البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمام شرف الدِّين والمسألة الكلامية رُؤية الله أنموذجاً

الباحث :  أ. محمد الأنصاري القمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  38
السنة :  السنة العاشرة شتاء 1426هجـ 2005 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  4528
الإمام شرف الدِّين والمسألة الكلامية
رُؤية الله أنموذجاً

أ. محمد الأنصاري القمي (*)

بدع وأساطير
بعد انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، ودخول الناس في الإسلام زرافاتٍ ووحداناً، لم يجد اليهود والنصارى المتواجدون فيها محيصاً إلاّ الاستسلام، فدخلوا فيه متظاهرين به، غير معتقدين بتعاليمه، غالباً، إلاّ مَن شملتهم العناية الربّانية منهم، وكانوا قليلاً، ولكن الأغلبية الساحقة منهم، خصوصاً الأحبار والرهبان بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة.
وبما أنّهم كانوا من أهل الكتاب، عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والأُصول والعقائد، مهَّدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاصّ، وبطريقة تعليمية. ولمّا كانت السذاجة تغلب على عامة المسلمين، تلقّوا هؤلاء بوصفهم علماء ربّانيين، يحملون العلم، فأخذوا ما يلقونه إليهم بقلبٍ واعٍ ونيّةٍ صادقة، وبالتالي نشر هؤلاء في هذا الجو المساعد كلّ ما عندهم من القصص الانحرافية والعقائد الباطلة، خصوصاً في ما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتصغير شأن الأنبياء في أنظار المسلمين، بإسناد المعاصي الموبقة إليهم، والتركيز على القدر وسيادته في الكون على كل شيء، حتى على إرادة الله سبحانه ومشيئته.
ولم تكن رؤية الله بأقل مما سبق في تركيزهم عليها، لذلك ترى في كتب الحديث، قديماً وحديثاً، الأخبار الكثيرة عن التجسيم، والتشبيه، والقدر السالب للاختيار، والرؤية، ونسبة المعاصي إلى الأنبياء، فذلك كلّه من آفات مَسلمة اليهود والنصارى.
________________________________________
(*)باحث من إيران.

[الصفحة - 218]


فقد حسب المسلمون هذه الأخبار حقائق راهنة، وقصصاً صادقة، فتلقوها بقبول حسن، ثمّ نشرها السلف بين الخلف، ودام الأمر على ذلك.
ومن العوامل التي أفسحت المجال للأحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين، النهي عن تدوين حديث الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) ونشره ونقله والتحدّث به أكثر من مئة سنة، فأوجد الفراغ الذي خلّفه هذا العمل أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية، وسخافات كتابيَّة، وأساطير يهودية، خصوصاً من قبل الكهنة والرهبان (1).
فقد كان التحدّث بحديث الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) أمراً مكروهاً، بل محظوراً من قبل الخلفاء، من الخليفة الأول إلى عصر عمر بن عبد العزيز (19 - 101هـ)، بل إلى عصر المنصور العباسي (143هـ)، ولكن كان المجال للتحدّث بالأساطير من قبل هؤلاء أمراً مسموحاً به، فهذا هو تميم بن أوس الداري من رواة الأساطير، وقد أسلم سنة تسع للهجرة، وهو أوّل من قصّ بين المسلمين واستأذن عمر بن الخطاب في أن يقصّ على الناس قائماً، فأذن له، وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان (2).
ولمّا سمحت الظروف لمثل هذا الكتابي بأن يتحدّث بما تعلّم في حياته السابقة، ومُنع من أراد التحدّث بحديث الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، كان المجال خصباً لنشر الأساطير والعقائد الخرافية.
يقول الشهرستاني: "وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وكلها مستمدّة من التوراة" (3).
وهذا هو المقدسي يتكلم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية، فيقول: "وكان فيهم من كل ملة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، وعبادة الأوثان في سائرهم" (4).
ويقول ابن خلدون عن المجتمع العربي قديماً: "إنّهم لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأُمّية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبدالله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة أو مما كانوا يفترون" (5).
________________________________________
(1)الأُستاذ جعفر السبحاني، رؤية الله: 16.
(2)ابن عبدالبر، الاستيعاب في هامش الإصابة؛ وابن حجر، الإصابة ،1: 189؛ والجزري، أسد الغابة، 1: 215؛ والمتقي الهندي، كنز العمال، 1: 281، رقم 29448.
(3)الشهرستاني، الملل والنحل، 1: 117.
(4)المقدسي، البدء والتاريخ 4: 31.
(5)ابن خلدون، المقدمة: 439.

