البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمام علي (ع) في كتابات بعض المستشرقين الفرنسيين (دراسة تاريخية)

الباحث :  أ.م.د. حاتم كريم جياد
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  2
السنة :  السنة الأولى - خريف 2014 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 10 / 2016
عدد زيارات البحث :  1703
الإمام علي (ع)
في كتابات بعض المستشرقين الفرنسيين
(دراسة تاريخية)

■ أ.م.د. حاتم كريم جياد

المقدمة:
أخذت أحداث التاريخ الإسلامي عامة وسيرة الرسول الكريم محمد (ص) خاصة حيزاً واضحاً في مؤلفات المستشرقين، دفعهم إلى ذلك عوامل متعددة، منها ما هو ديني أو سياسي أو اقتصادي أو علمي أو غير ذلك وكانت أحكامهم حول الإسلام متباينة تبعاً لتباين أهدافهم. ولغرض معرفة جانب من اهتمامات بعض المستشرقين الفرنسيين بالإسلام وبعض الشخصيات الإسلامية ارتأى الباحث اختيار هذا البحث الموسوم (الإِمام علي (ع) في كتابات بعض المستشرقين الفرنسيين ، دراسة تاريخية).
ومن الجدير بالذكر وقبل التفصيل في هذا الموضوع نوضح للقارئ الكريم بان عظمة الإمام علي (ع) ودوره في نشر الإسلام لا يحتاجان إلى دليل وشهادة مستشرق، وإنما منهجية هذه الدراسة تهدف إلى معرفة طريقة تعامل هؤلاء مع أحداث التاريخ الإسلامي.
يضم هذا البحث أربعة محاور، الأول منها يحمل عنواناً هو (إسلام الإِمام علي (ع) وزواجه)، أما المحور الثاني فقد كان بعنوان (صفات الإِمام علي (ع) وشجاعته أنموذجا)، وكان المحور الثالث مخصصاً لـ(موضوع الخلافة)، وختام المحاور هو الرابع الذي أطره عنوان (معارك الإمام علي (ع) ضد الناكثين والقاسطين والمارقين).
يعتمد في إعداد البحث مجموعة كتب لمستشرقين كان من بينها كتاب (محمد رسول الله) للمستشرق آتيين دينيه (Etien dinet) وكتاب (تاريخ العرب العام) لمؤلفه سيديو (Sedolet,L.A) وكتاب (الإسلام) للمستشرق الفريد جيوم، وكتاب الإسلام الشيعي للمستشرق يان ريشار، يضاف لذلك كتاب المستشرق ولاستون (Wallaston) الذي يحمل عنوان (Half Hours with Mohammed)، وتم الاستعانة ببعض المصادر والمراجع العربية للتعقيب على ما ورد في كتابات بعض المستشرقين، كان من أهمها كتاب نهج البلاغة، والكامل في التاريخ للمؤرخ ابن الأثير 630هـ/1232م، وكفاية الطالب للمؤرخ الكنجي (قتل 658هـ/1258م)، وبحار الأنوار للمجلسي (ت 1111هـ/1699م).

المحور الأول: إسلام الإمام علي (ع) وزواجه:
تتصدر الموضوعات التي أولاها بعض المستشرقين الفرنسيين عناية عندما تناولوا أحداث التاريخ الإسلامي بالبحث، موضوع بدء الدعوة الإسلامية وأوائل الذين اسلموا.
لقد ذكر المستشرق اتيين دينيه (Etien Dinet) بأن الإمام علي (ع) أول من آمن بالإسلام من الرجال وكان يومئذ ابن عشر سنين(1).
وأضاف دينيه قائلاً: «فاندفع واقفاً – ناسياً ما تفرضه عليه التقاليد لصغر سنه بين هؤلاء الأشراف، وصاح وقد ملأه الحماس (أنا يا رسول الله وزيرك»(2).
وفي هذا الإطار ذكر دينيه تفاصيل دعوة الرسول محمد (ص) قومه لوليمة الطعام التي أعدها، والعرض الذي قدمه لهم من اجل دخول الدين الإسلامي، ولكنهم تخلفوا عن ذلك ولم يلبوا دعوته باستثناء الإمام علي (ع) الذي وصفه دينيه بقوله:
«أصبح علي بن أبي طالب بفضل إخلاصه المتناهي وشجاعته التي لا تقاوم وحرصه الشديد على طاهر السجايا احد ابطال الإسلام المشاهير...»(3).
وحظي زواج الامام علي (ع) من السيدة فاطمة الزهراء3 باهتمام المستشرق (اميل درمنغهم Dermenghem,E)، فقد ذكر بان قبول السيدة فاطمة بالزواج من الإمام علي (ع) كان نتيجة لحيائها من والدها (ص) ولم يكن ذلك لقناعتها بالموضوع، وإنها كانت تعد علياً (ع):
«فقيراً...محدود الذهن مع عظيم شجاعة، وما كان علي أكثر رغبة فيها من رغبتها فيه مع ذلك»(4).
وفي قول درمنغهم تناقض واضح، ففي الوقت الذي وصف موقف السيدة فاطمة بأنها لم تكن مقتنعة بالزواج من الإِمام علي، يذكر في نهاية قوله بان الإِمام لم يكن أكثر رغبة فيها من رغبتها فيه، يضاف إلى ذلك بان ما ورد في بعض مصادرنا الإسلامية ومن بينها ما ذكره المؤرخ الكنجي (قتل 658هـ/1258م) يناقض ما ذكره المستشرق (درمنغهم)، اذ ينقل الكنجي رواية عن انس بن مالك (ت 93هـ) قوله بان الرسول (ص) قال له: «يا انس تدري ما جاءني به جبريل من صاحب العرش؟ قلت:الله ورسوله اعلم، بأبي وأمي ما جاء به جبريل؟ قال: إنّ الله أمرني أن أزوج فاطمة علياً، انطلق فادع لي المهاجرين والأنصار، قال: فدعوتهم فلما اخذوا مقاعدهم قال النبي محمد (ص):الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب عذابه...، ثم إن الله تعالى جعل المصاهرة نسباًً وصهراً، فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، فلكل قدر أجل ولكلّ أجل كتاب [يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب] (سورة الرعد /39)، ثم إن الله أمرني أن أزوج فاطمة لعلي، فأشهدكم إني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضه إن رضي بذلك علي»(5).
