البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السيد شرف الدين الموسوي براعة الاحتجاج الرَّفيع وأخلاقيات التَّواصل الصَّريح

الباحث :  د. إدريس هاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  38
السنة :  السنة العاشرة شتاء 1426هجـ 2005 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  821
السيد شرف الدين الموسوي براعة الاحتجاج الرَّفيع وأخلاقيات التَّواصل الصَّريح

د. إدريس هاني (*)

مدخل
ليس من الغرابة في شيء أن ينحدر من قلل عامل الشامخة كل هذا السيل العبقري، الذي غمر مشهدنا بروائعه، علماً وجهاداً وأخلاقاً. فلم يكن السيد شرف الدين الموسوي بدعاً في هذا الانبجاس السَّمح من بلد كريم معطاء، وسماء تزاحمت نجومها العاملية. بل إن السؤال الأوجب في المقام، ليس في أن يكون الشخص عاملياً عالماً، فهذه الأرض لم يحاصرها ضيق المجال، لتكون قلباً نابضاً بالعلم الذي غمر العالم الإسلامي، وإنما السؤال هنا: كيف تكون عاملياً عالماً تفرض نهجك وتميُّزك في بحر علمي متلاطم.هاهنا تحضر العبقرية التي هي الضَّميمة الضرورية، حيث لا يكفي أن يكون العاملي عالماً وحسب، بل تعين أن يكون بذله يفوق غيره بمرتبتين: أن يكون عالماً أولاً، وأن يحقق تميزه في هذا المجتمع العلمي ثانياً. ولا يخفى أنه إذا كان التميز بالعلم كافياً في الأول، فإن التمُّيز في الثاني لا يكون إلا بضم العبقرية إلى العلم. ولقد كان السيد عبد الحسين الموسوي (قدس سره الشريف)، عالماً عبقرياً بامتياز.
خصائص شخصيته
تميَّزت شخصية السيد شرف الدين العاملي بجملة خصائص قلَّما تجتمع في عظيم. ولعلها ما جعله يبرز بوصفه نابغةً من نوابغ عصره ومحلته. من هذه الخصائص تعدُّد أبعاد عطائه ونشاطه، فلقد كان متفانياً عاملاً في مديات مختلفة، لم يمنعه بعضها من استفراغ الجهد في الأخرى... فهو في جهاده المستميت ضد الإحتلال الفرنسي، مقاوم لا يلوى له ذراع، وهو في نضاله المعرفي وتحقيقاته الفذة مجتهد بارع التحقيق
________________________________________
(*)باحث من المغرب.

[الصفحة - 61]


والتصنيف، وهو في المدى الدعوي والتبليغي خير رسول للكلمة الطيبة السمحة، يكسر مكابرة المتلقي المعاند، ويبلغ عبر منطق البيان إلى حيث يداعب ذوقه وسماحته ونبله، فإذا به يجسِّد أنموذجاً للشخصية الرسالية التي قال عنها البارئ تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} ، وقوله تعالى:{وقل لهم قولا بليغاً…} شخصية السيد شرف الدين العاملي، مركبة تركيباً عبقرياً قل له نظير، ونادراً ما يتحلَّى به شخص آخر.
مسلك التَّواصل
لقد أرسى السيد شرف الدين منهجا فريدا في إعادة ربط الوشائج مع الآخر المختلف مذهبيا أو دينيا بما يكثف من عنصر الثقة. فقد سلك بالفعل مسلكا تواصليا يصلح أن يكون مدرسة في فن التواصل وأصول الحوار، لم يرد موارد التنظير له بقدر ما مارسه بالفعل ووسم كل آثاره.لقد أدرك السيد الموسوي أن مفتاح الحقيقة و رفع الحجب والمعوِّقات المعرفية بين المختلفين هو التواصل.واعتقد بأن للتواصل شروطا وقواعد يتعيَّن على الشخصية التواصلية التقيد بها قدر الوسع، حيث أولها الشجاعة في قبول الآخر والاستئناس برأيه والإطِّلاع على فكره وتمكينه من التعبير عن رأيه واحترام شخصه والحفاظ على أعلى حد للتخلق في محاورته، مميزاً بين قوة العلم وسماحة الخطاب، وأيضاً بين الحق في المعرفة والحق في التقارب والتوحد..
تكثيف الثِّقة عند الآخر
في لحظة طغى فيها التحيُّز وازداد فيها سعار العصبيات الطائفية والمذهبية، وفي لحظة لم يكن فيها لأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أرضية استقواء سياسي أو أي نفوذ يدفع عنهم سطوة التكفير والتجريم والتهوين، أدرك السيد شرف الدين قيمة التواصل التي لا سبيل لتحققها إلا عبر تكثيف عنصر الثقة بين الفرقاء.وقد أظهرت نشاطاته وحواراته قيمة الثقة في تطوير عملية التواصل ودعمها. لم ينخرط سماحته في أشكال التهريج الطوائفي التي كانت سائدة يومئذ، ولم يسمح لردود الفعل أن تؤثر على حراكه الرسالي الذي كان يدفع إلى مزيد من التقارب والوفاق. فهو لم يخض في الحوار
________________________________________