[الصفحة - 219]


والمتفحِّص في ما نُقل عن هؤلاء الكذّابين والوضّاعين والدسّاسين في الأحاديث، يقف على أنّهم كانوا يركّزون على تفكير غير ديني، وبخاصة أحاديث منحرفة عن الإسلام وسنّة رسوله(صلي الله عليه و آله و سلم)، وفكرتين يهوديّتين: الأُولى فكرة التجسيم، والثانية رؤية الله تعالى.
والفكرة تسرّبت إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها ضمن العقيدة الإسلامية، بحيث يكفّر منكرها أحياناً أو يفسّق، ولما صارت تلك العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عاد المتكلمون الذين تربّوا بين أحضانهم للبرهنة والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً، ولولا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة.
هذا، وقد طُرحت مسألة رؤية الله تعالى على صعيد البحث والجدال في القرن الثاني، عندما حيكت العقائد على نسق الأحاديث، ووردت فيها رؤيته سبحانه يوم القيامة، فلأجل ذلك عدّت من العقائد الإسلامية.
الاختلاف وتنوُّع الرُّؤى
مع هذه البداية، اختلف المسلمون في رؤية الله تعالى، فأحالها في الدنيا والآخرة قوم، وأجازها في النشأتين آخرون، وكان ممن أحالها أئمة العترة الطاهرة، أعدال الكتاب وأولياؤهم، وهذا هو مذهب المعتزلة من المسلمين، وذهب الجمهور إلى إمكانها في الدارين، مجمعين على وقوعها في الدار الآخرة، مقرِّين بأنَّ جميع أهل الجنة سيرونه فيها بأبصارهم، واختلفوا في وقوعها في الدنيا، فمنهم من قال بوقوعها من رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، ومنهم من قال بعدم وقوعها أصلاً، ومنهم من توقف.
كما يروي ابن الأثير عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: "كنا جلوساً عند النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: "إنكّم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامّون في رؤيته»... وقال النبي(صلي الله عليه و آله و سلم): "إنكم سترون ربكّم عياناً" (6).
ويمكن القول: إنَّ فكرة رؤية الله عزّ وجلّ تتنوع فيها الرؤى والمذاهب إلى عشر فئات تقريباً:
________________________________________
(6)صحيح البخاري 9: 156؛ صحيح مسلم 8: 216؛ سنن الترمذي، أبواب صفة الجنة: 16.

[الصفحة - 220]