وأشار الكنجي إلى إن السيدة فاطمة 3 كانت تفخر على النساء لان أول من خطب عليها جبرائيل (ع) (6).
وزعم درمنغهم أنّ الحياة الزوجية للإمام علي (ع) مع السيدة فاطمة 3 كانت حياة بؤس من اليوم الأول وكانا من الفقر ما خلا معه منزلهما من الفراش واستمرا على هذا الحال إلى أن نالا بعض الثراء من الغنائم التي أصابها المسلمون في انتصاراتهم الكبرى(7).
وهناك دليل على عدم دقة كلام درمنغهم آنف الذكر قد ذكره العلامة المجلسي (ت1111هـ)، إذ أورد قولاً للإمام علي (ع) بيّن فيه أنّ الرسول محمد (ص) وبعد أن زوجه فاطمة قال لها: «يا بنية إن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار من أهلها رجلين، فجعل احدهما أباك والآخر بعلك، يا بنية، نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمرا»(8).
ثم قال الإمام علي (ع): «ثم صاح بي رسول الله(ص)»:يا علي، فقلت لبيك يا رسول الله، قال: ادخل بيتك والطف بزوجك، وأرفق بها، فان فاطمة بضعة مني، يؤلمني ما يؤلمها ويسرني ما يسرها، استودعكما الله واستخلفه عليكما»(9).
وأضاف الإمام علي القول: «فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان»(10).
وكان المستشرق الفريد جيوم (A.Guillaume) قد خص زواج الإمام علي(ع) من السيدة فاطمة الزهراء 3 بقوله:
«وتزوجت فاطمة علياً، وتزوجت أم كلثوم عتبة، واهم هذه الزيجات هو زواج فاطمة بعلي، إذ أن أحفاد الرسول من هذا النوع يبجلون بصفة خاصة كما أنّ الشيعة ينظرون إلى سلالة علي وفاطمة على أنّهم الورثة الحقيقيون للخلافة، بما يستتبعه هذا المنصب من ميزات دينية ودنيوية»(11).

المحور الثاني: صفات الإمام علي (ع) شجاعته انموذجاً
من الموضوعات الأخرى التي أولاها المستشرقون الفرنسيون عناية هي صفات الإمام علي (ع) وركزوا في ذلك على شجاعته، فقد عبّر المستشرق هنري ماسيه عن إعجابه بالإمام علي (ع)، إذ وصف حياته بالاعتدال كسياسة جميع أفراد ذريته، ولكن حبه للسلم قد أضاعه، ويخلص (ماسيه) إلى الاعتقاد بان الشقاء الذي أرهق الإمام علي، يضاف إلى ذلك المآسي التي حاقت بذريته قد ظفر له إكليل شهيد، ويجب أن لا يندهش أحد من الشيعة الذين يعدونه قديساً(12).
ونجد المستشرق سيديو يصف الإمام علي (ع) بالعبارات الآتية:
«وعلي هو من تعلم حرية الضمير وحضوراً لمجالس المدينة مع ميله إلى القيام بشؤون حياته المنزلية الهادئة...، جمع زوج فاطمة في شخصه حقوق الوراثة وحقوق الانتخاب، ووجب على كل واحد أن ينحني أمام صاحب هذا المجد العظيم الخالص»(13).
وأول المواقف الدالة على شجاعة الإمام علي (ع) هو مبيته في فراش النبي محمد (ص) في اثناء هجرته من مكة إلى يثرب (المدينة)، وقد أشار المستشرق (جان بروا) إلى هذا الموضوع بقوله:
«ترك النبي على فراشه نهباً لسيوف المؤامرة البطل المضجعي والمؤمن الشاب ابن عمه وربيبه علي بن أبي طالب»(14).
وتطرق (بروا) إلى شجاعة الإمام علي (ع) في معركة خيبر باسلوب قصصي مشوق، فبعد ان ذكر حادثة عدم تمكن كل من أبي بكر وعمر من الوصول إلى قلاع خيبر، جاء بقول الرسول محمد (ص) الذي أكد فيه بأنه سيعطي الراية في اليوم التالي لرجل يحبه الله ورسوله ليس بفرار وسوف يفتح الحصن على يديه، فتمنى كل واحد أن يكون هو ذلك الرجل، وما أن انتهى النبي محمد (ع) من صلاة الفجر لذلك اليوم اتجهت العيون صوبه ينتظرون من سيجعل الله على يديه الفتح، بعد ذلك يقول بروا:
«- علي! علي! ينظر المسلمون شطر أبي الحسن ويتجه على صوب النبي وقد وضع يده على عينيه لشدة وطأة الرمد، فيعطيه الراية ويبشره بالفتح ويأمره بالذهاب وعلي يستمع، ولما تزل يده على عينيه، ثم طلب اليه أن يدنو منه فمسح له على عينيه، فارتد كأحسن ما كانت عيناه جلاءاً وصفاء فيستطير أبو الحسن أسد الله فرحاً ويمتطي صهوة جواده»(15).
