فهرس المحتويات

المقدمة | 8

■ الفصل الأول: دوافع النقد | 13

تمهيد | 14

● المبحث الأول: عوامل النشأة الفكرية | 15

أولاً: حياته | 15

مؤلفاته | 17

ثانياً: النشأة الفكرية | 18

● المبحث الثاني: دوافع النقد | 21

أولاً: الدافع الحضاري | 21

ثانياً: الدافع الاجتماعي | 27

ثالثاً: الدافع الديني | 32

رابعاً: الدافع الفكري | 36

■ الفصل الثاني: أشكال النقد | 41

تمهيد | 42

● المبحث الأول: نقد الأطر العامة للفلسفة الغربية | 43

النظرة المادية للفكر الغربي | 44

قد يستعمل لفظ المادية ويراد به | 44

● المبحث الثاني: نقد الفلسفة اليونانية | 53

أولاً: نقد فلسفة أفلاطون | 53

ثانياً: نقد أرسطو | 58

● المبحث الثالث: نقد المدارس الفلسفية في الفلسفة الحديثة | 63

أولاً: نظرية المعرفة | 63

ثانياً: وجود العالم | 67

■ الفصل الثالث: نقد نظرية المعرفة | 71

تمهيد | 72

● المبحث الأول: الإدراك البشري | 75

وهذه النظريات هي | 81

● المبحث الثاني: مصدر المعرفة البشرية | 88

أولاً: مصدر التصوّر | 88

ثانياً: مصدر التصديق | 91

ثالثاً: المعرفة واليقين | 98

● المبحث الثالث: حدود المعرفة | 104

أولاً: الفلسفة الماركسية | 105

ثانياً: الوضعية المنطقية | 106

● المبحث الرابع: قيمة المعرفة | 115

أولاً: إمكانية معرفة العلم | 117

ثانياً: تعريف الحقيقة | 119

أولاً: الفلسفة الماركسية | 120

ثانياً: الفلسفة البراجماتية | 125

■ الفصل الرابع: نقد الفلسفة المادية | 129

تمهيد | 130

● المبحث الأول: الواقعية الإلهية | 132

● المبحث الثاني: المادية الديالكتيكية | 136

أولاً: حركة التطوّر | 140

ثانياً: تناقضات التطوّر | 142

ثالثاً: قفزات التطوّر | 150

رابعاً: الترابط العام | 153

● المبحث الثالث: مبدأ العلّة | 156

● المبحث الرابع: أصل العالم | 163

أولاً: المادة على ضوء نتائج البحث العلمي | 165

ثانياً: المقياس التجريبي | 169

ثالثاً: تناقض النزعة الفلسفية | 171

رابعاً: تناقض النزعة المنطقية | 171

أدلّة وجود الله | 172

الدليل العلمي | 173

● المبحث الخامس: المادية التأريخية | 179

أولاً: مادية التاريخ | 183

ثانياً: ديالكتيكية التأريخ | 184

الخاتمة | 186

أولاً: النتائج العامّة | 186

ثانياً: النتائج الخاصة | 188

المصادر | 190

أولاً: المراجع والكتب | 190

ثانياً: المعاجم والدوريات | 196

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة الدراسات الغربية نقد الفلسفة المعاصرة عند السيد محمد باقر الصدر [دراسة تحليلية] عقيل زعلان صادق الأسدي

الفهرس

 المقدمة8

■ الفصل الأول: دوافع النقد13

تمهيد14

● المبحث الأول: عوامل النشأة الفكرية15

أولاً: حياته15

مؤلفاته17

ثانياً: النشأة الفكرية18

● المبحث الثاني: دوافع النقد21

أولاً: الدافع الحضاري21

ثانياً: الدافع الاجتماعي27

ثالثاً: الدافع الديني32

رابعاً: الدافع الفكري36

■ الفصل الثاني: أشكال النقد41

تمهيد42

● المبحث الأول: نقد الأطر العامة للفلسفة الغربية43

النظرة المادية للفكر الغربي44

قد يستعمل لفظ المادية ويراد به44

● المبحث الثاني: نقد الفلسفة اليونانية53

(4)

الفهرس

أولاً: نقد فلسفة أفلاطون53

ثانياً: نقد أرسطو58

● المبحث الثالث: نقد المدارس الفلسفية في الفلسفة الحديثة63

أولاً: نظرية المعرفة63

ثانياً: وجود العالم67

■ الفصل الثالث: نقد نظرية المعرفة71

تمهيد72

● المبحث الأول: الإدراك البشري75

وهذه النظريات هي81

● المبحث الثاني: مصدر المعرفة البشرية88

أولاً: مصدر التصوّر88

ثانياً: مصدر التصديق91

ثالثاً: المعرفة واليقين98

● المبحث الثالث: حدود المعرفة104

أولاً: الفلسفة الماركسية105

ثانياً: الوضعية المنطقية106

● المبحث الرابع: قيمة المعرفة115

أولاً: إمكانية معرفة العلم117

ثانياً: تعريف الحقيقة119

(5)

الفهرس

أولاً: الفلسفة الماركسية120

ثانياً: الفلسفة البراجماتية125

■ الفصل الرابع: نقد الفلسفة المادية129

تمهيد130

● المبحث الأول: الواقعية الإلهية132

● المبحث الثاني: المادية الديالكتيكية136

أولاً: حركة التطوّر140

ثانياً: تناقضات التطوّر142

ثالثاً: قفزات التطوّر150

رابعاً: الترابط العام153

● المبحث الثالث: مبدأ العلّة156

● المبحث الرابع: أصل العالم163

أولاً: المادة على ضوء نتائج البحث العلمي165

ثانياً: المقياس التجريبي169

ثالثاً: تناقض النزعة الفلسفية171

رابعاً: تناقض النزعة المنطقية171

أدلّة وجود الله172

الدليل العلمي173

(6)

الفهرس

● المبحث الخامس: المادية التأريخية179

أولاً: مادية التاريخ183

ثانياً: ديالكتيكية التأريخ184

الخاتمة186

أولاً: النتائج العامّة186

ثانياً: النتائج الخاصة188

المصادر190

أولاً: المراجع والكتب190

ثانياً: المعاجم والدوريات196

(7)

مقدمة

يامن يعطي الكثير بالقليل،  يامن يعطي من سأله يامن يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة. والصلاة والسلام على اشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لقد كان الطابع النقدي طابعاً واضحاً في مؤلفات السيد محمد باقر الصدر الفكرية والفلسفية فأننا نجد على سبيل المثال في مؤلفاته (فلسفتنا)، (الأسس المنطقية للاستقراء)، (اقتصادنا) نقداً ممنهجاً للفكر الغربي كانت له دوافعه ومنهجيته وآلياته المحددة الخاصة، وعلى هذا الاساس كان اختيار موضوع الكتاب عرضاً وتحليلاً في نقد الصدر للفلسفة الغربية المعاصرة.

أن موضوع الكتاب يمكن أن يثير عدة تساؤلات نجد أن الإجابة عنها يمكن ان ترسم لنا صورة اجمالية عن طبيعة البحث...

فلماذا الفلسفة المعاصرة دون غيرها؟ وما المقياس في تحديد الفلسفة المعاصرة؟ وما المدارس والاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي كانت موضوع النقد؟ هذه أهم التساؤلات التي كانت شاخصة في ذهني والتي كانت الإجابة عنها فيما يخصني مرحلة سابقة للدخول في تفاصيل الأطروحة وجزيئات النقد والتحليل.

إن اختيار الفلسفة المعاصرة بالذات جاء لأهمية هذه الفلسفة لا على أساس الموضوعات التي ناقشتها هذه الفلسفة أو أن موضوعاتها ومشكلاتها جديدة في

(8)

الفكر الإنساني بل على أساس أن هذه الفلسفة تضم مدارس واتجاهات تمثل الأفكار المتصارعة في الثقافات الإنسانية وخصوصاً في الثقافة العربية والإسلامية التي يجب أن يكون لنا موقفاً فكرياً اتجاهها، ولا يمكن أن يكون هذا الموقف إلاّ بعد التعرف عليها ومعرفة جدارتها في الفكر الإنساني، والنقد الموضوعي يتكفل لنا بذلك لأنه يعرضها ويحللها ويختبر صلاحيتها واتّساقها. فالنقد الموضوعي مسألة جداً مهمة وهذه دعوة لمراجعة متبنياتنا الفكرية وقناعاتنا الشخصية. فأهمية الفلسفة المعاصرة راجع إلى حجم هذه الفلسفة في ثقافتنا المعاصرة ومواقفنا الفكرية اتجاهها. ولو جئنا للمقياس الذي وضعناه لتحديد الفلسفة المعاصرة لوجدناه ليس مقياساً جديداً ومبتكراً بقدر ما هو مقياس وجدنا من الباحثين في الحقل الفلسفي والكُتاب يؤكدونه، وهو أن الفلسفة المعاصرة يمكن تحديدها بالأفكار التي ظهرت في العالم مع بداية القرن العشرين أو نهايات القرن التاسع عشر أو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية[1].

أما المدارس الفلسفية التي يمكن أن يشملها هذا التحديد والتي كانت موضوع النقد في الأطروحة فهي الماركسية[2] والوضعية المنطقية[3] والبرجماتية[4] وهنا يمكن أن

(9)

تبرز مشكلة بحسب هذا التحديد ذلك بأن الفلسفة الماركسية على سبيل المثال هي من الفلسفات التي ظهرت في بدايات القرن التاسع عشر ومنتصفه وتحديداً على يد كارل ماركس فهي بذلك تُعدّ من الفلسفات الحديثة وليست المعاصرة. وهذا الشيء صحيح فيما لو كانت الماركسية ليس لها امتداد فالماركسية لها امتداد يصل إلى وقتنا الحالي. هذا من جهة ومن جهة أخرى. وهذا القول لا يقتصر على الماركسية فقط بل بشكلٍ عام. وهو من منهجية الأطروحة. إننا أولينا أهمية للفكرة أو المشكلة الفلسفية وليس للشخصيات وممثلي هذه الفلسفة المعاصرة، فقد انصب نظرنا على الفكرة وطابعها العام، فعلى سبيل المثال تناولنا الطابع العام للأفكار الماركسية التي يشترك بها ماركس وانجيلز ولينين وستالين وماوتسي تونغ وغيرهم من الماركسيين. أي بعبارة أدق راعينا التركيب الأفقي وليس العمودي.

إن مسألة تحديد الفلسفة المعاصرة التي أشرنا إليها هي من المشاكل التي واجهتنا والتي كان لتذليلها وجوب تحري الدقة والالتزام بإيراد النصوص الماركسية المعاصرة التي تؤكد الطابع العام للأفكار الماركسية، ومن المشاكل والصعوبات الأخرى هي ندرة الكتابات الفلسفية التي تتناول الجانب النقدي عند المفكر الصدر، وهذا ما جعلنا نعتمد اعتماداً كلياً على النصوص الأصلية لمؤلفات الصدر مما كان له الأثر على قلة مصادر البحث بشكلٍ عام، وهذا مما يجعل البحث أيضاً بحثاً جديداً واجتهاداً عسى أن يلاقي التوفيق والقبول.

لقد راعينا في تقسيمنا لفصول الأطروحة أن يكون التقسيم تقسيماً مبنياً على فكرة فحواها أن دراسة النقد بصورة عامة لا يكتمل إلاّ إذا استوعبت الدراسة ثلاثة محاور هي : (النقد) و(الناقد) و(موضوع النقد) ـ أي المنقود ـ وعلى هذا الأساس

(10)

جرى تقسيم الفصول. فكان الفصل الأول: (دوافع النقد عند الصدر) وهذا هو المحور الثاني خصوصاً وهذا الفصل تناول أيضاً نظرة عامة عن حياة السيد الصدر وشخصيته والبيئة الفكرية التي شكلت أفكارهُ مما لها علاقة وثيقة مع دوافع النقد التي حددناها (بالدافع الحضاري والاجتماعي والديني والفكري).

أما الفصل الثاني: فتناول أشكال النقد عند الصدر، فكان (نقد الأطر العامة للفلسفة الغربية) و(نقد الفلسفة اليونانية) و(نقد الفلسفة الحديثة) هي مباحث الفصل والتي تشكل بعد ضمّ الفلسفة المعاصرة المحور الثالث من العملية النقدية. إن هذا الفصل هو بمثابة المدخل أو المقدمات للفصول الأخرى التي جاءت بعده لما له علاقة وثيقة بالفلسفة المعاصرة ونقدها.

أما الفصل الثالث: فتناولنا فيه نقد الصدر للفلسفات والمدارس التي كانت لها آراء ونظريات عن نظرية المعرفة كمسألة الإدراك وطبيعة المعرفة وحدود المعرفة وقيمة المعرفة.

أما الفصل الرابع: وهو الأخير فلقد خصصناه لنقد السيد الشهيد للفلسفة المادية وخصوصاً الفلسفة الماركسية وأصولها الفكرية ومواقفها الفكرية التي تتلاءم مع ماديتها. ولقد عملنا في هذين الفصلين (الثالث والرابع) على عرض الأفكار والنظريات الفلسفية المعاصرة وعرض آراء الناقد ومن ثم النقد ـ أي نقد الصدر ـ مع تحليل هذه النصوص النقدية وتوضيحها وبيان أصولها وعلاقتها بمفاهيم فلسفية أخرى.

وأخيراً لا يسعني إلاّ أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكلِّ من مد يد المساعدة والعون.

المؤلف عقيل صادق زعلان

(11)
(12)

 

 

 

 

 

 

الفصل الاول

دوافع النقد

(13)

تمهيد

نعتقد أن الدراسة التحليلية لنقد السيد الصدر للفلسفات المعاصرة لا تكتمل صورتها إلاّ بالتركيز ولو بدرجات متفاوتة على ثلاثة محاور. وهي (الناقد) و(المنقود) و(النص النقدي). وعلى هذا الأساس سوف يكون هذا الفصل مخصصاً للناقد.

إن معرفة الدوافع أو المحاور الفكرية التي كانت تقف من وراء نقد السيد الصدر للفلسفات المعاصرة مسألة جداً مهمة بحسبما نرى، لأن معرفة هذه الدوافع سوف يوقفنا بصورة مباشرة على طبيعة المنظومة الفكرية التي كان ينتمي لها الناقد والتي مثلت القاعدة الفكرية والمرتكز الفكري التي استند إليها في نقده، كذلك يمكن أن يكون استخدام المنهج النقدي وآلياته متوافقاً ومتلائماً مع طبيعة هذه الدوافع.

قبل معرفة تفاصيل هذه الدوافع وأشكالها، نرى من المناسب إعطاء نظرة عامة عن حياة الناقد والعوامل التي بلورت فكره لما لها علاقة بدوافع النقد وتأسيساً على ما نعتقده من أننا لا نستطيع أن نُفصل الفكر عن الواقع.

(14)

المبحث الأول

عوامل النشأة الفكرية

 

أولاً: حياته

ـ ولد السيد الصدر في مدينة الكاظمية المقدسة بتاريخ25/ذي القعدة/1353هـ الموافق عام 1933م. وينتهي نسبه الشريف إلى الإمام السابع من أئمة الشيعة الإمامية موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، والده السيد حيدر الصدر من نوابغ العلم في علم الأصول والفقه، وقد شهد له العلماء بذلك ووالدته التقية الفاضلة ابنة العالم الكبير الشيخ عبد الحسين آل ياسين شقيقة الشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ مرتضى آل ياسين، وأخوه الأكبر السيد إسماعيل الصدر الذي كان أحد أساتذة الحوزة العلمية في النجف الأشراف والذي تولى وكالة المرجعية الدينية في مدينة الكاظمية، وأخته الشهيدة (بنت الهدى) آمنة الصدر التي كان لها الفضل في نشر الوعي الإسلامي النُّسوي، ولها مؤلفات كثيرة يقع أغلبها في مجال اليقظة والوعي الإسلامي، توفي والده حينما كان السيد الصدر في الرابعة من عمره فتولّت والدته الفاضلة تربيتهُ، اقترن بالعلوية الفاضلة (أم جعفر) وهي شقيقة السيد موسى الصدر الذي غيبه نظام القذافي منذ عام 1978م، وللشهيد نجل واحد وهو السيد جعفر وخمس بنات[1].

(15)

ـ تلقى السيد الصدر في ريعان صباه العلوم الإسلامية على يد أخيه السيد إسماعيل الصدر وعندما أتم في الكاظمية دراسته التمهيدية في علم الأصول والفقه والفلسفة، هاجر إلى النجف الأشرف عام 1945 لمواصلة دراسته وكان عمره آنذاك 12 عاماً، ودرس على يد كبار مراجع الدين وأساتذة الحوزة الشريفة آنذاك ومنهم خاله الشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ عباس الرميثي والسيد أبو القاسم الخوئي والشيخ محمد تقي الأصفهاني، وبلغ مرتبة الاجتهاد في سنّ مبكرة لما كان يمتاز به من نباهة ونبوغ، وقد شهد له بذلك أستاذه الشيخ عباس الرميثي الذي قال له عام (1950م): «إن التقليد عليك حرام» ومما ينقل عن الشيخ محمد رضا النعماني أنه سمع السيد الصدر يقول: «إني لم أقلد أحداً منذ بلوغي سن الرشد» وبعد وفاة السيد محسن الحكيم عام 1970م الذي كان مرجع التقليد في النجف الأشرف بدأ السيد الصدر التصدي الفعلي للمرجعية الدينية وإن لم يكن راغباً في ذلك، بيد أنه كان يؤمن بضرورة تكريس كل الطاقات وتوحيد كل الصفوف باتجاه مرجعية موحدة وهذا مبدأ عام يؤمن به وقاعدة أساسية يتبناها، بيد أن ثمّة ظروفاً قاهرةً أجبرته على التصدي للمرجعية الدينية وطرح رسالته العملية (الفتاوى الواضحة) عام 1976م التي تميزت بالنهج العملي والأسلوب الواضح[1].

ـ كان استشهاده على يد النظام الصدامي الدكتاتوري البائد في يوم 9/4/1980م بعد عدة اعتقالات كان آخرها يوم الأربعاء 5/4/1980 ودفن سرّاً وظل قبره مضيعاً حتى أفشى سره المرحوم السيد محمد صادق الصدر والد السيد الشهيد (الصدر الثاني) محمد محمد صادق الصدر باعتباره الشاهد الوحيد من أسرة آل الصدر الذي

(16)

حضر الدفن فيما بقي قبر أخته (بنت الهدى) التي اعتقلت معه مجهولاً إلى الآن[1].

 

مؤلفاته

ـ فدك في التأريخ (طبع 1955) كتبه قبل هذا التأريخ.

ـ غاية الفكر في الأصول (طبع 1955 أو 1952) كتبه قبل هذا التأريخ بثلاثة أعوام.

ـ فلسفتنا (ط 1959).

ـ اقتصادنا (ط 1961).

ـ الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية (ط 1964).

ـ ماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي (ط 1964).

ـ المعالم الجديدة في الأصول (1965).

ـ البنك اللاربوي في الإسلام (1969).

ـ بحوث في شرح العروة الوثقى (1971).

ـ تعليقة على منهاج الصالحين (ط 1975).

ـ الفتاوى الواضحة (ط 1976).

ـ الأسس المنطقية للاستقراء (ط 1971).

ـ بحث حول الولاية: وهو مقدمة لكتاب (تاريخ الشيعة الإمامية وأسلافهم للدكتور عبد الله فياض).

ـ بحث حول المهدي: وهو مقدمة لموسوعة الإمام المهدي للسيد محمد الصدر (الصدر الثاني).

(17)

ـ نظرة عامة في العبادات.

ـ المرسل، الرسول، الرسالة: وهو مقدمة الفتاوى الواضحة، وقد طبع منفرداً تحت هذه التسمية أو تحت عنوان (موجز في أصول الدين).

ـ تعليقات على كتاب ملاّ صدرا في الفلسفة.

ـ دروس في علم الأصول (4 أجزاء ط 1977).

وله عدة محاضرات في التاريخ باسم أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف، ومحاضرات في التفسير بعنوان التفسير الموضوعي، والسنن التاريخية في القرآن.

ثانياً: النشأة الفكرية

يمكننا أن نلاحظ عدة عوامل أسهمت بصورة فعّالة في نشأة الصدر الفكرية وهما:

1 ـ العامل الوراثي:

تشير الدراسات والبحوث الخاصة بعلم الوراثة إلى الدور الكبير الذي تلعبه الوراثة في نشأة الكثير من المفكّرين والعلماء والفلاسفة، مما شجع أصحاب هذا الرأي على القول بأن السلوك الإنساني موجه في الغالب من خلال ما تفرضه بعض المعطيات البيولوجية أو ما يسمونه بـ (الطبيعة الإنسانية) وهو بمثابة الأساس الغريزي للتفكير والنشاط، وهذه النتائج قد كفت هؤلاء العلماء مؤونة تفسير الفروق الفردية الموجودة بين الكائنات البشرية مادام أمكن الرجوع إلى الوراثة وإلى عملية بيولوجية صارمة تقوم بشكل غير معتمد بإنتاج التباين في الجينات[1].

إن هذا العامل كان واضحاً للسيد الصدر. فهو من أسرة علمية لا يخلو عصر من العصور من بروز شخصية كبيرة ومعطاءة من بين رجالاتها إلى درجة يخيل للباحث معها أنهم كانوا يرتضعون الذكاء والعبقرية ويتوارثونها بوسائط بيولوجية لا تسمح

(18)

بالتخلف، فأسرة (آل الصدر) عينة تؤكد هذه النتائج بشكلٍ لافت للنظر وتتكفل كتب التراجم بتدعيم تلك النتائج، إذ ينتظم العشرات من أبناء الأسرة في سلسلة طويلة من المبدعين والعباقرة من الفئة الأولى[1].

2 ـ العامل البيئي

يؤكد هذا العامل ومن يقول به إن البيئة لها الدور الرئيس في تشكيل الشخصية الإنسانية وذهنية الإنسان فالأحداث منذ لحظة الولادة إلى مراحل عمرية متقدمة تعزز ارتقاء الفرد الذهني[2].

إن هذا العامل كان أثره الواضح في تشكيل ذهنية السيد الصدر، فلقد قدر له بحكم المحيط العائلي من جهة وبحكم سكناه من جهةٍ أخرى في أشهر مراكز العلم ـ أي النجف ـ أن يتوافر له ما يعمق نبوغه ويفجر طاقاته الفكرية الكامنة، كما أن الاختلاط بكبار العلماء والمشاهير ساعد على ذلك وهو ما تؤكده دراسات علم النفس وبما يسمونه تطور العبقرية بالقدوة والمُثل أو المحاكاة التنافسية[3]. يلاحظ في حياة الشهيد الصدر أنهُ عاش منذ وقت مبكر في أجواء تزدحم بأسماء كبيرة من أعيان الأسرة والمحيط الاجتماعي، ونشأ في ظل التأثير المباشر أو غير المباشر لأسماء كبيرة، إن هذا يُعدّ أمراً جوهرياً بالنسبة لتطور العبقرية العلمية، كما أن النشأة في ظل أزمنهّ الحيوية العقلية قد تفضي بذاتها إلى التطور[4].

(19)
(20)

المبحث الثاني

دوافع النقد

 

أولاً: الدافع الحضاري

لقد أحس السيد الصدر بانتمائه إلى حضارة عريقة قد استوعبت حياة الإنسان لا المسلم فقط بل حتى غير المسلم، ولهذا نراه من خلال كتاباته ومؤلفاته قد حاول أن يُبرز هذه الحضارة ومقدرتها على إعطاء الرؤية الصحيحة للوجود وللكون، أي يمكن القول إن السيد الصدر قد امتلك وعياً حضارياً كان هو الدافع من وراء نقده للحضارة الغربية وصورها التي ظهرت في العالم، وهذا الوعي الحضاري نستطيع تلمسه في مؤلفاته. بل حتى من خلال تحركه السياسي ومعارضته السياسية لنظام البعث آنذاك الذي رأى فيه السيد الصدر أنه يمثل صورة فارغة ومظلمة للأنظمة العلمانية والدكتاتورية التي ترجمها هذا النظام عن الحضارة الغربية المادية التي لم تستطع أن تحترم الإنسان فجهلت قيمته الوجودية.

«لقد دأب السيد الصدر منذ بواكير حياته على التخطيط لمشروع نهضوي متكامل، تُمثل الدراسات المنهجية المعمقة أحد أبرز مرتكزاته لمواجهة حملات المسخ والتشويه التي تتعرض لها الأمة الإسلامية تلك الحملات التي دشنتها الحملات الصليبية والكثير من المستشرقين فيما بعد ومن ثم تولاها تلامذتهم في ديارنا، وفي الوقت الذي تصدّت فيه دراسات الصدر لتلك الحملات، عملت على تأكيد الهوية الحضارية المتميزة للأمة أيضاً، حيث اعتمدت التأصيل المنهجي كأساس للتحصين الحضاري بعد تشخيصها

(21)

لآلية الصراع الحضاري بين الإنسان الآخر»[1].

ويمكننا أن نلاحظ بوضوح جلي الدافع الحضاري للنقد في أول كتاب (فلسفتنا) إذ يفتتحهُ السيد الصدر بقولهِ «غزا العالم الإسلامي منذ سقطت الدولة الإسلامية صريعة بأيدي المستعمرين سيل جارف من الثقافات الغربية القائمة على أسسهم الحضارية، ومفاهيمهم عن الكون والحياة والمجتمع، فكانت تمد الاستعمار إمداداً فكرياً متواصلاً في معركته التي خاضها للإجهاز على كيان الأمة وسر أصالتها المتمثل في الإسلام»[2].

لقد أرجع السيد الصدر الحضارة الغربية إلى فترة بعيدة جداً أي بعد سقوط الدولة الإسلامية. وهذا تعبير على ما يبدو لنا على طول فترة هذا الصراع الحضاري فهي ليست بالفترة القريبة بل هي فترة فيها من الطول ما يستحق أن تتوضح فيه طبيعة هذا الصراع وتتركز في الأذهان عمقه، وهذه الثقافة الغربية قد اتّخذت أشكالاً متعددة كان شكلها الأول كما يؤكدهُ السيد الصدر هو الاستعمار الذي أمدته هذه الحضارة بمفاهيمها عن الكون والحياة والمجتمع، إلاّ أن هذه الثقافة الغربية قد اتّخذت أشكالاً أخرى غير الاستعمار، وهذا ما يوضحه لنا النص المكمل للنص السابق إذ يقول: «وفدت بعد ذلك إلى أراضي الإسلام السليبة، أفواج أخرى من تيارات الفكر الغربي ومفاهيمهُ الحضارية لتنافس المفاهيم التي سبقتها إلى الميدان وقام الصراع بين تلك المفاهيم الواردة على حساب الأمة وكيانها الفكري والسياسي الخاص»[3].

وعلى ضوء هذا النص فإن السيد الصدر يشخص لنا طبيعة الصراع وشكلهُ الذي نعيشهُ فهذا الصراع الذي اتّخذ شكل الاستعمار العسكري للدولة الإسلامية قد اختلف وأصبح صراعاً فكرياً مفاهيمياً فهو صراع نستطيع أن نسميه (صراع المفاهيم)،

(22)

مفاهيم غربية وغريبة عن البيئة والثقافة الإسلامية تحاول السيطرة على الساحة الإسلامية، ومفاهيم إسلامية جديدة الطرح والفهم يجب أن تطرح لأنها الأصح في نظر السيد الصدر في معترك الصراع المرير، وكان لا بدّ أن تكون هذه الكلمة قوية عميقة صريحة واضحة، ولهذا كُتبَ (فلسفتنا)، لتمثل كلمة الحضارة الإسلامية «وكان لا بدّ للإسلام أن يقول كلمته كاملة شاملة. للكون والحياة والإنسان والمجتمع والدولة والنظام، ليتاح للأمة أن تعلن كلمة (الله) في المعترك وتنادي بها، وتدعو العالم إليها كما فعلت في فجر تاريخها العظيم)[1].

إن السيد الصدر ابن هذه الحضارة التي آمن بقوتها إيماناً قوياً لأنها وكما يقوله هو (كاملة شاملة) كان من الواجب عليه أن يدافع عن هذه الحضارة من خلال إبراز مفاهيمها ومرتكزاتها أمام الحضارة الغربية ومفاهيمها، فكان (فلسفتنا) جزء من كلمة تلك الحضارة «وليس هذا الكتاب إلاّ جزءاً من تلك الكلمة، عولجت فيه مشكلة الكون، كما يجب أن تعالج في ضوء الإسلام وتتلوه الأجزاء الأخرى التي يستكمل فيها الإسلام علاجه الرائع لمختلف مشاكل الكون والحياة»[2].

وعندما نطالع مقدمة الطبقة الثانية من كتاب (اقتصادنا) للمؤلف نجد هذا الدافع بصورة واضحة، فكتاب اقتصادنا كما هو معروف كتاب حاول أن يوضح الخطوط الرئيسة للاقتصاد الإسلامي مقارنةً مع الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي ناقداً لهذه الأنظمة ومفاهيمها عن الحياة والإنسان فنراهُ يقول في هذا الصدد: (وقد عبرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكال ثلاثة مرتبة زمنياً ولا تزال هذه الأشكال الثلاثة متعاصرة في أجزاء من العالم الإسلامي)[3].

(23)

وبعد تحديده لأشكال التبعية للحضارة الغربية التي مُني بها العالم الإسلامي وهي (التبعية السياسية، والتبعية الاقتصادية، والتبعية في المنهج)[1]. نراه يؤكد أن التجارب الحديثة للبناء الاقتصادي في العالم الإسلامي متخذ عادةً شكلين لتجربة البناء الاقتصادي في الحضارة الغربية الحديثة وهما الاقتصاد الحر القائم على أساس رأسمالي والاقتصاد القائم على أساس اشتراكي[2].

وعلى هذا الأساس فإن الاقتصاد الإسلامي قد غُيِّب تماماً عن حياة الفرد المسلم فضلاً عن جهل الفرد المسلم المثقف فيه وغير المثقف بهذا الاقتصاد وطرح نظام اقتصادي يمثل الحضارة الغربية بكلا شكليه (الرأسمالي والاشتراكي)، فكان على السيد الصدر أن يوضح المعالم الرئيسة للنظام الاقتصادي الإسلامي مؤكداً أن الحضارة الإسلامية تمتلك نظاماً اقتصادياً متكاملاً يتفوق على جميع الأنظمة الاقتصادية لأنه صادر عن الكامل المطلق وهو (الله) ـ جل وعلا.

هذا التوضيح لمعالم الاقتصاد الإسلامي جاء في كتابه (اقتصادنا) بأسلوب مبسط معاصر بعيداً عن التعقيد «وأنا لا أريد هنا أن أقارن بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي من وجهة نظر اقتصادية مذهبية، فإن هذا ما أتركة للكتاب نفسه. فقد قام كتاب (اقتصادنا) بدراسة مقارنة بهذا الصدد، وإنما أريد أن أقارن بين الاقتصاد الأوروبي بكل جناحيه (الرأسمالي والاشتراكي ـ والاقتصاد الإسلامي من ناحية قدرة كلّ منهما على المساهمة في معركة العالم الإسلامي ضدّ التخلف الاقتصادي ومدى قابلية كل واحد من هذه المناهج ليكون إطاراً لعملية التنمية الاقتصادية»[3].

من خلال ما تقدم نستطيع التعرف على إدراك السيد الصدر لطبيعة الصراع

(24)

الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، فكان هذا الصراع الدافع لنقد السيد الصدر الأسس الفكرية للأنظمة الفكرية والاقتصادية، وهذا ما كان واضحاً في مؤلفاته التي شكّل الكثير من فصولها نقداً لمتبنيات وأسس الحضارة الغربية التي رأت في الدين أفيوناً للشعوب أو أنها أي الحضارة الغربية ـ لم تتطور إلاّ بعد أن فصلت الدين عن الحياة (ذلك إن الحضارة الأوروبية للإنسان الأوروبي الأمريكي ظنت منذ أمد طويل أنها صفت الإسلام واستطاعت أن تفرض على المسلمين عسكرياً أو سياسياً أو ثقافياً التخلي عنه واستبداله بتقليد الإنسان الغربي في مناهجه وطرائقه في الحياة، وقال الجناح الغربي من الحضارة الأوروبية أن أوروبا لم تتطور إلاّ حين فصلت الدين عن الحياة، وقال الجناح الشرقي إن الدين أفيون الشعوب فلكي تستطيع الشعوب أن تكافح من أجل الحرية لا بدّ لها أن تتخلى عن الدين)[1].

لقد حاول السيد الصدر في نقده للأنظمة الفكرية للحضارة الغربية أن يبين ما تحتويه هذه الحضارة مقابل ما تحتويه الحضارة الإسلامية من عناصر القوة التي تجعلها قادرة على إعطاء رؤية كونية حقيقية للحياة والعالم. فالسيد الصدر عندما يقارع الحضارة المادية أو الحضارة الرأسمالية أو الاشتراكية الماركسية. في الحقيقة لم يكن يقارعها لإلغائها، بل كان محاوراً حصيفاً لهذه الحضارة الغربية يركز على إظهار العناصر الحيوية في الفكر الإسلامي والتبعية الإسلامية التي تمكنها من أن تكون محاورة لهذه الحضارة ذات الوجهين الرأسمالي والاشتراكي[2].

إن الدافع الحضاري للنقد لم يكن ليملي على السيد الصدر موقفاً نقدياً عاطفياً باعتباره ينتمي إلى حضارة تختلف عن الحضارة الغربية في مرتكزاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية. بل نراه على العكس من ذلك. وهذا ما عهدنا في مؤلفاته يلتزم

(25)

بالموضوعية في الطرح والنقد ولا يحاول أن يحمل الأشياء خلاف ما تحتمل لإرضاء عاطفة أو تفريغ كره، فلهذا نراه يعترف أن الحضارة الغربية أمر واقع وأننا يجب أن نلتزم بالرؤية الصحيحة والواقعية لهذه الحضارة.

ويحدد السيد الصدر موقفين اتّخذهما من الحضارة الغربية ويدعو إلى الالتزام بهما وهما[1]:

1 ـ أن نكون على حظ عظيم من الدقة والوعي، حتماً نبحث عن الأفكار الأوروبية لأجل أن نستطيع تعريتها عن إطارها الرسالي والتعرف على مدى صلتها بهذا الإطار وتأثرها به، وهذا هو الموقف الوسط الذي يجب أن يقفهُ المسلم الواعي من كلّ تفكير أوروبي يتصل من قريب أو بعيد بالحقول التي تعالجها الرسالة وتمتد إليها القاعدة الفكرية.

2 ـ من واجب المسلمين الواعين أن يجعلوا من الإسلام قاعدة فكرية وإطاراً عاماً لكل ما يتبنون من أفكار حضارية عن الكون والحياة والإنسان والمجتمع.

لقد التزم السيد الصدر بهذين الموقفين الذين حددهما فكان على قدر كبير من الوعي في نقده للحضارة الغربية فلم يتخذ موقفاً تفريطاً أو إفراطياً من هذه الحضارة، بل اتّخذ موقفاً وسطياً واعياً ايجابياً مستنداً إلى فهم حقيقي وواضح لمرتكزات وعقائد الإسلام، فلم يكن نقدهُ نقداً عشوائياً أو عاطفياً، كما قلنا بل كان على العكس من ذلك، وإن هذا الفهم لطبيعة المشكلة الحضارية التي تعاني منها الأمة المسلمة هو الذي شكل الأرضية لتصوراته عن حدود التغير المطلوب الذي ينبغي أن يمارسه الواعون من أجل تحقيق الانعتاق لهذه الأمة المغلوبة على أمرها، والذي بدأهُ هو نفسه بعرض مفاهيم الحضارية الإسلامية بصورة معاصرة متعرضاً

(26)

للحضارة الغربية بالنقد الموضوعي لكي يميز بين الحضارتين[1].

ثانياً: الدافع الاجتماعي

لقد توافدت على المجتمعات الإسلامية الكثير من الأفكار والنظريات والاتجاهات الفلسفية التي كانت تمثل الحضارة الغربية، وكانت هذه الأفكار والنظريات بعيدة وغير منسجمة مع طبيعة المجتمع المسلم، وهذا هو السبب الذي نراه كان وراء فشل هذه النظريات والاتجاهات فبقيت هذه الاتجاهات حبيسة فئة معينة من المجتمع لم تستطيع أن تستوعب واقع مجتمعاتها فجاءت لنقل تجربة الآخر إلى بيئتها ومجتمعها فلم تلاقِ نجاحاً.

لقد ظهر في المجتمع الإسلامي المعاصر اتجاهات فلسفية وفكرية كثيرة مثلها الكثير من الشخصيات والمفكّرين المسلمين أو العرب وما زال لها ممثلوها أمثال (الاتجاهات العلمانية، الشيوعية، الماركسية، الوجودية، الوضعية المنطقية.... الخ).

إن هذه الاتجاهات وان لم يكتب لها النجاح لأسباب عديدة كادت تكون مؤثرة لولا حيلولة هذه الأسباب دون نفوذها إلى أذهان الناس ومن هذه الأسباب:

1 ـ عدم ملاءمة هذه الاتجاهات الفكرية مع طبيعة وذهنية ونفسية الفرد المسلم لأنها تمثل من دون أدنى شك طبيعة وذهنية ونفسية وعقيدة رد الآخر.

2 ـ عدم استيعاب هذه الاتجاهات لجميع جوانب حياة الفرد المسلم فهي ـ أي الاتجاهات ـ يمكن أن تتلاءم مع جانب أو بعض الجوانب لكنها قاصرة عن استيعاب جميع جوانب حياته.

3 ـ مع وجود هذه الاتجاهات الغريبة في المجتمع المسلم فإننا نجد الكثير من الاتجاهات الفكرية التي ثبتت الرؤية الإسلامية كقاعدة لمنطلقاتها الفكرية وإن

(27)

قصرت في فهم الرؤية الإسلامية وتطبيقها غير أن هذه الاتجاهات كانت كبديل عن الاتجاهات الغربية.

4 ـ ظهور الكثير من المفكّرين والشخصيات الإسلامية التي وقفت بوجه هذه الاتجاهات إذ رأت أنها بعيدة عن المجتمع الإسلامي[1].

لقد أدرك السيد الصدر عمق المأساة التي يعاني منها المجتمع الإسلامي في ظلّ وفود هذه الاتجاهات الفكرية الغربية إليه، فهذه الاتجاهات لا تلبي حاجات الفرد المسلم وتطلعاته الفكرية والعقائدية، فنراه يقول في هذا الصدد: «ومن هنا كانت الدعوات التي تستورد أمثلتها ومُثلها العليا من تجارب عاشت أو تعيش خارج نطاق العالم الإسلامي وتاريخ المسلمين تواجه صعوبة كبيرة في إعطاء رؤيةً واضحةً للفرد المسلم عن مثلها الأعلى ومثالها الذي تحتذيه وتدعوا إلى تجسيده بين المسلمين لأنه غريب عنهم لا يملكون عنه إلاّ رؤى باهتةً ومتهافتة. فالديمقراطية والاشتراكية والمادية والشيوعية وما إلى ذلك من المذاهب والاتجاهات الاجتماعية مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتّخذت صيغاًً متفاوتة، ولهذا هي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورةٍ محددةٍ واضحة المعالم»[2].

(28)

فهذه الدعوات والاتجاهات، كما يؤكد السيد الصدر هي غريبة عن حياة الفرد المسلم فلا تستطيع أن تعطيه الرؤية الواضحة العميقة، وعلى العكس من ذلك نجد الإسلام يقدم المثال الواضح القريب من حياته المندمج مع عواطفه ومشاعره «وعلى العكس من ذلك الدولة الإسلامية، فإنها تقدم للفرد المسلم مثالاً واضحاً لديه وضوح الشمس قريباً من نفسه مندمجاً مع أعمق مشاعره وعواطفه مستمداً من أشرف مراحل تأريخه وأنقاها وأعظمها تألقاً وإشعاعاً»[1].

ويمكننا أيضاً أن ندرك مدى وعي السيد الصدر وإدراكهِ لحجم المشكلة التي يعاني منها المجتمع الإسلامي في انتشار الاتجاهات الفكرية الغربية في عزمه على تأليف كتاب (مجتمعنا) الذي أراد أن يتناول فيه قضايا المجتمع والدولة ومسألة تكيف الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها في ضوء مفاهيم الإسلام[2].

بل نجد أكثر من ذلك في مؤشر يدل على عظم اهتمام هذا الرجل بالمجتمع الذي يعيش فيه ليكون مصداقاً حقيقياً للحديث الشريف الذي مؤداه «من أمسى ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم» هذا المؤشر نجدهُ في محاضراته التي جمعت في كتاب تحت عنوان (المجتمع الفرعوني) ففيه عندما يقسم طوائف المجتمع الفرعوني[3].

ويأتي بالذكر على طائفة منهم التي يسميها (الهاربون من الحياة) يوجه نقداً لاذعاً لهذه الطائفة التي يمكن أن توجد في أي مجتمع لا يجعل الإسلام نظاماً اجتماعياً يؤسس حياته عليه، فنراه يقول: «الهاربون من مسرح الحياة الاجتماعية المنعزلون

(29)

عن الناس زهداً وتعففاً (كما يدعون) هم في الحقيقة هاربون من المسؤولية»[1].

ولهذا النص دلائله جداً كبيرة على الاهتمام الكبير من قبل السيد الصدر بالمجتمع الذي يرى أن هولاء المنعزلين عن العمل الاجتماعي ليسوا من الزهد والعفاف بشيء لأنهم تركوا مسؤولية أكبر وهي العمل الاجتماعي.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً التي تؤكد الاهتمام الكبير لدى السيد الصدر بالمجتمع والذي دفعه إلى النقد الذي وجهه لتيارات والاتجاهات الفكرية الغربية عن المجتمع الإسلامي هي أطروحته (للمرجعية الصالحة) التي تمثل الصنف أو القسم الثالث من خط الشهادة فضلاً عن الأنبياء والأئمة[2]. والتي من خلال الواجبات الملقاة عليها ندرك أهمية دورها في المجتمع وهذه الواجبات هي[3]:

1 ـ نشر أحكام الإسلام على أوسع مدى ممكن بين المسلمين وتربية أفراد المجتمع تربية دينية.

2 ـ إيجاد تيار فكري واسع في الأمة يشمل على المفاهيم الإسلامية الواعية لشتّى جوانب الحياة الإنسانية وتركيز تلك المفاهيم.

3 ـ إشباع الحاجات الفكرية الإسلامية للعمل الإسلامي وذلك عن طريق إيجاد البحوث الإسلامية الكافية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمقارنات

(30)

الفكرية بين الإسلام وبقية المذاهب الاجتماعية.

4 ـ القيمومة على العمل الإسلامي وما يمكن أن يطرح على مستوى المفاهيم الإسلامية.