1 - الفلاسفة والشيعة والمعتزلة:الذين يرون عدم إمكان رؤية الله تعالى بالعين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأكثر الفلاسفة المتألهين وكبار العلماء يرون هذه الرؤية، والعقل أيضاً قائل بذلك، وجميع الأنبياء أيضاً يؤكدون هذه المقولة، والقرآن الكريم بدوره يصرّح بذلك ويقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام/103].
2 و3 - الفرقة المجسّمة والكلامية: حيث يقولون بأنّ رؤية الله تعالى ممكنة، ومن جهة الأمام، وتقول الحنابلة: إن رؤية الله ممكنة من جهة العلو (7).
يقول الشهرستاني، في كتابه، في تعريف الفرقة المشبّهة: "وأمّا الفرقة المشبّهة الحشوية: فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى، أنّه حكى عن مضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي: أنّهم أجازوا على ربّهم، الملاحة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتحاد المحض" (8).
4 ـ حكى الكعبي عن بعض علماء أهل السنّة قولهم: "إنَّ رؤية الله وزيارته ممكنة حتى في هذه الدنيا، وكذلك زيارته لنا في المقابل" (9).
5 - يقول داوود الجورابي: "أعفوني عن الفرج واللحية، واسألوني عمّا وراء ذلك، وقال: إنّ معبوده جسم، ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأذنين، ومع ذلك، جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، وحُكي عنه أنه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأن له وفرة سوداء وله شعر قطط، وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والمجيء والإتيان والفوقية فأجروها على ظاهرها، أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام (10).
وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «خُلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتى يضع الجبّار قدمه في النار»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي حتى وجدت برد أنامله على كتفي»، إلى غير ذلك من الروايات أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام (11).
يقول الشهرستاني بعد استعراضه لهذه الأقوال: "وزادوا في الأخبار أكاذيب
________________________________________
(7)الملل والنحل، 1: 108 ـ 113.
(8)المصدر نفسه: 105.
(9)المصدر نفسه.
(10)المصدر نفسه.
(11)المصدر نفسه، 1: 96 ـ 97.

[الصفحة - 221]


وضعوها ونسبوها إلى النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وأكثرها مقتبس من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش لتئط من تحته كأطيط الرحل الجديد، وإنّه ليفضل من كلّ جانب أربعة أصابع (12).
6 ـ الأشاعرة:ورغم أنّهم يقولون: "إنَّ الله تعالى مجرّد وغير مادّي، إلاّ أنّهم يقولون أيضاً: "إنّ رؤية الله بالعين ممكنة، وبقولهم هذا يخالفون جميع العقلاء، ويعتقدون بأنّ رؤية الله ممكنة، ولكن لا كما يذهب إليه المجسّمة، بل إنّ الله يُرى في حين أنه تعالى لا يقع في جهة العلو ولا الأسفل ولا في جهة اليمين ولا الشمال، ولا الأمام ولا الخلف، ولا أن الله يُرى بتمامه ولا بجزئه، ولا في مقابل الرائي ولا إلى جانب منه، وحينما يراه الرائي لا يمكنه الإشارة إليه، ورغم ذلك فإنه يُرى"(13).
7 ـ طائفة أخرى من الأشاعرة يقولون: إنّ المراد من الرؤية، ليس بانعكاس النور أو بخروج الشعاع، بل المقصود الحالة التي تحصل للإنسان بعد العلم بالشيء وإدراكه بوساطة رؤيته. وآخرون منهم يرون أنّ معنى الرؤية هوْ: إنّ الله تعالى سوف يتجلّى لعباده المؤمنين يوم القيامة ويظهر لهم كما يظهر القمر للناس في الليالي المقمرة (14).
8 - يقول ضرار بن عمرو: "إنّ الله تعالى يُرى يوم القيامة بالحاسّة السادسة لا بالعين المجرّدة"(15).
9 - طائفة أخرى ترى أنّه من الممكن أن يرزق الله تعالى العين قوّة قلبية تتمكّن بها من رؤيته وإدراكه، وهذا الإدراك نوع من العلم؛ لأنّه حصل بقوة القلب، وفي الوقت نفسه يُعَدّ من الرؤية؛ لأنّه حصل من جرّاء حالة حدثت للعين. وفي هذه الحال، هناك طائفتان تقولان بإمكانية رؤية الله يوم القيامة (16).
الطائفة الأُولى يقولون: إنَّ الكفار لا يستطيعون رؤية الله؛ لأن رؤية الله نوع من الكرامة والشرف، والكفار محرومون من ذلك، وهذا هو رأي الأكثرية منهم.
الطائفة الثانية، مثل السالمية والحشوية يقولون: إنّ الكفار يستطيعون رؤية الله تعالى أيضاً.
10 - طائفة أخرى تقول: إنّ رؤية الله ممكنة دائماً للمؤمن والكافر على السواء، ولكنّهم لا يعرفونه.
________________________________________
(12)المصدر نفسه: 106.
(13)شرف الدين العاملي، رؤية الله: 9.
(14)المصدر نفسه: 10.
(15)المصدر نفسه.
(16)المصدر نفسه.