بعد ذلك يستغرب (بروا) مما جرى للحصن على يدي الإمام علي (ع) بالقول:
«ما بال الحصن يبدو في هذا اليوم متضامنا منخذلاً قد انكمش على نفسه فرقاً؟؟!! لقد تراءى جناحاً النسر يسدان فضاء الحصن بالشكيمة والبأس، ويملآنه رعباً ويرجانه رجة عنيفة كادت تكبه على قرنيه، رجة زلزلته زلزالاً»(16).
وذكر المستشرق (آتيين دينيه) جانباً من معركة خيبر التي وصف من خلالها الإمام علي (ع) بأنه لم يخف ولم يضطرب على الرغم من غرور خصمه (مرحب)، بل تقدم متحدياً إياه قائلاً:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة ضرغام آجـام وليث قسورة
وعرض دينيه تفاصيل النزال الذي دار بين الإمام علي (ع) ومرحب، وهذا جانب مما قاله:
«ولم يترك علي لعدوه فسحة من الوقت لانتشال سيفه، بل امسك عن ترسه، الذي أصبح ولا فائدة منه، ثم حمل على غريمه بضربة قوية كسرت مغفر مرحب، ونفذت إلى عمامته فشقتها والى رأسه فهشمته، وانتشر مخه على الأرض ولم يتوقف السيف إلا عندما بلغ الأضراس، فخر العملاق صريعاً»(17).
أما المستشرق (كاراديفو) فقد اهتم بذكر وقائع بعض المعارك التي خاضها الإمام علي (ع) وفي مقدمتها معركة بدر الكبرى، اذ قال عنها:
«كان علي وهو في العشرين من عمره يشطر الفارس القرشي شطرين اثنين بضربة واحدة من سيفه»(18).
وعن معركة أُحد أشار كاراديفو إلى تسلح الإمام علي (ع) بسيف النبي محمد (ص) ذي الفقار وكان يشق المغافر بضربات سيفه ويخرق الدرع (19) .
وفيما يخص معركة خيبر ذكر كاراديفو أنّ الإمام علي (ع) قلقل بيديه باباً ضخماً من حديد ثم رفعه فوق رأسه متخذاً منه ترساً مجناً(20).

المحور الثالث: موضوع الخلافة :
من الأحداث التاريخية المهمة التي لم يغفلها المستشرقون الفرنسيون موضوع الخلافة، وقد تأثروا في ذلك بما ورد في بعض مصادرنا التاريخية، فبعضهم يذكر الرأي الذي يقول بأنّ النبي محمداً (ص) لم يعيّن خليفة من بعده، وبعضهم أخذ بالرأي الذي يفيد بأنّ الرسول محمد (ص) قد عيّن الإمام علي (ع).
من بين الـذين أكـدوا الرأي الأول المستشرق (سيديو) ، اذ ذكر بأن النبي محمداً (ص) لم يضع نظاماً لخلافته، مما ادى بالاطراف الطامحة لنيل الخلافة بأن تفسر سكوته لمصلحة كل منهم ، إلى الحد الذي دفع بعضهم إلى الاعتقاد بان النبي محمداً (ص) قصد بعدم تعرضه لأمر خلافته، أن يكون صهره وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) خليفته، ويصف سيديو هذا الاعتقاد (الرأي) بقوله:
«ولو قبل ذلك لحال دون ظهور ما ضرج القرن الاول من الهجرة بالدماء»(21).
وأضاف سيديو أنّ الإمام علي (ع) خشي أن يعارض نتائج ما آلت إليه الخلافة لحداثة سنه ولذلك لم يبرز في الميدان، وتابع سيديو بعد ذلك ذكر أحداث خلافة أبي بكر، وادعى أنّ المصلحة العامة هي التي أملت استخلافه عمر بن الخطاب، الذي بدوره قد عهد إلى خمسة من الصحابة لانتخاب الخليفة من بينهم(22).
وعدد الصحابة الذين رشحهم الخليفة عمر بن الخطاب هو ستة أشخاص وليس خمسة كما يذكر سيديو وهم كل من الإمام علي بن ابي طالب وعثمان بن عفان وسعد بن ابي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وجعل معهم ابنه عبد الله مشيراً وحكما، وليس له من الأمر بشيء وأمهلهم ثلاثة ايام(23).
ويذكر سيديو بعد ذلك ان اختيار الخليفة عثمان بن عفان كان نتيجة لسعي بني أمية الذين وصفهم بأنهم سادة قريش الذين ناهضوا رسالة النبي محمد (ص) عشرين سنة ولم يسلموا إلا لمصلحة.وشخص سيديو الخلل في أثناء خلافة عثمان بالقول:
«فلم يعرف عثمان كيف يدير أمور السلطة بالحقيقة فنجم عن تراكم اغاليطه حدوث الكارثة التي أودت بسلطته وبحياته في سنة 655م... فاشتعلت الفتن في كل ناحية، ولم يكن لعلي ضلع في تلك المؤامرة، فلم يعارض احد في اختياره للخلافة»(24).
ويدلو المستشرق رسلر (S.Restler) بدلوه بشأن الخلافة إذ يذكر أنّ الرسول محمداً (ص) قبل وفاته لم يعين أحدا خليفة له، وحدث ما يحدث عادة حينما تصبح عملية اختيار الحاكم مرهونة بالموافقة الشعبية، فتشكلت أحزاب مختلفة يعارض بعضها بعضاً بعنف، منها حزب الصحابة المهاجرين وحزب الانصار الذين وصفهم سيديو بأوفياء الرسول (ص)، وحزب المدافعين عن الحقوق الشرعية، المعارضون لمبدأ التعيين بالانتخاب، انصار الحق الالهي الذين تمسكوا بالإمام علي(ع) بوصفه أحد السابقين إلى الإسلام وزوج السيدة فاطمة (ع)، وآخر حزب ذكره رسلر هو حزب الأمويين الذين هم آخر من اعترف بالإسلام، وأنهى حديثه عن الخلافة بهذه العبارة:
«ولم توجد قضية سياسية أراقت كثيراً من الدم الإسلامي مثل مشكلة الخلافة هذه، وهي المشكلة الأولى التي طرحت أمام الاسلام، ولم تحل بعد قانوناً»(25).
