة لمزاحمة «تقليد شرقيّ»، لا يقلّ في خياليّته، وهو تقليد الصوفيين اللاهوتيين (theosophistes)؛ وكناّ قد تحدّثنا بشكل كافٍ عن هذه الأشياء في مكان آخر، ونفضّل الذهاب الآن لدراسة نظريّات أخرى يمكن أن تبدوَ أكثرَ أهليّة للاهتمام بها لأنّنا نجد فيها على الأقل الرغبة في استحضار التقاليد التي كان لها وجود فعليّ.

كنّا قد أشرنا قبل قليل إلى التيّار التقليديّ القادم من المناطق الغربيّة؛ وقصص الأقدمين المتعلّقة بالأتلنتيس تؤشر إلى مصدرها؛ فبعد اختفاء هذه القارّة الذي كان أكبر الكوارث التي حصلت في الماضي، ليس من المستبعد أنّ بقايا من تقاليدها انتقلت إلى مناطق مختلفة حيث اختلطت بتقاليد أخرى موجودة سابقاً، وبشكل أساسيّ بفروعٍ للتقليد الأكبر لسكّان الأصقاع الشماليّة؛ ومن الممكن جدّاً أنّ عقائد «السلت» على الخصوص، كانت واحدة من نتائج هذا الانصهار. نحن أبعد ما نكون عن إنكار هذه

(37)

الأشياء، ولكنّنا نفكّر بما يلي: لقد اختفى الشكل الأتلنتيسي الخاص منذ آلاف السنين، مع الحضارة التي كان ينتمي إليها والتي لم تتعرّض للدمار إلاّ بعد انحراف كان يشبه بنظر البعض الإنهيار الذي نشهده اليوم مع فارق هامّ يتعلّق بكون البشريّة لم تكن قد دخلت بعد في الكالي-يوغا (Kali-Yuga)؛ وهذا التقليد أيضاً لم يكن ليتوافق إلاّ مع مرحلة ثانويّة لدورتنا، وإنّه لخطأ كبير ادّعاء تشبيهه بالتقليد الأساسيّ الذي منه تنبثق كلّ التقاليد الأخرى والذي يبقى وحده من البداية إلى النهاية.

يبقى خارجاً عن هذا النطاق عرض كلّ المعطيات التي تبرّر هذه التأكيدات؛ وسوف لن نحتفظ إلاّ بالاستنتاج الذي هو استحالة أن نبعث من جديد حاليّاً تقليداً «أتلنتيسيّاً»، أو أن نربطه به مباشرة بطريقة أو بأخرى؛ علاوة على ذلك هناك شيء من الطرافة (Fantaisie) في هذا النوع من المحاولات. وليس بعيداً عن الصحة أنّه من المهمّ البحث عن أصل العناصر التي تتلاقى في التقاليد اللاحقة شرط أن نقوم بذلك مع أخذ الحذر اللازم لتجنّب بعض الأوهام؛ لكنّ هذه الأبحاث لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تصل إلى بعث تقليد لا يمكنه التكيّف مع أيّ من الظروف الراهنة لعالمنا.

هناك آخرون يريدون الارتباط بـ «السلتيّة»، ولأنهم يستدعون شيئاً ما أقلّ بعداً عنّا، قد يبدو أنّ ما يطرحونه هو أقل قابلية لعدم التحقّق؛ ومع ذلك، أين سيجدون اليوم «السلتيّة» بحالتها الصافية المزوّدة كذلك بحيويّة كافية لكي يكون ممكناً اتخاذها نقطة ارتكازٍ؟ نحن لا نتكلّم، في الواقع، عن عمليات إعادة تكوين أركيولوجيّة أو مجرد «أدبيّة» كما رأينا البعض منها؛ فالأمر يتعلّق بشيء آخر مغاير تماماً.

أن تكون هناك عناصر سلتيّة، معروفة جيّداً، ولا زالت صالحة للاستعمال، قد وصلت إلينا بوسائط متعدّدة، فهذا صحيح؛ لكنّ هذه العناصر هي أبعد من أن تمثّل تقليداً

(38)

ما بتمامه؛ ومن المدهش أن السليتّة، حتى في البلدان التي سبق أن عاشت فيها، هي الآن مجهولة تماماً أكثر من مجهولية العديد من التقاليد التي عرفتها حضارات عديدة ما زالت غريبة في هذه البلدان نفسها؛ أليس في الأمر ما يبعث على التفكير، على الأقلّ بالنسبة إلى تلك البلدان التي لم تكن تحت هيمنة فكرة متصوَّرة مسبقاً؟ ونقول أكثر من هذا: إنّ كل الحالات المشابهة التي يجري فيها التعاطي مع آثار تركتها حضارات درست، لا يمكننا فهمها بصورة صحيحة إلاّ عندما نقارنها بمثيلات لها من الحضارات التقليديّة التي ما زالت حيّة؛ ويمكننا قول الشيء نفسه بالنسبة إلى العصر الوسيط حيث تلتقي أشياء عديدة فقدت دلالتها عند الغربيين المُحْدَثين.

إن هذا التعاطي مع التقاليد، التي ما زالت روحها حيّة، هو بالذّات الوسيلة الوحيدة لإعادة إحياء ما يملك الاستعداد لذلك؛ وهذه بالذات، كما سبق أن أشرنا غالباً، أكبر خدمة يمكن للشرق أن يُسديَها للغرب. ونحن لا ننفي صلاحيّة بقاء «عقل سلتيّ» يمكن أن يتجلّى بأشكال مختلفة، كما حصل في عهود مختلفة؛ ولكن، عندما نأتي لنتأكّد من استمراريّة وجود مراكز روحيّة تحتفظ بشكل كلّيّ بالتقليد الدرويديّ ((druidique، ننتظر أن يأتيَنا البرهان، ولكنْ حتى إشعار آخر يبدو لنا الأمر مشكوكاً به إن لم نقل أنّه مستبعَدٌ.

الحقيقة هي أنّ هذه العناصر السلتيّة المتبقية كانت غالباً ما اُستُوعِبت في العصر الوسيط من قِبل المسيحيّة؛ وما أسطورة «الكأس المقدسة» (Saint Grall) مع كلّ ما يتعلّق بها بهذا الخصوص إلاّ مَثلاً مقنعاً وذا دلالة. ونعتقد من جهة أخرى بأنّ تقليداً غربيّاً إذا ما تمكّن من إعادة تكوين نفسه سيأخذ بالضرورة شكلاً دينيّاً خارجيّاً، بالمعنى الدقيق للكلمة، وأنّ هذا الشكل لا يمكن إلاّ أنْ يكون مسيحيّاً؛ فمن جهة، لأنّ باقي الأشكال الممكنة هي ومنذ زمن طويل غريبة عن العقليّة الغربيّة، ومن جهة أخرى،

(39)

لأنّ في المسيحيّة وحدها، وبالتحديد في الكاثوليكيّة، توجد في الغرب بقايا من العقل التقليدي ما زالت حيّة بَعْدُ.

إنّ كلّ محاولة «تقليديّوية» (traditionaliste) لا تأخذ هذا الواقع بالحسبان آيلة بلا شكّ إلى الإخفاق، لأنّها تفتقد إلى الأساس. ومن الواضح جدّاً أنّه لا يمكننا الارتكاز إلا على ما هو موجود بصورة فعليّة، وأنّه كلما فُقدت الاستمرارية، لا يمكن أن توجد إلا عمليات إعادة تكوين مصطنعة وبالتالي لا تكون قابلة للحياة. وإذا ما اُعتُرِضَ بأنّ المسيحيّةَ نفسَها في عصرنا لم تعد تُفهَم بشكل صحيح في العمق، نجيب بأنّها على الأقلّ احتفظت، شكلاً، بكل ما هو ضروريّ لتُقدِّم الأساسَ المقصودَ.

إن المحاولة الأقلّ وهميّة، بل الوحيدة التي لا تصطدم باستحالات مباشرة، ستكون، إذً، تلك التي تهدف إلى إنعاش شيءٍ ما مشابه لما كان يوجد في العصر الوسيط مع الفروقات التي يحتّمها اختلاف الظروف؛ وبالنسبة إلى كلّ الذي فُقِد في الغرب بشكل كامل، فمن المناسب استحضار التقاليد التي جرى الاحتفاظ بها بتمامها كما ذكرنا قبل قليل، و في ما بعد، إنجاز عمل تكييفيّ لا يمكن أنْ تحقّقَه إلاّ نخبةٌ فكرية مكوَّنة بشكل قويّ. كلّ هذا سبق أنْ أشرنا إليه؛ لكنْ من المفيد التّأكيد عليه لأنّ كثيراً من الأوهام الهشّة تُطلِق لنفسها العنان حاليّاً، وكذلك لأنه يجب أن نفهم أنّه، إذا كانت التقاليد الشرقية، في أشكالها الخاصّة، يمكن أن تكون بالتأكيد متمثّلة في نخبةٍ ما هي، بحسب تعريفها تقريباً، يجب أن تتجاوز كل الأشكال، فإن تلك التقاليد، وبدون شك، لا يمكنها أن تكون كذلك أبداً، إلا إذا حدثت تحوُّلات غير متوقَّعة عند عموم الغربيين الذين لم توضَع لأجلهم تلك التقاليد.

إذا ما توصّلت نخبة غربيّة إلى أن تتكوّن، فإنّ المعرفة الحقيقيّة بالعقائد الشرقيّة،

(40)

وللسبب الذي أشرنا إليه للتوّ، تصبح ضروريّة بالنسبة إليها لتقوم بوظيفتها؛ لكنّ أولئك الذين لا دور لهم سوى جني ثمار عملها (النخبة)، وهم الأكثريّة الساحقة، يمكن ألاّ يكون عندهم أي وعي بهذه الأشياء. إن التأثير الذي يتلقّونه منها بوسائل تتجاوزهم، من دون شك وعلى أيّ حال، لن يكون بالنسبة إلى هؤلاء أقلّ واقعيّة وأقل فعّاليّة. نحن لم نقل أبداً شيئاً غير هذا؛ ولكن كنّا نعتقد بوجوب التذكير به هنا بأكثر ما يكون من الوضوح، لأنّه، إذا كان علينا توقُّع عدم فهم الجميع لنا دائماً بشكل كامل، فإنّنا نتمسّك على الأقلّ بألاّ يُنسَب إلينا نوايا لا تخصّنا البتّة.

ولْندَعِ الآن جانباً كلَّ التوقعات، بما أنّ ما يجب علينا الاهتمام به بصورة خاصّة هو الحالة الراهنة للأشياء، ولْنعدْ لِلَحظةٍ إلى الأفكار المتعلّقة باستعادة «تقليد غربي»، كما يمكن أن نلاحظها (الأفكار) حولنا. ملاحظة واحدة تكفي للتدليل على أنّ هذه الأفكار لم تعد «ضمن الترتيب» (dans l ordre)، إذا سُمِح بالتعبير هكذا: هو أنّها تُصاغ تقريباً ودائماً في روحٍ عدائية ويتفاوت الاعتراف فيها تجاه الشرق. أولئك أنفسهم الذين يرغبون في الارتكاز على المسيحيّة تحرّكهم أحياناً هذه العقليّة، ويجب التأكيد جيداً على هذا الأمر؛ يبدو أنّهم يسعون قبل كلّ شيء إلى اكتشاف تناقضات هي في واقع الأمر غير موجودة؛ وهكذا فهمنا إبداء هذا الرأي المغلوط الذي يفيد بأنّه لو كانت الأشياء نفسها موجودة في المسيحيّة وفي العقائد الشرقيّة بحيث يُعبَّر عنها من جهة أو أخرى بشكل متماثل تقريباً، فليس لها مع ذلك الدلالة نفسها في كلتا الحالتين، بل إنّ لها دلالة متناقضة! إن أولئك الذين يعطون مثل هذه التأكيدات يبرهنون بذلك على أنّهم، مهما كانت ادّعاءاتهم، فهم لم يذهبوا بعيداً في فهمهم للعقائد التقليديّة لأنّهم لم يستشفّوا الهويّة الأساسيّة التي تختفي تحت كلّ الاختلافات والأشكال الخارجيّة، وأنهم، حتى لما تصبح هذه الهويّة ظاهرة بالكامل، يصرّون على تجاهلها. كذلك فإن هؤلاء لا ينظرون

(41)

إلى المسيحيّة نفسها إلا بشكل خارجي، لا ينسجم مع فكرة حقيقة العقيدة التقليديّة، مقدّمين، في كلّ المستويات توليفة كاملة؛ إن المبدأ هو الذي يُعْوزهم، إنهم متأثرون، أكثر مما يظنون، بهذا العقل الحديث، الذي يريدون، رغم ذلك، العمل ضدّه؛ وعندما يحصل أن يستخدموا كلمة «تقليد» فهم لا يأخذونها، بالتأكيد، بالمعنى الذي نقصده نحن.

في خضمِّ هذا الخبل (الاختلاط الذهني (confusion mentale الذي يميّز عصرنا، وصلنا إلى حدِّ تطبيق هذه الكلمة «تقليد»، بدون تمييز، على كلّ الأشياء بأنواعها، وغالباً من دون أيّ دلالة، كمجرّد عادات من دون أي بُعد وأحياناً بمنشإ حديث جدّاً؛ وكنّا قد أشرنا آنفاً إلى تعسّف من النوع نفسه في ما يخصّ كلمة «دين». فيجب التحذّر من هذه التحريفات اللغويّة التي تعبّر عن نوع من الانحطاط في هذه الأفكار المرتبطة بها؛ وليس لأنّ شخصاً ما يسمّي نفسه «تقليديّاً» يعني أنّه يدرك، ولا حتى بصورة ناقصة، ما يعنيه التقليد بالمعنى الصحيح. بالنسبة إلينا، نحن نرفض بشكل قاطع إطلاق هذه التسمية على كلّ ما هو ذو طابع إنسانيّ محض؛ وليس من غير المناسب إعلان ذلك عندما نصادف في كلّ لحظة على سبيل المثال تعبيراً مثل «فلسفة تقليديّة».

إنّ أيَّ فلسفة، وإن كانت في الحقيقة كلّ ما يمكن أن تكونه، ليس لها أيّ حق بهذه التسمية، لأنّها تقع كليّاً ضمن النسق العقليّ، وإن لم تنفِ ما يتجاوزه، ولأنّها ليست سوى بناء شيَّده أفراد من البشر من دون وحي ولا إلهام من أي نوع، أو إذا أردنا أن نوجز كل ذلك بكلمة واحدة، لأنّها شيء ما «دنيويّ» في جوهره. ومن جهة أخرى، بالرغم من كلّ الأوهام التي تعجب البعض، فليس هناك، بالتأكيد، من علم «كتابيّ» (livresque) يكفي لتصحيح عقليّة عرقٍ ما أو عصرٍ ما؛ بل يلزم لذلك شيء آخر غير عمليّة تأمّل فلسفيّ تبقى حتى في الحالة الأكثر ملاءمة، محكومةً، بسبب طبيعتها، بالبقاء خارجيّة، ونظريّة أكثر منها فعليّة. لاستعادة التقليد المفقود، ولإحيائه حقيقةً، يلزم التواصل مع العقل

(42)

التقليديّ الحيّ، وسبق أن قلنا هذا، في الشرق فقط ما زال هذا العقل حيّاً؛ فمن الصحيح أن هذا يفترض في الغرب، وقبل أيّ شيء، تطلّعاً للعودة إلى هذا العقل التقليديّ، ولكنّه مع ذلك لن يكون سوى مجرّد تطلّع.

علاوة على ذلك، لم تستطع بعضُ ردّات الفعل «المضادة للحداثة» التي حصلت حتى الآن، والتي هي غير كاملة بنظرنا، سوى تأكيد قناعتنا، لأنّ كل ذلك، برغم كونه ممتازاً بلا شك، في جانبه السلبيّ والنقدي، هو بعيد جدّاً عن استعادة عقلانيّة حقيقيّة، ولم يتطوّر إلاّ في حدود أفق عقلي ضيّق جدّاً. وعلى الرغم من ذلك، هو شيء ما، بمعنى أنّه مؤشّر على عقليّة كان يصعب الحصول على أثر لها قبل عدّة سنوات؛ وإذا لم يعد جميع الغربيين مجمعين على الاكتفاء حصريّاً بالتطوّر الماديّ للحضارة الحديثة، فلربّما تكون هذه إشارة إلى أنّ الأمل بالخلاص، لديهم، ليس بعدُ مفقوداً تماماً.

ومهما يكن، فلو افترضنا أنّ الغرب عاد، وبطريقة ما، إلى تقاليده، فإن تناقضه مع الشرق سوف يجد طريقه إلى الحل ولن يكون له وجود بعد الآن، لأنّ هذا التناقض ما كان ليوجَد إلاّ بسبب الانحراف الغربيّ، إذ أنّه ليس في واقع الأمر سوى تناقض بين العقل التقليدي والعقل المعادي له. كذلك، وبعكس ما يفترضه أولئك الذين أشرنا إليهم قبل قليل، فإنّ العودة إلى التقليد سيكون من بين نتائجها الأوليّة إعادة التفاهم مع الشرق بصورة مباشرة، كما هو حاصل بين كلّ الحضارات التي تملك عناصر متشابهة أو متساوية، وفقط بين هذه الحضارات، لأنّ هذه العناصر هي التي تشكّل الأرضيّة الوحيدة التي يجري فوقها وحدها هذا التفاهم بشكل صحيح.

إنّ العقل التقليديّ الحقيقيّ، بأيّ شكل يتمظهر، هو نفسه في جوهره دائماً وحيثما كان؛ والأشكال المختلفة التي تكيّفت بصورة خاصّة مع هذه الشروط العقليّة أو تلك،

(43)

ومع هذه الظروف أو تلك من حيث الزمان والمكان، ليست سوى تعبيرات عن حقيقة واحدة وبعنيها؛ إنّما يجب أن يكون بالإمكان التموضع في مستوى العقلانيّة المحض كي يجري اكتشاف هذه الوحدة الجوهريّة خلف مظهر التعدّديّة. من جهة أخرى، ففي داخل هذا المستوى العقلاني تقوم المبادئ التي يرتبط بها كلّ الباقي بشكل طبيعيّ تحت عنوان نتائج أو تطبيقات تتفاوت في قربها وبعدها؛ فحوْل هذه المبادئ، إذًا، يجب التوافق قبل كل شيء، إذا كان المطلوب وفاقاً جذريّاً بحقّ، لأنّه هنا يكمن كلّ جوهر الأمر؛ ومنذ أن يحصل الفهم الحقيقي (للمبادئ)، يتحقق الوفاق من تلقاء نفسه.

بالنتيجة، ينبغي ملاحظة أنّ معرفة المبادئ، التي هي المعرفة بامتياز، المعرفة الميتافيزيقيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة، هي معرفة كونيّة كما هي المبادئ نفسها، وبالتالي، فهي متحررة من كل العوارض الفردية التي، بالعكس، تتدخل بالضرورة على مستوى التطبيقات، وهذا المجال العقلاني المحض، هو الوحيد الذي لا يستلزم جهداً للمواءمة بين عقليّات مختلفة. وفضلاً عن ذلك، عندما يُنجَز عمل من هذا القبيل، لن يبقى سوى نشر النتائج كي يتحقق التوافق في كلّ المجالات الأخرى، لأنّه، وكما ذكرنا، هنا يكون مربط الفرس، فكل شيء يتوقف على هذا بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ وبالمقابل، فإنّ أيَّ اتفاق يحصل في مجال خاصّ، خارج المبادئ، سوف يكون دائماً هشّاً وغير قابل للاستمراريّة بشكل كبير، وأشبهَ بتدبير دبلوماسيّ من اتفاقٍ حقيقيٍّ. لذلك، نؤكّد أيضاً، أن هذا لا يمكن أن يحصل بشكل حقيقيّ إلاّ من فوق لا من تحت، وهذا ما يجب فهمه لمعنيين: يجب الانطلاق مما هو موجود في الأعلى، أي المبادئ، ثمّ التدرّج نزولاً نحو مختلف المستويات من التطبيقات مع مراعاة دائمة وصارمة للتراتبيّة الهرميّة الموجودة بينهما؛ وهذا العمل بطبيعته لا يمكن أن تقوم به سوى نخبةٍ، مع إعطاء الكلمة مضمونها الحقيقيّ والكامل: نحن نريد أن نتحدّث حصريّاً عن نخبة عقلانيّة،

(44)

وبنظرنا، لا يمكن أن يكون هناك بديل عنها، فكلّ أنواع التمييز الاجتماعيّ الخارجيّ الظاهري هي غير ذات أهميّة من وجهة النظر التي نرتكز عليها.

إنّ هذه الاعتبارات البسيطة يمكنها أن تُفهمنا كل ما ينقص الحضارة الغربيّة الحديثة، ليس فقط في ما يخصّ إمكانيّة تقارب فعليّ مع الحضارات الشرقيّة، ولكن أيضاً في ذاتها، لتكون حضارة طبيعيّة وكاملة؛ من جهة أخرى، وفي حقيقة الأمر، فإنّ المسألتين مرتبطتان معاً بشكل وثيق إلى درجة أنّهما يشكلان مسألة واحدة، وقد قدّمنا بدقة الدلائل على صحة ما قلناه.

سوف نبيّن الآن ماذا يعني العقل المعادي للتقليد (ضد تقليديantitraditionnel  / ) الذي هو العقل الحديث، وما.ي النتائج التي يحملها في ذاته، وهي نتائج نرى أنّها تحدث بمنطق قاسٍ في الأحداث الراهنة؛ ولكن قبل أن نصل إلى هنا، هناك فكرة أخيرة تفرض نفسها أيضاً.

إنّ وهم الإنسان بكونه «معادياً للغرب» (ضدّ غربي/ anti-occidental) إذا جاز استخدام هذه الكلمة، صار يعني قطعاً، أنّه معادٍ للحداثة (ضدّ حديث/ antimoderne)، لأنّ ذلك، بالمقابل، يصنع الجهد الوحيد الذي يصلح لمحاولة إنقاذ الغرب من الخلل الذي يعاني منه؛ ولأنّه من جهة أخرى، ما من شرقيّ وفيّ لتقليده الخاصّ يمكنه النظر إلى الأشياء بطريقة مغايرة لما نفعله نحن أنفسنا؛ فهناك بالتأكيد خصوم أقلّ للغرب كغرب، إنّ هذه الخصومة لا يمكن أن يكون لها، البتّة، من معنى إلا بالنظر للغرب بما هو متماهٍ مع الحضارة الحديثة. ويتحدّث البعض اليوم عن «الدفاع عن الغرب» وهذا أمر فريد حقّاً، بينما، وكما سنرى لاحقاً، هذا هو الذي سيهدّد باكتساح كل شيء ليأخذ البشريّة جمعاء إلى دوّامة نشاطه (الغرب) الفوضويّ؛ ونقول أنّه أمرٌ فريد، وغير مبرّر

(45)

على الإطلاق، إذا ما كانوا يقصدون، كما يبدو بالرغم من وجود شيء من الاحتراز، أنّ هذا الدفاع يجب أن يكون موجّها ضدّ الشرق، لأنّ الشرق الحقيقي لا يطمح إلى مهاجمة أيّ كان ولا بالهيمنة عليه، فهو لا يطلب شيئاً سوى استقلاله واطمئنانه، وهذا، كما سنتفق لاحقاً مشروعٌ جدّاً.

إنّ الحقيقة، مع ذلك، هي أنّ الغرب لديه مصلحة كبرى في الدفاع عن نفسه، إنّما فقط ضدّ ميوله الخاصّة التي إن اندفع بها إلى الحد الأقصى، ستأخذه بالتأكيد إلى الخراب والدمار؛ فما يجب طرحه هو»إصلاح الغرب»، وهذا الإصلاح إذا حصل كما يجب أن يكون، أيْ استعادةً تقليديّةً حقيقيّةً، ستكون نتيجته الطبيعيّة تقارباً مع الشرق.

بالنسبة إلينا، نحن لا نطالب إلاّ بالمساهمة، وبقدر استطاعتنا، في هذا الإصلاح وهذا التقارب في آنٍ معاً، إذا ما كان الوقت يسمح بذلك، وإذا ما كان يمكن الحصول على مثل هذه النتيجة قبل الكارثة النهائيّة التي تسير نحوها الحضارة الغربيّة بخطوات كبيرة؛ لكن حتى لو كان الوقت متأخراً لتجنّب هذه الكارثة، فإنّ العمل المنجَز بهذا القصد لن يكون بلا فائدة، لأنّه سيخدم، وإن من بعيد على أيّ حال، تهيئة هذا «التمييز» الذي تكلّمنا عنه في البداية، وكذلك تأمين حفظ العناصر التي ستنجو من غرق العالم الراهن لكي تتحوّل إلى بذرات للعالم القادم.

(46)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المعرفة والفعل

CONNAISSANCE

 ET ACTION

(47)
(48)

 

المعرفة والفعل

CONNAISSANCE

 ET ACTION

 

سننظر الآن، بطريقة أخصّ، إلى واحد من أهم وجوه التعارض الموجودة حاليّاً بين العقل الشرقيّ والعقل الغربيّ، الذي هو، بشكل أعمّ، تعارض بين العقل التقليديّ والعقل المعادي للتقليد (antitraditionnel)، كما سبق أن أوضحنا. ومن وجهة نظر معيّنة، هي، علاوة على ذلك، واحدة من وجهات النظر الأكثر أساسيّة، يبدو هذا التعارض كتعارض بين التأمّل والفعل، أو إذا أردنا الكلام بشكل أدقّ، فهو يتناول الوضعيتين الخاصّتين اللّتين من المناسب نسبتهما إلى كلٍّ من هذين المصطلحين. هذان يمكن أن ينظر إليهما، من خلال العلاقة بينهما بطرق مختلفة: هل هما ضدّان كما يبدو أنّه يُعتقد في أغلب الأحيان، أو ألا يمكن أن يكونا بالأحرى متكاملين، أو، ألا يمكن أن يوجد في الواقع بينهما علاقة لا تنسيقية بل تبعيّة؟ تلك هي الجوانب المختلفة للمسألة، وهذه الجوانب تتعلّق بوجهات نظر، هي، بالرغم من أهميّتها، غير متساوية بشكل كبير، ولكنْ كلٌّ منها يمكن أن يجد تبريره باعتبارات معينة، ويتناسب مع مرتبة ما من الحقيقة.

وبادئ ذي بدء، إنّ وجهة النظر الأكثر سطحيّة والأكثر خارجيّة من الكلِّ، هي تلك التي تشتمل على مجرّد معارضة بين الواحدة والأخرى، أي التأمل والفعل، كضدّين بالمعنى الخاصّ للكلمة. إن التعارض موجود في الظواهر، لا اعتراض على ذلك، ورغم ذلك إذا تعذّر تخفيضهُ فسيوجد تعارض كامل بين التأمل والفعل، فلا يمكن لهما أن يوجدا مجتمعين. والحالة هذه، فإنّ الأمر ليس هكذا في واقع الأمر، فلا يوجد، على الأقل في

(49)

الحالات الطبيعيّة، شعبٌ وربما فردٌ يكون تأملّياً بشكل حصريّ أو عاملاً بشكل حصريّ.

الصحيح هو أنّه يوجد اتجاهان يهيمن أحدهما بالضرورة، بحيث يكون توسّع أحدهما قائماً على حساب الآخر، لمجرّد أنّ النشاط البشريّ، بمفهومه العام، لا يمكن أن يُمارَس في كلّ المجالات وبكلّ الاتجاهات في آنٍ. إنّ هذا ما يُعطي مظهَر تعارضٍ؛ لكن لا بدّ من وجود تصالح ممكن بين هذين الضدّين أو ما يشبه ذلك؛ وما يمكن أن نقوله كذلك عن هذا الأمر هو نفسه بالنسبة إلى كلّ الأضداد التي تتوقف عن كونها كذلك بمجرّد أن نرتفع، عند النظر إليها، فوق مستوى معيّن، هو المستوى الذي يكون فيه التعارض بينها مستحكِماً. إنّ القول بالتعارض أو بالتباين يعني أيضاً القول بعدم الانسجام أو الخلل، أي بشيء، كما أشرنا إلى ذلك بما فيه الكفاية، لا يمكن أن يوجد إلا من وجهة نظر نسبيّة وخاصّة ومحدودة.

إنّنا، لمّا نعتبر، التأمل والفعل متكاملين، نكون قد تبنّينا، إذًا، وجهة نظر أعمق من السابقة وأصحّ، لأنّ التعارض الموجود يكون قد سلك إلى التصالح والحلّ، بتوازن طرفَيْه بشكلٍ ما أحدهما بالآخر. فيبدو الأمر متعلّقاً بعنصرين، ضروريين بالمقدار نفسه، يتكاملان بحيث يعتمد أحدهما على الآخر، فيشكّلان النشاط المزدوج الداخليّ والخارجيّ لكائن واحد، سواءً أكان إنساناً، منظوراً إليه بشخصه، أم البشرية، منظوراً إليه كمجموعة. إنّ هذا التصوّر هو بالتأكيد أكثر انسجاماً وأكثر إرضاءً من الأوّل؛ ومع ذلك، فلو تشبثنا به بشكل حصريّ، فسوف نكون، بفعل الارتباط الذي أقمناه، قد وضعنا التأمل والفعل على قدم المساواة، بحيث لا يبقى علينا سوى أن نَجهد في الحفاظ، قدر الإمكان، على التوازن بينهما، من دون طرح مسألة تفوّق أحدهما على الآخر؛ ما يبيّن أنّ وجهة نظر مثل هذه غير كافية، ذلك أنّ مسألة التفوّق هذه تطرح نفسها، بالعكس، بشكل فعليّ، وكانت دائماً محل طرح، مهما كان الاتجاه الذي يُرادُ حلّ هذه المسألة من خلاله.

(50)

إنّ المسألة التي تَهمّنا أكثر من غيرها بهذا الخصوص، ليست هيمنة الواقع الحاصل، والتي بالمجمل لها علاقة بالمزاج أو العرق، بل هي مسألةُ ما يمكن أن نسمّيه هيمنة الحقّ؛ والأمران ليسا مرتبطين إلاّ إلى حدٍّ ما. من دون شكٍّ، فإنّ الاعتراف بتفوّق أحد الاتجاهين يشجع على توسّعه بأعظم قدر ممكن بوجه الآخر؛ لكن في التطبيق، ليس بعيداً عن الصحة أن المكانة التي يحتلّها التأمل والفعل، في جميع مراحل حياة إنسانٍ ما أو شعبٍ ما، تنتج دائماً وبقسمها الأكبر عن طبيعته، لأنّ من الواجب، في هذا،. أخذ الإمكانيّات الخاصة لكلٍّ منهما بعين الاعتبار. ومن الواضح أنّ الاستعداد للتأمل هو أكثر انتشاراً وأكبر بشكل عامّ لدى الشرقيين؛ وربّما، ليس هناك من بلد يعادل الهند في ذلك، ولهذا يمكن اعتبار التأمل كممثل بامتياز لما أسميناه العقل الشرقيّ.

بالمقابل، فممّا لا جدال فيه، بشكل عامّ، هو أنّ الاستعداد للفعل أو الاتجاه الناتج عن هذا الاستعداد هو الذي يهيمن لدى الشعوب الغربيّة عند الغالبيّة العظمى من الأفراد، وحتى لو كان هذا الاستعداد غير مبالغ فيه، وغير منحرفٍ كما هو حاليّاً، يبقى بالرغم من ذلك كما لو أنّ التأمل لا يمكنه أن يكون موجوداً إلاّ لدى النخبة في إطارها الأضيق؛ لذلك يُقال في الهند بطيب خاطر، أنّ الغرب لو كان قد عاد إلى حالة طبيعيّة وكان يمتلك تنظيماً اجتماعيّاً عاديّاً فسنجد فيه بلا شكّ كثيراً من الكشاترياس، لكن قليلاً من البراهمة. ومع ذلك، فهذا يكفي، إذا كانت النخبة الفكريّة قد تكوّنت فعليّاً، وإذا كانت هيمنتها معترفاً بها لكي يدخل الكلّ في النسق، لأنّ القوّة الروحيّة ليست قائمة على العدد الذي قانونه هو قانون المادّة؛ ومن جهة أخرى، فما نلاحظه جيّداً في العصر القديم وخصوصاً في العصر الوسيط، هو أنّ الاستعداد الطبيعيّ للفعل الموجود عند الغربيين لم يمنعهم من الاعتراف بهيمنة التأمل، أي بهيمنة الذكاء المحض؛ فلماذا لا يكون الأمر هو نفسه في العصر الحديث؟ هل لأنّ الغربيين بتطويرهم حدود قدراتهم على الفعل وصلوا إلى فقدان عقلانيّتهم، وأنهم، من أجل أن يواسوا أنفسهم، ابتدعوا نظريّات

(51)

تضع «الفعل» فوق كلّ شيء، وذهبوا، كما في البراغماتيّة، إلى حدّ نفي وجود أي شيء له قيمة خارجه، أو على العكس من ذلك، أنّ هذه الكيفيّة في النظر، التي سادت أولاً، هي مَن سبّب الضمور الفكري الذي نلاحظه اليوم؟ وفي كِلا الفرضيتين، وكذلك في الحالة الأكثر احتمالاً حيث يمكن أن توجد الحقيقة في تركيب بين الأمرين، تكون النتائج هي نفسها بشكل دقيق؛ في الدرجة التي وصلت إليها الأمور آن الأوان للعمل، وهنا نعود لنقولها مرّة أخرى، يمكن للشرق أن يأتي لمساعدة الغرب إذا ما كان الغرب راغباً في ذلك، لا ليفرض عليه مفاهيم غريبة عنه كما يخشى البعض، بل لمساعدته في استعادة تقليده الخاص الذي فقد معناه.

يمكننا القول أنّ التناقض بين الشرق والغرب في الحالة الراهنة للأشياء، يتمثّل في كون الشرق يُعلي شأن التأمّل على الفعل، بينما يؤكّد الغرب بالمقابل على تفوّق الفعل على التأمّل. هنا، لم يعد الأمر يعني كما لو كنّا نتكلّم فقط عن تعارض أو عن تكامل، وبالتالي عن علاقة تنسيق بين الطرفين المذكورين، ولم يعد يعني أيضاً وجهتي نظر يمكن لكلّ واحدة منهما أن تجد تبريرها وقبولها كما هي الحال بالنسبة إلى حقيقةٍ ما نسبيّة؛ فعلاقة التبعيّة لا رجعة عنها في طبيعتها، فالتّصوّران متضادّان في الواقع، يستبعد الواحد منهما الآخر، ما يعني حتماً أنه، بمجرّد قبولنا بوجود تبعيّة فعليّة سيتبيّن أنّ أَحدَهما صحيح والآخر خاطئ.

قبل الذهاب إلى جوهر المسألة، لنلاحظ أيضاً ما يلي: في حين أن العقل الذي ظلّ قائماً في الشرق هو عقل كلّ الأزمان، كما ذكرنا أعلاه، نجد أنّ العقل الآخر قد ظهر في مرحلة متأخرة، وهذا ما يبعث على التفكير، وبعيداً عن كلّ الاعتبارات الأخرى، بأنّه شيءٌ ما غير طبيعي. إنّ ما يؤكّد هذا الانطباع، وبحسب الاتجاه الخاص الذي تأخذه، هو المبالغة التي يقع فيها هذا العقل الغربيّ الحديث الذي لا يكتفي فقط بتأكيد هيمنة الفعل، بل وصل إلى جعله شغله الشاغل وإلى نزع أيّ قيمة للتأمل الذي يجهل هذا

(52)

العقل أو يتجاهل طبيعته الحقيقيّة. بالمقابل، فإنّ العقائد الشرقيّة التي، مع تأكيدها الواضح على هيمنة التأمل بل وتساميه على الفعل، فهي لا تنفي عن الأخير مكانته الشرعيّة، بل وتعترف، بطيب خاطر، بأهميّته في نسق الأحداث الإنسانيّة .

 تُجمع العقائد الشرقيّة وكذلك العقائد الغربيّة القديمة على التأكيد أنّ التأمل أعلى شأناً من الفعل، كما أنّ الثابت أسمى من المُتغيِّر . إن الفعلَ، الذي هو ليس سوى تعديل عابر ومؤقت للكائن، لا يمكن أن يكون له، في ذاته، مبدأه وسببه الكافي؛ والفعل، إذا لم يتّصل بمبدأٍ أبعدَ من مجاله الطارئ (الحادث)، هو ليس سوى وهم محض؛ وهذا المبدأ الذي يستمدّ منه الفعل كلّ واقعه المُحتَمل، ووجوده وإمكانيّته نفسها، لا يمكن أن يوجد إلاّ في التأمل، أو إذا آثرنا القول، في المعرفة، لأنّ هذين المصطلحين، في العمق، هما مترادفان، أو على الأقلّ يتطابقان، فالمعرفة نفسها والعمليّة التي من خلالها نصل إليها لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تكونا منفصلتين.ذلك، يكون التغيير في معناه الأعمّ عصيّا على الفهم ومُتناقضاً، أي مستحيلاً، من دون مبدأٍ ينبثق منه ويكون، بحكم كونه مبدأ لهذا التغيير، غير خاضعٍ له، ويكون، إذاً، بالضرورة ثابتاً،.لذلك، في العصر القديم للغرب كان أرسطو قد أكّد ضرورة وجود «المحرِّك الذي لا يتحرّك» لكلّ الأشياء.