[الصفحة - 222]


ويقول آخرون: لا يمكن رؤية الله تعالى بالعين الماديّة التي خلقت للفناء، وإنما يمكن رؤيته بالعين التي تكون للإنسان في الآخرة والتي خلقت للبقاء.
كانت هذه بعض الأقوال والآراء المختلفة في رؤية الله تبارك وتعالى، وكل طائفة تتمسّك بظواهر بعض الآيات والروايات في تأييد مذهبها، ولكنّهم رغم ذلك لم يتمكّنوا من إزاحة ستار الظنّ، والوصول إلى حكم العقل، والتمييز بين الخيال والعقل في هذه المسألة، وكما قال المحقق الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي في كتابه: "إنّ رؤية الله تعالى ممكنة لدى علماء العامّة رغم أنّه ليس له جهة من الجهات، ودليلهم على ذلك قياسهم الله تعالى مع باقي الموجودات المرئية، وقد استدلّوا لذلك أيضاً ببعض الآيات القرآنية والروايات" (17).
مسألة كلاميَّة
وفي الحقيقة أنّه يجب القول: إن هذا البحث قد يكون غريباً بالنسبة لنا بعض الشيء في هذا العصر، حيث تعلّمنا منذ البداية أنّ الله تعالى "ليس مركّباً، ولا جسماً، ولا محلاًّ، ولا تقع عليه الرؤية"، وأن الله في دائرة الفكر الإسلامي هو إله منزّه من جميع الصفات التي تنسب إلى مخلوقاته، والموجودات التي نراها والتي نقول بإمكانية رؤيتها، هي مخلوقة بأجمعها ولا يمكن رؤية خالقها أبداً، فعلى هذا لا نجد للبحث المذكور آنفاً موضعاً في أوساطنا الدينية من الأساس.
ولكن هذه المسألة كانت سابقاً مطروحة على بساط البحث وبقوّة في المجتمع الإسلامي بشكل عام، وأساساً فإنّ مقولة: إنّ الله ليس كمثله شيء، تعني استحالة رؤيته، وقد برزت هذه المقولة في تاريخ العقائد والكلام الإسلامي من قبل بعض المتكلمين العقلانيين، وفي مقابلها ذهب علماء أهل السنة إلى أنّ رؤية الله ممكنة، ولكن لا في الدنيا، بل في الآخرة.
إنّ ظهور الاعتقاد برؤية الله بين المسلمين لا يعدّ أمراً غريباً، وأساس هذه الفكرة - كما هي الحال في أكثر العقائد الكلامية - مقتبس من المفاهيم القرآنية وتفسير بعض الآيات الكريمة، ففي القرآن الكريم نقرأ آيات تتحدّث عن «وجه الله» في قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة/115].
________________________________________
(17)قواعد العقائد: 125.

[الصفحة - 223]