أما المستشرق (آتيين دينيه) فقد أعطى لموضوع اختيار خليفة رسول الله (ص) أهمية اكبر من حادثة دفن الرسول (ص)، ويبدو ذلك واضحاً من خلال قوله:
«كان على المؤمنين قبل التفكير في دفن الرسول ان يفكروا في صد الخطر المحدق بالإسلام الذي فقد زعيمه الملهم، الذي ضم تحت لواء التآخي في الدين أسراً وقبائل فرقت بينها قرون من العداء، فما عسى أن يكون مصير هذا التآخي؟»(26).
ومن خلال القول المتقدم لـ(دينيه) يتضح لنا انه أراد أن يعطي فكرة ايجابية عما جرى في السقيفة بوصف ذلك ضرورة ملحة فاقت في أهميتها حتى حادثة دفن الرسول (ص)، وان ما أقدم عليه المهاجرون والأنصار في انتخاب الخليفة أبي بكر لاتشوبه شائبة، بل حدث في الوقت المناسب، ومنطق العقل يقتضي انه حتى وان كان المتوفى من ابسط العوائل في المجتمع فلا يمكن التفكير بتقسيم أو استلام مسؤولياته قبل إتمام عملية الدفن؟
ويضيف دينيه القول بأنّ القتال الدموي من اجل الاستحواذ على الخلافة كان اقرب من حبل الوريد، ولم يتمكن المسلمون من تجنبه لولا حكمة عمر بن الخطاب الذي أسكت الأطراف المتنازعة وأبان لهم أنّ النبي (ص) وفي آخر أيامه قد عين أبا بكر يصلي بالناس بدلاً منه، ولو كان قد عين احداً للخلافة لما عين إلا أبا بكر(27).
ان النقد الذي يوجه إلى دينيه فيما ذهب إليه هو اعتماده على مصادر أحادية النظرة، تناقلت الفكرة التي تروج أنّ النبي محمداً (ص) لم يستخلف أحدا، وهذه سلبية أوقع دينيه نفسه فيها لاطلاعه على روايات احد الأطراف التي تهمها مشكلة الخلافة.وهذا خلل واضح يعترض سبيل الباحث للوصول إلى نتائج منصفة.
وبدأ المستشرق (ولاستون) ما كتبه عن خلافة الإمام علي (ع) بوصف أوضاع الدولة بعد مقتل الخليفة عثمان على أنّها كانت اضطراباً ليس بالقليل نتيجة لانقسام المسلمين بشأن من يختارونه للخلافة، مما أدى إلى ان يتقدم بعضهم للإمام علي (ع) لكي يرغبوه في استلام الخلافة، لكنه رفض ذلك، وظلوا يصرون على ان ليس هناك أحد أصلح منه سواء من ناحية مآثره أم قرابته من النبي (ص)، وأضاف ولاستون القول:
«لكن يد الله (كما يحلو لبعض المؤرخين ان يسموه بها) كان عنيداً ولم يقبل بالأمر إلى ان جاءه زعيم المدينة المنورة [الخافقي بن حرب] مستغيثاً بتقواه وناشده بالله ان يتقلد الأمر حفاظاً على الدين، ولكن هل كان علياً مدركاً من ان أعداءه ليس بالقليلين عدداً ولا بالضعيفين نفوذاً؟، بحكمة أصرّ علي أن تتمّ مبايعته علناً في المسجد»(28).
وتابع ولاستون ذكر سير الأحداث بعد تسلم الإمام علي (ع) الخلافة وخاصة فيما يتعلق بالاجراء الاداري الذي اتخذه بعزل الولاة الذين سبق وان عينهم الخليفة عثمان، على الرغم من الاعتراضات التي وجهت اليه، وانتقد ولاستون هذا الإجراء بوصفه (طيش غير ضروري) تمخض عنه إثارة خطر الأعداء المحدق قبل التمكن من تحصين أركان الدولة، فأعقب إجراء العزل السريع حالاً من التذمر وانبرى عن ذلك ظهور كتلة ساخطة كانت بتحريض رجلين من ذوي النفوذ، هما طلحة والزبير، ومما زاد في إشعال نار الحرب ضد الإمام علي (ع) هو على حد تعبير ولاستون «سلوك الحاقدة عائشة»(29).
ويبدو أنّ المستشرق ولاستون قد ردد مآخذ غيره من المهتمين بدراسة التاريخ على الإمام علي (ع) فيما يتعلق بتمسكه برأيه في تغيير الولاة السابقين في عهد الخليفة عثمان، لعدم معرفته بان الإمام علي (ع) لا تهمه الخلافة بقدر ما يهمه إحقاق الحق ووضع الأمور في نصابها انطلاقاً من قوله «لم تكن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري وأمركم واحداً، إني أريدكم لله وانتم تريدونني لأنفسكم، أيها الناس أعينوني على أنفسكم، وايم الله لأنصفن المظلوم، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً».
ويدلي المستشرق الفريد جيوم بقول اكثر واقعية من غيره حين يذكر أن الإمام علياً (ع) حاول إثبات حقه في الخلافة كونه قد استبعد عنها عن طريق الخديعة، وان كان قد (ضلّ) في نظر الجماعة الإسلامية المحافظة، ويقصد جيوم بهم «الخوارج».