هذا الدور لـ «المحرك الذي لا يتحرّك» تلعبه المعرفة بالدقّة تجاه الفعل؛ ومن الواضح أنّ الفعل ينتمي إلى عالم التغيّر و«التّحوّل» (devenir)؛ إن المعرفة وحدها تسمح بالخروج من هذا العالم ومن التحديدات التي هي ملازمة له، وعندما تصل إلى الثابت، وهي حالة المعرفة المبدئيّة (نسبة إلى المبدأ / principielle) أو الميتافيزيقيّة التي هي المعرفة بامتياز، تمتلك المعرفةُ نفسُها الثبات، لأنّ أيّ معرفة حقيقيّة هي في الجوهر تماهٍ مع موضوعها. هذا بدقة ما لا يفهمه الغربيّون المحدَثون، الذين أصبحوا، في ساحة المعرفة، لا يَنظرون إلا في معرفة عقلانيّة واستدلالية، أي غير مباشرة وغير كاملة، وهي ما يمكن أن ندعوها معرفة من خلال الانعكاس، ودرجوا أكثرَ فأكثرَ على عدم تقدير

(53)

هذه المعرفة الدنيا إلا ما دامت تخدم مباشرة غاياتٍ عمليّةً؛ وإنهم بانخراطهم في الفعل إلى درجة نفي كل ما عداه، لا يدركون أنّ هذا الفعل نفسه يتسافل، جرّاء هذا السلوك، بسبب غياب المبدأ، إلى فوضى عبثية بل عقيمة.

تلك هي، بالنتيجة، الميزة الأكثر وضوحاً للعصر الحديث: الحاجة إلى اضطراب (agitation) لا يتوقّف، وإلى تغيير مستمرّ، وإلى سرعة في تصاعد متواصل كتلك التي تجري فيها الأحداث نفسها. إنّه التشتّت داخل الكثرة، وداخل كثرة لم تعد موحّدة بالوعي بأيّ مبدأ أسمى؛ في الحياة اليومية كما في المفاهيم العلميّة، نجد التحليل المدفوع إلى حدّه الأقصى، والتقسيم غير المتناهي، وانحلالا حقيقيّا للنشاط الإنسانيّ على جميع الصُّعُد التي ما زال ممكناً أن يُمارَس فيها؛ ومن هنا يأتي عدم القدرة على الاستنتاج، واستحالة أي تركيز، ممّا يصدم كثيراً الشرقيّين.

تلك هي النتائج الطبيعيّة والمحتومة لجعل كل شيء ماديّاً بصورة متصاعدة، لأنّ المادّة هي بحدّ ذاتها كثرة وانقسام، ولهذا نقول بشكل عابر، أنّ كلّ ما ينبثق عنها لا يمكن أن يولّد إلاّ النزاعات والصراعات من كلّ الأنواع بين الشعوب كما بين الأفراد. كلما انغمسنا في المادة أكثر، تراكمت، أكثر، عوامل الانقسام والتضادّ وتعاظمت؛ وبالعكس، كلّما ارتفعنا نحو الروحانيّة (spiritualite) الصافية، كلّما اقتربنا من الوحدة التي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ بالوعي بالمبادئ العامّة.

إن الأمر الأكثر غرابة هو أنّ الحركة والتغيّر يجري البحث عنهما، حقّاً، لذاتهما لا لأجل هدف معيّن يمكن أن يقود إليه، وهذا ينتج مباشرة عن امتصاص كلّ الاستعدادات الإنسانيّة من قِبَل الفعل الخارجيّ الذي أشرنا آنفاً إلى طابعه المؤقَّت. إنّه أيضاً التشتت منظوراً إليه من جانب آخر، وفي مرحلة أكثر بروزاً: يمكننا القول أنّه اتجاه نحو الفوريّة التي يكون حدّها حالة من عدم التوازن المحض الذي، إذا ما تمّ الوصول إليه، يتطابق

(54)

مع الانحلال النهائي لهذا العالم؛ وتلك هي العلامة الأوضح للمرحلة الأخيرة من الكالي-يوغا. (Kali-Yuga).

من هذه الجهة أيضاً، يحدث الشيء نفسه على المستوى العلميّ: فيكون البحث من أجل البحث أكثر ممّا هو من أجل النتائج الجزئيّة والمجزّأة التي يؤدّي إليها؛ إنه التعاقب، المتسارع أكثر فأكثر، للنظريات والفرضيات، الفاقدة للأساس، التي، بمجرّد أن تستوي على سُوقها، تنهار، لتُستبدل بها أخرى أقصر عُمْراً، إنّها فوضى (chaos) حقيقيّة، يكون من العبث البحث في خضمّها عن عناصر مكتسبة بشكل نهائيّ، إن لم يكن تراكماً فظيعاً لوقائع وتفاصيل لا تعني شيئاً ولا تثبت شيئاً.

نحن نتحدّث هنا بالطبع عمّا يخصّ وجهة النظر التأمليّة بالقدر الذي ما زالت قائمة فيه؛ أمّا بخصوص التطبيقات العمليّة، فتوجد بخلاف ذلك، بالمقابل، نتائج أكيدة، وهذا يُدرَك بلا عناء لأنّ هذه التطبيقات تتعلق مباشرة بالمجال الماديّ، وهو المجال الوحيد، بحقّ، الذي يمكن للإنسان المحدَث أن يفتخر فيه بتفوّق حقيقي. يجب إذاً أن نتوقّع أن تستمرّ الاكتشافات أو بالأحرى الاختراعات الميكانيكيّة والصناعيّة بأن تتطور وتتسع بوتيرة متسارعة حتى نهاية العصر الحاليّ؛ ومن يعلم أنها لن تكون، مع أخطار الدمار التي تحملها في ذاتها، واحدة من العوامل الأساسيّة التي ستؤدّي إلى الكارثة الأعظم، إذا ما وصلت الأمور إلى درجة لا يمكن تلافيها؟

 على أيّ حال، نحن نبدي، بشكل عام، انطباعاً بعدم إمكانيّة وجود أي استقرار في الوضع الحالي؛ لكن، بينما يشعر البعض بالخطر ويسعى لفعل شيء، فإنّ غالبيّة معاصرينا ترتاح وسط هذه الفوضى التي يرون فيها صورة خارجيّة لعقليتهم. يوجد بالفعل تناسبٌ كامل بين عالم يبدو كلّ شيء فيه في حالة «تحوّل» (devenir) حيث لا يوجد فيه أيّ مكان للثابت والدائم، وبين عقليّة أولئك الناس الذين يُدرِجون كلّ واقع

(55)

داخل هذا «التّحوّل» ما يعني إنكار أيّ معرفة حقيقيّة، وكذلك إنكار أيّ موضوع لهذه المعرفة، نعني إنكار المبادئ المتعالية والكونية.

يمكننا الذهاب أبعد من ذلك: إنّه الإنكار لأيّ معرفة حقيقيّة في أيّ مستوى كان، حتى في النسبيّ، لأنّ النسبيّ، كما ذكرنا أعلاه، هو غير قابل للتعقّل ومستحيل من دون المطلق، كما أنّ الممكن مستحيل من دون الواجب، والتغيّر من دون الثبات، والكثرة من دون الوحدة؛ إن النِّسبويّة (النزعة النسبيّة / relativisme) تحمل تناقضها في داخلها، وإذا أردنا اختزال كلّ شيء في التغيّر، سنصل منطقيّاً بالضرورة إلى نفي التغيّر نفسه؛ وفي جوهر الأمر، فإنّ الحجج المشهورة التي قدّمها زينون الإيلي (Zenon d Elee) ليس لها من معنى آخر. وعليه يجب القول بأنّ النظريّات من النوع الذي ذكرنا ليست خاصّة، حصراً، بالأزمة الحديثة، لأنّه يجب عدم المبالغة؛ ويمكننا الحصول على أمثلة في الفلسفة اليونانيّة، وحال هيراقليطس (Heraclite) في نظريّته عن «الجريان العامّ» (ecoulement universel) هو الأشهر بهذا الخصوص؛ هذا بالضبط ما دفع بالإيليين (Eleates) إلى محاربة هذه التصوّرات، وكذلك محاربة تصوّرات الذرّيين (atomistes) بنوع من الإنزال إلى مستوى العبث. في الهند نفسها، نجد شيئاً مماثلاً، إنّما بالطبع، من وجهة نظر أخرى غير تلك المتعلّقة بالفلسفة؛ بعض المدارس البوذيّة قدّمت بالفعل السّمة نفسها، لأنّ واحدة من أطروحاتهم الأساسيّة كانت «انحلال كلّ الأشياء» . إنّما هذه النظريّات لم تكن إذاً سوى استثناءات، ومثل هذه الحركات من التمرّد على العقل التقليديّ التي حدثت أثناء مسيرة الكالي-يوغا، لم يكن لها سوى تأثير محدود؛ ما هو جديد، هو تعميم مثل هذه التصوّرات كما نلاحظه في الغرب المعاصر.

تجب الإشارة، أيضاً إلى أنّ «فلسفات التّحوّل» وتحت تأثير الفكرة الجديدة جدّاً لـ «التقدّم» أخذت لدى المحدثين صورة خاصّة، لم تكن النظريّات التي هي من النوع نفسه قد أخذتها البتّة لدى القدماء: هذه الصورة، علاوة على أنّها قابلة لتشكّلات

(56)

عديدة، هي ما يمكن أن نُطلق عليه، بشكل عامّ، اسم «التطوّرية» (evolutionnisme).

لن نعود إلى ما سبق أن قلناه عن هذا الموضوع؛ إنّما نذكّر فقط بأنّ أيّ تصوّر لا يتبنّى سوى «التّحوّل» هو، بالضرورة، بناء على ذلك، تصوّر «طبيعانيّ» يستلزم إنكارا قطعيّا لما هو ما وراء الطبيعة، أي المجال الميتافيزيقي الذي هو مجال المبادئ الثابتة والخالدة. كما نُشير أيضاً بخصوص هذه النظريّات المعادية للميتافيزيقيا (antimetaphysiques)، إلى أنّ الفكرة البرغسونيّة عن «المدّة المحض» تتناسب تماماً مع هذا التشتّت في الآنيّة الذي كنّا قد تحدّثنا عنه أعلاه؛ إنّ الحدْس المزعوم، الذي يتشكّل على هذا المدّ الدائم للأشياء الحسيّة، بعيداً عن أن يكون وسيلة لمعرفة حقيقيّة، يُمثّل، في الواقع، الانحلال لأيّ معرفة مُمكنة.

.ما أنّه توجد هنا نقطة جوهريّة ينبغي ألاّ نترك حولها أي لبس، يقودنا ذلك إلى إعادة القول مرّة أخرى، بأنّ الحدس العقليّ (intuition intellectuelle)، الذي يتمّ من خلاله حصراً، الحصول على المعرفة الميتافيزيقيّة الحقيقيّة، هذا الحدس ليس بينه وبين الحدس الآخر الذي يتكلّم عنه بعضُ الفلاسفة المعاصرين أي تقاطع: فهذا الأخير هو بدقّة من نمط حسّيّ وتحت عقلي (infra-rationnel)، بينما الآخر، الذي هو العقل المحض (intelligence pure)، هو، بالعكس، فوق عقليّ (supra-rationnel). لكنّ المُحْدَثين الذين لا يعترفون بأيّ شيء فوق العقل في مجال التعقّل، لا يدركون حتى ما يمكن أن يكونه الحدس العقلي، بينما نجد أنّ عقائد العصرَين القديم والوسيط، حتى عندما لم يكن لها سوى طابع مجرّد فلسفيّ، وبالنتيجة لم تكن تستطيع أن تستحضر فعليّاً هذا الحدس، لم تكن أبعد من أن تعترف بشكل واضح بوجوده وتفوّقه على كلّ الملكات الأخرى.

لذلك لم نشهد أي «عقلانيّة» (rationalisme) قبل ديكارت؛ إن هذا أيضاً شيء

(57)

حديث بشكل خاصّ، وهو من جهة أخرى، مُتضامن مع «الفردانية» (individualisme) بشكل وثيق، بما أنها ليست شيئاً آخر سوى النفي لأي ملكة من النوع فوق-الفردي (supra-individuel). وطالما أنّ الغربيين مستمرّون بالتصلّب في تجاهل الحدس العقلي أو إنكاره، لن يكون باستطاعتهم الحصول على أي تقليد بالمعنى الحقيقي لهذه للكلمة، ولن يكون أيضاً بمقدورهم التوافق مع الأصيلين الممثلين الحقيقيّين للحضارات الشرقيّة التي يبدو فيها كلّ شيء معلّقاً على هذا الحدْس الثابت والمعصوم بذاته والذي هو نقطة الانطلاق الوحيدة لأي تطوّر يتناسب مع المعايير التقليديّة.

(58)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

العلم المقدّس والعلم الدنيويّ

SCIENCE SACREE ET

SCIENCE PROFANE

(59)
(60)

 

العلم المقدّس والعلم الدنيويّ

SCIENCE SACREE ET

 SCIENCE PROFANE

 

لقد قلنا أنّ الحدس العقليّ، في الحضارات التي لديها الطابع التقليدي، هو مبدأ كلّ شيء، وبكلام آخر، إنّ المذهب الميتافيزيقيّ الخالص هو الذي يُشكّل ما هو جوهريّ، وكل ما عداه يرتبط به تحت عنوان النتائج أو التطبيقات لمختلف مستويات الوقائع الحادثة. إن هذا الأمر ينطبق بشكل خاصّ، على المؤسّسات الاجتماعيّة؛ ومن جهة أخرى، فإنّ الشيء نفسه صحيح أيضاً في ما يخصّ العلوم، أي المعارف المتعلّقة بمجال النسبيّ والتي لم يكن ممكناً ملاحظتها في مثل هذه الحضارات إلاّ كمجرّد متعلّقات، وبنوعٍ ما كامتدادات أو كانعكاسات للمعرفة المطلقة والمبدئيّة (نسبة إلى مبدأ / principielle). كذلك فإنّ الهرميّة الحقيقيّة ملحوظة دائماً وفي كلّ مكان: إن النسبيّ لا يُعدُّ البتّة غير موجود، فذلك عبثٌ، إنّه يؤخذ بعين الاعتبار في الحالة التي يستحقّ ذلك، لكن يوضع في مكانه الصحيح الذي هو ليس سوى مكان ثانوي وتابع؛ وفي هذا النسبيّ نفسه، توجد درجات مختلفة جدّاً، بحسب ما تتفاوت الأمور في بُعدها أو قربها من مجال المبادئ.

إذًا، في ما يخصّ العلوم، يُوجد تصوّران مختلفان جذريّاً بل وغير منسجمين في ما بينهما، ويمكننا أن نسمّيهما التصوّر التقليديّ والتصوّر الحديث؛ وكانت لنا غالباً فرصة للإشارة إلى هذه «العلوم التقليديّة» التي وُجدت في العصور القديمة وفي العصر الوسيط، والتي

(61)

ما زالت موجودة في الشرق، لكنّ الفكرة نفسها غريبة كليّاً بالنسبة للغربيّين المعاصرين. ونضيف بأنّ كلّ حضارة كانت لها «علوم تقليديّة» من نوع خاصّ، تنتسب إليها حصراً، لأننا هنا لم نعد البتّة في دائرة المبادئ الكونية التي ترتبط بها الميتافيزيقيا الخالصة، بل في نظام دائرة عمليات التكيّف، حيث، وإنْ تعلّق الأمر بمجالٍ حادث، يجب أن تؤخذ بالحسبان مجمل الشروط، العقليّة وغيرها، التي هي شروط لهذا الشعب المعنيّ، ونقول الشيء نفسه عن هذه الحقبة من وجود ذلك الشعب لأنّنا لاحظنا أعلاه وجود عصور أصبحت فيها «عمليات إعادة التكيّف» ضروريّة.

إنّ «عمليّات إعادة التكيّف» هذه ليست سوى تغييرات شكليّة لا تمسّ جوهرَ التقليدِ نفسه في شيء؛ بالنسبة للمذهب الميتافيزيقيّ، فإنّ التعبير وحده يمكن تعديله بكيفيّة مشابهة جدّاً لترجمة لغة إلى أخرى؛ مهما كانت الأشكال التي تتغلّف بها لكي تعبّر عن نفسها بقدر ما يكون ذلك ممكناً، فليس هناك قطعاً، سوى ميتافيزيقا واحدة، كما أنّه لا توجد سوى حقيقة واحدة. لكن عندما ننتقل إلى التطبيقات، نجد أن الحالة بطبيعتها مختلفة. فمع العلوم، وكذلك مع المؤسّسات الاجتماعيّة، نحن في عالم الشكل والتعدّد؛ لذلك يمكننا القول أنّ أشكالاً أخرى تُكوِّن، حقّاً، علوماً أخرى، حتى وإن كانت تتناول الموضوع نفسه ولو جزئيّاً.

لقد اعتاد المناطقة على النظر إلى أيّ علم باعتباره معرَّفاً، كليّاً، بموضوعه، ما هو غير صحيح لمبالغته في التبسيط، إن وجهة النظر التي تتمّ من خلالها ملاحظة الموضوع يجب أن تدخل أيضاً في تعريف العلم. فهناك كثرة غير محدّدة من العلوم الممكنة؛ وقد يحصل أنّ علوما عديدة تدرس الأشياء نفسها، إنّما من جوانب مختلفة، وبالتالي بمناهج وغايات مختلفة أيضاً، بدرجة توجب اعتبارها علوماً متمايزة فعلاً. هذه الحالة، يمكن أن تعرض بالخصوص «للعلوم التقليديّة» لمختلف الحضارات التي هي، مع قابليتها للمقارنة في ما بينها إلاّ أنّها ليست متماثلة دائماً، وغالباً ما يُشارُ إليها، تعسفيَّاً، بالأسماء نفسها.

(62)

إنّ الفارق بينها هو أكبر «ممّا ذكرناه»، وهذا أمر مفروغ منه، لو أنّنا، بدلاً من إقامة مقارنة بين «علوم تقليديّة» لديها على الأقلّ السّمة الأساسيّة نفسها، نريد أن نقارن بشكل عام بين هذه العلوم وبين العلوم كما يفهمها المُحدَثون؛ من النظرة الأولى، يبدو أحياناً أنّ الموضوع هو نفسه من هذا الجانب أو ذاك، ومع ذلك فإنّ المعرفة التي يعطيها كِلا النّوْعَيْن من العلوم على التوالي حول ذلك الموضوع هي جِدُّ مختلفة بحيث نتردّد، بعد تدقيقٍ أعمقَ، في تأكيد تطابقها حتى من زاوية واحدة فقط من زوايا العلاقة بينهما.

لن يكون من غير المفيد ذكر بعض الأمثلة من أجل تفهيم أفضل لهذا الأمر: وبادئ ذي بدء، سنأخذ مثالاً ذا تأثير واسع جدّاً، إنه مثال «الفيزياء» كما فهمه الأقدمون والمُحْدَثون؛ ولن نكون بحاجة للخروج في هذه الحالة من العالم الغربيّ لكي نلاحظ الفرق العميق الذي يفصل التصورين. إن كلمة «فيزياء» في دلالتها الأولى والاشتقاقيّة لا تعني شيئاً آخر غير «علم الطبيعة» من دون أي تقييد؛ إنّه إذًا العلم الذي يختصّ بالقوانين الأعمّ لـ «الصيرورة» (devenir)، لأنّ «طبيعة» و«صيرورة» هما في العمق مترادفان في علم الفيزياء، وهذا هو ما فهمه اليونانيّون، وخصوصاً أرسطو؛ وإذا ما وجدت علوم أخصّ تتعلّق بالمجال نفسه، فهي ليست سوى «عمليات تخصيص» (specifications) للفيزياء لهذا المجال أو ذاك، المحدّد بشكل أدقّ. إذن، هناك شيءٌ ما ذو دلالة أكيدة في ما يخصّ الانحراف الذي ألحقه المُحدَثون بهذه الكلمة «فيزياء» باستخدامها لتشير، حصريّا، إلى علم معيّن من بين علوم أخرى هي كلّها أيضاً علومٌ للطبيعة؛ إنّ هذا الأمر يتعلّق بالتجزيء الذي أشرنا إليه كواحد من ميزات العلم الحديث، ولهذا «التخصّص» (specialisation) الذي ينتجه التحليل، والذي دُفِع إلى حدٍّ أفقد أولئك الذين خضعوا لتأثيره أي قابليته لإدراك العلم الذي يتناول الطبيعة ككل.

لقد لاحظنا في، أحيان كثيرة، بعض السيئات لهذا «التخصّص» ولا سيّما ضيق الرؤى الذي هو نتيجة حتميّة له؛ لكن يبدو أنّ الذين التفتوا إليه وبأوضح ما يكون، هم أنفسهم قد سلّموا، مع ذلك، بالأمر عبر النظر إليه كشرّ ضروريّ، بذريعة أنّ ذلك يُمكِّن من مراكمة

(63)

معارف تفصيلية لا يقدر أي فرد من البشر على استيعابها بنظرة واحدة؛ فهم، من جهة، لم يفهموا أنّ المعارف التفصيلية هي تافهة في ذاتها ولا تستحق أن تُخصَّص لها معرفة تركيبية، هي ذات مستوى أرفع بكثير، حتى وإن اكتفينا بما هو نسبيّ، ومن جهة أخرى، هم لم يفهموا أنّ استحالة توحيد الكثرة، التي نواجهها، هي نابعة من حالة المنع من ربط تلك المعارف التفصيلية بمبدأ أسمى، أي من الإصرار على العمل انطلاقاً مما هو في الأسفل، ومن الخارج. بينما كان من الواجب فعل العكس تماماً لكي نحصل على علم يحمل قيمة تأمليّة حقيقيّة.

إذا أردنا أن نقارن الفيزياء القديمة، لا بما يعنيه المُحدَثون بهذا بالكلمة نفسها، بل بمجمل علوم الطبيعة كما هي مُشكّلة حاليّاً، لأنّ هذا هو الذي ينبغي أن يتلاءم معها في الواقع، لأمكننا، إذاً، أن نلاحظ، كفارقٍ أوَّل، تجزّؤها إلى العديد من «الاختصاصات» التي هي، تقريباً، غريبة بعضها عن بعض. ومع ذلك، فهذا ليس سوى الجانب الخارجيّ للمسألة، وينبغي عدم التفكير أنّه بضمّ جميع هذه العلوم الخاصّة إلى بعضها البعض نحصل على ما يعادل الفيزياء القديمة.

الحقيقة هي أنّ وجهة النظر الصحيحة هي شيء آخرُ مختلف كليّاً عن هذا، وهنا نرى ظهور الفَرق الجوهريّ بين التصوّرين اللذين تحدّثنا عنهما قبل قليل: إذ سبق أنْ قلنا أنّ التصوّر التقليديّ يربط كلّ هذه العلوم بالمبادئ كما بالتطبيقات الخاصّة، وهذا الربط هو الذي لا يقبل به التصور الحديث.

إنّ الفيزياء بالنسبة إلى أرسطو، لم تكن سوى «ثانية» (seconde) بالمقارنة مع الميتافيزيقا، أي أنّها كانت تابعة لها، وهي، في العمق، لم تكن سوى تطبيق في مجال الطبيعة للمبادئ العليا المطبّقة على الطبيعة والتي تنعكس في قوانينها؛ ويمكننا قول الشيء نفسه عن «علم الكونيات» (cosmologie) في العصر الوسيط. وبالعكس من ذلك، فإنّ التصوّر

(64)

الحديث يزعم جعله العلوم مستقلّة، عبر إنكاره كلّ ما يتجاوزها أو، على الأقلّ، اعتباره «غير قابل للمعرفة» (inconnaissable) ورفضه أخذها بعين الاعتبار، وهذا ما يفضي إلى إنكارها عمليّاً؛ إن هذا الإنكار سبق أن ْوُجد، في الواقع، قبل التفكير بصياغته في نظريّة منظّمة تحت أسماء مثل «الوضعيّة» (positivisme) و«الغنوصيّة» (agnosticisme) بزمن طويل، لأنّ هذا الإنكار يمكن اعتباره نقطة البدء للعلم الحديث كلِّه. لكن، لم يحصل إلا في القرن التاسع عشر أن رأينا رجالاً يفتخرون بجهلهم، لأنّ من يُصرِّح أنه «غنّوصي».agnostique)هو ليس سوى جاهل، كما رأيناهم يطالبون بمنع الجميع من الوصول إلى المعرفة التي يجهلونها هم أنفسهم، إنّ هذا ما أثّر بشكل أكبر في الانحطاط العقلي للغرب.

إن التصوّر الحديث، ومن خلال رغبته في الفصل الجذريّ للعلوم عن أيّ مبدأٍ أعلى بذريعة تأمين استقلاليّتها، ينزع عنها أيّ دلالة عميقة، بل وكلّ فائدة حقيقيّة من منظور المعرفة، إنها لا يمكن أن تؤدي إلا إلى مأزق لأنّها تحصر تلك العلوم نهائياً في مجال محدود . إن التطوّر الذي يحصل في داخل هذا المجال ليس هو، مع ذلك، تبحّراً في المعرفة كما يُصوِّر البعض لنفسه، بل يبقى، على العكس من ذلك، سطحيّاً، ولا يتضمّن سوى هذا التشتت في التفصيل الذي سبق أن أشرنا إليه، في تحليل عقيم وشاق ويمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية من دون التقدّم خطوة واحدة في طريق المعرفة الحقيقيّة.

أيضاً، إن ما يجب قوله هو أنه نتج عن هذا الأمر أنّ الغربيين، بصورة عامّة، لا يُعلِّمون العلم إلا بمفهومه هذا: إنّ ما ينظرون إليه ليس معرفةً البتّة، ولا حتى معرفة دنيا، بل تطبيقات عمليّة، ومن يُرِد الاقتناع بذلك، ليس عليه سوى النظر إلى السهولة التي يخلط بها غالبيّة المعاصرين بين العلم والصناعة، وكم هم عديدون أولئك الذين يمثّل لهم المهندسُ نموذجَ العالِمِ نفسه؛ لكنّ ذلك يتصل بمسألة أخرى سوف نعالجها بشكل كامل لاحقاً.

إنّ العلم، وبالطريقة الحديثة التي تأسّس عليها، لم يخسر فقط في العمق، بل وأيضاً،

(65)

يمكننا القول، أنه قد خسر في رُسوخه لأن ارتباطه بالمبادئ كان قد جعله ينهل من ثباتها بالقدر الكامل الذي كان يسمح به موضوعه نفسه، بينما، بانغلاقه، حصريّاً في عالم التغيّر، لم يعد هذا العلم يجد شيئاً من الثبات، ولا أي نقطة ثابتة يستطيع الارتكاز عليها؛ كما أنّه بعدم انطلاقه من أي يقين مطلق، اُختُزل في احتمالات وتخمينات، أو في بناءات محض افتراضيّة ليست سوى عمل مخيّلة فرديّة.

كذلك، حتى وإن حصل عرضيّاً أن توصّل العلم الحديث بطريق ملتوية جدّاً، إلى نتائج معيّنة تبدو متوافقة مع بعض معطيات «العلوم التقليديّة» القديمة، فسوف يكون من الخطأِ الجسيم أن نرى فيها تأكيداً لا تحتاجه تلك المعطيات البتّة؛ وسيكون تضييعاً للوقت أيُّ إرادة لمصالحة وجهات نظر متضاربة بشكل تامّ، أو إقامة توافق مع نظريّات افتراضيّة ربّما تجد نفسها وقد ثبت خطأُها بعد سنوات قليلة . إنّ هذه الأمور لا يمكنها، بالنتيجة، وفي ما يخصّ العلم الراهن، إلا أن تتعلق بمجال الفرضيّات، بينما هي، في تعلقها بـ «العلوم التقليديّة» كانت، فعلاً، شيئاً آخر، وكانت تبدو كما لو أنّها نتائج لا شكّ فيها لحقائق معروفة بشكل بديهي، ومن دون أدنى خطأٍ ضمن النظام الميتافيزيقيّ .

علاوة على ذلك، يوجد وهم فريد، خاص بـ «بالنزعة التجريبيّة» الحديثة، وهو الاعتقاد بأنّ نظريّةً ما يمكن البرهنة عليها من خلال الوقائع، بينما في الحقيقة، الوقائع نفسها يمكن تفسيرها أيضاً من خلال نظريّات عديدة مختلفة، وإنّ بعض المروّجين للمنهج التجريبيّ مثل كلود برنار اعترفوا هم أنفسهم بأنّهم ما كان بإمكانهم أن يفسروها إلاّ بالاعتماد على «أفكار مسبقة» بدونها تبقى هذه الوقائع «وقائع خام» مجردة من أي دلالة ومن أي قيمة علميّة.

وبما أنّنا تحدّثنا عن «النزعة التجريبيّة» فعلينا الاستفادة من هذا لكي نجيب عن سؤال يمكن أن يُطرح بخصوص هذا الموضوع وهو الآتي: لماذا تطوّرت العلوم التجريبيّة المحض في

(66)

الحضارة الحديثة تطوّراً لم تعرفه في باقي الحضارات؟ ذلك لأنّ هذه العلوم هي علوم العالم الحسّيّ، علوم المادّة، ولأنّها أيضاً هي التي تفسح المجال للتطبيقات العمليّة الأكثر مباشرة؛ فتطوّرها المترافق مع ما نسمّيه، بطيب خاطر، «خرافة الواقع» يتناسب مع الاتجاهات الحديثة بنوع خاص؛ بينما، وفي المقابل، لم تجد فيها العصور السابقة دوافع مصلحيّةً كافية للارتباط بها إلى درجة إهمال المعارف الأعلى درجةً. يجب أن يفهم الجميع جيّداً بأنّ الأمر لا يتعلّق أبداً، في فكرنا، بإعلان أنّ معرفةً ما، وإن كانت من درجة أدنى، هي غير مشروعة في ذاتها؛ إنّ ما هو غير مشروع، هو فقط التعسّف الذي ينتج عن كون أمور من هذا النوع تبتلع كلّ النشاط البشري، كما نلاحظ حاليّاً.

في أي حضارة طبيعيّة، يمكننا تصّور أن تكون العلوم التي تكوّنت بفضل المنهج التجريبي كما غيرها من العلوم مرتبطة بالمبادئ ومزوّدة بقيمة تأمليّة حقيقيّة؛ في الواقع، إذا لم يَبْدُ أنّ هذه الحالة قد برزت جَليّاً، فمعنى ذلك أنّ الانتباه كان موجّهاً أكثر إلى جانب آخر؛ كما أنّه، بينما كان الأمر يتعلّق بدراسة العالم الحسّيّ بالقدر الذي كانت معه هذه الدراسة تبدو مهمّة، كانت المعطيات التقليديّة تسمح بالقيام بهذه الدراسة بمناهج أخرى ومن وجهة نظر أخرى.

كنّا قد ذكرنا أعلاه أنّ إحدى ميزات عصرنا الراهن، هي الاستفادة من كلّ ما جرى إهماله إلى اليوم باعتباره ذي أهميّة ثانويّة لا يستحقّ أن يكرّس البشر نشاطهم من أجله، وأنّه مع ذلك كان يجب أن يتطوّر أيضاً قبل نهاية هذه الدورة، لأنّ هذه الأمور كانت لها مكانتها بين الإمكانيّات التي كانت مدعوّة للظهور؛ وهذه الحالة هي بالتحديد، وبصورة خاصّة، حالة العلوم التجريبيّة التي برزت في القرون المتأخرة. حتى أنّه توجد بعض العلوم الحديثة التي تمثّل حقاً، بالمعنى الأكثر حَرْفيّةً، «بقايا» لعلوم قديمة، غير مفهومة اليوم: وهو ذلك الجزء الأسفل من هذه العلوم الذي، بانعزاله وانفصاله عن الباقي في مرحلة انحطاطٍ، انغمس في الماديّة بشكل كبير، ما جعله يصبح نقطة انطلاق لتطوّر مختلف جدّاً باتجاه

(67)

متوافق مع النّزعات الحديثة، بحيث أدّى إلى تكوين علوم لا تملك، حقيقةً، أي قاسم مشترك مع العلوم التي سبقتها.

هكذا، على سبيل المثال، فإنّه من الخطإ القول، كما نفعل عادة، أنّ علم التنجيم والخيمياء (Al Chimie) قد تحوّلا تباعاً إلى عِلْم الفلك والكيمياء (Chimie) الحديثين، بالرغم من وجود جزء من الحقيقة في هذا الرأي من وجهة نظر تاريخيّة فقط، إنّه جزء من الحقيقة تماماً بالشكل الذي أوضحناه سابقاً: لو كانت هذه العلوم المتأخرة قد نجمت بالفعل عن الأولى بمعنى ما، فهذا ليس بسبب «تطوّر» أو «تقدّم» كما يُدَّعى، بل بالعكس، بسبب الانحلال، وهذا يستدعي أيضاً بعض التفسيرات.

يجب أن نلاحظ أوّلاً، بأنّ إسناد دلالتين مختلفتين لمصطلحي «علم التنجيم» (Astrologie) و«علم الفلك» (Astronomie) هو جديد نسبيّاً؛ فعند اليونانيين كانت هاتان الكلمتان تستعملان، من دون تمييز، للدلالة على مجمل ما يتمّ تطبيقه اليوم في المجالين..بدو إذاً، من النظرة الأولى، أنّ الأمر يرجع في هذه الحالة أيضاً إلى تلك التقسيمات «التخصيصيّة» التي ميزت بين فروع لم تكن، في ما مضى، سوى أجزاء من علم واحد؛ لكن، ما يميّز هذه الحالة، هو أنّه في الوقت الذي تطوّر فيه، بشكل مستقل، أحد هذين الجزأين، وهو الذي يمثّل الجانب الأكثر مادّيّة من العلم المذكور، نرى بالمقابل أنّ الفرع الآخر قد اختفى كلّيّاً.

إنّ ذلك الأمر صحيح، بدرجة أنّنا لم نعد نعرف اليوم ما كان يمكن أن يكون عليه علم التنجيم القديم، وأنّ أولئك الذين حاولوا إعادة تكوينه من جديد، لم يصلوا سوى إلى تزويرات حقيقيّة، سواء بمحاولتهم جعله معادلاً لعلم تجريبي حديث، مع تدخّل الإحصائيّات وحساب الاحتمالات، وهذا ما ينتج عن.جهة نظر، لا يمكنها بأيّ حال من الأحوال أن تكون وجهة نظر.لعصرين القديم أو الوسيط، أو انكبابهم حصريّاً على إنعاش

(68)

«فنّ عرافة» (Art divinatoire) هو ليس سوى انحراف عن علم التنجيم الموشك على الزوال، وحيث يمكننا أن نرى على أقصى.قدير تطبيقات دُنيا وقليلة الجدارة بالاهتمام، بينما لازال ممكناً ملاحظة ذلك.لأمر في الحضارات الشرقيّة.

وربّما تكون حالة الكيمياء أيضاً أكثر وضوحاً وتميّزاً؛ وبخصوص تجاهل المُحْدَثين لِحقّ الـخيمياء، فإنّه، على الأقل، بالمقدار نفسه لتجاهلهم لعلم التنجيم. إنّ الخيمياء الحقيقيّة كانت في جوهرها علماً ذا طابع كوزمولوجي (متعلق بعلم الكونيات)، وفي الوقت نفسه كان يمكن تطبيقه على المستوى البشريّ بفعل الشبه بين «الكون الأكبر» و «الكون الأصغر»؛ علاوة على ذلك، فإنّ علم الخيمياء كان قد تأسّس بشكل صريح بهدف السماح بتحوّل داخل المجال الروحيّ الصّرْف، الذي كان يمنح لتعاليمه قيمة رمزيّة ودلالة عليا، والذي جعل منه واحداً من النماذج الأكثر كمالاً لـ «العلوم التقليديّة».