[الصفحة - 62]


العقدي والكلامي مع المخالف تعصُّباً لمذهب يتبنَّاه، بل أراد أن يجترح طريقا في الحجاج، يكون طريقا للتعارف وبالتالي للتقارب. فبينما كان النقاش في مثل هذه القضايا مثار إشكال طائفي، كان السيد شرف الدين يرى في مثل هذا النقاش ما يحرِّر عقدة الجهل بين الطرفين، فالتقارب يزداد بقدر ازدياد التعارف. فالطريق إلى التقارب هو نفسه طريق المعرفة والفهم. ولا شك في أن الحوار الذي أجراه السيد شرف الدين مع الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر آنذاك هو ثمرة لتكثيف الثقة بين ضفتي العالم الإسلامي. لقد آمن سماحته بأهمية الخروج من العزلة والتواصل، وزرع الثقة عند الآخر، وتمتين العلاقة بين المسلمين. وأحسبه نجح في ذلك أيَّما نجاح.
التواصل والحوار بالفعل لا بالنظر
إذا كان العلماء، منذ مدَّةٍ طويلة، اهتموا بأسلوب المناظرة وتحدَّثوا بما يكفي عن أهمية الحوار، فإن ما يميِّز طريقة السيد شرف الدين الموسوي، أنه مارس التواصل والحوار بالفعل، كما أظهر جانبا كبيرا من تقنيات الحوار وآدابه بالفعل. بل إن طريقة السيد الموسوي، في تدبير الخلاف الكلامي والعقدي، شكل مدرسة قائمة تستحق التوقف عندها محطة محطة. فهي تكشف عن أن عقلاً كبيراً كان على علم كبير بما ينبغي أن يكون عليه فن المناظرة، وبأن ملكة كبيرة كانت تقف وراء كل هذه الممارسة التواصلية المميزة في كياستها وعمق محتواها ومقاصدها. ويمكننا الإشارة إلى أهم مقومات المدرسة التواصلية للسيد شرف الدين، وفلسفته في الآتي:
الشجاعة
أظهرت الملحمة التواصلية للسيد شرف الدين، جملة من الشروط الضروريَّة في الحوار الناجح. وأول هذه الشروط، الشجاعة، من حيث هي جرأة واقتحام للممنوع. وغالباً ما تكون هذه الممنوعات محض أوهام تعوِّق إرادة الناس وترسم حواجز من جليد بين الكيانات. والشجاعة هي الوسيلة لاقتحام هذه الأوهام وأشكال الخوف التي تنتجها عقول خرافية ويتأطر بها سلوكهم. وشجاعة السيد شرف الدين في هذا المجال تتجلى في غير مدى:
1 ـ شجاعة في الخطاب
مصداقها أن سماحته أدرك أهمية الصراحة في القول، وتجاوز من خلال الفعل
________________________________________

[الصفحة - 63]


ما راكمه الآخر عن الطائفة الشيعية من إغراق في تقيَّتها وباطنيتها في السلوك والعمل.وقد أظهرت طريقة السيد شرف الدين أن ما يحمله الآخر من تصوُّر قدحي لهذا المبدأ الذي يتحدد بأحكام وموارد مقررة، ليس إلا محض أوهام، فالشيعة ككل الناس لديهم نزعة للإقدام والفروسية والصراحة والشجاعة. لقد تحدَّث السيد شرف الدين بوضوح وصراحة عما يعتقد به، واكتسب من الشجاعة ما جعل الآخر يطمئن إليه سواء أقبل برأيه أم خالفه.لقد أكدت طريقة السيد الموسوي على أن لا تقية في الدفاع عما تدين به، وبأن جزءاً من هذا الحاجز الجليدي بين الفرقاء ناتج عن تراكمات من العلاقة التاريخية المرتهنة للسُّلطة السياسية، كرَّسها واقع العزلة والاستهانة بالتواصل والحوار.
2- شجاعة في العمل
ومصداقها المبادرة الفردية التي أظهرت إلى أي حد بلغت قناعة السيد الموسوي بضرورة التواصل وأهمية الحوار، كما لو كان بصدد الاشتغال بأمر تكليفي طلباً لاستفراغ الذَّمة. فكل ما تبقى من آثار وما خلده التاريخ من مواقف ونشاط عن السيد العاملي، يعكس روح المبادرة الفردية، فكان باندفاعه وشجاعته مؤسَّسةً قائمة بنفسها. ولا يخفى أن لا مبادرة تصدر عن غير الشجعان. فالمبادرة شجاعة.
أخلاقيات الحوار
بقدر ما هي مبادرة شجاعة، وبقدر ما كانت طريقة السيد الموسوي واضحة صريحة، كانت غاية في السماحة والتخلق. وبهذا أكد أن التخلق في الحوار هو نفسه قوة ينبغي أن يتحلى بها الأقوياء. ففي كل قول وفي كل حجاج، كان السيد طوداً أخلاقياً أشم. فلا يكاد ينهي حجاجه حتى تغمر محاوره طمأنينة وتتلبسه حالة من الوجد، لا يدري أيهما أسبق: هل حسن بلاغته أو نافذ حجته أو سماحة خطابه... هل علمه يسبق أخلاقه أو أن أخلاقه تسبق علمه... يحار المحاور والمتلقي، لكنه يقطع بأن شخصا كالسيد الموسوي، لا يمكن إلا أن يكون استثناءً، ككل العباقرة الذين يجود بهم الزمان في لحظات متقطعة، وإن كان هذا الجبل العاملي محظوظاً لاندكاك المسافات بين ورود عبقري وآخر. ويتميز النهج الأخلاقي عند السيد العاملي بعدة صفات منها:
________________________________________