ويضيف جيوم القول إن الإمام علي (ع) كان آخر الخلفاء الراشدين الحقيقيين ولكنه قد أقصي عن أهم المناطق التي استولى عليها المسلمون الأوائل، وهي الشام التي تمتلك قوة مدربة إلى حد ما، وختم جيوم كلامه بالقول:
«اغتيل علي بن أبي طالب لسوء الحظ على يد الخوارج سنة 661م وتنازل ابنه الحسن عن حقه في الخلافة»(30).
وما يذكره المستشرق (يان ريشار) أكثر إنصافاً من غيره، إذ يؤكد أفضلية الإمام علي (ع) للخلافة دون غيره، ويظهر ذلك جلياً من خلال قوله:
«إذا نظرنا إلى عامة المسلمين، وجدنا ان علياً هو النموذج الأمثل للحاكم الواعي والملهم، وفي الأصل فانه كان يقوم بما يشبه وظيفة الوزير في حكومة النبي، وكان قوياً كالأسد، ومسلحاً بسيفه (ذو الفقار) الذي كان له حدان، ولكنه تحول بحكم الايديولوجيا المناضلة إلى شهيد في سبيل العدالة، وحقا فانه كان في وسعه ان يثور على تعيين الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وعلى العزل الكامل الذي وضعه عثمان، وكان بوسعه ان يحتال على معاوية، كمقدمة لإضعافه، أي موالاته أولا للهجوم عليه فيما بعد بصورة المفاجأة وكان بإمكانه ان يتجاوز بالحيلة ما علق في رؤوس الرماح من وريقات القرآن في معركة صفين، واستخدم تفوقه العسكري فيها حتى النهاية»(31).
وحينما تطرق ريشار إلى بيعة الغدير فهو يؤكد أحقية الإمام علي (ع) بالخلافة، فيذكر بعد ذلك:
«وأول قضية تراثية يتسلح بها الشيعة من غير ان ترفضها السنة رفضاً كلياً، هي التي تجعل ولاية الخلافة لعلي ابن عم النبي وصهره، ولاية شرعية على جماعة المسلمين»(32).
ويرى ريشار ان تعيين الإمام علي (ع) خليفة للرسول محمد (ص) في بيعة الغدير كانت قضية محسومة ولا يمكن للمنصفين إنكارها، ويمكن تلمس ذلك بوضوح من خلال قوله:
«وعلى الرغم من ان علياً هو الخليفة المعين من قبل النبي، فانه استبعد عن هذه الخلافة»(33).
ويبدو من خلال أقوال المستشرق ريشار بانه قد اطلع على ما كتب في مصادرنا التاريخية التي تعرضت لمشكلة الخلافة على الرغم من اختلافها الا انه استطاع بثاقب بصيرته ان يميز وجه الحـق في أحقيـة الإمـام علي (ع) بالخلافـة، فأصاب كبـد الحقيقة.

المحور الرابع: معارك الإمام علي (ع) ضد الناكثين والقاسطين والمارقين:
من الأحداث التاريخية الأخرى المهمة التي رافقت خلافة الإمام علي (ع) وعجلت بها، هي الحروب التي خاضها ضد الخارجين عن صف الإسلام الذين حاولوا ضربه من الداخل من اجل إطماع شخصية، وقد اهتم المستشرقون بذكر هذه المعارك والتفصيل فيها.
لقد أبدى المستشرق (هنري ماسيه) رأيه في معركة الجمل بإيجاز، إذ يصف الأوضاع بعد أكثر من خمسة أشهر على تسلم الإمام علي (ع) الخلافة بأنها قد دفعت إلى تركه المدينة المنورة ويتوجه على رأس جيش إلى البصرة وكان من المحتم عليه إخضاع طلحة والزبير الذين اتفقا مع عائشة لشن الحرب ضده بحجة الثأر لمقتل الخليفة عثمان، والحقيقة حسب اعتقاد هنري ماسيه هي العداء السابق الذي تكنه عائشة للإمام علي (ع) نتيجة لموقفه في حادثة الافك، الذي اشار فيه على الرسول محمد (ص) بضرورة طلاقها(34).
ومن الجدير بالذكر ان السبب الذي دفع السيدة عائشة إلى تحريضها كل من طلحة والزبير لشن الحرب ضد الإمام علي (ع) ليس هو السبب الجوهري الذي ذكره ماسيه، لأنّ الإمام علي (ع) لم يشر على الرسول محمد (ص) بضرورة طلاقها من دون التأكد من الموضوع واثبات ذلك.
ويأتي المستشرق (سيديو) بوصف دقيق للدور الذي مارسته السيدة عائشة وطلحة والزبير في حربهم ضد الإمام علي (ع)، إذ أشار إلى ان رفض الإمام علي (ع) تولية طلحة والزبير الكوفة والبصرة أدى إلى ان تنقلب صداقة هذين الرجلين إلى حقد شديد، أمّا عائشة فقد وصفها سيديو بأنها كانت «روح كلّ مكيدة»(35).
ويضيف سيديو القول إنّ أحد عمال الإمام علي (ع) (36) قد أُخذ على حين غفلة مما دفع باللجوء إلى السلاح، فتوجه الإمام إلى العراق، وقد قتل كل من طلحة والزبير في الموقعة المعروفة بمعركة الجمل سنة (36هـ) في الوقت الذي تم أسر عائشة ومعاملتها معاملة حسنة وإرسالها إلى المدينة برفقة ولدي الإمام علي الحسن والحسين (ع)، واتخذت الكوفة بعد ذلك مقراً للخلافة وتمت مبايعة الإمام علي (ع) من أهل العراق والجزيرة العربية وفارس وخراسان(37).