إنّ ما أدّى إلى ولادة الكيمياء الحديثة ليس هو، البتّة، الخيمياء التي ليست للكيمياء، إجمالاً، أيُّ علاقة بها؛ فالأخيرة ليست سوى تشويه، إنّها انحراف بالمعنى الأكثر دقّة للكلمة، وهو انحراف أوجده، ربّما منذ العصر الوسيط، عدمُ الفهم من البعض الذين، لمّا لم يستطيعوا النفاذ إلى المعنى الحقيقيّ للرموز، أخذوا كلّ شيء بحرفيّته، والذين مع اعتقادهم أنّ الأمر في كل هذا لا يتعلّق إلاّ بالعمليّات الماديّة، انطلقوا في عمليّة تخريب مضطربة تقريباً. إنّهم هم أولئك الذين وصفهم الخيميائيّون، بشكل ساخر، بـ«النافخين» و«حارقي الفحم» الذين كانوا الملهمين الحقيقيين للكيميائيين المعاصرين؛ وهكذا يتأسّس العلم الحديث بالاعتماد على بقايا العلوم القديمة، بموادّ أهملتها تلك العلوم فتُرِكت للجاهلين ولـ «الدنيويّين» (profanes). نضيف أيضاً أنّ من يُسمَّون بالمجدّدين للخيمياء بما أنّ بعضهم ما زال موجوداً بين معاصرينا، لا يفعلون من جانبهم سوى إدامة الانحراف نفسه، كما أنّ أبحاثهم بعيدة عن الخيمياء التقليديّة بقدر بُعد المنجّمين الذين أشرنا إليهم قبل قليل عن علم التنجيم القديم؛ لذلك لدينا الحق بتأكيد أنّ «العلوم التقليديّة» الغربية قد أضاعها، حقيقة، المُحدَثون.

(69)

سنكتفي ببعض الأمثلة؛ من السهل مع ذلك تقديم أمثلة أيضاً مأخوذة من أنظمة أخرى مختلفة قليلاً، تبيّن كلّها الانحلال نفسه. يمكننا إظهار أنّ علم النفس كما نفهمه اليوم، أي دراسة الظواهر العقليّة كما هي، هو نتاج طبيعيّ للنزعة التجريبية الأنكلوسكسونيّة ولعقل القرن الثامن عشر، وأنّ وجهة النظر التي توافقها كانت عديمة الأهميّة بالنسبة للأقدمين إلى درجة أنّهم، إذا حصل أحياناً أن نظروا فيها عَرَضاً، فهم لم يخطر ببالهم أبداً أن يجعلوا منها علماً خاصّاً؛ بالنسبة لهم، كلُّ ما يمكن أن يكون له قيمة، على هذا الصعيد، كان قد نُقِل واْستُوْعِب في وجهات نظر أعلى.

وفي مجال مغاير تماماً، يمكننا أيضاً أن نبيّن أنّ الرياضيّات الحديثة لا تمثّل سوى قشرة بالنسبة لرياضيّات فيثاغورس وجانبَها «الظاهريَّ»المحض؛ بل إنّ الفكرة القديمة عن الأعداد قد أصبحت مبهمة تماماً عند المحدَثين، ذلك أيضاً بسبب أنّ الجزء العلوي من العلم الذي أعطاها، إلى جانب الطابع التقليديّ، قيمة عقليّة بحتة قد اختفى كليّاً؛ وهذه الحالة تشبه كثيراً حالة علم التنجيم.

لكن لا يمكننا أن نستعرض جميع العلوم الواحد تلو الآخر، لأنّ ذلك سوف يكون مُمِلاًّ جداً؛ نعتقد أنّنا قد قلنا ما فيه الكفاية لتبيين طبيعة التغيّر الذي كان في أساس نشأه العلوم الحديثة، والذي هو الضدّ التام لحقيقة «التطوّر»، إنّها إرتداد حقيقي عن العقلانيّة؛ وسوف يكون لنا عودة الآن إلى اعتبارات ذات طابع عامّ لدور كلٍّ من «العلوم التقليديّة» والعلوم الحديثة، حول الفارق العميق الموجود بين المصيرين الحقيقيّين لكلَيهما.

إنّ علماً ما، بحسب التصوّر التقليديّ، له قيمة أقلّ قي ذاته ممّا هو كامتداد أو كفرع ثانوي للعقيدة التي يتكوّن منها جزؤه الأساسيّ، كما ذكرنا، من خلال الميتافيزيقا الخالصة . فعلاً، إذا كان كلّ علم هو حقّاً مشروع، نظراً لأنّه لا يحتلّ إلاّ المكانة التي تناسبه حقيقةً بسبب طبيعته الخاصّة، فمع ذلك، يكون من السهل فهم أنّ المعارف الدنيا، بالنسبة لأيّ

(70)

إنسان يملك معرفة ذات طابع أعلى، تفقد بالضرورة كثيراً من فائدتها، بل ولا تحتفظ بها، إذا أمكن القول، إلاّ بقدر إرتباطها بالمعرفة المبدئيّة، أي، من جهة، بقدر ما تعكسها في هذا المجال الحادث أو ذاك، أو، من جهة أخرى، متى تكون قابلة لأن تؤدّي إلى هذه المعرفة المبدئيّة نفسها التي، كما في الحالة التي نواجهها، لا يمكن أن تغيب عن النظر ولا أن يُضحَّى بها لاعتبارات عرضيّة تقريبا.

إنّ هذين هما الدّوران المتكاملان اللذان يتعلّقان بصورة خاصّة بـ «العلوم التقليديّة»: من جهة، وكتطبيق للعقيدة، فهي تمكّن من ربط كل مراتب الواقع، ومن دمجها في وحدة التركيب الكلّيّ؛ ومن جهة أخرى، فهي بالنسبة للبعض على الأقلّ، وبالتلاؤم مع استعدادات هؤلاء، تهيئة لمعرفة أعلى، أي نوع من التوجيه نحو هذه الأخيرة، وفي إطار توزيعها الهرميّ بحسب درجات الوجود التي تنتمي إليها، فإنّها تشكِّل، إذاً، ما يعادلها من درجات يمكن بواسطتها أن يرتفع الإنسان إلى مستوى العقلانيّة الخالصة ..نّه من الواضح جدّاً أنّ العلوم الحديثة لا يمكنها، في أي مرتبة كانت، أن تملأ لا هذا الدور ولا ذاك؛ ولهذا، فهي ليست ولا يمكنها أن تكون إلا من فئة «العلم الدنيوي»، بينما «العلوم التقليديّة» لارتباطها بالمبادئ الميتافيزيقيّة، هي مدموجة، بشكل فعليٍّ، في «العلم المقدّس».

إنّ تعايش الدورين اللذين أشرنا إليهما لا يعني لا تناقضاً ولا حلقة مفرغة، بعكس ما يمكن أن يظنّه أولئك الذين لا ينظرون إلى الأمور إلاّ بطريقة سطحيّة؛ وهذه أيضاً نقطة من الواجب التركيز عليها بعض الشيء. يمكننا القول أنّ هناك وجهتَيْ نظر، إحداهما نزولية والأخرى صعوديّة، تتوافق الأولى مع تطوّر المعرفة انطلاقاً من المبادئ وصولاً إلى التطبيقات التي تبتعد عنها شيئاً فشيئاً، وتتوافق الثانية مع اكتساب تدريجيّ لهذه المعرفة نفسها بمباشرة العمل من الأسفل إلى الأعلى، أو إن شئتم القول، من الخارج إلى الداخل.

 إنّ المشكلة إذاً، ليس حول معرفةِ ما إذا كان يتوجّب أن تكون العلوم مكوّنة من

(71)

الأسفل إلى الأعلى أو من الأعلى إلى الأسفل، أو حول معرفةِ ما إذا كان الأمر يستوجب، كي تكون هذه العلوم ممكنة، الانطلاق من معرفة المبادئ، أو على العكس، الإنطلاق من معرفة العالم المحسوس؛ إنّ هذه المشكلة التي يمكن أن تُطرح من وجهة نظر الفلسفة «الدنيويّة» والتي يبدو أنّها قد طُرحت في هذا المجال، بشكل متفاوت الوضوح، في العصر اليونانيّ القديم، هذه المشكلة غير موجودة، كما قلنا، بالنسبة إلى «العلم المقدّس» الذي لا يمكنه الانطلاق إلاّ من مبادئ عامّة؛ وما ينزع عن المشكلة هنا أي مبرّر للوجود، هو الدور الأوليّ للبديهة العقليّة التي هي الأكثر مباشرة بين كلّ المعارف، والتي هي كذلك العليا والمستقلّة بشكل مطلق عن تعليم أيِّ قوة ذات طابع حسّيّ أو حتى عقليّ.

إنّ العلوم لا يمكن أن تتأسس بصورة صحيحة، كـ «علوم مقدّسة» إلاّ من قِبَل أولئك الذين يملكون بشكل كامل، وقبل أيّ شيء، المعرفة المبدئيّة (connaissance principielle)، والذين هم بذلك الوحيدون المؤهَّلون لتحقيق كلّ عمليات التكييف التي تتطلّبها ظروف الزمان والمكان، وذلك بما يتناسب مع الأصوليّة (orthodoxie) التقليديّة الأكثر تشدّداً. فقط، عندما تتكون العلوم بهذا الشكل، يمكن لِتعليمِها أن يتّبع مساراً معاكساً لما هو سائد حاليّاً: إنّها، نوعاً ما، «تجلّياتٌ» للعقيدة الخالصة، قادرةٌ على جعلها قابلةً للفهم بسهولة أكبر من قِبَل بعض الأذهان؛ وبالذات لكون هذه العلوم تخصّ عالم الكثرة، فإنّ التعدد غير المحدود لوجهات نظرهم يمكن أن يتلاءم مع التعدد الذي لا يقل حجماً للقابليات الفردية لهذه العقول التي لا زال أفقها محدوداً بعالم الكثرة نفسه؛ إنّ الطرق الممكنة للوصول إلى المعرفة يمكن أن تكون مختلفة جدّاً في المرتبة السفلى، ثمّ تنحو في ما بعد نحو التوحّد أكثر فأكثر، كلمّا أدركنا مستويات أعلى فأعلى.

لا يملك أيٌّ من هذه المراتب التحضيريّة ضرورة مطلقة، لأنّها ليست سوى وسائل ممكنة لا وجه للشبه بينها وبين الهدف المقصود؛ وقد يحدث أنّ البعض من أولئك الذين يهيمن عندهم الاتجاه التأمّليّ يرتفع إلى مستوى الحدس العقليّ دفعة واحدة ومن دون

(72)

الاستعانة بهذه الوسائل ؛ لكن هذه ليست سوى حالة استثنائيّة، والحالة الغالبة هي وجود ما يمكن أن نسمّيه ضرورة التوافق للسلوك في الاتجاه الصّعودي.

لكي نبيّن هذا الأمر لفهمه، يمكننا أيضاً الاستعانة يالصورة التقليديّة لـ «الدولاب الكونيّ»: فالدائرة لا توجد في الواقع إلاّ من خلال المركز؛ لكن على الكائنات التي هي على الدائرة الانطلاق منها حُكماً، أو بصورة أدقّ، من النقطة التي هي موجودة عليها في الدائرة، ثم اتباع الشعاع لكي تصل إلى المركز. عدا عن ذلك، فإنّه بفعل التناسب الموجود بين كلّ مراتب الواقع، فإنّ حقائق مرتبة سفليّة يمكن اعتبارها كرمز لحقائق المراتب العليا، ومن ثَمَّ، فهي تصلح لاستخدامها كـ «ركيزة» للوصول، قياسيّاً، لمعرفة هذه الأخيرة ؛ إن هذا ما يضفي على أيّ علم معنى أسمى أو «باطنيّ» أعمق من ذلك الذي يملكه بنفسه، وهو ما يمكن أن يمنحه سِمَةَ «علم مقدّس» حقيقيّ.

لنقل، أنّ كلّ علم يمكنه أن يأخذ هذا الطابع مهما كان موضوعه، بشرط وحيد وهو أن يكون مبنيّاً ومنظوراً إليه حسب الرّوح التقليديّة؛ بهذا الصدد من الضروري فقط أخذ درجات أهميّة هذه العلوم بالاعتبار، وذلك بحسب الترتيب الهرميّ للوقائع المختلفة التي ترتبط بها، لكن أيّا تكن درجة أيٍّ منها، فإنّ طابع هذه العلوم ووظيفتها تبقى هي نفسها، من حيث الجوهر، في التصوّر التقليديّ.

إن ما يصحّ هنا عن أيِّ علم، هو أيضاً صحيح عن أيِّ فنٍّ لِكوْن هذا الأخير يمكن أن يكون له قيمة رمزيّة ملائمة تجعله مهيَّأً لأن يقدّم «ركائز» للتأمل، وكذلك لكون قواعده انعكاساً وتطبيقاتٍ للمبادئ الأساسية تماماً كما هي حال القوانين التي تمثل معرفتها موضوعاً للعلوم؛ وهكذا نجد في كل حضارة طبيعيّة «فنوناً تقليديّة» ليست أقلّ مجهولية من قِبل الغربيّين المُحْدَثين ممّا هي عليه «العلوم التقليديّة» .

إنّ الحقيقة هي أنّه لا يوجد في الواقع «مجال دنيويّ» يتعارض بكيفيّة ما مع «مجال

(73)

مقدّس»؛ توجد هناك فقط «وجهة نظر دنيويّة» هي ليست سوى وجهة نظر الجهل.ذلك، وكما سبق أن ذكرنا، يمكن أن يُنظر إلى «العلم الدنيوي» الذي هو علم المُحْدَثين كـ «معرفة جاهلة»: معرفة من مستوى سفليّ تقف بكليّتها على مستوى الحقيقة الدنيا، إنّها معرفة تجهل كلّ ما يتجاوزها، إنّها جاهلة بكلّ غاية أسمى منها كما بكلِّ مبدأٍ يمكنه أن يؤمّن لها مكانة شرعية، ولو متواضعة، من بين مختلف مراتب المعرفة الكاملة؛ إن العلم الدّنيوي، بانغلاقه نهائياً في المجال النسبي والمحدود، حيث أراد إظهار نفسه مستقلاً، حارماً نفسه بذلك من أي تواصل مع الحقيقة المتعالية ومع المعرفة العليا، إنّ العلم الدنيوي، بواقعه هذا لم يعد سوى علم عبثيّ ووهميّ، لا يأتي، في الحقيقة، من شيء ولا يُؤدّي إلى شيء.

سوف يتيح لنا هذا العرض فهم كلّ ما ينقص العالم الحديث من جهة العلم، وكيف أن هذا العلم الفخور به الغرب لا يُمثل سوى مجرّد انحراف، وشِبْهَ حثالةٍ للعلم الحقيقيّ الذي، بالنسبة إلينا، يتماهى كليّاً مع ما أسميناه «العلم المقدّس» أو «العلم التقليديّ». إنّ العلم الحديث المنبثق من تحديد تعسّفيّ للمعرفة في مرتبة معيّنة خاصّة، والتي هي أسفل من كلّ المراتب، ألا وهي مرتبة الواقع المادّيّ أو الحسيّ، إن هذا العلم قدْ فقدَ، بفعل التحديد والآثار التي خلّفها بشكل مباشر، أي قيمة عقلية، على الأقلّ في ما لو أعطينا للعقلانيّة (intellectualite) كمال معناها الحقيقيّ، إذا ما رفضنا المشاركة في الخطأِ «العقلانيّ» (rationaliste)، أي تشبيه العقل المحض (intelligence pure) بالعقل (raison)، أو بكلام آخر، نفي الحدس العقليّ.

إنّ ما هو في جوهر هذا الخطأِ، كما في جزء كبير من الأخطاء الأخرى الحديثة، وما هو في أصل كلّ انحراف عن العلم كما سبق أن بيّناه، هو ما يمكن أن نسمّيه «الفردانيّة» (individualisme) التي تمثّل شيئاً واحداً مع العقل المُعادي للتقليد (ضدّ التقليديّ / anti-traditionnel) نفسه، والتي تشكّل تجلّياتها المتعدّدة، في جميع المجالات، أحد العوامل الأكثر أهميّة في فوضى عصرنا الراهن؛ وهذه «الفردانيّة» هي ما يجب علينا، الآن أن نتفحّصه عن قرب.

(74)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الفردانيّة

L'INDIVIDUALISME

(75)
(76)

 

الفردانيّة

L'INDIVIDUALISME

 

إن ما نعينه بكلمة «فردانيّة» (individualisme) هو الإنكار لأي مبدأٍ أعلى من الفرديّة (individualite)، ما يؤدِّي بالتالي إلى اختزال الحضارة، في مجالاتها كلّها، بالعناصر الإنسانيّة المحض؛ إنها تعني، إذاً، في جوهرها الشيء نفسه الذي كانت تعنيه، في عصر النهضة كلمة «إنسانويّة» (humanisme) كما أسلفنا ذكره، وهذا أيضاً ما يميّز، بالضبط، ما كنّا قد أسميناه سابقاً «وجهة النظر الدنيويّة». وكلّ هذا، إجمالاً، ليس سوى شيء واحد هو نفسه بتسميات متعددة؛ وقد سبق أن قلنا أنّ هذه العقليّة «الدنيويّة» (esprit profane) تختلط مع العقليّة المعادية للحداثة (esprit anti moderne) التي تتلخّص فيها كل الاتجاهات الحديثة بنوع خاص. ومن دون شكّ، هذا لا يعني أنّ هذه العقليّة جديدة بالكامل؛ فقد وُجدت، في عصور سابقة، تجلياتٌ لها تتفاوت في بروزها، لكنّها محدودة وشاذّة ولم تنتشر أبداً على المساحة الكاملة لحضارة معيّنة كما انتشرت في الغرب خلال القرون السابقة.

إنّ ما لم نشهده، البتّة حتى الآن، هو حضارة مؤسَّسة بكاملها على شيء سلبيّ خالص، أو على ما يمكن أن نسمّيه غياباً للمبدإ؛ إن هذه بالتحديد ما يعطي للعالم الحديث طابعه الشاذّ، ممّا يجعل منه نوعاً من التشوّه الذي لا يمكن تفسيره إلاّ إذا ما نظرنا إليه باعتباره متوافقاً مع نهاية مرحلة دوريّة بحسب ما شرحناه آنفاً.

إذن، إنّ الفردانيّة، كما عرّفناها للتوّ، هي السبب الحاسم للانحطاط الراهن للغرب، من جهة كونها، نوعاً ما، المحرّك للتطوّر الحصريّ للإمكانيّات السفلى للإنسانيّة، تلك التي لا يتطلّب

(77)

توسّعها تدخّل أيّ عنصر فوق بشريّ، والتي لا يمكنها حتى أن تنتشر بصورة كاملة إلاّ بغياب مثل هذا العنصر لأنّها على الطرف النقيض لأيّ روحانيّة وأيّ عقلانيّة حقيقيّة.

إن الفردانيّة تعني، أوّلاً، إنكار الحدس العقليّ، لكون هذا الأخير، أساساً، ملكة فوق-فردية. (supra-individuelle)، وكذلك إنكار مرتبة المعرفة التي هي المجال الخاص بهذا الحدس، نعني بذلك الميتافيزيقا بمعناها الحقيقي. لذلك، فإنّ كلّ ما يقصده الفلاسفة المُحدَثون بهذه التسمية نفسها «للميتافيزيقا»، عندما يَقبلون شيئاً يطلقون عليه هذه التسمية، ليس بينه وبين الميتافيزيقا الحقيقيّة أيُّ قاسم مشترك: إنّها ليست سوى بناءات عقليّة أو فرضيّات خياليّة، وبالتالي، فإنها تصورات فرديّة محض، ويتعلق أغلبها، علاوة على ذلك، بكل بساطة، بالمجال الفيزيائي أي بالطبيعة.

حتى وإن صادفنا، هناك، سؤالاً يمكن أن يتعلّق فعلاً بالنظام الميتافيزيقيّ، فإنّ الكيفيّة التي يُنظر بها إليه وتجري معالجته بها تختزله كذلك في عدم كونه سوى «ميتافيزيقا كاذبة» (pseudo-metaphysique) وتجعل، مع ذلك، أي حلّ حقيقي وصحيح، مستحيلاً؛ بل يبدو أنّ الأمر بالنسبة للفلاسفة يتعلّق بطرح «مشكلات» مصطنعة ووهميّة أكثر من البحث عن حلّها، ما يشكّل أحد المظاهر للحاجة المشوّشة للبحث من أجل البحث، أي للإثارة الأشد عبثيّة على مستوى العقل كما على مستوى الجسد.

إن الأمر يعني، أيضاً بالنسبة لهؤلاء الفلاسفة، ربط اسمهم بـ «منظومة» (systeme) أي بمجموعة من النظريّات محدودة ومحصورة بصرامة، هي لهم ولا تكون إلا من عملهم الخاص؛ من هنا الرغبة في أن يكون المرءُ أصيلاً (original) بأي ثمن، حتى وإن وجب التضحية بالحقيقة من أجل هذه الأصالة: الأفضل بالنسبة لفيلسوفٍ ما، لأجل سمعته، أن يُلفِّق خطأً جديداً من أن يكرّر حقيقة سبق أنْ عبّر عنها الآخَرون.

إنّ هذا الشكل من الفردانيّة الذي يَدين له المُحدَثون بكمّ من «المنظومات» المتناقضة في ما بينها، لمّا لا تكون متناقضة في ذواتها، إنّ هذا الشّكل يُعثَر عليه أيضاً عند العلماء والفنّانين

(78)

المحدَثين؛ ولكن، ربّما، عند الفلاسفة نستطيع أن نرى، بأجلى صورة، الفوضى العقليّة والفكريّة التي هي نتاج هذه الفردانيّة.

من غير المعقول، تقريباً، في حضارة تقليديّة، أن يعلن إنسان المطالبة بملكيّة فكرة ما، وفي كلّ الأحوال إذا ما فعل ذلك فسوف ينزع عن نفسه كلّ مصداقيّة وكلّ سلطة، لأنّه سوف يختزل فكرته تلك في مجرّد ابتكار (fantaisie) فاقدٍ لأيّ أهمية واقعية: إذا كانت فكرةٌ ما صحيحةً، فإنها ملك بالتساوي لكلّ أولئك الذين يستطيعون فهمها؛ وإذا كانت خاطئة، فإنّ ابتكارها لا يمنح مجداً لمن يعلن ذلك.

أيّ فكرة صحيحة لا يمكنها أن تكون «جديدة» لأنّ الحقيقة ليست نتاجاً للفكر الإنسانيّ، إنّها موجودة بشكل مستقلّ عنّا، ولا نملك إلا أن نعرفها؛ وخارج هذه المعرفة لا يوجد إلاّ الخطأ؛ لكن في الجوهر، هل يهتمّ المُحدَثون بالحقيقة أيضاً، هل يعلمون حتى ما هي؟ هنا أيضاً فقدت الكلمات معناها، لأنّ البعض، مثل «البراغماتيين» المعاصرين، يذهبون إلى حدّ التّعّسف باعطاء اسم «الحقيقة» إلى ما هو، ببساطة، الفائدة العمليّة، أي إلى شيءٍ ما غريب كليّاً عن المستوى العقليّ؛ إن هذا كَمَآلٍ منطقيّ للانحراف الحديث، هو الإنكار الفعليّ للحقيقة، وكذلك للذكاء الذي تشكّل الحقيقةُ موضوعَه الخاصّ.

لنكفَّ عن الحدْس أكثر، ولْنَكْتفِ حول هذه النقطة بأن نشير أيضاً إلى أنّ نوع الفردانيّة الذي نحن بصدده هو مصدر الأوهام الخاصّة بدور «الرجال العظام»، أو كما يُدّعى أنهم كذلك؛ إنّ «العبقريّة» بالمعنى «الدنيويّ» هي في الواقع شيء غير ذي أهميّة، ولا يمكنها في أيّ حال من الأحوال أن تحلّ محلّ معرفة حقيقيّة.

وكوننا تحدثنا عن الفلسفة سوف نسجّل أيضاً ومن دون الدخول في كلّ التفاصيل بعضاً من نتائج الفردانيّة في هذا المجال: أولاها هي إنكار الحدس العقليّ (intuition intellectuelle)، ووضع العقل (raison) فوق كل شيء، وجعل هذه الملكة الإنسانيّة المحض والنسبيّة الجزءَ الأعلى للذكاء، أو اختزاله فيها؛ وهذا ما يشكّل «العقلانيّة» (rationalisme) التي أسّسها

(79)

ديكارت. إن هذا التحديد للذكاء لم يكن إلا خطوة أولى؛ ولم يتأخّر العقل (raison) نفسه عن أن يجري تخفيضه أكثر فأكثر ليلعب دوراً عمليّاً بالخصوص، كلما كانت التطبيقاتُ تتجاوز العلومَ التي كان يمكنها بعدُ أيضاً أن تحتفظ بِطابعٍ تأمّليٍّ؛ وكان ديكارت نفسه، في الأساس، منشغلاً بهذه التطبيقات العمليّة أكثر من انشغاله بالعلم المجرّد.

لكن، ليس هذا كلّ شيء: الفردانيّة أنتجت، ضرورة، «الطبيعانيّة» (naturalisme)، لأنّ كلّ ما هو فوق الطبيعة هو، لهذا السبب، خارج متناول الإنسان كما هو؛ إنّ «الطبيعانيّة» أو إنكار الميتافيزيقا ليسا سوى شيء واحد، ومن اللحظة التي يصبح فيها الحدس العقلي غير مقدَّر، ينتفي وجود أي ميتافيزيقا ممكنة؛ لكن، وبينما يتشبّث البعض بالرغم من ذلك ببناء «ميتافيزيقا كاذبة» (pseudo-metaphysique)، يعترف البعض الآخر بشكل أكثر صراحة بهذه الاستحالة؛ من هنا «النسبيّة» (relativisme) بكلّ أشكالها، سواء كانت «نقديّة» (criticisme) كانط أو «وضعيّة» (positivisme) أوغست كونت؛ إنّ العقل (raison)، لكونه في ذاته نسبيّاً تماماً، ولكونه غير قابل للتطبيق الصحيح إلا على مجال نسبيّ أيضاً، يكون صحيحاً جدّاً القول بأن «النسبيّة» هي المآل المنطقي الوحيد للعقلانيّة.

 إنّ هذه العقلانيّة، كان يجب، من هناك أن تصل إلى تدمير نفسها: فـ «الطبيعة» و«الصيرورة» كما سبق أن ذكرنا أعلاه، هما في الواقع مترادفان؛ إنّ طبيعانيّةً منسجمةً مع منطقها لا يمكنها إذاً إلاّ أن تكون واحدة من «فلسفات الصيرورة» (philosophies du devenir) التي تحدّثنا عنها، ونموذجها الحديث بصورة خاصّة هو «التطوّريّة» (evolutionnisme)؛ ولكن هذه بالتحديد التي كان يجب أن تنقلب في النهاية ضدّ «العقلانيّة»،عندما نسبت للعقل عدم قدرته على ممارسة فعله بشكل ملائم إلاّ على ما هو تغيّر وكثرة خالصة، وكذلك عدم قدرته على استيعاب التعقيد غير المحدود للأشياء الحسيّة. إنّ هذا هو الموقفُ الذي يأخذه هذا الشكل من «التطوّريّة» الذي هو«الحدسيّة» (intuitionnisme) البرغسونيّة، التي هي ليست أقلَّ فردانيّة وأقلَّ عداءً للميتافيزيقا من «العقلانيّة»، والتي، وإن كانت تنتقد هذه العقلانيّة فعلاً، فإنها تهوي بَعْدُ إلى أسفل باستحضار ملكة تحت-عقلانيّة (infra-rationnelle)، بل تهوي،

(80)

علاوة على ذلك، إلى حدس حسّيّ سيّء التحديد جدّاً، وممزوج، بنسبة ما، بشيءٍ من الخيال ومن الغريزة ومن العاطفة.

إنّ الشيء ذا الدلالة الكبرى، هو أنه لم تعد الحقيقة هي التي تهمّ هنا، بل فقط «الواقع» الذي اُختُزِل حصريّاً بالنظام الحسّيّ، وصُمِّمَ كشيء هو في جوهره متحرّك وغير ثابت؛ إنّ الذكاء بالنسبة إلى هذه النظريّات قد اُختُزِل حقيقة في جزئه الأسفل، والعقلُ (raison) نفسُه لم يَعُدْ مقبولاً إلا بمقدار تطبيقه لتكييف المادّة لصالح استخدامات صناعيّة.

بعد كلّ ما سبق، لم يعد هناك إلاّ خطوة واحدة: إنّها الإنكار التامّ للذكاء والمعرفة، استبدال «المنفعة» بـ«الحقيقة»؛ إنّ تلك هي «البراغماتيّة» التي أشرنا إليها قبل قليل؛ وهنا، لم نعد في المجال الإنسانيّ المحض كما هي الحال مع «العقلانيّة»، بل نحن في الحقيقة في المجال دون الإنسانيّ (infra-humain)، مع استحضار الدُّووَعْي.لذي يؤشّر إلى انقلاب كامل لكل تراتبية عاديّة.

تلك هي، في خطوطها الكبرى، المسيرة التي كان يجب أن تتّبعها والتي اتبعتها فعليّاً الفلسفة الدنيويّة المطلقة العنان، راغبةً في حصر كل معرفةٍ في أفقها الخاصّ. طالما كانت هناك معرفةٌ عليَا لم يكن ممكنًا لأيِّ أمرٍ مشابهٍ أن يحدث، لأنّ الفلسفة كانت على الأقلّ ملزمةً باحترام ما كانت تجهله وتعجز عن إنكاره؛ لكن عندما اختفت تلك المعرفة العليا، تمّت صياغة إنكارها، الذي كان متوافقاً مع واقع الحال، في نظريّة، ومن هنا نشأت كلّ الفلسفة الحديثة.

لكن هذا يكفي حول الفلسفة التي لا يجدر أن ننسب إليها أهميّة مفرطة، مهما كانت المكانة التي يظهر أنّها تحتلّها في العالم الحديث؛ فهي، من الزاوية التي ننظر منها مهمّة، وخاصّة من حيث هي تعبّر بشكل تقريري واضح جدّاً عن الاتجاهات السائدة في هذه الفترة أو تلك، أكثر من كونها هي التي تبدعها بالحقيقة؛ وإذا أمكن القول أنّها تقودها إلى نقطة ما، فليس ذلك إلا بصورة ثانويّة وبعد انتهاء الأمر.

(81)

وهكذا، فإنّ الأكيد أنّ كلّ الفلسفة الحديثة تجد أصلها عند ديكارت؛ لكنّ التأثير الذي أحدثه في عصره أوّلاً، ثمّ في العصور اللاحقة، والذي لم يقتصر على الفلاسفة فقط، ما كان يمكنه أن يكون مؤثراً لو لم تكن تصوراته تتناسب مع اتجاهات سابقة الوجود، والتي كانت بالمجمل تصورات عموم المعاصرين له؛ إن العصر الحديث قد وجد نفسه في الديكارتيّة، ومن خلالها تكوّن له من نفسه وعي أوضح ممّا حصل عليه حتى ذاك الوقت.

زد على ذلك، في أيّ مجالٍ كان، نؤكد على أن حركةً ما، واضحة بالقدر الذي كانت عليه الديكارتية من الناحية الفلسفيّة، هذه الحركة هي دائماً نتيجةٌ بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق حقيقيّة. إنها ليست شيئاً تلقائيِّاً، بل هي نتاج عمل ضخم كامن ومنتشر؛ إذا كان رجُلٌ مثل ديكارت ممِثّلاً، بإمتياز للانحراف الحديث، وإذا أمكن القول أنّه يجسّدها نوعاً ما بحسب وجهة نظر معيّنة، فهو مع ذلك ليس الوحيد ولا المسؤول الأوّل، وينبغي الرجوع كثيراً جدّاً في الزمن لنعثر على جذور هذا الانحراف.

كذلك، إنّ النهضة والإصلاح، اللذين يُنظر إليهما غالباً على أنهما الظاهرتين الكُبْريَيْن الأُوليَيْن للعقل الحديث، كانتا قد أتمَّتا القطيعة مع التقليد أكثر من كونهما قد أحدثتاه؛ بالنسبة إلينا، كانت بداية هذه القطيعة في القرن الرابع عشر، وهناك، لا بعد قرن أو قرنين، يجب واقعاً التأريخ لبداية الأزمنة الحديثة.

إنّ هذه القطيعة مع التقليد هي التي يجب أن نلحّ عليها أكثر، بما أنها هي التي أنجبت العالم الحديث، الذي يمكن تلخيص كلّ الميزات الخاصّة به بواحدة هي معارضة الفكر التقليديّ وإنكار التقليد، إنّها، بَعْدُ، الفردانيّة. وهذا، فضلاً عن ذلك، يتوافق تماماً مع ما سبق، لأنّ الحدس العقليّ والمذهب الميتافيزيقيّ الخالص هما، كما سبق أن شرحناه، مبدأ كلّ حضارة تقليديّة؛ وما دام يوجَدُ إنكارٌ للمبدأِ، يوجد إنكار لكل نتائجه، ولو بشكل ضمني، وهكذا فإنّ مجمل ما يستحقّ صدقاً اسم التقليد يصبح مقوّضاً بذاك السبب نفسِه.

وقد رأينا سابقاً ما حصل بهذا الخصوص في ما يتعلق بالعلوم؛ فلن نرجع إليه إذًا، وسوف

(82)

نعرض جانباً آخر من المسألة، حيث يمكن أن تكون تجليات العقل المعادي للتقليد (ضدّ التقليديّ /antitraditionnel ) أكثر وضوحاً، لأنّ الأمر يتعلّق هنا بتغيّرات أصابت مباشرة الجمهور الغربيّ نفسه. في الواقع، كانت «العلوم التقليديّة» في العصر الوسيط محصورة بنخبة ضيّقة بعض الشيء، وكان بعض هذه العلوم ميزة حصريّة لمدارسَ منغلقة جدّاً، مشكِّلة بذلك «مذهباً باطنيّاً» بالمعنى الأشدّ دقّة للكلمة؛ لكن، من جهة أخرى، وعلى المستوى الثانيّ فإنّ الجانب الثانوي للدين، أعني الأخلاق، هو الذي أخذ المكانة الأولى: من هنا كان انحلال «الأخلاقيّة» (moralisme) الواضح جدّاً في البروتستنتانية الحالية.

لقد حصلت هنا ظاهرة موازية لتلك التي أشرنا إليها بخصوص الفلسفة؛ إنّ الانحلال العقيديّ، وغياب العناصر العقليّة للدّين، قد سبّبا هذه النتيجة المحتومة: إن من انطلق من «العقلانيّة» (rationalisme) كان يجب أن يَسْقُطَ، حتماً، في «العواطفية» (sentimentalisme)، وإنما هي البلدان الانكلوساكسونية التي نجد فيها الأمثلة الأوضح.

لم يعد الكلام حول دين، ولو ناقصٍ ومشوَّهٍ، بل بكل بساطة، حول «تديّن»، أي تطلعات مُبهَمة لا يمكن تبريرها بأيّ معرفة حقيقية، ومع هذه المرحلة الأخيرة تتوافق نظريات كتلك المعروفة بـ «التجربة الدينيّة» لوليام جميس، الذي يذهب إلى حدّ القول بأنّ «الدُّووَعْي» (subconscient) هو وسيلة الانسان للدخول في تواصل مع الإلهيّ (divin). هنا تتّحد النتاجات الأخيرة للانحطاط الدينيّ والانحطاط الفلسفي: وهكذا تلحق «التجربة الدينية» بـ «البراغماتية»، التي باسمها يتّم الترويج لفكرة إله محدود كفكرة «أجدى» من فكرة إله لا متناه، لأنّنا نستطيع أن نتوجه نحوه بمشاعر مشابهة لتلك التي نتوجّه بها نحو إنسان عالي المقام؛ وفي الوقت نفسه، تمّ الوصول، عبر استحضار «الدُّووَعْي»، إلى الأرواحيّة (spiritisme) وكل «الأديان الكاذبة» (pseudo-religions) المميِّزة لعصرنا، والتي درسناها في مؤلفات أخرى.

من جهة أخرى، فإنّ الأخلاق البروتستانيتة، التي تنصّلت أكثر فأكثر من كل قاعدة عقائدية، قد انتهت، في تدنّيها، إلى حد التحول إلى ما يسمّى بـ «الأخلاق اللائكيَّة» التي يُعَدُّ من أنصارها

(83)

ممِثّلُو كلّ أنواع «البروتستانتيّة الليبراليّة»، تماماً مثل الخصوم السافِرين لكل فكرة دينيّة؛ في العمق، تهمين الاتجاهات نفسها عند الفريقين، والفارق الوحيد بينهم يكمن في كونهم يختلفون في درجة التظهير (التخريج) المنطقي (développement logique) لكل ما ينطوي عليه كل ذلك.