[الصفحة - 64]


القول الحسن
إن الناظر في تفاصيل المحاورة التي جرت بين السيد الموسوي والشيخ سليم، يخرج بانطباع أوَّلي، هو أنها محاورة تنتمي لجنس المحاورات الأخلاقية التي قل لها نظير في جميع المناظرات المأثورة. وهي الآداب والأخلاق السمحة التي رافقت المحاورة من بدايتها إلى منتهاها، لم يعترضها ما من شأنه الخروج بها عن طورها الذي اختارته لنفسها. لقد تدفَّقت أخلاقيات المتحاورين تدفُّقاً واحداً، حتى في أكثر اللحظات التي تكثَّف فيه الخلاف واشتد فيه المنحى التناظري ارتفاعا بين المتحاورين. لقد كان خط التخلق يسلك منفرداً ومستقلاً عن المنحى التوتري العلمي، ما يؤكد على ركنية التخلُّق في الحوار في منهج السيد الموسوي. ولا شك في أن مثل هذا الإلتزام الكامل بأخلاقيات الحوار والمناظرة، يتطلب فضلاً عن الشعور العام بالتخلُّق مع الآخر كما حثت عليه القيم الإسلامية عموماً، عرفاناً وفلسفة وفناً، تؤمنه مقاومة نفسية وروحية وعقلية لخطر السقوط في ما يتهدد الحوار. ويمكننا إجمال مقومات خلفية التخلق المناظراتي في الآتي:
المقوِّم العقلاني: مفاده أن الأخلاق صمَّام أمان الحوار الجاد والمناظرة القاصدة. فالذي يتخلى عن أخلاقيات الحوار، ليس فقط ممن دل على ضعف محاورته أو إخفاق مناظرته، بل يكون قد أشار إلى إيقاف سير المناظرة والحوار، وهذا بخلاف المطلوب، حيث قيمة المناظرة الصحيحة، الانتهاء من سير النقاش والوصول به إلى منتهاه. وبما أن السيد الموسوي أدرك أنَّ السقوط في النمط المناظراتي التقليدي نفسه المهجوس بالغلب والعصبية، لن يجدي شيئاً وهو تحصيل حاصل، فكان لا بد من أن يتجنب نهجاً كذلك عقيماً… وبهذا تتجلى الروح التجديدية عند السيد الموسوي واستيعابه التاريخي وإفادته من جميع أخطاء الماضي..
المقوِّم العقلائي: إن المقام الذي يحتله السيد الموسوي بوصفه عالم دينٍ مجتهداً ومحققاً كافٍ، لتمتُّعه بلياقة أخلاقية عالية، نابعة من إحساسه بالمسؤولية تجاه ما يقوله وما يفعله. فهو يدرك أنه مطالب بأن يكون لآل بيت النبوة (عليهم السلام) زيناً، لا شينا عليهم، حيث لا مصداق أقوى على ذلك الشين من التراخي الأخلاقي في المناظرة. وبذلك أكد السيد الموسوي على ركن ركين في نجاح المناظرة والحوار، قوامه: إن
________________________________________

[الصفحة - 65]