5 ـ قيادة المراجع والعلماء المجتمعات بتبني مصالحها والاهتمام بقضايا الناس ورعايتها.

وعلى ضوء هذه المؤشرات التي أشرنا إليها وغيرها[1]، يمكننا أن نلاحظ الهاجس الاجتماعي الذي كان يعيشهُ السيد الصدر والذي كان من وراء نقده للتيارات والاتجاهات الغربية والغريبة عن روح الإسلام كما يراها.

لقد عاش السيد الصدر في مرحلة كان المجتمع الإسلامي تتقاذفهُ الاتجاهات الفكرية الغربية كالشيوعية والقومية والعلمانية والوجودية وغيرها من الاتجاهات ولم يكن المجتمع العراقي خصوصاً بمنأى عن أمثال هذه الاتجاهات «لقد عانت الساحة العراقية في الخمسينيات من اشتداد الحركة الشيوعية التي كانت تركز على حرب المعتقدات الدينية وتسعى بجدٍّ لانتزاعها من قلوب أبناء الأمة خصوصاً الشباب منهم، وقد نجحت نجاحاً شديداً في طريقها هذا لعدم وجود المبارز القادر على ردها حتى جاء الشهيد الأول فشمر عن ساعد الجدّ وعارض الدليل بالدليل وقابل الحجة بالحجة فسطع نور الحق، وإذ بكثير من أبناء الأمة يعود إلى دينه وفطرته مخلصاً مدافعاً مضحياً في سبيله»[2].

إن التغير الاجتماعي الذي كان يبتغيه السيد الصدر كان يرتكز على الإسلام بوصفه

(31)

نظاماً اجتماعياً وفكرياً يستطيع أن يقدم الرؤية الصحيحة عن الحياة والكون، ولهذا كان على السيد الصدر أن يوضح مناهج الإسلام مقابل المفاهيم الأخرى وهذا ما تبناه في مؤلفاته. وتوضيح المفاهيم يستلزم فهم المجتمع لمفاهيم الإسلام أو المبدأ وهو الشرط الثاني الذي زيادة على الشرط الأول وهو المبدأ الصالح وهو الإسلام والشرط الثالث الإيمان بالمبدأ يشكلون الشروط الأساسية لنهضة الأمة[1].

ثالثاً: الدافع الديني

من الثابت أن الصفة الأخرى التي يُعرف بها السيد الصدر بالإضافة إلى أنهُ مفكر إسلامي فهو (رجل دين) بل هو من أبرز المراجع الدينية المعاصرة التي أنجبتها النجف الأشرف، فالدين الإسلامي هو الأصل الأول في فكر السيد الصدر بل حتى الدافع الحضاري الذي تكلمنا عنهُ سابقاً لا يكون فاعلاً إذ لم يحمل الدين الإسلامي على الحضارة.

لم يفهم السيد صدر الدين الإسلامي فهماً انغلاقياً بل فهم الدين فهماً حركياً فهماً انقلابياً ضد كل نزعة تريد أن تحصر الدين في قوالب تعبدية أو على الأقل تحصر الدين في قوالب معينة أفرغت الدين من محتواه الحقيقي الذي رآه أكبر من أن يحدد فالدين الإسلامي عندهُ كامل شامل؛ كامل لأنهُ آخر الأديان[2]. وشامل لأنهُ يشمل جميع نواحي الحياة بل إننا نجد أكثر من ذلك في قراءة السيد الصدر لمسائل

(32)

العقيدة الإسلامية التي جاءت على ضوء ثقافة العصر والمستوى الفكري للمرحلة ونتاجها العلمي والفلسفي والخروج من طوق الجمود والتخلف الذي حاصر الفكر الإسلامي قروناً طويلة، هذه القراءة تضمنت منهجاً جديداً حول لوحة أصول الدين إلى نظريات متكاملة في الثورة والتغير الاجتماعي والقيادة والخلافة والحياة[1].

لقد حاول السيد الصدر في قراءته لمسائل العقيدة الإسلامية أن يؤسس لعلم كلام معاصر يقدم مسائل العقيدة بصورة جديدة تتلاءم مع ثقافة الإنسان المعاصر ومداركه العقلية ليعطي لمسائل العقيدة بعداً اجتماعياً لما لها من أبعاد عقلية وعلمية.

يبدو مشروع باقر الصدر متميزاً لأنه قام على معالجة أصول الدين معالجة اجتماعية نهضوية تسعى لتقديم الدين كحلّ للمشكلة الاجتماعية والتوحيد كبرنامج ثوري ضدّ الظلم والجهل والانحراف والنبوة كصلة موضوعية بين الله والإنسان تقود زمام هذه الثورة الإلهية وتنتصر لطموحات البشر في الكمال والسعادة، لقد قرأ الصدر هذه الأصول الاعتقادية قراءة مستحدثة مستنيرة لم تفصل الله عن الإنسان والسماء عن الأرض والاعتقاد عن الحياة والتصور عن العمل والحركة[2].

إن هذه النظرة للدين الإسلامي والإيمان بهذه النظرة جعل السيد الصدر يطرح أصول الدين الإسلامي ومرتكزاته الأساسية بشكل جديد وأوسع من الأشكال التقليدية التي كما قلنا حصرت الدين الإسلامي في قوالب جامدة، وتبرز لنا سعة أفق تفكيره في محاولته في تفسير القرآن الكريم الذي هو بدون أدنى شك من أهم أصول الدين الإسلامي وأبرزها، هذه المحاولة هي (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، التي تختلف عن الاتجاهات الأخرى في التفسير والتي تحاول أن تدرس موضوعاً من موضوعات الحياة في القرآن الكريم فنراه يقول بهذا الصدد:

(33)

«الاتجاه الثاني نسميه: الاتجاه التوحيدي أو الموضوعي في التفسير».

وهذا الاتجاه لا يتناول تفسير القرآن آية فآية بالطريقة التي يمارسها التفسير التجزيئي بل يحاول القيام بالدراسة القرآنية لموضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية فيبين ويبحث ويدرس مثلاً عقيدة التوحيد في القرآن أو يبحث عن النبوة في القرآن أو عن المذهب الاقتصادي في القرآن أو يبحث عن النبوة في القرآن أو عن المذهب الاقتصادي في القرآن أو عن سنن التأريخ في القرآن أو عن السماوات والأرض في القرآن الكريم وهكذا، ويستهدف التفسير التوحيدي الموضوعي من القيام بهذه الدراسات تحديد موقف نظري للقرآن الكريم وبالتالي للرسالة الإسلامية من ذلك الموضوع من موضوعات الحياة أو الكون»[1].

وعلى ضوء ما تقدم نستطيع أن نلمس بوضوح فهم السيد الصدر للدين الإسلامي، هذا الفهم الذي طرحة السيد الصدر في أغلب ما كتبه فقد كان يريد من خلاله أن يوضح ويثبت مسألة مهمة وهي: أن الدين الإسلامي قادر أن يقدم البديل الفكري والعقائدي والثقافي والسياسي والاجتماعي والتربوي.... والخ من جوانب الحياة الإنسانية وقادر أن يقدم الرؤية الصحيحة في مقابل ما للاتجاهات والفلسفات والحضارات من نظريات وأطروحات ورؤى كونية (ففي كتاب فلسفتنا الذي كان أول عمل فكري أساسي نشره سنة 1959م يمهد للكتاب ببحث تحليلي واسع في تفسير

(34)

المشكلة الاجتماعية ثم يخلص إلى أنهُ لا حلّ جذري لهذه المشكلة خارج دائرة الدين وهو دين الفطرة بالذات، ويحلل معنى فطرية الدين في أنهُ عبارة عن نزوع الإنسان للتوحيد وأن الفطرة هي التي تمون الإنسان بحلّ المشكلة بعد ذلك ينتقل إلى بيان المسألة الواقعية أي الرؤية الكونية وقبل دخولها يتحدث عن نظرية المعرفة لأن الرؤية الكونية تتأسس في فضاء المذهب الذي نتبناه في تفسير مصدر المعرفة البشرية.

وقيمتها أو ما يسمّى (المسألة الابستمولوجية)، ثم يصل إلى هدف الكتاب وهو بناء رؤية كونية إلهية فيبحثها في مساحة تستوعب ما يقارب نصف الكتاب تحت عنوان (المفهوم الفلسفي للعالم)، وبذلك تتمخض الوظيفة الأساسية لكتاب (فلسفتنا)، في الاستدلال على الرؤية الكونية الإلهية ونقض الرؤية الكونية المادية وهي وظيفة عقائدية كما هو معلوم)[1].

وعلى المنوال نفسه يطبع السيد الصدر الصفة العقائدية على آثارها الأخرى ومن أهمها: (الأسس المنطقية للاستقراء تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية والإيمان بالله)[2]. أما في كتابة اقتصادنا فيحاول اكتشاف المذهب الاقتصادي وصياغته في الإسلام مقابل المذاهب الاقتصادية كالرأسمالية والاشتراكية[3].

إن بروز الدافع الديني في أعمال السيد الصدر كان الهدف من ورائها الانتهاء من تأصيل نظرية إسلامية وتحديد المركب النظري الإسلامي في كلِّ حقل فكري بحثه، ولقد استطاع وفقاً لهذا التأصيل النظري استكشاف نظرية الإسلام في الاقتصاد ونظرية الإسلام في المعاملات المصرفية في كتاب (البنك اللاربوي في الإسلام)، ونظرية القرآن في سنن

(35)

التاريخ والسياسة، ولم يتخلف البحث الفلسفي والمنطقي عن منهج التأصيل النظري[1].

إن إبراز النظرية الإسلامية في مختلف مجالات المعرفة البشرية أمام النظريات والاتجاهات الأخرى كان هدفاً رئيساً سعى السيد الصدر لإبرازهِ في مؤلفاته وليكون ملتزماً بما يقوله هو نفسه «والإسلام مدعو لأن يؤدي رسالتهُ العظمى في عالم اليوم فالإسلام وحدهُ هو الكفيل بإخراج الإنسان المعاصر من أزمته التي تؤدي به إلى الدمار، وهو الكفيل بصياغته من جديد، وإحلال التوازن في كيانه الذي فرقته الدعوات والفلسفات المجافية لفطرة الله المعاندة لكلمة الله وهو الكفيل بتحريره من جميع عبودياته الفكرية والاجتماعية والمادية»[2]. وإذا كانت هذه الاتجاهات الفكرية والفلسفية بعيدة ومجافية ومعاندة لكلمة الله وهي تفرض له عبوديات مختلفة تجعل الإنسان يفقد إنسانيتهُ وتوازنه في هذه الحياة فكان من الواجب على الإسلام أن يطرح نفسه كبديل لها وهذا ما فعلهُ السيد الصدر في مؤلفاته بصورة ومنهج جديد يتلاءم مع الحياة الفكرية للإنسان المعاصر وليحقق رسالته في هذا المجال فنراه يقول «ورسالتنا هي أن ندعوا المسلمين إلى الله مولاهم الحق ونفتح أعينهم على واقعهم السيئ وأسباب ترديه ونرسم لهم سبيل النهوض من كبوتهم بشرح مبادئ الإسلام لهم ورائدنا في كل ذلك. قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)»[3][4].

رابعاً: الدافع الفكري

إن النقد للاتجاهات الفلسفية وراءهُ دافع حضاري باعتبار أن هذه الاتجاهات

(36)

تمثل تحدياً حضارياً للحضارة الإسلامية أو وراءهُ دافعاً اجتماعياً باعتبار أن هذه الأفكار يمكن أن تأثر على المجتمع الإسلامي سلبياً أو من ورائهِ دافعاً دينياً باعتبار أن الدين الإسلامي يمثل عند السيد الصدر منظومة فكرية مهمة وأساسية ولهذا يجب أن يُطرح الدين الإسلامي طرحاً يتلاءم مع الذهنية المعاصرة مقابل أفكار وفلسفات بعيدة عن روح هذا الدين الذي هو قبل أن يكون إسلامياً فهو إنساني، فإن هذا النقد يمكن أن يوجه للمباني الأساسية لهذه الاتجاهات ويكون كافياً في بيان تهافت هذه الاتجاهات، أما أن يوجه النقد بصورة معمقة مع بيان وعرض تواريخ هذه الاتجاهات. فإن هذا يمكن أن يكون وراءهُ دافعاً فكرياً بحتاً، وهو الذي عُرف ومنذ نعومة أظفارهُ على حبهِ الكبير للقراءة وذهنيتهُ المنفتحة.

إن نقد المباني الأساسية لهذه الاتجاهات يمكن أن يكون كافياً في التطويح بهذه الاتجاهات وبيان تهافتها وعمقها ولكن نقدَ أبسط جزئياتها وخصوصياتها يحتاج من الناقد وعياً وذهنية قوية ومقدرة على التشخيص والعرض، ولهذا فإننا نجد الكثير من المفكّرين والباحثين الإسلاميين نقدوا أفكار فلسفات الغرب ولكن «أي نقد ورد انطلق من قاعدة الإسلام الاستدلالية؟ وإلى أي حدّ كان هذا النقد والرد موفقاً؟ فكما أن الرفض المطلق للغرب لم يُحل دون نفوذه كذلك فإن النقد الفلسفي والعلمي للمذاهب الغربية لا يكفي بمفرده للتحرر من سلطة الغرب. إلاّ إذا اتّصف بالوعي والإنصاف ورافقه عرض لسبل حلّ المشاكل والمعضلات»[1].

إن عدم التشخيص الجيد وقلة الوعي بهذه الاتجاهات الغربية سوف يؤدي حتماً إلى نتائج سلبية (فإن الجهل وتصور الوعي يؤديان أحياناً إلى الترويج لآراء ماركس باسم الإسلام وأحياناً أخرى لآراء مؤسسي اللبرالية الاقتصادية وأشد المتحمسين لها كآدم سميث)[2].

(37)

إن التشخيص والعرض الجديد والوعي الكبير بالمنقود هذا ما وجدناه عن السيد الصدر وهذا ما يدل على ذهنية متفتحة ومقدرة فكرية كونتها الكثير من العوامل، فهو ينقد لأجل النقد أو لأن هناك الكثير من الأفكار والنظريات غير صحيحة أو دقيقة كما يراه فهو يقابل الفكرة بالفكرة والنظرية بالنظرية وهذا ما نراه جَلياً في مؤلفهِ (الأسس المنطقية للاستقراء)، الذي تظهر فيه ملكته الفلسفية الإبداعية التي تُنشِيء الجديد وتربط بين القديم والجديد في عالم المعرفة كونهُ ليس ربطاً ميكانيكياً بل هو تركيب. إبداعي جديد بكلّ ما تعنيه هذه العبارة، وعلى الرغم من اختلاف البحثين[1] موضوعاً وطريقةً، اختلافاً يوحي بتحول كبير في فكر صاحبها، لكنهما يشهدان لكاتبهما بأنهُ فيلسوف أصيل، يؤرخ وينقد في الأول ـ كما قلنا ـ وفي الثاني ينشأ ويبني ويقدم الحلّ لمشكلة فلسفية دامت منذ عصر أرسطو[2].

إن الدافع الفكري للنقد عند السيد الصدر يبرز بوضوح في جميع مؤلفاته وخصوصاً مؤلفهِ (الأسس المنطقية للاستقراء)، لأن ما نُقد في هذا الكتاب عن أفكار ونظريات كان منحصراً في مبحث فلسفي مهم هو (نظرية المعرفة) فضلاً عن بعض المباحث المنطقية، وكذلك نراه ينقد في هذا الكتاب نظرية (لابلاس[3]) و(كينز[4]) في مسألة الدليل الاستقرائي ونظرية الاحتمال وهي مسائل علمية في غاية التعقيد والدقة، ويمكن أن يكون دافع النقد لهذه النظريات هو دافع فكري بحت لأنها

(38)

مسائل يمكن أن تكون بعيدة عن الحضارة والمجتمع والإسلام (الدين)، فهو ينقدها لأنها نظريات علمية فيها من الأخطاء العلمية ما يستحق أن يُصحح وهذا بحدّ ذاته إثبات لشجاعة الناقد الفكرية واقتداره العلمي[1].

خلاصة القول إنه مثلما تقف الدوافع التي ذكرناها وراء نقد السيد الصدر للفلسفة المعاصرة نجد الدافع الفكري حاضراً مع هذه الدوافع ويمكن رصد هذا الدافع بتتبعه للنظريات العلمية التي تُعبر بوضوح عن حُبّه الشديد في العيش في عالم الأفكار والنظريات ليحاور فكرهُ التواق وذهنيتهُ المتفتحة وتسجّل بذلك صورة فكرية وفلسفية من أروع الصور في العالم العربي والإسلامي المعاصر.

(39)
(40)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

أشكال النقد

(41)

تمهيد

لم يقتصر نقد السيد الصدر للمذاهب والاتجاهات الفلسفية على الفلسفة المعاصرة بل إننا نرى أنهُ نقد في مؤلفاته مذاهب وشخصيات فلسفية قديمة (يونانية) وحديثة، ويمكن أن يكون السبب وراء هذا النقد هو أن هذه الفلسفات أو الشخصيات هي الأصول الفلسفية للفلسفة المعاصرة فيكون النقد منصباً على الأصل أو المقدمة ومن ثم على النتيجة أو ما تفرع عن الأصل من فلسفةٍ. أو يمكن أن يكون السبب هو الدافع الفكري الذي أشرنا إليه سابقاً أي أنهُ رأى أن هذه الفلسفات والأفكار غير صحيحة ولا يمكن أن تعطي للإنسان نظرة صحيحة وحقيقية عن الوجود فكان عليه أن يوضح تهافت هذه الفلسفات وعقم رؤيتها. أو يمكن أن تكون هذه الفلسفات هي الأصول الفكرية لكلّ فلسفة يمكن أن تظهر على مسرح الفكر والفلسفة في العالم في أي وقت من الأوقات.

يمكن تقسيم النقد الذي وجههُ السيد الصدر لهذه الفلسفات والاتجاهات الفكرية على النحو الآتي:

1 ـ نقد الأطُر العامة للفلسفة الغربية حديثة كانت أم معاصرة.

2 ـ نقد المدارس الفلسفية في الفلسفة اليونانية.

3 ـ نقد المدارس الفلسفية في الفلسفة الحديثة.

4 ـ نقد المدارس والشخصيات الفلسفية في الفلسفة المعاصرة (موضوع الأطروحة).

(42)

المبحث الأول

نقد الأطر العامة للفلسفة الغربية

 

إن أبرز ما يُميز فكر السيد الصدر أنّهُ يحاول البحث عن الأطر العامة أو القواعد الفكرية والمفاهيمية لكلِّ اتجاه فكري أو فلسفي، وهذا ما نراه واضحاً في نقده للفلسفات الغربية أو الاتجاهات الفكرية الغربية بشكلٍ عام، لأن فهم القاعدة والمرتكز من ثم نقدها سوف يسهل نقد ما يترتب على هذه القاعدة من بناء فكري ومفاهيمي، أي يمكننا التعبير بلغة المنطق، إن خطأ القاعدة وفسادها أو المقدمة سوف يُنتج وبالضرورة خطأ النتائج المترتبة عليها، ولهذا نرى أن هذا التسلسل النقدي الهرمي يبدأ من القاعدة انتهاءً إلى قمة الهرم. هذا ما نجده بكلِّ وضوح في المدرسة الإسلامية التي هي بمثابة المدخل والمقدمة لكتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) ولهذا نراه يقول في هذا الصدد «تعالج المدرسة الإسلامية نطاقاً فكرياً أوسع من المجال الفكري الذي تباشره (فلسفتنا) وأشقاؤها، لأنها لا تقتصر على الجوانب الرئيسية في الهيكل الإسلامي العام، وإنما تتناول أيضاً النواحي الجانبية من التفكير الإسلامي، وتعالج شتّى الموضوعات الفلسفية أو الاجتماعية أو القرآنية التي تؤثر في تنمية الوعي الإسلامي وبناء وتكميل الشخصية الإسلامية من الناحية الفكرية والروحية»[1]. وفي هذا المؤلف يحاول السيد الصدر أن يوضح المعالم الرئيسة للفكر الإسلامي مقارناً بينه وبين الفكر الغربي الذي

(43)

يختلف عنهُ في المباني والرؤية للعالم والإنسان وموضحاً الأطر العامة لهذا الفكر.

النظرة المادية للفكر الغربي

إن لمفهوم المادية عدة استعمالات من الأفضل أن نتعرف عليها ونحدد المفهوم الذي نستعمله في موضوعنا هذا وما كان يقصدهُ السيد الصدر عندما يورد لنا هذا المفهوم الذي رأى أن الفكر الغربي ذا طبيعة مادية.

قد يستعمل لفظ المادية ويراد به[1]:

1 ـ مذهب أصالة المادة. أي الاعتقاد بالواقع الخارجي وإن لهذا الواقع وجوداً مستقلاً عن الوجود الذهني[2]، وهذا ما يسمّى بـ (الواقعية) مقابل (المثالية) التي أنكرت أن يكون للمادة والواقع الخارجي وجوداً مستقلاً بل اعتبرته من مخترعات الذهن. ووفق هذا المصطلح يُعتبَر الإلهيون مسلمين كانوا أو غير مسلمين ـ ماديين إذ كلهم يؤمنون بأن للمادة واقعاً موضوعياً محدداً بزمانٍ ومكان وإنها حقيقة تطور محسوسة وكون النظرة مادية بهذا المعنى لا ينافي الإيمان بوجود الله لأن هذا العالم بكلّ ما فيه دليل على وجود الله[3].

2 ـ قد يستعمل هذا المصطلح ويراد به إنكار الوجود اللامادي اللامحسوس وحصر

(44)

الوجود في العالم المادي فقط، والقول بأن لا وجود في الكون إلاّ وهو محكوم بقوانين المادة وواقع في إطار الزمان والمكان والحسّ البشري وإن ما عدا ذلك وهمٌ محض.

والمعنى الثاني هو المعنى المقصود للمادية الذي أرادهُ الناقد ولتدليل على أنهُ يقصد المعنى الثاني نراه يقول بهذا الصدد: «كما أن انقطاع الصلة الحقيقية للإنسان الأوروبي بالله تعالى ونظرته إلى الأرض بدلاً من النظرة إلى السماء، انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن قيمومة رفيعة من جهة أعلى، أو تحديات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته وهيأه ذلك نفسياً وفكرياً للإيمان بحقه في الحرية وغمر بفيض من الشعور بالاستقلال والفردية، الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمهُ إلى اللغة الفلسفية أو تعبر عنه على الصعيد الفلسفي فلسفة كبرى في تاريخ أوروبا الحديثة وهي الوجودية إذ توجت تلك المشاعر التي غمرت الإنسان الأوروبي الحديث بالصيغة الفلسفية فوجد فيها إنسان أوروبا الحديث أماله وأحاسيسه»[1].

وهذه المادية التي يقصدها الناقد لم تكن بهذه الصورة لولا أسباب معينة تضافرت على وجودها وهذه العوامل أو الأسباب هي كما يحددها لنا الناقد «ولا أعني بذلك أن العالم لم يكن فيه مدارس للفلسفة المادية وأنصارها، بل كان فيه إقبال على النزعة المادية: تأثراً بالعقلية التجريبية التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي، وبروح الشك والتبلبل الفكري الذي أحدثهُ انقلاب الرأي في طائفة من الأفكار، تُعد أوضح الحقائق وأكثرها صحة وبروح التمرد والسخط على الدين المزعوم الذي كان يجمد الأفكار والعقول ويتملق للظلم والجبروت وينتصر للفساد الاجتماعي في كل معركة يخوضها مع الضعفاء والمضطهدين، فهذه العوامل الثلاث ساعدت على بعث المادية في كثير من العقليات الغربية»[2].

(45)

إن هذه المادية ـ كما يراها السيد الصدر. تمثل القاعدة الفكرية لأغلب الاتجاهات الفكرية في الحضارة الغربية فنراهُ يقول بهذا الصدد: «إن للحضارة الغربية بأفكارها ومناهجها وكيانها الثقافي قاعدة فكرية تستند إليها وهي (الديمقراطية) أو بالأحرى الحريات الرئيسية في المجالات الفكرية والسياسية والدينية والاقتصادية، فإن هذه الحريات بمفهومها الحضاري الغربي هي حجر الزاوية في ثقافة الغرب والإطار الفكري الذي تدور في نطاقه الأفكار والمفاهيم الغربية عن الإنسان والحياة والكون والمجتمع، وحتى أنهُ لعب دوراً رئيسياً في تحديد الاتجاه العام لمفكري الغرب فيما يسمونه بالعلوم الإنسانية والاجتماعية فلم تستطع البحوث الإنسانية لهؤلاء المفكّرين أن تتجرد عن تأثير الرسالة التي يعتنقها الباحثون كقاعدة عامة، وليس تأثير قوانين الاقتصاد السياسي بالحرية الاقتصادية وتأثير الاتجاهات السايكلوجية لبعض مدارس علم النفس التحليلي

(46)

التي يتزعمها «فرويد Freud » (1856 ـ 1939) وغيره من اللاشعوريين بالحرية الشخصية إلاّ من الأمثلة الواضحة لما نؤكد من الصلة الوثيقة بين أفكار الحضارة الغربية وبين القاعدة الفكرية التي تستند إليها ورسالتها الاجتماعية التي تدعو وتبشر بها، وكذلك الأمر تماماً فيما يتصل بالحضارة الماركسية التي تنافس الحضارة الرأسمالية في كل الميادين، فإن رسالتها الفكرية التي تدعو إلى نظرة مادية معينة تجاه الكون والحياة والمجتمع والتاريخ هي القطب المركزي الذي ينعكس إلى حدٍّ ـ قصير أو طويل في كل المفاهيم والأفكار الحضارية التي تتبناها الماركسية ويؤمن بها مفكروها[1].

وعلى هذا الأساس فإن النظرة المادية للعالم هي القاعدة الأساسية والمرتكز الفكري للتفكير الغربي وأن كل اتجاه فكري وفلسفي يتبنى هذه القاعدة الفكرية أي المادية ستكون أفكاره متلائمة مع هذه القاعدة لا على نحو التوقف: أي أن الفكرة مستنتجة من القاعدة ومتوقفة في مصيرها على هذه القاعدة، بل على نحو أن هذه الفكرة قد صيغت بالشكل الذي لا يتناقض مع تلك القاعدة سواءً أكانت هذه الفكرة مستمدة من القاعدة بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وإذا كانت القاعدة خطأ فليس من الضروري أن تكون كل فكرة لا تتناقض مع الخطأ هي خطأ[2].

من هذا نستنتج أن فهم القاعدة الفكرية التي يستند إليها كل اتجاه فكري وفلسفي جداً ضروري في فهم أي اتجاه ونقده. وهذا ما ركز عليه الناقد في عرضه لأي فكرة واتجاه وفلسفة، فنراه يحاول أن يبحث عن القاعدة الفكرية التي يستند إليها هذا الاتجاه أو تلك الفلسفة، ففي (اقتصادنا) وقبل نقده الفكر الاقتصادي للماركسية نراه يحاول أن يوضح القاعدة التي يستند إليها المذهب الماركسي والتي على ضوئها بنى هذا المذهب أفكاره وتصوراته عن العالم فنراه يقول: «وهذا الترابط بين المذهب

(47)

الماركسي والمادية التاريخية، سوف ينكشف خلال البحوث الآتية أكثر فأكثر، إذ يبدو في ضوئها بكل وضوح أن الماركسية المذهبية ليست في الحقيقة إلاّ مرحلة تاريخية معينة، وتعبيراً محدوداً ونسبياً عن المفهوم المادي المطلق للتأريخ، فلا يمكن أن نصدر حكماً في حق الماركسية المذهبية بصفتها مذهباً له اتجاهاته وخطوطه الخاصة إلاّ إذا استوعبنا الأسس الفكرية التي ترتكز عليها، وحددنا موقفنا من المادية التاريخية بوصفها القاعدة المباشرة للمذهب والهيكل المنظم لقوانين الاقتصاد والتاريخ التي تملي ـ في زعم الماركسية على المجتمع مذهبهُ الاقتصادي، وتصنع له نظامه في الحياة، طبقاً لمرحلته التاريخية وشروطه المادية الخاصة»[1].

كذلك نراه في نص أكثر وضوحاً في (فلسفتنا) يوضح لنا القاعدة الفكرية للمذهب الماركسي بقوله «ويعتبر المفهوم المادي المادة ـ الوجود ـ هو النقطة المركزية في الفلسفة الماركسية لأنها التي تحدد نظرة الماركسية إلى الحياة، وتنشئ لها فهماً خاصاً للواقع وقيمه ومن دونها لا يمكن أن تقام الأسس المادية الخالصة للمجتمع والحياة. وقد فرضت هذه النقطة على المذهب الماركسي تسلسلاً فكرياً خاصاً واقتضت منه أن يقيم شتّى جوانبه الفلسفية لصالحها»[2].

إن النظرة المادية إلى العالم دفعت بالفكر الغربي إلى تركيز مفاهيم جديدة عن العالم تتلاءم وهذه النظرة هذا فضلاً عن بروز مفاهيم وقيم أخلاقية تتلاءم أيضاً مع هذه المادية، ومن أبرز هذه القيم الأخلاقية السلبية هو التركيز على حبِّ الذات

(48)

وإطلاق الحريات الشخصية واعتبار الإنسان كائناً طبيعياً (فيزيائياً) وقطع كل صله بينه وبين المسائل المعنوية والروحية، وهذه الحرية الشخصية والتركيز على الذات ومادية الحياة الإنسانية كانت كلها محاور أساسية لاتجاهات فلسفية غربية معاصرة من أبرزها (الوجودية)[1] أو بعبارة أدق (الوجودية الملحدة) كوجودية (سارتر Sarts ) (1905 ـ 1980) (وكان من جراء هذه المادية التي زخر النظام بروحها أن أقصيت الأخلاق من الحساب ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام أو بالأحرى تبدلت مفاهيمها ومقاييسها وأعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى والحريات جميعاً كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة، فنشأ من ذلك أكثر ما ضج به العالم الحديث من محنّ وكوارث ومآسي ومصائب)[2]. كذلك في نصٍّ آخر يؤكد على هذه المسألة نفسها قائلاً: «وقد أسهمت مذاهب الاجتماع والاقتصاد والمدارس النفسيّة في تغذية هذه النظرة إلى الإنسان. ولكن إذا جردنا الإنسان من حريته الداخلية ونفينا أن يكون شيئاً أكثر من هذه الكتلة المنظورة من المادة فماذا أبقينا من الإنسان؟ وإذا نفينا الحرية فقد نفينا المسؤولية وحين ترتفع المسؤولية ترتفع الأخلاق إذ كيف نفرض على إنسان لا سلطان له على ذاته سلوكاً معيناً، وما الأخلاق إلاّ مجالات تمارس فيها الحرية الإنسانية عملها والإرادة الإنسانية، وقد تمثل رد الفعل على هذه الحتمية في وجودية سارتر الملحدة فالإنسان، حسب النظرة الوجودية ـ حرية مطلقة ودفعة لا يقيدها قيد ولا يكبحها ضابط فلا آله ولا دين ولا أخلاق ثابتة، وهكذا يتمزق الإنسان الأوروبي بين الدعوات المتضادة، دون أن يهتدي إلى السبيل القويم»[3].

(49)

أما عن طبيعة النقد أو المنهج النقدي الذي استخدمه الناقد حول نقد هذه القاعدة الفكرية التي امتاز بها الفكر الغربي على الأعم الأغلب فإننا يمكننا القول إنهُ قد استخدم (المنهج المقارن)، أي أنه حاول أن يُبرز ويقارن بين القاعدة الفكرية للفكر الغربي والقاعدة الفكرية التي يمتلكها الفكر الإسلامي، وطبيعة هذه القاعدة كذلك حاول أن يبين لنا ما يترتب على هذه القاعدة من مسائل، لأن القاعدة الفكرية للفكر الإسلامي حتماً ستكون غير قاعدة الفكر الغربي، فإن أكد هذا الفكر الغربي على المادة ومادية العالم فإن الفكر الإسلامي كانت رؤيتهُ بعيدة عن النظرة المادية، وهذا ما نشاهدهُ في أغلب مؤلفاته إذ نراه حاول أن يقارن بين الاتجاهات الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للفكر الغربي والفكر الإسلامي، فعلى سبيل المثال نراه وبعد الحديث عن القاعدة الفكرية للتفكير الأوروبي ومادية هذه القاعدة يقول متحدثاً عن التفكير الإسلامي «وليس الفرق الذي نجدهُ بين رسالتنا الإسلامية والرسالات الأوروبية في مواضعها من التفكير العام ناشئاً عن طبيعة تلك الرسالة وإنما هو نتيجة الاختلاف فيما يرافق كل رسالة في ذهنية أصحابها من درجة الوعي والشعور»[1].

كذلك نراه في نصٍ آخر يحاول أن يوضح لنا طبيعة قاعدة التفكير الإسلامي التي تختلف جوهرياً مع النظرة المادية للعالم وللإنسان «فالإسلام هو دين الفطرة الإنسانية وهو يتجاوب مع هذه الفطرة فلا يحرفها ولا ينكرها وإنما يعترف بها والإسلام هو دين الكرامة البشرية» (ولقد كرمنا بني آدم)[2]. ونراه في نصٍ ثالث يؤكد إيمانهُ بالواقع وبالعالم الطبيعي ولكن يرجع هذا العالم إلى الله (فعالم الطبيعة عند المسلم هو مظهر قدرة الله(عزّ وجلّ) وعظمته، وهو مجال كفاح الإنسان واستفادته لأن عالم الطبيعة قد سُخر للإنسان)[3]. وهذا يؤكد مذهبهُ حول مسألة الوجود التي هي كما أشرنا إليها سابقاً (الواقعية الإلهية) فهو يؤمن بالواقع ولكن يؤمن أيضاً أنه

(50)

مخلوق لله سبحانه وتعالى وهذا يخالف النظرة المادية التي لا تؤمن بعالم فوق هذا العالم أو عالم لا محسوس ولا مادي.

وإذا جئنا إلى مقارنة ما يترتب على النظرة المادية من نظم وأفكار مع ما يترتب على القاعدة الفكرية للتفكير الإسلامي نجدهُ يحاول أن يعقد مقارنه بين الاثنين فنراه يقول بهذا الصدد: «ولكن النظم الفكرية التي أقام عليها هذا الإنسان ـ أي الأوروبي حياته الجديدة كانت نظماً غير إنسانية لأنها من أجل أن تصحح الشذوذ الذي أوجدته المسيحية بتطرفها قد تطرفت هي الأخرى أيضاً فأهملت ـ في سبيل تعويض الإنسان عما حرمته إياه المسيحية ـ الجانب الروحي من الإنسان وهو ما يجعل لحياة الإنسان معنًى وهدفاً وهو ما لا يكون الإنسان كائناً متفرداً عن سائر الأنواع الحيوانية بدونه واعتبرت الإنسان موجوداً فيزيائياً صرفاً وغلت في هذا الشذوذ غلواً شنيعاً»[1].

وعلى العكس من ذلك تماماً في الفكر الإسلامي. (أما المسلم الإنسان المسلم فهو في مأمن من أن يفقد إنسانيتهُ لأن العقيدة الإسلامية لم تضحِ بكيانه الروحي في سبيل أن تيسر له المتاع المادي بل يسرت له أن يلبي أشواق الروح وضرورات الجسد حين اعترفت بثنائيتهُ وعالجته على هدى الثنائية)[2].

«ولكن الإسلام إذ يعترف بالغرائز لا يدعو إلى مادية صماء ولا يبيح للإنسان أن يستغرق في تلبية مطالب الغرائز بحيث يغدو حيواناً لا يعُنى بما وراء المتاع الحسيّ من أهداف الإنسان العليا بحيث يغدو كهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ}[3]، بل يدعو إلى المتاع المادي بقدر ويدعو المسلم إلى أن يوازن بين الروحي والمادي في حياته»[4].

(51)

إن اختلاف القاعدة الفكرية لا يعني بأي صورة من الصور أن القاعدة الفكرية للفكر الإسلامي تخالف القاعدة الفكرية للفكر الغربي تخالفاً تاماً فكل ما يثبتهُ طرف ينفيه الآخر بل هناك أشياء كثيرة مشتركة بينهما فعلى سبيل المثال إن الحقائق العلمية هي مسائل يؤمن بها الفكر الإسلامي «وهكذا يتضح بكلِّ جلاء أن التعارض بين الإلهية والمادية ليس في الحقائق العلمية. فإن الإلهي كالمادي يعترف بجميع الحقائق العلمية التي توضحها التجارب الصحيحة عن جسم الإنسان وفزلجة أعضائه، وعن التطور والحركات في الطبيعة وإنما يزيد بوضع حقائق أخرى والاعتراف بها فهو يبرهن على وجود جانب روحي مجرد للإنسان غير ما ظهر منه في الميدان التجريبي وعلى سبب مجرد أعلى للحركات الطبيعية والميكانيكية فوق المجال المحسوس»[1].

ومن هذا كله نلخص بالقول إن السيد الصدر حاول أن ينقد هذه القاعدة والمرتكز الفكري الذي بنت عليه الاتجاهات الفكرية والفلسفية الغربية أنظمتها ومفاهيمها عن الحياة والإنسان وهي كما عرفنا استندت على قاعدة مادية لم تؤمن إلاّ بهذا العالم المحسوس وتجاوزت ورفضت كل شيء لا يمكن أن يتصف بالمادية أو يكون ذا طابع محسوس، وبالمقابل نجد الفكر الإسلامي الذي اختلف مع هذه الأنظمة الفكرية والفلسفية الغربية لأنه استند على قاعدة فكرية لا مادية (إلهية). أنتجت هذه القاعدة أفكاراً وفلسفات ذات صبغة لا مادية ترتبت عليها رؤىً لا مادية أيضاً هذه الصورة المقارنة بين الفكرين حاول الناقد أن يركز عليها لينقد الفكر الغربي مقارناً هذا الفكر مع الفكر الإسلامي لأن كليهما يستندان إلى قاعدتين فكريتين مختلفتين.

(52)

المبحث الثاني

نقد الفلسفة اليونانية

 

لقد اقتصر نقد السيد الصدر للاتجاهات الفلسفية أو للمدارس الفلسفية في الفلسفة اليوناني على شخصيتين فلسفيتين تمثل أهم المدارس الفلسفية في العصر اليوناني بل تمثل أهم مدرستين في تاريخ الفلسفة بشكل عام ما لهما من امتداد وتأثير على جميع مدارس الفلسفة وهما: أفلاطون، أرسطو.

لقد انصب نقد السيد الصدر على مسائل معينة في فلسفتهما فلم يكن النقد لجميع أفكارهم الفلسفية وهذا يأتي تماشياً وسياق الموضوع الذي كان يقصده، ولهذا نرى أن نقده لفلسفة أفلاطون اقتصر على مسألتين هما (نظرية المعرفة) ومسألة (الوجود)، أما نقده لفلسفة (أرسطو) فقد اقتصر على مسألة (المنطق) وخصوصاً ضمن مبحث (الدليل الاستقرائي).

أولاً: نقد فلسفة أفلاطون

في القسم الأول من كتابه (فلسفتنا) الخاص بنظرية المعرفة وخصوصاً في باب (مصادر التصور البشري)، يعرض السيد الصدر أكثر من نظرية تبنت آراء مختلفة حول مصدر التصورات البشرية[1]. ومن هذه النظريات (نظرية أفلاطون) التي

(53)

أسماها المؤلف (نظرية الاستذكار الأفلاطونية) التي مؤداها أن النفس الإنسانية قبل هبوطها إلى العالم الطبيعي كانت متصلة بعالم المثل ـ العالم المجرد عن المادة ـ وهناك استطاعت استحصال العلم بحقائق الأشياء وعندما هبطت من عالمها المجرد واتصلت بالبدن نسيت أو فقدت كل ما تعلمتهُ في ذلك العالم فتبدأ عملية استرجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصة والأشياء الجزئية، لأن هذه المعاني الخاصة والأشياء الجزئية ما هي إلاّ انعكاسات وظلال لتلك المثل والحقائق الثابتة التي كانت في ذلك العالم المجرد الذي كانت تعيش به[1]. وعلى أساس هذه النظرية تبدأ النفس الإنسانية باستذكار الحقائق المطلقة بالإحساس بالحقائق الجزئية فعلى سبيل المثال تستذكر حقيقة الإنسان الكلي بعد إدراك إفراد هذه الحقيقة في عالم المادة.

هذه هي النظرية بصورتها العامة التي يعرضها السيد الصدر ويعقب بعد هذا العرض بقوله «فالتصورات العامة سابقة على الإحساس ولا يقوم الإحساس إلاّ بعملية استرجاع واستذكار لها، والإدراكات العقلية لا تتعلق بالأمور الجزئية التي تدخل في نطاق الحسّ، وإنما تتعلق بتلك الحقائق الكلية المجردة»[2].

وبعد هذا التعقيب البسيط الذي يؤكد فيه على مجال الإدراكات العقلية الذي يكون في العالم المجرد بإدراكه الحقائق الكلية المجردة ولا يكون للعقل أي دور في عالم المادة أو بالأمور الجزئية التي تدخل في نطاق الحسّ نراه يحاول أن يستخلص من

(54)

نظرية أفلاطون مسألتين فلسفيتين ترتكز هذه النظرية عليهما وهما[1]:

1 ـ إن النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادة.

2 ـ إن الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجردة الثابتة في ذلك العالم الأسمى والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة (المثل).

إن تحديد المرتكزات الفلسفية لهذه النظرية هي الخطوة الأولى لنقد النظرية وهو يمثل التشخيص الدقيق للمشكلة ومن ثم تأتي عملية النقد التي تشكل النصف الثاني من عملية النقد ويمثل التشخيص الجزء الأول من هذه العملية، وعلى هذا الأساس نراه ينقد القضية الأولى في هذه النظرية بقوله «وكلتا القضيتين خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الأفلاطونية، فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليس شيئاً موجوداً بصورة مجردة قبل وجود البدن، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادة تبدأ النفس بها مادة متصفة بخصائص المادة وخاضعة لقوانينها وتصبح بالحركة والتكامل وجوداً مجرداً عن المادة لا يتصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها وإن كان خاضعاً لقوانين الوجود العامة فإن هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسر المشكلة ويعطي إيضاحاً معقولاً عن العلاقة القائمة بين النفس والمادة، بين النفس والبدن. وأما المفهوم الأفلاطوني الذي يفترض للنفس وجوداً سابقاً على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس، وعن إيضاح الظروف التي جعلت النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادي»[2].

وفي هذا النص النقدي يحاول السيد الصدر أن يتابع شخصية فلسفية مهمة في

(55)

تاريخ الفلسفة وهو (صدر الدين الشيرازي)[1]. وهذا ما أشار إليه في بداية النص (وكلتا القضيتين خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو (الفلسفة الأفلاطونية)، فصدر الدين الشيرازي هو أحد هؤلاء النقاد والثاني هو ما أشار إليه في نقده للقضية الثانية وهو (أرسطو).