في الواقع، باعتبار أن الدين هو، بدقّة، شكل خاصّ من التقليد، فإن العقل المعادي للتقليد لا يمكنه أن يكون إلا معادياً للدين؛ يبدأ بتشويه الدّين، وعندَما يتمكّن، ينتهي بإلغائه كليّاً. إنّ البروتستانتية غير منطقيّة لأنّها، رغم اجتهادها لـ «أنسنة» الدّين، تُواصل الحفاظ، نظريّاً على الأقل، على عنصر فوق بشري هو الوحي؛ إنّها لا تجرؤ على الإيغال في الإنكار إلى منتهاه، لكنْ، بدفعها بالوحي في أتون كلّ النقاشات التي تمثّل نتيجة لتأويلات إنسانيّة صِرْفة، هي تنزل به، فعليّاً، إلى حدّ أن يصير، قريباً، شيئاً فاقداً لكل معنى؛ وعندما نرى أناساً، مع إصرارهم على تسمية أنفسهم «مسيحيين»، لم يعودوا حتّى يُقرّون بألوهية المسيح، فإنه من المسموح أنّ نعتقد أن هؤلاء، وبلا شكّ ربّما، هم أقرب كثيراً إلى الإنكار التّامّ (للمسيحيّة)، منهم إلى إنكار المسيحيّة الصحيحة.

من جهة أخرى، إن تناقضاتٍ كهذه يجب ألاّ تثير دهشتنا بإفراط لأنّها، في كل المجالات، هي أحد أعراض عصرنا، عصر الفوضى والحيرة، تماماً مثلما أن الانقسام المستمّر للبروتستانتيّة ليس سوى أحد المظاهر العديدة لهذا التشتت في خضم التعدّد، الذي، كما ذكرنا سابقاً، يوجد في كل مناحي الحياة وفي العلم الحديث. من ناحية أخرى، من الطبيعي أن تكون البروتستانتيّة، مع عقليّة الإنكار التي تحرّكها، قد ولّدت هذا «النقد» الهدّام الذي تحوّل، بوجوده في أيدي «مؤرخي الأديان المزعومين» إلى سلاح معركةٍ ضدَّ كلِّ دين، وهكذا فإن البروتستانتيّة، مع ادعائها عدم الاعتراف بأي سلطة سوى سلطة الكتب المقدّسة، قد ساهمت بقسط كبير في تدمير هذه السلطة نفسها، أي بالحدّ الأدنى من التقليد الذي لا زالت تحتفظ به؛ إنّ التمرّد على الروّح التقليديّة، إذا بدأ لا يمكنه أن يتوقّف في منتصف الطّريق.

(84)

يمكننا أن نقدّم، هنا اعتراضاً: ألم يكن ممكناً للبروتستانتيّة، وهي تنفصل عن المنظومة الكاثوليكية، ولكونها، خاصّة، تقبل الكتب المقدّسة، ألم يكن ممكناً لها أن تحْتفظ بالعقيدة التقليديّة الموجودة فيها؟ إنّ هيمنة «التفكير الحرّ» (libre examen) هي التي تُناقض، كليّاً، مثل هذه الفرضيّة، بما أنّها تسمح بكلِّ الابتكارات الفرديّة؛ من جهة أخرى، إن حفظ العقيدة يفترض وجود تعليم تقليدي مُنَظَّم، يضمن حفظ التأويل الأصولي (orthodoxe)، وفي الواقع، يتماهى، هذا التعليم في الغرب، مع الكاثوليكيّة.
بلا شك، يمكن أنْ توجَد، في حضارات أخرى، أطُرٌ تنظيميةٌ مختلفةٌ جدّاً عن هذه المنظومة التعليميّة، قادرةً على إنجاز الوظيفة المطلوبة تلك؛ لكنّ كلامَنا كان حول الحضارة الغربيّة، بظروفها الخاصّة. لا يحقّ لنا، إذاً، الترويج لفكرة أنّه، مثلاً، لا توجد في الهند أيّ مؤسّسة مماثلة للبابويّة: إن الحالة مختلفة كليّاً، أوّلاً لأنّ الأمر لا يتعلق بتقليد ذي شكل دينيّ بالمعنى الغربي لهذه الكلمة، بما يعني أن الوسائل التي تؤمِّن حفظ التقليد ونقله لا يمكن أن تكون هي نفسها في الفضاءين: الهندي والغربي، وأيضاً، لأن العقل الهندي، لكونه عقلاً مغايراً كليّاً للعقل الأوروبي، فإنّ التقليد، في الحالة الهنديّة يمكن أن تكون له، ومن ذاته، قدرة قد لا تكون متوفرة له، في الحالة الأوروبيّة، دون دعم من منظّمة محدّدة بشكل صارم جدّاً في تكوينها الخارجيّ.
لقد سبق منّا القول أنّ التقليد الغربي، منذ ظهور المسيحيّة، كان من الواجب أن يُلبَسَ شكلاً دينيّاً؛ لا يسمح ضيق المجال، هنا، بشرح كل الأسباب، التي لا يمكن فهمها، تماماً، دون اللجوء إلى أمور معقدة جدّاً؛ لكن يوجد، هنا واقع لا يمكننا تجاهله، ومن هنا فصاعداً يجب القبول أيضاً بكلّ النتائج المترتبة في ما يخصّ التنظيم المناسب لشكل تقليدي مماثل.
من جهة أخرى، من المؤكد جدّاً، كما ذكرنا أيضاً أعلاه، أنّه في الكاثوليكية، وَحْدَها، ظلّ ما تبقىّ من روح تقليديّة، ورغم كل شيء، قائماً في الغرب؛ هل هذا يعني أنه، هنا على الأقل، يمكن الكلام عن انحفاظ كامل للتقليد، في منجًى من كلِّ إضرار من العقل الحديث؟ للأسف، لا يبدو الأمر كذلك؛ أو لكي نكون أكثر دقة في كلامنا، إذا كانت وديعة التقليد لا تزال مَصونة بعدُ، وهذا 

(85)

أمر عظيم، فإنّه من المشكوك به جدّاً أن المعنى العميق لهذا التفكير ما زال مفهوماً حقّاً، حتى مِن نخبة قليلة العدَد، لو كانت موجودة لتجلىّ وجودها في فعل أو، بالأحرى، في تأثير لا نلحظه في أي مكان. إذًا، من المحتمل جدّاً أنّ الأمر يتعلق بما كنا قد أسميناه، طوَاعيّة، انحفاضاً في حالة الكمون، يسمح دائماً، لأولئك الذين سيكونون مؤهَّلين، أن يستعيدوا معنى التقليد، حتى ولو أن هذا المعنى ليس، حَاليّاً، محلّ وعيٍ من أحدٍ؛ ومن جهة أخرى أيضاً، توجد في العالم الغربي، خارج المجال الدينيّ، الكثير من العلامات والرموز، المتناثرة هنا وهناك، التي تأتي من العقائد التقليديّة القديمة، والتي يستمر حفظها دون فهم لها.

في حالات مماثلة، من الضروري أن يكون هناك تواصلٌ مع العقل التقليدي المفعَم بالحياة، من أجل إيقاظ ما هو غارق في نوعٍ من السُّبات، لاستعادة الفهم المفقود؛ ولْنكرّر أيضاً مرّة أخرى، إنّ هذا الأمر، بالذات، هو الذي سيحتاج فيه الغرب إلى معونة الشرق إذا كان يروم العودة إلى الوعي بتقليده الخاصّ.

 إنّ ما كنّا نقوله يتعلق، بدقّة، بالإمكانيات التي تحملها الكاثوليكية في ذاتها، طبقاً لجوهرها، بصورة دائمة وثابتة؛ هنا، وبالنتيجة، ينحصر تأثير العقل (esprit) الحديث، بالضرورة، بمنع أن تكون بعض الأشياء مفهومةً بشكل فعليّ، وذلك خلال فترة طويلة بعض الشيء. بالمقابل إذا كنّا نريد بكلامنا السابق عن الحالة الراهنة للكاثوليكية، أن نفهم الكيفيّة التي ينظر بها إليها معتنقوها أنفسهم، سنكون ملزمين بأن نلحظ فعلاً أكثر إيجابية من قبل العقل الحديث، إذا كانت هذه العبارة قابلة لأن نصف بها شيئاً هو، في الواقع، سلبيّ بشكل جوهريّ.

إن ما نقصده، بهذ الخصوص، ليس فقط حركات محدّدة، كفايةً، كتلك التي أطلقنا عليها، تحديداً، اسم «حداثة» (modernisme)، والتي لم تَعْدُ أن كانت محاوَلةً، أُحبِطت لحِسن الحظّ، لتسلّل العقل البروتستانتي إلى داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها؛ بل إنّها، بشكل خاصّ، عقليّةٌ أعمُّ من ذلك بكثير وأوسعُ انتشاراً وأصعبُ إدراكاً، وبالتالي هي أشدُّ خطورةً، لا سيّما وأنّ ضحاياها يفتقدون، غالباً، الوعْي بتأثيرها: يُمكن للمرء أن يعتقد، بصدق، أنّه متديّن مع كونه،

(86)

حقيقةً، غير متديّنٍ، كما يمكنه أن يقول عن نفسه أنّه «تقليدَوي» (tradionaliste) مع أنّه فاقد لأدنى معرفة بالعقل التقليدي الحقيقي، وهذا، بَعْدُ، أحدُ أعراض الفوضى العقلية (désordre mental) لعصرنا.

إنّ العقليّة (état d esprit) التي أشرنا إليها هي، قبل كل شيء، ذلك الأمر الذي يقوم، إن أمكن القول، على «تصغير» الدّين، على جعله شيئاً يوضع جانباً، يُكتفى بمنحه مكانة محدودة وضيّقة قدر الإمكان، شيئاً فاقداً لأي تأثير حقيقي على باقي جوانب الحياة، المعزولة بنوع من الفصل المطلق؛ هل يوجد اليوم كثير من الكاثوليك لديهم، في حياتهم اليومية، طُرُقُ تفكير وفعل مختلفة، بشكل ملموس، عن طُرق معاصريهم «اللامتدينين» المفْرِطين في ذلك؟ إنه، أيضاً، الجهل الكامل تقريباً، على مستوى العقيدة، بل عدم الاكتراث تجاه كل ما يتعلق بها؛ إن الدّين بالنسبة لكثير من المتديّنين، هو مجرّد مسألة «ممارسة»، مسألة عادة كي لا نقول مسألة تقليد (روتين-routine)، وهم يمتنعون، بعناية، عن البحث لفهم أيّ شيء، حتى تصل حالهم إلى الاعتقاد بأنّ الفهم غير مفيد لهم، أو، ربّما، لا يوجد شيء يتوجّب عليهم فهمه؛ ومع ذلك، لو كان هناك فهم حقيقي للدّين، هل كان الناس¬¬ سيَخُصُّون الدّينَ بمكانة، بهذا المستوى من السوء، ضمن همومهم الحياتيّة؟

إن العقيدة قد أصبحت إذاً، في الواقع، منسيّة أو مصغَّرة إلى أفق العدم، ما يُقرِّبها، بشكل فريد، من التصوّر البروتستانتيّ، لأن هذا هو نتيجةٌ للاتجاهات الحديثة نفسها المعارضة لكل عقلانيّة (intellectualité)، وإنّ المُحْزنَ أكثرَ هو أن التعليم الذي يُعطى، عموماً، بدل أن يُقاوِم هذه العقليّة (état d esprit)، هو بالعكس، يدعمها.بر التكيّف معها بشكل كبير جدّاً: ينحصر الكلام عن الأخلاق مع إغفال، شبه كامل، للعقيدة، بذريعة الخشية من عدم الفهم؛ إنّ الدّين اُخْتُزِل، حاليّاً، في «الأخلاقيّة» (moralisme) أو على الأقل، يبدو أنْ لا أحدَ يريد، بَعْدُ، أن يبحث عمّا هو الدين حقيقةً، والذي هو شيء آخر مُغايرٌ كليّاً.

إذا حصل، مع ذلك، أن جرى الكلام، أحياناً، حول العقيدة، فلا يكون ذلك، غالباً جدّاً، إلا من

(87)

أجل الحطّ من شأنها، عند مناقشتها مع خصوم على ميدانهم «الدنيويّ» (profane) الخاصّ، ما يؤدي، حتماً إلى التورّط معهم في تنازلات غير قابلة للتبرير؛ هكذا، بالخصوص، يظنّ المرء نفسه مُجْبَراً على أن يراعي، بقدر لا بأس به، النتائج المزعوُمة «للنقد» الحديث، بينما لا شيء يمكن أن يكون أسهل، إذا غيّر المرء زاوية نظره، من إثبات بطلانه؛ في هذه الظروف، ماذا يمكن أن يبقى، فعليّاً، من الروح التقليديّة الحقيقة؟

إنّ هذا الاستطراد، الذي قادنا فيه تفحُّصُ تجليات الفردانيّة إلى المجال الدينيّ، لا يبدو لنا غيرَ مُجدٍ، لأنّه ثبت أن الشرّ، في هذا الصّدَد، هو، بَعْدُ أخطرُ وأوسعُ مما يمكن أن نظنّه للوهلة الأولى؛ ومن جهة أخرى، هو لا يبعدنا، البتّة عن المسألة التي ننظر فيها، والتي ترتبط بها ملاحظتنا الأخيرة مباشرة، لأنّ الفردانيّة، بَعْدُ، هي التي تُدْخِلُ روحَ الجدل في كل مجال. إنّه من العسير جدَّا أن نُفْهِمَ مُعَاصِرينا أنّ هناك أشياء هي، بطبيعتها، لا تقبل الجدال؛ إنّ الإنسان المُحدَثَ، بدل أن يسعى إلى الارتقاء إلى الحقيقة، يطمح إلى إنزالها إلى مستواه؛ ولهذا، بلا شك، يوجد كثيرون، لمّا نحدثهم عن «العلوم التقليديّة» أو حتّى عن الميتافيزيقا الخالصة، يتصورون أنّ الأمر يتعلّق بـ « العلم الدّنيوي» وبـ «الفلسفة».

في مجال الآراء الفرديّة يمكننا، دوماً، أن نُنَاقش، لأننا لا نتجاوز المستوى العقلي، ولأنّنا، بعدم استدعائنا لأيّ مبدأٍ أعلى، ننجح بيُسْرٍ في وِجْدَان حجج تتفاوت في صحتها لِدعم الـ «مع» أو الـ «ضدّ»؛ حتّى إنّنا نستطيع، في حالات عديدة دفع النقاش إلى ما لا نهاية، دون التوصّل إلى أيّ حلٍّ، وبهذا فإنّ كل الفلسفة الحديثة، تقريباً لا تقوم سوى على اشتباهات وأسئلة مطِروحة بشكل خاطئ. إن النقاش، لكونه بعيداً عن توضيح المسائل كما يفترضُ عادة، هو، في أكثر الأحيان، لا يفعل شيئاً سوى تغيير وجْهِتها، هذا إذا لم يؤدِّ إلى جعلها أشدَّ غموضاً؛ والنتيجة المألوفة جدّاً هو أن كل طرفٍ في الجدال، وهو يجْهد لإقناع خصمه، يتشبّت، أكثر من أي وقت مضى، برأيه الخاصّ وينغلق عليه بشكل أَبْعدَ في التحَيُّزِ من قبْلُ.

في كل هذا، إنّ الأمر في جوهره لا يتعلّق برغبة المجادل في الوصول إلى معرفة الحقيقة،

(88)

بل في ظهوره مُحقّاً رغم كلّ شيء، أو على الأقل في إقناع نفسه بأنّه كذلك، إذا عجز عن إقناع َ الآخرين بذلك، ما سيؤدي إلى الندم والحسرة، سيّما، وأنه تمتزج بذلك، دائماً، تلك الحاجة «للتبشير» (prosélytisme).لذي هو، بعدُ، أحدُ العناصر الأكثر تميّزاً للروح الغربيّة.

أحياناً، تتجلّى الفردانيّة، بالمعنى المألوف أكثر والأبسط للكلمة، تتجلىّ بشكل أشدّ وضوحاً، بَعْدُ: وهكذا، ألا ترون، في كل حين، أناساً يريدون الحكم على عملِ (oeuvre) إنسانٍ ما من خلال ما يعرفونه عن حياته الشخصيّة، كما لو أن بين الأمرين علاقةً ما؟ ينشأ أيضاً عن الاتجاه نفسه المُضَافِ إلى هَوَسِ التفصيل، لنلاحِظْ ذلك في طريقنا، ينشأ أمران: الأول هو المصلحة التي نربطها بالخصوصيّات الصُّغرى في حياة «الرّجال العِظام»، والثاني هو الوهم الذي نوثِق به أنفسنا بتفسيرنا كلَّ ما قاموا به بنوع من التحليل «النّفسي البدني» (psycho-physiologique)؛ كلّ ذلك ذو مغزى واضح لمن يُريد إدراك العقليّة المعاصرة كما هي حقيقة.

 لكنْ لِنَعُدْ لحظةً، إلى مسألة إدخال عادات الجدال في المجالات التي لا يكون أثرها فيها، ولْنَقُلْ بوضوح، إلاّ كما يلي: إن الموقف «الديني الدفاعي» (apologétique).و، في ذاته، موقف ضعيف للغاية، لأنّه «دفاعيّ» محض، بالمعنى القانوني لهذه الكلمة. ليس عبثاً أن يُشار إليه بلفظٍ مشّتقٍّ من «تبرير» (apologie)، الذي دلالته الخاصّة هي دفاع المحامي، والذي، في لغة مثل الأنكليزية، وصل إلى حدّ أن يشيع استعماله في معنى «اعتذار» (excuse)؛ إن الأهمية الغالبة المعقودة لـ «الدفاع عن الدّين» (apologétique).ي، إذاً، العلامة الصريحة على تراجُعٍ للعقل الدينيّ (esprit religieux).

 يزداد هذا الضعف، بَعْدُ، لمَّا يتدنّى «الدفاع عن الدّين»، كما كنّا نقول قبل قليل، إلى جدالات دنيويّة كليّاً، في المنهج والرّؤية، حيث يوضَع الدّين على حدّ سواء مع النظريات الفلسفيّة والعلميّة، والعلميّة الكاذبة (pseudo scietifiques)، الأشدّ احتماليّةً وافتراضيّة، حيث يصل المرء، من أجل الظهور كـ «متسامح» (conciliant) إلى حدّ الإقرار، بقدرٍ مَا، بتصوّرات لم تكن قد اُختُلِقَت إلا بهدف تدمير كلّ دّين؛ إنّ أولئك الذين يتصرّفون بهذا الشكل يقيمون هم أنفسهم

(89)

الدّليل على أنّهم فاقدون، كليّاً، للوعي بالطابع الحقيقي للعقيدة التي يظنون أنهم ممثلوها المأذون لهم بدرجةٍ أو بأخرى.

إن المؤهَّلين للكلام باسم عقيدة تقليديّة معيّنة ليس عليهم أن يتناقشوا مع «الدنيويّين» (profanes) ولا أن يشاركوا في «الحرب الكلاميّة» (polémique)؛ عليهم فقط أن أن يَعْرضوا العقيدة كما هي، على أولئك القادرين على فهمها، وفي الوقت نفسه، أن يفضحوا الخطأ أينما وُجد، وأن يعملوا على إبرازه كما هو بأن يسلطوا عليه نور المعرفة الحقيقية؛ إنّ دورهم ليس إثارة صراع وتعريض العقيدة للشبهات، بل هو إبداء الرّأي المسموح لهم إبْداؤه إذا كانوا يمتلكون، فعليّاً، المبادئ التي تقتضي إلهامهم بلا خطأٍ.

أمّا الصّراع فميدانهُ العمل، أي المجال الفردي والزّمني؛ «المحرِّكُ الثابت» دورُه أن يُوَلِدّ الحركة وأن يوجّهها دون أن تَحرِفه؛ المعرفة تهدي الفعل دون أن تشارك في تَقَلبّاته؛ إنّ دور الرّوحانيّ هو إرشاد الزمني دون الانغماس فيه؛ وهكذا يبقى كل شيء في مستواه، عند مرتبته الخاصّة في التراتب (hiérarchie) الكوْني، لكن أين يُمكننا أن نعثر، بَعْدُ، على مفهوم تراتبٍ حقيقيٍّ في العالم الحديث؟ إذْ لم يبقَ شيءٌ أو إنسانٌ في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه طبيعيّاً، فلم يَعُدِ النَّاس يعترفون بأيّ سلطة فعليّة على المستوى الرّوحي، ولا بأيّ سلطة شرعيّة عل المستوى الزمني؛ يجيزُ «الدنيويّون» لأنفسهم مناقشة أمور ٍمقدّسة وينكرون طابعها وصولاً إلى إنكار وجودها نفسِه.

 إنّ الأدنى هو الذي يَحكُم على الأعلى، والجهلَ هو الذي يفرض حدوداً على الحكمة، والخَطأَ هو الذي يتقدّم على الحقيقة، والإنسانيَّ هو الذي يحلّ محل الإلهيّ، والأرضَ هي التي تتغلّب على السّماء، والفردَ هو الذي يصطنع مقياساً لجميع الأشياء ويريد أن يُمليَ على الكون قوانينَ مستمدةً بشكل تَامّ من عقله الخاصّ النسبيّ الخَطَّاءِ. «ويلٌ لكم أيها المرشدون العميُ».كذا ورد في الإنجيل؛ اليوم نحن لا نرى، بالفعل، وفي كل مكان، إلا عُمْياً يقودون عُمْياً آخرين، والذين إن لم يُوقَفوا، في الوقت المناسب، سيُودون بهم، حتماً إلى الهاوية حيث سيهلكون معهم.

(90)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الفوضى الاجتماعية

LE CHAOS SOCIAL

(91)
(92)

 

الفوضى الاجتماعية

LE CHAOS SOCIAL

 

نحن لا نقصد في هذه الدراسة التمسّك، على الخصوص، بوجهة النظر الاجتماعيّة التي لا تهمنا إلا بصورة غير مباشرة جدّاً، لأنها لا تمثّل سوى تطبيق بعيد، إلى حدٍّ ما، للمبادئ الاساسيّة، ولأنّه، بالنتيجة، لا يمكننا البتّة في هذا المجال، على كل حال، أن نباشر في تصحيح للعالم الحديث. إنّ هذا التصحيح، إذاً، إنْ كان قد بوشِر بِه بالمقلوب، أي بالإنطلاق من النتائج بدل الانطلاق من المبادئ، سيكون حتماً فاقداً لأساس جدِّيّ وسيكون وهميّاً تماماً؛ لا شيء ثابتاً يمكن أبداً أن ينتج عنه، وكلُّ ما يُعمل سيتطلب الاستئناف على الدوام، لأن العاملين يكونون قد أهملوا التفاهم، قبل كل شيء، على الحقائق الجوهريّة.

لذلك لن يكون ممكناً لنا أن نُعطي للأحداث السيّاسيّة (contingences politiques) قيمةً غير قيمة علامات خارجيّة بسيطة لعقليّة عصرٍ مَا، حتّى مع أخذ الكلمة (الأحداث) بمعناها الأوسع؛ لكن، من هذه الجهة، لا يمكننا أيضاً أن نلتزم الصمت، بالكامل، إزاء مظاهر الفوضى الحديثة في المجال الاجتماعي بحصر المعنى.

كما أشرنا قبل قليل، فإنّ الأمر، في الحالة الراهنة للعالم الغربي، قد آل إلى أنْ لا أحدَ من الناس عاد يجد المكانة التي تناسبهُ عادةً بسبب طبيعته الخاصّة؛ هذا ما نعبّر عنه بالقول أن الطبقات قد انقرضت، لأن الطبقة، بمعناها الصحيح التقليدي، ليست شيئاً آخر سوى

(93)

الطبيعة الفرديّة نفسِها، مع مجمل الاستعدادات الخاصّة التي تختزنها والتي تهيّئ كل إنسان لإنجاز وظيفةٍ محدَّدةٍ أو أخرى. منذ أن يصبح الوصول إلى تلك الوظائف، أيّاً تكن، غير خاضعٍ، بعدُ، لأيّ قاعدة شرعيّة، ينتج عن هذا حتماً أن يجد كل إنسان نفسه محمولاً على فعل أيّ شيءٍ، وغالباً بسبب هذا يكون هو الأقلُّ مهارةً؛ إنّ الدَّور الذي سيؤديه في المجتمع لن تحدّده الصّدفة، التي لا توُجد في الواقع[1]، بل سيحدّده ما يوهم بالصُّدفة، أيْ رُكَام جميع أنواع الظُّروف العَرَضيّة المتشابكة؛ إنّ العامل الأقلَّ تدخُّلاً سيكون، تحديداً، العامل الوحيد الجديرَ بالاعتبار في مثل هذه الحال، نعني به الفوارق الطبيعيّة الموجودة بينَ البشر.

إنّ سبب هذه الفوضى كُلِّها هو إنكار تلك الفوارق نفسها، الذي جرّ إلى إنكار مجمل التراتب الاجتماعي (hiérarchie sociale)؛ إنّ ذلك الإنكار، يكون في البداية بالكاد ملحوظاً، ويكون عمليّاً أكثر منه نظريّاً، لأنّ الالتباسَ في الطبقات قد سبق إلغاءَها التّامَّ، أو، بتعبير آخر، قد احتُقرت طبيعة الأفراد قبل بلوغ حدِّ عدم اعتبارهم نهائيّاً، إنّ ذلك الإنكار، قد رُفع لاحقاً، من قبلَ المُحْدَثين في صيغة مبدأٍ كاذب (pseudo-principe) تحت اسم «مساواة» (égalité).

سيكون من السّهل جدّاً إثبات أن المساواة لا يمكن أن توجد في أيّ مكان، والسبّب بسيط وهو أنّه يتعذّر وجود كائنين هما في الوقت نفسِه متمايزان، حقّاً، ومتشابهان، تماماً، من كلّ الجهات؛ ولن يكون الأمر أقلَّ سُهولةً عند إبراز كل النتائج العبثية التي تنتج عن هذه الفكرة الوهميّة، التي باسمها يُرادُ فرضُ تماثل تامّ في كل مكان، مثلاً، عبر نشر تعليم مُوَحَّدٍ كما لو أنّ الجميع متساوون في القابليّة لفهم الأشياء نفسِها، وكما لو أنّ، حتّى نُفهمَهم، المناهجَ (التعليميّة) نفسَها تلائم الجميع بلا تمييز.

(94)

فضلاً عن ذلك، يمكننا أن نتساءل عمّا إذا لم يكن الأَمْرُ يتعلق بـ «أن نحفظ» بدلاً من «أن نفهم» حقّاً، أي عمّا إذا لم تكن الذاكرة قد حلت محل الذكاء في التصوّر الشفهي و»الكتبيّ» (livresque) كلّيّاً، للتعليم الحالي، حيثُ لا يُهْدَف إلَّا إلى مراكمة مفاهيم متخلّفة (rudimentaires) وملفّقة (hétéroclites)، وحيثُ يُضحَّى بالنوعيّة، بالكامل، لحساب الكميّة، كما يحصل في كل مكان في العالم الحديث لأسباب سنشرحها بشكل أتمَّ لاحقاً: إنّه دائماً التشتّت في خضمّ التعدّد.

توجدُ، بالمنَاسبة، أشياء كثيرة يمكن قولها عن مضارّ «التعليم الإلزامي» (instruction obligatoire)؛ لكن ليس هذا هو محلَّ الإلحاح على ذلك، ولكي لا نخرج عن الإطار الذي رسمناه لأنفسنا، يجب علينا الاكتفاء بأن نشير إشارة عابرةً إلى النتيجة الخاصّة للنظريات «المساواتيّة» (théories égalitaires)، كواحدة من عناصر الفوضى تلك، التي هي اليوم أكثر عدداً مما يسعنا معه أن نطمح إلى إحصائها بدون إهمال أيٍّ منها.

من الطبيعيِّ أنّنا، عندما نجد أنفسنا أمام فكرة مثل فكرة «عدالة»، أو مثل فكرة «تقدّم» (progrès)، أو مثل بقيّة «العقائد اللائكيّة الجامدة» (dogmes laïques)، التي يقبلها، تقريباً، كل معاصرينا بلا تبصّر، والتي بدأ أغلبها بالتشكل بوُضوح خلال القرن الثامن عشر، من الطبيعيّ أمام ذلك أنَّه يمكننا أن نُسلِّم بكون أفكار مثل تلك قد وِلدت عَفَويّاً. إنّها إجمالاً «إيحاءات» (suggestions) حقيقية بالمعنى الأدقّ للكلمة، لا يمكنها، عدا عن ذلك، أن تترك أثرها إلا في بيئة مهيّأة لقبولها؛ إنّها لم تبتدع العقليّة (état d’esprit) التي تميّز العصر الحديث، إنّما ساهمت، بقسط وافر، في رعايتها وتنميتها إلى درجّةٍ لم يكن بإمكانها أن تبلغها بدونها. ولو كان حصل أن تلاشت تلك الإيحاءات فإن العقلية العامّة كان بإمكانها أن تكون أقرب إلى تغيير وجهتها؛ لأجل ذلك يجري حفظها، بعناية، من قِبل كلِّ أولئك الذين لهم شيء من المصلحة في إبقاء الفوضى إن لم يكن في مفاقمتها بعدُ، ولأجل ذلك أيضاً تبقى هي الأشياء الوحيدة المحظور مناقشتها، في زمن يُدَّعى فيه إخضاعُ كل شيء للنقاش.

(95)

علاوة على ذلك، فإنّه من الصّعب علينا أن نحدّد، بدقة، درجة صدقِ مُروِّجي مثل تلك الأفكار، وأن نعرف إلى أيّ حدٍّ يصل بعض النّاس في الانخداع بالأكاذيب التي يسوقونها وفي تضليل أنفسهم بأنفسهم عبَر تضليل الآخرين؛ حتّى أنّه، في دعاية من هذا النوع، أولئك الذين يلعبون دورَ الحمقى هم، غالباً، الأدَوات الفُضلى، لأنّهم يحدثون قناعة بتلك الأفكار، لا يمكن للآخرين تصنّعَها إلا بشيء من الصّعوبة، قناعةً سهلةَ الانتشار؛ لكن خلف كل ذلك، وعلى الأقلّ في البدْء، لا بدَّ من وجود فعلٍ واعٍ، بشكل أعمق، أي إدارةٍ لا يُمْكن أن يضطلعَ بها إلا أناس يعرفون، على أكمل وجه، لأي سبب يحصرون عملهم فقط في الأفكار التي يطلقونها للتداول بتلك الكيفيّة.

لقد تكلمّنا عن «أفكار»، لكنّ استعمال هذه الكلمة لا يمكن أن يتمّ إلا بشكلٍ مخالفٍ جدّاً للأصول، لأنه من الواضح جدّاً أن الأمر لا يتعلق، البتّةَ، بأفكارٍ محْضٍ، ولا حتّى بشيءٍ مَا ينتمي، من قريب أو من بعيد، إلى المستوى العقلي (ordre intellectuel)؛ إنّها، إنْ شئتم، أفكار خاطئة، لكن من الأولى تسميتها بـ «أفكار زائفة» (pseudo-idées) يُرادُ منها، أساساً، إحداث ردّات فعل عاطفيّة، ما يمثّل، في الواقع، الوسيلة الأسهل والأشدّ فعّاليّة للتأثير في الجماهير.

بهذا الخصوص، إن لكلمة «أفكار»، علاوة على ما سلف، أهميّة أكبر من المفهوم الذي من المفترض أن تعكسه، وأغلب «الأوثان» الحديثة ليست، في الحقيقة، سوى كلمات، لأنّه تحصل هنا تلك الظاهرة الفريدة المعروفة باسم «اللفظيّة» (verbalisme) [1]، حيث تكفي جَرْسيّة (sonorité) الكلمات لتعطي الوهم بوجُود الفكر؛ إنّ التّأثير الذي يمارسهُ الخطباء على عامّة النّاس مميّز، بشكل خاصّ، من هذه الجهة، ولا تُوجَد حاجة لدراسته من قريب حتّى نتأكّد بأنفسنا أن الأمر، هناك، لا يعدو كونه عمليّة إيحاء (suggestion) مماثلة تماماً

(96)

لإيحاءات المنوِّمين المغناطيسيين.

لكن، وبدون أن نسترسل في الكلام عن هذه الاعتبارات، لنَعُدْ إلى النتائج المترتبة عن إنكار كل تراتب حقيقي (vraie hiérarchie)، ولْنُسجّل أنّه، في الحالة الراهنة للأشياء، لا إنسانَ يقوم بوظيفته المناسبة له إلا بشكل استثنائي بما يشبه المصادفة، في حين أنّ العكس هو الذي ينبغي أن يكون الاستثناء، بل يحصل، بَعْدُ، أن الإنسان نَفسَه قدْ يُعيَّنُ في وظائف مختلفة كلّيّاً ليؤديَها بالتعاقب، كما لو كان باستطاعته تغيير استعداداته بحسب الرّغبةِ.

ربّما يبدو ذلك الأمر غريباً في عصِر ميزتُه «التخصّص» المفرط، ورغم ذلك فإنّ الأمر هكذا، خاصّة على المستوى السّياسي؛ إذا كانت مهارة «الاختصاصيّن» في الغالب وهميّة للغايَة، ومحدودة على أي حال في مجالٍ ضيّقٍ جدّاً، فإن الاعتقاد في تلك المهارة، مع ذلك، هو واقعٌ، ويمكننا أن نتساءل لِمَ يحصل أنّ هذا الاعتقاد لا يلعب، بَعْدُ، أيَّ دورٍ عندما يتعلق الأمر بمهنة رجال السياسة، حيث عدمُ الكفاءةِ الأكملُ نادراً ما يكون عائقاً.

ومع ذلك لو تأمّلنا في ذلك، لأدركنا بسهولة أن لا شيءَ في ذلك يستوجب الاندهاش، وأن الأمر ليس، إجمالاً، سوى نتيجة طبيعيّة للمفهوم «الديموقراطي»، الذي تأتي السلطة، بمقتضاه، من أسفلَ وترتكز، أساساً، على الأغلبيّة، ما يستلزم بالضرورة إقصاء كل كفاءة حقيقيّة، لأنّ الكفاءة هي دائماً تفوّقٌ، ولو نسبيّاً، ولا يمكن أن تكون إلا حِكراً على أقليّة.

إن بعض التوضيحات، هنا، لن تخلو من الفائدة لتسليط الضوء، من جهة على المغالطات (sophismes) التي تختبئ تحت الفكرة «الديموقراطية»، ومن جهة أخرى، على الصِّلات التي تربط هذه الفكرة نفسها بمجمل العقليّة الحديثة؛ مع ذلك، وبناء على وجهة النظر التي نتبنّاها، يبدو من نافل الكلام لفت الانتباه إلى أن هذه الملاحظات سوف يتمّ إبداؤها خارج جميع قضايا الأحزاب وبعيداً عن كل النّزاعات السياسية التي لا ننوي أن نتدخّل فيها لا من قريب ولا من بعيد. إنّنا ننظر في هذه الأمور بطريقة نزيهة تماماً، كما يمكن

(97)

أن نفعله تجاه أي موضوع دراسة آخر، وهدفنا الوحيد هو أن ندرك بأنفسنا، وبأوضح ما يمكن، الحقيقة وراء كل ذلك، ما يمثل، فوق ذلك، الشرط الضروري والكافي لكي تتبدّد جميع الأوهام التي ألِفها معاصرُونا حول هذا الموضوع.

هنا أيضاً، يتعلّق الأمر حقيقة بـ «إيحاء»، كما سلف منا القول، قبل قليل، حول الأفكار المختلفة في ما بينها بعض الشيء، المترابطة رغم ذلك؛ وحالما يتبيّن أنها مجرّد «إيحاء» وحالما تنكشف آلية عملها، يبطل مفعولها: في مقابل أشياء من هذا القبيل، فإنّ دراسة معمّقة، نوعاً ما، و»موضوعيّة» محض، كما يُقال اليوم باللغة الخاصّة المستعارة من الفلاسفة الألمان، هي بالتأكيد فعّالة بخلاف كل الخطابات العاطفيّة الفخمة وكل الجدالات الحزبيّة، التي لا تبرهن على شيء والتي هي ليست سوى تفضيلات فردية.

إن الحجّة الأقطع ضدّ «الديموقراطيّة» تتلخّص ببضع كلمات: لا يمكن أن يصدر الأعلى عن الأدنى، لأنّ «الأكثر» لا يمكن أن يخرج من «الأقلّ»؛ وهذا يتميّز بدقّة رياضيّة (rigueur mathématique) مطلقة، لا يمكن أن يفوقها شيءٌ قيمةً. تجدر الملاحظة أن هذه الحجّة بالذات، عند تطبيقها في سياق آخر، تصلح أيضاً ضدّ «الماديّة» (matérialisme)؛ لا شيءَ مفاجئاً في هذا التلازم (concordance)، والأمران هما أشدّ ترابطاً بكثير مما يمكن أن يتراءى من أوّل وهلة.

من الواضح جدّاً أن الشعب لا يمكنه أن يمنح سلطةً لا يملكها هو نفسه؛ إنّ السلطة الحقيقية لا يمكن أن تأتي إلا من فوق، لذلك نقول، بشكل عابر، أنّها لا يمكن أن تكتسب الشرعيّة إلا عبر تصديقٍ من قبل شيءٍ ما أعلى من المستوى الاجتماعي، أي مِنْ قِبَل سلطة روحانيّة؛ أما إذا كان الأمر مغايراً لذلك، فلن يكون، بَعْدُ، إلا تزويراً للسلطة، أمرًا واقعًا غيرَ مبرّر لفقدان المبدأِ، وحيث لا يمكن أن يُوجَدَ غيرُ فوضى وحيرة.