وكذلك ما ورد في القرآن من طلب موسى(عليه السلام) رؤية الله، حيث إنّ بعض المتكلمين ذهب إلى القول: إن طلب موسى نفسه من الله تعالى رؤيته {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف/143] يعني أنّ رؤية الله ممكنة، ومعلوم أن نبي الله(صلي الله عليه و آله و سلم) لا يخطئ، فلو كانت رؤية الله مستحيلة لم يطلب موسى(عليه السلام) من الله الرؤية. وطبعاً ورد في القرآن أن الله تعالى أجاب موسى(عليه السلام)، بقوله: {لَن تَرَانِي} [الأعراف/143]، ومن هذه العبارة يستوحي بعض آخر من المتكلمين بأن رؤية الله مستحيلة.
إن هذه الحادثة نفسها، بين موسى(عليه السلام) وربّه، تجعل من موضوع «رؤية الله» مسألة كلامية تستحق البحث. وقد ذهب أهل السنة إلى أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {لَن تَرَانِي} ، ولكن رؤيته يوم القيامة ممكنة، ويستندون لإثبات هذه المقولة إلى حديث «رؤية القمر» المذكور آنفاً.
فقد كانت هذه المسألة هي الأساس في أن علماء الكلام افترقوا فريقين: المتكلمون العقلانيون في القرنين الثاني والثالث؛ أي علماء الجهمية والمعتزلة الذين أنكروا الرؤية، وفي مقابلهم السلفيون وأهل الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، الذين يرون إمكان رؤية الله في الآخرة.
ولكن إلى جانب هذه المسألة الأصلية، كانت تطرح أسئلة أخرى، فالقائلون بجواز الرؤية يواجهون عدة علامات استفهام من قبيل: كيف تتحقق الرؤية؟ فهل أن المؤمنين يرون الله في الآخرة بالعين المادية أو بحاسّة أخرى، وكأن تكون الرؤية بالقلب مثلاً، أو بالحاسّة السادسة؟ وهل أن الله الذي يرونه في الآخرة له وجه أو لا؟ وكيف يكون ذلك الوجه، ومن يكون؟ وهل أن المؤمنين يرون الله بصورة إنسان أو لا؟ ولو أنّهم رأوه بصورة إنسان فمن يشبه هذا الإنسان؟ وعلى أي شكل؟
والظاهر أن هذه الأسئلة كانت مطروحة سابقاً في الوسط المسيحي أيضاً، ولكن الإجابة بالإيجاب في الديانة المسيحية لا تواجهها مشكلة معرفية عندهم؛ لأن الله الذي تجسد على صورة "السيد المسيح" لا تكون رؤيته مستحيلة، والمؤمنون من المسيحيين يتمنّون جميعاً أن يروا بعد الموت السيد المسيح - وهو الربّ المتجسّد - في الجنة، إلاّ أنّ مثل هذه الأجوبة لا تعد مقبولة في الوسط الإسلامي. طبعاً كان هناك من يعتقد بأن الله تعالى سيظهر للمؤمنين يوم القيامة بصورة عيسى بن مريم أو بصورة علي بن
________________________________________

[الصفحة - 224]


أبي طالب(عليه السلام)، ويرونه بهذه الصورة. ولعل مثل هذه الاعتقادات أدّت إلى أن ينكر العقليون كالجهمية والمعتزلة والشيعة، الرؤية من الأساس حتى في الآخرة.
ولم يقتصر البحث على تحقُّق الرؤية في الآخرة، بل امتد البحث إلى إمكانية الرؤية في الدنيا أيضاً، فبعض الفرق الإسلامية يرون جواز رؤية الله في الدنيا، ولكن أحمد بن حنبل وأهل الحديث بشكل عام ينكرون هذه النظرية. إلاّ أن قضية معراج النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ورؤيته لله تعالى في ليلة المعراج أدّتا إلى طرح مسألة إمكانية رؤية الله تعالى في هذه الدنيا بعد ذلك.
وهناك روايات تشير إلى أنّ النبي الأعظم(صلي الله عليه و آله و سلم) رأى الله تعالى في ليلة المعراج في صورة رجل شاب. وقد راجت مثل هذه الأحاديث في أوساط الصوفية لاحقاً. وطبعاً فإن المتصوفة يذهبون إلى جواز رؤية الله في الآخرة، بل إنّ الصوفي الحقيقي يتمنّى أن يموت لينال رؤية الله تعالى في الجنة. ذلك كلّه بمفهوم رؤية الله بعين القلب والبصيرة، ولكن المتصوفة بعد ذلك أخذوا يتحدثون عن رؤية الأنوار الإلهية ومشاهدة وجد المعشوق بعين القلب في هذه الدنيا أيضاً. كما نلاحظ ذلك في الأشعار العرفانية المشحونة بالإشارات والكنايات التي تشير إلى موضوع لقاء المعشوق ورؤية وجه الله تعالى.
وحتى موضوع الشاهد والشهادة، أيضاً، متفرّع في الأساس من أصل مسألة الرؤية هذه. وكذلك مسألة النظر الواردة في قاموس التصوّف هي الأخرى متفرعة من مسألة الرؤية أيضاً. وبعض المتصوفة يذهبون، في تفسير آية الميثاق والعهد، إلى أنَّ الناس - وطبعاً المؤمنين منهم - شاهدوا قبل مجيئهم لهذه الدنيا معشوقهم ومحبوبهم الحقيقي، وهو الله تعالى، ولهذا أجابوا عن سؤال {ألست بربكم} [الأعراف/172] بقولهم: {بلى} .
مورد الاهتمام
هذه الرؤى والاعتقادات التي أشرنا إليها آنفاً توحي لنا بسعة دائرة البحث في مسألة رؤية الله تعالى، والإمام شرف الدين لم يتعرض إلى هذه الأقوال والرؤى جميعها في بحثه العلمي؛ لأن هذا البحث يمتد بجذوره إلى الماضي البعيد جداً في
________________________________________