أما المستشرق الفريد جيوم فقد وصف عهد الإمام علي (ع) بأنه كان بداية الانقسامات التي لم تنته قط بين المسلمين، إذ إنّ عائشة ومعها طلحة والزبير كانوا معارضين لحكم الإمام علي (ع) وقد هزمهم في الموقعة المعروفة باسم (وقعة الجمل) وقد قتل طلحة والزبير، ولم تكن هذه الحادثة بداية المتاعب فحسب فقد كان هناك خصم آخر هو معاوية بن أبي سفيان ابن عم الخليفة عثمان الذي سبق وان ثبته على ولاية الشام، مما دفع به إلى المطالبة بدمه(38).
وتناول المستشرق ولاستون معركة الجمل بعد أن تطرق إلى كيفية تسلم الإمام علي (ع) للخلافة والإجراء الذي اتخذه بعزل الولاة السابقين أبان ذلك على الرغم من تحذير البعض له من مغبة هذا الإجراء(39).
فذكر ولاستون بأنه بعد وصول عائشة وجماعتها للبصرة أمرت بقتل عاملها [عثمان بن حنيف]، الا ان تأثير رفاقها قد قلل من عزمها على قتله وسمحت له أن ينجو بحياته بعد ان تعرض للإذلال والاهانة بنتف لحيته وحاجبيه إرضاءاً «لأم المؤمنين الساخطة» حسب تعبير ولاستون(40).
وفصّل ولاستون في موضوع ذهاب الإمام علي (ع) إلى البصرة وإرساله مبعوثين إلى الكوفة والمراسلات التي جرت بينه وبين والي الكوفة، وذكر ولاستون جزءاً من الكلام الذي وجهه الإمام علي (ع) لأهل الكوفة بوساطة ابنه الحسن (ع) موضحاً من خلاله نكث كلّ من طلحة والزبير وغدرهما بعد بيعتهما، داعياً إياهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فوجد استجابة منهم، وانضم إلى معسكره ما يزيد على تسعة آلاف من أهل الكوفة واستقبلهم بحفاوة، فوصل عدد مقاتليه إلى ما يزيد على ثلاثين ألف رجل مما ادخل الرعب في قلب عائشة، يضاف إلى ذلك ـ والكلام للمستشرق ولاستون ـ ان الإمام عليا كان قائداً بارعاً في المعارك، اكسبه لقباً محبباً لنفوس المسلمين وهو «أسد الله»(41).
وبدأ القتال بضراوة شديدة بين الجانبين، أصيب طلحة بسهم في ساقه فتعذر عليه التحكم بحصانه وانطرح على ارض المعركة، وحاول احد أصحابه إبعاده عن المعركة وإيصاله إلى المدينة ولكن اجله قد دنا من المصير المحتوم، أما الزبير وهو الناكث الثاني فقد قتل على يد احد الموالي، وبذلك فقد أزيح المتآمران الرئيسيان من الساحة، إلا أنّ المعركة لم تنته بسبب وجود عائشة، وما دام الناس يرونها فان المعركة كانت مستمرة على أشدها وكان هودج جملها مركز الجذب للعدو والصديق وأصبح مثل القنفذ من كثرة السهام، ولكن وبعد برهة من الزمن أصبحت عائشة تحت رحمة الإمام علي (ع) المنتصر، وعلى النقيض مما كانت هي عليه، قابلها بالمعروف واعد لها جهازاً جيداً وأرسلها إلى المدينة مع ابنيه الحسن والحسين وأخيها محمد بن أبي بكر لمرافقتها، في الوقت نفسه منعها من التدخل في شؤون الدولة، وبعد هذا اليوم الحاسم اتجه إلى الكوفة وأصبحت مركز حكمه سنة 36هـ/656م(42).
وتطرق ولاستون أيضا إلى موضوع الخوارج، فقد وضح أنّ خدعة التحكيم في معركة (صفين) قد أغضبت مجموعة من أنصار الإمام علي (ع) غضباً شديداً وظهرت مجموعة سميت بالخوارج، انعزلت وكونت لها معسكراً قرب بغداد، وبدأ جمع الساخطين بالازدياد إلى أن وصل عدده إلى خمسة وعشرين ألفا، ويؤكد ولاستون على أنّه من المستحيل على الإمام أن يترك مثل هذا الحشد المرعب من الساخطين لكي يهددوا سلطته وقوته، ولم يكن أمامه خيار آخر إلا أن يجبرهم على الخضوع، فتقدم بجيش كبير، وقبل أن يبدأ بمهاجمتهم غرس راية في الأرض(43)، ونادى عليهم بصوت مدوّ: من يأتي تحت هذه الراية سوف يجني الريع، وأمّا من أراد أن يرجع إلى الكوفة فله الأمان، ويصف ولاستون ذلك الأمر بقوله: «وفعلاً نجحت الخدعة»، ولم يبق من المتمرّدين سوى أربعة آلاف رجل هاجموا جيش الإمام علي (ع) فهزمهم وقتلهم جميعاً عدا تسعة أفراد(44). واعتقد أنّ هذا العدد مبالغ فيه وغير دقيق لو قيس بمدة المعركة.
ولم يوفق ولاستون في وصفه لكلام الإمام علي (ع) الذي وجهه للخوارج على انه خدعة، فلو تحرينا ذلك الحديث لتبين انه ينطوي على نصائح لهم بعدم الانزلاق في معصية الله، وهذا مقطع مما قاله (ع):
«ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة وغيلة ومكراً وخديعة:إخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم؟فقلت لكم:هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان، وأوله رحمة وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، وألزموا طريقتكم، وعضو على الجهاد بنواجذكم، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق: إن أجيب ضل، وإن ترك ذلّ...»(45).