التخلق شرط في قوة الحوار واستمراريته ونجاحه، فالمحاور الجيد هو أولاً وقبل كل شيء المتخلق الجيد... فليس التخلق مجرد واجب. فلا يخفى على دارسي الفقه ونكاته ما بين الركنية والواجب من فرق، حيث يمكن أن يكون للإخلال بالعنصر الأخلاقي في المناظرة ما يفيد النقيصة أو ما يوجب الإثم مع انحفاظ الإجزاء، لا الفساد المقوض لأصل المناظرة.فقد يكون هاهنا الأمر واجبا لكن ليس بالضرورة أن يكون مخلاً بالمناظرة، لكن إذا ثبتت ركنية التخلق في المناظرة، لزم عن الإخلال به فساد في المناظرة وانحلال، تمام كانحلال العقود الفاسدة، لجنبة المشابهة بين المتناظرين والمتعاقدين. فالخروج عن مقتضى النظر العلمي إلى التحلل الأخلاقي في المناظرة استقواء بفحش القول أو إمعان في التنقيص من المحاور، تحويلاً للمناظرة من إصابة الموضوع بالدليل إلى إصابة الأشخاص بالهجاء، يكون إخلالاً بأحد شروط العقد الضمني بين المتناظرين.
المقوِّم الروحي: لقد أدرك السيد الموسوي أنه يخوض في أمر ديني، فهو بقدر ما يرى نفسه في صدد وظيفة دينية وإفراغ الذمة من أمر تعبُّدي، يرى أن الوسيلة إلى ذلك لا بد من أن تكون تعبُّدية. إن السيد الموسوي كان يتقرَّب إلى الله بتخلُّقه مع مناظره الأزهري، وليس فقط أنه يداريه ويجامله. وهذا يعني أن التخلُّق في المناظرة والحوار يستدعي سمواً روحياً وورعاً وتقوى كما لا يخفى.
المقوِّم الإسلامي: لا ننسى أن المناظرة التي جرت بين السيد و نظيره سماحة الشيخ سليم، كانت مناظرة بين قطبين من أعلام الأمة وعلمائها..فلم يكن ليغيب عنهما طوال المناظرة أنهما ينتميان لأمة واحدة، وبأن في عهدة كل منهما واجبا تجاه وحدة المسلمين، هو الأهم والآكد مهما اشتد الخلاف. بل إن السيد الموسوي أدرك أن الطريق الأكثر اختصاراً للوحدة، وإن كان صادماً، هو التعريف بمعتقدات المختلفين والنقاش فيها ليعرف الجميع أين يكمن الخلاف وأين لا يقع، حتى لا يعم الجهل، وتستبد الإشاعات ليسهل على مريدي الفرقة غايتهم، ولو بوسائل لا تخلو من تجديف.
المقوِّم الإنساني: لقد أظهرت مناظرة السيد الموسوي ما يتمتع به هذا الأخير من حس إنساني مرهف؛ حيث لا يخفى ما في رعونة الخطاب وقسوته من ازدراء
________________________________________

[الصفحة - 66]


بالإنسان مهما كان هذا الإنسان مختلفاً... لقد أظهر أنَّ الخلاف في التفكير وفي الاعتقاد لا يرخي اللجام لقلة المروءة وفاحش القول، بل إن التخلُّق واجب في حق الإنسان لجهة إنسانيته، أو كما قال جده(عليه السلام): "الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
معرفة الآخر
لقد كرس بالفعل السيد الموسوي ركنا آخر في منطق المحاورة، مفاده أن أي مناظرة مع المختلف لا تستقيم مع الجهل بمدَّعاه. فمثل هذا النوع من المناظرات التي يختل فيها هذا الركن تتحول بالضرورة إلى حوار طرشان، ومشهد لصولات الجهل المركَّب. إن المعرفة بالآخر ومدَّعاه ومجمل الشبهات والصورة النمطية المتخيلة عنه، هي مقدمة الواجب في الحوار الصريح والمناظرة الناجحة. ولا يخفى أن السيد الموسوي قدم أنموذجاً رائداً في هذا المجال، بوصفه محقِّقاً تعدى ببراعة التحقيق متون مدرسته لينكب تحقيقاً ودراسة لمتون المختلف، وأيضاً لإطاره المعرفي ولغته العلمية ونكاته الفقهية والكلامية الخاصة، حتى باتت معرفته بالآخر المختلف لا تقل عمقاً ودقة من معرفته بفنون مدرسته وصنائعها. وقد أظهر كتابه "المراجعات" هذا الاقتدار المنقطع النظير، حيث دل العنوان على أن السيد الموسوي كان في صدد تذكير مناظره بأصول مذهبه وما طواه النسيان في متون القوم… فكان كلما ذكَّره بذلك أردف بقولته التي رافقت كل المناظرة: فراجع! ولعل أهم وأدق ما كان لفت إليه السيد الموسوي انتباه مناظره، لما شكك المناظر في صحة ما يأتي من رواة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ليس من منطق المناظرة أن تستند على روايات لم تصح عند القوم. ومع أن هذا الأسلوب في المناظرة غريب، حيث يفترض المناظر أن رجاله صحاح بينما رجال غيره مطعون فيهم، استخرج له السيد الموسوي عشرات الرواة الشيعة المعتمدين في صحاح القوم، كأنه يريد القول: ها هم هؤلاء معترف بصدقهم ووثاقتهم، فكيف يصدقون هناك ولا يصدقون هنا!؟ والشاهد هنا أن مثل هذا التفنن في رد شبهة المناظر كاشف عن علم بالآخر ومصادره ومتونه، ما جعل المناظرة ترقى إلى مستوى أعلى من كونها مناظرة سطحية بين متحاججين على سبيل الهزل أو المغالبة... كأنه بذلك أرسى قاعدة في المناظرة: معرفة الآخر شرط في نجاح المناظرة
________________________________________

[الصفحة - 67]