إنّ هذا الهدْم لكل تراتب يبدأ حالما تريد السلطة الزمنيّة أن تستقلّ عن السّلطة

(98)

الروحيّة، ثم تُخضِعَها لسلطتها من خلال سعيها لتوظيفها لأهداف سياسية؛ كانت تلك عمليةُ غصبٍ أولى فتحت الطريق لكل مثيلاتها، ويمكننا هكذا أن نبيّن مثلاً أنّ المَلَكيّة الفرنسيّة قد عملت هي نفسها، منذ القرن الرابع عشر، وبشكل غير واعٍ على التّمهيد للثورة التي كان يجب أن تطيح بها؛ رُبّما تسنح لنا الفرصة، يوماً ما، لتفصيل وجهة النظر هذه بالقدر الذي تستحقّه، الآن لا يمكننا إلا الإشارة بشكل مجمل.

إذا عرّفنا «الديموقراطيّة» بأنها حكم الشعب نفسَه بنفسه، تُوجَد هنا استحالة حقيقيّة، شيء لا يمكن حتّى أن يكون له مجرّد وجود ملموس، لا في عصرنا ولا في أيّ عصرٍ آخرَ؛ يجب ألاّ نُخدَع بالكلمات، وإنّه من التناقضِ تقبُّل فكرة أنّ أناساً بعينهم يستطيعون أن يكونوا، في الوقت نفسِه، حاكمين ومحكومين، لأنّه، وبِلغة أرسطو، لا يمكن لكائن بعينه أن يكون موجوداً «بالفعل «و «بالقوّة» في الآن نفسِه ومن الجهة نفسها.

توجد هنا علاقة تفترض بالضرورة وجود طرفين: لا يمكن أن يوجَد محكومون إن لم يُوجَدْ أيضاً حاكمون، حتّى ولوْ كانوا غير شرعَيّين ولا يملكون أي حقّ في السّلطة سوى ذلك الذي منحوه هم لأنفسهم؛ لكنّ المهارةَ الكبرى للحُكّام، في العالم الحديث، تكمن في إقناع الشعب بأنه يحكم نفسَه بنفسه؛ ويستسلم الشعب للقناعة بسرور يزداد كلّما مُدِح، وأيضاً كلّما كان أكثرَ عجزاً عن التفكير بما يكفي ليكتشف أن هناك استحالة في هذا الأمر.

لكي يتمّ خلق هذا الوهم، اختُرِع «الاقتراع العام» (suffrage universel): يُفترض أن رأي الأغلبيّة هو الآمِرُ والناهي؛ لكن ما يتعذّر تبيُّنُه هو أنّ الرأي شيء يمكن بسهولة توجهيه وتعديله؛ يمكن دائماً لمن يريد ذلك، بواسطة إيحاءات مناسبة، أن يُحدِث تيارات رأي يوجِّهُها الوجهة التي يُريدها؛ لم نعد نعرف من تكلّم عن «صناعة الرأي»، وهذه العبارة صحيحة تماماً، رغم أنّه يجب القول، إضافة إلى ذلك، أنّه ليس دائماً أن القادة الظاهرين هم من تتوفّر لديهم الوسائل الضرورية لكي يحصلوا على تلك النتيجة.

(99)

إنّ الملاحظة الأخيرة توضّح، بلا شكّ، السّبب في كون عدم كفاءة «الملإ»[1] (les plus en vue) يبدو ذا أهميّة نسبيّة جدّاً؛ لكن، بما أنّنا لسنا معنيين هنا بتفكيك مكوِّناتِ ما يمكن أن نسميّه «آلة الحكم» (machine à gouverner)، سنكتفي بالإشارة إلى أنّ عدم الكفاءةِ هذا نفسَه يُقدّم الميزة في رعاية الوهم الذي كنا نتحدث عنه: بالفعل، في هذه الظروف حصراً، يمكن للسياسيّين الذين نتكلم عنهم أن يبدوا وكأنّهم إفراز للأكثريّة، كونهم، إذاً، على صورتها، لأن الأكثرية، في أيّ موضوع تُدعى لإبداء رأيها فيه، هي دائمة مكوّنة من عديمي الكفاءة الذين عددهم أكبر بما لا يُقاس من عدد الناس القادرين على التعبير عن آرائهم عن معرفة تامة بالوقائع.

إن هذا يقودنا، مباشرة إلى التصريح بوجه الخطأِ الجوهريّ في فكرة أن الأكثريّة يجب أن تكون هي صاحبة الأمر والنهي (doit faire la loi)، لأنّه حتّى لو كانت هذه الفكرة، بالضرورة، نظريّة (théorique) على وجه الخصوص ولا يمكن أن تتطابق مع واقع فعليٍّ، بقي، رغم ذلك، وجوب تفسير كيف استطاعت أن تتأصّل في العقل الحديث، وما هي ميول هذا العقل التي تطابقت معها الفكرة وأشبعتها على الأقل في الظاهر. إن العَيْب الأظهر، هو هذا الذي كنا قد أشرنا إليه للتوّ: أنّ رأي الأكثريّة لا يمكنه أن يكون إلا تعبيراً عن عدم الكفاءة، وأن هذه الأخيرة تَنتج، زد على ذلك، عن نقص الذكاء أو عن مجرد الجهل؛ يمكننا، بالمناسبة، أن نُقحِم بعض ملاحظات «علم النفس الجماعي» (psychologie collective)، وأن نُذكّرَ، خصوصاً، بذلك الأمر النفسي (fait psychologique) المعروف جدّاً، وهو أنّه في أيّ حشد من الناس يُؤدّي مجموع الانعكاسات العقلية اللاإراديّة (réactions mentales) التي تحصل بين الأفراد المكِّونين له، يؤدّي إلى تشكيل نوع من الناتج (résultante) هو، ليس حتّى في مستوى المعدل، بل في مستوى العناصر الأدنى.

(100)

من جهة أخرى يجدر بنا أن نلفت الأنظار كيف أن الفلاسفة المُحْدَثون أرادوا أن ينقلوا إلى المستوى العقلي النظريّة «الديموقراطيّة» التي تُرجّح رأي الأكثريّة بِجعلهم «التوافق العام» (consentement universel) «معياراً مفترضاً للحقيقة» (prétendu critérium de la vérité): حتّى مع افتراض أن هناك، فعلاً، مسألةً قد اتفق عليها كلّ الناس، فإنّ هذا الاتفاق لا يثبت شيئاً بنفسِه؛ بل، فضلاً عن ذلك، إذا كان هذا الإجماع موجوداً حقيقةً، وهو أمر مشكوكٌ فيه، لا سيّما وأنّه يُوجَدُ دائماً كثير من الناس لا يملكون أي رأيّ حول أيٍّ من المسائل بل حتى أنّهم لم يطرحوها على أنفسهم البتّةَ، فإنّه، في أيّ حال، من المستحيل معاينة هذا الإجماع في الواقع، بحيث إنّ ما يُطرح كسند لفكرةٍ ما وكمؤشر على حقّانيّتها يُختزل في ألّا يكون سوى توافق العدد الأكبر، مع الاقتصار، بعدُ، على بيئة محدودة بالضرورة مكاناً وزماناً.

في هذا المجال يظهر، بعدُ، وبشكل أوضح، أن النظريّة تفتقر إلى الأساس، لأنه من السّهل التملّص منها تحت تأثير العاطفة، التي، بالعكس، تدخل في اللِّعْبَة حتمًا عندما يتعلّق الأمر بالمجال السياسي؛ وهذا التأثير بالذات، هو أحد العوائق الأساسيّة أمام فهم بعض الأمور، حتى لدى أولئك الذين يمتلكون، فضلاً عن ذلك، قدرة عقليّة كافية جدّاً بما يمكّنهم من بلوغ ذلك الفهم بلا عناء؛ إنّ الدوافع العاطفيّة تمنع التفكير، وإنّ من أكثر مهارات السياسة شيوعاً هي تلك التي تقوم على استغلال عدم التوافق هذا.

لكن، لِنَغُصْ أعمقَ في جوهر المسألة، نسأل: ما هو، بالتحديد، قانون العدد الأكبر هذا الذي تتمسّك به الحكومات الحديثة والذي تريد استمداد شرعيتها منه؟ إنّه بكل بساطة قانون المادّة والقوّة الوحشيّة، القانون نفسه الذي بموجبه يَسْحَقُ جمهورٌ مدفوع بقوّته كلَّ ما يعترضه في مسلكه؛ وهنا توجد، بالتحديد، نقطة الوصل بين التصوّر «الديموقراطي» و»الماديّة» (matérialisme)، وهذا، أيضاً، ما يجعل أنّ هذا التصوّر نفسه مرتبطٌ بشدّة بالعقليّة الحاليّة.

(101)

إنّه الانقلاب الكليّ للنظام السويّ، بما أن الذي يحصل هو إعلان هيمنة الكثرة بما هي كثرةٌ، كثرةٌ هي، في الواقع، لا تُوجد إلا في العالم المادّي[1]؛ وبالعكس، ففي العالم الروحاني، وببساطة أكبر، بعدُ، في النظام الكوني، تتربّع الوحدة على قمة التراتب (hiérarchie)، لأنّها هي المبدأ الذي تصدر عنه كل كثرة (multiplicité)[2]، لكن عندما يُنكَرُ المبدأُ أو يَفْقِد الاهتمامَ، لن تبقى، بعدُ، إلاّ الكثرة الخالصة، التي تتماهى مع المادة نفسها.

من جهة أخرى، فإن إشارتنا قبل قليل بخصوص الجاذبيّة تتضمّن أكثر من مجردّ مقاربة، لأن الجاذبيّة تمثّل، فعليّاً، في مجال القوى الماديّة، بالمعنى الأكثر مألوفيّة للكلمة، تمثل النزعة النزولية والضّغطيّة، التي من أجل أن تكون كذلك، تُعْقِبُ تحديداً أضيق فأضيق، والتي تسير، في الوقت نفسه، باتجاه الكثرة، المُصوَّرة هنا عبر كثافة أكبر فأكبر[3]؛ وهذه النزعة هي تلك نفسُها التي تَسِمُ الوجهة التي تَطوّر، وِفقها، النشاط البشريّ منذ بداية العَصر الحديث.

بالإضافة إلى ذلك، تجدر الملاحظة إلى أنّ المادّة، بقابليتها للانقسام والتحديد في آنٍ، هي ما سمّته العقيدة المدرسية (doctrine scolastique) «مبدأ التَّفَرُّدِيَّة» (principe d’individuation)، وهذا يربط الملاحظات التي نَعْرِضها هنا بما سبق أن قلناه حول موضوع الفردانيّة: إن هذه النزعةَ نفسَها، موضوعَ كلامنا، هي أيضاً، يمكننا القول، النزعة «التفريديّة» (tendance individualisante) التي يحصل بموجبها، ما يعتبره التقليد «اليهودي-المسيحي» (tradition judéo-chrétienne) كـ «سقوط» للكائنات التي

(102)

انفصلت عن الوحدة البَدْئيّة[1].

إنّ الكثرة المنظور إليها من خارج مبدئها، والتي لا يمكن، إذاً، ردّها أبداً إلى الوحدة، هي، على المستوى الاجتماعي، الجماعةُ المفهومة على أنّها مجردُ المجموع الحسابي (somme arithmétique) للأفراد المكوِّنين لها، والتي هي ليست، واقعاً، غير ذلك، ما دامت غير مرتبطة بأيّ مبدأٍ أعلى من الأفراد؛ وقانون الجماعة، بهذا المنظور، هو بعَيْنه قانون العدد الأكبر ذاك، الذي تقوم عليه فكرة «الديموقراطيّة».

هنا، يجب علينا أن نتوقّف لحظة لتبديدِ غموض محتمَل: عند كلامنا عن الفردانيّة المعاصرة، حَصَرْنَا نظرنا، تقريباً، بتجلياتها في المستوى العقلي (ordre intellectuel)؛ يمكننا الاعتقاد أن الحال مختلفة كليّاً في ما يخصّ المستوى الاجتماعي (ordre social). في الواقع، لو أخذنا هذه الكلمة «الفردانيّة» في مفهومها الأضيق، يمكن أن يغرينا الأمر بأنّ نعارض الجماعة بالفرد، وأن نفكّر بأن الوقائع، مثل الدّور التدخّلي المتعاظم أكثر فأكثر للدولة والتعقيد المتزايد للمؤسسات الاجتماعية، هي المؤشّر على نزعةٍ مضادَّة للفردانية. في الحقيقة، إن الأمر ليس كذلك، لأن الجماعة، التي هي ليست شيئاً آخر غير مجموع الأفراد، لا يمكنها أن تكون متعارضة مع هؤلاء، ولا أيْضاً الدولة نفسها في صيغتها الحديثة، أي بما هي مجرد تمثيل للجمهور، حيث لا ينعكس أيّ مبدأٍ أعلى؛ والحالة هذه، فإن الفردانيّة، كما عرّفناها، تقوم في الحقيقة، بالتحديد، على إنكار أي مبدأٍ أعلى من الفرد (supra-individual).

إذًا، إنْ وُجدت في المجال الاجتماعي صراعات بين مختلف النزعات، التي تنتمي جميعها إلى العقل الحديث، فإن تلك الصّراعات ليست بين الفردانيّة وشيء آخر، بل، ببساطة،

(103)

بين أنواع من الفردانيّة متعددة بحسب قابليّة الفردانيّة نفسها لذلك؛ ومن السّهل أن يتبيّن المرءُ أنّه، في غياب أي مبدأٍ قادر على أن يوحّد حقيقة الكثرة، يجب أن تكون مثل تلك الصّراعات أكثر عدداً وأشد خطورةً في عصرنا هذا كما لم تكن عليه في أيّ عصرٍ خلا، من يقُلْ «فردانيّة» يقُلْ بالضرورة «انقسام»؛ وهذا الانقسام، مع الحالة الفوضويّة (état chaotique) التي تُسبِّبُها، هو النتيجة الحتميّة لحضارة ماديّة بالكامل، بما أنّ المادّة نفسها هي، بالدّقة، منشأ الانقسام والكثرة.

وبالرغم من كل هذا، يجب علينا تأكيد نتيجةٍ مباشرة للفكرة «الديموقراطية»، التي هي إنكار النخبةِ مفهومةً في معناها الشرعي الوحيد؛ ليس جِزافاً أن تتعارض «الديموقراطية» مع «الأرستقراطيّة»، إنّ هذه الكلمة الأخيرة تشير بالتحديد، على الأقل لمّا تُستعمل في معناها الاشتقاقي، إلى سلطة النخبة. إنّ النخبة، كما تُعرَّف تقريباً، لا يمكن أن تكون إلا العدد الصغير، وإنّ قدرتها، بل إنّ سلطتها بالأحرى، التي لا تصدر إلاّ عن تفوّقها العقلي، لا تملك أيَّ شيء مشترَك مع القوة العدديّة التي تركّز عليها «الديموقراطية»، التي تتميّز جوهريّاً بكونها تجعل الأقلية ضحيّة للأكثرية، وأيضاً، ومن هنا بالذات، وكما قلنا سابقاً تجعل الكيفيّة ضحيّة الكمية، وبالنتيجة تجعل النخبة ضحيّة لعامة الناس. وهكذا فإنّ الدّورَ المُوجّه لنخبة حقيقيّة ووجودَها نفسه -لأنّها تؤدي، طبيعيّاً، هذا الدَّور منذ أن تُوجَد- هما متعارضان جذريّاً مع «الديموقراطيّة»، المرتبطة بقوّة بالتصوّر «المساواتيّ»، أي بالإنكار لكل تراتب: إن جوهر الفكرة «الديموقراطيّة» نفسَه هو أنّ أيّ فرد يساوي فرداً آخر لأنّهما متساويان عدديّاً، ومع أنّهما لا يمكنهما أن يكونا متساوِيَيْن إلا عدديّاً.

إن نخبة حقيقية، كما أسلفنا القول، لا يمكن إلا أن تكون عقلانية؛ لأَجل ذلك لا تحلّ «الديموقراطية» إلا حيث تنعدم العقلانيّة، كما هي حالة العالم الحديث. غير أنه، بما أن المساواة مستحيلة في الواقع، ونظراً لعدم القدرة على إزالة كل اختلاف بين الناس عمليّاً، بالرغم من كلّ جهود التسوية (nivellement)، تمّ التوصل، بواسطة نزعة لا منطقيّة

(104)

(illogisme)، طريقه إلى تصنيع نُخب مزيَّفة، هي أيضاً متعددة، تهدف إلى الحلول محلّ النخبة الحقيقيّة الوحيدة؛ وهذه النخب المزيّفة قائمة على اعتبار مقاييس مفاضلة شتىّ، نسبيّة وعرضيّة للغاية، ودائماً بطابع مادّي محض.

يمكننا أن نتبيّن ذلك بيُسْرٍ لمّا نرى أن التمايز الاجتماعي الذي له الاعتبار الأكبر، في الظروف الراهنة، هو ذاك المؤسَّس على الثروة، أي على تفوّق خارجيّ تماماً وذي طابع كمّيّ حصراً، هو الوحيدُ، إجمالاً، القابلُ للتوافق مع «الديموقراطية»، لأنّه يصدر عن وجهة النظر نفسها. نضيف، فوق ذلك، أن أولئك بالذات الذينَ ينْصِبُون أنفسهم، حاليّاً، خصَوماً لهذا الواقع المَعيش، دون أن يُدْخِلُوا أيّ مبدأٍ من مرتبة أعلى، هم عاجزون عن أن يعالجوا، بفعّاليَّة، مثل هذه الفوضى، بل هم يجازفون بمفاقمتها، بعدُ، بالذّهاب أبعدَ في الاتجاه نفسِه؛ إنّ الصّراع هو، حصراً، بين أنواع من «الديموقراطيّة» تعمل بتفاوت على زيادة التوجّه «المساواتيّ» (tendance égalitaire)، كما أنّه أيضاً، وبالشكل الذي ذكرناه في كلامنا، صراع بين أنواع من الفردانيّة، والأمران سيّان بكل دقّة.

إنّ الأفكار القليلة السابقة تبدو لنا كافية لتمييز الحالة الاجتماعيّة للعالم المعاصر، وفي الوقت نفسه لإثبات أنه لا توجد سوى وسيلة وحيدة للخروج منْ الفوضى العارمة (chaos): إحياء العقلانيّة، ومن ثمّ، إعادة تشكيل نخبة يجب، حاليّاً، أن تعتبر غير موجودة في الغرب، لأنه لا يمكننا منح هذا الاسم لبضعة عناصر منعزلة وفاقدة للتماسك، لا تمثّل، على هذا النحو، سوى إمكانيّات غير مُفعّلة (possibilités non développées). في الواقع، إنّ هؤلاء العناصر ليس لهم عموماً سوى توجّهات أو تطلّعات، تحملهم بلا شكّ على الانتفاض على العقل الحديث، لكن من دون أن يتمكن تأثيرهم من أنْ يتمّ بشكل فِعْليّ. إنّ ما ينقصهم هو المعرفةِ الحقيقيّةِ، إنها المُعطيات التقليديّة التي يستحيل ارتجالها، والتي لا يمكن لذكاء موكول إلى نفسه، خاصة في ظروفٍ معاكسة جدّاً من جميع النواحي، أن يقوم مقامها إلاّ بشكل ناقص جدّاً وإلى حدٍّ ضعيف جدّاً.

(105)

ليس هناك، إذاً سوى جهود مشتَّتة غالباً ما تضلّ طريقها، لغياب المبادئ والإدارة العقائديّة؛ يمكننا القول أنّ العالَم الحديث يقاوم بواسطة تشتته الخاصّ به، الذي لا يتوصّل حتّى خصومه أنفسُهم إلى التنصّل منه. سيبقى الأمر على حاله ما دام هؤلاء ماكثين على الأرضيّة الدنيويّة، حيث يمتلك العقلُ الحديث تفوّقاً واضحاً، بما أنّ ذاك هو ميدانه الخاصّ والحصريّ؛ وفوق ذلك، إذا كانوا لا يزالون ماكثين على تلك الأرضيّة فهذا يثبت أن هذا العقل، ورغم كل شيء، ما زال مُهيمناً عليهم بَعْدُ بقوّة. ولهذا السبب فإن عدداً كبيراً من الناس الذين تُحِرّكهم إرادةٌ طيبة لا جدالَ فيها، هم عاجزون عن فهم أنه يجب بالضرورة أن يبدأوا بالمبادئ، ويصرّون بعنادٍ على هدر قواهم في هذا المجال النسبي أو ذاك، اجتماعياً كان أو غيره، حيث لا شيْءَ واقعيّاً أو مستديماً يمكن أن يُنْجَز في هذه الظروف.

إنّ النخبة الحقيقيّة، عكس ذلك، ينبغي ألّا تتدخّل مباشرة في هذه المجالات، وألاّ تُقحِم نفسها في الفعل الخارجي؛ ينبغي عليها أن تقود الواقع بتأثير خفيّ عن العوامّ، وبدرجة من العمق تكون معها أقلَّ وضوحاً. إذا تأملنا في قدرة الإيحاءات التي تكلمنا عنها أعلاه، والتي مع ذلك، لا تستلزم أيّ عقلانيّة حقيقيَّة، يمكننا أن نحدس ما يمكن أن تكونه، بالأَوْلى، قدرةُ تأثيرٍ كهذا، يُمارَس بشكل، أخفى بكثير بسبب طبيعته نفسِها، وتَصْدُر عن العقلانيّة المحض، قُدْرةٌ هي، مع ذلك، بدل أن تكون مُقلَّلةً بفعل الانقسام الملازم للكثرة وبِفعل الضعف الذي يتضمّنه كل ما هو كذب أو وهم، قد تكون، بالعكس، مكثَّفة من خلال التركّز في الوحدة المبدئية (principielle) وقد تتماهى مع قوة الحقيقة نفسها.

(106)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

حضارة ماديّة

UNE CIVILISATION MATERIELLE

(107)
(108)

 

حضارة ماديّة

UNE CIVILISATION MATERIELLE

 

من كل ما سبق، يمكننا أن نستنتج بكل وضوح، أنّ الشّرقيين مُحِقُّون بشكل كامل لمّا يأخذون على الحضارة الغربيّة بأنّها ليست سوى حضارة ماديّة تماماً: فعلاً، إنّها قد تطورت، حصريّاً، في هذا الاتجاه، ومن أي زاوية نظرنا إلى الأمر، نجد أنفسنا دائماً أمام النتائج المباشرة بشكل متفاوت لهذه التَّمدية[1] (matérialisation). مع ذلك، يجب علينا أن نُتمّ ما قلناه بهذا الخصوص، وقبل كل شيء أن نوضّح رأينا حول مختلف المعاني التي يمكن أن تُحمَل فيها كلمة مثل «المادّية» (matérialisme)، لأنّنا، إذا استعملناها لتمييز العالم المعاصر، فإنّ البعض، ممّن لا يعتقدُون، البتّة، أنّهم مادّيّون (matérialistes) مع ادعّائهم أنهم «حديثون» جدّاً لن يطول بهم الزمن حتّى يحتجّوا ويقتنعوا أن الأمر هنا ليس سوى افتراء حقيقيّ؛ إذًا يجب هنا توضيح الأمور لكي نزيح، مُسْبقاً، كلّ لبس يمكن أن ينشأ بهذا الشأن.

إنّه لأمر بالغ الدّلالة أن كلمة «المادّية» نفسها لم يبدأ استعمالها إلاّ في القرن الثامن عشر؛ إنّها من اختراع الفيلسوف باركلي، الذي وظّفها للإشارة إلى كل نظرية تسلّم بالوجود الحقيقي للمادّة؛ نكاد لا نحتاج إلى القول بأن الأمر لا يتعلق بهذا المعنى هنا، حيث إنّ هذا الوجود ليس، البتّة، موضوعَ خلاف. بعد ذلك بقليل، أخذت الكلمة نفسُها معنىً أضيقَ، وهو الذي احتفظت به منذ ذلك الوقت: لقد ميّز مفهوما يصرّح أن لا وجودَ لشيءٍ غيرِ المادة وما يصدر عنها؛ ويجدر هنا تسجيل حدّة مثل هذا المفهوم، بما أنّه، جوهريًاً، نتاجٌ

(109)

للعقل الحديث، وبما أنه يتوافق على الأقلّ مع جزء من النزعات الخاصّة بهذا العقل[1].

لكنّنا ننوي، هنا، أن نتكلّم عن «الماديّة» في معنىً آخرَ بالخصوص، معنىً أوسعَ بكثير، وواضحٍ جدّاً مع ذلك؛ إنّ ما تمثله كلمة «الماديّة»، بهذا المعنى، هو عقليّة (état d esprit) بحدّ ذاتها، يُجسّد المفهوم الذي عرّفناه قبل قليل تجلّياً لها من بين تجليات أخرى كثيرة، وهو في ذاته، مستقلّ عن كل نظرية فلسفيّة. إنّ هذه العقليّة هي تلك التي تقوم، بوعي متفاوت، على منح التفوّق للأشياء التابعة للمستوى المادي (ordre matériel) وللاهتمامات التي ترتبط بها، سواء أكانت تلك الاهتمامات تحتفظ، بعْدُ، بمظهر تأملّيّ، أم عمليّة بشكل محض. ولا يمكن لأيٍّ إنسان أن ينكر، جِدِّيًّا، أنّ هذه هي فعلا عقلية الغالبية العظمى من معاصرينا.

إن العلمَ «الدنيويَّ» كلَّه، الذي تطوّر خلال القرون الأخيرة، ليس سوى دراسة العالَم المحسوس، لقد وقع في أسره بشكل حصريّ، ومناهجُه غيرُ قابلة للتطبيق سوى في هذا المجال الوحيد؛ والحال أنّ هذه المناهج قد أُعْلِن أنّها «علميّة» دون أيّ مناهج أخرى، ما يرجع إلى إنكار كل علم لا يتعلق بالمادّيّات. من بين أولئك الذين يفكّرون على هذا المنوال، وحتى من بين أولئك الذين سخّروا أنفسهم، بالخصوص، للعلوم التي نتكلم عنها، يوجد، مع ذلك، الكثيرون الذين يمكن أن يرفضوا أن يُعلِنوا أنفسهم «مادّيين» وأن ينضمّوا إلى نظريات فلسفيّة تحمل هذا الاسم؛ كما يوجد آخرون، يجاهرون، طواعيّة، بعقائدهم الدينيّة؛ ولا يُشَكُّ في هدفهم؛ لكنّ موقفَهم «العلميَّ» لا يختلف بشكل ملموس عن موقف المادّيّين الأقحاح (avérés).

غالباً ما نوقشت، من وجهة نظر دينيّة، مسألة معرفة ما إذا كان العلم الحديث يجب

(110)

أن يُشهَر كملحد (athée) أو كمادّيّ (matérialiste)، وفي الأغلب، طُرِحت المسألة بشكل سيّئ جدّاً؛ من المؤكَّد جدّاً أن هذا العلم لا يجاهر، صريحاً، بالإلحاد أو بالماديّة، كما أنّه من المؤكد جدّاً أن هذا العلم يكتفي، عبر أفكار مسبقة، بتجاهل بعض الأمور بدون أن يعلن تجاهها إنكاراً قطعيّاً كما يفعل هذا الفيلسوف أو ذاك؛ إذًا، لا يمكننا، في ما يخصّ العلم الحديث، أن نتكلّم سوى عن ماديّة ملموسة في الواقع، أيْ عمّا سنسمّيه، طوْعاً، مادّيّة عمليّة؛ لكنّ الضرر في ذلك ليس، ربّما، إلّا أفدحَ، لأنّه أعمق وأوسع نطاقاً.

يمكن لموقف فلسفيٍّ ما أن يكون أمراً سطحيّاً جدّاً حتى عند الفلاسفة «المحترفين»؛ زيادة على ذلك، هناك عقول يمكن أن تتراجع أمام الإنكار، لكنّها تتكيّف في لا مُبالاة تامّة؛ وهذا هو الأخطر من بين كل الأمور لأنّه من أجل إنكار شيء ما يجب، بَعْدُ، التفكير فيه، ولو قليلاً، بينما هنا نصل إلى حدِّ عدم التفكير بأيّ شكل كان. عندما نرى أنّ علماً ماديّاً، حصْراً، يَطرَح نفسه على أنّه العلم الوحيد الممكن، عندما يعتاد الناس على أن يتقبّلوا، كحقيقة غير قابلة للنقاش، فكرةَ أنّه لا تُوجد معرفة صحيحة خارج هذا العلم، عندما تنزع التربيةُ كلُّها، التي يُلَقَّوْنها، إلى ترسيخ المكانة الخرافيّة لهذا العلم، هذه هي بالضبط «العِلمويّة» (scientisme)، كيف يمكن لهؤلاء الناس ألّا يكونوا، بالفعل، مادّيّين، أي ألّا تكون جميع انشغالاتهم تدور حول المادّة؟!.

بالنسبة للمُحْدَثين، لا شيءَ يبدو موجوداً خارج نطاق ما يمكن أن نراه ونلمسَه، أو على الأقل، حتى لو يَقبلون، نظريّاً، أنّه يمكن أن يوجد شيء آخر، يسارعون إلى إعلان، لا فقط أنّه مجهول، بل أنّه «غير قابل للمعرفة» (inconnaissable) أيضاً، ما يعفيهم من الاهتمام به. وإذا وُجد، مع ذلك أناس يسعون إلى تكوين فكرةٍ ما حول «عالَم آخر»، بما أنّهم لا يتوسّلون في ذلك إلا بالخيال، فإنّهم يتمثلونه على مثال العالم الأرضي ويُسقطون عليه جميع شروط الوجود الخاصّة به، ومنها المكان والزمان، بل وحتى نوع من «الجسمانيّة» (corporéité)؛

(111)

لقد قدّمنا، في موقع سابق، في التصوّرات الأرواحيّة[1] (Spirites) أمثلة دامغة بشكل خاصّ، لهذا النوع من التصوّرات المُمدّاة[2] (matérialisées) بفظاظة؛ لكن إذا كان هذا يمثل حالة مُغالية، وصل فيها هذا الطابع (المادّي) إلى حدّ التشويه الأقصى (caricature) فيسكون من الخطأِ الاعتقاد أن الأرواحيّة (Spiritisme) والطوائف التي تَمُتّ إليها بصلة بدرجات متفاوتة، تحتكر هذا النوع من الأمور.

فوق ذلك، وبشكل أعمّ، إنّ تدخُّل الخيال في المجالات التي لا يمكنه أن يعطي فيها شيئاً، والتي من المفروض أن تكون محظورة عليه، هو أمر يُثبت بشكل جليّ جدّاً عَجْزَ الغربيين عن الارتفاع عن مستوى المحسوس؛ كثيرون لا يحسنون القيام بأدنى تمييز بين «تصوَّر» (concevoir) و «تخيَّل» (Imaginer)، وبعض الفلاسفة أمثال كانط (KANT) يذهبون إلى حدّ التصريح بأنّ كلَّ ما هو غير قابل للتمثيل (représentation) هو «غير قابل للتصوّر» (inconcevable) و»غير قابل للإدراك» (impensable).

كذلك فإن كل ما يُسمىّ «روحانيّة» (spiritualisme)[3] أو مثالية (idéalisme) ليس هو، في الأغلب، سوى نوع من الماديّة المنقولة (matérialisme transposé)؛ إنّ هذا ليس صحيحاً فقط بالنسبة لما عيناه باسم «الروحانية الجديدة» (néo-spiritualisme)، بل هو صحيح أيضاً بالنسبة للرّوحانية الفلسفية ذاتها، التي تَعتبر نفسَها، رغم ذلك، الطرف المقابل للمادية.

والحقّ يُقال، فإن الرّوحانية والمادية، منظوراً إليهما بالمعنى الفلسفي، لا يمكن فهمهما الواحدة منهما دون الأخرى: إنّهما، ببساطة، نِصْفَا الثنائية الديكارتية (dualisme

(112)

cartésien)، اللذان حُوِّل الفصل الجذري بينهما إلى نوع من التضادّ (antagonisme)؛ ومُذَّاك، ظلّت الفلسفة تتأرجح بين هذين المصطلحين من دون أن تتمكن من تجاوزهما.

إن الروحانية (spiritualisme)، بالرغم من اسمها، ليس لها أيّ قاسم مشترك مع الروحيّة (spiritualité)[1]؛ وجدالُها مع المادية لا يمكنه إلاّ أن يَدَعَ أصحابَ وجهة النظر العليا، غير مبالين تماماً، وهم الذين يرون أنّ هذين الضدّين هما، في الجوهر، قريبان جدّاً من أن يكونا مجرّد متعادلين، يمكن إرجاع التعارض المزعُوم بينهما إلى خصومة كلامية سُوقيّة.

إن المُحْدَثين، عامّة، لا يتصورون أي علم آخر سوى العلم بالأشياء التي تقاس والتي تُعَدُّ والتي تُوزن، يعني بَعْدُ، إجمالاً، أشياء ماديّة، لأنّها الوحيدة التي يمكن أن تُطبَّق عليها وجهة النظر الكمّيّة؛ والمطالبة بإرجاع الكيف إلى الكمّ هي من المميِّزات القوّية للعلم الحديث. لقد وصل الأمر، في هذا الجانب، إلى حدّ الاعتقاد أنّه لا يوجد علم، بحصر المعنى، حيثُ يستحيلُ إقحام القيْس (mesure)[2] وأنه لا توجد قوانينُ علميّةٌ غير تلك التي تعبّر عن علاقات كمّيّة؛ إن إواليّة (mécanisme)[3] ديكارت قد رسمت بداية هذه النزعة التي لم تكفَّ عن التعمّق مُذّاك، رغم سقوط الفيزياء الديكارتيّة، لأنهّا ليست مرتبطة بنظرية محدّدة، بل بتصوّرٍ عامٍّ للمعرفة العلميّة.

يُراد اليوم تطبيق القَيْس حتى في مجال علم النفس، في حين أنّه مجال عصّيٌّ على ذلك بسبب طبيعته نفسِها؛ حتّى انتهى الأمر إلى العجز، كلّيّاً، عن فهم أنّ قدرة القيْس لا ترْتكز إلا على خاصيّة ذاتيّة (inhérente) للمادّة، والتي هي قابليّتها غير المحدودة للانقسام

(113)

(divisibilité indéfinie)، إلاّ إذا وصل القوم إلى حدّ الاعتقاد أن هذه الخاصيّة تشمل كلَّ ما هو موجود، ما يعني تمدية جميع الأشياء.

إنّ المادة، كما قلنا سابقاً، هي العلة الجوهرية للانقسام والتعدّد؛ والتفوُّقُ المنسوب إلى وجهة نظر الكمّ الذي، كما بيّنّا سابقاً، توجد حتى في المجال الاجتماعي هو، إذاً، تفوُّق الماديّة بامتياز، بالمعنى الذي أشرنا إليه أعلاه، مع أنّه ليس بالضرورة مرتبطاً بالماديّة الفلسفيّة، ولأنّه من جهة أخرى، كان أسبقَ منها في تأسيس نزعات العقل الحديث.

لن نغوص أكثر في ما هو غير شرعيّ في إرادة إرجاع الكيف إلى الكمّ، ولا في ما هو غير كافٍ في كل محاولات التقسيم التي ترتبط، بدرجات متفاوتة، بالنموذج الإواليّ (mécaniste)؛ ليس هذا ما حدّدناه لأنفسنا كغاية، ونسجلّ فقط، بهذا الخصوص، أنّه حتى في المستوى المحسوس (ordre sensible)، لا يملك علمٌ من هذا النوع سوى ارتباط ضعيف جدّاً بالواقع الذي يَخْفَى عنه قِسمُه الأكبر بالضرورة.

بخصوص «الواقع» (réalité)، نحن ملزمون بأن نذكر أمراً آخر، يوشِك الكثيرون ألّا يَتفطّنوا إليه، لكنه جدير جدّاً بالملاحظة كعلامة على العقلية (état d esprit) التي نتكلم عنها: وهو أنّ هذا الاسم، في الاستعمال الشائع، هو مخصّص، حصراً، للواقع المحسوس.

بما أن اللغة هي التعبير عن عقليّة (mentalité) شعبٍ ما وعصرٍ ما، يجب الاستنتاج من ذلك بأنه، بالنسبة لأولئك الذين يتكلّمون هكذا، كل ما لا يقع تحت الحواسّ هو غير واقعيّ (irréel) أي أنّه وهميّ أو غير موجود بالمرّة؛ يمكن ألاّ يكونوا واعين بذلك بوضوح، لكن هذه القناعة السّلبيّة متأصّلة في أعماقهم، وحتّى إن كانوا يؤكِّدون العكس فيمُكننا أن نكون على ثقة، رغم كونهم غير ملتفتين إلى ذلك، أنّ هذا التأكيد لا يستجيب، عندهم، إلاّ لشيءٍ هو ظاهريّ بدرجة أكبر بكثير من ذلك، هذا إن لم يكن لفظياً محضاً.