ويتابع السيد الصدر الدين الشيرازي في مسألة النفس[2]. على أن النفس لم تكن موجودة بصورة مجردة قبل وجود البدن، بل إن النفس هي نتاج الحركة المادية فتبدأ النفس مادية ثم تنتقل من الحالة المادية إلى حالة أكثر تجريداً بعيدة كل البعد عن المادة وصفاتها بحركة تكاملية.

وهذا التفسير لمسألة النفس يختلف اختلافاً كبيراً عن تفسير أفلاطون لمسألة النفس الذي يؤكد وجودها قبل حلولها البدن واتصالها به في عالم أسمى من هذا العالم وهو عالم لا مادي، بل هو في غاية التجرد ويرى الناقد أن هذا التفسير للنفس هو تفسير يستطيع أن يوضح العلاقة بين النفس والبدن واتصال النفس بالبدن خلافاً لتفسير أفلاطون.

(56)

أما لو جئنا للقضية الثانية وهي ـ أن الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق الثابتة في العالم الأسمى أو عالم المثل ـ فنرى السيد الصدر ناقداً لهذه القضية بقوله «كما أن الإدراك العقلي يمكن إيضاحه مع إبعاد فكرة المثل عن مجال البحث كما شرحه أرسطو في فلسفته من أن المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك، فليس الإنسان العام الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في عالم أسمى، بل هو صورة هذا الإنسان أو ذاك بعد أجراء عملية التجريد عليها واستخلاص المعنى العام منها»[1].

وفي نقد لأفلاطون في هذه القضية نجدهُ يتابع أرسطو في نقده لنظرية المثل الأفلاطونية، الذي يؤكد في نقده لهذه القضية رفض عالم المثل وأن النفس قد أدركت الحقائق المجردة الثابتة للأشياء وبإدراكها لتلك المثل يحصل الإدراك العقلي مؤكداً أن العقل يقوم بعملية تجريد واستخلاص للصور المحسوسة التي يدركها الحس من معانيها الجزئية ويستخلص منها معنى كلياً. وهذه النتيجة حتمية لأنها متعلقة بالقضية الأولى التي أكد فيها الناقد أن النفس هي حركة جوهرية للمادة ولم تكن في عالم أسمى من هذا العالم، قبل علاقتها بالبدن.

هذا فيما يتعلق بنظرية المعرفة وبالخصوص (مصادر التصور البشري) أما فيما يتعلق بوجود العالم والمذاهب والنظريات الفلسفية حول طبيعة هذا العالم فإننا نجد السيد الصدر يعرض أشكالاً من المثالية والواقعية، وأحد أشكال المثالية هو (المثالية الموضوعية)، وهي مثالية أفلاطون التي أمنت بالواقع الموضوعي، بل على حدّ تعبير السيد الصدر أنها أسرفت بالإيمان بالواقع الموضوع لأنها أمنت بالواقع

(57)

الموضوعي للإحساس وللتعقل ولم تكن إنكاراً للواقع أو شكاً فيه[1].

ويبدو أن عدم نقد مثالية أفلاطون من قبل الناقد هو أن مثالية أفلاطون كانت نوعاً مختلفاً عن أشكال المثالية الأخرى التي يذكرها مثل مثالية (باركلي Perkly ) (1685 ـ 1753) التي لم تؤمن بموضوعية الأشياء والعالم الخارجي، وهذه المثالية هي التي وجه النقد لها، إما أن تكون مثالية مثل مثالية أفلاطون تؤمن بالواقع لكن ترى أن لهذا الواقع وأشيائه أمثلة مطلقة مجردة عن المادة فلم يوجه لها النقد إلاّ النقد الذي رأيناه في نظرية المعرفة ومسألة النفس الإنسانية.

ثانياً: نقد أرسطو

نلاحظ في نقد أرسطو عدة أمور وهي:

1 ـ اقتصر نقد السيد الشهيد لأرسطو على مسألة منطقية مهمة وهي الاستقراء بقسميه (الكامل والناقص)[2].

أ ـ الاستقراء الكامل

لقد أمن المنطق الأرسطي بالاستقراء الكامل وأكد قيمتهُ (المطلقة من الناحية المنطقية وكونهُ على مستوى الطريقة القياسية في الاستنباط، بل إن أرسطو قد اعتبر

(58)

هذا الاستقراء هو الأساس للتعرف على المقدمات الأولى التي يبدأ منها تكوين الأقيسة فإن هذه المقدمات الرئيسة التي ترتكز عليها مجموع الأقيسة لا يمكن التعرف عليها عن طريق القياس، بل الطريق الوحيد لمعرفتها هو الاستقراء الكامل[1]. بل إن الاستقراء الكامل يعطي الدرجة نفسها من الجزم التي يعطيها القياس، فبالقياس يؤدي ثبوت الحدّ الأكبر المحمول للموضوع عن طريق استقراء جميع أفراد ذلك الموضوع[2].

من هذا يتضح أن أرسطو قد آمن بالاستقراء الكامل وبقدرة هذا الاستقراء على التوصل إلى اليقين، وعلى الرغم من إيمان أرسطو بذلك نجد أن السيد الصدر قد نقده مؤكداً أن من غير الصحيح القول إن هناك استقراءً كاملاً لأن الاستقراء هو سير من خاص إلى عام أما الاستقراء الكامل سير من عام إلى عام[3].

ويطرح الناقد عدة نقاط ينقد بها الاستقراء الكامل عند أرسطو وهي[4]:

1 ـ يؤكد أن هذا النوع من الاستقراء لا يدخل في صلب موضوع الدراسة ـ أي كتاب الأسس المنطقية للاستقراء الذي هو الدليل الاستقرائي الذي يسير من الخاص إلى العام أما الاستقراء الكامل فهو خلاف ذلك لأن النتيجة تأتي مساوية للمقدمات ـ أي السير من عام إلى عام.

(59)

2 ـ يتساءل في هذه النقطة عن مقصد أرسطو أو المنطق الأرسطي بالنتيجة التي يفترضها للاستقراء الكامل ويعتبر استنتاجها منه استنتاجاً ضرورياً يقوم على مبدأ عدم التناقض وهنا يتصور إجابتين على هذا السؤال وهما:

أ ـ إن نتيجة الاستقراء الكامل هي قضية عامة تؤكد لوناً من التلازم أو السببية بين الجوع والإنسانية عند استقراء كل أفراد الإنسان والتعرف على أنهم يجوعون. وهذه النتيجة خاطئة لأن هذا التلازم بين الجوع والإنسانية يضيف شيئاً جديداً للنتيجة لم يكن في محتوى المقدمات لأن المقدمات تقول هذا الإنسان يجوع وهذا يجوع وذاك يجوع ولا تقول شيئاً عن التلازم والسببية.

ب ـ أن يكتفي المنطق الأرسطي من الاستقراء الكامل بالخروج بنتيجة تؤكد أن كل إنسان يجوع دون أن تدعي لنفسها القدرة عن التلازم أو السببية بين الجوع والإنسانية بمفهومها العام، وهذه النتيجة يمكن تبريرها على أساس مبدأ عدم التناقض لأنها محتواة في المقدمات نفسها وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يتخذ هذا برهاناً بالمفهوم الأرسطي للبرهان.

3 ـ إن الاستقراء الكامل لا يستطيع أن يشمل كل الأفراد الذين بالإمكان أن يوجدوا فعلاً فلا يمكن أن يؤدي هذا الاستقراء إلى التعميم الكلي للإفراد الممكنة جميعاً.

4 ـ هناك اعتراضات وجهت للاستقراء الكامل من قبل بعض الدراسات الحديثة تنكر أن يكون الاستقراء الكامل دليلاً بأي شكل من الأشكال لأن ما يحاول المستقرئ الاستدلال عليه بالاستقراء معروف لديه قبل ذلك من خلال عملية الاستقراء نفسها.

(60)

ب ـ الاستقراء الناقص

يقوم تبرير أرسطو للاستقراء الناقص على ثلاثة ركائز أساسية هي[1]:

1 ـ مبدأ التلازم أو السببية بين موضوع النتيجة ومحمولها.

2 ـ عدم تكرار الصدفة النسبية لا دائمياً ولا أكثرياً.

3 ـ الحالات المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة.

ولقد وضع أرسطو هذه الركائز أو المبادئ لتبرير النتيجة ـ أي نتيجة الاستقراء ـ اولاً وتسويغ التعميم ثانياً وتعليل الشمول المستقبلي للأفراد ثالثاً وكل مبدأ يؤدي المهمة الملقاة على عاتقه بالترتيب وأن كل مبدأ من هذه المبادئ ضرورة عقلية أولية[2].

ويناقش السيد الصدر المنطق الأرسطي في المسألة أو المرتكز الثاني ـ عدم تكرار الصدفة النسبية لا دائمياً ولا أكثرياً ـ ويورد على أرسطو سبعة اعتراضات[3]. فنراه يقول في ذلك «وكل ما تقدم من مناقشة للمنطق الأرسطي حتى الآن كان يرتبط بواحدة من تلك القضايا الثلاث. أي بالقضية التي تقول: إن الصدفة النسبية لا تتكرر على خط طويل وقد استطعنا أن نعرف أن هذه القضية ليست عقلية قبلية وبذلك لا تصلح أن تكون إحدى تلك المصادرات الثلاث التي يفتش عنها المنطق الأرسطي لدعم الدليل الاستقرائي. وفي رأيي أن المنطق الأرسطي لم يخطئ فقط في الاعتقاد بطابع عقلي قبلي لقضية ليست من القضايا العقلية القبلية، بل أخطأ أيضاً في الاعتقاد بحاجة الدليل الاستقرائي إلى مصادرات قبلية أيضاً»[4].

(61)

إن الناقد لم يكن يعني بالمنطق الأرسطي هو آراء أرسطو المنطقية فحسب بل كل من تابع أرسطو في هذه المسائل وخصوصاً الفلاسفة الذين كانوا يمثلون المدرسة المشائية أمثال ابن سينا، ولهذا نرى الناقد في نقده للمنطق الأرسطي في مسألة الاستقراء يورد لنا آراء هؤلاء الفلاسفة ويستدل بآرائهم بوصفهم يمثلون هذا المنطق ـ المنطق الأرسطي ـ فعلى سبيل المثال يورد لنا الناقد آراء الغزالي وابن سينا في مسألة تبرير الاستقراء القائم على مبدأ السببيه للانتقال من الحالات الخاصة إلى كل الحالات[1].

(62)

المبحث الثالث

نقد المدارس الفلسفية في الفلسفة الحديثة

 

لقد أخذ نقد الاتجاهات والمدارس والشخصيات الفلسفية في الفلسفة الحديثة حيزاً كبيراً في نقد السيد الصدر للاتجاهات الفلسفية بشكلٍ عام، بل نستطيع القول إن نقد هذه الاتجاهات ـ الحديثة ـ شكل الجزء الأكبر قياساً بنقده للاتجاهات الفلسفية اليونانية أو المعاصرة.

ولأجل ذلك سنحاول في هذا المبحث إعطاء ولو صورة إجمالية لهذا النقد الذي لا يسعهُ هذا المبحث لعرضهِ وتتبع تفاصيلهُ محاولين أن نوضح في عرضنا لهذه الصورة أبرز مفاصل هذا النقد تاركين التفاصيل وما يمكن أن لا يدركهُ كلامنا إلى مصادره من مؤلفات الناقد التي سنحاول الإشارة إليها في حنايا هذا المبحث.

أولاً: نظرية المعرفة

يحاول الناقد عرض العديد من المذاهب والشخصيات في الفلسفة ونقدها ضمن نطاق مبحث نظرية المعرفة وضمن مسائل هذا المبحث، وكان تركيزهُ الكبير على الكثير من الاتجاهات والمذاهب والشخصيات الفلسفية في الفلسفة الحديثة فعلى سبيل المثال نراه ضمن موضوع (مصدر التصور البشري)[1]. يعرض

(63)

في الكثير من النظريات والآراء في هذا الموضوع.

ومن أهم النظريات الفلسفية في الفلسفة الحديثة هما:

أ ـ النظرية الحسيّة.

ب ـ النظرية العقلية.

وفي النظرية العقلية يذكر لنا أن (ديكارت Decartes ) (1596 ـ 1650) و(وكانط Kant ) (1724 ـ 1804) هما من أبرز من يمثل هذه النظرية التي أكدت أن هناك مصدرين للإدراك أو التصور (الإحساس والفطرة)، وهنا يوجه نقداً لفهم هذه النظرية لهذين المصدرين[1]. أما النظرية الحسيّة القائلة أن الإحساس هو الممون الوحيد للذهن البشري بالتصورات والمعاني والقوة الذهنية هي القوة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن، وأبرز من يمثل هذه النظرية هو جون (لوك Lock ) (1632 ـ 1704) و(باركلي) وديفيد (هيوم Hume ) (1711 ـ 1776) كذلك الفلسفة الماركسية، ويحاول الناقد في نقده لهذه النظرية أن يركز على القاعدة الأساسية لهذه النظرية وهي (جعل الحس المصدر الوحيد للتصور) مؤكداً فشل هذه النظرية في محاولتها إرجاع كل المفاهيم إلى الحسّ[2]، فإننا نجد أن هناك مفاهيم لا يستطيع الحسّ أن يعطينا تفسيراً واضحاً لها مثل مفاهيم العلة والمعلول، والجوهر والعرض، والوحدة والكثيرة، الوجود والعدم.

أما في مسألة التصديق فإننا نجد هنالك المذهب العقلي الذي يقسم المعارف

(64)

البشرية إلى طائفتين وهما[1]:

أ ـ المعارف الضرورية أو البديهية.

ب ـ المعارف النظرية التي تحتاج إلى استنتاج وتفكير.

وهنا نجد الناقد لا يحاول أن يوجه نقداً لهذا المذهب وهذا لأسباب معينه[2].

أما المذهب الآخر هو المذهب التجريبي الذي يؤكّد أن التجربة هي المصدر الوحيد لجميع المعارف البشرية ولا يعترفون بمعارف عقلية ضرورية سابقة على التجربة وحتى تلك الأحكام التي ادّعى المذهب العقلي أنها معارف ضرورية لا بدّ من إخضاعها للمقياس التجريبي[3].

ويتطرق الناقد لهذا المذهب في مؤلفه والأسس المنطقية للاستقراء موضحاً رؤية هذا المذهب لتبرير (التعميم) المستند إلى الاستقراء الناقص بعد أن رفض طريقة أرسطو القائمة على المبدأ العقلي الأولى (الاتفاق لا يكون دائمياً ولا أكثرياً)[4].

ويتناول ضمن هذه المسألة عرضاً ونقداً في ثلاثة اتجاهات رئيسة هي:

1 ـ الاتجاه اليقيني: ويمثلهُ الفيلسوف جون ستيورات (مل Mill ) (1803 ـ 1873)[5].

2 ـ الاتجاه الترجيحي: ويمثلهُ برتراند (رسل Russell ) (1872 ـ 1970)[6].

(65)

3 ـ الاتجاه السيكلوجي: ويمثلهُ (دافيد هيوم)[1].

وفي نقده للمذهب التجريبي حاول السيد الصدر أولاً أن يركز نقده على القاعدة الفكرية التي يستند إليها هذا المذهب ألاّ وهي (التجربة المقياس الأساسي لتميز الحقيقة) ويتساءل هنا قائلاً «هل هي ـ أي هذه القاعدة ـ معرفة أولية حصل عليها الإنسان من دون تجربة سابقة أو أنها بدورها أيضاً كسائر المعارف البشرية ليس فطرية ولا ضرورية؟ فإذا كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأولية وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية مستقلة عن التجربة وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة إلى تجربة سابقة فمعنى ذلك أنا لا ندرك في بداية الأمر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق فكيف يمكن البرهنة على صحته واعتباره مقياساً بتجربة ما دامت غير مضمونه الصدق بعد؟ وبكلمة أخرى إن القاعدة المذكورة التي هي ركيزة المذهب التجريبي إن كانت خطأ سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية وإن كانت صواباً صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبين يؤمنون بصواب هذه القاعدة، فإن كانوا قد تأكدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني أنها قضية بديهية وأن الإنسان يملك حقائق وراء عالم التجربة وإن كانوا قد تأكدوا من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لأن التجربة لا تؤكد قيمة نفسها»[2].

أما عن مسألة قيمة المعرفة فإننا نجدهُ يستعرض وينقد ضمن هذه المسألة المهمة التي من خلالها تتحدد قيمة المعرفة ومدى إمكانها على كشف الحقيقة آراء ديكارت وجون لوك والمذهب المثالي وخصوصاً مثالية باركلي والمثالية الفيزيائية التي يمثلها فيزيائيون غربيونَ[3].

(66)

أما في مسألة إمكانية المعرفة فإننا نراه يعرض لنا آراء مدارس وشخصيات فلسفية لم تؤمن بإمكانية المعرفة ولجأت إلى الشك فنجد على سبيل المثال (باركلي) (وهيوم) كذلك نراه بعد نقده لمدرسة الشك الحديث التي أسماها ينقد لنا آراء (النسبيون، القائلين بإمكانية المعرفة ولكنهم أرجعوا المعرفة بالأشياء إلى جوانب ذاتيه فضلاً عن جوانب موضوعية وأبرز اتجاهات النسبية هي (نسبية عمانوئيل كانط)، كذلك هناك النسبية الذاتية ومدرسة الشك العلمي المتمثلة بالمدرسة السلوكية في علم النفس ومذهب التحليل النفسي عند فرويد Frwed) ) والمادية التاريخية والنسبية التطورية ممثلة بالفلسفة الماركسية[1].

ثانياً: وجود العالم

لقد تشكّل حول وجود العالم عدة مذاهب فلسفية ومن أهم هذه المذاهب (الواقعية) أو المذهب الواقعي الذي أمن بوجود العالم والأشياء إيماناً حقيقياً موضوعياً و(المذهب المثالي) الذي لم يؤمن بوجود العالم بل أرجع العالم إلى صور وأحاسيس وإدراكات توجد في الذات. ولقد شهد تاريخ الفلسفة صراعاً طويلاً ومستمراً بين المثالية والواقعية رجحت كفة طرف في مدة تاريخية ما، ورجحت كفة الطرف الآخر في مدة تاريخية أخرى.

لقد حاول السيد الصدر التركيز على هذه المسألة أو هذا (المبحث)[2]. فنراه يحاول عرض صورة عن هذا المبحث والمذاهب المتشكلة حوله والتي هي كما عرفنا المذهب الواقعي والمذهب المثالي.

(67)

يعرض لنا الناقد أنواعاً متعددة من المثالية عارضاً لأرائها حول مسألة الوجود وناقداً لأرائها في الوقت نفسه مثل (مثالية باركلي) و(المثالية الفيزيائية) و(المثالية الفيزلوجية)[1].

أما لو جئنا للمذهب الواقعي فنراه يؤمن كما تؤمن الواقعية بوجود العالم ويرجع العالم وما فيه إلى الله أي إلى العالم هو من خلق الله وهذا ما يسميه (الواقعية الإلهية) ليميزها من نوع آخر من الواقعية التي هي (الواقعية المادية) فهذه الأخيرة وإن آمنت بوجود العالم لكنها أكدت ماديته ورفضت كل شيء وراء هذا العالم.

وعلى هذا الأساس نرى الناقد يستعرض لنا هذه الواقعية المادية مقسماً لنا هذه المادية على قسمين وهما:

1 ـ اتجاه الآلية الميكانيكية.

2 ـ اتجاه المادية الديالكتيكية[2].

وقد قام بعرض ونقد هذان الاتجاهان[3]. ولقد مثلت المدرسة الماركسية الاتجاه الثاني ولهذا نراه يخصص مجالاً واسعاً في مؤلفةِ (فلسفتنا) لنقد آراء الماركسية حول مسألة (وجود العالم)[4].

أما فيما يخص المواضيع الفلسفية الأخرى مثل (فلسفة التاريخ) فنراه يوجه نقداً كبيراً للمادية التاريخية الوجه العلمي للماركسية في مؤلفه (اقتصادنا) ليكون بمثابة المقدمة لنقد المذهب الاقتصادي للماركسية[5].

(68)

كذلك نراه يوجه نقده للمدارس النفسية الحديثة وخصوصاً في مسألة الإدراك البشري مثل المدرسة السلوكية ومدرسة (الجشطالت)[1].

وخلاصة ما أردنا طرحهُ في حنايا هذا الفصل ومباحثه هو بيان أن النقد عند السيد الصدر لم يكن ذا وجهة واحدة أي أنهُ نقده للفلسفة المعاصرة فحسب بل إن نقده كان لهُ عدة جهات وهذا ما استخلصناهُ من الاطلاع على مؤلفاتهِ. بل إننا نرى أن النقد لم يقتصر على الجوانب الفلسفية فقط بل إنه شمل الكثير من المجالات الفكرية مثل الجانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والاخلاقي.... إلخ من الجوانب التي يحتاج إلى بيانها إمعان النظر وتوفر أصحاب الاختصاص.

إن بناء الفصل بهذا الشكل سوف تتضح أهميتهُ خلال الدخول في الفصول القادمة وذلك لعمق الرابطة بينهُ وبين الاتجاهات الفلسفية المعاصرة، فإن نقد الأطر العامة أو نقد الفلسفة اليونانية (الاتجاهات الفلسفية اليونانية) أو نقد الاتجاهات الفلسفية الحديثة هو بمثابة المقدمة لنقد الفلسفة المعاصرة، لأن الناقد لم ينقد الاتجاهات والمذاهب والشخصيات الفلسفية بحسب تسلسلها الزمني حتى تكون هناك قطيعة بين المنقود، بل إنه نقد كل هذا على شكل مواضيع وعنوانات عامة فكل ما دخل تحت هذه المواضع أو العنوانات يمثل جانب من العنوان أو الموضوع فضلاً عن مساحة الامتداد الذي يشكلها كل جزء من أجزاء الموضوع التي تشكل الأجزاء لمجموعها كُل واحداً متجانساً في بعض الجوانب ولكن تبقى الصيغة العامة واحدة متجانسة.

(69)

لقد حاولنا في هذا الفصل (وعسى أن نكون موفقين) إعطاءً وإن كان بصورة إجماليةً أشكال النقد الذي وجه من قبل السيد الصدر للاتجاهات الفلسفية واقفين في بعض الموضوعات على تحليل النقد أو الدخول بتفاصيل النقد وإن كان هذا خارجاً عن نطاق البحث، ولكن يمكن أن يكون جرياً لتناغم القلم مع ما يخطهُ أو أن الموضوع يحتاج بحسب ما نرى على أقل التقادير إلى هذا الوقوف، وهذا ما فعلناه في المبحث الأول والثاني خاصة، إما المبحث الثالث فإننا رأينا فيه الوقوف على تفاصيل النقد يحتاج من الوقت الكافي لاستيعاب ذلك والإطالة في مسألة نراها ليست جوهرية بقدر ما هي عرضية، ولو اقتصرنا فقط على عرض تفاصيل النقد لاحتاج منا ذلك إلى مباحث لا مبحث واحد وخشية من الخروج عن نطاق البحث أو الاتهام بالحشو بالكلام كان الفصل كما نرى مقتضباً ومكثفاً.

(70)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

نقد نظرية المعرفة

(71)

تمهيد

لا يخفى على أصحاب الاختصاص الفلسفي أهمية مبحث (نظرية المعرفة) الذي هو أحد أهم مباحث الفلسفة الأساسية (مبحث الوجود)، و(مبحث القيم)، بل يمكن القول إن نتائج البحث في الوجود والقيم تتوقف على البحث في نظرية المعرفة ـ وتحضرنا عبارة مشهورة للمفكر الإسلامي الكبير (مرتضى مطهري) يوضح من خلالها أهمية هذا المبحث قائلاً: «إن من لا يعرف تشريح الذهن لا يعرف الفلسفة» أي أن تحليل الذهن ودراسة آلياته مهمة أساسية وحتمية لفهم موضوعات الفلسفة والعلوم[1].

وفي قولٍ آخر له يوضح لنا أهمية (نظرية المعرفة) «نشاهد مدارس متعددة وأيدلوجيات مختلفة في الساحة الاجتماعية يطرح كل منها منهجاً وطريقاً لحلّ المشاكل العلمية والعملية التي تواجه الإنسان والسؤال المطروح: لماذا هذا الاختلاف الموجود بين هذه المدارس؟ الجواب يرجع السر في ذلك إلى الاختلاف في الرؤية الكونية على اعتبار أن الأيدولوجيا تتوكأ على الرؤية الكونية بل إنها مولود الرؤية الكونية وتتمثل وظيفة الأيدولوجيا في تبين مقولات من قبيل (ما يجب) أو (ما لا يجب) أي كيف يجب أن نعيش ونسير في هذه الحياة ومن المشروع لك أن تسأل: ولماذا الأيدولوجيا تأمرنا بهذا؟ نقول في الجواب: لأن الرؤية الكونية تبين لنا

(72)

ما هي القوانين التي تحكم الجامعة الإنسانية وما هي الغاية التي تتحرك نحوها، والأيدلوجيات المختلفة ناتجة من المعارف المختلفة وذلك أن كل مدرسة نهجت طريقاً في المعرفة يختلف عما انتهجته باقي المدارس، وبالتالي وصلت إلى رؤية كونية تناسب منهجها المعرفي مما أفضى في النهاية إلى أيدلوجيات متنوعة وباعتبار أن واحدة من المعرفتين باطلة حتماً والثانية صحيحة تتجلى خطورة بحث (معيار المعرفة) وأهميتهُ الفائقة في (نظرية المعرفة) والذي يتيسر لنا بموجبه تشخيص الصحيح من الخطأ في الحقول المعرفية»[1].

وعلى هذا النحو من الأهمية نجد الكثير من الفلاسفة والمفكّرين قد تعرضوا لهذا المبحث وأدركوا وأشاروا إلى أهمية هذا المبحث الفلسفي الذي وإن لم يبرز منفرداً وواضحاً في كتابات الأقدمين بل جاء ضمنياً، ضمن موضوعات فلسفية متعددة إلاّ أنهُ كان واضحاً في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

وعلى هذا النحو أيضاً نرى أن السيد الصدر قد أدرك ما لهذا المبحث من أهمية ولهذا نراه قد خصص الجانب الأكبر من مؤلفاته الفلسفية في التعرض لهذا المبحث وأشار إشارة واضحة لمدى أهمية هذا المبحث كما يراه سواءً في مؤلفه (فلسفتنا) أو بصورة عامة، فنراه مؤكداً على أهمية هذا الشيء قائلاً: «وهدفنا الأساسي من هذا البحث، هو تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية ـ التي هي المفهوم الفلسفي للعالم. لأن وضع مفهوم عام للعالم يتوقف قبل كل شيء على تحديد الطريقة الرئيسية في التفكر، والمقياس العام للمعرفة الصحيحة ومدى قيمتها. ولهذا كانت المسألة

(73)

الأولى ـ أي نظرية المعرفة في الحقيقة بحثاً تمهيدياً للمسألة الثانية»[1].

كذلك نراه في نصٍ آخر له يوضح عظم أهمية هذا المبحث في نفسه قائلاً:«تدور حول المعرفة الإنسانية مناقشات فلسفية حادة تحتل مركزاً رئيسياً في الفلسفة وخاصة الفلسفة الحديثة فهي نقطة الانطلاق الفلسفي لإقامة فلسفة متماسكة عن الكون والعالم فما لم تحدد مصادر الفكر البشري ومقاييسه وقيمهُ لا يمكن القيام بأية دراسة مهما كان لونها»[2].

وتبرز أهمية هذا النص الأخير بما يبرزهُ هذا النص من أن الناقد يجعل نظرية المعرفة مقدمة ومرتكز لمبحث (الوجود) بقوله: «فهي ـ أي نظرية المعرفة نقطة الانطلاق الفلسفي لإقامة فلسفة متماسكة عن الكون والعالم».

ولقد تطرق الناقد في بحثه لمسائل نظرية المعرفة إلى أهم هذه المسائل وسنحاول أن نوضح ما عرضهُ لهذا المسائل والمذاهب الفلسفية المعاصرة التي نقدها ضمن هذه المسائل.

(74)

المبحث الأول

الإدراك البشري

 

تناول السيد الصدر ضمن موضوع مصدر المعرفة مسألتين وهما (التصور) و(التصديق) والتصور ـ هو الإدراك الساذج، أما التصديق ـ فهو الإدراك الذي ينطوي على الحكم وقبل الخوض في هاتين المسألتين يستحسن بنا أن نستعرض مسألة الإدراك.

من الثابت أن التصور والتصديق كلاهما إدراك أحدهما ينطوي على حكم والآخر لا ينطوي ولو أن مسألة الإدراك قد ناقشها السيد الصدر في نهاية الجزء الثاني من مؤلفه (فلسفتنا) وكأنها لا علاقة لها بموضوع نظرية المعرفة ويبدو أن السيد الصدر قد أخرها بعد استكماله التعريف بين الرؤية الإلهية لمسألة العالم والوجود التي تؤكد عدم مادية العالم بمعنى أن العالم هو ذو أصل مادي ولا يرجع بأي صورة من الصور إلى قوة أعلى منه قد خلقته وقد صدر عنها وهذا ما يثبتهُ الكثير من المدارس والفلسفات الغربية المعاصرة التي سحبت رؤيتها هذه على مسألة الإدراك ولهذا نرى أن السيد الصدر في بداية استعراضه لهذه المسألة أي ـ مسألة الإدراك، يقول: «المسألة الفلسفية الكبرى في الإدراك، هي محاولة صياغة مفهوم فلسفي، يكشف عن حقيقته وكنهه ويوضح ما إذا كان الإدراك ظاهرة مادية، توجد في المادة حين بلوغها مرحلة خاصة من التطور والتكامل، كما تزعم المادية أو ظاهرة مجردة عن المادة ولوناً من الوجود وراءها ووراء ظواهرها كما هو الإدراك في مفهومه الفلسفي لدى الميتافيزيقية»[1].

(75)

ومن أبرز المدارس الفلسفية التي تبنت الاتجاه المادي في تفسير الإدراك البشري الماركسية[1]. فنراه يقول مصرحاً بذلك «والماركسية بصفتها مدرسة مادية، تؤكد بطبيعة الحال على المفهوم المادي للفكر والإدراك»[2]. والماركسية تمثل طرفاً من النقد الذي وجههُ السيد الصدر لهذه المدارس والفلسفات في مسألة الإدراك والطرف الثاني هو (الفلسفة المادية) أو بعبارةً أدق الرؤية المادية لمسألة الإدراك التي تتفق الماركسية معها، كذلك فإننا نلاحظ أن الناقد لم يكتفِ بنقد المدارس والاتجاهات الفلسفية في هذه المسألة بل نراه يُعرض وينقد الآراء والنظريات العلمية أيضاً أمثال (الفيزياء والكيمياء والفيزلوجيا والبحوث النفسية).

إن محاولة الناقد في استعراض الآراء والنظريات العلمية في مسألة الإدراك ونقدها متأتٍ من أنهُ أراد رفع الغموض والخلط والاشتباه الذي وقع فيه الكثير من الكُتاب والباحثين، هذا الخلط أدّى إلى فهم خاطئ مؤاده أن الإدراك في مفهومه الميتافزيقي الذي يتبناه الناقد يتعارض مع الإدراك في مفاهيمهُ العلمية، فنراه يقول في هذا الصدد: «وعلى أساس هذا الخطأ قام الزعم المادي القائل بأن الإدراك في مفهومه الفلسفي لدى الميتافيزية يتعارض مع الإدراك في مفاهيمه العلمية. فقد رأينا كيف يحاول جورج بولتزر أن يبرهن على مادية الإدراك من ناحية فلسفية بدلائل العلوم الطبيعية وقد قام غيره بنفس محاولته أيضاً، ولذلك نجد لزاماً علينا أن نحدد الموقف الفلسفي في المسألة لنقضي على المحاولات الرامية إلى

(76)

الخلط بين المجال الفلسفي والمجال العلمي وإلى اتّهام التفسير الميتافيزي للإدراك بمجافاة العلم وإمكاناته لحقائقه وقدراته»[1].

والناقد يقرُ بوجود علاقة بين هذه العلوم والفلسفة لكن هذه العلاقة لا تكون مسوغاً لسحب نتائج العلوم على البحث الفلسفي «فالصلة بين علم النفس وفلسفته كالصلة بين العلوم الطبيعية التجريبية وفلسفتها، إذ تدرس علوم الطبيعة ظواهر الكهرباء المتنوعة من تيارات ومجالات وجهد وحث كهربائيين وما إلى ذلك من قوانين الكهرباء الفيزيائية وتدرس على هذا النحو أيضاً مختلف ظواهر المادة والطاقة، وإما حقيقة الكهرباء وحقيقة المادة أو الطاقة فهي من حق البحث الفلسفي وكذلك الأمر في الحياة العقلية فإن البحث العلمي يتناول الظواهر النفسية التي تدخل في نطاق التجربة الذاتية أو الموضوعية ويوكل الحديث عن طبيعة الإدراك وحقيقة المحتوى الداخلي للعمليات العقلية إلى فلسفة النفس أو علم النفس الفلسفي»[2].

وعلى هذا الأساس فإن النتيجة التي يُريد أن يصل إليها هي التفريق بين نتائج العلوم التي يكون مناهجها تجريبية وبين نتائج البحث الفلسفي الذي يكون منهجهُ منهجاً تأملياً، فهذه العلوم وخصوصاً علم النفس تستطيع أن تصل إلى نتائج جزئية في تفسير مسألة الإدراك لكنها لا تستطيع أن تقدم لنا تفسيراً كاملاً عن مسألة الإدراك وهذا موكول بطبيعة الحال إلى البحث الفلسفي الذي يستطيع من خلال مناهجه وآلياته الوصول إلى نتائج يقينية وواضحة في مسألة الإدراك يمكن أن تكون نتائج العلوم مفيدة ونافعة في هذا المجال[3]. ونحن لا نريد أن نطيل الكلام في هذا المجال

(77)

بقدر ما نريد أن نركز كلامنا على الجوانب الفلسفية في هذا الجانب.

لقد ركز السيد الصدر في نقده للجانب الفلسفي من مسألة الإدراك على مدرستين أو اتجاهين فلسفيين هما (المادية) بصورتها العامة و(الماركسية) وإن كانت داخلة ضمن الاتجاه الأول وهذا التميز أو التفريق له أسبابه كما يبدو.

ومن أسبابه بحسب ما يمكن أن يفهم:

1 ـ إن المادية هي الإطار العام لكل اتجاه أو نظرية تتبنى الاتجاه المادي في تفسير مسألة الإدراك أو غيرها من المسائل.

2 ـ إن نقد المادية وتقديمها على نقد الماركسية هو نقد الجانب المهم الذي يمثل القاعدة للرؤية الماركسية لمسألة الإدراك.

يبدأ الناقد بمناقشة ونقد الرؤية والاتجاه المادي في مسألة الإدراك ونقده وخصوصاً الإدراك العقلي «ولنأخذ الإدراك العقلي للصورة المبصرة، نموذجاً حياً للحياة العقلية العامة التي تتصارع حول تفسيرها الفلسفتان، الميتافزيقية، والمادية»[1] ويقفز في الذهن سؤال عن السبب الذي جعل الناقد يختار الإدراك العقلي للصورة المبصرة مثالاً ليبين من خلاله الفوارق بين الميتافزيقية والمادية، ويمكن تكون أن الإجابة على هذا السؤال على نحو الاحتمال لعله يصيب المطلوب وهو أن الإدراك العقلي هو نقطة الخلاف بين الميتافزيقية التي يتبناها الناقد والمادية أما الإدراك الحسيّ فيمكن أن يكون الاتفاق عليه أي الإدراك الحسيّ يحدث بأعضاء حسيّة لا يمكن أن يختلف عليها.

يأخذ الناقد قسمين مهمين ضمن مسألة الإدراك العقلي للصورة المبصرة وهما[2]:

1 ـ الخصائص الهندسية للصورة المدركة.

2 ـ ظاهرة الثبات في عمليات الإدراك البصري.

(78)

في القسم الأول: أي الخصائص الهندسية للصورة العقلية ـ يطرح الناقد ثلاثة احتمالات لمسألة الصورة المدركة في حاسة البصر وهي[1]:

1 ـ الصورة المدركة هي الأشياء نفسها وواقعها الموضوعي بالذات.

2 ـ الصورة المدركة هي صورة مادية تقوم بعضو مادي خاص في جهازنا العصبي.

3 ـ الصورة المدركة صورة مجردة عن المادة تماثل الواقع الموضوعي وتحكي عنه.

أما الاحتمال الأول: فإنه ساقط من الحساب لأن العلم الحديث أثبت عكس، مضمون الاحتمال الأول فالإبصار يكون بخروج شعاع من الأشياء أو المرئيات إلى العين لا العكس[2]. والناقد هنا يلجأ في تفسير هذا الاحتمال إلى رأي العلم في هذه المسألة، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنه تناقص قد وقع به الناقد برفضه أولاً سحب النتائج العلمية على البحث الفلسفي بل الاستفادة والاستعانة بالعلم ضمن الإطار الفلسفي لا إبدال الإطار الفلسفي بالإطار العلمي وهذا ما أشار إليه قول الناقد الذي ننقله لتوضيح هذه المسألة إذا لم يسعفنا فهمنا وعرضنا لها فنراه يقول بعد الانتهاء من بيان صلة مسألة الإدراك بالدراسات العلمية. «لنبدأ الآن بدراستنا الفلسفية للإدراك ـ بعد أن أوضحنا مغزاها وصلاتها بمختلف الدراسات العلمية ـ طبقاً للمنهج الفلسفي في الدراسات النفسية والذي يتلخص كما ألمعنا إليه سابقاً في أخذ الحقائق العلمية والمسلمات التجريبية وبحثها على ضوء القوانين والأصول المقررة في الفلسفة لاستنتاج حقيقة جديدة وراء ما كشفت عنه التجارب من حقائق»[3].

أما الاحتمال الثاني: فإنه ساقط من الحساب أيضاً كما يقرره الناقد فإنهُ لا يمكن أن تكون هذه الصورة المدركة بحجمها وخصائصها الهندسية وامتدادها طولاً وعرضاً

(79)

أن توجد في عضو مادي صغير[1]. وهنا يلجأ الناقد في تفسير هذه المسألة والاحتمال إلى مسألة جداً واضحة يمكن أن يدركها الإنسان بخبرته البسيطة وهي أنهُ لا يمكن أن يتسع مكان صغير ومحدود لشيء يكبره إضعافاً.

أما الاحتمال الثالث: فهو الاحتمال الصحيح الذي يراه الناقد وهو «أن الصورة المدركة التي هي المحتوى الحقيقي للعملية العقلية صورة ميتافزيقية موجودة وجوداً مجرداً عن المادة وهذا هو كل ما يعنيه المفهوم الفلسفي الميتافزيقي للإدراك»[2].

أما القسم الثاني من مسألة الإدراك العقلي للصورة المبصرة فهو (ظاهرة الثبات في عمليات الإدراك البصري) التي يؤمن بها الناقد ويرفض تغير هذه الصورة الذي يشير ـ أي هذا التغير ـ إلى مادية هذه الصورة أو قيامها بعضو مادي تتغير بتغير الجوانب المادية أو تغير الصورة المادية المنعكسة، وهذا يشير ـ كما يؤكدهُ الناقد ـ إلى أن العقل والإدراك ليس مادياً وأن الصورة المدركة ميتافزيقية[3].

إن النتيجة التي يُريد الناقد أن يصل إليها من مناقشته ونقده للنظريات التي تعتبر أن الإدراك ظاهرة مادية هو عكس ذلك «والنتيجة الفلسفية التي نخرج بها من هذا البحث هي أن الإدراك ليس مادياً كما تزعم الفلسفة المادية»[4] وهذا بدوره سيقودنا إلى نتيجة مهمة وهي أن الإنسان متكوّن من جانبين أحدهما مادي يتمثل في تركيبه العضوي والآخر لا مادي أو روحي وهو مسرح النشاط الفكري والعقلي[5].

وبعد هذه النتيجة التي يصل إليها الناقد ينتقل إلى مسألة أخرى لها علاقة وثيقة بهذه النتيجة التي توصل إليها وهي أن الإنسان مزدوج الشخصية أي مركبُ كما قلنا

(80)

من جانب مادي وآخر لا مادي (روحي) هذه المسألة هي العلاقة بين هذين الجانبين.

ويطرح الناقد ضمن هذه المسألة عدة نظريات حاولت أن توضح نوع العلاقة بين الروح والجسم والتي يقرُّ الناقد بوجودها مستدلاً عليها بالرجوع إلى ملاحظات تصرفات الإنسان وسلوكياته. «ونحن نعلم قبل كل شيء أن العلاقة بينهما وثيقة حتى أن أحدهما يؤثر في الآخر باستمرار فإذا قيل إلى شخص أنه يرى شبحاً في الظلام اعترته قشعريرة وإذا كتب على شخص أن يخطب في حفل عام أخذ العرق يتصبب منه وإذا بدأ أحدنا يفكر حدث نشاطاً خاصاً في جهازه العصبي، فهذا أثر العقل أو الروح في الجسم كما أن للجسم أثرهُ في العقل، فإذا دبت الشيخوخة في الجسد وهن النشاط العقلي، وإذا أفرط شارب الخمر في السكر قد يرى الشيء شيئين»[1].

وهذه النظريات هي:

1 ـ نظرية أفلاطون: الذي يصور العلاقة بين النفس والجسد كعلاقة قائد العربة بالعربة التي يسوقها، فالنفس وحسب رأي أفلاطون كانت تعيش في عالم المثل فتهبط إلى الأرض وتحل البدن كالسائق أو القائد الذي يدخل العربة ويسوقها، وهذه النظرية كما يؤكدهُ الناقد لا تصلح لتفسير العلاقة الوثيقة بين النفس والجسد التي تجعل الإنسان يشعر بأنه كيان موحّد وليس شيئين (النفس والجسد)[2].

2 ـ النظرية الثانية أو نظرية ديكارت: وهي تعديل لنظرية أفلاطون التي ذكرناها أنفاً والتي لم يكن ديكارت الوحيد الذي أضاف لها التعديلات فلقد سبقهُ في ذلك أرسطو الذي أدخل فكرة الصورة والمادة. ومؤدي نظرية ديكارت هو أن الروح والجسد يسيران بخطين متوازيين وكل حادث يقع في أحدهما يصاحبه

(81)

حادث يقابله يقع في الآخر وهذا التلازم بين الاثنين لا يعني ـ كما يؤكدهُ ديكارت ـ أنه قد سببه أحدهما للآخر بل أن هذا التلازم مرده إلى العناية الإلهية التي شاءت أن تكون هذه الملازمة[1].