حسن الإنصات والسماع
ثمة مقوم آخر لا يقل أهمية، في كل مناظرة ناجحة، ألا وهو قيمة الإنصات والسماع. فالذي لا يحسن الإنصات، ولا يقوى على السماع، يخلُّ بشرط الشروط في نجاح أي حوار أو مناظرة.فليس السماع هنا مجرد قيمة أخلاقية فحسب، بل هو قيمة معرفية، دل على ذلك قوله تعالى: {وبشِّر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ... ليس السماع هنا سماعاً ناشئاً من فراغ المحتوى أو تبلد الأذهان كما هي حال الذاهل عن قواعد تلقِّي الفكر وانتقاء الأجود منها في مقام المحاورات التي ليس بالضرورة أن تكون مقارعات فكرية لا متسع فيها للمقابسات والمثاقفات… وليس سماعاً مفروضاً من عل، استكباراً من طرف على آخر وإجباراً له على السماع، فمثل ذلك كسماع الداخل في سوق الصفارين لا يد له في ما يسمعه، ولا اختيار له في ذلك. بل المقصود بالسماع المطلوب، ذلك الضرب من الإنصات الواعي الاختياري المبني على خطة معرفية لاصطياد الحقائق، سماع يشكل مداخل ضرورية لاستيعاب مقولات الآخر وهضمها، قبل الدخول في المحاورة أو المناظرة. ولعل كل أشكال حوار الطرشان والمناظرات العقيمة راجعة إلى سوء الإنصات للآخر واستيعاب مدعاه قبل الحكم عليه. وفي مثالنا الأخير، كان السيد الموسوي أنموذجاً لهذا المستوى من السماع الحاكي عن روية فكر متأمل ناظر برباطة جأش في مقول محاوره، لا يستبق إلى الحكم إلا بعد إكمال المحاور لحجته.فكان للسماع مدخلية في استحكام ردوده وحجاجاته على الطرف المناظر.وفي تصميمه (قدس سره الشريف) على حسن الإنصات والسماع، ليس من باب التشرع من حيث أن المحاور المسلم مأمور بحسن السماع والإنصات فحسب، بل لقد أكد السيد الموسوي على استيعابه لأكبر آفات المناظرة العقيمة، والتي طبعت تاريخ المتناظرين عبر أجيال كثيرة، ألا وهو سوء الإنصات للمحاور وغياب فريضة السماع. وكأنه بذلك أرسى قاعدة من قواعد المناظرة:المحاور الجيد هو المستمع الجيد.
فضيلة الاعتراف
يكاد تاريخ المناظرة يخلو تماماً من عنصر الاعتراف… كـأن المتناظرين قد
________________________________________

[الصفحة - 68]


حسموا مسبقاً إمكانية الاعتراف مهما بدت حجة الخصم المناظر قوة وشدة. ومع أن السيد الموسوي لم يبد اعترافاً في كتاب "المراجعات" من جهته، فإنه لم يفته استعراض فضيلة الاعتراف ولو في شخص محاوره، حيث شكلت اعترافات المحاورة العنصر الجديد في تقاليد الحوار، وأيضاً العنصر الأبرز في المحاورة. وقد تفنن السيد الموسوي في استعراض اعترافات المحاور جاعلاً من ذلك شجاعة وفضيلة وتقوى وحرصاً على تمحيص الحقائق، ولم يرَ في ذلك هزيمة أو ضعفاً في علم المحاور. وبما أن المحاورة في مضمونها كانت حدثاً واقعياً ودائماً، ومثل هذه الأجوبة عرفتها كل الأزمنة السابقة، فإن السيد الموسوي لم يكن يريد استثناء نفسه من أي اعترافات من هذا القبيل، من حيث لم يجد في أسئلة المحاور واستدراكاته وشبهاته ما أعجزه عن بيان الحجة من مصادر المحاور أو من مصادره عند الاقتضاء. لقد كان السيد الموسوي بطل الإحتجاج والتدقيق والتحقيق، وكان السيد البشري بطل التثبُّت والمراجعة وفضيلة الإعتراف.على أن فضيلة الإعتراف وعدم المكابرة عند حضور الحجة لا يقلاَّن عن فضيلة الاحتجاج وإفحام الخصم.فالمكابرة مع وجود الدليل جهل، والاعتراف مع وجودها عين العلم. فما العلم إلاَّ انقياد العقل لحجة الدليل والبرهان. وكأن السيد الموسوي بتعظيمه لفضيلة الإعتراف كان قد أرسى قاعدة في المناظرة: الاعتراف فضيلة المتحاورين، ومع الاعتراف لا ينتصر طرف على آخر، بل كلٌّ منهما ينتصر للحقيقة.
هدف الحوار
لقد اعتاد المتناظران، في مواقع الحجاج، أن يهدف كل منهما إلى الإقناع. فكان هذا هو مفهوم الحجاج نفسه، بوصفه وسيلة المتناظرين.فالحجاج يهدف إلى إقناع الطرف المقابل أكثر مما يهمه الاستدلال على صدق الفكرة. لكن مناظرات السيد الموسوي كانت، رغم توسلها بفن الحجاج المسند لقوة البيان وحسن التعبير وسحر اللغة، تتترس بعتاد منهجي ومعطيات ضخمة واستدلالات منطقية، ما يجعل المناظرة أكبر من أن تكون محض حجاج هادف للإقناع، بل هي استدلال يهدف لبلوغ الحقيقة وإن لم يسلِّم بها الخصم المناظر. لهذا تحديدا ظلت كتاباته موضوعا للبحث والنظر
________________________________________