[الصفحة - 225]


دائرة البحث الفلسفي والكلامي، وعلماء الديانات والمذاهب، حتى قبل ميلاد المسيح(عليه السلام)، تعرضوا لهذه المسألة أيضاً من جوانبها وأبعادها المختلفة، بما فيها البعد الميتافيزيقي، ولكن أكثر ما كان مورد اهتمام العلامة شرف الدين، هو نظريات علماء الشيعة الإمامية بالخصوص وأقوالهم، وهو المورد الذي يمثل الحلقة المفقودة في سلسلة الأبحاث الكلامية في هذه المسألة.
أما العوامل التي أدّت إلى طرح هذه الحلقة من حلقات بحث هذه المشكلة، وإلى إقصائها عن مصادر الرأي الإسلامي في مدار الفكر العالمي، فعوامل سياسية اقتضتها ظروف الحكم، في كثير من مراحل تاريخنا.
وواضح أن الحكم رافق "أهل السنة" من المسلمين، وفارق "الشيعة الإمامية" منهم، باعتبارهم الحزب المعارض، فكان من ذلك أن روَّج لآراء الحزب الحاكم، وحوربت آراء المعارضة، تبعاً لذلك، حتى أدّى الأمر إلى انتشار آراء، وطيّ أخرى في واقع طغت فيه المناهج السياسية على المناهج العلمية كما هو معروف. ويعتقد العلامة شرف الدين بأنه، وعلى هذا الأساس، ذهب الجمهور إلى إمكان الرؤية في الدارين، وقد أجمع هؤلاء على وقوعها في الدار الآخرة، وعلى أنّ جميع أهل الجنة سيرونه فيها بأبصارهم، واختلفوا في وقوعها في الدنيا، فمنهم من قال بوقوعها من رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، ومنهم من قال بعدم وقوعها أصلاً، ومنهم من توقف(18).
أما المجسّمة من هؤلاء، فقد زعموا أنّ أهل المحشر جميعهم سيرونه يوم القيامة نصب أعينهم باتصال أشعّتها بجسمه، ينظرون إليه لايمارون فيه، كما لا يمارون في الشمس والقمر ليس دونهما سحاب، على ما يقتضيه نصّ الحديث في البخاري ومسلم.
وهؤلاء خالفوا - بالتجسيم والتشبيه - حكم العقل والنقل، وخرقوا إجماع الأُمّة كافة، وخرجوا على مقدساتها، ونبذوا ما قد عُلم من الدين بحكم الضرورة الإسلامية، فلا وزن لهم، ولا اعتداد بمذاهبهم.
والعلامة شرف الدين، بعدما يطرح موضوع الرؤية عند الأشاعرة الموسوميون بأهل السنة والجماعة، ويعرض عن رأيهم ما أوجبه جهلهم، واقتضاه حمقهم وسخف مذاهبهم، يرى أن محل النزاع ينحصر في رؤية الباري تعالى، وهل هي ممكنة مع
________________________________________
(18)شرف الدين العاملي، رؤية الله: 25.