وكان المستشرق هنري ماسيه قد وصف انتصار الإمام علي (ع) في معركة الجمل على انه قد جعله سيداً لإمبراطورية، ولكنها منقسمة على قسمين، بسبب تمرد حاكم سوريا قلعة الأمويين، فسار الإمام علي (ع) بجيشه من الكوفة واجتاز الفرات إلى الرقة، إذ التقى بالجيش الأموي في سهل (صفين)، وفي هذا المكان نصب معاوية بن أبي سفيان خيمة، واقسم السوريون أمامها بالقتال حتى الموت، وبعد ثلاثة أشهر من المناوشات التي يتخللها بين الحين والآخر مفاوضات، فان القتال الحاسم كان يجري في صالح جيش الإمام علي (ع)، ولكن معاوية بن ابي سفيان وبخدعة من عمرو بن العاص رفع المصاحف على الرماح ودعا إلى حكم الله، استطاع فيها قلب موازين الحرب، أما أصحاب الإمام علي (ع) فقد خالفوه بقبول التحكيم ، مما جعل ذلك سبباً لخسارته الحرب، وان أنصار العمل الحازم ويقصد بهم ماسيه الخوارج قد تركوه(46).
وجاء المستشرق (سيديو) بكلام يتطابق في معناه العام مع ما ذكره (ماسيه)، فقد ذكر أنّ الإمام عليّاً (ع) كان يرجو أن تُكسر شوكة الفتنة بعد معركة الجمل، ولكن ذلك لم يتم بعد ان رأى في عينيه عدو بني هاشم، معاوية بن أبي سفيان في الشام قد اتحد مع فاتح مصر عمرو بن العاص، فتنازع معاوية مع صهر النبي (ص) على رأس ثمانين ألف رجل، واستمرت المناوشات لمدة مائة وعشرة ايام، وهلك في هذه الحرب خمسة وأربعين ألفا من أصحاب معاوية وخمسة (وعشرين) ألفا من جنود الإمام علي (ع) وكان الإمام علي (ع) قد أمر جنوده بعدم البدء بالهجوم وأن لايجهز على الفارين وأن تحترم الأسرى، ويصف سيديو هذه التوجيهات بقوله:
«وذلك وفق ما اشتهر به علي من الكرم المثالي»، ورفض معاوية عرض الإمام علي (ع) أن تكون المبارزة فردية، بعد ذلك حدثت معركة متذبذبة في سهول صفين انتهت بالنزول عند رغبة جيوشهما في إحالة نزاعهما إلى التحكيم(47).
ويذكر المستشرق الفريد جيوم كلاماً مختصراً عن معركة (صفين)، وهو ان الإمام عليّاً (ع) وبعد أن تسلم الخلافة قد أعفى معاوية بن ابي سفيان من منصبه، لكن معاوية تجاهل هذا الأمر، فاضطر الإمام علي لمقاتلته، ولم تكن هذه المعركة التي نشبت بينهما فاصلة، فبعد أن بدأت ملامح الهزيمة واضحة على جيش معاوية، اصطنعوا خدعة لينهوا بها الخلاف، فثبتوا المصاحف على أسنة الرماح، داعين إلى تحكيم الله، فاضطر الإمام علي (ع) وبتأثير الورعين من جيشه إلى قبول التحكيم إلى أقصى حد، وقد تسبب ذلك في غضب جماعة من المتعصبين الذين أنكروا التحكيم على الخليفة، ولهذا تركوا الإمام علياً (ع)، وهؤلاء الذين سموا بالخوارج(48).

الخاتمة :
من خلال توضيحنا لما ذكره بعض المستشرقين الفرنسيين بشأن جوانب من مواقف الإمام علي (ع) في الإسلام، تمكن الباحث من تأشير ما يأتي:
اعتمد المستشرقون الفرنسيون في نقل حوادث التاريخ الإسلامي على مصادرنا الإسلامية، ولكنهم إلى جانب ذلك حاولوا إبداء وجهات نظرهم فيما ذكروه وقد تباينت وجهات النظر تلك تبعاً لميول أصحاب هذه المصادر المذهبية.
هناك تشابه كبير فيما يتعلق بإعجاب المستشرقين بشجاعة الإمام علي (ع) في مواقفه الرامية إلى الدفاع عن الإسلام من خلال المعارك التي خاضها في بداية الإسلام أو في أثناء خلافته.
حاول بعض المستشرقين قراءة مفردات التاريخ الإسلامي بواقعية وتحليل دقيق عندما أكدوا أحقية الإمام علي (ع) بالخلافة بعد وفاة الرسول محمد (ص)
كانت هناك إشارات واضحة فيما كتبه المستشرقون الفرنسيون في أحقية الإمام علي (ع) في صراعه ضد الناكثين والقاسطين والمارقين وتأكيدهم على ان حرب السيدة عائشة المعروفة بالجمل كانت دليلاً على أحقاد قد دفعتها لذلك.
وصف المستشرقون الفرنسيون الإمام عليّاً (ع) بعبارات جميلة تدلّ على معرفتهم بفضائل الإمام علي (ع) ومكانته والتضحيات التي قدمها في سبيل الإسلام والخدمات التي قصد من ورائها التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

* هوامش البحث *
(1) دينيه، آتيين، محمد رسول الله، ترجمة عبد الحليم محمود، مطبعة دار الكتاب، ط3(مصر-1956م)، ص94.
(2) دينيه، محمد رسول الله، ص101.
(3) دينيه، محمد رسول الله، ص199.
(4) درمنغهم، اميل، حياة محمد، ترجمة عادل زعيتر، مطبعة إحياء الكتب العربية، (القاهرة-1368هـ/1949م)، ص227.