[الصفحة - 69]


في الخلاف على أسس علمية مسندة بحسن التدقيق والتحقيق، ما جعلها مناظرة حية ومستدامة ومفتوحة مع كل قارئ يحمل الشبهات المطروحة في ذلك الاحتجاج، وكأنه بذلك أرسى قاعدة في المناظرة : إن المناظرة المستندة إلى صناعة علمية وحسن التحقيق، هي مناظرة مفتوحة ومستدامة تتعدى إلى غير المتناظرين، وتفيد منها الأجيال اللاحقة. أو بتعبير آخر: إنها المناظرة الحية مقابل المناظرة الميتة التي تموت وتندثر مع انتهائها بين متناظرين في الزمان وفي المكان المخصوصين.
وليس ذلك فقط هو هدف المناظرة التي أرسى قوانينها المجدد السيد الموسوي، بل كانت هناك أهداف إضافية لم يفت السيد الموسوي التعرض لها بين الفينة والأخرى، أعني ما عدا الهدف العلمي القاضي ببيان الحقيقة، سواء أقر بها المناظر أم لا، بل لقد جعل السيد الموسوي هدفاً شرعياً، ألا وهو وحدة الأمة والتحامها. إنه الهدف الذي لم يغب عن رجل ناضل من أجل الوحدة الإسلامية باستماتة منقطعة النظير شأنه في ذلك شأن علماء عامل. ولسائل أن يسأل: كيف يستقيم ادعاء كهذا مع وجود أعمال للعالم المذكور، نظير كتاب "المراجعات" أو "النص والاجتهاد"؟ والحق أن مثل هذه الأسئلة طرحت مراراً، وربما تراءت لبعضٍ بأنها من مفارقات نهج السيد الموسوي. غير أن المتأمل المستبصر المستوعب للأهداف الكبرى التي كان السيد الموسوي يتحرك باتجاهها، يجد جواباً شافياً عن هذه الشبهة. لقد كان قلب السيد الموسوي وعقله معاً مع الوحدة الإسلامية. دل على ذلك قوله معللا فكرة كتابته "المراجعات": "أما فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعاته سبقاً بعيداً، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب، التماع البرق في طيات السحاب، وتغلي في دمي غليان الغيرة، تتطلع إلى سبيل سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم، ويكشف هذه الغشاوة عن أبصارهم، لينظروا إلى الحياة من ناحيتها الجدية، راجعين إلى الأصل الديني المفروض عليهم، ثم يسيروا معتصمين بحبل الله جميعاً، تحت لواء الحق إلى العلم والعمل، إخوة بررة يشد بعضهم إزر بعض، لكن مشهد هؤلاء الإخوة المتصلين بمبدأ واحد، وعقيدة واحدة كان - واأسفاه - مشهد خصومة و عنيفة، تغلو في الجدال، غلو الجهال، حتى كأن في مناهج البحث العلمي من آداب المناظرة، أو أنه من قواطع الأدلة.ذلك ما يثير حفيظتي ويدعو إلى التفكير، وذلك ما يبعث الهم والغم
________________________________________

[الصفحة - 70]


والأسف، فما الحيلة؟ وكيف العمل؟ هذه ظروف ملمة في مئتين من السنين، وهذه مصائب محدقة بنا من الأمام والوراء وعن الشمال وعن اليمين....." (1).
إلا أنه نظر إلى الوحدة نظرة واقعية، بحيث أقام مفهومها على عنصرين: أحدهما أن الوحدة من حيث المبدأ مطلب شرعي، وهي أمر واجب على أي حال، اتفقت آراؤنا أم لم تتفق. وهذا هو الشكل الرائج لطلاب الوحدة حيث ذهبوا أحيانا إلى نبذ الخلاف وعدم التطرق لموارده خشية إثارة النعرات.وهنا يأتي العنصر الثاني الذي يشكل وجهة النظر الموسوية، وهو أن الطريق الأكثر اختصاراً لمزيد من الوحدة هو الدخول في جيل جديد من الحوار العلمائي في ما هو محل نزاع وخلاف بين الفرقاء. إن شرط الوحدة هو أن يعرف بعضنا بعضنا الآخر، ثم يستوعب كل منا حجج الآخر، فيعذر بعضنا بعضاً عن علم لا عن مسامحات غير مسندة بسند عقلي معتبر. ولعل هذا مغزى كل اعترافات الشيخ البشري (رحمه الله)، حيث ليست قيمتها في اعترافه بالضرورة بأصل الفكرة، بل المعتبر في المناظرة هو التسليم بوجود أدلة بها يتحقق تعبد أتباع مدرسة أهل البيت بما هم فيه من اعتقاد. فهم معذورون على الأقل في نظر المخالف، لقيام معتقدهم على دليل.وما كان قائماً على دليل، إن لم يستوجب التسليم به، فلا أقل يستوجب العذر وذلك أضعف الإيمان. وهذا هو شرط وحدة الأقوياء لا الضعفاء، ومعه فقط تندثر كل الشبهات والمسافات التي تسمح بالتجديف واختلاق الإشاعات المغرضة التي تنال من كرامة الفرقاء وشرفهم وحرماتهم ومقدَّساتهم. إن العلم والمعرفة خير على كل حال، كما أن الجهل عار على كل حال. فلا تكون الوحدة المنشودة غاية لا تنال إلا بفرض الجهل بمحل النزاع، بل إن الوحدة الحقيقية هي باستئناس الفرقاء بمقولات بعضهم بعضاً وإخضاع النقاش إلى مستويات تصان فيها شرائط الحوار الناجح البنَّاء من علم وتحقيق وتخلق، ما يفوِّت الفرصة على سقوط الحوار والمناظرة بيد الدهماء، فيفسدون وظيفتها وغايتها، فيكثر الجهل والتغليط، ويقل الورع وأخلاقيات الحوار. ولعل هذا ما كان سبباً في تفرق الأمة وتشتتها. ومن هنا يبدو أن السيد الموسوي كان قد أرسى قاعدة أخرى في الحوار والمناظرة هي: الحوار الصريح والأخلاقي قوَّة الأمة وضامن وحدتها.والمناظرة هي لما جعلت له.
المتقولون في السيد الموسوي
على الرغم من التخلُّق البادي والمتجلِّي في جميع مناظرات السيد الموسوي،
________________________________________
(1)السيد شرف الدين الموسوي، المراجعات ص. 75 و76، دار البيان العربي، بيروت، 1989.