[الصفحة - 226]


تنزيهه؟ أو هي مع التنزيه ممتنعة مستحيلة؟ ويستنتج بأن الأشاعرة ذهبوا إلى الأوَّل، وذهبت الشيعة الإمامية تبعاً لأئمتهم (عليهم السلام) إلى الثَّاني.
وعلينا أن نبيّن أن فكرة التجسيم، كما أوضحنا، دخلت في العقيدة الإسلامية من جانب اليهود والنصارى واختلاطهم مع المسلمين السابقين، وبخاصَّة مع بعض ممَّن تسمّوا بالمحدثين والرواة المشبوهين، الذين لا أصل لهم، ولا رسخت العقيدة الصحيحة المحمدية في نفوسهم، وإنما كانوا تجار حديث ورواية، ونهضوا في هذا الإطار ودسّوا ما دسّوا، ورووا ما رووا من أكاذيب بأموال من بني أميّة وأمثالهم، الذين لعبوا بالدين والشريعة والعقيدة الإسلامية ردّاً لما اتخذه الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، فإنّه أهاب في الجاهلين وصرّح في الغافلين، ونادى في الناس أجمعين: «يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته فلا تذهبن بكم الأباطيل»(19). وردّاً على قوله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (20)، وزاد الطبراني: «فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم» (21).
ويستشهد العلامة شرف الدين بأحاديث وروايات صحيحة في فضيلة المرجعية العلمية والدينية لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، ويقول: "المراد بأهل بيته في هذه الصحاح ونحوها مجموعهم من حيث المجموع، باعتبار أئمتهم القوامين بأمر الله والقائمين في هذه الأُمّة مقام رسول الله، ولا يصحّ أن يكون المراد هنا جميع أهل البيت على سبيل الاستغراق؛ لأن هذه المنازل العظيمة ليست إلاّ لحجج الله تعالى، النافين عن هذا الدين تحريف الضالّين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وجماعة المسلمين لا يخفى عليهم ذلك، وإن كتموه وحاولوا التشكيك فيه ردّاً على رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، الذي شبّه أهل بيته (عليهم السلام) بسفينة نوح وبباب حطّة، حتى يلجأوا إليهم في الدين أصوله وفروعه، فرائضه وسننه، حتى ينجوا من عذاب النار، ومن تخلَّف عنهم في ذلك كان كمن آوى - يوم الطوفان - إلى جبل ليعصمه من أمر الله.
والعلامة شرف الدين في مقاله يدخل في احتجاجهم بأحاديث متقنة وروايات مسندة من العترة الطاهرة (عليهم السلام) في ردّ روايات كاذبة مسندة إلى الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) من طرقهم غير الموثَّقة.
________________________________________
(19)ابن حجر، الصواعق المحرقة: 124.
(20)الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 3: 148.
(21)مسند أحمد، 3: 17 و26.

[الصفحة - 227]