(114)

إذا وُسْوِس للبعض بالاعتقاد بأنّنا نبالغ، فليس أمامه سوى السعي لتبيّن، مثلاً، كيف اُخْتُزلت القناعات الدينيّة المفترضة لكثير من الناس: بعض الأفكار المحفوظة غيباً بَطريقة مدرسية محض وآلية (machinale) والتي لم يستوعبوها البتّة، ولم يفكّروا فيها إطلاقاً، لكنْ هم يحفظونها في ذاكراتهم، ويُردّدونها عند الحاجة لأنها تُمثّل جزءاً من الشكليّة (formalisme)[1] ومن موقف تقليديّ (conventionnel) هو كل ما يمكنهم فهمه من الدين.

لقد سبق أن تحدّثنا أعلاه عن هذا التقليل من شأن (minimisation)، الذي تمثل «اللفظية» (verbalisme)، التي أشرنا إليها، إحدى درجاته القصوى؛ إنّها هي ما يفسّر أنّ من يقال عنهم أنّهم «مؤمنون» (croyants) هم، في ما يتعلق بالماديّة العملية، لا يختلفون في شيء عن «غير المؤمنين» (incroyants)؛ سوف نعود، من جديد، إلى هذا الأمر، لكن، قبل ذلك، يجب علينا أن نحسم الأمر مع الاعتبارات التي تخصّ الطابع الماديّ للعلم الحديث، لأنّه توجد هنا مسألة تتطلب الدراسة من جوانب مختلفة.

يجب علينا أن نُذكرّ، مرّة أخرى، رغم أنّنا قد بيّنا ذلك سابقاً، أنّ العلوم الحديثة لا تملك طابع معرفة غير نفعيّة (désintéressée)، وأنها حتى بالنسبة لأولئك الذين يُصدّقون بقيمتها التأمّليّة، فإن هذه القيمة ليست سوى قناعٍ تتخفّى تحته اهتمامات عمليّة بالكامل، لكنها قيمة تسمح بالمحافظة على عقلانية باطلة (fausse intellectualité). إنّ ديكارت نفسه بتأسيسه لعلمه الفيزيائي، كان ينوي خاصّة أن ينتزع منه علم ميكانيك وعلم طبّ وعلم أخلاق؛ ومع انتشار التجريبيّة (empirisme) الانكلوسكسونيّة، كان ذلك، بَعْدُ، أمراً إضافيًّا في المسار نفسه؛ فوق ذلك، إنّ ما يمنح العلمَ الحديثَ الاعتبارَ (prestige) في أعين الجمهور العريض، هي وحدَها تقريباً النتائجُ العمليّةُ التي يتيح (العلمُ) تحقيقَها، لأنه هنا

(115)

أيضاً، يتعلقُ الأمر بأشياء قابلة للرؤية وللّمس.

لقد سبق أن قلنا أنّ «البراغماتيّة» تمثل المآل (aboutissment) لكل الفلسفة الحديثة ودرجتها النهائية في السقوط (abaissement)؛ لكن يوجد أيضاً، ومنذ زمن أقدم، خارج الفلسفة، «براغماتيّة» متفشيّة وغير مُنظّمة، والتي تمثل للبراغماتيّة الأخرى ما تمثله المادية العملية بالنسبة للماديّة النظريّة، وهي براغماتيَّة تختلط مع ما يسميه العامِّيُّ «العقل السّليم»[1] (bon sens).

إن هذه المنفعيّة[2] الغَرَزيّة[3] (utilitarisme instinctif) تقريباً هي، زدْ على ذلك، غير قابلة للانفصال عن النزعة الماديّة: إن «العقل السّليم» يرتكز على مبدأِ عدم تجاوز الأفق الأرضي، تماماً كما يرتكز على مبدأِ عدم الاهتمام بكل ما ليس له منفعة عمليّة مباشرة؛ ووفق رؤيته هو خاصّة، ينحصر العالم المحسوس بـ»الواقعي» (réel)، ولا وجودَ لمعرفة لا تأتي من الحواسّ؛ بالنسبة له أيضاً، هذه المعرفة المحصورة لا تملك قيمة إلا في الحدود التي تسمح فيها بإشباع حاجات مادية، وأحياناً بإشباع شيء من العاطفيّة (sentimentalisme)[4]، لأنّ الأمر هو، ويجب قول ذلك بوضوح، مع المخاطرة بصدْم «النزعة الأخلاقيّة» (moralisme) المعاصرة، أنّ العاطفة (sentiment) هي في الواقع قريبة جدّاً من المادّة.

في كلِّ هذا لا يبقي أيّ مكان للذكاء (intelligence)، إلاّ لمّا يقبل بتسخير نفسه لتحقيق غايات ماديّة، وبأن يكتفي بكونه مجرّد أداة خاضعة لمتطلبات الجزء الأسفل والجسدي للكائن البشري، أو، بحسب تعبيرٍ فريدٍ لبرغسون (Bergson): «أداة لصنع الأدوات» (un outil à faire des outils)؛ إنّ ما يمثل جوهر «البراغماتية» بكل أشكالها،

(116)

هو اللامبالاة التامّة تجاه الحقيقة.

في هذه الظروف، لم تعد الصّناعة فقط تطبيقاً للعلم، تطبيقًا ينبغي للعلم، في ذاته، أن يكون مستقلاًّ عنه كلّيّاً؛ لقد أصبح التطبيق علّة وجود العلم ومبرّرَهُ، بحيث، هنا أيضاً، أصحبت العلاقات العاديّة مقلوبة. على هذا أعْمَل العالَمُ الحديث كُلَّ قواه، حتى لمّا نوى أن يمارس العلمَ على طريقته، لم يكن ذلك في الواقع شيئاً آخر سوى تطوير الصناعة والنزعة «الآليّة» (machinisme)؛ وإنّ البشر، بسعيهم للسيطرة على المادّة وإخضاعها لاستخداماتهم، لم ينجحوا، إلاّ في جعل أنفسهم عبيداً لها، كما كنّا قد قلنا في البداية: لم يقتصر الأمر على أنّهم قد حصروا طموحاتِهم العقليّةَ، إذا كان لا يزالُ مسموحاً استعمالُ هذه الكلمة في حالة كهذه، في اختراع الآلات وصناعتها، لكن آل أمرهم إلى أنْ أصبحوا هم أنفسُهم، حقيقةً، آلاتٍ.

إنّ «التخصّص» (spécialisation) الذي طالما مدحه بعض علماء الاجتماع تحت اسم «تقسيم العمل» لم يَفرض نفسه على العلماء فقط، بل أيضاً على التقنيّين وحتى على العمّال، وبالنسبة لهؤلاء الأخيرين، فإن كل عمل ذكيّ أصبح بذلك مستحيلاً؛ وفي اختلاف كبير مع ِحرَفِيِّي العصور الماضية، لم يعدِ العمال سوى خُدَّامٍ للآلات، بل هم، تقريباً، قد التصقوا بها، فعليهم أن يُكرِّروا، بلا توقُّفٍ، وبطريقة آليّة تماماً، بعض الحركات المحدّدة، هي نفسها دائماً، وتُنجَزُ دائماً على النّمط نفسه، تحاشياً لأدنى خسارة للوقت؛ هكذا تريد، على الأقل، الأساليب الأميركيّة التي يُنظرُ إليها كممثل لأعلى درجة من «التقّدم».

فعلاً، إن الأمر يتعلق بالإنتاج قدر المستطاع؛ لا تهمّ النوعيّة إلاّ قليلاً، فالكميّة وحدها هي الشّغل الشاغل؛ نعود مرة أخرى إلى الملاحظةِ نفسِها التي سجّلناها في مجالات أخرى: إنّ الحضارة الغربيّة هي ما يمكن أن نسمّيه حضارة كميّة، وما ذلك إلا طريقة أخرى للقول بأنّها حضارة ماديّة.

(117)

إذا أردنا الاقتناع أكثر بهذه الحقيقة، ليس علينا سوى أن ننظر في الدور العظيم الذي تلعبه العناصر ذات الطابع الاقتصادي في حياة الشعوب كما في حياة الأفراد: صناعة، تجارة، ماليّة (finances)، يبدو أن لا شيءَ يَهُمّ سوى هذا، ما يتوافق مع الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً من أن التمييز الاجتماعي الوحيد الذي تبقّى هو الذي يقوم على الثروة الماديّة. يبدو أن السلطة الماليّة تهيمن على كلّ سياسة، وأنّ المنافسة التجارية تمارس تأثيراً بالغاً على العلاقات بين الشعوب، ربما الأمر هنا ليس سوى ظاهر (apparence)، وهذه الأمور هي مجرّد وسائل للعمل أكثر من كونها أسباباً حقيقيّة؛ لكنَّ اختيار وسائل مثل هذه يشير بوضوح إلى طابع العصر الذي تتناسب معه.

عدا عن ذلك، فإنّ معاصرينا مقتنعون بأنّ الظروف الاقتصادية هي تقريباً العوامل الوحيدة المحرّكة للأحداث التاريخيّة، وحتّى أنّهم يتوهّمون أنّ الأمر كان دائماً هكذا؛ ولقد تمّ الإيغال في هذا المَنْحَى إلى حدّ ابتداع نظرية تريد تفسير كل شيء بتلك العوامل حصراً، وهي التي حازت على تلك التسمّيّة ذات الدلالة «المادية التاريخيّة». يمكننا أن نرى هنا، بَعْدُ، نتيجة إحدى تلك الإيحاءات (suggestions) التي أشرنا إليها أعلاه، إيحاءات تزداد فعاليّةُ عملها بمقدار ما تتوافق أكثر مع نزعات العقليّة العامّة؛ ونتيجةُ هذا الإيحاء هي أن الوسائل الاقتصادية ينتهي بها الأمر إلى أن تصْبح المصدرَ الحقيقيَّ تقريباً لكلِّ ما يحصل في المجال الاجتماعيّ.

بلا شكّ، فإنّ الجمهور كان دائماً مَقُوداً بشكل أو بآخر، ويمكننا القول أنّ دوره التاريخي يقوم خاصّة على الاستسلام لمن يقوده، لأنّه لا يُمثِّل سوى عنصر سلبيّ، أي «مادّة» بالمعنى الأرسطي؛ لكن اليوم، يكفي، لقيادته، امتلاكُ وسائلَ ماديّةٍ خالصةٍ، هذه المرّة بالمعنى المألوف للكلمة، ما يبيّن جيّداً درجة الانحطاط التي وصل إليها عصرنا؛ وفي الوقت نفسِه، يتمّ إيهام الجمهور بأنّه غير مَقُودٍ، وأنّه يتصرّف عفَويّاً وأنّه يقود نفسه بنفسه، وكونه يعتقد بذلك يسمح لنا أن نتنبّأ إلى أي حدّ يمكن أن تصل حماقته.

(118)

خلال كلامنا هذا عن العوامل الاقتصادية، ننتهز الفرصة لكي نشير إلى وَهْم واسع الانتشار بهذا الشأن، وهو الذي يكمن في تصوّر أن العلاقات القائمة في ميدان المبادلات التجاريّة يمكنها أن تَصلح في تحقيق تقارب وتفاهم بين الشعوب، بينما، في الواقع، لها المفعول المعاكس بالضبط. إن المادّة، كما قُلنا ذلك عدّة مرات، هي، جوهريّاً، كثرة وانقسام، وبالتالي فإنّها مصدرٌ للصراعات وللخصومات؛ وكذلك، سواء بالنسبة للشعوب أو بالنسبة للأفراد، فإنّ المجالَ الاقتصاديَّ ليس إلاّ ميدانُ الصراعات على المصالح ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك.

إنذ الغرب، بالخصوص، يجب عليه ألّا يعتمد على الصناعة، ولا على العلم الحديث الذي لا ينفصل عنها، لكي يجد أرضيّة تفاهم مع الشرق؛ إذا حدث للشّرقيّين أن تقبّلوا هذه الصناعِة بِضرورة مِزعجة، مع كونها وقتية، فلأنّها، بالنسبة لهم، لا يمكن لها أن تكون أكثر من ذلك، ولن تكون أبداً إلاّ سلاحاً يُمَكنّهم من مقاومة الاجتياح الغربي ومن المحافظة على وجودهم الخاصّ. يهُمُّ أن يعرف الجميع جيّداً أنّ الأمر لا يمكن أن يكون بخلاف ذلك: إنّ الشرقيين الذين يستسلمون لتصوّر منافسة اقتصادية إزاء الغرب، بالرغم من النفور الذي يُبدونه من هذا النوع من النشاط، لا يمكنهم أن يفعلوا ذلك إلا بنيّة وحيدة، وهي التخلّص من الهيمنة الأجنبيّة التي لا ترتكز إلاّ على القوة الوحشيّة، وعلى القوّة الماديّة التي تضعها الصّناعة، بشكل دقيق، تحت تصرّفها؛ العنفُ يستتبعُ العنفَ، لكن ينبغي أن نعترف بأن الشرقيين ليسوا هم، بالتأكيد من سعى إلى الصراع على هذا.

فضلاً عن ذلك، فإنه، خارج مسألة العلاقات بين الشرق والغرب، من السهل تسجيل واحدة من أهمّ نتائج التطور الصّناعي والتحسين المتواصل لأدوات الحرب وزيادة قدرتها التدميريّة بنسب عالية جدّاً. هذا يكفي وحده للقضاء على الأحلام «السلميّة» لبعَض المفتونين بـ «التقدّم» الحديث؛ لكنّ الحالمين و «المثاليين» غير القابلين للإصلاح (incorrigibles)، يبدو أن سذاجتهم لا حدود لها.

(119)

إنّ «الانسانويّة» (humanitarisme) المطابقة جدّاً لذوق العصر لا تستحقّ، يقيناً، أن تؤخَذ على محمل الجدّ؛ لكنْ من الغريب أن يكون الكلام كثيراً حول نهاية الحروب في عصرٍ تحُدث فيه الحروبُ من الخراب أكثر ممّا قد أحدثته من قبل، ليس فقط بسبب تضاعف وسائل التدمير، بل أيضاً لأنّها، بدل أن تقع بين جيوش قليلة العدد ومؤلفة فقط من جنود محترفين، فإنّها ترمي بجميع الناس، بلا تمييز، في مواجهة بعضهم البعض، بمن فيهم أولئك الأقل أهليّة للقيام بمثل هذه الوظيفة. إنّ هذا أيضاً مثال صارخ عن الاضطراب الحديث، ومن المدهش حقّاً، لمن يريد التفكير بهذا الشأن، أنْ تصل الأمور إلى حدّ اعتبار «استنفاراً جماهيريّاً عامّاً» (levée en masse)، و «تعبئة عامّة» هما من الأمور العادية جدّاً، وأنّ فكرة «أمّة مسلّحة» استطاعت فرض نفسها على كل العقول، مع استثناءات نادرة جدّاً. يمكننا هنا أيضاً أن نرى أثراً للإيمان، حصرياً، بالقوة العددية؛ إنّ تحريك حشود ضخمة من المقاتلين يتوافق مع الطابع الكميّ للحضارة الحديثة؛ وفي الوقت نفسه تنتفع «المساواتيّة» (égalitarisme) من ذلك، كما تفعل عبر مؤسسات مثل مؤسسة «التعليم الإلزامي» ومؤسسة «الاقتراع العام».

لنُضف إلى ذلك أيضاً أنّ هذه الحروب التي جرى تعميمها لم تصبحْ ممكنَة إلا بواسطة ظاهرة حديثة بنوع خاصّ، وهي إنشاء «الجنسيّات» (nationalités) كنتيجة لتدمير النظام الإقطاعي، من جهة، وللتصدّع المتزامن للوحدة العليا لـ «مسيحيّه» العصر الوسيط، من جهة أخرى؛ ومن دون أن نُعيق أنفسَنا باعتبارات يمكن أن تأخذنا بعيداً، لِنُشر، كذلك إلى ظرف فَاقَم الأمورَ وهو عدم الاعتراف بسلطة روحيّة تستطيع وحدها ممارسة تحكيم مؤثِّر بشكل عادي، لأنّها، بطبيعتها ذاتها، فوق كل الصراعات ذات الطابع السياسي.

إنّ إنكار السّلطة الروحيّة هو، أيضاً، ماديّةٌ عمليّةٌ؛ وأولئك أنفسُهم، الذين يزعمون أنهم يعترفون بمثل هذه السلطة من حيثُ المبدأُ، يُنكِرون عليها، واقعاً، أيَّ تأثير حقيقيّ وأيَّ سلطة للتدخل في المجال الاجتماعي، تماماً بالكيفيّة نفسها التي يقيمون بها عازلاً

(120)

مُحكَماً بين الدّين والانشغالات العاديّة لحياتهم، سواءً أتعلّق الأمر بالحياة العامّة أم بالحياة الخاصّة، إنها العقليّة نفسها التي تتأكّدُ في كلا الحالتين.

بقبولنا أنّ للتطوّر الماديّ بعضَ الحسنات، وهذا بحسب وجهة نظر نسبيّة جدّاً، يمكننا، عندما نتأمل في النتائج مثل تلك التي كنّا نشير إليها، يمكننا أن نتساءل ما إذا كانت تلك الحسنات لم تتجاوَزْها السّيئات كثيراً. نحن لا نتكلّم، حتّى، عن كل ما ضُحِّيَ به من أجل هذا التطور الحصري، والذي يفوقه قيمة بشكل غير قابل للمقارنة؛ نحن لا نتكلّم عن المعارف العالية المنسيّة، ولا عن العقلانية المُدمَّرة، ولا عن الروحانيّة الآفِلة؛ نحن نأخذ، ببساطة، الحضارة الغربية في ذاتها، ونقول أنّه، لو وضعنا الإيجابيات بموازاة السلبيّات التي أنتجتها هذه الحضارة، فإن النتيجة توشك، باحتمال كبير، أن تكون سلبيّة.

إنّ الاختراعات التي تتكاثر اليوم بسرعة دائمة التصاعد هي خطيرة لاسيّما لمّا تُستخدم قوًى طبيعتُها الحقيقية مجهولة من قِبل مستخدميها أنفسهم؛ وهذا الجهل هو أحسن برهان على عدم صحَّة العلم الحديث من جهة القيمة التفسيريّة (valeur explicative)، أيْ من جهة كونه معرفة، ولو كانت محدودة بالمجال الفيزيائي وحده؛ في الوقت نفسه، إنّ حقيقة كون التطبيقات العمليّة ليست ممنوعةً البتّة من هذا الجانب يُثبت أنّ هذا العلمَ هو فعلاً موجَّهٌ حصريّاً وجهةً نفعيّة، وأنّ الصّناعةَ هي الهدفُ الحقيقيُّ الوحيدُ لكلِّ أبحاثه.

بما أنّ خطر الاختراعات، حتى خطر تلك التي هي غير موجّهة، قصداً، لتلعب دوراً مُضرّاً بالإنسانيّة، والتي هي ليست أقلّ تسبّباً بالكثير من الكوارث، هذا إذا تحاشينا الكلام غير الاضطرابات عند المشكوك فيها التي تُحْدِثها في المناخ الأرضيّ، نقول، بما أنّ هذا الخطر لن يكفَّ، بلا شك، عن التصاعد، بَعْدُ، بِنسبٍ يصعب تحديدها، فمن الجائزِ التفكير، بدون استبعادية كبيرة، كما سبق أن ذكرنا، أنّه، يمكن أن يحصل بسبب ذلك أنّ العالم المعاصر سينتهي بتدمير نفسِه بنفسه، إذا كان عاجزاً عن التوقف عن متابعة هذه

(121)

الطريق طالما لازال هناك متّسع من الوقت.

في ما يتعلّق بالاختراعات الحديثة، لا يكفي إبداء التحفظات التي تعرض نفسها بسبب جانبها الخطير، بل يجب الذهاب أبعد من ذلك: هذه «المنافع» المزعومة لِما اصْطُلِح على تسميته بـ «التقدّم»، والذي يمكننا، بالفعل، الموافقة على تسميته كذلك في ما لو تُعُهِّد بالتأكيد على أنّ الأمر لا يتعلّق سوى بتقدم مادي كلّيّاً، نقول، هذه «المنافع» التي لطالما أُشيد بها أليست في أغلبها وهمية؟ إنّ الناس في عصرنا يرغبون من خلال ذلك في زيادة رفاهيتهم (bien-être)؛ نحن نعتبر، من جهتنا، أن الهدف الذي يتبنّونه بهذا النحو، حتى لو بلغوه فعلاً، ليس جديراً بأن يُهدَر من أجلِهِ هذا القدر من المجهودات؛ بل، أكثر من ذلك، يبدو أن بلوغَه أمرٌ مشكوك فيه جدّاً.

قبْل كل شيء، ينبغي أن نأخذ بالحسبان حقيقة كون كل الناس ليس لهم الأذواق نفسها والحاجات نفسها، وأنّ هناك، رغم كل شيء، أناساً يرغبون في الهروب من الاضطراب الحديث ومن جنون السّرعة، ولكنهم لم يعودوا يستطيعون ذلك؛ فهل نجرؤ على التأكيد بأنّ فرض ما هو مناقض تماماً للفطرة (nature) هو «منفعة» بالنسبة لهؤلاء؟ سيقول البعض أنّ هؤلاء الناسَ هم اليوم قلّةٌ، ويحسب نفسه بالتالي مُخَوّلاً بأنْ يعتبرهم كميّة لا أهميّة لها؛ هنا، كما في المجال السيّاسي، تدّعي الأغلبيةُ لنفسها، زوراً، الحقَّ في سحق الأقليات، التي يرون أنها قد أخطأت، بالتأكيد، في أن توجد أصلاً، بمَا أنّ وجودَها نفسَه يناقض الهَوَس «المساواتي» (manie égalitaire) للتماثل.

لكنْ، إذا نظرنا مليّاً إلى البشرية جمعاء، بدل الاكتفاء بالعالم الغربي، فإن مظهر المسألة سيتغيّر: ألا تصبح الأغلبيّةُ، التي تكلّمنا عنها، أقليّةً؟ كذلك لا تُستعمل الحجة نفسها في هذه الحالة، وفي تناقض غريب، فإنّه باسم «التفوّق»، يريد «المساواتيون» أنْ يفرضوا حضارتهم على باقي العالم، وأنْ ينقلوا الاضطرابات إلى أناس لم يطلبوا منهم شيئاً؛ وبما أنّ

(122)

هذا «التفوّق» لا يوجد إلاّ من وجهة النظر الماديّة، فمن الطبيعي أن يُفرَض بالوسائل الأكثر وحشيّة.

علينا، من جهة أخرى، ألاّ نُسيء الفهم: إذا كان الجمهور العامّ يقبل بحسن نيّة حجج «الحضارة» هذه، فإنّ هذا عند بعض الناس ليس سوى نفاقٍ «أخلاقيّ»، قناعٍ لروح الغزو والمصالح الاقتصادية؛ لكن أيّ عصر فريد هذا الذي يستسلم فيه كثير من الناس فيقتنعوا بِفكرة أنّ إسعاد شعب يتحقق من خلال استعباده، بتجريده من أغلى ما يملك، أيْ من حضارته الخاصّة، وبإجباره على تبنيّ ضوابط وأنظمة عامّة قد وُضِعت لعرق آخر، وبإلزامه بالأعمال الأشد مشقّة لجعله يقتني أشياء درجةُ منفعتها له هي في أفق العدم! ذلك لأنّ حقيقة الأمر هي كما يلي: إنّ الغرب الحديث لا يمكنه تقبّل أن يُفضِّل الناسُ العملَ أقلَّ والاكتفاءَ بالقليل لكي يعيشوا؛ بما أن الكميّة وحدها هي المعتبرة، وبما أنّ كلَّ ما لا يقع تحت الحواسّ هو، للتذكير، بحكم المعدوم، فقد أصبح مسلَّماً أن من لا يتحرّك ومن لا ينتج مادّيّاً، لا يمكن أن يكون إلاّ «كسولا»؛ بصرف النظر، في هذا الصدد، حتى عن الأحكام المتبناة بتسرّع عن الشعوب الشرقيّة، ليس علينا سوى أن ننظر كيف يُحْكَمُ على المستويات التأمليَّة (ordres contemplalfts)، وهذا حتى في الأوساط المسماة دينيّة.

في مثل هذا العالَم (الغربيّ الحديث)، لم يَبْقَ أيُّ مكان للذكاء، ولا لكلِّ ما هو داخليّ محض، لأنّ الأمر هنا يتعلق بأشياء لا تُرى ولا تُلمس، لا تُحْسَبُ ولا تُوزن؛ لا مكان، بَعْدُ، إلاّ للحركة الخارجية بجميع مظاهرها، بما فيها تلك الأشدُّ تجرُّدًا من كلِّ دلالة. كذلك، ألاَ يَحقّ لنا أن نستغرب من كون الهَوَس الأنكلوسكسوني بـ «الرياضة» يكسب كل يوم مساحة جديدة: إنّ المثلَ الأعلى لهذا العالَم هو «الحَيوان البشري» الذي نمّى إلى الحدّ الأقصى قوّتَه العضليّة؛ إن أبطاله هم الرّياضيون (athlètes)، وإن كانوا وحوشاً (brutes)؛ إنّ هؤلاء هم الذين يثيرون الحماسة الشعبيّة، وإنّ انجازاتِهم الباهرةَ في الميادين والحلبات هي التي تستهوي الجماهير؛ إنّ عالَمًا، نرى فيه مثل هذه الأشياء، قد سقط فعلاً إلى أسفل الدّرجات

(123)

ويبدو قريباً جدًّا من نهايته.

ومع ذلك، لنضع أنفسنا، للحظة، مكان أولئك الذين يتخذون «الرفاه» المادي مثالاً لهم، والذين، بهذا العنوان، يتنعمون في سرورٍ بكل التحسينات التي أصابت الحياة البشرية بفضل «التقدم» الحديث؛ هل هم على يقين بأنهم ليسوا مخدوعين؟ هل صحيح أن الناس اليوم هم أكثر سعادة مما كانوا عليه من قبل، لكوْنهم تتوفّر لهم، الآن، وسائل نقل أسرع أو أشياء أخرى من هذا القبيل، ولِكوْن حياتهم أكثرُ حركةً وأشدُّ تعقيدًا؟

يبدو لنا أنّ الأمر على النقيض من ذلك تماماً: إنّ عدم التوازن من المستحيل أن يكون ظرفًا لسعادة حقيقية؛ لنتذكرّ أنه كلما ازدادت حاجات الإنسان فإنّه يجازف بالإحساس بفقدان شيْءٍ ما وبأنْ يكون، بالتالي، تعيساً؛ تهدف الحضارة الحديثة إلى مضاعفة الحاجات الاصطناعيّة (artificiels)، وكما سبق أن قلنا أعلاه، فإنّها سوف تواصل في خلق حاجات لن تستطيع إرضاءها، لأنّه بمجرّد الاندفاع في هذا الاتّجاه، فمن الصعب جدًّا التوقُّف، بل حتّى أنّه لا توجد أيُّ حاجة للتوقف عند نقطة محدّدة.

لم يكن بمقدور الناس أنْ يُحِسُّوا بمعاناة لكونهم قد حُرموا من أشياء لم تكن موجودة أصلاً ولم يكونوا يحلمون بها البتّة؛ الآن، وبعكس ذلك، إنّهم يعانون بشدّة إذا افتقدوا تلك الأشياء، لأنّهم قد تعوّدوا على اعتبارها أشياءَ ضروريّةً، ولأنّها في الواقع، قد أصبحت بالنّسبة لهم ضرورية حقًّا. إنّهم، أيضاً، يَجْهدون، بكل الوسائل للحصول على ما يُشبع جميع رغباتهم الماديّة، الوحيدة التي يستطيعون تقديرها: لا يهمّهم إلاّ «كسب المال» لأنّه هو الذي يُمكِّنهم من اقتناء تلك الأشياء، وكلمّا زاد مالهم، ازدادوا طلباً للمال، لأنّهم يكتشفون، باستمرار، حاجاتٍ جديدةً؛ فتصبح هذه الشهوةُ هدفَهم الوحيدَ طول الحياة.

من هنا نعرف سرَّ المنافسة الضارية التي دفعها بعض «التطوُّريين» (évolutionnistes)[1]

(124)

إلى رتبة القانون العلميّ تحت اسم «تنازع البقاء» (lutte pour la vie)، والتي ينتج عنها منطقيّاً أنّ الذين هم أكثرُ قوة، بالمعنى الماديّ الأضيق، يملكون وحدهم الحق في الحياة. من هنا أيضاً الحسدُ بل حتى الحقد اللذان يسكنان نفوس المحرومين من الثروة تجاه من يملكونها؛ إذْ كيف يمكن لأناس قد بُشّروا بالنظريات «المساوتيّة» ألاّ يثوروا عندما يرون حولهم عدم المساواة بالشكل الأكثر محسوسيّة، لأنّه في المرتبة الأشد فظاظة؟

إذا قُدِّر للحضارة الحديثة أن تنهار يوماً ما تحت ضغط الشهوات الفوضويّة التي ولدّتها عند الجمهور، فينبغي أن يكون الإنسان أعمى إذا لم يرَ في ذلك الجزاءَ العادل على عيْبها الأساسيّ، أوْ إذا أردنا الكلام بدون تشدّق كلامي أخلاقي، لِنقُلْ «ردّة الفعل» (choc en retour) على حركتها الخاصّة في ميدان فعلها نفسه. لقد قيل في الإنجيل «من يضربْ بالسيف سوف يَهلكُ بالسيف»؛ إنّ الذي يُطْلِق القوى الوحشيّة للمادّة من قيودها، سوف يهلك مسحوقاً بهذه القوى نفسها، التي فقد السيطرة عليها عندما حرَّكها بلا حذر، والتي لا يمكنه أن يتباهى بأنه سيتحكّم، بلا نهاية، في مسيرتها القاتلة (marche fatale)، سواءً أكانت قوى الطبيعة أمْ قوى الجماهير البشريّة، أو كِلاهما معاً، لا فرْقَ، إنّها دائماً.وانين المادة التي تسري في الواقع، والتي تُحطِّم، بلا رحمة، منْ اعتقد أنه يستطيع أن يُخضِعها بدون أن يرتفع، هو نفسه، إلى ما فوق المادة.

ويقول الإنجيل أيضا: «كُلُّ بيتٍ مُنقسِم على نفسه سينهار»؛ هذا الكلام أيضاً ينطبق تماماً على العالم الحديث، بحضارته الماديّة، التي لا تستطيع، بسبب طبيعتها نفسها، إلا أن تثير الصراع والانقسام في كل مكان. ومن السّهل جدّاً أن نستنتج، ولا حاجة إلى الاعتماد على أسباب أخرى حتى نتمكّن، بلا خشية من الخطأِ، مِنْ توقّع نهاية مأساويّة لهذا العالم، إلاّ إذا حصل، في أقرب وقت، تغيّر جذريّ يصل إلى حدِّ عودةٍ حقيقيّةٍ.

نحن نعلم جيّداً أن البعض سيَعيبُ علينا أنّنا، عند كلامنا عن ماديّة الحضارة الحديثة

(125)

كما فعلنا للتوَّ، قد أهملنا بعض العناصر التي قد يبدو أنها تُشكِّل، على الأقلِّ، تلطيفاً لهذه المادّيّة؛ وبالفعل، لو لم تكن مثل تلك العناصر موجودة، فمن المحتمل جدّاً أن تكون هذه الحضارة قد انهارت بشكل محزن.

إذً، نحن لا نُنكر، البتّة، وجود مثل هذه العناصر، لكن أيضاً، يجب عدم التوهّم بهذا الخصوص: فمن جهة، لا يحقّ لنا أن نُدخِل فيها كلَّ ما يتمثل، في المجال الفلسفي تحت عناوين مثل «الروحانية» (spiritualisme) ومثل «المثالية»، ولا أن نُدخل فيها أيضاً كل ما هو في النزعات الحديثة، ليس سوى «أخلاقية» (moralisme)، و»عواطفيّة» (sentimentalisme)؛ لقد سبق أن شرحنا مقصودنا من ذلك بشكل كافٍ، ونكتفي هنا بالتذكير بأنّ هذه، بالنسبة إلينا، هي وجهات نظر «دنيويّة» محض، بالقدر الذي عليه وجهة النظر المادية النظرية منها والعمليّة، وبأنّ كل ما ذكرنا يتنافر معها في الواقع، أقلَّ بكثير ممّا في الظاهر؛ ومن جهة أخرى، إذا كان هناكَ، بَعْدُ، بقايا، من الروحيّة (spiritualité) الحقيقيّة، فإنها قد استمرت إلى الآن رغماً عن العقلية الحديثة وضدَّها.

إنّ هذه البقايا من الرّوحيّة، لا يمكن أن نجدها، بالنسبة لكل ما هو غربيّ خالص، إلاّ على المستوى الديني؛ لكنْ سبق أنْ ذكرنا إلى أيِّ حدٍّ قد وقع تصغير الدِّين في عصرنا، وإلى أيِّ حدٍّ قد جعل أتباعُه أنفسُهم، مفهومَه ضعيفاً ورديئاً، وإلى أيِّ درجةٍ قدْ تمّ تجريده من العقلانيّة، التي ليست مع الروحيّة سوى شيء واحدٍ؛ في هذه الظروف، إذا كانت بعض الإمكانيّات لا تزال موجودةً، فإنّما فقط في حال الكمون، وفي الوقت الحاضر، ينحصر دورها الفعلي في عددٍ قليل جدّاً من الأشياء.

 يجب ألاّ نقلّل من إعجابنا بحيويّة تقليدٍ دينيّ هو، حتى وإنْ توارى خلف نوع من الكمون، يحافظ على وجوده بالرغم من كل الجهود التي بُذلت منذ قرون عديدة لخنقه أو تدميره؛ ولو كنّا قد أحسنّا التفكير لأمكننا أنْ نرى في هذه المقاومة شيئاً ما ينطوي على

(126)

قدرة «غير بشريّة» (non-humaine)؛ لكن، لِنُذِكّرْ مرة أخرى، بأنّ هذا التقليد لا ينتمي إلى العالَم الحديث، وبأنّه ليس واحدا من عناصره المكوِّنة، بل هو النقيض نفسهُ لنَزَعاته وتطلّعاته. يجب قول هذا صراحةً ودون البحث عن مصالحات عبثيّة: بين العقل الدينيّ بالمعنى الحقيقي للكلمة، وبين العقل الحديث لا يمكن أن يوجد سوى خصومة، وكلّ تساهل (compromission) لا يمكن إلاّ أن يُضعِّف الأوّل ويُفيدَ الثاني، الذي لن يكون عُدْوانُه غيرَ مُسَلَّحٍ، لأنّه لا يمكنه أن يُريد سوى التدمير الكامل لكل ما هو، في الإنسانية، يعكس حقيقة أرفع من الإنسانية.

يُقال أن الغرب الحديث مسيحيّ، لكن يوجد هنا خطأ: إنّ العقل الحديث مُعادٍ للمسيحيّة (antichrétien) لأنّه، جوهريّاً، معادٍ للدِّين (antireligieux)؛ وهو مُعادٍ للدين لأنّه، وبشكل أكثر عموماً أيضا، مُعادٍ للتقليد (antitraditionnel)؛ إنّ هذا بالذات ما يُمثِّل طابَعه المميِّزَ، وما يجعل منه ما هو عليه فعلاً. بالتأكيد، إنّ شيئاً من المسيحيّة قد نفذ إلى عمق الحضارة المعادية للمسيحيّة لعصرنا هذا، الذي لا يستطيع ممثلوهُ الأكثر «طليعيّة» (avancés)، كما يُعبِّرون بلغتهم الخاصّة، أن يقولوا بأنهم لم يتعّرضوا وأنهم ليسوا بعدُ يتعرّضون، لا إراديّاً وربما لا شعورياً، لشيء من التأثير المسيحيّ، على الأقل بصورة غير مباشرة؛ إنّ الأمر على هذه الشاكلة لأنّ القطيعة مع الماضي، مهما كانت جذرية، لا يمكنها البتّة أن تكون كاملة بشكل مطلق بحيث تُلغي كلَّ استمرارية.