3 ـ النظرية الثالثة أو نظرية صدر الدين الشيرازي: المبنية على نظريته (الحركة الجوهرية) الذي يؤكد وفقاً لهذه النظرية أن المادة في حركتها الجوهرية تتكامل في وجودها وتستمر في تكاملها حتى تتجرد عن ماديتها ضمن شروط معينة وتصبح كائناً غير مادي (روحي) فليس بين المادي والروحي حدود فاصلة بل كلاهما درجتان من درجات الوجود[2].

والنظرية الثالثة هي التي يتبناها الناقد ويرى إننا نستطيع من خلالها تفسير العلاقة بين الروح والجسم «ويبدو من المألوف أن يتبادل العقل والجسم ـ الروح والمادة ـ تأثيراتهما لأن العقل ليس شيئاً مفصولاً عن المادة بهوة سحيقة كما كان يخيل لديكارت حين اضطر إلى إنكار التأثير المتبادل والقول بمجرد الموازنة بل إن العقل نفسه ليس إلاّ صورة مادية عند تصعيدها إلى أعلى من خلال الحركة الجوهرية، والفرق بين المادية والروحية فرق درجة فقط كالفرق بين الحرارة الشديدة والحرارة الأقل منها درجة، ولكن هذا لا يعني أن الروح نتاج للمادة وأثر من أثارها بل هي نتاج للحركة الجوهرية، والحركة الجوهرية لا تنبع من نفس المادة لأن الحركة كل حركة ـ خروج للشيء من القوة إلى الفعل تدريجياً»[3].

إن نقد الرؤية المادية لمسألة الإدراك كان هو المحور الأول في نقد السيد الصدر للاتجاهات والفلسفات في مسألة الإدراك أما المحور الثاني في النقد الذي خصصهُ لنقد

(82)

الفلسفة الماركسية في مسألة الإدراك أو بعبارة أوضح نظرية الإدراك عند الماركسية مستنداً في نقده هذا إلى أقوال جورج بولتزر ( Boltezer ) المفكّر الماركسي المعاصر. وتستند نظرية الماركسية في مسألة الإدراك على أساس الفعل المنعكس الشرطي الذي اكتشفه العالم الفيزلوجي بافلوف ( Bavlof ) فيقول جورج بولتزر في هذا الصدد (وبهذه الطريقة أثبت (بافلوف) أن ما يحدد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي، بل يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان والمعرفة التي يحصل عليها منه فالظروف الاجتماعية للحياة هي المنظم الحقيقي للحياة العضوية الذهنية)[1] والنص هذا فيه أكثر من دلاله يمكن أن تستنتج لإثبات ما ذهب إليه الناقد فهو:

أولاً: يؤكد اعتماد الماركسية ـ وجورج بولتزر خصوصاً على نظرية بافلوف وهذا ما يؤكدهُ الناقد.

ثانياً: وهو الأهم وهي أيضاً نقطة الخلاف كما يؤكده الناقد بينهُ وبين الماركسية، أي علاقة الإدراك والشعور بالحياة الاجتماعية والأحوال المادية التي رأت الماركسية أن الإدراك والشعور نتاج الظروف المادية والاجتماعية وهي بدورها أي (الظروف المادية والاجتماعية) نتاج العامل الاقتصادي الذي هو العامل الرئيس في التطور الفكري[2].

فعلى هذا الأساس فالماركسية واعتماداً على النص المشار إليه اعتمدت على نظرية بافلوف في تفسير الإدراك البشري لكننا نجد أن السيد الصدر في نقده للماركسية في هذه المسألة لم يرجع إلى نظرية بافلوف، بل لجأ ورجع إلى المدرسة السلوكية التي أمنت الماركسية بنظريتها في مسألة أن الأفكار والإدراكات هي ردود فعل منعكسة عن المحيط الخارجي، وهذه النقطة يمكن أن تسجل على الناقد، إذ إن نظرية بافلوف

(83)

تمثل الأساس العلمي لماركسية القرن العشرين، فاقتصرت معالجته لهذه المسألة على علم النفس السلوكي كما أن نقده أو بعض نقده يمكن تسجيله على ما يسميه الماركسيون (المادية المبتذلة)[1]. وعلى الرغم من ذلك فإن الناقد استطاع أن يوجه نقداً لاذعاً في هذه المسألة للماركسية وإن اعتمدت على النظرية السلوكية مستعيناً بنقده هذا على ضرب مثال من الحياة البشرية ليخاطب وجدان الإنسان البسيط بأن الأفكار ليست وليدة منبهات شرطية خارجية بقدر ما هي نشاط ايجابي فعّال للنفس الإنسانية[2]. ومن ثمّة فالحياة الاجتماعية والظروف المادية كما تؤمن (الماركسية)، لا تستطيع أن تحدد أفكار الناس مشاعرهم بصورة آلية عن طريق المنبهات الخارجية[3]. ولكن هذا لا يعني وكما يؤكدهُ الناقد أنهُ لا دور يذكر لبيئة ومجتمع الإنسان الذي يعيش فيه على تفكيره لا على أساس أنها المنشيء للأفكار كما نادت بذلك الماركسية، بل على أساس إنهما عوامل مساعدة في نمو أفكار الإنسان وتطورها «نعم إن الإنسان قد يكيف أفكاره تكييفاً اختيارياً بالبيئة والمحيط كما نادت بذلك المدرسة الوظيفية

(84)

في علم النفس تأثراً بنظرية التطور عند لامارك في البيولوجيا، فكما أن الكائن الحي يتكيف عضوياً تبعاً لمحيطه كذلك الأمر في حياته الفكرية»[1].

إن نقد السيد الصدر هذا للماركسية هو نقد لما يسميه المحاولة الثانية لها للتدليل على مادية الإدراك فالفكر أو الإدراك هو ظاهرة من ظواهر الطبيعة ونتاجٍ عالٍ للمادة وبالتالي جزء من الطبيعة فتحكمه نفس القوانين التي تسيطر على الطبيعة ويتحرك وينمو ديالكتيكياً كما تتحرك وتنمو جميع ظواهر الطبيعة[2].

أما نقد المحاولة الأولى لها التي مؤداها انظر: إن الفكر أو الإدراك هو انعكاس للواقع الموضوعي ولأجل أن يكون مطابقاً له يجب أن يعكس قوانينه وتطوره وحركته، فالإدراك ينمو ويتطور وفقاً لتطور الواقع الموضوعي[3]. فإن السيد الصدر يؤمن بأن الفكر والإدراك يصور الواقع الموضوعي لوناً من ألوان التصوير ولكن هذا لا يعني أن تنعكس حركة الواقع الموضوعي في الإدراك أو الفكر فينمو تبعاً له وذلك لأمرين هما:

أولاً: إن عالم الطبيعة ـ عالم التغير والتجديد والحركة ـ يحتوي حتماً على قوانين ثابتة. وهذا ما لا يمكن لأي منطق إنكاره، إلاّ إذا أنكر نفسه لأن المنطق لا يمكن أن يكون منطقاً إلاّ إذا أقام طريقتهُ في التفكير وفهم العالم على قوانين ثابتة، وحتى الديالكتيك نفسه يعتبر أن هناك عدة قوانين تسيطر وتتحكم بالطبيعة ومنها قانون الحركة الذي يؤمن به وبشموليته وعليه فإن عالم الطبيعة سواءً صح عليه المنطق البشري العام أم منطق الديالكتيك الذي تتبناه الماركسية فإنه توجد فيه عدة قوانين ثابتة تعكس حقائق ثابتة، والديالكتيكيون إزاء هذا الاعتراض بين أمرين: (أولهما) إما أن يعتبروا قانون الحركة ثابتاً دائماً وبذلك توجد حقيقة دائمة و (ثانيهما) أن

(85)

يكون نفس قانون الحركة قانوناً متغيراً ومعنى هذا أن الحركة ليست دائمة وأنها قد تتبدل إلى ثبات وتعود الحقائق ثابتة بعد أن كانت متحركة، ومن كلا الحالتين يكون الديالكتيك مرغماً على الاعتراف بوجود حقيقة ثابتة[1].

ثانياً: إن الفكر أو الإدراك أو الحقيقة لا تعكس الخصائص الواقعية للطبيعة فالذهن البشري يدرك من الأشياء الموضوعية مفاهيمها وماهياتها، والمفهوم والماهية الذي ينعكس في الذهن عن تلك الأشياء الخارجية يختلف عن الواقع الخارجي في الوجود والخصائص فعلى سبيل المثال العِالم البايلوجي يمكنه أن يكون فكرة علمية دقيقة عن الميكروب وتركيبه ونشاطه الخاص وتفاعلاته مع جسم الإنسان ولكن الفكرة مهما كانت دقيقة ومفصلة لا توجد فيها خواص الميكروب الخارجي ولا يمكنها أن تؤدي نفس الدور الذي يؤديه واقعها الموضوعي، ومن هذا يتضح أن قوانين الواقع الموضوعي وخواصه لا توجد في الفكرة ذاتها ومن تلك القوانين والخواص الحركة فهي وإن كانت من قوانين الطبيعة والمادة الثابتة ولكن الفكرة أو الحقيقة في ذهننا التي تعكس الطبيعة لا توجد فيها تلك الخاصية فلا يجب في الفكرة الصحيحة أن تعكس الواقع الموضوعي بخصائصه وألون نشاطه المختلفة وإلاّ لم نكن نملك فكرة حقيقية في جميع أفكارنا[2].

هذا بالنسبة للماركسية أما الميتافزيقية التي يؤمن بها الناقد فإنها وكما يقوله (ومع إيمانها بأن الطبيعة هي عالم الحركة والتطور الدائم تختلف عن الديالكتيك وترفض عموم قانون الحركة للمفاهيم الذهنية لأنها لا يمكن أن تتوفر فيها جميع خصائص الواقع الموضوعي وليس معنى هذا أن الميتافزيقيين إذا كونوا مفهوماً عن الطبيعة في مرحلة من مراحلها جمدوا أفكارهم وأوقفوا بحوثهم واعتبروا ذلك المفهوم

(86)

كافياً لاستكناة أسرار الطبيعة في شتّى مراحلها)[1]. كذلك يقول بهذا الصدد (فنحن إذن نؤمن بتطور الطبيعة ونرى من الضروري دراستها في كل دور من أدوار نموها وحركتها وتكوين مفهوم عنها. وليس هذا من مختصات الديالكتيك. وإنما الذي يرفضه التفكير الميتافزيقي. هو وجود حركة ديناميكية طبيعية في كل مفهوم ذهني)[2].

ومن هذا نخلص بالقول أن نقد السيد الصدر للماركسية جاء على نحوين وهما:

أولاً: نقد القاعدة الفكرية التي استندت إليها الماركسية في رؤيتها لمسألة الإدراك وهي كما أوضحنا (الرؤية المادية) ولقد وجه نقداً لهذه القاعدة أو الرؤية كما رأينا أنفاً.

ثانياً: النقد المباشر للنظرية الماركسية في مسألة الإدراك والتي كانت مبنية على مسألتين وهما:

1 ـ مادية الإدراك.

2 ـ نظرية التطور.

ولقد ناقش الناقد هاتين المسألتين مفصلاً نقده للرؤية المادية أولاً ونقده للمادية التاريخية التي أكدت مسألة التطور وأن الأفكار هي نتاج لتطور الحالة الاجتماعية وتأثيرات البيئة.

لقد آمن السيد الصدر بأن الإدراك يقوم على أصل مجرد وهو النفس التي هي المكون الثاني للإنسان زيادة على عوامل مادية يمكن أن نسميها مقدمات الإدراك أو العوامل الثانوية للإدراك وهي الحواس والعوامل البايلوجية والبيئية والتي لا تستطيع أن تتم عملية الإدراك إلاّ بوجود النفس أو الأصل المجرد وهذا ما أشار إليه الناقد وما أوضحناه في حنايا نقده للرؤية المادية للإدراك.

(87)

المبحث الثاني

مصدر المعرفة البشرية

 

عادةً ما يُقسم موضوع (مصدر المعرفة) على قسمين (التصور) و(التصديق) أي (مصدر التصورات) و(مصدر التصديقات)، ويُعرف التصور وهذا ما أشرنا إليه سابقاً (بأنه الإدراك الساذج) والتصديق (بأنه الإدراك المنطوي على حكم)، ولقد تطرقنا في المبحث الأول من هذا الفصل إلى موضوع الإدراك البشري، ورأينا كيف أن السيد الصدر قد رفض الرؤية المادية للإدراك ونقدها وقد تبنتهُ المدرسة الماركسية مستعينة بنظريات علم النفس.

وفي هذا الموضوع نجد أن السيد الصدر حاول تسليط الضوء في مؤلفاته الفلسفية على مسألة التصور والتصديق ولقد تطرق للتصديق في كلا مؤلفيه (فلسفتنا) و(الأسس المنطقة للاستقراء) أما التصور فلقد تطرق إليه فقط في مؤلفه (فلسفتنا) وهذا يدل على ما يبدو لنا على أهمية موضوع التصديق لا عند السيد الصدر فحسب بل بشكل عام ضمن موضوعات (نظرية المعرفة).

أولاً: (مصدر التصور)

يعرض لنا الناقد ضمن هذه المفردة عدة نظريات أرجعت مصدر التصور إلى مبادئ تختلف الواحدة عنها عن الأخرى، ولم يكتفِ بعرض هذه النظريات بل نراه ناقداً لهذه النظريات، ونحن لا يهمنا التعرف على طبيعة النقد لهذه النظريات إلاّ بالقدر الذي يخص مجال البحث.

(88)

يعرض وينقد السيد الصدر كما قلنا أكثر من نظرية في هذا المجال وهي[1]:

1 ـ نظرية الاستذكار الأفلاطونية: أي نسبةً إلى أفلاطون.

2 ـ النظرية العقلية: وهي نظرية كُلاً من (ديكارت وكانط).

3 ـ النظرية الحسيّة: وهي نظرية (جون لوك)، وقد تبناها كُلاًّ من جورج باركلي وديفيد هيوم.

4 ـ نظرية الانتزاع: وهي نظرية الفلاسفة الإسلاميين ـ وهي النظرية التي تبناها الناقد.

والذي يهمنا في نقده لهذه النظريات هو نقدهُ للنظرية الحسيّة التي تبنتها الماركسية والتي أكدت أن الإحساس هو المصدر الوحيد للذهن البشري للتصورات والمعاني والقوة الذهنية هي القوة العاكسة للإحساسات المختلفة في الذهن[2].

فالعقل أو القوة الذهنية كما يسميها الناقد ليس لها دور إلاّ ثانوي في عملية تكوين المفاهيم التصورية وعمل الذهن تابع لعمل الحس وليس له أي دخل في هذه العملية. وعلى هذا الأساس نراه يقول ناقداً لهذه النظرية «ويمكننا أن نوضح فشل النظرية الحسية في محاوله إرجاع جميع مفاهيم التصور البشري إلى الحس على ضوء دراسة عدة من مفاهيم الذهن البشري كالمفاهيم التالية: العلة والمعلول، الجوهر والعرض، الإمكان والوجوب، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم وما إلى ذلك

(89)

من مفاهيم وتصورات»[1]. فهذه المفاهيم جميعاً ليست مفاهيم مستمدة من الحس بل هي مفاهيم عقلية استطاع العقل أن يستخلصها ويستنتجها من خلال آليات ذهنية معينة، تكون التصورات الأولية المستمدة من الحس وفقاً لنظرية الانتزاع التي يتبناها الناقد القاعدة أو المقدمة في انتزاع تصورات ثانوية والتي من ضمنها بل من أهمها مفهوم (العلية)[2].

فالحس كما يودهُ الناقد لا يستطيع أن يدرك العلاقة القائمة بين العلة والمعلول بل يدرك الحس ذات العلة وذات المعلول (فنحن جميعاً نعلم أن الحس أينما يقع على ذات العلة وذات المعلول فندرك ببصرنا سقوط القلم على الأرض إذا سُحبت من تحته المنضدة التي وضع عليها وندرك باللمس حرارة الماء حين يوضع على النار وكذلك ندرك تمدد الفلزات في جو حار ففي هذه الأمثلة نحس بظاهرتين متعاقبتين ولا نحس بصلة خاصة بينهما)[3].

وعلى هذا النحو نخلص بالقول أن الناقد ركز في نقده للنظرية الحسية بشكلٍ عام وللنظرية الماركسية بشكلٍ خاص على أن الحس لا يمكن أن يكون هو المصدر الوحيد لكل تصوراتنا بل هناك مصدر آخر غيره وهو العقل لأننا نجد أن الذهن الإنساني يحتوي على عدة من مفاهيم حسيّة وغير حسيّة فإذا كانت المفاهيم والتصورات الحسية مصدرها الحس فما هو مصدر التصورات غير الحسيّة؟ وكان الجواب على هذا السؤال وفقاً للنظرية الحسيّة والماركسية أن مصدرها هو الحس أيضاً مع خلاقية الذهن أو العقل لها، أما الناقد الذي رفض هذه النظرية وتبنى نظرية الانتزاع التي أشرنا إليها فإنهُ وإن آمن بالحس وأهمية الحس في تكوين الكثير من التصورات إلاّ أنه جعل للذهن استقلالية في تكوين مفاهيم أخرى لا تقلُ أهمية عن التصورات

(90)

والمفاهيم الحسيّة وهذه التصورات أو المفاهيم ما أسماها متفقاً مع المذهب العقلي ضمن موضوع (التصديق) بالمعارف الضرورية أو البديهية. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن نقطة الاختلاف الثانية بين نظرية الانتزاع والنظرية الحسيّة هو أن النظرية الحسيّة لم تؤمن بخلاقية الذهن للمعاني غير المحسومة.

أي كلّ معنى غير محسوس لا يستطيع الذهن أن يخلق منه تصوراً آخر. أما نظرية الانتزاع فإنها آمنت بخلاف ذلك وهذا ما يوضحهُ هذا النص للناقد الذي يُشير فيه إلى نقطة الخلاف هذه «فالحقيقة التي لا مجال لإنكارها هي أننا نتصور مفهوم العلية سواء أحدقنا بها أم لا. وليس تصور العلية تصوراً مركباً من تصور الشيئين المتعاقبين، فنحن حين نتصور علية درجة معينة من الحرارة للغليان لا نعني بهذه العلية تركيباً اصطناعياً بين فكرتي الحرارة والغليان بل فكرة ثالثة تقوم بينهما. فمن أين جاءت هذه الفكرة التي لم تدرك بالحس إذا لم يكن للذهن خلاقية لمعانٍ غير محسوسة؟ ونواجه نفس المشكلة في المفاهيم الأخرى التي عرضناها آنفاً، فهي جميعاً ليست من المعاني المحسوسة فيجب طرح التفسير الحسيّ الخالص للتصور البشري والأخذ بنظرية الانتزاع»[1].

ثانياً: مصدر التصديق[2]

يذكر الناقد ضمن هذا الموضوع اتجاهين مختلفين تماماً وهما (المذهب العقلي) الذي تبناه الناقد و(المذهب التجريبي) الذي يوجه له نقداً واسعاً ولقد تبنت الماركسية الاتجاه الثاني كذلك بعض المدارس المادية.

ويتلخص المذهب العقلي الذي يتبنى الناقد مسائله بما يأتي[3]:

(91)

1 ـ إن المعرفة البشرية تبدأ من بديهيات أولية تعتبر حجر الزاوية أو القاعدة لكل معرفة بشرية، ذلك لأن المذهب العقلي يقسم المعارف البشرية إلى معارف أولية ضرورية أو بديهية مثل (مبدأ الذاتية) و(استحالة اجتماع النقطتين) و(مبدأ العلية)، ومعارف نظرية تتوقف على تلك المعارف الأولية أي أنها تستنتج من تلك المعارف الأولية.

2 ـ السير الفكري الحقيقي للعقل البشري يتدرج من الكليات إلى الجزيئات.

3 ـ إن كل معرفة لا تعتمد السير الفكري المتقدم لا تتسم نتائجها بالكلية وبالإطلاق.

وعلى العكس من المذهب العقلي يقف المذهب التجريبي الذي يمكن تلخيص مسائلهُ وأفكاره كما يأتي:

1 ـ يؤمن المذهب التجريبي بأن التجربة والخبرة هي المصدر الوحيد للمعرفة البشرية.

2 ـ ينكر وجود أي معرفة قبلية لدى الإنسان مستقلة عن التجربة والخبرة، وهو بذلك يحدد الفكر البشري بميدان التجربة ولا يتعداه وبذلك يصبح عدم جدوى البحث الميتافزيقي.

3 ـ السير الفكري للذهن البشري يسير من الخاص إلى العام على العكس من المذهب العقلي[1].

لقد تبنت الفلسفة الماركسية المذهب التجريبي، ولقد أشار الناقد لذلك في مؤلفه

(92)

فلسفتنا بقوله «وفي هذه المسألة ـ أي مسألة مصدر التصديق ـ عدة مذاهب فلسفية نتناول بالدرس منها المذهب العقلي والمذهب التجريبي، فالأول هو المذهب الذي ترتكز علية الفلسفة الإسلامية وطريقة التفكير الإسلامي بصورة عامة، والثاني هو الرأي السائد في عدة مدارس للمادية ومنها المدرسة الماركسية»[1].

إن النقد الذي وجه للماركسية نستطيع أن نلحظه على مستويين:

1 ـ المستوى الأول:

نقد المذهب التجريبي في هذه المسألة ـ أي مصدر التصديق ـ لأن كما أشار النص المتقدم ـ الماركسية قد تبنت هذا المذهب، فأي نقد يوجه للمذهب التجريبي فإنه يوجه للماركسية بالضرورة.

ولقد وجه السيد الصدر نقداً واسعاً للمذهب التجريبي يمكن تحديده بالنقاط الآتية:

1 ـ يحاول الناقد أن يأتي إلى القاعدة الفكرية الأساسية في المذهب التجريبي لينقدها فإذا انهارت القاعدة انهار كل البنيان الفلسفي والعلمي الذي بُني عليها. وقاعدة المذهب التجريبي الأساسية هي (التجربة هي المقياس الأساسي لتميز الحقيقة). ويتساءل الناقد (هل هي ـ أي القاعدة ـ معرفة أولية حصل عليها الإنسان من دون تجربة سابقة؟ أو أنها بدورها أيضاً كسائر المعارف البشرية ليست فطرية ولا ضرورية؟ فإذا كانت معرفة أولية سابقة على التجربة بطل المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالمعارف الأولية وثبت وجود معلومات إنسانية ضرورية بصورة مستقلة عن التجربة، وإذا كانت هذه المعرفة محتاجة إلى تجربة سابقة فمعنى ذلك إنا لا ندرك في بداية الأمر أن التجربة مقياس منطقي مضمون الصدق فكيف يمكن البرهنة على صحته واعتباره مقياساً بتجربة ما دامت غير

(93)

مضمونة الصدق بعد؟ وبكلمة أخرى إن القاعدة المذكورة التي هي ركيزة المذهب التجريبي إن كانت خطأً سقط المذهب التجريبي بانهيار قاعدته الرئيسية وإن كانت صواباً صح لنا أن نتساءل عن السبب الذي جعل التجريبيين يؤمنون بصواب هذه القاعدة، فإذا كانوا قد تأكدوا من صوابها بلا تجربة فهذا يعني أنها قضية بديهية وأن الإنسان يملك حقائق وراء التجربة وإن كانوا قد تأكدوا من صوابها بتجربة سابقة فهو أمر مستحيل لأن التجربة لا تؤكد قيمة نفسها)[1].

2 ـ يحاول الناقد بخطوة ثانية بعدما حاول نقد القاعدة أن يتماشى مع المذهب التجريبي، مؤكداً أنه حتى لو سلمنا مع التجريبين بصحة مذهبهم فإنه يبقى عاجزاً عن إدراك حقيقة وجوهر الأشياء حتى أوضح الأشياء بنظرهم أي المادة التي يستطيع الحس أن يدرك ظواهرها ويتفاعل معها فنراه يقول في هذا الصدد: «إن المفهوم الفلسفي الذي يرتكز على المذهب التجريبي يعجز عن إثبات المادة، لأن المادة لا يمكن الكشف عنها بالتجربة الخاصة بل كل ما يبدو للحس في المجالات التجريبية إنما هو ظواهر المادة وإعراضها وأما نفس المادة بالذات ـ الجوهر المادي الذي تعرضه تلك الظواهر والصفات ـ فهي لا تدرك بالحس، فالوردة التي نراها على الشجرة أو نلمسها بيدنا إنما نحس في جميع تلك الأحوال بالجوهر الذي تلتقي جميع هذه الظواهر عنده وإنما ندرك هذا الجوهر ببرهان عقلي مرتكزاً على المعارف العقلية الأولية»[2]. إن هذا النص فضلاً عن أنهُ نصاً نقدياً حاول فيه الناقد تبيان عجز المذهب التجريبي عن إدراك حقيقة المادة لأنه وكما هو واضح من النص أن الحس لا يستطيع أن يدرك جوهر الشيء وحقيقته الذي هو شي وراء ظواهر المادة، فإن النص يُشير إشارة واضحة على أن جوهر المادة لا يمكن أن يدرك إلاّ ببرهان عقلي مرتكز على

(94)

معارف عقلية أولية وهذا غير متوفر في المذهب التجريبي بل إن المذهب التجريبي يرفض رفضاً قاطعاً وجود معارف أولية ومن ثمة فإنه يرفض بطبيعة الحال البرهان العقلي الذي تأسيساً على المذهب العقلي لا يكون إلاّ بالاعتماد على المعارف الأولية التي هي قضايا ضرورية وبديهية وهذا ما أشرنا إليه في كلامنا عن المذهب العقلي الذي يؤمن الناقد بمسائلة.

كذلك نرى الناقد يلتزم بموضوعية الطرح والتميز فنراه بعد إيراد هذا النص النقدي للمذهب التجريبي يؤكد أن هذا النقد أو الاعتراض هو على من يؤمن بوجود جوهر مادي أما الذي لا يؤمن بوجود الجوهر المادي في الطبيعة لا صلة له بهذا النقد أو الاعتراض[1]. وهذه إشارة واضحة إلى المذهب الواقعي الذي يؤمن بوجود جوهر مادي في الطبيعة ومن ضمن هذا المذهب الواقعي الماركسية التي سوف نشير إلى آرائها في هذه المسألة لاحقاً.

2 ـ المستوى الثاني

وفي هذا المستوى نجد نقدُ للماركسية بصورة واضحة يبدأهُ الناقد بالتميز بين رؤيتين مختلفتين في المذهب التجريبي حول المعرفة وهما:

1 ـ رؤية أو رأي يؤكد أن المعرفة البشرية تتوفر بأجمعها بمرحلة الإحساس والتجارب البسيطة.

2 ـ رؤية أو رأي يؤكد أن المعرفة البشرية تمر بمرحلتين هما (الخطوة الحسيّة والخطوة العقلية) أو مرحلة التطبيق والنظرية أو مرحلة التجربة ومرحلة المفهوم والاستنتاج، ولقد تبنت الماركسية الرأي الثاني والذي خشيت أن يقذف بها بساحة المذهب العقلي[2]، الذي يؤمن بالحس والتجربة كخطوة أولى في المعرفة وبالعقل

(95)

والمبادئ الأولية العقلية التي يتم من خلالها استنتاج المفاهيم والمعارف النظرية بعمليات عقلية تكون الإدراكات والصور الحسيّة مادتها الخام.

وينقل لنا الناقد نصوصاً لشخصيات ماركسية أكدت ما أرادتهُ في مسألة المعرفة لا على أساس ما يذهب إليه المذهب العقلي بل على أساس أنهُ لا انفصال لمعرفة عن التجربة أي لا توجد معرفة منفصلة عن التجربة بل التجربة هي المقياس الأول والأخير لجميع معارف الإنسان فلا وجود للعقل ولا لمسائل ومبادئ ضرورية أولية منفصلة عن التجربة.

من بين هذه النصوص نصٌ لماوتسي تونغ يقول فيه «إن نظرية المعرفة في المادية الديالكتيكية تضع التطبيق في المقام الأول فهي ترى أن اكتساب الناس للمعرفة يجب أن لا يفصل بأية درجة كانت عن التطبيق وتشن نضالاً ضدّ كلّ النظريات الخاطئة التي تنكر أهمية التطبيق أو تسمح بانفصال المعرفة عن التطبيق»[1]. وبعد أن ينتهي الناقد من إيراد هذه النصوص الماركسية التي تؤكد كما أشرنا حسيّة المعرفة وتجربتها يحاول أن يركز نقده على الأطر العامة لرأي الماركسية في هذا الشأن.

ويمكن أن نجمل نقده بعدة نقاط:

1 ـ إن الحس أو التجربة لا يستطيع أن يدرك جوهر الأشياء أي أن الحس يدرك الظواهر ولا يستطيع أن يكون مفهوماً عنها بمعزل عن العقل وقوانينه[2]. وهذا ما أشرنا إليه في نقده للمذهب التجريبي الذي قلنا إنهُ نقداً غير مباشر للماركسية، وهنا يلجأ الناقد للتكرار لا أنه قد أعيتهُ الحجج النقدية فلجأ إلى التكرار، بل يمكن القول إن هذه النقطة هي نقطة جوهرية في نقد الماركسية بصورة خاصة والمذهب التجريبي بصورة عامة ذلك بأن أن الحسّ أو التجربة مع أهميتها: هذا ما لا ينفيه

(96)

الناقد أو أي أحد فإنه يبقى عاجزاً عن إدراك حقائق الأشياء فلهذا لا يمكن التعويل عليه بأي صورة من الصور بمعزل عن العقل.

2 ـ إن الاعتماد على الحسّ في تكوين المفهوم بمعزل عن العقل يمكن أن يوصل المعرفة إلى النسبية ـ أي تكون المعرفة نسبية لأنه كما يؤكده الناقد قد يشترك أفراد عديدون في الإدراكات الحسيّة نفسها لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا مفهوماً واحداً مشتركاً عن جوهر الشيء وقوانينه الواقعية[1].

3 ـ إن الماركسية لم توضع على أقل التقدير ـ كما يؤكدهُ هو ـ على كيفية الانتقال من الخطوة الأولى التي هي (الإدراكات الحسيّة) إلى الخطوة الثانية التي هي التطبيق أو المفهوم[2].

هذه أبرز النقاط في نقده للماركسية أراد من خلالها أن يوضح لنا عدم قدرة الماركسية باعتمادها الوحيد على التجربة لتتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وقوانينها الواقعية هذا من جانب ومن جانب آخر حاول أن يبرز المذهب العقلي ـ الذي يؤمن به ـ بأن له القدرة على معرفة حقائق الأشياء وإدراك قوانينها الواقعية. فلهذا نراه في حنايا نقده للماركسية وبعد أن ينتهي من النقد يُعرج على المذهب العقلي ويشير له إشارة واضحة فنراه على سبيل المثال ينهي نقده وخصوصاً للمسألة الثالثة التي أشرنا إليها بقوله «ونخلص من ذلك إلى أن التفسير الوحيد للخطوة الثانية من المعرفة ـ الحكم والاستنتاج ـ هو ما ارتكز عليه المذهب العقلي من القول بأن عدة من قوانين العالم العامة يعرفها الإنسان معرفة مستقلة عن التجربة كمبدأ عدم التناقض، ومبدأ العلية، ومبدأ التناسب بين العلة والمعلول وما إلى ذلك من مبادئ عامة»[3].

(97)

ثالثاً: المعرفة واليقين

لقد حددنا النقاط الأساسية للمذهب التجريبي[1]، ولقد ناقش الناقد كلاًّ من النقطتين الأولى والثانية وإن بقيت بعض المسائل فيهما سوف يناقشها في مسألة (حدود المعرفة)، أما النقطة الثالثة وهي: (أن السير الفكري يسير من الخاص إلى العام)، على عكس المذهب العقلي من العام إلى الخاص أي بعبارة أدق أن المذهب التجريبي يعتمد على المنطق الاستقرائي في الوصول إلى الحقائق أما المذهب العقلي فإنهُ يعتمد على القياس، ولقد وضح السيد الصدر هذه المسائل تفصيلاً في مؤلفة القيم (الأسس المنطقية للاستقراء) الذي نحن لسنا بصدد توضيح وشرح هذه المسائل إلا بقدر ما تتعلق بموضوع البحث.

كذلك من نقاط الاختلاف بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي ما يترتب على القياس والاستقراء فلقد آمن المذهب العقلي بيقينة مسائل العلوم الطبيعية والمسائل الرياضية راداً هذا الإيمان للبديهيات العقلية التي تشكّل حجر الأساس للمذهب العقلي، أما المذهب التجريبي وعلى ضوء إيمانه بالتجربة والاستقراء فإننا نراه على العكس من ذلك وهذا ما أشار إليه الناقد في مؤلفه الأسس المنطقية للاستقراء إذ نراه يعقد مقارنة بين كلا المذهبين وموقفهما من مسائل العلوم الطبيعية وكذلك المسائل الرياضية وبعد أن يعرض وينقد معالجة المذهب التجريبي لهذه المسائل يعرج إلى مدرسة الوضعية المنطقية التي حاولت أن تطرح رؤية تجريبية جديدة لهذه المسائل.

يقول الناقد في هذا الصدد: «إن قضايا العلوم الطبيعية تحظى لدى العقليين بدرجة من التصديق عالية تبلغ في بعض الأحيان إلى اليقين، بينما ينكر التجريبيون اليقين بالقضية العلمية القائمة على أساس الاستقراء لأنها تحتوي تصميماً يتجاوز

(98)

نطاق الخبرة الحسيّة المباشرة ولكنهم على الأغلب يؤمنون بأنها تحظى بدرجة احتمالية عالية من التصديق على أساس الشواهد الاستقرائية والتجارب الناجمة التي تؤيد التعميم»[1].

أما فيما يخص القضايا الرياضية والمنطقية فالموقف يختلف «وأما قضايا الرياضة والمنطق فقد كانت باستمرار تضع المذهب التجريبي أمام مشكلة وهي تفسير اليقين المعترف به عادة للقضايا الرياضية والمنطقية وتبرير الفرق بينها وبين قضايا المعرفة في العلوم الطبيعية. فإن الرأي السائد أن القضية المنطقية والرياضية تتمتع باليقين فإذا كانت المعرفة كلها تقوم على أساس التجربة والاستقراء فهذا يعني أن القضية الرياضية (2+2=4) أو (أن الخط المستقيم أقصر مسافة بين نقطتين)، استقرائية، وإذا كانت استقرائية فسوف تصبح على مستوى قضايا العلوم الطبيعية ويزول أي فرق بين قضايا المنطق والرياضة وقضايا العلوم الطبيعية»[2].

إن المذهب التجريبي وفقاً لرأيه هذا يصل إلى نتيجة لا تتلاءم ومقياسه الحسيّ في المعرفة ولا يستطيع الاستقراء أن يجعل المعرفة يقينية فهو ـ أي المذهب التجريبي ـ يجد نفسه باختيارات صعبة تجعله أمام مشكلة حقيقية ولقد أشار الناقد لذلك مبيناً أن جميع الخيارات ستوصلهُ إلى طريق مسدود «ومن أجل ذلك يجد المذهب التجريبي نفسهُ مضطراً إلى اختيار أحد الموقفين التاليين. فإما أن يحتفظ لقضايا المنطق والرياضة بامتيازها الخاص على قضايا العلوم الطبيعية، وإما أن يسلم بعدم وجود أي امتياز بينهما وكلا الموقفين محرج بالنسبة إلى المذهب التجريبي، أما الموقف الأول فلانة لا يمكنه أن يحتفظ لقضايا المنطق والرياضة بامتيازها الخاص ويقينها الذي تتميز به عن قضايا العلوم الطبيعية ما لم يسلم بأنها ليست استقرائية

(99)

ويعترف بأنها قضايا عقلية قبلية، وأما الموقف الثاني فالمشكلة فيه تبدأ من إدراك الفرق بين قضايا الرياضة والمنطق وقضايا العلوم الطبيعية بصورة لا تسمح باتخاذ هذا الموقف»[1].

ويحاول الناقد أن يوضح لنا الفروق بين قضايا المنطق والرياضة وقضايا العلوم الطبيعية مشيراً بهذا التوضيح إلى عدم إمكانية المذهب التجريبي اتّخاذ الموقف الصحيح من هذه القضايا وذلك لأنه قد جعل الخبرة والحس المصدر الوحيد للمعرفة.

إن هذه الفروق يمكن اختصارها بالشكل الآتي[2]:

1 ـ إن قضايا الرياضة والمنطق يقنية لا تقبل الشك عكس قضايا العلوم الطبيعية.

2 ـ إن تكرار الأمثلة والشواهد لا أثر له في القضايا الرياضية في حين يلعب دوراً ايجابياً في القضايا الطبيعية.

3 ـ لا يمكن أن تتجاوز قضايا العلوم الطبيعية وإن كانت تحتوي على تعميم نطاق العالم الخارجي التي وقعت فيه التجربة أي بعبارة أدق لا يمكن أن تعمم هذه القضايا خارج عالم التجربة الذي أجريت فيه.

ولم يستطيع كما قلنا المذهب التجريبي أن يفسر هذه الفروق ولهذا اضطر كما يؤكدهُ الناقد لمدة من الزمن أن يتخذ موقفاً يعلن فيه المساواة بين قضايا الرياضة والمنطق وقضايا العلوم وينزل بقضايا الرياضة والمنطق عن درجة اليقين ويجعلها قضايا احتمالية مثلها مثل قضايا العلوم. وهذا بطبيعة الحال يؤكد فشل هذا المذهب في تفسير المعرفة على عكس المذهب العقلي الذي استطاع التميز بين قضايا المنطق والرياضة وقضايا العلوم لأنه يؤمن بمعارف قبلية سابقة على التجربة

(100)

يستطيع من خلالها أن يفسر الفرق بين هذه القضايا[1].

لقد بقي المذهب التجريبي يعاني من هذه المشكلة إلى أن حاول المناطقة الوضعيون المحدثون أن يعالجوا هذا النقص بمحاولة منهم بالتفريق بين هذه القضايا.

إن محاولة المناطقة الوضعيون المحدثون جاءت لتميز بين قضايا الرياضة التي هي على قسمين:

1 ـ قضايا الرياضة البحتة التي لا تتصل بالخبرة الحسيّة مثل (1+1=2) وهذه قضايا جميعها تتمتع بالضرورة واليقين لأنها قضايا تكرارية لا تخبرنا عن شيء إطلاقاً، والقضية التكرارية هي التي يتكرر عناصر الموضوع فيها بعضها أو كلها فلا تضيف لنا شيئاً جديداً سوى إبراز تلك العناصر مثل (الأعزب ليس له زوجة)[2].

2 ـ قضايا الرياضة التطبيقية كمبادئ الهندسة الإقليمية وهي مثلاً (أن الخطين المستقيمين يتقطعان في نقطه واحدة فقط) وهذه القضايا كما يؤكدون هي قضايا إخبارية، والقضية الإخبارية ـ هي التي تلحقنا بعلم جديد وتصف الموضوع بوصف لم يكن مستبطناً في الموضوع نفسه)[3].

وعلى هذا الأساس فإن الوضعية المنطقية آمنت بيقينية القضايا المنطقية والرياضية على أساس أن هذه القضايا هي قضايا تكرارية فلا تضيف لمعرفتنا شيئاً جديداً.

ولقد حاول السيد الصدر نقد هذه المسائل التي طرحتها الوضعية المنطقية في تبرير يقينية المسائل المنطقية والرياضية الذي آمن بيقينها الناقد، لكن لا على أساس

(101)

ما تذهب إليه الوضعية المنطقية، بل على أساس إيمانهُ بالمذهب العقلي، فهو على هذا الأساس يختلف مع الوضعية المنطقية على أساس الطريقة أو الآلية التي جاءت بها هذه الفلسفة لتدعيم أو تبرير يقينية المسائل المنطقية والرياضية لا على أساس الإيمان بيقينة هذه القضايا أو عدم الإيمان بها فكلاهما يؤمن بيقينة هذه القضايا لكن الطريقة تختلف ولهذا نجد أن نقده انصب على إبراز خطأ الطريقة التي استعملتها الوضعية المنطقية في تبرير ذلك فنراه يقول في هذا الصدد: «إذا افترضنا أن قضايا الرياضة البحتة تكرارية كلها، فهل يكفي القول بذلك لحلّ المشكلة وتفسير الفرق بين القضية الرياضية وقضايا العلوم على أساس المنطق التجريبي؟ ونجيب على ذلك بالنفي: لأن حقنا أن نطالب المنطق التجريبي بتفسير الضرورة واليقين في القضايا التكرارية»[1].

ويضرب لنا السيد الصدر مثالاً لتوضيح قوله (ولنأخذ القضية التكرارية النموذجية القائلة أن (أ) هي (أ) فإن مرد اليقين بهذه القضية إلى الإيمان بمبدأ عدم التناقض وهو المبدأ القائل «أن النفي والإثبات يستحل اجتماعهما»، لأننا لو لم نؤمن بهذا لكان من الممكن أن لا تكون (أ) هي (أ) وإنما كانت (أ) هي (أ) على استحالة اجتماع النقيضين في وقت واحد)[2]. أي أن القول بيقينة القضية الرياضية لا يرجع إلى أنها قضية تكرارية، بل يرجع على أساس إيماننا بقانون عدم التناقض.

ويطرح الناقد سؤالاً يحاول أن يستفهم عن إجابته من الوضعية المنطقية مؤداه أنهُ إذا كان يقين القضية الرياضية راجعاً إلى مبدأ عدم التناقض فأنتم مطالبون بتبرير يقين هذا المبدأ؟

ويجيب هو نفسه على هذا السؤال وفقاً لرأي الوضعية المنطقية، أنهُ لا يمكن أن يكون هذا المبدأ قضية تكرارية فلا يمكن أن يكون الاستحالة متضمنة في اجتماع

(102)

النقيضين، فلا بدّ من أن يكون هذا المبدأ إخبارياً وإذا كان إخبارياً فسوف تعود المشكلة من جديد لأنه مطالب بتفسير الضرورة واليقين في هذه القضية الإخبارية فإن قال: إنها مستمدة من التجربة فسوف يصبح عاجزاً عن بيان الفرق بين هذه القضية وقضايا العلوم الطبيعية، وإن قال بأن مبدأ عدم التناقض يعبر عن معرفة عقلية فسوف يهدم قاعدته الرئيسة بنفسه[1].

لقد ركز السيد الصدر في نقده للوضعية المنطقية حسب ما نرى على القاعدة الرئيسة التي يتبناها هذا الاتجاه الفلسفي ولكن تركيزه جاء بصورة غير مباشرة. فهو قد بدأ بنقده من أبسط القضايا التي آمنت بها الوضعية المنطقية صعوداً إلى القاعدة الرئيسة، أي بعبارة أدق أراد أن يؤكد أن القول بالتميز بين قضايا العلوم وقضايا الرياضة والمنطق والإيمان بيقينة القضايا الثانية على أساس تقسيمها على قضايا تكرارية وإخبارية لا يستطيع أن يقدم حلاً للمشكلة، بل إنه سوف يؤدي بالنتيجة إلى القول بمسائل ومبادئ غير تجريبية وهذا ما لا يتفق مع المذهب التجريبي.