[الصفحة - 71]


إلا أن ثمة من المخالفين من لم يهمهم ذلك كلّه، محملينه وزر صراحته واستقوائه بالحجة في مقام الاعتقاد. وقد اتهمه بعض الكتاب تحت تأثير سكر الطائفية العمياء بالرافضي الكاذب، وما إليها من عبارات، أراد من خلالها أصحابها الطعن في شخصية السيد المحبوبة لدى جمهوره العارف بقدره واقتداره.
بعد أن أعجزتهم قوة احتجاجه وأخلاقيات مناظراته. وقد أكد أولئك ومنهم متأخرون، وبعضهم مبتدئون في العلم، بأنهم يطعنون بذلك في شخص الشيخ البشري الذي انطلت عليه حيلة هذا الرافضي، وهي تهمة له أيضاً لما عجز عن رد احتجاجات هذا الأخير، لأنهم يفترضون بأن ليس للمناظرة إلا اتجاه واحد ونتيجة واحدة، أن ينتصر فيها طرف معين، وإلا كان الأمر مرفوضاً أصلاً... فماذا لو كانت النتيجة غير ذلك، ألم يكن من أمرهم حينئذ أن يهللوا ويضعوا فوق المناظرة تاجا، وحينئذ يكون الرافضي اليوم، عالما جليلا لأنه اعترف وأذعن.وحينما أعجزهم ذلك النقاش العلمي والأخلاقي الرفيع، حاولوا التشكيك في أصل المناظرة...
وكان ذلك إمعاناً منهم في التكذيب، بناء على مسلمة التكذيب المطلق والمسبق للمقول الشيعي. ولبيان التجديف الذي ارتكب في حق هذا العالم الفاضل الجليل نسوق مثالاً يكفي لمعرفة الحجج التي يستسهل بها خصومه نعته بالتزوير والكذب ظلماً وعدواناً وافتراء. لقد أورد صاحب "البينات في الرد على أباطيل المراجعات" محمود الزعبي في الجزء الأوَّل، بخصوص قول صاحب المراجعات:" وذكرابن خلكان في أحوال مالك من وفيات الأعيان أن مالكا بقي في بطن أمه ثلاث سنوات" يقول الزعبي معلقاً: "وأما إن كانت الثانية (يقصد إرادة الغمز بالإمام مالك)، وهي التشنيع على أهل السنة، فإنه ليس في وفيات الأعيان في ترجمة مالك ما ادعى المؤلف، بل فيه: وقال ابن السمعاني في كتاب الأنساب في ترجمة الأصبعي: إنه ولد في سنة ثلاث أو أربع وتسعين. والله أعلم بالصواب".بهذا حاول الزعبي الاحتجاج على تزوير السيد الموسوي وكذبه المفترى عليه. مؤولا كلام السيد على غير وجهه، مسقطاً عليه كل هذه الخلفية من الكراهة وإرادة الغمز، هو الذي فاض بحسن الأدب ورفيع التخلق ما أبهر به كل خصومه الحاقدين عليه. ويكفي أن نحقق في افتراء الزعبي واتهامه الأخير لنتعرف على المستوى العلمي والأخلاقي لخصوم السيد الناعتين له بنزق وقلة ورع بما لم يكن من شأنه ولا من صفاته المغمورة بقيم الصراحة
________________________________________

[الصفحة - 72]