(5) الكنجي، ابو عبد الله محمد بن يوسف (قتل 658هـ/1258م)، كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (ع)، ط3(بيروت-1403هـ)، ص298-301.
سورة الرعد/39.
(6) الكنجي، كفاية الطالب، ص1-3، باب، 80.
(7) حياة محمد، ص229.
(8) المجلسي، محمد باقر (ت111هـ/1699م)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، (بيروت-1403هـ/1983م)، ج43/134، 133.
(9) المجلسي، بحار الأنوار، 43/133-134.
(10) المجلسي، بحار الأنوار، 43/134.
(11) جيوم، الفريد، الإسلام، ترجمة محمد مصطفى، (القاهرة-1958م)، ص28.
(12) ماسيه، هنري، الإسلام، ترجمة بهيج شعبان، (بيروت-1960م)، ص66.
(13) سيديو، ل-أ، تاريخ العرب العام، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، (القاهرة-1367هـ/1948م)، ص126.
(14) بروا، جان، محمد نابليون السماء، ترجمة محمد صالح البنداق، دار الإنصاف، (بيروت-1947م)، ص54.
(15) بروا، محمد نابليون السماء، ص88.
(16) بروا، محمد نابليون السماء، ص88.
(17) دينيه، محمد رسول الله، ص305.
(18) جرداق، جورج، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، (بيروت-1423هـ/2003م)، 5/236.
(19) جرداق، صوت العدالة، 5/236.
(20) جرداق، صوت العدالة، 5/236.
(21) سيديو، تاريخ العرب العام، ص125.
(22) سيديو، تاريخ العرب العام، ص125-126.
(23) ينظر، المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين (ت345هـ)، التنبيه والإشراف، تحقيق، عبد الله إسماعيل الصاوي، (القاهرة-د.ت)، ص252.
(24) سيديو، تاريخ العرب العام، ص226.
(25) رسلر، ج.س، الحضارة العربية، ترجمة غنيم عبد عون، مراجعة الدكتور احمد فؤاد، الدار المصرية، (القاهرة-د.ت)، ص38.
(26) دينيه، محمد رسول الله، ص305.
(27) دينيه، المصدر نفسه، ص305.
(28) Wallaston,Arthur,Half Hours with Muhammed,(London-1982),P.96.
Wallaston, Half Hours,P.97.
(30) جيوم، الإسلام، ص113، 114.
(31) ريشار، يان، الإسلام الشيعي، ترجمة حافظ الجمالي، دار عطية، (بيروت-1966م)، ص40.
(32) ريشار، الإسلام الشيعي، ص34.
(33) ريشار، الإسلام الشيعي، ص35.
(34) ماسيه، الإسلام، ص64.
(35) سيديو، تاريخ العرب العام، ص127.
(36) المقصود به الوالي عثمان بن حنيف.
(37) سيديو، تاريخ العرب العام، ص127.
(38) جيوم، الإسلام، ص21.
(39) Wallaston,Half Hours,P.97.
(40) Ibid,P.99.
(41) Ibid,P.100-102.
(42) Ibid,P.100-102.
(43) الراية التي ذكرها ولاستون هي التي أعطاها الإمام علي (ع) إلى أبي أيوب الأنصاري ليقدّمها راية أمان للخوارج فقال لهم: «من جاء تحت هذه الراية فهو آمن، ومن لم يقتل ولم يتعرض ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك الدماء»، ينظر، ابن الأثير، عز الدين(ت630هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق عبد الله الصاوي، دار الكتب العلمية، ط4(بيروت-1424هـ/2003م)، 3/221.
(44) Wallaston,Half Hours,P.105-106.
(45) نهج البلاغة، الخطبة، 122.
(46) ماسيه، الإسلام، ص64-65.
(47) سيديو، تاريخ العرب العام، ص127.
(48) جيوم، الإسلام، ص81.

* المصادر والمراجع *
خير ما نبدأ به القرآن الكريم.
نهج البلاغة.
ابن الأثير، عز الدين (ت 630هـ)، الكامل في التاريخ، تحقيق عبد الله القاضي، (بيروت-1424هـ/2003م).
بروا، جان، محمد نابليون السماء، ترجمة محمد صالح البنداق، (بيروت-1947م).
جرداق، جورج، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، (بيروت-1423هـ/ 2003م).
جيوم، الفريد، الإسلام، ترجمة محمد مصطفى، (القاهرة-1958م).
درمنغهم، اميل، حياة محمد، ترجمة عادل زعيتر، مطبعة إحياء الكتب العربية، (القاهرة-1368هـ/1949م).
دينيه، آتيين، محمد رسول الله، ترجمة عبد الحليم محمود، (مصر-1956م).
رسلر، ج.س، الحضارة العربية، ترجمة غنيم عبد عون، الدار المصرية، (القاهرة-د.ت).
ريشار، يان، الإسلام الشيعي، ترجمة حافظ الجمالي، (بيروت-1966م).
سيديو، ل.أ، تاريخ العرب العام، ترجمة عادل زعيتر، (القاهرة -1367هـ/1947م).
الكنجي، ابو عبد الله محمد بن يوسف (قتل 658هـ/1258م)، كفاية الطالب في مناقب علي بن ابي طالب (ع)، ط3 (بيروت-1403هـ).
ماسيه، هنري، الإسلام، ترجمة بهيج شعبان، (بيروت-1960م).
المجلسي، محمد باقر (ت1111هـ/1699م)، بحار الأنوار الجامعة لدرر إخبار الأئمة الأطهار، (بيروت-1403هـ/1983م)
المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين (ت345هـ)، التنبيه والإشراف، تحقيق عبدالله إسماعيل الصاوي، (القاهرة - د.ت).
***