هذا كلهُ من جانب ومن جانب آخر نجد الناقد يركز على مسألة جداً مهمة وهي إبراز أحقية اتجاه وصدقه وأفضليته على اتجاه آخر بحسب مقدرة أو عدم مقدرة أحدهما على اتخاذ المواقف والآليات الصحيحة التي تستطيع أن تقدم إجابة أو منهجاً يتطابق مع الحقيقة، وهذا ما وجدناه عند نهاية نقده للوضعية يقول: «وهكذا يتضح أن المذهب التجريبي يتوجب رفضه على أساس المقياس الذي وضعناه لتقييم المذهبين ـ لأنه عجز عن تفسير الحدّ الأدنى من التصديق المعترف به لقضايا المعرفة البشرية. وبذلك تثبت فرضية المذهب العقلي القائلة بوجود معارف عقلية قبلية»[2].

(103)

المبحث الثالث

حدود المعرفة

 

إن الاختلاف الذي رأيناه في المباحث السابقة بين المذهب التجريبي والمذهب العقلي لم يقتصر على المعرفة أو مصدر المعرفة أو بصورةٍ أوضح نظرية المعرفة، بل إنهُ يتسع ليشمل موضوعات أخرى فلسفية، بل يشمل كيان الفلسفة بشكلٍ عام وهذا حقيقة لدليل واضح على أهمية مبحث (نظرية المعرفة)، وهذا ما ألمحنا إليه سابقاً وما سوف نتعرف عليه لاحقاً بصورة واضحة.

إن المقياس الحسيّ التجريبي الذي وضعه المذهب التجريبي كان له نتائجهُ الخطيرة على الفلسفة بل على التفكير الإنساني بكل حقوله يجعل الإنسان يعيش بحيزٍ محدودٍ من الوجود ويؤثر على كل أفعاله وسلوكياته الإرادية، وهذا ما نراه حقيقة من طغيان الرؤية المادية على معظم المجتمعات البشرية.

لقد تبنت كلاًّ من الفلسفة الماركسية والوضعية المنطقية المقياس الحسيّ في المعرفة فحصرت المعرفة في نطاق الحس والتجربة ورفضتا كل ما يتجاوز حدود الحس ولهذا نرى أن هاتين المدرستين الفلسفيتين قد رفضت البحث الميتافيزيقي لأنه يتجاوز حدود الخبرة الحسيّة، بل نرى أكثر من ذلك عند الفلسفة الماركسية حيث حاولت أن تخضع البحث الفلسفي والميتافيزيقي لنتائج التجربة، وسوف نحاول في هذا المبحث أن نسلط الضوء على مجمل آرائهم في هذا الموضوع موضحين طبيعة النقد الذي وجههُ السيد الصدر لهم في حدود هذه المسألة.

(104)

أولاً: الفلسفة الماركسية

يمكن تلخيص الأفكار الماركسية كما يعرضها لنا السيد الصدر في مؤلفهِ فلسفتنا بما يتعلق ضمن هذه المسألة (حدود المعرفة) بما يأتي:

1 ـ اعتماد الفلسفة الماركسية على التجربة واعتبارها المقياس الوحيد للمعرفة.

2 ـ رفض كل معارف تتجاوز نطاق التجربة.

3 ـ ادعاء الفلسفة الماركسية بأنها فلسفة (علمية) تعتمد على نتائج العلم في الحكم على الأشياء.

4 ـ إن اعتمادها على العلم كما تؤكدهُ يؤدي بها إلى ربط كل النتاج الفلسفي بالعلم فأصبحت الفلسفة تابعة إلى العلم وبهذا فإنها رفضت كل مطلق فلسفي فوق العلم[1].

أما عن النقد الذي وجههُ الناقد لهذه المسائل التي عرضها على أنها تخص الفلسفة الماركسية ضمن نطاق أو حدود المعرفة البشرية فإننا نجد الناقد قد ركز نقده وبشكلٍ أساسي على ادعاء الماركسية بأنها فلسفة علمية وإنها تُخِضع جميع الأشياء للعلم وبطبيعة الحال على التجربة لأن العلم اعتمد بصورة كلية على التجربة والحس مؤكداً أن الماركسية ليس من حقها بوصفها فلسفة علمية كما تدعي أن تحكم بالسلب والإيجاب على ما يتجاوز نطاق العلم لأن ادعاءها بأنها فلسفة علمية لا يسمح لها بذلك. وهي بهذا قد أدخلت نفسها في تناقض كبير يخلطها بين نطاق العلم ونطاق ما يتجاوز العلم والتجربة «فليس من صلاحية

(105)

الفلسفة العلمية أن تتناول في البحث مسائل ما وراء الطبيعة وتحكم بشيء ايجابي أو سلبي لأن رصيدها العلمي لا يمدها في تلك المسائل بشيء فالقضية القائلة (للعالم مبدأ أول وراء الطبيعة) ليس من حق الفلسفة العلمية أن تتناولها بنفي أو إثبات لأن محتوها خارج عن مجال التجربة. وبالرغم من ذلك نرى أن الماركسية تتدخل في هذا اللون من القضايا وتجيب بالنفي الأمر الذي يجعلها تتمرد على حدود الفلسفة العلمية وتنساق إلى بحث ميتافيزيقي لأن النفي فيما يتصل بما وراء الطبيعة كالإثبات وكلاهما من الفلسفة الميتافيزيقية وبذلك يبدو التناقض بين الحدود التي يجب أن تقف عندها الماركسية في بحثها الفلسفي بوصفها صاحبة فلسفة علمية وبين انطلاقها في البحث إلى أوسع من ذلك»[1].

إن الحكم بالنفي على ما وراء الطبيعة كما يؤكده الناقد وكما هو واضح في النص المتقدم يدخل الماركسية في الفلسفة الميتافيزيقية وذلك لأن الحكم بالنفي أو الإثبات لا يرجع إلى العلم ونتائجه بقدر ما يرجع إلى البحث العقلي المجرد الذي ترفضهُ الماركسية باعتبارها تنتمي إلى المذهب التجريبي الذي لا يؤمن بالعقل ومبادئه.

ثانياً: الوضعية المنطقية

تتفق الوضعية المنطقية مع الفلسفة الماركسية برفضها كل شيء يتجاوز الخبرة الحسيّة والتجربة وخصوصاً الميتافيزيقا لأنها ـ كما هو ثابتَ تنتمي مع الماركسية إلى المذهب التجريبي الذي اعتمد بصورة رئيسة على التجربة للتأكد من صحة وجود الأشياء أو عدمها.

ويمكن تحديد الأفكار للوضعية المنطقية التي تخص هذه المسألة (حدود المعرفة) بالنقاط الآتية:

1 ـ تنحصر المعرفة في المعطيات الحسيّة فقط، نعم تعتقد أن المفاهيم الذهنية

(106)

والنظريات العلمية لا تنال بالحس لكنها عبارة عن خلاصة وعصارة للمعطيات الحسيّة والتجريبية يقول باربور «النظريات العلمية بقول الوضعية المنطقية ليست انعكاس العالم الخارجي، بل هي عملية تلخيص واختزال للمعطيات الحسيّة»[1].

2 ـ عدم الإيمان بالقضايا الميتافيزيقية، فهي قضايا فاقدة للمعنى لأنها ـ أي قضايا الميتافيزيقيا لا هي قضايا تحليلية (تكرارية) ولا هي قضايا تركيبية (إخبارية)[2].

3 ـ إن كلّ قضية فلسفية لا تخضع لمبدأ التحقيق فهي لا معنى لها ـ أي أن القضية لا تصبح كلاماً مفهوماً وقضية مكتملة في العرف المنطقي إلا إذا كانت صورة العالم تختلف في حال صدق القضية عن حالة كذبها[3].

ولقد طرح الناقد هذه النقاط بصيغة مختلفة، وحددها بأربع نقاط ناقشها بالتفصيل وهذه النقاط هي:[4]

1 ـ لا يمكن إثبات القضية الفلسفية لأنها تعالج موضوعات خارجة عن حدود التجربة والخبرة الإنسانية.

2 ـ ولا يمكن أن نصف الظروف التي إن صحت، كانت القضية صادقة وإلاّ فهي

(107)

كاذبة، إذ لا فرق في صورة الواقع بين أن تكذب القضية الفلسفية أو تصدق.

3 ـ وهي لذلك قضية لا معنى لها، إذ لا تخبر عن العالم شيئاً.

4 ـ وعلى هذا الأساس لا يصح أن توصف بصدق أو كذب.

ويبدأ الناقد بنقاش ونقد النقطة الأولى مؤكداً فيه أن هذا القول من الوضعية المنطقية هو نتيجة حتمية من الوضعية المنطقية في رفض كل قضية تعالج موضوعات خارج حدود التجربة الإنسانية وذلك تماشياً مع المذهب التجريبي الذي يرفض كل ما هو خارج نطاق التجربة، أما من يؤمن بالعقل وبوجود مبادئ فطرية في العقل الإنساني فهو خلاف ذلك.

وهنا يحاول الناقد تفنيد هذه النقطة بالرجوع إلى النظر في الفروقات بين المذهب التجريبي والمذهب العقلي وعدم قدرة التجربة أن تثبت ما هو خارج نطاقها[1].

أما النقطة الثانية فنراه يسأل سؤالاً استفهامياً عن القصد من وصف الظروف التي تحيط بالقضية وتجعلنا، إما أن نصفها بالصدق أو الكذب «وأما الصفة الثانية ـ وهي أنّا لا نستطيع أن نصف الظروف التي إن صحت كانت القضية صادقة وإلا هي كاذبة فلا تزال بحاجه إلى شيء من التوضيح، فما هي الظروف الواقعية أو المعطيات الحسيّة التي يرتبط صدق القضية بها، وهل تعتبر الوضعية من شرط القضية أن يكون مدلولها بالذات معطى حسيّاً كما في قولنا البرد يشتد في الشتاء والمطر يهطل في ذلك الفصل، أو تكتفي بأن يكون للقضية معطيات حسية ولو بصورة غير مباشرة»[2].

إن التساؤل الذي يطرحهُ الناقد له احتمالانِ وهو الذي يوضحهما، أما الوضعية المنطقية ووفقاً للنص المتقدم فلم توضح أحداهما، بل تركت الأمر مبهماً.

وعدم توضيح أحد الأمرين أو الإجابتين بالنسبة إلى الوضعية المنطقية جعل

(108)

الناقد يطرح هذين الاحتمالين وهما:

1 ـ الاحتمال الأول: أن يكون مدلول القضية معطاً حسيّاً مباشراً وظرفاً واقعياً يخضع للتجربة. وهذا الاحتمال ساقط ولا يصح كما يؤكدهُ الناقد، بل يقود الوضعية إلى إنكار قضايا لا فقط القضايا الفلسفية، بل حتى القضايا العلمية التي لا تعبر عن معطى حسيّ دائماً، وإنما تعبر عن قانون مستنتج من المعطيات الحسيّة كقانون الجاذبية (فنحن نحس بسقوط القلم على الطاولة إلى الأرض ولا نحس بجاذبية الأرض. فسقوط القلم معطي حسيّ مرتبط بالمضمون العلمي لقانون الجاذبية وليس للقانون عطاء حسي مباشر)[1].

2 ـ الاحتمال الثاني: أن يكون مدلول القضية معطاً حسيّاً غير مباشر. وهذا الاحتمال أيضاً مرفوض لأن القضية الفلسفية لها معطيات غير مباشرة مثلها مثل القضية العلمية ويضرب لنا الناقد مثال على ذلك بقوله «خذ إليك مثلاً القضية الفلسفية القائلة بوجود علة أولى للعالم فإن محتوى هذه القضية وإن لم يكن له عطاءً حسيّ مباشر غير أن الفيلسوف يمكنه أن يصل إليه عن طريق المعطات الحسيّة التي لا يمكن تفسيرها عقلياً إلاّ عن طريق العلة الأولى»[2].

إن هذين الاحتمالين لا يستطيعان تقديم تفسير صحيح لمسألة الظروف التي تحيط بالقضية التي بموجبها يمكن أن توصف بالصدق أو الكذب. أما الاحتمال الثالث والذي يمكن أن يعطي تفسيراً صحيحاً كما يؤكدهُ الناقد فإن الوضعية المنطقية لا تقبل به لأنه لا يتلاءم مع اتجاهها التجريبي، وهو أن استنتاج المضمون الفكري للقضية الفلسفية من المعطيات الحسيّة لا يقوم على أساس تجريبي وإنما على أساس عقلي. ويقول الناقد في ذلك: «وهناك شيء واحد يمكن أن تقوله الوضعية في هذا

(109)

المجال وهو أن استنتاج المضمون الفكري للقضية الفلسفية من المعطيات الحسيّة لا يقوم على أساس تجريبي وإنما يقوم على أسس عقلية بمعنى أن المعارف العقلية هي التي تحتم تفسير المعطيات الحسيّة بافتراض علة أولى إلاّ أن التجربة تبرهن على استحالة وجود هذه المعطيات بدون العلة الأولى وما لم تبرهن التجربة على ذلك لا يمكن أن تعتبر تلك المعطيات عطاءً للقضية الفلسفية ولو بصورة غير مباشرة»[1].

أما النقطة أو الصفة الثالثة للقضية الفلسفية بحسب وجهة نظر الوضعية المنطقية، التي تقول فيها فهي أن القضية الفلسفية قضية لا معنى لها فلا يصح أن نصفها بالصدق أو الكذب، فلقد ناقشها السيد الصدر نقاشاً مستوفياً عارضاً ثلاثة مواقف للوضعية المنطقية في ربط معنى القضية بالخبرة الحسيّة. وهذه المواقف هي:

1 ـ الموقف الأول: يقوم هذا الموقف على افتراض أن كل كلمة إذا لم يكن لها مدلول حسيّ فإنها ليست لها معنى ـ أي أن أي قضية لا يمكن التثبت من صحتها أو خطئها في حدود الخبرة فهي قضية بدون معنى[2].

(نقد الموقف الأول) يحاول الناقد في هذه المسألة أن يركز على مسألة جداً مهمة وهي ووفقاً لرأي الوضعية المنطقية في هذا أنه ستكون هناك عبارات لها معنى لأن مفرداتها مستمدة من الخبرة الحسيّة. أما لو قسناها مع الواقع الخارجي فإننا لا نجد لها أي معنى، ويوضح الناقد لنا هذا قائلاً: «فإذا افترضنا أن هذه القضايا الثلاث: (زيد له حياة)، (زيد غير خالد)، (هناك جسم) ذات معنى على أساس استمداد المفردات فيها تصوراتها من الخبرة الحسيّة، فسوف يكون للقضية (هناك حياة بغير جسم) معنى يتمثل في تصور مركب من التصورات المفردة فيها المستمدة من الخبرة

(110)

الحسيّة. بالرغم من أن التصور المركب نفسه ليس له مصداق في خبرتنا الحسيّة»[1].

2 ـ الموقف الثاني: يقوم على أساس القول بأن التصور المركب الذي يمثل معنى القضية، يجب أن يكون افتراض صدقه وكذبه مؤثراً في تصور الخبرة الحسيّة. بمعنى أن ما نتصوره من خبرة حسيّة إذا كان التصور المركب صادقاً مختلفاً عما نتصوره من خبرة حسيّة إذا كان كاذباً وهذا الموقف يجعل القضية القائلة (هناك حياة بغير جسم) جملة بدون معنى بالرغم من أن مفرداتها تتمتع بمدلولات منتزعة من الخبرة الحسيّة، لأن التصور المركب المفترض لهذه الجملة ليس لصدقه وكذبه تأثير في تصورنا للخبرة الحسيّة. فنحن لا نترقب أن تختلف خبرتنا الحسيّة في حالة صدق هذه الجملة عنها في حالة كذبها. لأن الحياة بغير جسم إذا كانت ثابتة حقاً لا تدخل في الخبرة الحسيّة، فكل ما نتصوره عن الخبرة الحسيّة إذا كانت العبارة صادقة هو ما نتصوره من خبر على افتراض كذب العبارة نفسه[2].

(نقد الموقف الثاني): يمكن تلخيص نقد هذا الموقف بالنقاط الآتية[3]:

1 ـ إننا بحاجة إلى تفسير لمعنى القضية يتيح لها أن تتصف بالصدق أو الكذب ولا مبرر لافتراض شيء أكثر من ذلك في التعريف. والصدق والكذب يفترضان صورة ذهنية للقضية تشمل على تصور للموضوع وتصور للمحمول وتصور للعلاقة بينهما، فإذا كانت مفردات القضية تعطينا هذه التصورات الثلاثة كان بإمكاننا ذهنياً التلفيق بينهما، وتكوين تصور مركب يمثل معنى القضية في ذهننا وهو الذي يتيح للقضية أن تتصف بالصدق أو الكذب[4].

2 ـ نجد أن الموقف الثاني يعجز عن تفسير بعض الحالات مثلاً لنأخذ القضيتين

(111)

التاليتين: ـ [كل (أ) هي (أ)، كل (أ) هي (أ) بالضرورة] ونلاحظ أن القضية الثانية أكبر مدلولاً من القضية الأولى تتحدث عن مبدأ الهوية بوصفهِ قضية ثابتة والثانية عن مبدأ الهوية بوصفه قضية ثابتة وضرورية، فعنصر الضرورة يجعل مدلول القضية الثانية أكبر من مدلول القضية الأولى وهذا ما يتعذر على الموقف الثاني تفسيره، بسبب أن الحالة التي يفترضها صدق أي واحدة من القضيتين للخبرة الحسيّة هي الحالة نفسها التي يفترضها صدق القضية الأخرى. لأن الضرورة المنطقية لمبدأ الهوية لا تدخل في نطاق الخبرة الحسيّة وهذا يعني أن العنصر الذي تتميز به القضية الثانية عن القضية الأولى لا أثر له في تصورنا للخبرة الحسيّة[1].

3 ـ الموقف الثالث: ويؤكد هذا الموقف أن القضية تصبح ذات معنى إذا كان بالإمكان التحقق منها والتأكد من صدقها وكذبها ولا يتم ذلك إلاّ من خلال الخبرة الحسيّة فهي المجال الوحيد الذي يقوم على أساسه التصديق والمعرفة[2]. ويذهب إلى هذا القول أحد أهم أقطاب الوضعية المنطقية وهو آير ( Ayer ).

(نقد الموقف الثالث):

1 ـ إن موقف الوضعية المنطقية هذا هو تطوير لكلمة المعنى ودمج التجربة فيها وهذا لا يتناقض مع التسليم بأن القضية الفلسفية ذات معنى في استعمال آخر للكلمة لا تدمج فيه التجربة في المعنى[3].

2 ـ يتساءل الناقد هل أن المقياس في القضية التي لها معنى تحقيقها صدقاً أو كذباً أو إمكان تحقيقها؟ فالافتراض الأول سوف يجعل من بعض القضايا التي تتصل بعالم الطبيعة ليس لها معنى مثل القضية القائلة (أن الوجه الآخر للقمر الذي لا

(112)

يقابل الأرض زاخر بالجبال والوديان)، لأنها غير محققة فعلاً وبذلك يكون الجهد العلمي للتأكد من صحتها يكون غير مجدٍ مادام وعلى رأي الوضعية المنطقية الخبرة الحسيّة هي المقياس في الحكم على صدق وكذب القضية. أما الافتراض الثاني الذي هو كما يؤكده الناقد تدارك من قبل الوضعية المنطقية للخطأ الفادح الذي وقعت به على أساس الافتراض الأول الذي هو الإمكان المنطقي لتحقق القضية ـ وبذلك وعلى ضوء المثال فهو يمكن أن تكون القضية التي تتحدث عن الوجه الثاني للقمر لها معنى لأن تحقيقها في الخبرة الحسيّة ممكن من الناحية المنطقية[1].

وهذا الافتراض الثاني سوف يدخل الوضعية المنطقية بالبحث الميتافزيقي وهذا ما يقولهُ الناقد «ونحن نرى في هذه المحاولة، أن الوضعية المنطقية قد استعارت مفهوماً ميتافيزيقياً لتكميل بنائها المذهبي الذي شادته لنسف الميتافيزيقيا وذلك المفهوم هو الإمكان المنطقي الذي ميزته عن الإمكان الفعلي، وإلا فما هو المعطي الحسيّ للإمكان المنطقي تقول الوضعية إن التجربة ما دامت غير ممكنة في الواقع فماذا يبقى للإمكان النظري من معنى غير مفهومه الميتافيزيقي الذي لا أثر له على صورة الواقع الخارجي ولا تختلف المعطيات الحسيّة تبعاً له أفلم يصبح مقياس الوضعية للكلام المفهوم ميتافيزيقياً في نهاية الشوط وبالتالي كلاماً غير مفهوم في رأيها»[2].

3 ـ إن المقياس الذي يضعهُ الموقف الثالث يتضمن تناقضاً،لأن إمكان تحقيق القضية وإثبات صدقها وكذبها يفترض بنفسه أن للجملة صدقاً وكذباً بالإمكان إثباته أحياناً وليس بالإمكان إثباته أحياناً أخرى، فإمكان الإثبات صفة لاحقه للصدق والكذب ومترتبة منطقياً على أن يكون للقضية صدق وكذب، ومن ثمة أن يكون لها معنى إذ لا صدق ولا كذب بدون معنى وهذا يعني أن القضية لا يمكن أن تستمد

(113)

معناها وصورتها في الذهن من إمكان إثبات صدقها وكذبها مادام هذا الإمكان يفترض مسبقاً معنى للقضية وصدقاً وكذباً[1].

4 ـ إن هناك قضايا ليست ذات معنى فحسب، بل نعتقد عادة بصدقها ورغم ذلك ليس من الممكن إثبات صدقها أو كذبها بالخبرة الحسيّة كالقضية القائلة «إن خبرة الإنسان مهما امتدت فسوف تظل هناك أشياء في الطبيعة لا تصل إليها الخبرة البشرية» أو «أن هناك أمطار وقعت ولم يرها الإنسان». إن قضايا من هذا القبيل تعتبر عادة صحيحة وصادقة، على الرغم من أن إثبات صدقها وتحقيقها بالخبرة الحسيّة غير ممكن لأنها تتحدث عن أشياء لا تقع في الخبرة فلا يمكن اختيارها ولا ينفع بهذا الصدد أن يفسر إمكان التحقيق بالإمكان المنطقي بدلاً عن الإمكان الفعلي لأن استماعه التحقيق في هذه القضايا منطقية وليست فعلية أو مرحلية فحسب[2].

من خلال نقد السيد الشهيد للماركسية والوضعية المنطقية نجد أنه حاول إبراز نقاط مهمة أكدت في مجموعها أن الحس والتجربة مع أهميتهما فإنهما يجعلان المعرفة ضيقة ومحدودة، بل أكثر من ذلك فإن هناك قضايا تتعلق بعالم الطبيعة لا نستطيع إثبات صدقها أو كذبها، كذلك هناك من القضايا العلمية لا يمكن إثبات صدقها أو كذبها إلاّ بالرجوع إلى مبادئ عقلية وكثيراً ما لجأت الماركسية والوضعية المنطقية بصورة غير مباشرة ومن حيث لا يدرون إلى البحث الميتافيزيقي الذي رفضوه أشد الرفض وهذا يوصلنا إلى نتيجة آمن بها الناقد وتطرق إليها مرات عديدة وهي أن المذهب التجريبي يعجز على إثبات الكثير من القضايا الفلسفية والعلمية وذلك لأنه قد جعل من الحس المقياس الوحيد في معرفة الأشياء.

(114)

المبحث الرابع

قيمة المعرفة

 

يُعد مبحث قيمة المعرفة من أهم مباحث (نظرية المعرفة)، لأنهُ يستطيع أن يجيب لنا على عدة تساؤلات مهمة منها: هل يمكن لنا الوصول إلى الحقيقة والواقع؟ وهل يطابق ما أدركناه الواقع كما هو في نفسه وبعبارة أخرى هل معارفنا تنطوي على قيمة معرفية أم لا؟ وما هو الطريق الموصل إلى الواقع وما هو المعيار الذي نميز به المعرفة الواقعية عن المعرفة غير الواقعية، وعلى ضوء هذا المبحث أيضاً نستطيع أن نفصل بين المثالية والسفسطائية وبين اليقينية ومدرسة الشك التي ظهرت من جديد في الغرب، والداعي إلى إثارة وطرح مثل هذه التساؤلات هو أن إدراكات الإنسان بالجملة ليست مطابقة للواقع، وكذلك فهي ليست كلها خطأ ومخالفة للواقع، بل بعضها حقيقي مطابق للواقع وبعضها غير حقيقي مخالف للواقع مما يدفع إلى البحث عن معيار لتشخيص الحقيقي منها وغير الحقيقي وعلى هذا الأساس فلدينا مسألتان هما معرفة الحقيقة ومقياس المعرفة الحقيقية[1].

ومثل هذا المعنى أكدهُ السيد الصدر في بداية حديثة عن مبحث (قيمة المعرفة) وقيمتها قائلاً: «والآن نتناول المعرفة من ناحية أخرى لنحدد قيمتها الموضوعية ومدى كشفها عن الحقيقة فإن الطريق الوحيد الذي تملكه الإنسانية لاستكناة الحقائق والكشف عن أسرار العالم هو مجموعة العلوم والمعارف التي لديها، فيجب أن نتساءل قبل كل شيء عما إذا كان هذا الطريق موصلاً حقاً إلى

(115)

الهدف، وعما إذا كانت الإنسانية قادرة على الوصول إلى واقع موضوعي بما تملك من معارف وطاقات فكرية»[1].

ومن خلال هذين النصين المتقدمين نستطيع أن نحدد طبيعة هذا المبحث وأهم الموضوعات التي يمكن أن نشخصها:

1 ـ إمكان معرفة الواقع (العالم).

2 ـ معرفة الحقيقة: أي التميز بين الأشياء الحقيقية وغير الحقيقية.

3 ـ مقياس المعرفة الحقيقية.

ولقد تناول السيد الصدر هذه الموضوعات ضمن مبحث قيمة المعرفة إلا الموضوع الأخير فلم يتطرق إليه، وقبل الدخول في هذه الموضوعات وعرض نقده للمدارس والاتجاهات الفلسفية، التي كانت لها آراء في قيمة المعرفة.

نرى أن نقدم أولاً رأي الناقد ـ السيد الصدر في موضوعات هذا المبحث وهي[2]:

1 ـ إيمانهُ بإمكانية معرفة العالم.

2 ـ يعُرف الحقيقة بأنها (الفكرة المطابقة للواقع).

3 ـ إيمانهُ بواقعية الأشياء الخارجية تماشياً مع مذهبهُ الواقعي.

4 ـ تميزهُ بين الأشياء في الخارج والأشياء في الذهن الإنساني.

إن هذه الآراء سوف نتعرف عليها بتفصيل أكثر عندما نستعرض نقده للفلسفة الماركسية التي ذهبت خلاف ذلك وإن ادّعت خلاف ما ذهبت إليه والسبب في ذلك أنها اختارت آلية وأدوات لا تحقق لها ما إرادته. ولم تكن الماركسية فحسب بل حتى الفلسفة البراجماتية وإن كان نقده لها اقتصر فقط على مسألة (الحقيقة وتعريفها).

(116)

أولاً: إمكانية معرفة العالم

تؤكد الفلسفة الماركسية كما ينقلهُ الناقد من نصوص ماركسية إمكانية معرفة العالم وإيمانها باليقين الفلسفي خلافاً لمدارس الشك والسفسطة[1]. ولكن هذا الإيمان بإمكانية معرفة العالم وباليقين الفلسفي هو على الطريقة الديالكتيكية التي تؤمن بها الماركسية.

وعلى هذا الأساس نجد السيد الصدر يحاول بنقده للفلسفة الماركسية ضمن هذه المسألة أن يوضح لنا عكس ذلك لا ادعاءً بدون دليل، بل نجدهُ يحاول إثبات ذلك من خلال الأدلة العلمية والفلسفية ومن خلال ما قدمته الفلسفهُ الماركسية نفسها في إثبات يقينها الفلسفي.

ويمكن تحديد نقدهُ بالنقاط الآتية:

1 ـ إن المادية التاريخية التي كما يصفها الناقد ـ تعبر عن المفهوم الكامل للماركسية عن التاريخ والمجتمع تؤكد من خلال ما طرحته من نشوء الأفكار والمفاهيم أن مذهب الماركسية في التاريخ كان يفرض عليها الشك وليس اليقين، لأن المادية التاريخية قد ربطت المعرفة الإنسانية عموماً بالوضع الاقتصادي الذي هو الأساس الواقعي للمجتمع بكل نواحيه والذي من ضمنه المعرفة، أي بعبارة أخرى أصبحت المعرفة تابعة للوضع الاقتصادي، وهذا يجعل الإنسان لا يطمئن بالواقع، بل هو متغير تبعاً لظروف معينة[2].

2 ـ اعتمدت الماركسية على التجربة في إثبات الواقع وادعت لنفسها على أساس ذلك أنها فلسفة واقعية، وهذا الادعاء كما يؤكده الناقد غير صحيح أو أنه لا يمكن

(117)

إشادته على التجربة لأنه وكما يقوله في هذا الصدد «والمشكلة التي يتصارع حولها المثاليون والواقعيون هي من تلك المشاكل التي لا يمكن اعتبار التجربة المرجع الأعلى فيها، ولا إعطاؤها الصفة العلمية لأن المسألة التي يرتكز عليها البحث فيها هي مسألة وجود واقع موضوعي للحس التجريبي. فالمثالي يزعم أن الأشياء لا توجد إلا في حسنا وإدراكاتنا التجريبية، والواقعي يعتقد بوجود واقع خارجي مستقل للحس والتجربة ومن البديهي أن هذه المسألة تضع الحس التجريبي بالذات موضع الامتحان والاختبار، فلا يمكن أن يبرهن على موضوعية التجربة والحس نفسهما»[1]. فالحس والتجربة ـ هو الأساس الذي يتوقف عليه كيان العلوم وهو الذي يجب إثباته قبل أن نجعلهُ مقياساً في إثبات الواقع.

وبهذا تصبح الوسيلة التي من خلالها نريد أن نثبت الواقع والعالم هي بدورها تحتاج إلى إثبات ولا يتم هذا ولا يتم إثبات الواقع كما يقوله الناقد إلاّ بالطريقة البرهانية ووفقاً للمذهب العقلي. أي أن التجربة لا تستطيع أن تثبت العالم لأنها وحسب ما عرضناه من نقد للمذهب التجريبي لا تستطيع أن تدرك حقيقية الأشياء وجوهرها وهذا أيضاً ما يقرّ به الماركسيون أنفسهم فيما سنرى.

3 ـ اعتمدت الماركسية أيضاً في إثبات الواقع الموضوعي للأشياء على العلم، واعتمادها على العلم بطبيعة الحال يتفق ويتلاءم مع مقياسها الحسيّ واعتمادها على التجربة، وينقل لنا الناقد في هذا الصدد عدداً من النصوص لروجية غارودي ولينين وجورج بولتزر تؤكد أسبقية المادة على الفكر خلافاً للفلسفة المثالية مستندة في ذلك إلى حقائق علمية كما تدعيه، وهذه الأدلة التي تقدمها الماركسية على ذلك لا تستطيع ولا تنهض بإثبات واقعية الأشياء ولا سبيل إلى ذلك إلا على أساس وهدي من المذهب العقلي[2].

(118)

4 ـ تؤكد الماركسية أن الفكر جزء من الطبيعة وإذا كان الفكر جزءاًً من الطبيعة استطاع أن يعرف الطبيعة بصورة كاملة[1]. وهذه الفكرة كما يؤكدهُ الناقد فكرة غير صحيحة لأنه وإن يكن الفكر جزءاً من الطبيعة ونتاجاً لها فهو يمثل قوانينها ولكن لا يصبح معرفة صحيحة للواقع والطبيعة هذا من جانب ومن جانب آخر فإننا نجد أن الفكر الميتافيزيقي وحتى المثالي يمثل جزءاً من الطبيعة فلماذا لا نعتبره صحيحاً ونعتبر الفكر الماركسي فقط فكراً صحيحاً وكلاهما هو نتاج الطبيعة. وهذا بطبيعة الحال يمثل تناقضاً في الطرح الماركسي وعدم دقة في إطلاق الأحكام[2].

ثانياً: تعريف الحقيقة

إن المقياس الذي يتبناه الناقد في تعريف الحقيقة هو إيمانه بأن (الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع) وقوله هذا يتفق مع مذهبه العقلي في نظرية المعرفة ومذهبهُ الواقعي في مبحث الوجود الذي سوف نتعرف عليه في الفصول القادمة.

والمقياس الذي يضعهُ الناقد هذا يخالف به الفلسفة الماركسية التي ادّعت لنفسها أنها فلسفة واقعية كذلك يخالف به مذاهب الشك والسفسطة التي لا تؤمن بإمكانية معرفة العالم وتغدو الحقيقة على ضوء هذه المذاهب نسبية ومتغيرة، وهذه المخالفة ادّعت الماركسية أنها قائمة وحادثة بينها وبين هذه المذاهب (الشك والسفسطة) وإنها فلسفة واقعية يقينية.

إن هذا المدعى للفلسفة الماركسية هو ما أراد الناقد نقده لإثبات عدم صدقه، كذلك كان نقده للفلسفة البراجماتية التي طرحت بدورها تعريفاً جديداً للحقيقة لا يتلاءم وتعريفة للحقيقة، بل نرى أنهُ لا يتلاءم مع الحقيقة بحدِّ ذاتها.

(119)

أولاً: الفلسفة الماركسية

يمكننا تحديد نقد السيد الصدر للفلسفة الماركسية ضمن مسألة تعريف الحقيقة بالآتي:

1 ـ إن الماركسية لا تستطيع أن تقدم تعريفاً يتناسب مع مذهبها الواقعي الذي زعمته لنفسها ومذهبها اليقيني في المعرفة الذي حاربت بموجبه مذاهب الشك والسفسطه، وذلك لأنها طرحت تفسيراً جديداً لعلاقة الفكر بالواقع الموضوعي زاعمة أن الفكرة ليست صورة آلية محضة للواقع بل الواقع يتحول إلى فكرة لأن كليهما ـ أي الواقع والفكر ـ شكل من أشكال الحركة ولا يمنع الفرق الكيفي بينهما من تحليل الانتقال من شكل إلى آخر، فالمادة الموضوعية لما كانت في كيفية وجودها شكلاً خاصاً من الحركة فتتحول هذه الحركة الفيزيائية إلى حركة نفسية فيزيولوجية في الحواس وتتحول الحركة الفيزيولوجية إلى حركة نفسية للفكرة[1].

إن هذه المحاولة أو هذا التفسير من الفلسفة الماركسية كما يقول الناقد: «لا يمكن أن تنجح في كشف علاقة بين الشيء والفكرة عدا علاقة سبب بنتيجة وعلاقة واقع بصورة منعكسة عنه نظراً إلى أن تحول الحركة الفيزيائية للشيء إلى حركة فيزيولوجية ـ وبالتالي إلى حركة نفسية ـ ليس هو المفهوم الصحيح والتفسير المعقول للحسّ أو الفكر»[2].

ويضرب الناقد مثلاً لتوضيح الفكرة بالمطرقة والسندان إذ تتحول حركة المطرقة إلى حرارة وهذا التحول يجعل الحرارة تحتفظ لنفسها بمقدار من القوة كان نفسه معبراً عنه بالحركة الآلية، وهذا التحول كما يؤكدهُ الناقد وإن كان صحيحاً في هذا المثل لكن لا نستطيع أن نقيسهُ على الفكر أو الإدراك ذلك، لأن الحركة الفيزيائية

(120)

للواقع الموضوعي المحسوس لا تتحول بالإحساس إلى حركة نفسية لأن التحول يعني تبدل الحركة من شكل إلى شكل فالحركة الطبيعية أو الفيزيائية للمادة المحسوسة لا تتبدل إلى حركة فيزيولوجية أو فكرية إذ إن معنى تبدلها زوال الشكل الأول من الحركة ومن ثمة زوال المادة التي تعبر عن وجودها في ذلك الشكل الخاص[1].

إن تفسير الماركسية هذا لا يجعل للواقع الموضوعي وجوداً مستقلاً عن الذهن أو الفكر لأن الواقع يتحول إلى وجود آخر وعلى هذا الأساس نصل إلى نتيجة هي: «إن هذا التفسير يجعلنا ننظر إلى الفكرة وواقعها الخارجي كما ننظر إلى الحرارة والحركة بالآلية التي تتحول إليها ومن الواضح أن الاختلاف الكيفي بين شكلي الحركة فيهما يجعلهما غير متطابقين فكيف نفترض التطابق بين الفكرة وواقعها الموضوعي»[2].

وينقل لنا الناقد دليلين للفلسفة الماركسية من عدة نصوص ماركسية لإثبات تطابق الفكرة مع الواقع الموضوعي والدليلانِ هما:

أ ـ الدليل الفلسفي:

الذي يعتبر بموجبه الفكر جزءاً من الطبيعة وإذا كان جزءاً من الطبيعة تكون معرفة حقيقية للطبيعة والعالم[3].

وهذا الدليل كما يؤكده الناقد لا يستطيع أن يبرر مطابقة الفكرة للواقع لأن الفكر لا يكون معرفة حقيقية للعالم إلا إذا توفرت فيه خاصيته الكشف والتصوير، وهذا غير متصل في الدليل الفلسفي للماركسية المتعلق بهذا الموضوع لأن الفكر هو جزء من الطبيعة لا كاشف لها[4].

(121)

ب ـ الدليل البيولوجي:

ويؤكد هذا الدليل النسبة في الحسّ أي أن أشياء متعددة ومتغيرة تشترك في رمز حسيّ واحد وهذا الرمز الحسيّ لا يستطيع أن يكشف لنا عن الواقع فتسقط قيمته نهائياً ويعجز عن تعيين الاتجاه الذي يحفظ لنا حياتنا ويحدد موقفنا من الأشياء الخارجية[1].

ويؤكد الناقد خطأ هذا الدليل لأنه النسبة في الحسّ لا تعني كما ذهبت إليه الماركسية في دليلها البيولوجي، بل إن كل لون من الإحساس له رمزهُ الخاص به إلاّ أن كل الأحاسيس يعُبر عنها برمز واحد وعلى ضوء هذه الرموز نحدد موقفنا من الأشياء ونرد عليها بالفعالية التي تنسجم مع الرمز وتتطلبها طبيعة الحياة اتجاهه، وبطبيعة الحال فإن هذا الرأي الذي يطرحه الناقد ينسجم مع النظرية النسبية الفيزلوجية[2].

2 ـ آمنت الماركسية بأنه لا توجد في الفكر الإنساني حقائق مطلقة بل إن كل الحقائق هي نسبية وهذا ما تتفق الماركسية والنسبية عليه. لكن ما تختلف به عن النسبية كما تؤكده الماركسية نفسها أن النسبية هي ليست نسبية ذاتية بل هي نسبية موضوعية، وأن هذه النسبية ما هي إلاّ في الحقيقة إلاّ انعكاسات وتغيرات الواقع، فالمعرفة الحقيقية للإنسان هي الحقيقة النسبية المتطورة التي تعكس الطبيعة في تطورها وفقاً للمنطق الديالكيكي[3].

وينقل الناقد نصوصاً لشخصيات ماركسية أمثال (لينين، كيدروف) تؤكد هذه المسألة، ويلخص من هذه النصوص ثلاثة آراء وهي[4]:

(122)

1 ـ إن الحقيقة في نمو وتطور يعكس نمو الواقع وتطوره.

2 ـ إن الحقيقة والخطأ يمكن أن يجتمعا.

3 ـ إن أي حكم مهما بدت الحقيقة واضحة فيه فإنه يحتوي على تناقض خاص وهو الذي يجعل المعرفة في نمو وتطور.

إن آراء الماركسية هذه بحسب ما يؤكد الناقد يجعل الماركسية تنتمي لفلسفة الشك والسفسطة وذلك لأنها تعني بالحقيقة أو تعرف الحقيقة تعريفاً لا يتفق مع المفهوم الواقعي للحقيقة الذي هو (انطباق الفكر مع الواقع)، وهذا ما ترتضيه مذاهب الشك والسفسطة ـ أي تعريف الحقيقة بحسب المفهوم الواقعي فلا يمكن للماركسية أن تبرأ من الشك والسفسطة بمجرد اتخاذ لفظة الحقيقة وبلورته في مفهوم جديد[1].

إن الحقيقة لا يمكن أن تتطور وتنمو، بل إن الحقيقة إما أن تكون حقيقة مطلقة صادقة أو خطأ، فمثلاً لو تعرض حجم من الماء إلى درجة حرارة معينه فهذا ألا يعني أنهُ لا توجد درجة حرارة واحد بل هي متغيرة وهذا حال الواقع الموضوعي القائم في الخارج ولكن إن كل درجة حرارة وصل إليها الماء في وقتٍ معين تمثل حقيقة، لأنها انطبقت على الواقع وهذه النتيجة حصلنا عليها من التجربة وهذا يعني أن الحقيقة التي اكتسبناها لم تتغير فكلما قسنا حرارة الماء في تلك اللحظة حكمنا بأن درجه حرارة الماء سوف تكون درجة معينة ثابتة[2]. كذلك إن قانون الحركة الذي أرادت الماركسية تطبيقه على الحقيقة فتصبح الحقائق بموجبة نسبية ومتغيرة وتصبح الحقائق المتيافزيقية التي تؤمن بها الفلسفة الماركسية حقائق وقضايا نسبية فإن هذا القانون

(123)

نفسه سوف يقضي على مذهبها لأنه سوف يتعذر إثبات أية حقيقة[1]. ويقول الناقد تأكيداً لهذه الفقرة: «فمن الطريف أن الماركسية تؤكد على حركة الحقيقة وتغيرها طبقاً لقانون الديالكتيك وتعتبران هذا الكشف هو النقطة المركزية بنظريتهم في المعرفة وتتفاءل بأن هذا الكشف بنفسه حقيقة من تلك الحقائق التي أمنوا بحركتها وتغيرها. فإذا كانت هذه الحقيقة تتحرك وتتغير كما تتحرك سائر الحقائق بالطريقة الديالكنيكية فهي تحتوي على تناقض سوف ينحل بتطورها وتغيرها كما يحتم ذلك الديالكتيك. وإن كانت هذه الحقيقة مطلقة لا تتحرك ولا تتغير كفى بذلك رداً على تعميم قوانين الديالكتيك والحركة للحقائق والمعارف وبرهاناً على أن الحقيقة لا تخضع لأصول الحركة الديالكتيكية»[2].