والشجاعة والصدق. إننا إذا راجعنا المجلد الرابع من وفيات الأعيان، دار صادر بيروت، من تحقيق الدكتور إحسان عباس، وبحثنا عن حرف الميم (550). وبدأنا بالإمام مالك، سوف نجده يقول - أي ابن خلكان نفسه - في الصفحة 137 في السطر الثامن. يقول بن خلكان: "وكانت ولادته (أي مالك) في سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة وسبعين ومائة.".بينما العبارة التي أوردها الزعبي، موجودة في وفيات الأعيان، لكنها عبارة متأخرة عن العبارة التي استشهد بها السيد الموسوي. فهي في السطر الثالث عشر، فكيف لا يرى العبارة الأولى، ويقفز إلى الثانية؟ وقس على ذلك باقي افتراءات الزعبي ضد السيد الموسوي. ومثل ذلك ادّعاؤهم بأن كتاب "المراجعات"، كتاب منحول وأنه ما رأت الغبراء ولا سمعت السماء بمحاورة بين الشيخ والسيد. والحق أن السيد الموسوي قد عبَّر بما فيه الكفاية عن تأخر صدور الكتاب لجملة من العقبات وما اعترض طريقه من تعدد الانشغالات، حيث لا يخفى أن السيد كان فقيهاً وعالماً ومقاوماً، وذلك كلّه يسوِّغ تأخر عدد كبير من مؤلفاته عن الصدور في وقتها، وأخرى اندثرت أو عدت في ما تم حرقه من قبل قوات المستعمر الفرنسي باقتحامه بيته إبان الإحتلال الفرنسي للبنان. وقد بيَّن مراجعاته وتحدث عن بعض الإضافات لمزيد من السبر والتدقيق (2)، لكن المحتوى ظل هو هو لم يطرأ عليه جديد. لكن هب أننا عَدَدْنا الكتاب متخيلاً، فإن معظم الإشكاليات المطروحة فيه هي نفسها الإشكاليات الواردة على اعتقادات مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنها شبهات أعمق وأكثر دقة من جميع الشبهات التي غدت ممضوغات على ألسن طائفية طولى، لا زالت تغتدي على شبهات من أبسط ما يجود به خيال فقير.
خاتمة
لقد أرسى السيد الموسوي (قدس سره)، معالم مدرسة تواصلية قوامها البحث والتحقيق وأخلاقيات الحوار.وقد اختط لنفسه نهجاً قويماً، ظل به شامخاً ضد كل الخصوم الذين لم يأنسوا بالأهداف النبيلة والكبرى التي ناضل من أجلها رجل صرف حياته لخدمة الإسلام والمسلمين، عالماً مدققاً وباحثاً محققاً وخطيباً أديباً ومناضلاً مقاوماً وحركياً اجتماعياً وفقيها معلماً...
________________________________________
(2) وأفضل رد على هذا الافتراء ما جاء على لسان ابنه سماحة السيد عبد الله شرف الدين في حوار معه أجراه موقع المعصومين جاء فيه -: السؤال: هناك من يدعي بأن هذا الكتاب مفترى على الشيخ البشري مستدلين على ذلك بأنه لم يطبع في حياته؟ الجواب: هذا ادعاء كاذب لا دليل عليه سوى ما ذكره السيد الوالد نفسه في مقدمة كتابه؛ حيث قال: وأنا لا أدعي أن هذه الصحف هي التي جرت بيننا آنذاك، غير أن جميع ما جرى بيننا هو موجود بين الدفتين مع زيادات اقتضتها الحال... إذن فلم يأتِ مدَّعي الافتراء بدليل وإنما هو قرأ المقدمة فحسب.

[الصفحة - 73]


لا شك في أن المتتبع لهذه المقومات والمبادئ التي تميزت بها المدرسة التواصلية للسيد شرف الدين الموسوي يدرك أنها كانت بالفعل مدرسة فذَّة لأخلاقيات الحوار.ومع أننا حاولنا التفصيل في مستويات التخلُّق وأنواعه في هذا المسلك العاملي المميز، إلا أنه لا غرو أن الأخلاق تظل ماء واحداً، وإن تعددت القيم وتمركزت حول قيمة القيم. فيكفي أن تقف على شجاعة الشخص لتدرك إن كان كريماً أو صادقاً… فالقيم تترتب طولياً متواليةً متصلة، فالشجاعة والكرم والصدق وما شابه تحيل إلى بعضها بعضاً… فلا يكون الشجاع بخيلا ولا الصادق جباناً… بهذا المعنى ندرك أن المدرسة التواصلية الموسوية هي مدرسة أخلاقية بامتياز!
إن الذين يستسهلون تكذيب أهل التقى، ويسهل عليهم النيل من العارفين بالله، الذين جاهدوا في سبيله حتى قضوا نحبهم وما بدلوا تبديلاً، إنما يصدرون عن قلة ورع منهم وتراخٍ أخلاقي وفحش في قولهم منكر، وإن ذلك كله لن ينال من هذا الطود العاملي الذي اصطفاه البارئ تعالى لهذا الدورالعلمائي الرسالي العظيم..ولا يخفى على ذي لب أن الله يعلم حيث يجعل رسالته!
* * *
________________________________________

[الصفحة - 74]