بل سنذهب أبعدَ من ذلك فنقول بأنّ كل ما يمكن أن يوجد من أشياء صالحة في العالم الحديث (الغربيّ) قد جاءه من المسيحيّة، أو على الأقل عبر المسيحيّة، التي جلبت معها إرث التقاليد السابقة كلِّه، والتي حفظته حيّاً بقدر ما سمح بذلك وضع الغرب، والتي لا زالت تحمل منه، في جوهرها، إمكانيّاته الكامنة؛ لكن مَنْ، إذاً، لا زال يملك اليوم الوعيَ الفعليَّ بهذه الإمكانيّات، حتى من بين أولئك الذين يُقِرّون بأنّهم مسيحيون؟ أنّى نظفر، حتى داخل الكاثولوكية، بأناس يعرفون المعنى العميق للعقيدة التي يُبَشّرون بها خارجاً، والذين لا

(127)

يكتفون بأن «يعتقدوا» بها بشكل سطحيٍّ تقريبا، وبالعاطفة أكثر ممّا بالعقل، لكنِ الذين» يعرفون» فعلاً حقيقة التقليد الدِّيني الذي يعتبرونه مِلْكاً لهم؟

 نحن نرغب في الحصول على برهان على وجود بعض الأفراد منهم على الأقل؛ لأن ذلك سيكون، بالنسبة للغرب، الأملَ الأكبرَ وربما الوحيد بالخلاص؛ لكن علينا الاعتراف بأنّنا، حتى الآن، لم نعثر على أحدٍ البتّة بعدُ؛ هل علينا الافتراض أنّهم، وكما يفعل بعض حكماء الشرق، يمكثون متخفّين في نوع من العُزلة المُحكَمة تقريباً؟ لقد كان الغرب مسيحيًّا في العصر الوسط، لكنه لم يَعُدْ كذلك؛ ولو قلنا أنّه لا زال بإمكانه أن يعود كما كان، فلا أحدَ يرغب أكثرَ منّا في أن يكون الأمر كذلك، وأنْ يحصل في يومٍ أقربَ ممّا ينبغي أن يدفع إلى الاعتقاد به كلُّ ما نراه حولَنا؛ لكنْ لا نُخطئنَّ حول هذا الأمر: في ذلك اليوم، سيكون العالَمُ الحديثُ لا يزالُ قائمًا.

(128)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

الاجتياحُ الغربيّ

L'ENVAHISSEMENT OCCIDENTAL

(129)
(130)

 

الاجتياحُ الغربيُّ

L ENVAHISSEMENT

 OCCIDENTAL

 

إن الفوضى الحديثة، كما قلنا، قد وُلدت في الغرب، وإلى حدّ السنوات الأخيرة، ظلت دائماً محصورة كليّاً في حِماه؛ لكن يحدثُ الآن شيء يجب عدم إغفال خطورته: وهو أنّ هذه الفوضى تمتدّ إلى كل مكان، ويبدو أنها قد بلغت حتى الشرقَ أيضاً. إن الاجتياح الغربي هو، بالتأكيد، ليس أمراً جديداً كليّاً، لكن، إلى الآن، كان محدوداً بهيمنة متفاوتة الوحشيّة مسَلّطة على الشعوب الأخرى، هيمنة كانت آثارها محصورة في المجالين السياسي والاقتصادي؛ وبالرغم من كل جهود الدعاية التي كانت ترتدي أشكالاً متعددة، كان العقل الشرقيُّ عصيّاً على الاختراق من جانب الانحرافات، وظلّت الحضارات التقليدية القديمة سليمة. أمّا اليوم وعلى العكس من ذلك، فإنّنا نجد شرقيّين قد «تغرّبوا» (occidentalisés) كلّيّاً، وهجروا، بالتالي، تقاليدهم ليتبنّوا كل ضلالات العقل الحديث، وأصبحت هذه العناصر الضّالة، بفضل التعليم في الجامعات الأوروبية والأمريكية، سبباً للاضطراب والتحريض في بلدانهم الأصليّة.

لا يليق، من جهة أخرى، المبالغة في أهمية ذلك، على الأقل في الوقت الراهن: في الغرب، يحسب الناس، طوعاً، أن تلك الفرديّاتِ الصَّخّابةَ (individualités bruyantes)، لكنْ قليلةَ العدد، تمثّل الشرق الحاليّ، بينما، في الواقع، ليس عملها منتشراً جدّاً ولا عميقاً جدّاً؛ يمكن تفسير هذا الوهم بسهولة، لأن الناس في الغرب لا يعرفون الشرقيين الحقيقين،

(131)

الذين هم، فضلاً عن ذلك، لا يسعون البتّة إلى التعريف بأنفسهم، بينما «الحداثيون» (modernistes)، إن أمكن تسميتُهم هكذا، هم الوحيدون الذين يظهرون للخارج ويتكلمون ويكتبون ويتحركون بمختلف الطرق.

ليس أقلَّ صحّة القولَ أنّ هذه الحركة المعادية للتقاليد تستطيع أن تتقدّم أكثر على الأرض، ويجب النظر في كل الاحتمالات، بما فيها الأسوأ ملاءمةً؛ مع العلم أنّ العقل التقليدي ينطوي، بصورة ما، على نفسه، كما أنّ المراكزَ، التي يحافظ فيها على ذاته بشكل كلّيّ، قد أصبحت أكثر فأكثر مغلقةً وصعبة الولوج، وهذا التعميم للفوضى يتوافق تماماً مع ما يجب أن يحصل في المرحلة النهائيّة من الكالي-يوغا ( Kali-Yuga).

لنُصرِّحْ بالأمر بشكل واضح جدّاً: إنّ العقل الغربيّ، كونَهُ شيئاً غربيّاً مَحْضاً، فإنّ المتأثرين به، حتى وإنْ كانوا شرقيين بالولادة، يجب أن يُعتَبروا غربيّين من جهة العقليّة، لأنّ كلَّ فكرة شرقيّة هي أجنبيّة عنهم بالكامل، ويبقى جهلهم بالعقائد التقليديّة عذرَهم الوحيدَ لعدائهم لها. إنّ ما يبدو فريداً، بل وحتّى متناقضاً، هو أنّ هؤلاء الناسَ أنفسَهم الذين نصّبوا أنفسهم أنصاراً للنزعة الغربية (occidentalisme) من وجهة النظر الفكريّة، أو بالأصحّ أعداء لكلِّ عقلانيّة حقيقيّة، يظهرون أحياناً كخصوم لها في المجال السياسي؛ ومع ذلك، فليس هناك في الحقيقة ما يوجب الدهشة.

إنّ هؤلاء هم الذين يَجْهدون لتأسيس»قوميّات» (nationalismes) مختلفة في الشرق، وكل «قوميّة» هي، بالضرورة، مناقضة للفكر التقليدي؛ إذا أرادوا محاربة الهيمنة الخارجية، فينبغي أن يتمّ ذلك حصراً بالأساليب الغربيّة نفسها، أيْ بالطريقة نفسها التي تتصارع بها الشعوب الغربية في ما بينها؛ وربما كان هذا الأمر مُبَرِّرَ وجودهم. فعلاً، إذا كانت الأمور قد وصلت إلى حدّ أن أصبح استعمال مثل هذه الأساليب محتوماً، فإن تنفيذ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلا على أيدي عناصر قد قطعت كل صلة لها بالتقليد؛ ويمكن، إذًا، أن تُستعمل هذا

(132)

العناصر في ذلك بشكل عابر، ثم يتم التخلّص منها كما حصل مع الغربيّين أنفسهم. فضلاً عن ذلك، سيكون منطقيّاً جدّاً أن ترتدّ عليهم الأفكار التي رَوَّجها هؤلاء (الغربيون)، لأنها لا يمكن إلا أن تكون عوامل انقسام وخراب؛ ومن هنا بالذات ستبيد الحضارة الغربية بشكل أو بآخر؛ ولا يهم أن نعرف إذا ما كان ذلك سيتمّ بفعل الشِّقاق بين الغربيين، أو بفعل الشِّقاق بين الأمم أو بين الطبقات الاجتماعية، أو كما يفترض البعض بفعل هجمات الشرقيّين «المتغرّبين»، أو أيضاً إثر كارثة يسبّبها «التقدم العلمي»؛ في جميع الحالات، فإنّ العالَمَ الغربيَّ لا يتعرض للخطر إلا بسبب خطئِه وبفعل ما يصدر عنه هو نفسِه.

إنّ السؤال الوحيد الذي يطرح نفسَه هو التالي: ألن يشهد الشرق، بـتأثير العقل الحديث، سوى أزمة عابرة وسطحية، أم أن الغرب سيَجرّ معه، في سقوطه، البشريةَ جمعاءَ؟ من الصّعب أن نعطي في الوقت الراهن لهذا السؤال جواباً مستنداً إلى إثباتات راسخة؛ إنّ العقلَيْن المتعارِضَيْن كِليْهما موجودان في الشرق، والقوّةُ الروحيّةُ، الذاتيّةُ (inhérente) للتقليد، والمستخَفُّ بها من قِبَل خصُومها، يمكنها أن تهزم القوّة الماديّة، لمّا تلعب هذه دورها، وأن تبدّدها كما يُبدّد النّورُ الظّلماتِ؛ بل نقول بثقة، أنها ستهزمها، حتماً، عاجلاً أو آجلاً؛ لكن يمكن، قبل إدراك ذلك اليوم، أن يمرّ العالم بفترة تعمّ فيها الظّلمات.

 إنّ العقل التّقليديّ يستحيل أن يموت لأنّه، في جوهره، متعالٍ عن الموت وعن التّغيّر؛ لكن يمكن أن ينسحب كلّيّاً من العالَم الخارجيّ، وعندها ستكون فعلاً «نهاية العالم». بناء على كل ما قلناه، فإنّ تحقّق ذلك الاحتمال، في مستقبل غير بعيد نسبيّاً، هو أمر غير مستبعَد البتّة. وفي خضمّ هذه الحيرة المنطلقة من الغرب التي تجتاح الشرق، يمكننا أن نلمح «بداية النهاية»، علامة البشرى بالساعة التي، بحسب التقليد الهندي، يجب أن تُحصَر فيها العقيدةُ المقدّسةُ كلُّها في صَدَفةٍ، كي تخرج منها سالمة فجرَ العالَم الجديد.

لكن لنتركْ مرّة أخرى التّوقّعات، ولْنكتفِ بالنظر إلى الأحداث الرّاهنة: ما لا يمكن الشك

(133)

فيه، هو أنّ الغرب يجتاح كلّ شيء؛ هو يمارس فعلَه أوّلاً في المجال الماديّ، الذي كان مباشرة في متناول يديه، سواء من خلال الغزو العنيف، أو من خلال التجارة والاستيلاء على موارد جميع الشعوب؛ لكنّ الأمور الآن تذهبُ، بَعْدُ، إلى أبعدَ من ذلك. إنّ الغربيين، المدفوعين دوماً بتلك الحاجة إلى التبشير (بمعنى تغريب الآخرين) التي تميّزهم، قد نجحوا، إلى حدٍّ ما، في إنفاذ عقلهم المادي والمعادي للتقليد، إلى الآخرين؛ وبينما لم يكن الشكل الأول من الاجتياح يصيب، في الجملة، سوى الأجساد، فإنّ هذا الشكل يُسمِّم العقول ويقتل الرّوحيّة (spiritualité). تجدر الإشارة إلى أنّ أحدَ الشّكلين قد مهّد للآخر، بحيث حصل في النهايّة أن تمكنت القوّة الوحشيّة للغرب وحدها من فرض نفسها في كل مكان، وما كان يمكن للأمر أن يكون على خلاف ذلك، لأنّ في ذلك يكمن التفوّق الحقيقي الوحيد لحضارته التي هي أدنى بكثير من أيّ وجهةِ نظر أخرى.

إنّ الاجتياح الغربي هو اجتياح الماديّة بجميع أشكالها، ولا يُمكن غير ذلك؛ وكل عمليَّات التدليس المخادِعة، وكل التّبريرات «الأخلاقويّة» (moralistes)، وكل الخطب «الإنسانيّة» (humanitaires) الرّنّانة، وكل المهارات لِدِعَايةٍ تستطيع، عند الحاجة، جعْلَ نفسها مُقنِعة لبلوغ هدفها التدميري بفعّاليّة أكبر، كل هذه الأمور التي ذكرناها لا يمكنها أن تطمس تلك الحقيقة، التي لا يمكن أن ينكرها إلا السُّذَّج من الناس أو أولئك الذين لهم مصلحةٌ ما وراء هذا العمل «الشيطانيّ» حقيقةً، بالمعنى الأدق لكلمة «الشيطانيّ»[1].

إنّه لشيء غريب، فهذا الزمن، الذي يجتاح فيه الغربُ كلَّ العالم، هو الزمن الذي يختاره البعض لكي يُدين نَفَاذاً مزعوماً للأفكار الشرقية إلى هذا الغرب نفسِه، بوصفه خطراً يملأُهم رعباً. ما هذا الشُذود الجديدُ، بعدُ؟ بالرغم من رغبتنا في الاقتصار على الاعتبارات ذات

(134)

الطابع العامّ، لا يمكننا أن نُعفيَ أنفسَنا من أن نقول هنا بعض الكلمات على الأقلِّ حول (كتاب) «الدفاع عن الغرب» (Défence de l’Occident) المنشور حديثاً من قبَل السيّد هنري ماسّي (M. Henri MASSIS)، والذي هو أحد التجليّات الأكثر تميّزاً لهذه العقلية. إنّ هذا الكتابَ مليءٌ بالالتباسات بل حتى بالتناقضات، وهذا يثبت مرّة أخرى كم أنّ الغالبية من أولئك الذين يرغبون في القيام بردّ فعل ضدّ الفوضى الحديثة هم عاجزون جدّاً عن فعل ذلك بشكل فعّال حقيقةً، لأنّهم حتّى لا يعرفون بقدرٍ كافٍ من يجب عليهم مقارعته.

يدافع الكاتب عن نفسه أحياناً عبر التأكيد بأنه أراد مهاجمة الشرق الحقيقي؛ ولو كان قد التزم فعليّاً [في كتابه] بنقد الابتكارات (fantaisies) «الشرقية-الكاذبة» pseudo-orientales))، أي بنقد تلك النظريات الغربيّة المحض، التي يجري نشرها تحت عناوين خادعة، والتي هي ليست سوى واحدة من الإفرازات العديدة للاختلال الحاليّ، لو كان قد التزم بذلك لما كان بوسعنا سوى تأييدها بشكل كامل، لا سيّما وأنّنا كنّا، نحن أنفسنا، قد أشرنا، قبلَه بكثير، إلى الخطر الحقيقيّ لمثل هذه الأشياء، كما إلى خوائها من وجهة النظر العقلية.

لكنْ، للأسف، نراه بعد ذلك يُظهِر الحاجة لأنْ ينسب للشرق تصوّرات لا تفوق تلك، البتّة، في قيمتها؛ ولفعل ذلك يستند إلى أقوال مستعارة من بعض المستشرقين «الرّسميّين» بدرجات متفاوتة، والتي تبدو النظرياتُ الشرقيةُ، من خلالها، كما يحصل عادة، محرّفةً إلى حدّ التشويه الكامل (الكاريكاتور)؛ ماذا سيقول لو كان أحدُهم قد استعمل الأسلوبَ نفسَه تجاه المسيحيّة، ورغب في أنْ يُحاكِمَها بناءً على أعمال «النُقّاد اللاّذعين» (hypercritiques) الجامعيين؟ وهذا تماماً ما يفعله بالنسبة إلى عقائد الهند والصّين، بل الأمر أسوأ من ذلك إذْ إنّ الغربيين، الذين يُتَوسَّل بشهادتهم، لا يملكون أدنى معرفة مباشرة بتلك العقائد، بينما شهادات زملائهم، الذين يهتمّون بالمسيحيّة، تستند إلى معرفة بها إلى حدٍّ ما على الأقل، حتّى وإنْ كان عِداؤهم لكلِّ ما هو دينيٌّ يمنعهم من فهمها فهماً حقيقيًّا.

(135)

فضلاً عن ذلك، علينا أن نقول بهذه المناسبة أنّنا نعاني، أحياناً، لإقناع أناس شرقيين بأنّ البيانات التي يَعرِضها هذا المستشرق أو ذاك تصدر عن عدم فهم مطلق، لا عن رأيٍ قبْليّ واعٍ وإراديّ، لشدة ما نشعر بأنّ فيها القدر نفسه من العداوة الملازمة للعقل المعادي للتقليد؛ ونسأل السيَّد ماسّي، بطيب خاطر، إنْ كان يعتقد أنّه من الحذاقة أن يهاجِم المرءُ التقليد عند الآخرين، عندما يكون هو نفسُه راغِبا في إنعاشه في بلده.

نتكلّم عن الحذاقة لأن الأمر، في الواقع، هو أنه (السيَّد ماسّي) قدْ نقل النقاش بأكمله إلى الساحة السياسيّة؛ بالنسبة إلينا، نحن الذين ننطلق من وجهة نظر أخرى، ألا وهي العقلانيّة المحض (intellectualité pure)، فإنّ المسألة الوحيدة المطروحة هي مسألة الحقيقة؛ لكنّ وجهة النظر هذه هي متعالية جدّاً وصافية جدّاً بما لا يسمح للمجادلين أن يجدوا فيها ضالّتهم المنشودة، بل نحن نشكُّ، كونَهم مجادِلين، في أنّ همَّ الحقيقة يشغل حيّزاً كبيراً ضمن اهتماماتهم.

يهاجم السيَّد ماسّي من يسمّيهم «رجال دعاية شرقيين» (propagandistes orientaux)، وهو تعبير يشتمل في نفسه على تناقض، لأن عقليّة الدعاية، كما سبق أن قلنا مراراً، هي شيء غربيّ، وهذا وحده يشير بوضوح إلى أنّ في الأمر التباساً (méprise). في الواقع، من بين رجال الدّعاية المشار إليهم، يمكننا تمييز فئتين، تتكوّن الأولى من غربيّين أقحاح؛ سيكون أمرًا يدعو للسّخريّة، حقًّا، إنْ لم يكن ذلك علامةً على أعلى درجةٍ يُرثَى لها من الجهل بشؤون الشرق، أنْ نرى ألماناً (Allemands) وروساً (Russes) موجودين ضمن قائمة المُمَثِّلين للعقل الشرقيّ؛ إنّ الكاتب قد ساق، حولهم، ملاحظاتٍ بعضُها صحيح جدّاً،

(136)

لكن أليس ذلك من أجل ألاّ يكشفهم بوضوح كما هم حقيقةً؟

يمكننا أن نُلحِق بهذه الفئة الأولى «التيوصوفيين» (Théosophistes)[1] الأنكلوسكسون، وكلّ مخترعي البدع (sectes) الأخرى من الصّنْف نفسه، الذين لا تمثّل لهم المصطلحات الشرقية التي يستعملونها سوى قناعٍ لفرضها (البدع المخترعة) على السُّذّج وعلى النّاس عديمي الاطلاع، كما أنّها لا تحتوي سوى على أفكار هي غريبة عن الشرق بقدر ما هي ثمينة في الغرب الحديث؛ من جهة أخرى، فإنّ هؤلاء هم أشدّ خطورة من مجرد فلاسفة، وذلك بسبب طموحاتهم نحو «باطنيّة» لا يملكونها كفاية، لكنهّم يُحاكونها، خِدَاعاً، لكي يستميلوا نحوهم العقول التي تبحث عن شيء آخر غير التأملات «الدّنيويّة» (spéculations profanes)، والذين هم، في خِضمّ هذه البلبلة (chaos)، لا يعرفون أين يتوجهون؛ ونحن مَذْهُولون بعض الشيء لكوْن السيد ماسّي يكاد لا يقول شيئاً عن ذلك.

أمّا بالنسبة إلى الفئة الثانية، فإنّنا نجد من بينهم البعض من أولئك الشرقيين المتغرّبين الذين تكلّمنا عنهم منذ قليل، والذين، لكونهم جاهلين بالأفكار الشرقيّة بقدر جهل السابقين بها، فهم غير مُؤَهَّلين لنشرها في الغرب، هذا مع افتراض أن لديهم النيّة لفعل ذلك؛ وفضلاً عن ذلك فإنّ الهدف الذي حدّدوه لأنفسهم حقيقة هو مُعاكس لذلك تماماً، بما أنّ هدفَهم الحقيقيَّ هو أن يُدمِّروا هذه الأفكارَ نفسَها في الشرق، وأن يُقدِّموا، في الوقت نفسه، للغربيّين شرقَهم المُحَدَّث (modernisé)، المكيَّف النّظريّات التي لُقِّنوها في أوروبا وأمريكا؛ ولكوْنهم عملاء حقيقيّين للأسوأِ من بين كلِّ الدعايات الغربية، أيْ لتلك التي تُهاجم مباشرة العقلَ، فإنهم يُمثِّلون خطراً على الشرق، لا على الغرب الذي هم ليسوا سوى صَدَاه.

(137)

أما بالنسبة للشرقيّين الحقيقيّين، فإنّ السيد ماسّي لا يذكر منهم أحداً، وكان سيجد صعوبة في فعل ذلك، لأنّه لا يعرف أيّاً مِنهم بالتأكيد؛ إنّ ما كان يعيش في خِضمّه من عجز عن ذكر اسم شرقيّ واحدٍ لَمْ يُغَرَّب، كان يجب أن يمنحه فرصة ليفكّرَ وأن يسمح له بأن يفهم بأنّ «رجال الدعاية الشرقيّين» غير موجودين البتّة.

من جهة أخرى، رغم أن ذلك يحتّم علينا أن نتكلّم عن أنفسنا، وهو نادر في سلوكنا، علينا أن نعلن، صراحة، ما يلي: لا يوجد، حسب علمنا، إنسانٌ عَرَض في الغرب أفكاراً شرقيّة أصيلة، سوى نحن أنفسنا؛ وقد فعلنا ذلك دائماً كما كان سيفعلُه أيُّ شرقيّ كان يمكن أن تدفع به الظروف إلى ما دفعتنا إليه، أيْ أنّنا قد عرضْنا تلك الأفكارَ بلا أدنى نيّة في «دعاية» أو تعميم (vulgarisation)، ووجّهنا عرْضنا، حصراً، لأولئك المؤهَّلين لفهم العقائد كما هي، من دون أنْ يكون هناك أيُ مجالٍ لتحريفها بحُجّة جعلها في متناولهم؛ ونضيف بأنّه، برغم انحطاط العقل الغربيّ، فإنّ من يفهم (من الغربيّين) هم، بَعْدُ، ليسوا بالندرة التي كنّا نفترضها، مع كوْنهم، بالتّأكيد، لا يمثّلون سوى أقلّيّة صغيرة.

إنّ مهمة كهذه ليست، قطعاً، من نوع المهمّات التي يتخيّلها السيد ماسّي، لا نجرؤ فنقول بأن ذلك بسبب ضرورات قضيّته، مع أنّ الطابع السياسيّ لكتابه يمكن أن يسمح بتعبير كهذا؛ لنقل، حتّى نكون متسامحين قدر الإمكان، أنه يتخيّلها لأنّ عقله مضطرب بسبب الخوف الذي ولّده فيه استشعاره للخراب القريب للحضارة الغربيّة، ونحن نأسف لكونه لم يستطع أن يدرك بوضوح أين تكمن الأسباب الحقيقيّة القادرة على جلب هذا الخراب، بالرغم من أنّه قد حدث في بعض الحالات أنّه [السيد ماسّي] أظهر صرامةً محِقّةً تجاه بعض مظاهر العالم الحديث. إنّ هذا بالذات هو السببُ في التّذبذبِ المستمِرِّ في أطروحته: فمن جهة، هو لا يعرف، بدقّة، هويّة الخصوم الذين يتوجّب عليه محاربتهم، ومن جهة أخرى فإنّ نمط «تقليديّته» يُبقيه جاهلاً جدّاً بكل ما هو جوهر التقليد نفسه؛ إنّه يخلط، عياناً، بين التقليد وبين نوعٍ من «نزعة المحافظة» (conservatisme) السياسية-

(138)

الدينيّة من الدّرجة الأشد خارجية.

قلنا أنّ عقل السيد ماسّي مضطرب بسبب الخوف؛ أفضل برهان على ذلك ربما يكون هو الموقف الغريب، بل وغير المفهوم البتّة، الذي يَنسبهُ إلى من زعم وجودهم من «رجال الدعاية الشرقيّين»: صُوِّر هؤلاء على أنهم يحركهم حقدٌ عنيفٌ تجاه الغرب، وإنّما لأجل إلحاق الضرر بالغرب كانوا يجهدون لنقل عقائدهم الخاصة إليه، أيْ لإهدائه أغلى ما يملكون هم أنفسُهم، ما يمثّل، بوجهٍ ما، ماهيّة عقلهم نفسها! أمام كلِّ ما في هذه الفرضيّة من متناقضات، لا يسعنا أن نُحجم عن التعبير عن ذهولنا: إنّ الأطروحة التي شُيِّدت بعناء تنهار فوراً بأكملها، ويبدو أنّ الكاتب لم يلحظ ذلك حتّى، لأننا لا نريد أن نفترض أنّه كان واعيًا لمثل هذه الاستبعاديّة (invraisemblance)، وأنّه، بكل بساطة، قد اعتمد على البصيرة المتدنيّة لقرائه لكي يجعلهم يتقبّلونها.

لا حاجة للإمعان في التفكير، طولاً وعُمقاً، لندرك أنّه، لو كان هنا أناس يكرهون الغرب بقوّة إلى هذا الحدّ، فإن أوّل ما يجب أن يفعلوه هو أن يحتفظوا، بعناية قصوى، بعقائدهم لأنفسهم وأنّ كل جهودهم يجب أن تَنزَع إلى منع وصول الغربيّين إليها؛ مع العلم أنّ هذا هو أحد المؤاخذات التي تُوجَّهُ إلى الشرقيّين، بتعليل أكثر وضوحاً. إنّ الحقيقة، رغم ذلك، مختلفة تماماً: فالممثّلون الحقيقيّون للعقائد التقليديّة لا يحملون أيَّ ضغينة لأحد وليس هناك إلا سبب واحد لتحفُّظهم: وهو أنّهم يرون أنّه من غير المفيد، البتّة، عرض بعض الحقائق لأولئك العاجزين عن فهمها؛ لكنهم لم يرفضوا أبداً أنْ يُبلِّغوها إلى الذين يملكون «المواصفاتِ» المطلوبةَ، مهما كان أصلهم؛ هل هذا خطأهم إذا كان، بين هؤلاء (المؤهَّلين)، قلّةٌ ضئيلة من الغربيين؟

ومن جهة أخرى، إذا كان الأمر قد انتهى بالجمهور الشرقيّ أن يصبح معادياً حقّاً للغربيّين، بعد أنْ كان، لزمن طويل، ينظر إليهم بلا اكتراث، فمن المسؤول عن ذلك؟ هل

(139)

هي تلك النخبة التي، بانغماسها كليّاً في التأمّل العقليّ، تبقى بعيداً عن الاضطراب الخارجي، أوْ بالأحرى، أَليْس الغربيون أنفسُهم هم الذين فعلوا كلَّ ما يلزم لجعل حضورهم بغيضاً ولا يُطاق؟ يكفي أن يُطرح السؤال بهذا الشكل، كما يجب أن يُطرح، حتْى يكون بإمكان أيِّ إنسان أن يجيب عنه فوراً؛ وعلى افتراض أنّ الشرقيين، الذين أبدوا حتى الآن صبراً نادر الوجود، يريدون أخيراً أن يكونوا هم الأسيادَ في بلدانهم، فمن يمكنه أن يخطر بباله، صادقاً، أن يؤنّبهم؟

صحيح أنه لمّا تتدخّل بعض الأهواء (passions)، فإنّ الأمورَ نفسَها يمكن، وبحسب الظروف، أنْ تُقدَّرَ بطرق مختلفة جدّاً، بل حتّى متضادّة كليّاً، وهكذا فإنّ مقاومةَ غزوٍ أجنبيٍّ لمّا تكون من فعل شعب غربيّ، تُسمىّ «وطنيّة» (patriotisme) وبالتالي تكون جديرة بكل أشكال الثناء؛ لكنها لمّا تكون من فعل شعبٍ شرقيٍّ، فإنها تُسمىّ «تعصُّباً» أو «كرهاً للأجانب» (xénophobie) ولا تستحقّ بالتالي سوى الكراهية والاحتقار.

من جهة أخرى، أَليس باسم «القانون» و»الحرية» و»العدالة» و»الحضارة» يَنْشُد الأوروبيون فرض هيمنتهم في كل مكان، ومنع كل إنسان من أن يعيش وأنْ يفكّر بخلاف ما يعيشون هم أنفسهم ويفكّرون؟ سوف نتّفق على أن «الأخلاقيّة» (moralisme) هي حقّاً شيء رائع، إلا إذا فضّل البعض أنْ يستنتج بكل بساطة، كما فعلنا نحن أنفسنا، أنّه، باستثناء حالات هي مسرفة جدّاً بقدر ما هي نادرة جدّاً، لم يَعد يوجد، البتّة، في الغرب سوى صنفين من الناس، وكلاهما عديم الأهمية تقريباً:

- [أمّا الأوّل فيضُمّ] السُّذَّج الذين يُخدَعون بتلك الكلمات الضّخمة والذين يؤمنون بأنهم أصحاب «رسالة تحضيريّة» (mission civilisatrice)، غيرَ واعين بأنهم أدوات لماديّة همجيّة قد انغمسوا كليّاً في مستنقعها.

- و[أمّا الثاني فيضُمّ] الحاذقين الذين يستغلّون تلك العقلية [عند السُّذَّج] لإشباع غرائز

(140)

العنف والجشع لديهم.

وفي كل الأحوال، إنّ ما هو مؤكَّد هو أنّ الشرقيّين لا يُهدّدون أحداً ولا يطمحون، البتّة، إلى اجتياح الغرب بشكل أو بآخر؛ إنّهم مشغولون جدّاً، حالياً، بالقيام بما يلزم للدفاع عن أنفسهم ضد الاضطهاد الأوروبيّ، الذي يوشك أن يصيبَهم حتّى في عقلهم، وبالحدّ الأدنى، يبدو الأمر غريباً أنْ نرى المعتدين يُقدِّمون أنفسهم كضحايا.

إنّ هذا الإيضاح كان ضروريّاً، لأنّ هناك بعض الأشياء يجب أن تُذكَر؛ لكنْ ينبغي أن نؤاخذ أنفسنا على الإطناب في التركيز على ذلك، بما أن أطروحة «المدافعين عن الغرب» هشّة جدّاً، وغيرُ متماسكة. زد على ذلك، إنْ كنّا قد تنازلنا، للحظة، عن التحفّظ، الذي نُراعيه عادة، في ما يتعلّق بالتعرّض للأفراد، فذكرنا السيّد هنري ماسّي (M.Henri Massis)، فذلك خصوصاً لأنّ هذا الأخير يُمِّثل، في الظرف الرّاهن، جُزْءاً من العقليّة المعاصرة، وهو جزء يجب أن نأخذه بعين الاعتبار في هذه الدراسة حول حالة العالم الحديث.

كيف يمكن لهذه «التقليديّة» (traditionalisme) السّفلية في مستواها، والبالغة المحدوديّة، وغير المفهومة، وربما حتى الاصطناعيّة جدّاً، كيف يمكنها أن تتعارض، حقيقة وبفعّاليّة، مع عقليّة تشاطرها قَدْراً من الأحكام المسبقة؟ فمن كِلا الجانبين، يوجد، تقريباً، الجهلُ نفسُه بالمبادئ الحقيقيّة؛ إنّه الرأيُ المُبْتَسَر (القبْليّ) نفسُه بإنكار كلّ ما يتجاوز أفقاً مُعيَّناً. إنّه عدمُ القدرة نفسُه على استساغة وجود حضارات مختلفة، إنّها نفسها خرافة الاتّباعيّة الاغريقيّة-اللاتينيّة. إنّ ردة الفعل هذه، غير الكافية، لا تفيدنا نحن سوى في أنها تسجّل شيئاً من الاستياء من الحالة الراهنة لبعض معاصرينا؛ توجد، لعدم الاستياء هذا، مظاهرُ أخرى يمكنها أن تكون قابلة للذهاب أبعدَ لو كانت موجَّهة بشكل جيد؛ لكن، في الوقت الحاضر، كل هذا (الواقع) فوضويّ (chaotique) جدّاً، ولا زالت هناك، بَعْدُ، صعوبة للتصريح بما سينتج عن ذلك.

(141)

مع ذلك فإنّ بعضَ التوقُّعات بهذا الخصوص لن تكون، ربّما، عديمة الفائدة كلّيّاً؛ وبما أنّها ترتبط بقوّةٍ بمصير العالَم الرّاهن، فيُمكنها، في الوقت نفسه، أن تَصْلُح كاستنتاجات للدراسة الحاليّة، بقدر ما هو مسموحٌ باستخلاص استنتاجات من دون منح الفرصة للجهل «الدنيويّ» للقيام بهجمات سهلة جدًّا، لو عرضنا، بلا حذرٍ، أسباباً سيكون من المستحيل أن نبرهن على صحتها بالوسائل العاديّة.

نحن لسنا من أولئك الذين يعتقدون أنّ كلَّ الأشياء يمكن أن تُقال على السّواء (indifferemment)، على الأقلّ عندما نخرج من العقيدة المحض لنأتي إلى التطبيقات؛ توجد، حينئذٍ، بعض التحفّظات التي تفرض نفسها، وأسئلة من وحي المناسبة لا مجالٍ للتّهّرب من طرحها؛ لكنّ هذه التحفّظات المشروعة، بل الضروريّة، لا قاسِمَ مشتركاً بينها وبين بعض المخاوف الصبيانيّة (السخيفة) (puériles)، التي هي ليست سوى نتيجة لجهل إنسان «يحسب الحبل ثعباناً» (prend une corde pour un serpent)، حسب تعبير المثل الهنديّ.

سواءً أكان ذلك مقبولاً أم لم لكن، فإن ما يجب أن يُقال سيُقال بقدر ما ستتطّلبه الظّروف؛ فلا الجهود النّفعيّة (interessés) للبعض، ولا العداوة اللاواعية لغيرهم يُمكنهما أن يحُولا دون أن يكون الأمر كذلك، بل أيضاً، من جهة أخرى، لن يستطيع نفاد صبر أولئك الذين، لكونهم قد انساقوا مع السرعة المحمومة للعالم الحديث، يرغبون في معرفة كل شيء دفعة واحدة، لن يستطيع نفاد صبرهم أن يجعل بعض الأمور معروفة في الخارج قبل الأوان المناسب؛ لكنّ هؤلاء الأخيرين سيكون باستطاعتهم على الأقلّ أن يتعَزَّوْا بالاعتقاد بأنّ المسيرة المتسارعة للأحداث سوف تعطيهم، بلا شك، إشباعاً سريعاً جدّاً لرغبتهم؛ أيمكنهم ألاّ يتحسّروا، إذاً، لكونهم لم يتهيّأوا كفاية لِتَلِّقي معرفة هم يبحثون عنها، غالباً جدّاً، بحماس أكثر ممّا يبحثون عنها بتبصّر حقيقي!

(142)

 

 

 

 

 

 

الفصل التاسع

بعض الاستنتاجات

QUELQUES CONCLUSIONS

(143)
(144)

 

بعض الاستنتاجات

QUELQUES CONCLUSIONS

 

لقد أردنا، خاصّة، أن نبيّن هنا كيف أنّ تطبيق المعطيات التقليديّة يسمح بحلّ المسائل التي تُطرَح حَاليّاً بالشكل المباشر جدّاً، وبتفسير الوضع الرّاهن للبشرية على الأرض، وفي الوقت نفسه بالحكم وفق الحقيقة على كل ما يمثّل، بدقّة، الحضارةَ الحديثةَ، لا وفق القواعد المتّفق عليها، ولا وِفق التفضيلات العاطفيّة.

نحن، من الأساس، لم نكن نطمح إلى استنفاد البحث في الموضوع ومعالجته في كل تفاصيله، ولا إلى بسط جميع جوانبه بشكل كامل دون تجاهل أيٍّ منها؛ إنّ المبادئ التي نستلهم منها أفكارنا دائماً تفرض علينا، مع ذلك، طرح رؤى تركيبيّة، لا رؤى تحليليّة كتلك المتعلقة بالمعرفة «الدنيوية»، لكن، تلك الرؤى، وتحديداً لأنها تركيبيّة، فإنها تذهب أبعدَ بكثير تجاه تفسير حقيقيّ من ذهابها تجاه تحليل عاديّ، لا يملك البتّة، في الحقيقة، سوى مجَرّد قيمة وصفيّة.

على أيّ حَال، نحن نعتقد أنّنا قلنا عن ذلك ما فيه الكفاية بما يسمح لمن لديهم القدرة على الفهم أن يستخلصوا بأنفسهم، من خلال ما عرضناه، جزءاً من النتائج التي يتضمّنها؛ ويجب أن يكونوا على يقين بأنّ هذا العمل سيكون مفيداً لهم أكثر من قراءةٍ لا تترك أيَّ مجال للتفكير وللتأمّل اللذين، بعكس ذلك، أردنا فقط أن نوفّر لهما نقطة انطلاق مناسبة،

(145)

دعماً كافياً للارتفاع إلى ما فوق الكثرة العبثيّة للآراء الفرديّة.