وأخيراً فإن الفلسفة الماركسية وإن أصرت على رفض النسبية الذاتية وأكدت الطابع الموضوعي لنسبيتها فإنها انتكست في أحضان النسبية الذاتية حين ربطت المعرفة بالعامل الطبقي. وينقل الناقد نصوص ماركسية تؤكد ذلك فعلى سبيل المثال قول تشاغين «لقد ناضل لينين بثباتٍ وإصرار ضدّ النزعة الموضوعية في النظرية»[3].

إن هذه الذاتية هي ذاتية طبيعية لا فردية وعلى ضوئها تصبح الحقيقة هي مطابقة الفكرة للمصالح الطبقية للمفكّر[4]. إن هذا الشيء سوف يخرج الفلسفة الماركسية بطبيعة الحال من مدعاها بأنها فلسفة واقعية ومن أنها فلسفة تؤمن باليقين الفلسفي وبإمكانية المعرفة ذلك لأنها لم تؤمن بمقياس ثابتة بل إن مقايسها مقايس متحركة متغيرة فتصبح كل معرفة وكل واقع موضوعي متحركاً متغيراً ومن ثمّة فإننا لا نظفر إلاّ بالشك والارتياب ولا نتستقر إلا بأحضان النسبية.

(124)

ثانياً: الفلسفة البراجماتية

لقد طرحت البراجماتية وعلى لسان شخصياتها تعريفاً جديداً للمعرفة يبعدها عن الواقعية واليقين الفلسفي ويدخلها إلى الشك والسفسطة، وهذا التعريف جاء على لسان أبرز مؤسسي هذه المدرسة وهو (وليم جيمس James) (1843 ـ 1910)، إذ يقول «الحقيقة هي الفكر النافع في حياة الإنسان العملية»[1]. ويلخص لنا الناقد رأي البراجماتية حول هذا الموضوع قائلاً: «ويتلخص مذهب البرامجاتزم في تقديم مقياس جديد لوزن الأفكار والفصل فيها بين الحق والباطل وهو مقدرة الفكرة المعينة على إنجاز إغراض الإنسان في حياته العملية، فإن تضاربت الآراء وتعارضت كان أحقها وأصدقها هو أنفعها وأجدرها أي ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته والأفكار التي لا تحقق قيمة عملية ولا يوجد لها آثار نافعة فيما تصادف من تجارب الحياة فليست من الحقيقة بشيء، بل يجب اعتبارها ألفاظاً جوفاء لا تحمل من المعنى شيئاً»[2].

والبراجماتية قد ركزت أكثر ما ركزت في هذه المسألة على الجانب العملي للفكرة فضلاً عن الجانب النفعي ولهذا سميت هذه الفلسفة أو المدرسة بالمدرسة النفعية. وينقل لنا الناقد نصوصاً لشخصيات براجماتية بارزة أكدت هذا الجانب ـ أي الجانب العملي والجانب النفعي ـ فمثلاً ما ينقلهُ لنا الناقد عن شلر (Scheler) في تعريفه للحقيقة (بأنها ما تخدم الإنسان وحده) كذلك جون ديوي (Dewey)  الذي حدد وظيفة الفكر بقوله «إن الفكرة أداة لترقية الحياة وليست وسيلة إلى معرفة الأشياء»[3].

(125)

إن هذه أهم آراء البراجماتية في مسألة قيمة المعرفة قد أوردها لنا الناقد وبعد عرضه لهذه الآراء يورد لنا الناقد عدة اعتراضات وانتقادات يمكن إجمالها بعدة نقاط وهي:

1 ـ إن البراجماتية خلطت بتعريفها للحقيقة بين تعريف الحقيقة وأثر الحقيقة، ففي تعريفها للحقيقة وضعت الآثار المترتبة على الحقيقة كما تعتقدهُ هي، وهي بذلك ابتعدت عن التعريف الواقعي للحقيقة ـ فأصبحت الحقيقة ما لها منفعة ما، وليس انطباق الفكرة مع الواقع[1].

2 ـ إن تعريف الحقيقة وفقاً للبراجماتية هو تجريد الحقيقة من خاصية الكشف وإعطاها المعنى العملي وبذلك يكون استسلاماً مطلقاً للشك الفلسفي[2]. أي البراجماتية التي تدعي أنها فلسفة يقينة وتحارب الشك والسفسطة قد أدخلت نفسها بالشك والسفسطة لأنها أخضعت الحقيقة للمنفعة.

3 ـ ماذا تقصد البراجماتية بالمنفعة أهي منفعة فردية أم منفعة الجماعة وأيقصد به النوع الإنساني بصورة عامة أم جزء خاص به، وكل هذه الاحتمالات أو الإجابات لا تستطيع أن تبرر الخطأ الذي وقعت به البراجماتية، وذلك لأنه كما يقوله الناقد:

(126)

«فالمنفعة الشخصية إذا كانت هي المعيار الصحيح للحقيقة وجب أن تختلف الحقائق باختلاف مصالح الأفراد فتحدث بسبب ذلك فوضى اجتماعية مريعة حين يختار كل فرد حقائقه الخاصة دون أي اعتناء بحقائق الآخرين المنبثقة عن مصالحهم. وفي هذه الفوضى ضرر خطير عليهم جميعاً، وأما إذا كانت المنفعة الإنسانية العامة هي المقياس فسوف يبقى هذا المقياس معلقاً في عدة من البحوث والمجالات لتضارب المصالح البشرية واختلافها في كثير من الإجابتين، بل لا يمكن البت حينئذ بحقيقة مهما كانت ما لم تمر بتجربة اجتماعية طويلة الأمد. ومعنى ذلك أن (جيمس) نفسه لا يمكنه أن يعتبر مذهبه (البراجماتزم) صحيحاً ما لم يمر بهذه التجربة ويثبت جدارته في الحياة العملية، وهكذا يوقف المذهب نفسه»[1].

4 ـ يقول الناقد في هذه النقطة ما نصه: «إن وجود مصلحة للإنسان في صدق فكرة ما لا يكفي لإمكان التصديق بها فالملحد لا يمكنه أن يصدق بالدين ولو آمن بدوره الفعّال في تسلية الإنسان وإنعاش آماله ومؤاساته في حياته العملية، فهذا جورج سانتيانا (Santayana) يصف الإيمان بأنه غلطة جميلة، أكثر ملائمة لنوازع النفس من الحياة نفسها فليس التصديق بفكرة نظير الألوان الأخرى من النشاط العملي التي يمكن للإنسان أن يقوم بها إذا تحقق من فائدتها، وهكذا يقوم البراجماتزم (Pragmatism) على عدم التفرقة بين التصديق ـ النشاط الذهني الخاص ـ ومختلف النشاطات العملية التي يباشرها الإنسان على ضوء مصلحته وفوائده»[2].

ويمكن أن نلاحظ في هذه النقطة بعد مقارنتها بالنقطة التي قبلها أن الناقد قد انتقل في النقطة الرابعة إلى بيان الأخطاء التي يمكن أن نقع بها عند الإيمان بالمقياس البراجماتي للحقيقة على حين في النقطة الثالثة أبانَ أننا لا نستطيع أن نؤمن بهذا

(127)

المقياس لأنه خاطئ أصلاً وبالذات. والظاهر أن هذا التدرج بالنقد من العام إلى الخاص سمة امتاز بها الناقد تجعل من الصعب إيجاد الثغرات بنقده لأنه استطاع الإلمام بكل جوانب القضية المنقودة إن صح التعبير.

وبهذا نستطيع القول إن الفلسفة البراجماتية لم تفلح كما لم تفلح الماركسية بإعطاء الأدلة الضرورية والصحيحة لواقعيتها ويقينها المعرفي، بل إن آراءها في (قيمة المعرفة) أثبتت عكس ما يدعون فالشك الفلسفي والنسبية وحتى المثالية كانت السمات البارزة لفلسفة الماركسية والبراجماتية ذلك لأن القاعدة الرئيسية التي استندوا لها لم تستطيع أن تقدم لهم ما يدعون فالحسّ والتجربة العلمية لم يستطيعا أن يطبعا هذه الفلسفات بطابع الواقعية واليقنية، وليس هذا فحسب فحتى المنطق والمنهج الذي اعتمدوه لا يصلهم إلى اليقين الفلسفي والواقعية لم يفلح هو الآخر في ذلك. وهذا ما رأيناه واضحاً في اعتماد الماركسية للمنطق الديالكتيكي.

(128)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

نقد الفلسفة المادية

(129)

تمهيد

إن محاولة هذا الفصل تكمن باستعراض ودراسة وتحليل النقد الفلسفي الذي وجههُ السيد الصدر للاتجاهات والمدارس الفلسفية المعاصرة التي تبنت آراء ونظريات فلسفية حول مسألة العالم والوجود والتي اختلف معها الناقد في الكثير من المسائل بل نجد أن هذا الاختلاف يصل إلى حالة من التقاطع والاختلاف التام.
إن هذا الاختلاف حول الصورة الفلسفية للعالم سوف يتكفل الفصل بإبرازه بصورته النقدية التي عبر عنها الناقد من خلال السجال الفلسفي والحوار الفكري والعلمي مع المدارس والاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي وقف مقابلها ومن أبرز هذه المدارس والفلسفات هي الفلسفة الماركسية. وهناك مسألة يجب أن لا نغفل عنها قد أوضحناها في بداية الفصل الثالث، ونشير لها ثانية في هذا الموضع لأهميتها وهي: أن البحث في نظرية المعرفة يُعد مقدمة للبحث في مسألة الوجود، فالمذهب الفلسفي للعالم والوجود لا يتشكل إلاّ بعد أن يتشكل الأساس المعرفي وهذا ما عمل عليه الناقد خصوصاً في مؤلفه (فلسفتنا) وهذا ما لمسناه بصورة واضحة عند الناقد في البحث عن قيمة المعرفة. ولهذا جاء تسلسل فصول الأطروحة (الفصل الثالث والرابع) بحسب التسلسل المشار إليه.
وبين أيدينا نصٌ للناقد يوضح لنا فيه هذه المسألة وأهمية تكوين المفهوم الفلسفي للعالم بقوله: «وهدفنا الأساسي من هذا البحث، هو تحديد منهج الكتاب في المسألة الثانية لأن وضع مفهوم عام للعالم يتوقف قبل كل شيء على تحديد الطريقة 

(130)

الرئيسية في التفكير والمقياس العام للمعرفة الصحيحة ومدى قيمتها، ولهذا كانت المسألة الأولى في الحقيقة بحثاً تمهيدياً للمسألة الثانية، والمسألة الثانية هي المسألة الأساسية في الكتاب التي نلفت القارئ للاهتمام بها بصورة خاصة»[1].

إن هذا النص يُشير إشارة واضحة إلى أن تشكيل أي مفهوم أو رؤية للعالم يجب أن يسبقهُُ تحديد المقياس العام للمعرفة وقيمة هذه المعرفة. ففي بحث قيمة المعرفة وبعد نقاشه ونقده للماركسية والبراجماتية يطرح لنا المفهوم الواقعي للحقيقة بصورته العامة[2]. ليأتي ويكمل لنا هذه الصورة في بحثه عن العالم وليحدد لنا معالم مذهب فلسفي جديد عن العالم وليضاف هذا المذهب مع المذاهب الفلسفية المتصارعة حول تكوين مفهوم فلسفي للعالم وهو ما أسماه بـ (الواقعية الإلهية).

(131)

المبحث الأول

الواقعية الإلـهية

 

إن اختيار مفهوم (الواقعية الإلهية) هو لإثبات مسألتين مهمتين هما:

1 ـ إنهُ يؤمن بالواقع الموضوعي للأشياء، فالواقع له وجود مستقل عن الحسّ والإدراك وبهذا فلا مجال للمثالية التي رأت عكس ذلك.

2 ـ إنهُ يؤمن بالواقع لا على أساس أنهُ ـ أي الواقع ـ هو واقع مادي صرف تكون الأصالة فيه للمادة المحسوسة ولا يمكن تجاوزها إلى سبب أعلى أو وجود مجرد. وهو بهذا يختلف مع ما يسميه (بالواقعية المادية).

ولقد أشار السيد الصدر لهذا المعنى بقوله: «وبذلك يوجد في الحقل الفلسفي للواقعية مفهومان: يعتبر أحدهما: أن المادة هي القاعدة الأساسية للوجود وهو المفهوم الواقعي المادي ويتخطى الآخر المادة إلى سبب فوق الروح والطبيعة معاً وهو المفهوم الواقعي الإلهي، فبين أيدينا إذاً مفاهيم ثلاثة للعالم: المفهوم المثالي، والمفهوم الواقعي المادي، والمفهوم الواقعي الإلهي»[1].

ونستطيع أن نلتمس مذهب السيد الصدر الواقعي أيضاً من خلال ما يوردهُ لنا من تصحيحهُ لعدة أخطاء وقع فيها بعض الكُتاب المحدثين حول المفهوم الإلهي للعالم الذي يتبناه. ومن خلال هذه التصحيحات نستطيع التعرف أكثر على ما يعنيه بالواقعية الإلهية، وما امتازت به عن بقية المذاهب المتصارعة حول هذا الميدان.

(132)

ونستطيع تحديد هذه التصحيحات التي يوردها الناقد بنقاط محددة يعرضها لنا في مؤلفه (فلسفتنا)، وهي:

1 ـ اختلاط المفاهيم عند بعض الكُتاب، كخلطهم بين مفهوم الإلهية ومفهوم المثالية واعتبار الإلهية هي نفسها المثالية، ولهذا نراهم يؤكدون أن المفهوم الفلسفي للعالم هو أحد أمرين إما المفهوم المثالي وإما المفهوم المادي، وهذا كما يراه الناقد خلط غير صحيح ولا يتفق مع الواقع مطلقاً فإن الواقعية ليست وقفاً على المفهوم المادي وليست المثالية هي الشيء الوحيد الذي يعارض المفهوم المادي بل هناك المفهوم الواقعي الإلهي الذي يعتقد فضلاً عن وجود واقع خارجي للعالم بوجود سبب أعمق للمادة والروح[1].

2 ـ إن المفهوم الإلهي لا يُجمَّد مبدأ العلمية في دنيا الطبيعة ويلقي قوانينها ونواميسها التي يكشفها العلم كما يتهم المفهوم الإلهي بل هو على العكس من ذلك يقف موقفاً ايجابياً من العلم واكتشافاته بل إنهُ ـ أي المفهوم الإلهي ـ غاية ما في الأمر يرجع سلسلة الأسباب الطبيعية إلى سبب أعلى وهو الله، فالعلم له مجالهُ الذي ينطلق به لاستكشاف إسرار العالم والطبيعة[2].

3 ـ إن الطابع الروحي للمفهوم الإلهي يختلف عن الطابع الروحي للمثالية لا إنهُ الشيء نفسه كما اشتبه على الكثيرين من الكُتاب، بل يجب التميز بين الروحتين فالروحية في العرف المثالي يقصد بها المجال المقابل للمجال المادي المحسوس أي

(133)

مجال الشعور والإدراك والأنا، أما الروحية في المفهوم الإلهي فهي طريقة للنظر إلى الواقع بصورة عامة لا مجالاً خاصاً مقابل المجال المادي[1].

في ضوء هذه التصحيحات التي يوردها لنا الناقد نستطيع أن نميز عدة صفات للواقعية الإلهية التي تقف موقفاً معارضاً للواقعية المادية وهي:

1 ـ إنها تؤمن بموضوعية العالم الخارجي وترجح وجود هذا العالم إلى الله.

2 ـ إنها تؤمن بمقدرة العلم على اكتشاف حقائق الطبيعة وتقف موقفاً ايجابياً من مناهج البحث العلمي التي تستطيع أن تكشف لنا عن أسباب الأشياء ولكن سلسلة هذه الأسباب تصل إلى سبب أعلى وهو الله.

3 ـ إن صفة الروحية التي تتسم بها الواقعية الإلهية لا تتشابه مع سمة الروحية التي تتصف بها المثالية فهي طريقة نظر للعالم وكل شيء فيه.

وإذا أضفنا هذه الصفات إلى تعريف الحقيقة الذي طرحه في بحثه في قيمة المعرفة الذي هو (مطابقة الفكرة للواقع) تخرج نتيجة مؤداها أن السيد الصدر طرح لنا مذهباً واقعياً جديداً كان رداً حاسماً على بعض الفلسفات والمدارس الفلسفية التي ادّعت لنفسهأ أنها واقعية ولم تخلص لهذه الواقعية. ولقد رأينا كيف أن الفلسفة الماركسية كيف لم تستطيع أن تستوعب الواقعية من خلال نقد السيد الشهيد لها[2]. وقد جاء هنا ليكمل نقده للوهم الماركسي بادئاً بهذا التميز بين الواقعية الإلهية والواقعية المادية.

»إن واقعية السيد الصدر الفلسفية في هذه النقطة عمل تأسيسي قائم على وعي القضية تماماً فالاتجاه الفلسفي الذي يصاهر بين الوجود الخارجي وهوية معينة قد يصادر الواقعية أساساً، وذلك إذا ما جعلت العلم الطبيعي هذه الهوية المزعومة، أن

(134)

الماركسية مضطرة إلى التنازل عن واقعية العالم، إذا أصرت على التلازم الحتمي بين المادة والعالم خاصة المادة بالمفهوم المدرسي»[1].

وتختلف واقعية السيد الصدر عن واقعية الماركسية بأنها حررت الواقعية من علائق غريبة عليها وإنقاذها من عناصر دخيلة عليها يمكن أن تؤدي إلى وأدها، فهو يذهب إلى موضوعية العالم الخارجي دون الانجرار إلى إعطاء رأي فلسفي في طبيعة هذا العالم خلافاً للماركسية التي لم تكتفِ بالتصور الواقعي في حدوده المنطقية بل تتعدى ذلك إلى الجزم بمادية العالم فالعالم موجود في آنٍ واحد أو هو وجود مادي، أما طبيعة العالم عند السيد الصدر فمتروكة إلى موضوعات العلوم وليس الفلسفة[2].

(135)

المبحث الثاني

المادية الديالكتيكية

 

استعرضنا في فصلٍ سابق الرؤية المادية التي امتازت بها بصورة عامة الفلسفات والاتجاهات الفكرية الغربية وعرفنا هناك ماذا نعني بالمادية التي يمكن أن تكون وهو من أبرز تعاريفها ـ بأنها الإيمان بمادية العالم والحياة ـ أي أن كل شيء في الوجود هو مادي ولا مكان فيه للمجرد[1].

وتُعد الفلسفة الماركسية من أهم الفلسفات المادية وأبرزها في العالم الحديث والمعاصر، وهذا ما يعترف به الماركسيون أنفسهم فمثلاً نجد (موريس كورنفورث) يؤكد بصورة قطعية مادية الفلسفة الماركسية، فنراه يستعرض لنا أهم التعاليم الأساسية للمادية التي هي[2]:

1 ـ إن العالم مادي بطبيعته وإن كلّ ما هو موجود يوجد على أساس الأسباب المادية.

2 ـ المادية حقيقة موضوعية توجد خارج ذهن الإنسان ومستقلة عنه وإن كل ما هو ذهني فهو نتاج عمليات مادية.

3 ـ من الممكن معرفة العالم وقوانينه فلا يوجد واقع خارج عن العالم المادي غير قابل للمعرفة.

وبعد أن يستعرض هذه التعاليم نراه يزيد قائلاً: وتتميز الفلسفة الماركسية

(136)

بماديتها المتماسكة تماماً وعلى طول الخط وبأنها لا تقدم تنازلاً أيّاً كان للمثالية في أي نقطة[1]، للمعنى نفسه يذهب السيد الصدر فنراه بعد أن يستعرض نصاً (لستالين) يؤكد فيه ستالين على طبيعة الفلسفة الماركسية المادية يقول: «ويعتبر المفهوم المادي المادة ـ الوجود ـ هو النقطة المركزية في الفلسفة الماركسية، لأنها التي تحدد نظرة الماركسية إلى الحياة وتنشئ لها فهماً خاصاً للواقع وقيمة ومن دونها لا يمكن أن تقام الأسس المادية الخالصة للمجتمع والحياة. وقد فرضت هذه النقطة على المذهب الماركسي تسلسلاً فكرياً خاصاً واقتضت منهُ أن يُقيم شتى جوانبه الفلسفية لصالحها»[2].

إن الفلسفة الماركسية تمثل الاتجاه الثاني للمادية وهو الاتجاه الديالكتيكي[3]، والديالكتيك أو الجدل له تعاريف متعددة فهو يعني في المنطق الكلاسيكي القديم طريقة خاصة في البحث وأسلوباً من أساليب المناظرة التي تطرح فيه المتناقضات الفكرية ووجهات النظر المتعارضة لتظهر نقاط الضعف والقوة في هذه المتناقضات، أما الجدل في المنطق الحديث فلم يُعد منهجاً في البحث بل أصبح طريقة لتفسير

(137)

الواقع وقانوناً كونياً عاماً ينطبق على مختلف الحقائق وألوان الوجود[1].

وهناك فكرة في الفلسفة الحديثة مؤداها أن (هيجل) هو الذي أشاد المنطق الديالكتيكي الحديث الذي يكون التناقض الديالكتيكي هو النقطة المركزية فيه وأن أصول الديالكتيك التي كانت تظهر بين حينٍ وآخر على مسرح العقل البشري قد تبلورت على يديه[2].

ولقد ادعى المنطق الهيجلي أنه قضى بما زعمه للوجود من جدل على القوانين الأساسية في المنطق الكلاسيكي التي هي:

1 ـ مبدأ عدم التناقض الذي يعني أن الشيء الواحد لا يمكن أن يتصف بصفة وبنقيض تلك الصفة في وقتٍ واحد، ولقد رفض المنطق الهيجلي هذا القانون وجعل التناقض المبدأ الأول لكل معرفة صحيحة للعالم والقانون العام الذي يفسر الكون[3].

2 ـ مبدأ الهوية، وهو المبدأ القائل أن كل ماهية فهي ما هي بالضرورة ولا يمكن سلب الشيء عن ذاته. وهذا المبدأ ساقط في حساب المنطق الهيجلي لأنه إذا ساد التناقض كقانون عام فإن كل شيء تسلب عنه هويته في لحظة الإثبات بالذات فتكون الحقيقة شيئين متناقضين على طول الخط[4].

3 ـ مبدأ السكون والجمود في الطبيعة الذي يرى سلبية الطبيعة وثباتها وينفي الديناميكية عن دنيا المادة، وهذا المبدأ أيضاً ساقط في حساب المنطق الهيجلي فالطبيعة في صله صراع وحركة وصيرورة مستمرة لأن التناقض هو الذي يثير الصراع

(138)

الدائم في الأشياء لأنه مركز في الطبيعة[1].

وتتلخص الطريقة الجديدة ـ على ضوء المنطق الهيجلي ـ في فهم الوجود على افتراض قضية أولى كأصل ثم انقلاب الأصل إلى نقيضه ثم يأتلف النقيضان في وحدة بسبب الصراع الداخلي في الأشياء ثم إن هذا الأصل الجديد أي (الأصل ونقيضه) يصبح له نقيض ثم يكون الائتلاف ويتكرر هذا التطور الثلاثي إلى ما لانهاية ويتسلسل مع الوجود[2].

لقد أخذت الماركسية أصول المنطق الهيجلي الذي يمتاز بمثاليته وطبقته على جميع نواحي الحياة والوجود لتعلن عن منطق جديد ومنهج جديد في تفسير الوجود وهو الديالكتيك الماركسي[3].

الذي يمكن تحديد خطوطه الأساسية بما يأتي:

1 ـ حركة التطور.

2 ـ تناقضات التطور.

3 ـ قفزات التطور.

4 ـ الإقرار بالارتباط العام.

(139)

أولاً: حركة التطور

من أهم أصول المادية الديالكتيكية هو (حركة المادة) الذي مفادهُ أن كل شيء خاضع للتطور والصيرورة، فكل شيء يتحرك ويتبدل من أصغر الأشياء الأولية إلى الكواكب والمجموعات النجمية الهائلة فلا يتوقف هذا التطور أو الحركة عند حدٍّ معين، بل إن الحركة هي المسألة اللامتناهية للوجود كله[1]. وتزعم الماركسية أنها الفلسفة الوحيدة التي تؤمن بحركة الطبيعة وتغيرها الدائمين وتعيب على المنطق الميتافيزيقي إيمانهُ بالسكون والجمود المطلق[2]. هذا من جانب ومن جانب فإنها تعرف الحركة على أساس التناقضات والصراع الداخلي بين المتناقضات وأن الحركة لا تقف عند حدود الواقع الموضوعي للطبيعة، بل تعمم الحقائق والأفكار البشرية[3]. هذا باختصار أهم المسائل ضمن هذا الأصل الذي تبنته الماركسية.

إن نقد السيد الصدر لهذه المسائل نستطيع تحديدهُ بالنقاط الآتية:

1 ـ إن الحركة هي قانون عام يستطيع أن يدركهُ وجدان أي إنسان ولا يحتاج إلى دراسات علمية مسبقة، بل حتى الأطفال على حدِّ تعبير (الناقد) يستطيع أن يدرك الحركة والتغير وعلى هذا الأساس فإن دعوى الماركسية بأنها الفلسفة الوحيدة التي

(140)

استطاعت اكتشاف هذا القانون هو ادعاء باطل ولا صحة له ولكن الجديد الذي يمكن أن تضيفهُ الماركسية هو الطابع الديالكتيكي الذي يجب نزعهُ عن قانون الحركة[1]، والناقد قد يلجأ في هذه النقطة إلى أبسط ما يمتلكهُ أي إنسان من حسٍّ ووجدان في إثبات قانون الحركة والإيمان به، فكيف بالميتافيزيقي الذي اتّهمتهُ الماركسية بإنكاره للحركة الذي زيادة على تساويه مع عامة الناس بالإدراك البسيط والشعور والوجدان إيمانهُ بالعقل والبرهان فكيف لا يستطيع إثبات قانون الحركة.

2 ـ إن المفهوم الميتافيزيقي للعالم لا يؤمن فقط بالحركة وعموميتها لجميع الأشياء، بل إن تأريخ الفلسفة يثبت أن الفلاسفة على طول تأريخ الفلسفة آمنوا بالحركة ورفضوا كل رأي يؤمن بالجمود أو السكون مثلما ردت مدرسة أرسطو التي كانت تؤمن بالحركة على أدلة (زنيون) في رفضه للحركة كذلك نجد أن الفيلسوف الإسلامي الكبير (صدر الدين الشيرازي) أثبت حركة جوهر الأشياء فضلاً عن حركة ظاهر وسطح الأشياء[2]، وصدر الدين الشيرازي بطبيعة الحال يمثل الفلسفة الميتافيزيقية التي يؤمن بها الناقد. وعلى هذا الأساس فإن دعوى الماركسية بأنها الفلسفة الوحيدة التي تؤمن بالحركة وبأن الفلسفة الميتافيزيقية تؤمن بالسكون والجمود هي دعوى باطلة وغير صحيحة[3].

3 ـ يعرف الناقد الحركة تعريفاً يخالف تماماً تعريف الماركسية للحركة الذي هو عبارة عن التناقض الداخلي والصراع بين هذه المتناقضات. فالحركة كما يعرفها الناقد

(141)

متفقاً مع أرسطو في تعريفها هي (سير تدريجي للوجود وتطور للشيء في الدرجات دون أن تجتمع تلك الدرجات المتقابلة في مرحلة من مراحل الحركة)[1]، وهي (خروج الشيء من القوة إلى الفعل)[2].

4 ـ إن الماركسية أساءت فهم المفهوم الفلسفي للحركة فاعتبرت أن اجتماع وتشابك القوة مع الفعل في جميع مراحل الحركة عبارة عن التناقض والصراع بين المتناقضات فرفضت من أجل ذلك مبدأ عدم التناقض الذي لا نستطيع أن نفسر الحركة إلاّ من خلاله لأن الوجود وفي سيرة التكاملي يحتوي على درجه معينة بالفعل وعلى درجة أرقى منها بالقوة فهو في اللحظة التي يتكيف فيها بتلك الدرجة يسير في اتجاه متصاعد ويتخطى درجته الحاضرة لأنه لو وجدت درجتين من الحركة بالفعل في مرحلة معينة لما أمكن التطور ولجمدت الحركة فلا بدّ من أن تكون هناك درجة بالقوة ودرجة بالفعل[3].

5 ـ إن الحركة لا يمكن أن تكتفي ذاتياً عن السبب وهذا السبب هو سبب خارجي لا سبب داخلي كما تقول الماركسية ذلك لأن الوجود المتطور في لحظة انقلاب الحركة خالياً من الدرجات والنوعيات التي سوف يحصل عليها في مراحل الحركة ولم يكن في محتواه الداخلي إلاّ إمكان تلك الدرجات والاستعداد لها، فيجب أن يوجد سبب لإخراجه من القوة إلى الفعل لتبديل الإمكان الثابت في محتواه الداخلي إلى حقيقة[4].

ثانياً: تناقضات التطور

يُعد قانون التناقض عند الماركسيين حجر الزاوية في جدل الأشياء وخصوصاً الطبيعة، والتناقض كامن في طبيعة الأشياء ذاتها وأنهُ سبب الحركة ومن ثمة فهو

(142)

العلة الأساسية لتطور الأشياء[1]. وتعتقد الماركسية بأن المادة هي وحدة أضداد ومجتمع نقائض وإذا كانت الأضداد والنقائض كلها تنصهر في وحدة معينة فمن الطبيعي أن يقوم بينها الصراع لكسب المعرفة وينبثق التطور والتغير عن هذا الصراع ومن ثمة تحقق الطبيعة مراحل تكاملها عن هذا الطريق، وعلى هذا الأساس تخلت الماركسية عن مبدأ عدم التناقض واعتبرتهُ من خصائص التفكير الميتافيزيقي ومن أسس المنطق الشكلي[2].

لقد أخذ (ماوتسي تونغ) على عاتقه مهمة تطوير مفهوم التناقض فكتب بحثاً فلسفياً في أغسطس 1937 عنوانه (التناقض) أراد به تصحيح التفكير الدجماطيقي الخاطئ بشكل خطير داخل الحزب الشيوعي الصيني ويوضح للرفاق قانون التناقض في الأشياء أو قانون وحدة الأضداد وهو القانون الأساسي الأول في الجدل المادي[3].

هذه باختصار أهم الأفكار الماركسية عن مفهوم التناقض، أما عن النقد لهذه الأفكار من قبل السيد الشهيد فنستطيع تحديدهُ بالنقاط الآتية:

1 ـ إن الماركسية التي رفضت قانون عدم التناقض وأحلت محلهُ قانون التناقض واعتبرته قانوناً عاماً لكل الأشياء في الطبيعة فإنها قد أمنت بقانون عدم التناقض

(143)

بصورة غير شعورية لأنها أمنت بشيء واحد وهو التناقض ورفضت نقيضه وهذا هو بالضبط مضمون قانون عدم التناقض[1]. وهذا الإيمان اللاشعوري يفسره الناقد بقوله: «ومن الواضح أن هذا ليس إلاّ لأجل أن الطبيعة البشرية لا يمكن أن توفق بين السلب والإيجاب معاً، بل تشعر ذاتياً بالتعارض المطلق بينهما، وإلا فلماذا رفضت الماركسية مبدأ عدم التناقض واعتقدت ببطلانه أليس ذلك لأنها أمنت بالتناقض ولا يسعها أن تؤمن بعدمه ما دامت أمنت بوجوده»[2].

إن نقد السيد الصدر التناقض الذي أمنت به الماركسية في هذه النقطة استند كما نراه إلى الرجوع إلى الطبيعة البشرية التي تحتوي مبادئ وقوانين نظرية التي من أهمها قانون عدم التناقض وهذا ما أكده في حديثه عن المذهب العقلي الذي يؤمن بفطرية هذا القانون والذي ينتمي إليه الناقد.

2 ـ إن الماركسية قالت بالتناقض لكي تبرر رفضها الإيمان بسبب أعلى من الطبيعة وتطوراتها ذلك لأن القول بالتناقض سوف يجعل سبب تطور الأشياء والموجودات داخلياً، إما القول بقانون عدم التناقض فسوف يستلزم الإيمان بالسبب الخارجي لوجود أو الأشياء تطورها وهذا السبب الخارجي هو بطبيعة الحال سبب مفارق وأعلى من الطبيعة[3]، وهذا الإيمان من الماركسية بالتناقض ورفض مبدأ عدم التناقض ليس غريباً عليها وهي كما عرفنا في نظرية المعرفة تنتمي إلى المذهب التجريبي الذي يرفض وجود البديهيات في ذهن الإنسان والتي من أهمها وفقاً للمذهب العقلي وما يؤمن به الناقد قانون أو مبدأ عدم التناقض[4]. إذن هذا الموقف من الماركسية يتناغم مع موقفها المعرفي.

(144)

3 ـ إن قانون أو مبدأ عدم التناقض هو أعم القوانين لجميع مجالات التطبيق لأي ظاهرة من ظواهر الوجود والكون مطلقاً وأن محاولة الماركسية أو أي محاولة أخرى لرفضه هي محاولة بدائية[1].

4 ـ إن محاولة الماركسية لرفض مبدأ عدم التناقض كان لأسباب متعددة منها كما أشرنا إليه في (النقطة الثانية) وهو رفض السبب الأعلى لوجود وتطور الأشياء تماشياً مع مذهبها الحسيّ والتجريبي في نظرية المعرفة وهذان السببان يمكن أن نرجعهما معاً إلى الطبيعة المادية للفلسفة الماركسية، وهذا ما أشار إليه الناقد بقوله: «وليس من الصعب أن يدرك الإنسان أن الماركسية لم تستطع، أو لم تشأ أن تعي هذا المبدأ بمفهومة الصحيح فأنكرته تحقيقاً لماديتها»[2].

هذا من جانب ومن جانب آخر وهو الأهم وقد أكدهُ الناقد بصورة مفصله أن الماركسية قد أساءت فهم مبدأ عدم التناقض ولهذا نراه يعمل على توضيح هذا المبدأ مستنداً في ذلك إلى المنطق الشكلي أو المتيافيزيقي كما يسميه. يقول بهذا الصدد: «أما مبدأ عدم التناقض، هو المبدأ القائل بأن التناقض مستحيل فلا يمكن أن يتفق النفي والإثبات في حال من الأحوال، وهذا واضح. ولكن ماهو التناقض الذي يرفضه هذا المبدأ، ولا يمكن للعقل قبوله، فهل هو كل نفي وإثبات؟ كلا، فإن كل نفي لا يناقض إي إثبات وكل إثبات لا يتعارض مع كل نفي، وإنما تناقض الإثبات مع نفيه بالذات لا مع نفي إثبات آخر ومعنى تعارضهما أنهما لا يمكن أن يتوحدا أو يجتمعا»[3] وفي نصٍّ آخر أكثر وضوحاً يقول: «وبهذا الاعتبار نص المنطق المتيافيزيقي، على أن التناقض إنما يكون بين النفي والإثبات الموحّدين في ظروفهما فإذا اختلفت

(145)

ظروف النفي مع ظروف الإثبات لم يكن الإثباث والنفي متناقضين»[1].

ومن جهةٍ ثانية نجد الناقد يشير إلى مسألة جداً مهمة. وهي أن الماركسية فضلاً عن أنها أساءت فهم مبدأ عدم التناقض فلقد أساءه أيضاً التميز بين مفهومي التناقض والتضاد[2] فاعتبرتهما بمعنى واحد مع أن الكلمتين أو المفهومين مترادفان في المصطلحات الفلسفية فالتناقض هي حالة النفي والإثبات والتضاد يعني أثبات متعاكسين[3].

5 ـ يشير الناقد إلى معنيين يمكن أن يفهما لمعنى التناقض أحدهما يخالف معنى مبدأ عدم التناقض والآخر لا يخالفه وهما:

1 ـ الصراع بين أضداد ونقائض خارجية وهذا المعنى لا يخالف مبدأ عدم التناقض

(146)

وليس له علاقة بالتناقض مطلقاً لأنه لا يعني اجتماع النقيضين أو الضدين بل مرده إلى وجود كلٍّ منهما بصورة مستقلة وقيام كفاح بينهما يؤدي إلى نتيجة معينة. وهذا المعنى كما يُشير الناقد ليس من مستكشفات المادية الديالكتيكية بل حتى الفلسفة الإلهية تقرّ هذا النوع من التناقض فمثلاً نجد أرسطو وهو الفيلسوف الإلهي وواضع قواعد المنطق العام يؤمن بالصراع بين الأضداد مع إقامته للمنطق على مبدأ عدم التناقض[1].

2 ـ الصراع بين أضداد ونقائض مجتمعة في وحدة معينة، وهذا المعنى هو المعنى الذي يتنافى مع مبدأ عدم التناقض وهذا المعنى الذي تذهب إليه المادية الديالكتيكية من خلال استعراض بعض الشواهد من الطبيعة والوجود بصورة مطلقة. وهذا المعنى كما يشير الناقد لا يمكن أن يقبله الفكر السليم ولا يمكن أن يتلاءم مع المبدأ الأساسي في المنطق الذي يتبناه الناقد، كذلك فإن الشواهد التي تستعرضها الماركسية لا تمت إلى الديالكتيك بصلة[2].

6 ـ يحاول الناقد بعد أن سلط نقده على أصل مفهوم التناقض عند المادية الديالكتيكية أن يسلط نقده على الأمثلة التي قدمتها المادية الديالكتيكية في تبرير التناقض[3] فمثلاً يضرب الماركسيون في تبرير التناقض بتناقضات الحياة أو الجسم الحي إذ يقولون إن الجسم الحي يحمل في اللحظة نفسها الموت والحياة ومادامت هاتان العمليتان موجودتين في الكائن الحي فالحياة سوف تكون قائمة[4].

إن هذا التناقض الذي تزعمهُ الماركسية في الجسم الحي كما يقول الناقد ليس

(147)

بصحيح ذلك لأن عملية الحياة وعملية الموت لا تتفقان في موضوع واحد أي أن الخلية التي تُفنى وتموت هي غير الخلية التي توجد وتحيا في تلك اللحظة نفسها. ولهذا نراه يقول بعد أن يطرح هذه الفكرة «وإنما يوجد التناقض لو أن الموت والحياة استوعبا في لحظة خاصة جميع خلايا الكائن الحي وهذا ما لا نعرفه عن طبيعة الحياة والأحياء. فإن الكائن الحي لا يحمل في طياته إلاّ إمكان الموت وإمكان الموت لا يناقض الحياة وإنما يناقضها الموت بالفعل»[1]. وهذا النص يدل على ما أكدته من أن الناقد استند في نقده للتناقض الماركسي بالمنطق الصوري وما يؤكدهُ هذا المنطق من شروط التناقض الذي أحد شروطه اتّحاد القضية أو الشيء بالقوة والفعل إذ إن إمكان الموت لا يناقضه الحياة بالفعل بل إن الحياة بالفعل يناقضها الموت بالفعل.

أما المثل الآخر الذي يضربهُ الماركسيون على التناقض هو التناقض في الفيزياء بين الكهرباء الموجبة والسالبة[2].

إن هذا التناقض كما يُشير الناقد يحتوي على خطاءين هما[3]:

أ ـ إن التعبير بالسالبة أو الموجبة بالنسبة للشحنة الكهربائية هو مجرد اصطلاح فيزيائي ولا يعني أنهما في الحقيقة نقيضان.

ب ـ إن التجاذب بين الشحنة الموجبة والسالبة الذي عبرت عنهُ الماركسية بالتناقض هو ليس اجتماع في شحنة واحدة فتكون موجبة وسالبة في الوقت نفسه بل هناك شحنتان مستقلتان تتجاذبان وهذا التجاذب بين الشحنات المختلفة هو لون من ألوان التفاعل بين الأضداد الخارجية المستقل بعضها في الوجود عن بعض وهو ليس من التناقض أو الديالكتيك بصلة.

(148)

7 ـ يؤكد الناقد أن الماركسية وبقولها بالتناقض وحتى الحركة تهدف إلى غايات سياسية أي بعبارة أخرى أن هناك أهدافاً سياسية وراء هذه الأصول الفلسفية بحسب ما تدعي تريد تحقيقها فنراه يقول في ذلك «وقد تبنت الماركسية هذا القانون ـ أي قانون التناقض بصفته الناموس الأبدي للعالم واستهدفت من ورائه أن تستثمره في الحقل السياسي لصالحها الخاص. فكان العمل السياسي هو الهدف الأول الذي فرض على الماركسية أن تصبه في قالب فلسفي يساعدها على إنشاء وضع سياسي جديد للعالم كله»[1]، فعلى هذا الأساس إن طرح الماركسية لهذه الأصول يستند إلى أهداف معينة وبهذا تكون هذه الأصول أدوات تبريرية ووسائل أنية لأهداف وغايات غير فلسفية وبهذا تطوع الأفكار لهذه الغايات لا أن تكون الأفكار كاشفة عن الواقع لا بل على أقل تقادير وكما تذهب الماركسية نفسها تكون الأفكار انعكاسات للواقع.

إن نتيجة هذا التطبيق الاجتماعي للديالكتيك كما يقول الناقد سوف يعود على الماركسية بنتائج غير مرضية ولا تتفق مع قانون التناقض نفسه ذلك لأن التناقض الاجتماعي سوف يسكن وتنعدم الطبقية وتكون النتيجة أن يعود المجتمع إلى مجتمع الطبقة الواحدة، وهذا بحدِّ ذاته يخالف قانون التناقض. يقول الناقد موضحاً هذه المسألة بصورة دقيقة «وهذه النقطة هي أن التطبيق الاجتماعي والسياسي للديالكتيك على النحو الذي تقوم به الماركسية يؤدي إلى نقض الديالكتيك رأساً. فإن الحركة التطورية للمجتمع إذا كانت تستمد وقودها الضروري من الصراع الطبقي بين المتناقضات التي يضمنها الهيكل الاجتماعي العام وإذا كان هذا التعليل التناقضي للحركة هو التفسير الوحيد للتاريخ والمجتمع فسوف تسكن الحركة في نهاية المطاف حتماً وتصبح فوارق التناقضات وحياتها الحركية سكوناً وجموداً ذلك أن الماركسية تعتبر المرحلة التي تتوفر على إنشائها وتحول إيصال الركب البشري إليها هي المرحلة

(149)

التي تنعدم فيها الطبقية ويعود المجتمع فيها مجتمع الطبقة الواحدة»[1].

ثالثاً: قفزات التطور

تؤكد الماركسية في أصلها الثالث (قفزات التطور) أن التغير الكمي الحاصل في المادة ببطء وتدريج يؤدي إلى تغير نوعي فجائي أي أن التغيرات الكمية تبلغ درجة معينة تتحول فيها المادة دفعةً وبصورة فجائية إلى حالة أخرى أو كيفية جديدة، وذلك لأن التطور الديالكتيكي عند الماركسية على نوعين أحدهما تغير كمي تدريجي يحصل ببطء والآخر تغير كيفي فجائي يحصل بصورة دفعية. وكذلك يرى الماركسيون أن حركة المادة تكاملية تصاعدية وليست حركة دائرية ترجع فيها المادة إلى نقطة البداية[2].

إن نقد السيد لهذه المسألة أو هذا الأصل يمكن أن نفهمهُ وفقاً للنقاط الآتية:

1 ـ إن وراء هذا الأصل أو هذا الطرح الماركسي هدفاً سياسياً فهي تضع الخطة العملية ثم تبحث عن المبررات المنطقية والفلسفية لتلك الخطة خاصةً وأن قانوني الحركة والتناقض يمكن أن لا يحققان لها ما يمكن أن يحققهُ هذا القانون «فإن

(150)

الماركسية رأت أن الشيء الوحيد الذي يشق الطريق إلى سيطرتها السياسية أو إلى السيطرة السياسية للمصالح التي تتبناها هو الانقلاب فذهب تفحص عن مستمسك فلسفي لهذا الانقلاب فلم تجدهُ في قانوني الحركة والتناقض لأن هذين القانونين إنما يحتمان على المجتمع أن يتطور تبعاً للتناقضات المتوحدة فيه أما طريقة التطور ودفعيته فلا يكفي مبدأ الحركة التناقضية لإيضاحها ولذلك صار من الضروري أن يوضع قانوناً آخر ترتكز عليه فكرة الانقلاب وكان هذا القانون هو قانون قفزات التطور القائل بتحولات دفعية للكمية إلى كيفية وعلى أساس هذا القانون لم يعد الانقلاب جائزاً فحسب بل يكون ضرورياً وحتمياً بموجب القوانين الكونية العامة»[1].

2 ـ إن الماركسية بعد أن وضعت هذا المبدأ جاءت لعدة أمثلة من الحياة لتدلل بها على صحة هذا المبدأ ومن هذه الأمثلة (مثال الماء) عندما يوضع على النار فترتفع درجة حرارته بالتدريج فتحدث فيه تغيرات كمية فإذا زيدت درجه حرارته حتى تصل إلى (100) درجة فسوف ينقلب من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية وتتحول الكمية إلى الكيفية كذلك إذا هبطت درجة حرارة الماء إلى الصفر فإن الماء سوف يتحول ويصبح جليداً[2].

إن هذا المثال وغيره من الأمثلة هي أمثله جزئية وهي كما يقول الناقد لا تكفي للدليل العلمي والفلسفي على حتمية هذه القفزات في تاريخ التطور، هذا من جانب ومن جانب آخر إن هذه الأمثلة التي تضربها الماركسية هي أمثلة منتقاة لا تتعارض مع أمثلة كانت قد ضربتها للتدليل على مبادئ أخرى كالأمثلة التي تضربها لتدليل على مبدأ التناقض، فضلاً أن هذه الأمثلة (أمثلة قفزات التطور) لا نجد فيها أن التطور يحصل بقفزات وينتقل من الحالة الكمية إلى الحالة الكيفية فقط، بل نجد

(151)

هناك لونين من التطور فكما يحصل فيها التطور بقفزة كذلك قد يحصل التطور بصورة تدريجية كالزجاج وشمع العسل فإنها لا تنصهر ولا تتحول كيفياً بصورة دفعية وإنما يتم انصهارها تدريجياً[1].

3 ـ يلجأ الناقد بخطوة نقدية جديدة إلى مقابلة الأمثلة التي تضربها الماركسية للتدليل على صحة مبدأ (قفزات التطور) بأدلة يثبت الواقع عكس ما تذهب إليه الماركسية كالمثال الذي يضربه الناقد بالزجاج وشمع العسل. ومن الأمثلة الأكثر وضوحاً التي تتعارض تماماً مع المبدأ الماركسي هو اللغة ونشؤها فهي لا تخضع لهذا القانون الديالكتيكي «فإن تأريخ اللغة لا يحدثنا عن تحولات كيفية آنية في سيرها التاريخي وإنما يعبر عن تحولات تدريجية في اللغة من الناحية الكمية والكيفية فلو كانت اللغة خاضعة لقانون القفزات وتحول التغيرات الكمية التدريجية إلى تغير دفعي حاسم، لكنا نستطيع أن نضع أصابعنا على نقاط فاصلة في حياة اللغة تتحول فيها من شكل إلى شكل نتيجة للتغيرات الكمية البطيئة وهذا ما لا نجده في كل اللغات التي عاشها الإنسان واستخدمها في حياته الاجتماعية»[2].

4 ـ يحاول الناقد أن يسجل عدة ملاحظات حول ما يسميه المثال المدرسي الذي تضربه الفلسفة الماركسية للتدليل على قانون (قفزات التطور) وهو مثال الماء في انجماده وغليانه.

وهذه الملاحظات يمكن تلخيصها بما يأتي[3]:

أ ـ إن حركة الماء التطورية ناتجة عن سبب خارجي وليس عن التناقضات الداخلية في الماء وبذلك يكون السبب الخارجي أيضاً هو من وراء قفزات التطور سواءً كان

(152)

مثال الماء أم التطبيق الاجتماعي الذي تضربه الماركسية مراعية الشبه بين مثال الماء والتطور الاجتماعي وبذلك تزول صفة الحتمية عن تلك القفزات وتكون غير ضرورية إذا لم تكتمل العوامل الخارجية.

ب ـ إن الحركة التطورية في الماء ليست حركة صاعدة بل هي حركة دائرية يتطور فيها الماء إلى بخار ويعود البخار إلى الماء دون أن ينتج عن ذلك تكامل كمي أو كيفي.

ج ـ إن القفزة التطورية للماء إلى غاز نفسها التي حققها بلوغ الحرارة درجة معينة لا تستوعب جميع أجزاء الماء في العالم في وقت واحد فمياه البحار والمحيطات تتبخر تبخراً تدريجياً ولا تقفز بمجموعها مرة واحدة إلى الحالة الغازية.

وأخيراً «فإن تحول الكمية إلى الكيفية لا يمكن أن نطبقهُ على مثال الماء الذي يتحول إلى غاز أو جليد وفقاً لصعود درجة الحرارة فيه وهبوطها كما صنعت الماركسية، لأن الماركسية اعتبرت الحرارة كمية والغاز أو الجليد كيفية، فقررت أن الكمية في المثال تحولت إلى كيفية وهذا المفهوم الماركسي للحرارة أو للغاز أو الجليد لا يقوم على أساس لأن التعبير الكميّ عن الحرارة الذي يستعمله العلم حين يقول إن درجة حرارة الماء مائه أو خمسة ليس هو جوهر الحرارة وإنما هو مظهر للأسلوب العلمي في رد الظواهر الطبيعية إلى كميات ليسهل ضبطها وتحديدها»[1].

رابعاً: الترابط العام

يورد لنا الناقد نصّاً لستالين يؤكد فيه هذا الأصل ـ أي الترابط ـ العام ـ يقول فيه: «إن الديالكتيك خلافاً للميتافيزية، لا يعتبر الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء أو حوادث بعضها منفصل عن بعض أو أحدهما منعزل مستقل عن الآخر، بل يعتبر الطبيعة كلاً واحداً متماسكاً ترتبط فيه الأشياء والحوادث فيما بينها ارتباطاً عضوياً ويتعلق بالآخر

(153)

ويكون بعضها شرطاً لبعض بصورة متقابلة»[1]، وهذا النص واضح ولا يدع أي مجالاً للشك فيما تعني به الماركسية فالطبيعة مترابطة ترابطاً وثيقاً عضوياً لا مجال فيه للانفراد أو التجزء أو دراسة هذه الطبيعة والعالم بصورة منفصلة كما تتهم الماركسية النظرة أو الفلسفة الميتافزيقية.

إن نقد السيد الصدر لهذا الأصل يمكننا رسم صورته وفقاً للنقاط الآتية:

1 ـ يؤكد الناقد أن الاعتقاد وبالارتباط العام في دنيا الطبيعة العالم ليس وقفاً على الماركسية وليس هو من مخترعاتها، بل إن الفلسفة الميتافيزيقية والأسس الفلسفية العامة تؤكد هذا المبدأ في بحوث العلية وقوانينها، ولهذا نرى الناقد يؤكد بصورة واضحة هذه المسألة فنراه يقول بعد أن يستعرض النظرة إلى حوادث العالم التي تكون على ثلاثة أشكال فإما تكون الحوادث على نحو الصدفة أو الضرورة الذاتية للأشياء فيكون الشيء هو سبب ذاته «وكلتا هاتين النظرتين لا تنسجمان مع مبدأ العلية القائل: إن كل حادثة ترتبط في وجودها بأسبابها وشروطها الخاصة لأن هذا المبدأ يرفض الصدفة والاتفاق كما يرفض الضرورية الذاتية للحوادث وبالتالي يعني نظرة أخرى نحو العالم وهي النظرة التي يعتبر فيها العالم مرتبطاً ارتباطاً كاملاً طبقاً لمبدأ العلية وقوانينها ويحتل كل جزء منه موضعه الخاص من الكون الذي تحتمه شرائط وجوده وقافلة أسبابه، وهذه هي النظرة الثالثة التي تقيم الميتافيزيقية على أساسها فهمها للعالم»[2]. والميتافيزيقيا وإن قالت بالارتباط العام ولكنها من جهة ثانية

(154)

تترك تفاصيل ومخططات هذا الارتباط إلى العلوم على اختلاف ألوانها لتشرح تفاصيل هذا الارتباط ولوضع النقاط على الحروف[1].

2 ـ يؤكد الناقد أن الماركسية قد سبقت الميتافيزيقيا والفلسفات الأخرى لا باكتشافها هذا المبدأ، بل كانت سباقة بأنها وظفت هذا المبدأ لأغراضها وأهدافها السياسية أسوةً بالمبادئ الأخرى، فهي سباقة بالتطبيق السياسي لهذا المبدأ لا غير فنقطة الابتكار تتصل بالتطبيق لا بالقانون من حيث وجهته المنطقية والفلسفية[2].

3 ـ يحاول الناقد أن يرفع اشتباه وقعت به الماركسية كانت نتيجتهُ أنها اتّهمت الميتافيزيقيا بعدم الإيمان بالارتباط العام، وهذا الاشتباه أن الماركسية رأت أن الميتافيزيقيا تحاول أن تضع التعاريف لأشياء مستقلة وعدم ملاحظة ارتباطها العام، ومورد هذا الاشتباه كما يؤكد الناقد غير صحيح اطلاقاً وذلك لأن الإيمان بالارتباط العام لا يعني عدم إمكان ملاحظة أي جزء من أجزاء الطبيعة والكون بصورة مستقلة فدراسته وتعريفه الشيء هو إعطاء فكرة عنه ومعرفة العوامل والأسباب التي ترتبط به ليتاح معرفة العوامل والأسباب الأخرى التي ترتبط به أيضاً، وهذا التعريف ـ أي تعريف الشيء ـ لا يقتصر فقط على الميتافيزيقية، بل حتى الماركسية تتخذ هذا الأسلوب لتحقيق هذا الهدف نفسه ـ أي إعطاء فكرة عنه[3].

4 ـ إن الارتباط العام لا يمكن أن يكون دورياً، أي أن يكون على سبيل المثال حادثتين مرتبطتين مع بعضهما بعضًا كل منهما شرطاً لوجود الحادثة الأخرى، فلكل جزء في عالم الطبيعة درجتهُ الوجودية الخاصة به التي تحدد له ما يتصل به من شرائط تؤثر في وجوده ومن ظواهر يؤثر هو في وجودها[4].

(155)

المبحث الثالث

مبدأ العلية[1]

 

لقد أخذ موضوع العلية والأفكار والمسائل التي تدور حوله حيزاً كبيراً في فكر السيد الصدر ذلك لأنه ـ أي المبدأ ـ يدخل في الكثير من المسائل الفلسفية التي طرحها في مؤلفاته. ونحن لا نهدف إلى استعراض آرائه حول هذا الموضوع بقدر ما نحاول توضيح نقده وطبيعة نقده للاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي تبنت فهماً معيناً لمبدأ العلية يختلف عما تبناه الناقد، ولكن هذا لا يعني أننا لا نشير ولو إشارة إجمالية لآرائه حول موضوع العلية، وهذا ما سوف نوضحهُ لاحقاً ولكن قبل توضيحه نجد أن هناك نقطة ومسألة مهمة يجب بيانها. وهي أن السيد الصدر تناول مسائل العلية بصورة مفصلة[2] بعد مناقشته للأصل الرابع من أصول الماركسية (الارتباط العام) لعدة أسباب.

يمكن أن نفهم منها أنهُ:

1 ـ أراد تأكيد إيمانه بالارتباط العام بين الأشياء، وليس هذا الإيمان هو وقفاً على الماركسية.

2 ـ إيمانهُ بالارتباط العام على أساس مبدأ العلية لا على الأساس الديالكتيكي الذي تبنتهُ الماركسية.

(156)

3 ـ إن الإيمان بالارتباط العام على أساس مبدأ العلية سوف يقودنا إلى نتيجة جداً مهمة وجوهرية في فكر السيد الصدر وهي وجود علة أولى أو علة العلل وهو الله سبحانه وتعالى[1].

وعلى العموم من ذلك كله فإنه يمكننا أن نلخص ولو بصورة إجمالية آراء السيد الصدر فيما يتعلق بمبدأ العلية بالنقاط الآتية:

1 ـ إن مبدأ العلية من المبادئ النظرية البديهية أو الضرورية التي لا تحتاج إلى دليل لإثباتها بل هو من أوليات ما يدركهُ البشر في حياتهم الاعتيادية[2].

2 ـ مع تأكيده أن مبدأ العلية من المبادئ العقلية البديهية لكنهُ يؤكد في الوقت نفسه على أننا يمكن أن نستنتجهُ من الاستقراء. فنراه يقول في ذلك: «إنا إذ نؤمن بأن الدليل الاستقرائي كفيل بإثبات السببية بدون حاجة إلى مصادرات قبلية نريد بذلك السببية بالمفهوم العقلي الذي يعبر عن علاقة ضرورة بين السبب والمسبب وأما إذا استبعدنا السببية بالمفهوم العقلي وافترضنا أنهُ لا طريق إلى إثباتها لا قبل الاستقراء ولا بالاستقراء نفسه فليس بالإمكان أن نثبت بالدليل الاستقرائي السببية بالمفهوم التجريبي ولا أي تعميم من التعميمات التي يثبتها الاستقراء عادة»[3] كذلك نراه في نصٍ آخر يؤكد أن مبدأ العلية يمكن الاستدلال عليه بالتجربة «ونحن نختلف مع هيوم في معارضته لقبول مبدأ العلية بوصفة قضية عقلية قبلية فقط: بل نختلف معه أيضاً

(157)

في اعتقاده بأن مبدأ العلية لا يمكن الاستدلال عليه بالتجربة»[1]، أن القول إن هناك قضايا عقلية قبلية محتملة ترسخ مع التجربة قول مهم فهو ينطوي على نقطة في غاية الأهمية وذلك لأن ذلك يعني أن التجربة أصبحت أحد الأدوات اللازمة للفلسفة إذ إنها الأداة التي سوف تثبت بعض القضايا العقلية القبلية المحتملة وبذلك لم يُعد العقل المجرد هو الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها الفلسفة للوصول إلى أهدافها بل إن التجربة أيضاً كفيلة بإثبات جملة من المفاهيم الفلسفية العامة كقضايا السببية[2].

3 ـ الإيمان بوجود واقع موضوعي للحسّ يكتسب عن طريق مبدأ العلية، ولكن الإيمان بوجود هذا الواقع على سبيل الإجمال هو حكم ضروري أولي لا يحتاج إلى دليل[3].

4 ـ إن مبدأ العلية هو من المبادئ أو القوانين الشاملة للوجود سواءً الظواهر الطبيعية أو المادة نفسها أو ما وراء المادة من ألوان الوجود[4].

5 ـ إن النظريات العلمية في مختلف ميادين التجربة والمشاهدة تتوقف بصورة عامة على مبدأ العلية كما أنهُ الركيزة التي تتوقف عليها جميع محاولات الاستدلال في كل مجالات التفكير الإنساني[5].

6 ـ إن كلّ شيء في عالم الإمكان خاضع لمبدأ العلية وموجود طبقاً لقوانينه وإن السبب في هذا الخضوع أو السرّ في احتياج الحقائق الخارجية إلى أسباب هو أن الأشياء حقيقتها الخارجية هو عين التعلق والارتباط أي أن الأشياء لا يُمكن أن تستغني عن شيء تتعلق به وترتبط به ـ وبصورة أدق أن الأشياء المعلولة ليس لها

(158)

حقيقة الأنفس الارتباط بالعلة والتعلق بها[1].

7 ـ هناك ما يسمى بين العلة والمعلول بقانون (التعاصر) أي أن المعلول يجب إن يكون معاصراً للعلة ويرتبط بها كيانه ووجوده فلا يمكن له أن يوجد بعد زوال العلة أو أن يبقى بعد ارتفاعها[2].

هذه بصورة إجمالية أهم آراء السيد الصدر حول مبدأ العلية حاولنا عرضها لتشكل جزء من الصورة النقدية التي يطرحها ضد الماركسية والتي يمكن توضيحها بالنقاط الآتية:

1 ـ إن الماركسية ووفقاً لأصل التناقض الذي تبنتهُ تؤمن بأن أسباب وجود الأشياء أسباب داخلية مبنية على الصراع بين المتناقضات وترفض أن تكون للأشياء علل خارجية ولكنها وعلى الرغم من ذلك نجدها تعترف بعلاقة العلة والمعلول وتفسير وجود الأشياء والظواهر بأسباب خارجية[3]. وهذا ما يعبر عنه الناقد بالتذبذب أو التأرجح بين التناقض والعلية فنراه يقول في ذلك، ولنأخذ مثالاً لهذا التذبذب من تحليلها التاريخي فهي بينما تصر على وجود تناقضات داخلية في صميم الظواهر الاجتماعية كفيلة بتطويرها ضمن حركة ديناميكية تقرر من ناحية أخرى أن الصرح الاجتماعي الهائل يقوم كله على قاعدة واحدة وهي قوى الإنتاج وأن الأوضاع الفكرية والسياسية وما إليها ليست إلا بنى فوقية في ذلك الصرح وانعكاسات بشكلٍ وآخر لطريقة الإنتاج التي قام البناء عليها ومعنى هذا أن العلاقة بين هذه البنى الفوقية وبين قوى الإنتاج هي علاقة معلول بعلة فليس هناك تناقض داخلي وإنما توجد علية[4].

2 ـ كذلك نجد هذا التذبذب بأن الماركسية أرجعت سبب تطور المجتمع لا إلى

(159)

تناقض داخلي أو تناقض طبقي بل إلى تناقض شيئين مستقلين يقوم التناقض بينهما كعلاقات الملكية القديمة وقوى الإنتاج الجديد على سبيل المثال لا شيء واحد يحمل في صميمه نقيضهُ[1].

3 ـ إن الماركسية فسرت العلة والمعلول والعلاقة بينهما تفسيراً ديالكتيكياً حتى يتلاءم مع النتائج المترتبة على الطريقة الديالكتيكية يقول الناقد في ذلك: «فالماركسية ترفض السببية التي تسير على خط مستقيم والتي تظل فيها العلة خارجية بالنسبة إلى معلولها والمعلول سلبياً بالنسبة إلى علته، لأن هذه السببية تتعارض مع الديالكتيك مع عملية النمو والتكامل الذاتي في الطبيعة إذ إن المعلول طبقاً لهذه السببية لا يمكن أن يجيء حينئذ أثرى من علته وأكثر نمواً لأن هذه الزيادة في الثراء والنمو تبقى دون تعليل. وأما المعلول الذي يولد من نقيضه فيتطور وينمو بحركة داخلية طبقاً لما يحتوي من تناقضات ليعود إلى النقيض الذي أولده فيتفاعل معه ويحقق عن طريقة الاندماج مركباً جديداً أكثر اغتناءً وثراءً من العلة والمعلول منفردين، فهذا هو ما تعنيه الماركسية بالعلة والمعلول لأنه يتفق مع الديالكتيك ويعبر عن الثالوث الديالكتيكي: الأطروحة والطباق والتركيب. فالعلة هي الأطروحة والمعلول هو الطباق والمجموع المترابط منهما هو التركيب والعلية هنا عملية نمو وتكامل عن طريق ولادة المعلول من العلة أي الطباق من الأطروحة والمعلول في هذه العملية لا يولد سلبياً بل يولد فروداً بتناقضاته الداخلية التي تنميه وتجعله يحتضن علته إليه في مركب أرقى وأكمل»[2].

(160)

4 ـ إن السببية بمفهومها الديالكتيكي عند الماركسية القائمة على أساس التناقض لا تستند إلى العلم ولا إلى التحليل الفلسفي ولا توجد ما يؤيدها من التجارب في الحقل العلمي ولا حتى تجربة واحدة يمكن أن تبرهن على هذا اللون من السببية كما يرفقها البحث الفلسفي إطلاقاً[1].

5 ـ إن بطلان المفهوم الديالكتيكي لمبدأ العلية عند الماركسية يؤكد رجحان المفهوم الذي يتبناه الناقد لمبدأ العلية الذي يؤكد أن للأشياء عللاً خارجية وأن نظام الوجود محكوم لهذا المبدأ وهذا بدوره يوصلنا إلى نتيجة يؤكدها الناقد في نهاية مناقشته الفلسفية لمبدأ العلية مؤدها أن العلل المتصاعدة في الحساب الفلسفي يجب أن يكون لها بداية أي علة أولى لم تنبثق عن عله سابقة لها[2].

6 ـ إن رفض الفيزياء الذرية ووفقاً لنتائجها التي توصلت إليها لمبدأ العلية هو رفض غير مبرر وغير صحيح فإنها وإن أكدت أن الضبط الحتمي الذي تؤكدهُ العلية وقوانينها لا يصح في مستوى الميكروفيزياء وإن صح على مستوى الفيزياء المدرسية أو فيزياء العين المجردة[3]. ذلك لأنه علماء الميكروفيزياء (الفيزياء الذرية) يرتكزون على فهمٍ خاصٍ لمبدأ العلة مختلف يفهمهُ الناقد وفقاً لتحليله الفلسفي، فالناقد يعتبر مبدأ العلية مبداً عقلياً ضروري فوق التجربة ولم يكن بدليل تجريبي فلو كان مبدأ علمياً قائماً على التجربة أو المشاهدة فكان رهن التجربة في ثبوته وعمومه[4].

إن الملاحظات التي جمعها علماء الميكروفيزياء من تجاربهم العلمية لا يعني

(161)

أن الدليل العلمي يبرهن على خطأ مبدأ العلية وقوانينها بل يمكن أن يكون بسبب نقصان الوسائل العلمية وعدم توفر الأدوات التجريبية التي تتيح للعالم الاطلاع على جميع الشروط والظروف المادية أو بسبب تأثر الموضوع ـ نظراً إلى دقته وضالته بالمقاييس والأدوات العلمية تأثراً دقيقاً لا يقبل القياس والدرس العلمي، فقد تكون دقة الإدارة وقوتها بنفسها سبباً في فشلها إذ تحدث تغيراً في الموضوع الملاحظ فلا يمكن أن يدرس بصورة موضوعية مستقلة[1].

(162)

المبحث الرابع

مبدأ أصل العالم

 

تُعد مسألة أصل العالم أو علة العالم من أهم المسائل الفلسفية التي شغلت حيزاً كبيراً في الفكر الإنساني كذلك في فكر السيد الصدر. ويمكن أن نرصد أهمية هذه المسألة إذا عرفنا أن نقاشه لمسألة أصل العالم هي خاتمة البحث الفلسفي ونتيجته بين الرؤية الإلهية والرؤية المادية، وبعبارةٍ أدق إن بحثه في مسائل الفلسفة من نظرية المعرفة والوجود نتيجتهُ هو حسم النزاع بين الإلهية والمادية في مسألة أصل العالم[1].

في هذه المسألة يُريد الناقد أن يضع الإجابة عن سؤال اختلفت إجابتهُ بين ما تبناه وتتبناه الفلسفة الإلهية وبين ما تتبناه الفلسفة المادية والمادية الديالكتيكية، والسؤال هو: (هل أن فاعل وصانع العالم هو الله (العلة الفاعلية) أو المادة نفسها (العلة المادية)؟ فآمنت الفلسفة الإلهية وهو ما آمن به الناقد أيضاً بأن الله هو الفاعل الحقيقي للعالم وآمنت الفلسفة المادية والماركسية بأن المادة هي الفاعل الحقيقي للعالم فوجدت بين العلة الفاعلية والعلة المادية للعالم طبعاً لقوانين التناقض الديالكتيكية[2].

(163)

إن الآلية التي يضعها الناقد في نقده للفلسفة المادية ونظرتها عن المادة باعتبارها ـ أي المادة ـ هي الأصل أو الفاعل للأشياء يمكن تحديدها كآلاتي:

1 ـ معرفة مدى صحة ما تدعيه الفلسفة المادية بأن المادة هي أصل الأشياء وذلك من خلال التعرف على نتائج البحث العلمي والفلسفي عن طبيعة المادة وحقيقتها.

2 ـ معرفة مدى صحة المقياس المعرفي الذي تضعه الفلسفة المادية لإثبات وجود الأشياء.

3 ـ معرفة طبيعة الأدلة التي تقدمها الفلسفة الإلهية لإثبات خلاف ما تذهب إليه الفلسفة المادية ـ أي إثبات أن أصل العالم هو ليس المادة بل هو الله سبحانه وتعالى[1].

(164)

إن المنهج الذي استخدمه الناقد في تحقيق هذه المحاور الثلاث هو المنهج العلمي والفلسفي فحاول الربط بين نتائج البحث العلمي الفلسفي. ذلك لأن الفلسفة المادية قد اعتمدت على العلم والفلسفة كما تدعي للتوصل إلى نتائجها.

أولاً: المادة على ضوء نتائج البحث العلمي

يعتمد الناقد على الفيزياء في استخلاص عدة نتائج وهي:

1 ـ إن مادة العالم الأصلية حقيقة واحدة مشتركة بين جميع الكائنات تظهر بمختلف الأشكال وتتنوع بشتّى التنوعات، وهذه النتيجة تعتمد على فكرتين حاولتا تفسير طبيعة المواد في عالم الطبيعة[1]:

الفكرة الأولى: إن جميع المواد في عالم الطبيعة مركبة من عناصر بسيطة. وقد أخذ بهذه الفكرة اليونان وبعض علماء العرب واستكشفت الفيزياء الحديثة ما يقارب مائة من العناصر البسيطة التي تتكون منها الأجسام التي يمكن أن تكون أجسام بسيطة تتكون من عناصر بسيطة وأجسام مركبة متكونة من عدة عناصر بسيطة كالماء مثلاً.

الفكرة الثانية: إن المادة متكونة من دقائق بسيطة تسمّى الذَّرات وهذه الذَّرات إما أن تكون متصلة أو منفصلة. فلقد برهنت الفيزياء الحديثة على النظرية الانفصالية وأن العناصر البسيطة مؤلفة من ذرات صغيرة ودقيقة والذّرات تحتوي على نواة مركزية وكهارب تدور بسرعة هائلة حول النواة[2].

(165)

2 ـ إن خواص المركبات المادية عرضية لأنها يمكن أن تزول عن الأشياء، فخاصية السيلان مثلاً في الماء ليست شيئاً ذاتياً له وإنما هو عرضية بدليل أنه مركب من عنصرين فيمكن فصل هذين العنصرين فيعود الماء إلى حالته الغازية وتزول صفة الماء والسيولة عنه[1].

3 ـ خواص العناصر البسيطة ليست ذاتية للمادة والبرهان العلمي على ذلك أنه يمكن تحويل بعض العناصر إلى عناصر أخرى فمثلاً يمكن تحويل اليورانيوم بعد أن يولد ثلاثة أنواع من الأشعة وهي (الفا، بيتا، جاما) إلى عنصر الراديوم والراديوم يمكن تحويله إلى الرصاص[2].

4 ـ إن صفة المادية نفسها هي صفة عرضيته فهي تُعد لوناً من ألوان الطاقة وشكلاً من أشكالها وليس هذا الشكل ذاتياً لها كما في القنبلة الذرية وكما في التجارب العلمية اعتمدت على نظرية (اينشتاين) النسبية[3].

إن نتائج العلم هذه ستقودنا إلى إثبات حقيقة مهمة جداً. وهي أن المادة لا يمكن أن تكون هي أصل العالم وأن العالم سببه المادة وهذا ما يؤكّده الناقد بعد أن يورد هذه النتائج التي استعرضناها بقوله: «وإذا أخذنا تلك النتائج العلمية بعين الاعتبار وجب أن ندرسها درساً فلسفياً لنعرف ما إذا كان في الإمكان أن نفترض المادة هي السبب الأعلى (العلة الفاعلية) للعالم أو لا؟ ولا تردد في أن الجواب الفلسفي على هذا السؤال هو النفي بصورة قاطعة ذلك لأن المادة الأصلية للعالم حقيقة واحدة عامة في جميع مظاهره وكائناته ولا يمكن للحقيقة الواحدة أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها

(166)

فالتحليل العلمي للماء والخشب والتراب وللحديد والأزون والرصاص والراديوم أدّى في نهاية المطاف إلى مادة واحدة نجدها في كل العناصر وتلك المركبات فلا تختلف مادة كل واحد من هذه الأشياء عن مادة غيره ولذلك يمكن تحويل مادة شيء إلى شيء آخر، فكيف يمكن أن نسند إلى تلك المادة الأساسية التي نجدها في الأشياء جميعاً فتنوع تلك الأشياء وحركاتها المختلفة ولو أمكن هذا لكان معناه أن الحقيقة الواحدة قد تناقض ظواهرها وتختلف أحكامها وفي ذلك القضاء الحاسم على جميع العلوم الطبيعية بصورة عامة لأن هذه العلوم قائمة جميعاً على أساس أن الحقيقة الواحدة لها ظواهر ونواميس معينة لا تختلف»[1].

هذا من جانب ومن جانب آخر كما يقول الناقد أيضاً: «قد علمنا على ضوء النتائج العلمية السابقة أن الخصائص والصفات التي تبدو بها المادة في مختلف مجالات وجودها خصائص عرضية للمادة الأصلية أو للواقع المادي المشترك فخصائص المركبات صفات عرضية للعناصر البسيطة وخصائص العناصر البسيطة صفات عرضية للمادة الذرية وصفة المادية نفسها هي أيضاً عرضية كما سبق بدليل إمكان سلب كل واحدة من هذه الصفات وتجريد الواقع المشترك منها فلا يمكن أن تكون المادة ديناميكية وسبباً ذاتياً لاكتساب تلك الخصائص والصفات»[2].

وعلى هذا الأساس ومن خلال نتائج العلم استطاع الناقد أن يصل إلى نتيجة فلسفية مهمة مؤداها أن المادة لا يمكن أن تكون بأي شكل من الأشكال علة واصل العالم كما تدعي ذلك الفلسفة المادية بذلك، وإذا فشلت هذه الفلسفة بإثبات رؤيتها صحت الرؤية الإلهية أو الفلسفة الإلهية بإرجاع أصل الأشياء إلى الله، وليس هذا فحسب بل زيادة على هذا البرهان (برهان الخلف) فإن الأدلة والبراهين على ذلك كثيرة وهذا ما سوف نتعرف عليه لاحقاً.

(167)

إن هذا النقد هو نقد الفلسفة المادية بصورة عامة ورؤيتها المادية عن أصل الأشياء أما الماركسية ففضلاً عن ماديتها المعروفة فإنها أضافت عنصراً جديداً للمادة وهو الحركة ففسرت الأشياء ونشؤها على هذين العنصرين في تفصيل أوضحناه مسبقاً وأواضحنا نقده مفصلاً أيضاً من قبل الناقد. أما تطبيق قانون الحركة على نتائج العلم هل يمكن أن يكتب له النجاح لعله يستطيع أن يقدم تفسيراً مقبولاً لتطور العناصر التي تتكون من عندها الطبيعة؟ هذا ما حاول السيد الصدر تركيز الضوء عليه ليكمل كل جوانب التفسير المادي لنشأة الأشياء في العالم. فالماركسية آمنت بأن جميع أشياء العالم ناتجة بفعل قوانين التطور التي طرحتها وأن التطور قانون شامل لكل الأشياء وحتى العناصر البسيطة التي تتركب منها المادة إلى أن بلغت درجة عنصر اليورانيوم الذي هو أشد هذه العناصر تطوراً وتكاملاً فبدءاً من عنصر الهيدروجين الذي هو أخف العناصر الذي يتطور بسبب التناقض المحتوى في داخله فيصبح عنصراً أرقى وهو الهليوم، والهليوم يحمل نقيضه في داخلة إلى تطور إلى عنصر أرقى منه وهكذا تتصاعد المادة طبقاً للجدول الذري[1]. هذا فيما يخص العناصر البسيطة أما المركبات أيضاً قد شملها هذا التفسير الديالكتيكي فالماء على سبيل المثال وجد بسبب وجود عنصري الأوكسجين والهيدروجين اللذين يمثلان نقيضان يمثل أحدهما إثباتاً والآخر نفياً ثم يتحدان فيكونان الماء[2].

هذا ما يفهمه الناقد من تطور العناصر البسيطة والمركبات في دنيا الطبيعة وفقاً

(168)

لقوانين الديالكتيك. أما نقده لهذا الفهم فيمكن تحديده بالنقاط الآتية:

1 ـ فيما يخص تطور العناصر البسيطة يؤكد الناقد أن الهيدروجين الذي هو بداية العناصر لو كان مشتملاً على نقيضه ومتطور بسبب ذلك وفقاً لقوانين الديالكتيك. فلماذا لم تتكامل وتتطور كل ذرات الهيدروجين واختص هذا التطور ببعض الذرات دون غيرها فإن التكامل لا يعرف التخصيص[1].

2 ـ أما فيما يخص تطور المركبات فلماذا (على سبيل المثال) اختص هذا التطور واتّحاد عنصري الماء ببعض الكمية المعينة من الماء ولم يحصل في كل هيدروجين وأوكسجين[2].

3 ـ إذا فشل التفسير الديالكتيكي في معرفة كل هذه التنوعات الموجودة في عالم الطبيعة صح أن نأخذ بتفسير هذه التنوعات بإرجاعها إلى مبدأ وراء الطبيعة لا المادة نفسها[3].

ثانياً: المقياس التجريبي

عرفنا فيما سبق كيف أن المادة وعلى ضوء نتائج العلم لا يمكن أن تكون هي مبدأ العالم والعلة الفاعلية لها، وحتى نتائج البحث الفلسفي تؤيد من ذلك. ذلك لأن الوحدات المادية التي يتكون منها الأشياء ـ أي الذرات ـ التي تكون قابلة للتجزئة والانتقال فهي متكونة من (مادة) بسيطة وصورة[4]. وإن هذه المادة والصورة لا يمكن

(169)

أن يكون كلاًّ منها مستقلاً عن الآخر فيجب أن يوجد فاعل قد قام بعملية التركيب بينهما وهو الله سبحانه وتعالى الذي يجب أن يكون غنياً في كيانه ووجوده عن شيء آخر عكس المادة التي تكون الوحدات الأساسية فيها ليست غنية في كيانها المادي عن فاعل خارجي لأن كيانها مؤتلف من مادة وصورة فهي بحاجة إليهما معاً وكل من المادة والصورة بحاجة إلى الآخر في وجوده فيجب وينتج من ذلك أن يكون المبدأ الأول خارجاً عن حدود المادة وهو الذي يحدد وجودها الاتصالي أو الانفصالي[1].

وإذا ثبت هذا وعلى ضوء نتائج البحث العلمي والفلسفي فيجب أن يكون مبدأ العالم ليس المادة نفسها كما ادّعت الفلسفة المادية والماركسية وعلى ضوء قوانين الديالكتيك بل هو الله العلة الحقيقية وهو المبدأ الأول وأن الأدلة على وجوده وعلى أنهُ الفاعل والصانع للعالم أدلة كثيرة وقبل معرفة هذه الأدلة والتطرق إليها توجد هناك مسألة جوهرية يجب معرفتها. ووفقاً لآلية البحث التي حددناها مسبقاً يجب أن نعرف السبب الذي جعل أنصار الفلسفة المادية ينكرون المسألة الإلهية.

إن السبب وراء رفض المسألة الإلهية راجع إلى المقياس المعرفي الذي يجعله هؤلاء التجريبيون في إثبات أو رفض الأشياء ألا وهو التجربة والحس. فالمسألة الإلهية مسألة غيبية وراء حدود الحس والتجربة كما يقول التجريبيون فيجب أن نطرحها بعيداً وجانباً ونتجه لما يمكن الظفر به في الميدان التجريبي من حقائق ومعارف ومادام الله سبحانه ليس كائناً محسوساً بالإمكان رؤيته والإحساس بوجوده فلا سبيل إلى إثباته[2].

(170)

إن استخدام الاتجاه الحسيّ والتجريبي لضرب فكرة الإيمان بالله كما يؤكده الناقد كان على يد نزعتين متطرفتين هما النزعة الفلسفية والنزعة المنطقية اللتان وقعتا تدريجياً في تناقض.

ثالثاً: تناقض النزعة الفلسفية:

إن التناقض الذي وقعت به النزعة الفلسفية هو أنها أنكرت الواقع الموضوعي أي إنكار الكون والعالم جملةً وتفصيلاً لأنه ووفقاً للمقياس التجريبي إننا لا نملك سوى الحسّ في معرفة الأشياء وهو ـ أي الحسّ ـ يعرفنا بالأشياء كما نحسها ونراها لا كما هي في الخارج. فالأشياء موجودة فقط في حواسنا وإحساسنا أما وجودها بصورة مستقلة وخارج نطاق وعينا وسابقة على الإحساس فلا يمكن إثباته فعلى سبيل المثال عند رؤية القمر لا نستطيع أن نؤكد إلاّ رؤيتنا وإحساسنا للقمر في تلك اللحظة هل القمر موجود في السماء حقاً وهل كان له وجود قبل أن نفتح أعيننا ونراه؟ فهذا ما وجده أصحاب هذه النزعة أنهم غير قادرين على إثباته وتأكيده. كالأحول الذي يرى أشياء لا وجود لها فهو يؤكد رؤيتها ولكن لا يؤكد وجودها في الواقع. وبهذا قضت النزعة الفلسفية في النهاية على الحسّ نفسه كوسيلة للمعرفة وأصبح هو الحدّ النهائي لها بدلاً من أن يكون وسيلة وعادت المعرفة الحسيّة كلها مجرد ظاهرة لا وجود لها بصورة مستقلة عن وعينا وإدراكنا[1].

رابعاً: تناقض النزعة المنطقية:

إن خير من يمثل هذه النزعة هي الوضعية المنطقية التي أكدت أن كل جملة لا يمكن التأكد من صحتها أو صدق مدلولها أو كذبه بالحسِّ والتجربة فهي كلام فارغ من المعنى وعلى العكس من ذلك فإن الجملة التي يمكن التأكد من صحتها وصدق

(171)

مدلولها بالحسِّ والتجربة فإنها ذات معنى[1]. فإن قلنا على سبيل المثال إن المطر ينزل في الشتاء فإن هذه الجملة صادقة في مدلولها ولها معنى، وإذا قلنا إن المطر ينزل في الصيف فإن هذه الجملة لها معنى وكاذبة في مدلولها، وإذا قلنا إن شيئاً لا يمكن أن يرى أو يحس ينزل في ليلة القدر فهذه الجملة ليس لها معنى فضلاً على أنها صادقة أو كاذبة إذ لا يمكن التأكد من صدق مدلولها أو كذبه بالحسِّ والتجربة، فعلى هذا الأساس إذا قلنا إن الله موجود فإن هذه الجملة ليس لها معنى لأن وجود الله لا يمكن التعرف عليه بالحسِّ والتجربة[2].

إن تناقض هذه النزعة المنطقية يكمن بأن المقياس الذي جعلته الوضعية المنطقية وأعطته صفة التعميم هو نفسه شيء لا يمكن التعرف عليه بالحسِّ والتجربة فهو كلام فارغ من المعنى بحكم ما يحمل من قرار، كذلك إن هذا التعميم الذي تصدره هو فارغ من المعنى وكل تعميم يتجاوز نطاق الحسّ لأن الحسّ لا يقع إلاّ على حالات جزئية محدودة وهي بهذا تنتهي إلى تناقض مع نفسها فضلاً عن تناقضها مع التعميمات العلمية التي يفسر بها العلماء ظواهر الكون تفسيراً شاملاً[3].

أدلة وجود الله

بعد التعرف على عدم جدوى مدعى الفلسفة المادية بأن المادة هي أصل العالم من خلال نتائج البحث العلمي والنتائج الفلسفية المترتبة عليها ومعرفة أيضاً عدم صحة المقياس الذي يضعهُ التجريبيون في رفض وجود الله لأنه ما يقع خارج نطاق الحسّ أو أن وجوده قضية ليس لها معنى ولا يمكن التأكد من صحة مدلولها لا بالحسِّ ولا بالتجربة، ننتقل إلى الأدلة التي يقدمها الناقد لإثبات نقيض المادة الذي

(172)

جعلتها الفلسفة المادية الأصل الذي انبثق عنه العالم والتي كما رأينا لا تصح أن تكون أصل العالم.

إن الأدلة التي يقدمها الناقد تمتلك خاصتين أولهما: إنها تثبت وجود الله وثانيهما: إنها تثبت أن الله هو العلة الحقيقية لوجود العالم، ونحن سوف نبدأ بالأدلة التي يقدمها السيد الشهيد في إثبات وجود الله ثم ننتقل إلى أدلة علية الله للعالم وأنهُ الصانع والخالق لأشياءه.

إن أبرز دليلين يقدمهما الناقد لإثبات وجود الله هو الدليل العلمي والدليل الفلسفي والذي يهمنا أكثر هو الدليل العلمي لأن كما يؤكده الناقد هذا الدليل هو نفسه الذي نستخدمه لإثبات حقائق الحياة اليومية والحقائق العلمية[1]. فيكون هذا الدليل رداً حاسماً على الفلسفة المادية والتجربتين لأن هذا الدليل يعتمد على حقائق الحياة اليومية المحسوسة.

الدليل العلمي

يقول السيد الصدر في بداية شرحه وتوضيحه لطبيعة هذا الدليل: «ومنهج الدليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات له صيغ معقدة وبدرجة عالية من الدقه وتقيمه الشامل الدقيق يتم من خلال دراسة تحليلية كاملة للأسس المنطقية للاستقراء ونظرية الاحتمال ونحن نحرص هنا على تفادي الصعوبات والابتعاد عن أي صيغ معقدة أو تحصيل عسير الفهم»[2].