يبقى لنا أن نقول بضع كلمات عمّا يمكننا أن نسمّيَه المدى العملي لدراسة كهذه؛ هذا المدى، كان يمكننا أن نتجاهله أوْ ألّا نباليَ به لو كنّا متمسّكين بالمذهب الميتافيزيقي المحض الذي لا يكون أيُّ تطبيق، بالنسبة إليه، سوى مُحتمَل وطارئ؛ بينما يتعلق الأمر، هنا، بالتطبيقات تحديداً. فضلاً عن ذلك فإنّ لهذه التطبيقات، خارجَ كلِّ وجهة نظر عمليّة، مبرِّرَيْن للوجود: إنّها النّتائجُ الشّرعيّةُ للمبادئ، والامتدادُ الطّبيعيُّ لعقيدةٍ يجب عليها، بسبب كونها واحدةً وعالميّةً، أن تحتضن الواقع بجميع مراتبه بلا استثناء؛ وفي الوقت نفسه، هي أيضاً، بالنسبة للبعض على الأقلّ، وسيلة إعداديّة للارتفاع إلى معرفة أعلى، كما سبق أن شرحناه بخصوص «العلم المقدّس». لكن، إضافة إلى ذلك، ليس ممنوعاً، عندما نكون في مجال التطبيقات، أن ننظر إليها أيضاً بذاتها وفي قيمتها الخاصّة، لكون هذا النظر لن يجرّنا أبداً إلى نسيان ارتباطها بالمبادئ؛ إنّ هذا الخطرَ واقعيٌّ جدًّا، لأنّه هو مصدرُ الانحطاط الذي ولّد «العلم الدنيويّ»، لكنّه لا يُوجَد بالنّسبة لأولئك الذين يعرفون أنّ كلَّ شيء ينشأ، بشكل كامل، من العقلانيّة المحض ويرتبط بها، وأنّ ما لا يَنتج عنها بشكل واعٍ لا يمكن أن يكون إلا وهميّاً.

كما سبق أن ردّدنا في مرّات عديدة، كلُّ شيْءٍ يجب أن ينطلق من المعرفة؛ وإنّ ما يبدو أنّه الأبعدُ عن المستوى العمليّ هو، رغم ذلك، الأكثرُ فعّاليّة في هذا المستوى نفسِه، لأنّه هو الذي من دونه، هنا كما في جميع المستويات الأخرى، يستحيل إنجازُ أيِّ شيء يكون صالحاً حقًّا، ويكون شيئاً آخر غيرَ اهتياجٍ عبثيٍّ وسطحيٍّ.

لأجل هذا، ولكي نعود بصُورة أخصّ إلى المسألة التي تشغلنا حاليّاً، يمكننا أن نقول أنّه، لو أنّ كلَّ النّاس كانوا يفهمون ما هو العالَمُ الحديثُ حقيقةً، فإنّ هذا الأخيرَ سينتهي وجودُه فوراً، لأنّ وجودَه هو، مثلَ وجود الجهل ووجودِ كلِّ شيءٍ محدودٍ، سلبيٌّ محضٌ: إنّه

(146)

ليس إلاّ الإنكارَ للحقيقة التقليديّة والمتعالية (فوق البشرية /supra-humaine ).

إنّ هذا التغيير سيتحقّق هكذا بدون حدوث أيِّ كارثة، ما يبدو مستحيلاً تقريباً بأيّ وسيلة أخرى؛ فهل نحن مُخطِئون لمّا نؤكدّ أنّ معرفةً كهذه يمكن أن تؤدّي إلى نتائجَ عمليّةٍ عظيمةٍ حقّاً؟ لكنْ، من جهة أخرى، يبدو، للأسف، من الصّعب جدّاً التّسليمُ بأنّ الكلَّ يَصِلون إلى هذه المعرفة، الّتي أغلبُ النّاس هم قطعاً أبعدُ عنها ممّا كانوا في أيّ زمن مضى؛ صحيح أنّ هذا ليس ضروريًّا البتّة، لأنّه يكفي وجودُ نخبةٍ قليلةِ العدد لكنْ مُكَوّنةٍ بشكل جيّد لكي تقود الجماهيرَ، التي ينبغي أن تستجيب لإيحاءاتها (suggestions) من دون أن تكون لها أدنى فكرة عن وجودها [النخبة] ولا عن آليات عملها؛ هل ما زال، بعدُ ممكناً تكوين هذه النخبة في الغرب؟

ليس لدينا النيّةُ للعودة إلى كلِّ ما قد سمحت لنا الفرصة بعرضه، في مكان آخر، في ما يخصّ دورَ النّخبة الفكريّة في مختلف الظّروف التي يُمكننا أن نراها مُحتَمَلة الحصول في مستقبل وشيكٍ نسبيّاً. سنكتفي، إذاً، بِقوْل الآتي: أيّاً يَكُنِ الشّكلُ الذي يتّخذه التغييرُ الذي يُمثّل ما يمكن أن نسمِّيَه العبورَ من عالَمٍ إلى آخرَ، سواءً أطالت دورةُ كلِّ عالَم منها أم قصُرت، فإنّ هذا التّغييرَ، حتّى وإن اتّخذ مظهرَ قطيعةٍ مُباغِتة، لا يستلزم أبداً انقطاعاً تامًّا، لأنّ هناك ترابُطاً سببيًّا يصل جميعَ الدّورات ببعضها.

إذا توصّلتِ النّخبةُ، التي نتحدّث عنها، إلى التّشكُّل، في ما هو مُتاح من الوقت بَعْدُ، فسيكون بإمكانها الإعدادُ للتّغيير حتّى يتمَّ في الظّروف الفُضلى، وحتى تُقلَّل الاضطراباتُ الحتميّة التي سترافقه إلى الحدودِ الدُّنيا؛ لكنْ، حتّى وإنْ لم يكنِ الأمر كذلك، فسيكون لها دائماً مهمّةٌ أخرى، أهمُّ بعدُ، وهي مهمةُ المساهمة في حفظ ما يجب أن يبقى موجوداً في العالَم الحاليّ ليُستعمَل في بناء عالَم الغد.

من البديهيِّ أنّه يجب على المرء عدمُ انتظار اكتمال الهبوط حتى يستعدَّ للصّعود،

(147)

وذلك بمجرّد أن يعلم أن هذا الصّعود سوف يحصل بالضرورة، حتى وإنْ لم يكن بالإمكان تفادي الهبوط، قبل ذلك، إلى كارثة ما؛ وهكذا، في جميعِ الحالات، لن يذهب العمل المنجَزُ سدىً: لن يكون ذلك ممكناً إلاّ في ما يخصّ المكاسبَ التي ستجنيها النخبة لنفسها، لكنْ لن يكون الأمرُ كذلك بالنّسبة للنتائج الآجلة للإنسانيّة جمعاء.

الآن، إليكم كيف تَجْدُر رؤيةُ الأمور: ما زالت النخبة موجودة في الحضارات الشرقيّة، ومع التّسليم بحقيقة أنّها تتضاءل فيها أكثرَ فأكثرَ أمام الاجتياح الحديث، فإنّها رغم ذلك ستبقى حتّى النّهاية، لأنّه من الضّروريّ أن يكون الأمر هكذا لحماية وديعة التّقليد (dépot de la tradition) الذي يجب ألّا ينقرض، ولضمانِ نقْل كلِّ ما يجب حِفظُه.

في الغرب، وعلى العكس من ذلك، لم تَعُدِ النّخبةُ موجودةً حاليّاً؛ يمكننا، إذاً، أن نتساءل عمّا إذا كانت سوف تتشكّل فيه من جديد قبل نهاية عصرنا هذا، أيْ عمّا إذا ما ستكون للعالم الغربيّ، رغم انحرافه، مساهمةٌ في هذا الحفظ وفي هذا النّقل؛ إذا لم يكن الأمر كذلك فإنّ النتيجة هي أنّ الحضارة ستنقرض بأكملها، لأنّه لن يبقَى فيها أيُّ عنصر صالح للاستفادة منه للمستقبل، بما أنّه سوف يكون قد اختفى كلُّ أثر للعقل التقليديّ.

إنّ السؤال، بالشكل الذي طرحناه به، يمكن ألّا تكون له إلّا أهميةٌ ثانويةٌ جدًّا بالنّسبة للنّتيجة النهائية، لكنْ، رغم ذلك، فإنّ له، من وجهة نظر نسبيّة، فائدةً ما يجب علينا وضعُها في الاعتبار حالَما نَقبل بأنْ نأخذ بالحسبان الظروف الخاصة للمرحلة التي نعيشها. يمكننا، بالمبدأِ، أن نكتفي بلفت النظر إلى أنّ هذا العالَمَ الغربيَّ هو، رغم كلِّ شيء، جزء من المجموع الذي يبدو أنّه قد انفصل عنه منذ بداية الأزمنة الحديثة، وإلى أنّه، في أوج تكامل الدورة، يجب أن تتلاقى جميع الأجزاء من جديد بكيفيّةٍ ما؛ لكنّ هذا الأمرَ لا يستوجب، بالضرورة، إحياءً مسبقاً للتقليد الغربيِّ، لأنّ هذا الأخيرَ يمكن حفظُه، فقط، في حالة وجود إمكانية مستمرّة في مصدره نفسِه، خارجَ الصورة الخاصة التي اكتساها في زمن محدَّد. زِدْ

(148)

على ذلك، نحن لا نُقدِّم هذا المعطى إلا من باب الإشارة، لأنّه، من أجل أن يُفهَم تماماً، يجب أن نُقحِم مُعطى العلاقات بين التقليد الأساسيِّ والتقاليد التابعة، وهذا ما لا نسعى إلى فعله هنا. إنّ هذه ستكون الحالة الأشدّ من حيثُ عدمُ الملاءمة للعالَم الغربيِّ، مأخوذاً بذاته، ووضعُه الراهنُ يمكن أن يثير الخشيةَ من كون هذه الحالة هي المتحقِّقةَ فعليّاً الآن؛ ومع هذا، فقد ذكرنا بأنّ هناك بعض العلامات التي تسمح بالرجاء بأنّ الأملَ في حلٍّ أفضلَ لم يَضِعْ بَعْدُ نهائيّاً.

يوجد، الآن، في الغرب عددٌ من الناس، أكبرُ ممّا يُعتقد، بدأوا يدركون ما يَنقص حضارتَهم، وإذا ما كانوا قد اُختُزلوا بطموحات مُبْهَمة وبأبحاث عقيمة في أغلب الأحيان، بل وإن حصل أنّهم تاهوا تماماً، فذلك لأنهم يفتقدون معطياتٍ حقيقيّةً لا يمكن أن يُعوِّضَها شيْءٌ، ولأنّه لا توجد أيُّ مُنظَّمة يمكنها أن تُؤمِّن لهم الإرشادَ العقائديّ الضروريّ. طبعاً، نحن لا نتكلّم هنا عن أولئك الذين تمكنوا من وجدان[1] هذا الإرشاد في التقاليد الشرقيّة، والذين هم بالتالي، عقليّاً، (intellectuellement) خارجَ العالَم الغربيِّ؛ إنّ هؤلاء، الذين لا يُمثِّلون، مع العلم، سوى حالة استثنائية، لا يمكنهم البتّة أن يكونوا جزءاً متمِّماً من نخبة غربيّة؛ إنّهم، في الواقع، امتدادٌ للنُّخَب الشرقيّة، امتدادٌ يمكنه أن يتحوّل إلى عنصر وصْل بين هذه الأخيرة وبين النخب الغربيّة، يوم تصل هذه الأخيرة إلى التشكُّل؛ لكنّها، وبحسب تعريفها، إذا صحّ القول، لا يمكنها أن تتشكّل إلا بمبادرة غربية بالكامل، وهنا بالذات تكمن المشكلةُ كلُّها.

إنّ هذه المبادرةَ غيرُ قابلة للتحقُّق إلا بإحدى طريقتين: إما أنّ الغرب سيجد لها الوسائل في ذاته، من خلال عودة مباشرة إلى تقليده الخاص، عودة ينبغي أن تكون بمثابة يقظة تلقائية للإمكانيات الكامنة؛ أو أنّ بعض العناصر الغربيّة ستُنجز مهمّة الإحياء تلك بالاستعانة بمعرفةٍ ما بالعقائد الشرقية، معرفة لا يمكنها، مع ذلك، أن تكون البتّة مباشرة

(149)

(immédiate) بالنسبة إليهم، لأنّ عليهم أن يظلّوا غربيّين، لكنّها معرفة يمكن تحصيلها بضرب من التأثير من الدرجة الثانية، يُمارَس عبرَ وسطاء مثل أولئك الذين كنّا قد أشرنا إليهم منذ قليل. إن الفرضيّة الأولى من هاتين مُستَبْعَدة جدّاً لأنّها تستوجب أن يوجد في الغرب، عنصرٌ على الأقلِّ، قد تمّ فيه حفظ العقل التقليديِّ كليًّا، وقد قلنا سابقًا أنّ هذا الوجودَ، وبالرغم من بعض التأكيدات، يبدو لنا مشكوكًا فيه جدًّا.

في هذه الحالة، سيكون من المفيد، رغم أنّ هذا لا يمثّل ضرورة قصوى، أن تتمكّن النُّخبةُ، في طور التشكُّل، من أن تتّخذَ لها مُرْتكَزاً في مُنظَّمة غربيّة لها في الأصل وجودٌ فعليٌّ، والحال أنّه يبدو جليًّا أنّه لم يبقَ، في الغرب، إلا مُنظَّمة واحدة تملك طابَعاً تقليديًّا وتحفظ عقيدةً قابلةً لأن تُزوِّد العملَ المعنيَّ بقاعدة مناسبة: إنّها الكنيسة الكاثوليكية. يكفي أن يُعادَ إلى عقيدة هذه (الكنيسة)، بلا أيِّ تغيير في الشّكل الدينيِّ الذي تظهر به خارجاً، أن يُعاد إليها المعنى العميقُ الذي تمتلكه حقيقةً في ذاتها، لكنّ الذي يبدو أن ممثليها [الكنيسة] الحاليّين لم يعودوا يُدركون هذا المعنى، كما أنّهم لا يدركون أيضاً اتّحاده الجوهريَّ مع غيره من الأشكال التقليدية؛ فضلاً عن ذلك، فإنّ الأمرين غير قابلَيْن للانفصال.

سيكون ذلك هو تحقُّقَ الكاثوليكية، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، التي تُعبّر، اشتقاقيًّا، عن فكرة «العالَمية» (universalité)، الشيء الذي ينساه كثيراً أولئك الذين يرغبون في ألاّ يجعلوا منها سوى التّسمية الحصرية لشكلٍ خاصٍّ وغربيٍّ محضٍ ليس له أيُّ رابط فعليٍّ بالتقاليد الأخرى؛ ويمكننا القول أنّ الكاثوليكية ليس لها، في الحالة الراهنة للأمور، إلا وجودٌ «افتراضيٌّ» بما أننا لا نجد فيها، بالفعل، وعيًا بالعالَميّة؛ لكنْ، من الصحيح أيضاً القولُ أنّ وجودَ منظَّمة تحمل مثل هذا الاسم هو الإشارة إلى وجود أساس ممكن لإحياءٍ للعقل التقليديّ في معناه التّامّ، ولا سيّما أنّها كانت قد مثّلتْ في العصر الوسيط دعامة لهذا العقل في العالَم الغربيِّ.

(150)

إنّ الأمر إذاً لا يتعلّق، بالمُجمَل، سوى بإعادة بناء كلِّ ما كان موجوداً قبل الانحراف الحديث، مع القيام بأعمال التّكييف الضروريّة لظروف عصرٍ آخرَ؛ وإذا اندهش البعض من مثل هذه الفكرة، أو احتجّوا عليها فذلك لأنّهم هم أنفسهم، بلا علم منهم، أوْ رغماً عنهم، مُشْرَبون بالعقليّة الحديثة إلى درجة أنّهم أضاعوا كلّيًّا معنى تقليدٍ لم يعودوا يحتفظون منه سوى بالقشرة. من المهمّ معرفة ما إذا كانت شكليّةُ «المعنى الحرفيِّ» (formalisme de la lettre)، التي هي، بعْدُ، إحدى فروع «الماديّة» كما فهمناها أعلاه، قد خنقت «الروحيّة» (spiritualité) نهائيًّا، أو أنّ هذه الأخيرةَ لم يُحجَب عنها النّور إلّا مُؤقّتًا ويُمكنها أن تنبعث بَعْدُ في حضن المنظّمة الموجودة؛ لكنْ تتالي الأحداث، وحدَه، سيسمح بالتّأكُّد من ذلك.

من جهة أخرى، يمكن أن تَفرِض هذه الأحداثُ نفسُها، عاجلاً أو آجلاً، على قادة الكنيسة الكاثوليكيّة، كضرورة حتميّة، أمرًا لن يفهموا مباشرة أهميّته من وجهة نظر العقلانيّة المحض؛ إنّه لأمرٌ مؤسف بالتأكيد أن يتوجّب، لكي يُعمِلُوا تفكيرَهم، حصولُ ظروف طارئة شبيهة بتلك المتعلّقة بالمجالِ السّياسيِّ، المصنَّفِ خارجَ كلِّ مبدأٍ عُلويٍّ؛ لكنْ يجب التسليم بأنّ الفرصة لتنمية إمكانيّات كامنة يجب أن تُمنَح لكلّ إنسان بالوسائل المتوفّرة مباشرةً في متناول فهمه الحاليِّ.

لأجل ذلك سنقول ما يلي: أمام تفاقم الفوضى التي تَعُمُّ أكثرَ فَأكثرَ، فإنّ هناك ما يدعو لاستحضار القوى الروحيّة التي ظلّت تمارِس، بَعْدُ، فعلاً في العالَمِ الخارجيِّ، في الغرب تماماً كما في الشرق؛ ونحن لا نرى من ذلك، من ناحية الغرب، إلا الكنيسةَ الكاثوليكيّةَ. إذا استطاعت هذه الأخيرةُ أنْ تتواصل، عبر هذا المَدْخَل، مع ممثّلي التقاليد الشرقيّة، فلن يكون بوسعنا سوى تهنئة أنفسنا على هذه النتيجة الأولى، التي يمكنها أن تكون، تحديداً، نقطة الانطلاق إلى ما نصبو إليه، لأنّ الزّمن لن يتأخر بنا، بلا شكّ، لندرك أن مجرَّد اتّفاقٍ خارجيٍّ و»ديبلوماسيٍّ» سيكون وهميّاً ولن تترتّب عنه النّتائجُ الَمْرجُوّةُ، بحيث ينبغي الوصول إلى الأمور التي كان من المفروض طبيعيًّا الانطلاق منها، أي السعي إلى الاتفاق حول

(151)

المبادئ، اتفاق ينبغي أن يكون شرطَه الضروريَّ والكافيَ أن يصبحَ مُمَثِّلو الغرب مدركين حقًّا لهذه المبادئ، كما هم دائماً ممثِّلو الشرق.

ونكرِّر مرّة أخرى أيضاً بأنّ الاتّفاق الحقيقيَّ لا يمكن أن يتمّ إلاّ مِن الأعلى ومِن الداخل، وبالنتيجة أنْ يَتمَّ داخلَ المجال الذي يمكننا تسميته، على السواء، عقلانيًّا (intellectuel) أو روحيًّا (spirituel)، لأنّ هاتين الكلمتين بالنسبة إلينا لهما، في العمق، الدلالةُ نفسُها بمنتهى الدِّقّة؛ ومن ثَمَّ وانطلاقاً من هذا فإنّ الاتّفاقَ سيَتمُّ، بالضرورة، في جميع المجالات الأخرى، تماماً كما يحصل عندما يُرْسَى مبدأٌ مَا، لن يبقى سوى استنباط، أو بالأحْرى «توضيح» (expliciter) كل اللوازم المترتّبة عنه.

لا يمكن أن يبقى أمام هذا الأمر سوى عائق واحد: إنّه التبشير (prosélytisme) الغربيُّ[1]، الذي لا يَسَعه أن يعزم على القبول بأنّه يجب أحياناً أن يكون لنا «حلفاء» (allies) لا يمكن أنْ يكونوا، البتّة، «رعايا» (sujets)؛ أو، لكي نكون أدقَّ في كلامنا، إنّه الخللُ في الفهم، وليس التبشير سوى إحدى نتائجه؛ فهل يمكن تخطّي هذا العائق؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فما على النخبة، لكي تتشكّل، إلّا أنْ تُعوِّل على جهود أولئك المؤهَّلين لما يملكون من قدرة عقليّة، خارجَ كل وسط محدَّد، وتعوِّل كذلك، بالطبع، على دعم الشّرق؛ وهكذا فإّن عملَها سيصبح أصعبَ، ولا يمكن لفعلها أن يؤثِّر إلا في أمدٍ أطولَ، بما أنه يتوجّب عليها أن توجِد بنفسها كلَّ الوسائل الضرورية لذلك، بدلَ أن تجدها مهيّأة تماماً كما في الحالة الأخرى؛ لكنّنا لا نعتقد، البتّة، أنّ هذه الصّعوبات، مهما كانت كثيرة، هي ذات طبيعة تمنع إنجاز ما يجب إنجازه بطريقة أو بأخرى.

نحن نقدّر، إذاً، أنّه من المناسب أن نُعلِن، بَعْدُ، ما يلي: توجَد، منذ الآن، في العالَم الغربيِّ، إشاراتٌ مؤكّدةٌ على وجود حركة لا تزال، بَعْدُ، غامضة إنّما باستطاعتها بل يجب

(152)

عليها أن تؤدِّيَ طبيعيًّا إلى إعادة تكوين نخبة عقلانيّة، إلا إذا حصلت كارثةٌ بشكل سريع جدًّا تمنعها من أن تنموَ حتّى النهاية. تكاد الحجة تنتفي للقول بأنّ للكنيسة مصلحةً كاملةً، في ما يتعلق بدورِها المستقبليِّ، في أن تتقدّم (devancer)، إذا صحّ القول، مثل هذه الحركة، بدل أن تتركَها تتمّ من دونها، فتكون مُرغَمةً على اللّحاق بها، متأخِّرةً، لكي تحافظ لنفسها على تأثير يكاد يفلت من قبضتها؛ ليس من الضروريّ أن يتموضع المرء عند وجهة نظر رفيعة ولا تُدْرَكُ إلا بصعوبة، لكي يَفهم أنّ، بالمُجمَل، للكنيسة بالذات النّصيبَ الأوفرَ من الفوائد التي بإمكانها أن تجنيَها من موقفٍ، مع كونه بعيدًا جدًّا عن أنْ يتطلّب تنازُلاً على مستوى العقيدة، يمكنه على العكس أن يؤدِّيَ إلى التخلُّص من كل اندساس للعقل الحديث، كما أنّه، إضافةً إلى ذلك،.ن يتغيّرَ أيُّ شيْءٍ خارجاً.

سيبدو الأمر مفارقاً (paradoxal)، نوعاً ما، أن تُرى المسيّحيّةُ الكاملةُ تتحقّق بدون مساهمة الكنيسة الكاثوليكيّة، التي ربّما ستجد نفسَها في أتون الحاجة النادرة (obligation singuliere) بأنْ تَقبل أن يُدافَعَ عنها ضدّ هجمات أفظع من كل ما تعرّضت له سابقاً، أن يُدافَعَ عنها من قِبل أشخاص، كان قادةُ الكنيسة، أو على الأقلِّ أولئك الذين يسمحون لهم بأن يتكلموا باسمهم، قد سَعَوْا، في بادئ الأمر، إلى تشويه سمعتهم (إفقادهم الاعتبار) (deconsiderer) بقذفهم بأوْهن الشبهات؛ ومن جانبنا، نحن نأسف أنّ الأمر كان على هذا النّحو، لكنْ إذا أردنا ألّا تصل الأمور إلى هذا الحدّ، فما زال هناك مُتَّسع من الوقت لأولئك، الذين تمنحهم مواقفُهم أجسمَ المسؤوليات، أن يتصرّفوا بما يملكون من معرفة كاملة بالوقائع، وألّا يسمحوا بعدَ الآن بأن تصل الأمور بحيث يُخشَى أن يجري إيقافُ محاولات يمكن أن تكون لها نتائج في أعلى درجة من الأهمية، وذلك بسبب عدم الفهم أو سوء النيّة لبعض الأفراد التابعين بدرجاتٍ متفاوتة، وهذا ما رُصدَ فعلاً من قَبْلُ، وهذا ما يُثبِت مرّة أخرى بَعْدُ إلى أيِّ حدٍّ تسود الفوضى في كلِّ مكان في زماننا هذا.

نتوقّع فِعلاً ألّا نَلْقى أيَّ امتنانٍ مقابل هذه التحذيرات، التي نقدّمها بكل استقلالية

(153)

وبشكل مجرَّد تماماً من المنفعة الشخصيّة؛ نحن لا نبالي بذلك، سنواصل، وبالعزمِ نفسِه أو أكثرَ، كلّما دعانا الواجبُ، وبالشّكل الذي سَنَرى أنّه الأنسبُ لكلّ ظرف، سنواصل في قول ما يجب أن يُقال. إنّ ما نقوله حاليًّا ليس إلا ملخَّصَ الاستنتاجات التي أوصلتنا إليها بعضُ «التجارب» الأخيرة التي أجريناها، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، على مجالٍ عقلانيٍّ محضٍ؛ ليس لنا، الآن على الأقلِّ، أن نَدْخل بهذا الخصوص في تفاصيلَ هي مع ذلك قليلةُ الفائدة في ذاتها؛ لكنْ يمكِنُنا التأكيد أنّهُ لا يوجَد، في ما سبق من كلام، كلمةٌ واحدةٌ كتبناها دون أن نكون قد تأمّلنا فيها.

ليُعلَمْ جيدّاً أنّه من غير المفيد،البتّة، السّعي لمعارضة ذلك بمماحكات (arguties) فلسفيّة نريد تجاهلها؛ نحن نتكلم بجِدِّيّة عن أمور جِدِّيّة، وليس لنا وقتٌ نُهدِرُه في مجادَلات كلاميّة ليس لها بالنسبة إلينا أيُّ فائدة، ونحن عازمون على الإعراض كلّيًّا عن كلِّ جدال وعن كلّ شجار مَدرسيّيْن كانا أو حزبيّيْن (علميّين كانا أو سياسيّين) (d’école ou de parti)، كما أننا نرفض، بشكل قاطع، القبولَ بإلصاق أيِّ سِمَةٍ غربيّةٍ بنا، لأنّه لا شيْءَ من السِمّات الغربيّة يُناسبنا؛ وسواء أَأَعْجَبَ هذا الأمرُ البعضَ أم أغَاظَهم، فإنّ هذا هو موقفنا، ولا شيْءَ يستطيع أن يُغيّره في هذا الصدّد.

يتوجّب علينا، الآن أن نُسمع أيضاً إنذارًا لأولئك الذين، بما يملكون من قابليّة لفهمٍ رفيعٍ، إنْ لم يكن بدرجة المعرفة التي أدركوها فعليّاً، هم مَنْذُورون ليُصبحوا عناصرَ التكوين للنخبة المأمولة. ما من شكٍّ في أنّ العقلَ الحديثَ «الشيطانيَّ»، حقيقةً، بكلّ ما للكلمة من معانٍ، يَجْهد بكل الوسائل لكي يمنع هذه العناصرَ، المعزولةَ والمُشتَّتةَ حاليًّا، من الوصول إلى التّماسك الضروريّ لكي تُمارِسَ تأثيرًا حقيقيّاً على العقليّة العامّة؛ يتعيّن، إذًا، على الذين قد وَعَوْا، كلّيًّا تقريبًا، الهدفَ الذي يجب أنْ تتوجّه إليه جهودُهم، يتعيّن عليهم ألاّ تَحْرِفَهم عن ذلك العوائقُ التي ستعترضهم أيًّا كانت طبيعتُها.

(154)

بالنّسبة للذين لم يصلوا في هذا بَعْدُ إلى النقطة التي تُصبح وجهتُهم، انطلاقاً منها، معصومةً (infaillble) بما يمنع من الخروج عن السبيل القويمة، بالنسبة لهؤلاء فإنّ الانحرافاتِ الأخطرَ تبقى دائمًا محلَّ خشية؛ لذا فإنّ الاحتياطَ الأقصى ضروريٌّ، بل سنقول، بطيب خاطر، أنّه يجب أن يُدْفَع به إلى درجة الحذر، لأنّ «الخصْمَ» الذي لم يُهزَمْ نهائيًّا، إلى حدّ الآن، يُتقِن التلبُّسَ بالأشكال الأشدِّ تنوُّعًا، وأحيانًا الأشدِّ مُفاجَأة. ويحصل أنّ أولئك الذين يظُنُّون أنفسَهم قد أفلتوا من «المادّيّة» الحديثة، يُؤْخَذون ثانية بأمور، وإن بدت ظاهراً أنّها تُناقضها، إلّا أنّ لها في الحقيقة الطابَعَ نفسَه؛ وبالنّظر إلى نمط تفكير الأوروبيّين (tournure d’esprit les Occidentaux) فإنّه يجدر بنا، في هذا الصدد، أنْ نُحذِّرَهم، بوجهٍ أخصَّ، من الإغراء الذي يُمكن أن تُمارسَه عليهم «الظواهرُ» الخارقةُ للعادة بدرجةٍ ما؛ فمن هنا بالذات يأتي القَدْرُ الأكبرُ مِن أخطاءِ «الرّوحانيين الجُدُدِ» (néo-spirilualistes)، وعلينا أن نتوقّعَ أنّ هذا الخطرَ سيتعاظم بَعْدُ، لأنّ القوى المُظلِمةَ (forces obscures) التي تَرعَى الفوضى الرّاهنةَ تجد في ذلك واحدًا من وسائل تأثيرها الأشدّ فعّاليّة.

بل من المُحتمل أنّنا لم نَعُدْ بعيدين عن العصر الذي تتعلّق به النّبوءة الانجيليّة (prédiction évangelique) التي ذكّرنا بها سابقاً: «سيقومُ مُسَحَاءُ كَذَبةٌ وأنبياءُ كذَبةٌ ويُعْطُون آياتٍ عظيمةً وعجائبَ حتى يُضلّوا، لو أمكن، المُختارين أيضاً». إنّ «المُخْتارين» (élus) هم، كما تَدلُّ الكلمة، جزء من «النخبة»، كما تُفهَم في تمام معناها الحقيقيِّ، وبالإضافة إلى ذلك، لِنَقُلْ ذلك بهذه المناسبة، لهذا السبب نحن نتمَسّك بمصطلح الـ «نخبة» هذا بالرغم من الاستخدام السّيِّئِ الذي تعرّض له في العالَم «الدنيويّ» (profane)؛ إنّ هؤلاء، بفضل «التحقّق» الداخلي (réalisation interieure) الذي بلغوه، لا يمكن أن يكونوا، البتّة، ضحايا للغواية، لكنْ لن يكون الأمرُ مماثِلاً بالنسبة لأولئك الذين، لِكوْنهم لا يملكون بَعْدُ في أنفسهم سوى إمكانيات للمعرفة، هم، بكل دقّة، ليسوا سوى «مَدْعُوِّين» (appelés)، ولهذا يقول الانجيل: «إنّ المَدْعُوِّين كثيرون، وأما المُختارون فقليلون».

(155)

نحن نَدْخل في زمان سيصبح فيه، صعباً جدًّا على الإنسان «أنْ يُميِّز بين الزُّؤان والحبوب الصالحة»، وأن يُنْجَزَ حقيقةً ما يسميّه اللاهوتيّون «بصيرة العقول» (discernement des esprits)، وذلك بسبب المظاهر المُشوَّشة التي لن تزيد إلا اشتداداً وتكاثُرًا، وكذلك بسبب عدم وجود معرفة حقيقيّة لدى أولئك الذين يُفتَرض أنْ تكون وظيفُتهم الطبيعيّةُ إرشادَ الآخرين، بينما هم اليوم ليسوا، في غالب الأحيان، سوى «مُرشِدين عُمْيٍ».

سنرى، إذاً، ما إذا كان للقدرات الذهنيّة الجداليّة (subtilités dialectiques)، في مثل هذه الظروف، نفعٌ ما، وما إذا كانت «فلسفةٌ» ما، وإن كانت في أرقى مستوى ممكن، هي ما سيكفي لكبح جِماح «القوى الجهنّميّة»؛ إنّ هنا، بعَدُ، وهمًا يجب على البعض أن يستبرِئوا منه، لأنّ هناك كثيرًا من الناس، لجهلهم بالمعنى الحقيقيِّ للعقلانيّةِ المحضِ، يظنّون أن مجرّد معرفة فلسفيّة هي، حتّى في أحسن الحالات تكاد لا ترقى إلى مستوى ظلٍّ للمعرفة الحقيقيّة، يظنُّون أنّها قادرة على معالجة كلِّ شيء، وعلى القيام بتصحيحِ العقليّة المعاصرة؛ كما أنّ هناك أيضاً من يعتقد أنّه قد وَجد في العلم الحديث نفسِه مِرقاةً نحو الحقائق العليا، في حين أنّ هذا العلمَ ليس مُؤسَّسًا، بالتحديد، سوى على إنكار تلك الحقائق. إنّ هذه الأوهامَ هي، بالقدْر نفسِه، أسبابٌ للضّلال؛ لقَدْ أُهدِرت جهودٌ كثيرةٌ وكان الحصاد خسراناً مبيناً، وهكذا فإنّ الكثير من الذين يُريدون، صادقين، مقاومةَ العقل الحديث قد خارت قُواهم، لأنّهم لمّا لمْ يَظفَروا بالمبادئِ الجوهريّةِ التي يجعل فقدانُها كلَّ عملٍ هباءً منثوراً، تاهوا في المآزق التي يستحيل عليهم الخروج منها أبدًا.

إنّ أولئك الذين سيَنجحون في تذليل جميع العقبات، وفي التغلّب على عداوة بيئة معارضِة لكلِّ روحيّة (spiritualité)، سيكونون، بلا شك قليلي العدد؛ ولكنْ، نقول مرّةً أخرى، ليس العدد هو ما يَهمُّ، لأنّنا هنا في ميدانٍ قوانينُه مغايرةٌ كلِّيًّا لقوانين المادّة. فلا مجالَ إذاً لليأس؛ كما أنّه لا يوجد أيُّ أملٍ بالوصول إلى نتيجة ملموسة قبلَ أن يغرَقَ العالَمُ الحديثُ في خضمِّ كارثةٍ ما، ولن يكون هذا الأمر أيضاً سبباً وجيهاً لعدم القيام

(156)

بعمل يتجاوز تأثيرُه الحقيقيُّ العصرَ الحاليَّ.

إنّ أولئك الذين يستهويهم الاستسلامُ للإحباط عليهم أن يكونوا واثقين بأنْ لا شيْءَ ممّا قد أُنجِز في هذا الإطار يمكن أن يَضيع أبداً، وبأنّ الفوضى والضّلالَ والظّلامَ لا يمكنها أن تنتصر إلاّ في الظّاهر وبشكلٍ مؤقَّت تماماً، وبأنّ كل الاختلالات الجزئيّة والعابرة يجب أن تساعد، بالضرورة، في إرساء التوازن العام الكبير، وبأنْ لا شيْءَ قادراً على التغلّب في النهاية على قوّة الحقيقة؛ يجب أن يكون شعارُهم (devise) هو ذاك الذي تبنّته، سابقاً، بعض المنظمات الإرشاديّة (organisations initiatiques) الغربيّة:

 

 

الحَقِيَقةُ تَغْلبُ كُلَّ شَيْءٍ

(Vinicit Omnia Veritas)

 (La verite triomphe de tout)

(Truth conquers all things)

(157)
هذا الكتاب يتمحور هذا الكتاب (أزمة العالم الحديث) بفصوله التسعة حول محورين بينهما المؤلف في مقدمته: الأولى:(أن هذه الحضارة التي يتبجح بها المحدثون لا تحتل مكانة مميزة في تاريخ العالم،وأنه من الممكن أن تلقى المصير نفسه لحضارات اخرى اختفت عبر ازمنة تتفاوت في قدمها،وان بعضها لم يخلف سوى اثار ضئيلة وبقايا تكاد لا ترى أو لا يمكن التعرف عليها الا بصعوبة). الثانية:(أنه ليس من سبب للاكتفاء بأن نتلقى بشكل سلبي الفوضى والظلام الذي يبدو للحظات أنه انتصر). ان المؤلف من خلال استقراء البنى التحتية والأسس التي اعتمدت عليها الحضارة الغربية،يحاول اثبات دخولها في ازمات متعددة،ليستنتج منها تحقق فرضية (امكانية انهيار حضارة الغرب كسائر الحضارات). فعلية هذا الانهيار بعد ان صوره في البداية كفرضية،اذ ان تلك الازمات قد ادخلت حضارة الغرب في مآزق حرجة سوف تطيح بها بالمآل. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية www.iicss.iq [email protected]