فعلى هذا الأساس إن الدليل العلمي دليل يحتاج لمعرفة تفاصيله وإلى معرفة الاستقراء ونظرية الاحتمال وهذا يحتاج حقيقيةً منا لتوضيح تفاصيل كثيرة عن

(173)

طبيعة هذا الدليل ومقدماته وهذا مما لا يسعه طبيعة تسلسل بحوث الفصل.

ولهذا سوف نراعي في عرض هذا الدليل الاختصار الذي راعاه الناقد أيضاً:

أ ـ تحديد المنهج وخطواته[1]:

1 ـ يواجه الإنسان في مجال الحسّ والتجربة ظواهر عديدة.

2 ـ بعد ملاحظة وتجميع الظواهر الطبيعية المتعددة نحاول وضع تفسير لها وإيجاد فرضية صالحة لها تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر.

3 ـ ملاحظة هذه الفرضية فإذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة تواجد جميع تلك الظواهر مجتمعة ضئيلة جداً بمعنى أنه على افتراض عدم صحة الفرضية تكون نسبة احتمال وجودها إلى احتمال عدمها أو عدم واحد منها على الأقل ضئيلة جداً كواحد في المائة أو واحد في الألف.

4 ـ نستخلص من ذلك أن الفرضية صادقة ويكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظواهر التي أحسسنا بوجودها في الخطوة الأولى.

5 ـ إن درجة إثبات تلك الظواهر للفرضية المطروحة في الخطوة الثانية تتناسب عكسياً مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر جميعاً إلى احتمال عدمها على افتراض كذب الفرضية

فكلما كانت هذه النسبة أقل كانت درجة الإثبات أكبر حتى تبلغ في حالات اعتيادية كثيرة إلى درجة اليقين الكامل بصحة الفرضية.

ب ـ تطبيق المنهج لإثبات الصانع (الله) بعد أن يحدد لنا السيد الشهيد خطوات الدليل العلمي يحاول تطبيقها للاستدلال على وجود الصانع الحكيم وذلك وفقاً للخطوات الآتية[2]:

(174)

1 ـ الخطوة الأولى: ملاحظة التوافق بين ظواهر كونية وحياتية وبين حاجة الإنسان ككائن حي وتيسير الحياة له على نحو أن أي بديل لأي ظاهرة من تلك الظواهر(الكونية والحياتية)

يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلها ـ ومن أمثلة هذه الظواهر هي:

أ ـ توافق كمية الحرارة من الشمس مع الحياة على الأرض بشكل أن زيادتها أو نقصانها يسبب تعطل الحياة.

ب ـ وجود كمية كافية من الأوكسجين للحياة مع احتجاز قشرة الأرض والمحيطات إلى الكمية الأكبر من الأوكسجين.

ج ـ تبادل غاز الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون بين النباتات وبين الحيوانات بشكل متوازن.

د ـ بعد القمر عن الأرض بمسافة معينة تتوافق مع تيسير الحياة العملية للإنسان على الأرض.

هـ  وجود الغرائز في الحيوانات بشكل يؤدي إلى استمرارية الحياة على الأرض.

2 ـ الخطوة الثانية: نضع الفرضية التي تفسر لنا هذا التوافق المستمر بين الظواهر الطبيعية وضمان وتيسير الحياة في ملايين الحالات. وهي أن نفترض صانعاً حكيماً لهذا الكون.

3 ـ الخطوة الثالثة: نتساءل إذا لم تكن فرضية الصانع الحكيم ثابتة في الواقع فما مدى أن تتواجد كل هذه الحالات والتوافقات بين الظواهر الطبيعية وتيسير الحياة على مجموعة من الصدف.

4 ـ الخطوة الرابعة: ترجيح الفرضية التي طرحتها الخطوة الثالثة بدرجة لا يشعر بها الشك أي أن هناك صانعاً حكيماً.

(175)

5 ـ الخطوة الخامسة: نربط بين هذا الترجح (الخطوة الرابعة) وبين ضالة الاحتمال التي قررناها في الخطوة الثالثة فكلما ازداد الاحتمال في الخطوة الثالثة ضالة ازداد عدد الصدف التي لا بدّ من افتراضها فيه فيكون هذا الاحتمال ضيئلاً بدرجة لا تماثلها احتمالات الخطوة الثالثة في الاستدلال على أي قانون علمي لأن عدد الصدف التي لا بدّ من افتراضها في احتمال الخطوة الثالثة أكثر من عددها في أي احتمال مناظر وكل احتمال من هذا القبيل فمن الضروري أن يزول.

وهكذا نصل إلى النتيجة القاطعة وهي أن للكون صانعاً حكيماً بدلالة كل ما في هذا الكون من آيات الإثبات والتدبير[1].

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[2].

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )[3].

أما الأدلة التي تثبت علية الله للأشياء زيادة على وجوده فهي كثيرة كما يقدمها الناقد.

1 ـ دليل الحركة

وهو يقوم على أن المادة في حركة مستمرة وهذه المسألة كما يؤكد الناقد متفق

(176)

عليها ومن المسلمات التي لا جدول عليها. فهل سبب الحركة المادة نفسها أم شيء آخر غير المادة؟ ويجيب السيد الصدر على هذا السؤال مؤكداً أنهُ من الضروري تعدد المتحرك والمحرك لأن الحركة تطور وتكامل تدريجي للشيء الناقص ولا يمكن للشيء الناقص أن يطور نفسه ويكمل وجوده تدريجياً وبصورة ذاتية، فسبب الحركة التطورية للمادة ليس هو المادة نفسها بل مبدأ وراء المادة يحدها بالتطور الدائم ويفيض عليها الحركة الصاعدة والتكامل المتدرج[1].

2 ـ الأدلة المستندة إلى العلوم الطبيعية (المكتشفات العلمية الحديثة)

وهي الأدلة التي تستند إلى النظر إلى عالم الطبيعة وما فيه من العناية والتدبير والغاية والقصد والتساؤل عن السبب وراء كل هذا هل هي المادة؟ أو الخالق العظيم؟ وهنا يستعرض لنا الناقد عدة مسائل تستند إلى عالم الطبيعة وإلى المكتشفات العلمية الحديثة ليؤكد من خلالها وجود الله وعنايته بالعالم، فعلى سبيل المثال عندما ننظر إلى فيزلوجيا الإنسان نجد هناك من الحقائق المدهشة التي تدل على عظمة الخالق فعلى سبيل المثال لو نظرنا إلى الجهاز الهضمي وما فيه من أساليب التحليل الكيمائي وتوزيع المواد الغذائية وتحولها إلى عظام وشعر وأسنان وأظافر وأعصاب، ولو نظرنا إلى الخلايا الحية والجهاز البصري الصغير وما فيه من روعة الإتقان سوف تدلنا هذه الشواهد على عناية وتدبير وقدرة الله ولا يمكن أن تكون المادة العمياء التي لا تحمل القصد من وراء كل هذا[2].

أما فيما يخص علم الوراثة فإنه يمدنا ومن خلال مكتشفاته العلمية بالأدلة الواضحة على العناية الإلهية والتدبير والقصد الإلهي من نظام الوراثة الدقيق وقوة الجينات التي توجه بها جميع خلايا الجسم وتنشئ للحيوان شخصيته وصفاته؛ فهل

(177)

هذا يدل على المادة والصدفة والإتقان أم يدل على الله سبحانه وتعالى[1]. وكذلك الحقائق العلمية التي تقدمها لنا العلوم الأخرى كالبيولوجيا وعلم النفس فإنها جميعاً شواهد على وجود الله وعنايته وتدبيره للأشياء وللعالم والكون بأجمعه وبكلّ تفاصيله[2].

وعلى ضوء ما تقدم نصل إلى نتيجة يؤكدها الناقد في نهاية استعراضه لهذه الأدلة

بقوله «ولنلتفت ـ بعد كل ما سقناه من دلائل الوجدان على وجود القوة الحكيمة الخلاقة ـ إلى الفرضية المادية، لنعرف في ضوء ذلك مدى سخفها وتفاهتها فإن هذه الفرضية حين تزعم أن الكون بما زخر به من أسرار النظام وبدائع الخلقة والتكوين وقد أوجدته عله لا تملك ذرة من الحكمة والقصد تفوق في سخفها وغرابتها آلاف المرات من يجد ديواناً ضخماً من أروع الشعر وأرقاه أو كتاباً علمياً زاخراً بالأسرار والاكتشافات فيزعم أن طفلاً كان يلعب بالقلم على الورق فاتفق أن ترتبت الحروف فتكون منها ديوان شعر أو كتاب علم»[3].

(178)

المبحث الخامس

المادية التأريخية[1]

 

لقد عملت الفلسفة الماركسية على تطبيق فلسفتها المادية على جميع نواحي الحياة والعالم، ولقد رأينا في المباحث المتقدمة كيف أنها فسرت العالم تفسيراً مادياً وكيف أن السيد الصدر حاول أن ينقد هذا التفسير ويطرح التفسير الإلهي للعالم.

فسرت الماركسية التاريخ الإنساني والمجتمع تفسيراً مادياً بإرجاعها حركة التاريخ والمجتمع إلى العامل الاقتصادي الذي هو عاملٌ ماديٌ صرف فهذا لينين يقول في هذا الصدد: «إن اكتشاف المفهوم المادي عن التاريخ أو بتعبير أدق تطبيق وتوسيع المادية بدأب وانسجام إلى النهاية حتى تشمل ميدان الظاهرات الاجتماعية، قد قضى على عيبين رئيسيين في النظريات التاريخية السابقة.

أولاً: لم تكن هذه النظريات تأخذ بعين الاعتبار في أحسن الحالات غير الدوافع الفكرية لنشاط الناس التاريخي، دون أن تبحث عما يولد هذه الدوافع، دون أن تدرك القوانيين الموضوعية التي تسير تطور نظام العلاقات الاجتماعية دون أن ترى جذور هذه العلاقات في درجة تطور الإنتاج المادي.

ثانياً: كانت النظريات السابقة تهمل على وجه الضبط عمل جماهير السكان بينما مكنت المادية التاريخية لأول مرة من دراسة الظروف الاجتماعية لحياة الجماهير، ومن دراسة تغيرات هذه الظروف بدقة العلوم الطبيعية. لقد شقت الماركسية الطريق

(179)

أمام دراسة شاملة لعملية نشوء تشكيلات المجتمع الاقتصادية وتطورها وانهيارها وذلك بتحليلها مجموعة الميول المتناقضة وردها إلى ظروف المعيشة والإنتاج الواضحة المعالم، لمختلف طبقات المجتمع وبأبعادها اختيار الأفكار «القائدة» أو تأويلها على نحو ذاتي واعتباطي وبكشفها عن جذور جميع الأفكار وجميع الميول المتباينة في أوضاع القوى المنتجة المادية من دون استثناء)[1].

كذلك نجد ستالين يؤكدهُ لينين من مادية التأريخ بقوله «فأدوات الإنتاج التي بمعونتها تنتج الحاجات المادية، والناس الذين يستعملون أدوات الإنتاج هذه وينتجون الحاجات المادية بفضل ما لديهم من تجربة في الإنتاج ومن عادات للعمل تلك هي العناصر التي تؤلف بمجموعها قوى المجتمع المنتجة»[2].

أما بليخانوف[3] فإنهُ يقول في ذلك: «إن تنظيم أي مجتمع، إنما تقرره حالة قواه المنتجة فكلما تبدلت هذه الحالة تبدل التنظيم الاجتماعي هو الآخر عاجلاً أم آجلاً وينتج من ذلك أن التنظيم الاجتماعي يبقى في وضع غير مستقر مادامت القوى الاجتماعية في حالة تطور»[4].

ومن هذه النصوص نفهم أن الماركسية آمنت بمادية التاريخ وأن التاريخ البشري يسير وفقاً للدافع الاقتصادي وهي بذلك تكون من النظريات التاريخية التي تؤمن بالعامل الواحد في تفسير التاريخ[5]. كذلك نفهم أن الماركسية أو بعبارةٍ أدق المادية التاريخية تجعل الإصالة للاحتياجات المادية وتقدمها على الاحتياجات المعنوية بل

(180)

إن الاحتياجات المادية هي التي تعين أفكار المجتمع وأوضاعه السياسية يقول ستالين في ذلك: «وبعد أن صح أن الطبيعة أو الكائن أو العالم المادي هو العنصر الأول بينما الإدراك، أو الفكر هو العنصر الثاني، المشتق وإذا صح أن العالم المادي هو واقع موضوعي موجود بصورة مستقلة عن إدراك الناس بينما الإدراك هو انعكاس هذا الواقع الموضوعي نتج من ذلك:

إن حياة المجتمع المادية أو موجود المجتمع هو أيضاً العنصر الأول، أما حياة المجتمع العقلية فهي عنصرٍ ثانٍ مشتق وأن حياة المجتمع المادية هي واقع موضوعي موجود بصورة مستقلة عن إرادة الإنسان أما حياة المجتمع العقلية فهي انعكاس هذا الواقع الموضوعي أو انعكاس الموجود»[1].

إذا فهمنا هذا بقي أن نفهم كيف يستطيع العامل الاقتصادي حسب رأي المادية التاريخية يشكل طبيعة المجتمع وكيف يكون الدافع الوحيد لحركة التاريخ؟

إن المادية التاريخية تؤكد على أن وسائل الإنتاج أو الآت الإنتاج تعمل على تكوين قوى اجتماعية منتجة يقول ستالين: «فأدوات الإنتاج التي بمعونتها تنتج الحاجات المادية والناس الذين يستعملون أدوات الإنتاج هذه وينتجون الحاجات المادية بفضل ما لديهم من تجربة في الإنتاج ومن عادات للعمل، تلك هي العناصر التي تؤلف بمجموعها قوى المجتمع المنتجة»[2]، إن هذه القوى المنتجة في تطور مستمر تبعاً لوسائل الإنتاج وهذا التطور المستمر لقوى الإنتاج المتناسب طردياً مع وسائل الإنتاج سوف يولد ما يسمّى بعلاقات الإنتاج التي تقوم بين الناس التي هي في الحقيقة علاقات الملكية التي تؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، وباستمرار نمو وتطور القوى المنتجة فإنها سوف تدخل في صراع وتناقض مع الوضع الاقتصادي

(181)

السابق الذي شكلته قوى الإنتاج السابقة من خلال علاقات الإنتاج أو علاقات الملكية، وهنا يبدأ الصراع بين القوى المنتجة لوسائل الإنتاج في مرحلتها الجديدة من ناحية وعلاقات الملكية والأوضاع الاقتصادية التي خلفتها المرحلة السابقة لقوى الإنتاج من ناحية أخرى[1].

إن هذا الصراع بين القوى المنتجة النامية وعلاقات الملكية القائمة ينعكس على الصعيد الاجتماعي فيكون الصراع بين طبقتين أحدهما: الطبقة الاجتماعية التي تتفق مصالحها مع نمو القوى المنتجة ومستلزماته الاجتماعية والأخرى: الطبقة الاجتماعية التي تتفق مصالحها مع علاقات الملكية القائمة[2]. وإن هذا الصراع أو التناقض لا يقف بل هو في حالة استمرارية ما دامت القوى المنتجة تتحرك وتنمو وبنموها وتحركها سيبقى التناقض والصراع بين الطبقات الاجتماعية مستمراً.

لقد حاولت المادية التاريخية تطبيق أصول فلسفتها المادية على التاريخ والمجتمع وهذا ما رأيناه بكلّ وضوح من صراع وتناقض بين القوى المنتجة والطبقة الاجتماعية الناتجة من العلاقات الإنتاجية وهذا ما نراه أيضاً في قولٍ لستالين يؤكد فيه هذه المسألة إذ نراه يقول: «وليس من الصعب أن ندرك ما هنالك من أهمية عظمى في إخضاع دراسة الحياة الاجتماعية ودرس تاريخ المجتمع لمبادئ الطريقة الديالكتيكية وما هنالك من أهمية عظمى في تطبيق هذه المبادئ على تاريخ المجتمع وعلى النشاط العملي لحزب البروليتاريا»[3].

كذلك يقول: «وبعد إذا صح أن الانتقال من التغيرات الكمية البطيئة إلى تغيرات كيفية فجائية وسريعة هو قانون للتطور فمن الواضح أن الثورات التي تقوم بها

(182)

الطبقات المضطهدة هي حادث طبيعي تماماً ولا مناص منه»[1].

وعلى ضوء ما تقدم نستطيع أن نحدد مسألتين مهمتين امتازت بها المادية التاريخية أولهما: مادية التاريخ. وثانيهما: ديالكتيكية حركته. وعلى ضوء هاتين المسألتين نستطيع أن نحدد نقد السيد الصدر للمادية التاريخية.

أولاً: مادية التاريخ

يمكننا تحديد نقد السيد الصدر لمادية التاريخ بالنقاط الآتية:

1 ـ لا صحة للربط بين المادية الفلسفية التي تتبناها الماركسية والمادية التاريخية فليس من الضروري أن نفسر التاريخ كما تفسره الماركسية[2].

2 ـ لقد آمنت الماركسية بنسبية المعرفة الإنسانية لأن المعرفة الإنسانية هي وليدة الظروف الاقتصادية والاجتماعية فهي متغيرة ومتطورة. فعلى هذا الاساس لا يصح أن نصف المادية التاريخية بالحقيقة المطلقة التي لا تقبل التغير والتعديل ولا يصبها شيء من عطل أو عجز في مجرى تاريخ البشرية الطويل[3].

3 ـ إن الماركسية قد آمنت بأن وسائل الإنتاج أو العامل الاقتصادي هو السبب الرئيسي في حركة التاريخ وهي ـ أي وسائل الإنتاج ـ ليست ثابتة وجامدة بل هي متغيرة ومتطور على مر الزمن وإذا كانت كذلك فمن حقنا ـ كما يقول الناقد ـ أن نتساءل عن السبب الأعمق الذي يطور القوى المنتجة ويكمن وراء تأريخها الطويل. والماركسيين لا يستطيعون الإجابة عن هذا التساؤل لأنهم لا يعترفون بوجود سبب أعمق للتاريخ وراء القوى المنتجة لأن ذلك يناقض الفكرة الأساسية

(183)

في المادية التاريخية القائلة بأن وسائل الإنتاج هي المرجع الأعلى في دنيا التاريخ[1].

4 ـ إن الماركسية حينما وضعت مفهومها الخاص عن التاريخ لم تكن تملك سنداً علمياً سوى الملاحظة التي رأتها كافية وهذه الملاحظة الممدودة غير كافية وحدها لاستكشاف قوانين التاريخ كلها واليقين العلمي بها، وذلك لأن طبيعة البحث التاريخي مختلف عن طبيعة البحث العلمي الذي يمكن أن يستند إلى ملاحظة بعض الظواهر ويعممها، أما في البحث التاريخي فيحتاج الباحث التاريخي إلى ملاحظة دقيقة كل الحوادث التاريخية حتى يستخلص منها النتيجة، وهذا ما لم تفعله الماركسية إذ إنها استندت في تفسيرها للتاريخ إلى بعض النماذج التاريخية التي تتلاءم مع تفسيرها التاريخي[2].

ثانياً: ديالكتيكية التاريخ

لقد حاولت الماركسية تطبيق المنطق الديالكتيكي على التاريخ وخصوصاً قانون التناقض فرأت أن هذا التناقض يتخذ مدلوله الاجتماعي من خلال الصراع المرير بين الطبقة المالكة وبين الطبقة العاملة، وهذا الصراع يشتد كلما تطورت الآلة الصناعية وتعقدت.

إن نقد السيد الصدر للتناقض الطبقي الذي آمنت به الماركسية لتفسير التاريخ يمكن أن نفهمه بالشكل الآتي:

1 ـ إن التناقض الطبقي ليس هو الشكل الوحيد من أشكال التناقض وإنما هناك أكثر من شكل وأن كل هذه الأشكال من التناقض على الساحة الاجتماعية هو وليد تناقض رئيس هو جدل الإنسان وهو الجدل المخبوء في داخل محتوى الإنسان[3].

(184)

2 ـ إن التجربة البشرية تثبت عكس ما ذهبت إليه الماركسية فمثلاً كنا نتوقع أن يزداد يوماً بعد يوم التناقض الطبقي والصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة في المجتمعات الأوروبية الصناعية التي تطورت فيها الآلة تطوراًً كبيراً، كان من المفروض أن هذه المجتمعات كانجلترا أو الولايات الأمريكية المتحدة وفرنسا وألمانيا يشتد فيها التناقض الطبقي والصراع يوماً بعد يوم، ويتزلزل النظام الرأسمالي المستغل ويتداعى يوماً بعد يوم. لكن ما وقع خارجاً هو عكس ذلك تماماً فإن النظام الرأسمالي في الدول الرأسمالية المستغّلة يزداد ترسخاً يوماً بعد يوم ويزاد تمحوراً وعملقة يوماً بعد يوم[1].

3 ـ لقد آمنت الماركسية بأن الأوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها هي بنى فوقية وانعكاسات بشكلٍ آخر لطريقة الإنتاج، فالعلاقة إذن بين هذه البنى وبين طريقة الإنتاج هي علاقة معلول بعلة، وهذا يعني أن الظواهر الاجتماعية الفوقية لم تنشأ بطريقة ديالكتيكية وفقاً للتناقضات الداخلية فيها وإنما وجدت بأسباب خارجة عن محتواها الداخلي[2].

وعلى ضوء ما تقدم من مباحث هذا الفصل اتّضح لدينا أن السيد الصدر حاول أن يسلط نقده على الرؤية المادية للعالم التي تبنتها الفلسفات المادية وخصوصاً الفلسفة الماركسية وكيف أن هذه الفلسفة المادية لا تستطيع أن تكون مفهوماً فلسفياً صحيحاً عن العالم، وذلك لأنها اعتمدت على مقاييس وآليات غير صحيحة لفهم العالم ودراستة، وأن الفلسفة إلالهية التي تبناها الناقد تستطيع أن تقدم مفهوماً حقيقياً عن العالم لأنها اعتمدت على براهين فلسفية وعلمية قد قصرت الفلسفة المادية في الاعتماد عليها.

(185)

الخاتمة

 

إذا تكلمنا في مقدمة البحث عن عدة تساؤلات كانت تراود الباحث وكانت الإجابة عنها ضرورة ملحة لكي يستقيم البحث بصورته الصحيحة. فإننا نتكلم في الخاتمة عن عدة إجابات لم يطرحها الباحث بقدر ما طرحها البحث والسياق العام للفصول.

فعلى هذا الأساس فإن النتائج التي سوف نتكلم عنها تمثل هذه الإجابات والتي يمكن أن تكون على نحوين:

1 ـ نتائج عامة مستنتجة من الطابع العام للبحث وهي تتعلق بالمنهج النقدي وآليات هذا المنهج.

2 ـ نتائج خاصة مستنتجة من كل فصل على حدا قد أشارات الفصول لها ولكن بصورة يمكن أن تكون غير واضحة، فنحن هنا نحددها حتى تكون واضحة. ويمكن أن تكون الفصول قد أغفلت عنها.

أولاً: النتائج العامة

إن أهم ما يمكن التركيز عليه في النتائج العامة وكما أسلفنا هو المنهج النقدي. فما طبيعة هذا المنهج؟ وما هي أشكاله؟ وما هي آلياته؟

إن ما يمكن ملاحظته في المنهج النقدي عند المفكّر الصدر هو أن نقدهُ كان نقداً موضوعياً بعيداً كل البعد عن الذاتية وعن الأحكام المسبقة ومحدودية نظر الناقد. بل على العكس من ذلك كان هذا المنهج يعتمد على الحقائق الواقعية للمنقود

(186)

والاستدلال الفلسفي الواضح ومتابعة دقيقة للأفكار والنظريات وقراءة الآخر قراءة مباشرة وهذا ما نلاحظه بصورة واضحة في نقده للماركسية واعتماده على أمهات المصادر الماركسية والابتعاد قدر المستطاع عن قراءات الماركسية.

أما لو جئنا لأشكال هذا المنهج فإننا نجد أن هناك أكثر من شكل واحد بحسب ما يتطلبه الموضوع محل النقد، فعلى سبيل المثال نجد أن الناقد يستخدم المنهج المقارن إذا تطلب الموضوع محل النقد، فعلى سبيل المثال نجد أن الناقد يستخدم المنهج المقارن إذا تطلب الموضوع ذلك، وهذا ما رأيناه في نقده للأطر العامة والقواعد الفكرية للفكر الغربي وما تترتب عليها من نظرة للعالم والأشياء وسلوكيات والأخلاقيات مقارناً بينها وبين الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي وقاعدته الفكرية وما يترتب عليها من نظرة للأشياء وللعالم والسلوكيات والأخلاقيات التي تفرضها هذه النظرة.

أما المنهج التحليلي فلقد اعتمد عليه الناقد اعتماداً رئيساً ويصوره واسعه في نقده للأفكار الفلسفية للفلسفات المعاصرة لما يتطلبه هذا المنهج من متابعة الفكرة وتحليل أجزاءها ومتابعة نموها والنتائج المترتبة عليها. وهذا ما نراه بصورة واضحة وعلى سبيل المثال لا الحصر في نقده لأصول الفلسفة الماركسية.

أما عن آليات أو الأدوات الفكرية للمنهج فإننا نجدها مختلفة باختلاف المنهج النقدي. لكننا نستطيع تحديد أهمها. فنراه يستخدم الاستدلال الفلسفي الذي يعتمد على العقل وقوانينه وكذلك يعتمد على الحسّ والتجربة والوجدان والحقائق العلمية والاستقراء المنطقي. فعلى سبيل المثال نراه يعتمد على العلم ونتائجه في نقده للفلسفة المادية التي تؤمن بأن المادة هي مبدأ العالم وأصله فيحاول أن يحدد معنى المادة بالاعتماد على نتائج العلم.

(187)

ثانياً: النتائج الخاصة

نستطيع أن نحدد عدة نتائج منها:

1 ـ إن أهم مسألة قد ركز عليها السيد الصدر في مؤلفاته ذات الطابع الفلسفي هي مسألة المفهوم الفلسفي للعالم. هل هو المفهوم الإلهي أم المادي ولهذا كان تعرضه لمبحث نظرية المعرفة بمثابة المقدمة لهذه المسألة وهذا ما أكدهُ من خلال تنسيق فصول مؤلفه وترتيبها في (فلسفتنا) و(الأسس المنطقية للاستقراء) أو كما صرح بذلك مباشرة من خلال نصوص نقلناها له.

2 ـ إن المدارس الفلسفية المعاصرة التي اعتمدت على الحسّ والتجربة العلمية لم توقف في اعتمادها هذا لأن الكثير من معارف الإنسان تعتمد على العقل والمبادئ النظرية فيه (كقانون عدم التناقض) التي رفضته ووقفت موقفاً سلبياً اتجاهه على العكس من ذلك نجد المذهب العقلي الذي استطاع التوصل إلى حقائق يقينه باعتماده على هذه المبادئ النظرية.

3 ـ إن الفلسفة الماركسية والبراجماتية هي فلسفات غير يقينه لأنها اعتمدت على الحسّ والتجربة كما في الماركسية أو أنها اعتمدت المنفعة الناتجة من المعرفة كما في الفلسفة البراجماتية فلهذا نراها فلسفات نسبية وقريبة للشك.

4 ـ هناك الكثير من التناقضات التي وقعت فيها الماركسية في طرحها لأصولها الفلسفية وهذه التناقضات راجعة لعدم دقتها العلمية في طرح هذه الأصول.

5 ـ القول بمادية العالم لا يمكن إثباته لا عن طريق نتائج العلوم ولا نتائج البحث الفلسفي فكلا الطريقين يثبتان أن مبدأ العالم هو ليس المادة بل هو الله سبحانه وتعالى.

6 ـ إن المقايس التي تضعها الماركسية والوضعية المنطقية في رفض الميتافيزيقيا

(188)

هي مقاييس خاطئة وأن تطبيقها سوف يهدم فلسفتهم نفسها فمثلاً تعتبر الوضعية المنطقية المسائل الميتافزيقية مسائل خالية من المعنى أو فارغة لأنها ليس لها مدلول حسيّ، وهذا المقياس يجعل الكثير من الحقائق العلمية ليس لها وجود أو معنى وهذا بحدِّ ذاته تناقض ومثالية ذاتية.

7 ـ ليس كل من يرفض الرؤية المادية هو مثالي فإننا نجد كما يؤكده السيد الصدر أن الواقعية الإلهية ترفض مادية العالم لكنها في الوقت نفسه ترفض الفلسفة المثالية.

8 ـ إن المادية التاريخية لا تستطيع أن تقدم تفسيراً حقيقياً عن التاريخ ذلك لأنها لم تستطع أن تستوعب أصول البحث التاريخي واعتمدت على الرؤية المادية في تفسير التاريخ والمجتمع وهذه الرؤية قاصرة في فهم مجرى حوادث التاريخ.

(189)

المصادر

أولاً: المراجع والكتب

 

1.  القرآن الكريم

2.  إبراهيميان، حسن. نظرية المعرفة. تعريب الشيخ فضيل الجزائري. مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر. ط1. لبنان. بيروت. 2004 م.

3.  أبو رغيف، عمار. نظرية المعرفة بين الشهيدين المطهري والصدر. دراسة منشورة ضمن مؤلف بعنوان (دراسة في الحكمة والمنهج). دار الفقه للطباعة والنشر. ط1. إيران. 1384 هـ. ش.

4.  ـ الأسس المنطقية للاستقراء في ضوء دراسة الدكتور سروش. دار الفقه للطباعة والنشر. ط1. إيران. 1385. هـ. ش.

5.  إسلام، غرمي. اتجاهات في الفلسفة المعاصرة. وكالة المطبوعات. (ب. ط). الكويت.

6.  أغروس، روبرت. العلم في منظوره الجديد. ترجمة: كمال خلايلي. سلسلة عالم المعرفة. الكويت. 1989.

7.  أفاناسييف، ف. أسس الفلسفة الماركسية. ترجمة: عبد الرزاق الصافي. منشورات الطريق الجديد. ط3. (بدون تأريخ).

8.  إمام، عبد الفتاح. تطور الجدل الهيجلي (الكتاب الثاني). دار التنوير للطباعة والنشر. ط1. بيروت. لبنان. 1984 م.

(190)

9.  ـ المنهج الجدلي عند هيجل. دار المعارف. (ب. ط). مصر. 1969.

10.  بدوي، عبد الرحمن ـ المنطق الصوري والرياضي ـ مكتبة النهضة المصرية ـ ط3 ـ القاهرة ـ 1968 م.

11.  ـ مدخـل جديد إلى الفلسفة. وكالة المطبـوعات. ط1. الكويت. 1975.

12.   برنز، إميل. ما هي الماركسية. منشورات مكتبة النور. بغداد.

13.   بليخانوف. المفهوم المادي للتاريخ. ترجمة: عامر عبد الله. مطبعة الرابطة. بغداد. 1959.

14.   بوبنر، روديجر. الفلسفة الألمانية الحديثة. ترجمة: فؤاد كامل. دار الشؤون الثقافية. بغداد. 1987.

15.   بوبوف، س. ي. نقد علم الاجتماع البرجوازي. ترجمة نزار عيون السود. دار دمشق للطباعة والنشر. دمشق. (بدون تأريخ).

16.   بوخينسكي. تأريخ الفلسفة المعاصرة في أوروبا. ترجمة محمد عبد الكريم الوافي. مكتبة الفرجاني. ليبيا. (بدون تأريخ).

17.   التسخيري، محمد علي. التوازن في الإسلام. الدار الإسلامية. ط1. 1979 م.

18.   تونغ، ماوتسي. حول التطبيق. دار بغداد للطباعة والنشر والترجمة.

19.   جعفر، نوري. الفكر طبيعتهُ وتطوره. منشورات مكبة الحرير. ط2. 1977.

20.   جماعة من الأساتذة السوفيات. المادية الديالكتيكية. نقله عن الروسية (فؤاد مرعي، بدر الدين السباعي، عدنان جاموس). إصدار دار الجماهير. دمشق (بدون تأريخ).

 21.  جينز، جيمس. الفيزياء والفلسفة. ترجمة جعفر رجب. دار المعارف. القاهرة.

 22.   الحسن، نزيه. السيد محمد باقر الصدر (دراسة في المنهج). دار التعارف

(191)

للمطبوعات. بيروت. لبنان. 1992 م.

23.   الحيدري، كمال. مناهج المعرفة عند الإسلاميين. مطبعة ستارة. ط1. أيران. 1426 هـ.

24.  ـ المذهب الذاتي في المعرفة. دار فراقد للطباعة والنشر. ط1. إيران. 2004 م.

25.   خليل، ياسين. منطق المعرفة العلمية. منشورات الجامعة الليبية. (ب. ط). 1971.

26.   دوكاسيه، بيير. الفلسفة الكبرى. ترجمة جورج يونس. منشورات عويدات. ط3. بيروت. باريس. 1983 م.

27.   الرفاعي، عبد الجبار. متابعات ثقافية. مكتب الإعلام الإسـلامي. ط1. قم. 1993م.

28.  ـ منهج الشهيد الصدر في تجديد الفكر الإسلامي. دار الفكر. ط1. دمشق. 2001 م.

29.  ـ دراسة موجز في أصول الدين. مطبعة شريف. 2001 م.

30.   رويس، جوزايا. روح الفلسفة الحديثة. ترجمة: أحمد الأنصاري. مراجعة: حسن حنفي. المشروع القومي للترجمة. 2003.

31.   الساعدي، صادق. نافذة على الفلسفة. مطبعة أميران. ط2. إيران.

32.   سالم، محمد عزيز نظمي. تأريخ الفلسفة. (بدون تأريخ).

33.   ستالين. المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية. (بدون تأريخ).

34.   السعيد، حسن. الإمام الشهيد محمد باقر الصدر الرمز والقضية. المكتب الإعلامي لحزب الدعوة الإسلامية/تنظيم العراق. بغداد. 2005 م.

35.   الشيرازي، صدر الدين. الشـواهد الربوبية. مطبعة جامعة مشهد. ط2. أيران. 1981 م.

(192)

36.  ـ الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. تصحيح وتعليق حسن زادة آملي. مؤسسة الطباعة والنشر لوازرة الثقافة والإرشاد الإسلامي. ط2. إيران. (بدون تأريخ).

37.   الصدر، محمد باقر. فلسـفتنا. دار التعارف للمطبوعات. ط2. بيروت. لبنان. 1988 م.

38.  ـ الأسس المنطقية للاستقراء. إعداد وتحقيق لجنة التحقيق للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر. مطبعة شريعت. ط1. قم. 1424 هـ، ق.

39.  ـ اقتصادنا. ج1. تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي. فرع خراسان. مطبعة بقية الله لنشر العلوم الإسلامية. ط1. النجف الأشرف. العراق. 2003 م.

40.  ـ موجز في أصول الدين (المرسل والرسول والرسالة). دار التعارف للمطبوعات. بيروت. لبنان. 2003 م.

41.  ـ المدرسة القرآنية. إعداد وتحقيق لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر. مطبعة شريعت. ط2. قم. 1424 هـ. ق.

42.  ـ الإسلام يقود الحياة ـ إعداد وتحقيق لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر. مطبعة. شريعت. ط2. قم. 1424 هـ. ق.

43.  ـ رسالتنا. مكتبة النجاح. ط2. إيران. طهران. 1982 م.

44.  ـ المدرسة الإسلامية. مطبعة حيدري. طهران. 1984 م.

45.  ـ المدرسة القرآنية. إعداد وتحقيق لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر. مطبعة شريعة. ط2. قم. 1424هـ.ق.

46.  ـ المجتمع الفرعوني. (مجموعة محاضرات). إعداد: محمد علي أمين. مطبعة صدر الخلائق. النجف الأشرف. العراق. 1424 هـ. ق.

47.  ـ النبوة الخاتمة. (محاضرة مطبوعة). دراسة وتقديم جودت القزويني. دار

(193)

الرضيع للطباعة والنشر النجف الأشرف. العراق (بدون تأريخ).

48.   الطويل، توفيق. أسس الفلسفة. دار النهضة العربية. القاهرة. (بدون تأريخ).

49.   عبد الحميد، صائب. محمد باقر الصدر تكامل المشروع الفكري والحضاري. توزيع مكتبة الصدر. إيران. قم. ودار الكتاب العربي. بغداد. شارع المتنبي. (بدون تأريخ).

50.   عثمان، عبد الزهرة. الإمام محمد باقر الصدر رائد حركة التغيير في العراق. ط2. مطبعة دار المهدي. منشورات المركز الوطني للدراسات الاجتماعية والتأريخية. العراق. البصرة. 1425 هـ. ق.

51.   علي، الأسعد بن. التجديد الكلامي عند الشـهيد الصدر. مطبعة ستارة. ط1. أيران. قم. 1424 هـ. ق.

52.   كرم، يوسف ـ تاريخ الفلسفة الحديثة ـ دار المعارف ـ ط5 ـ القاهرة.

53.   كسار، جواد علي. التفسير الموضوعي (مقارنات بين السيد الصدر وآخرين). مؤسسة الثقلين الثقافية. ط1. لبنان. بيروت. 2000 م.

54.   كورنفورث، موريس. مدخل إلى المادية الجدلية. ترجمة محمد مستجير مصطفى. دار الفارابي. ط3. بيروت. لبنان. 1990 م.

55.  ـ البراغماتية والفلسفة العلمية. ترجمة: إبراهيم كبة. مطبعة الرابطة. بغداد. 1960.

56.   كيدروف. المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي. ترجمة: محمد عتياني وسهيل يموت. دار المعجم العربي. (ب. ط). بيروت.

57.   لينين. مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة. ترجمة: إلياس شاهين. دار التقدم. موسكو. (ب.ت).

58.   متس، رودلف. الفلسفة الإنجليزية في مائة عام. ترجمة فؤاد زكريا. ج2.

(194)

مؤسسة سجل العرب. القاهرة. 1967.

59.   متى، كريم. الفلسفة اليونانية. مطبعة الرشاد. بغداد. 1971.

60.   محمود، زكي نجيب. المنطق الوضعي. ج2. مكتبة الأنجلو المصرية. ط4. القاهرة. 1966.

61.  ـ نحو فلسفة علمية. مكتبة الأنجلو المصرية. ط1. القاهرة. 1958.

62.   مطر، علي حسن. فلسفتنا الميسرة. مطبعة ستارة. ط2. إيران. 2004 م.

63.   مطلب، محمد عبد اللطيف. فلسفة الفيزياء. منشورات وزارة الإعلام. دار الحرية للطباعة. بغداد. 1977 م.

64.  مطهري، مرتضى. الدوافع نحو المادية. دار التعارف للمطبوعات. ط1. بيروت. لبنان. 1994 م.

65.   المظفر، محمد رضا. المنطق. مطبعة سرور. ط4. (بدون تأريخ).

66.   الموالي، محمد نعمة. دراسات في فكر الشهيد الصدر. مطبعة ستارة. ط1. إيران. 1425 هـ. ق.

67.   ميد، هنتر. الفلسفة أنواعها ومشكلاتها. ترجمة فؤاد زكريا. دار النهضة. مصر. القاهرة. 1969 م.

68.  الهادي، جعفر. دراسة تحليلية للنظرية المادية الديالكتيكية. مطبعة أمير. ط1. قم. 1416 هـ. ق.

69.   وايت، مورتون. عصر التحليل. ترجمة أديب يوسف شيش. منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق. 1975 م.

(195)

ثانياً: المعاجم والدوريات:

المعاجم

 

1.  وهبة، مراد وآخرون. المعجم الفلسفي. دار الثقافة الجديدة. ط2. 1971 م.

2.   صليبا، جميل. المعجم الفلسـفي. ج1 ـ ج2. مطبعة سليمان نزادة. ط1. قم. 1385 هـ. ق.

3.   الحسيني، جعفر. معجم مصطلحات المنطق. مطبعة بقيع. ط1. (بدون تأريخ).

4.   المعجم الفلسفي المختصر. ترجمة: توفيق سلوم. دار التقدم. موسكو.1986.

5.  الدوريات:

6.   الأشيقر، إبراهيم. الإمام الصدر تأملات في فكره وسيرته. مجلة الفكر الجديد. مؤسسة العارف للمطبوعات. ع2. السنة الثانية تموز. بيروت. لبنان.1993 م.

7.   الأمين، محمد حسن. الصدر في رؤى العلماء والمفكرين. كتاب المنهاج (الإمام الشهيد محمد باقر الصدر سمو الذات وخلود العطاء). الغدير للدراسات والنشر. ط1. بيروت. لبنان. 2000 م.

8.   ج. أ. ج. لمحات من الفكر المنطقي للسيد الشهيد محمد باقر الصدر. مجلة الفكر الإسلامي. مجمع الفكر الإسلامي. ع24 ـ 25. السنة السابعة. ربيع الثاني. رمضان المبارك. 1421 هـ. ق.

9.   حسن، غالب. الواقعية في فكر الشهيد الصدر. دراسة في مجلة (قضايا إسلامية معاصر)

(196)

10.  الحسيني، محمد. الإمام الصدر (سيرة ذاتية). دراسة ضمن كتاب (محمد باقر الصدر). دار الإسلام. ط1. بيروت. لبنان. 1969 م.

11.   خاتمي، محمد. الشهيد الصدر. (إدراك العصر والهم الديني). مجلة قضايا إسلامية معاصرة. ع11 ـ 12. 2000 م.

12.   الشابندر، غالب حسن. من الفكر الفلسفي عند الإمام الصدر. دراسة ضمن كتاب (محمد باقر الصدر). دار الإسلام. ط1. بيروت. لبنان. 1996 م.

13.   الصادق، عارف. المرجعية والمشروع السياسي عند الصدرين. دراسة ضمن كتاب (رجل الفكر والميدان) مطبعة بقية الله لنشر العلوم الإسلامية. ط1. النجف الأشرف. العراق. 2004 م.

 

الموسوعات:

1.   بدوي، عبد الرحمن. موسوعة الفلسفة. ج1 ـ 2. مطبعة سليمان نزاده. ط1. قم. 1427هـ. ق.

2.   الحفني، عبد المنعم. موسوعة الفلسفة والفلاسفة. ج1 ـ 2. مكتبة مدبولي. ط2. 1999.

(197)
هذا الكتاب كان الطابع النقدي طابعا واضحا في مؤلفات السيد محمد باقر الصدر الفكرية والفلسفية فأننا نجد على سبيل المثال مؤلفاته (فلسفتنا)،(الأسس المنطقية للاستقراء)،(اقتصادنا) نقدا ممنهجا للفكر الغربي كانت له دوافعه ومنهجيته وآلياته المحددة الخاصة،وعلى هذا الأساس كان اختيار موضوع الكتاب عرضا وتحليلا في نقد الصدر للفلسفة الغربية المعاصرة. أن موضوع الكتاب يمكن أن يثير عدة تساؤلات نجد أن الإجابة عنها يمكن أن ترسم لنا صورة اجمالية عن طبيعة البحث....... المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية www.iicss.iq [email protected]