قوم دسّوا أنفسهم في صفوف المحدّثين ـ والمحدّثون منهم براء ـ فكانوا مولعين بأباطيل يصونونها تثبيتاً لآرائهم واحتجاجاً على من يخالفهم فيها، وقد صاغوا في الرؤية أضاليل موّهوها بما يستهوي العامّة من تفضيل من تؤثر العامة من أهل السنة تفضيله ليصيبوا - بسهم واحد - غرضين هما من أهم أغراضهم، وليتترسوا بهذا التفضيل ممّن يخافون أن ينكر عليهم تلك الأباطيل، وقد سرقها بعضهم من بعض، فركبوها على أسانيد متعددة بطرق مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان، وإليك منها في هذه العجالة نبذة نضربها مثلاً لسائر أباطيلهم في هذا الباب لتكون عبرة وذكرى لأُولي الألباب.
مثلما أخرجه الشيخان البخاري ومسلم بالإسناد إلى أبي هريرة قال: «قال أناس: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك. يجمع الله الناس، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا، عرفناه!! قال: فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون! فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه ويضرب جسر جهنم. قال أبو هريرة، قال رسول الله: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذٍ: اللهم سلّم سلّم...» (22)، والحديث طويل. وكذلك أخرج مسلم في كتابه في حديث أطول منه (23).
لكنَّ العلاَّمة شرف الدين يبطل الحديث من طريقيه عند البخاري ومسلم، من حيث سنديهما إلى أبي هريرة، الذي هو من السابقين الأولين إلى اختلاق الحديث على الله تعالى وعلى رسوله(صلي الله عليه و آله و سلم)، ولم يسبقه في ذلك سابق، ولم يلحقه فيه لاحق، وزيادة على ذلك يذكره في كتابه "أبو هريرة".
وهكذا سويد بن سعيد، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال بأنّه عمّر وعمي، وأنّه ربما لُقّن مما ليس من حديثه، وكان كثير التدليس، ونقل عن البخاري القول بأنه منكر الحديث وضعيف جداً، قال: وكذّبه ابن معين وسبّه، وعن أحمد بن حنبل: هو متروك الحديث.
________________________________________
(22)صحيح البخاري، 5: 2403 / 6204، باب الصراط جسر جهنم من كتاب الرقاق الطبعة المحققة، بتحقيق د. مصطفى ديب البغا.
(23)صحيح مسلم، 1: 213 / 299 ط. مؤسسة عز الدين - بيروت 1407هـ / 1987م.

[الصفحة - 228]


وهكذا زيد بن أسلم، كأخويه في الوضع والكذب والتدليس.
ثمَّ يأتي العلامة شرف الدين على الحديثين عند البخاري ومسلم من حيث المتن، فيعدّهما باطلين لظهورهما في أنّ الله تعالى جسم ذو صورة مركبّة تعرض عليها الحوادث من التحوّل والتغيّر، وأنّه سبحانه ذو حركة وانتقال، يأتي هذه الأُمّة يوم حشرها وفيها مؤمنوها ومنافقوها، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل. فيقول لهم: أنا ربكم، فينكرونه متعوّذين بالله منه، ثمّ يأتيهم مرّةً ثانية في الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربكم فيقول المؤمنون والمنافقون جميعاً: نعم أنت ربنا، وإنما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته الدّالة عليه، فيتسنّى حينئذٍ السجود للمؤمنين منهم من دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون الله ماثلاً فوقها بالصورة التي يعرفون، لا يمارون فيه كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر ماثلين فوقهم بجرميهما النيّرين ليس دونهما سحاب، وإذا به بعد هذا يضحك ويعجب من غير ما عجب، كما هو يأتي ويذهب.. إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان مما لا يجوز على الله تعالى، ولا على رسوله بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم.
ويقول شرف الدين: "إن هذين الحديثين وسائر الأحاديث التي تشبّث بها القائلون بالرؤية، لو فرضنا صحتها متناً وسنداً، لا تخرج بالصّحة عن كونها من الآحاد، ويعتقد العلامة بأن خبر الواحد مع صحته إنما يكون حجة في الفروع لا في العقائد".
وبالمقابل، في ردّ أحاديث موضوعة وأكاذيب منقولة، يستشهد في جوابه بحديث من خطبة لأمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث يقول: «الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون... الذي لا يدركه بُعدُ الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعت موجود، ولا وقت معدود.." (24).
وفي خطبة الأشباح يقول(عليه السلام): «الأوّل الذي لم يكن له قبلٌ فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعدٌ فيكون شيء بعده، والرادع أناسيَّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه" (25).
وفي خطبة أخرى يقول: "الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه،
________________________________________
(24)نهج البلاغة: الخطبة: 1، تنظيم صبحي الصالح.
(25)المصدر نفسه: الخطبة 91.

[الصفحة - 229]


وبحدوث خلقه على وجوده... واحدٌ لا بعدد، ودائم لا بأمد... تتلّقاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له المرائي لا بمحاضرة، لم تحط به الأوهام، بل تجلّى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها" (26).
وفي كلام له(عليه السلام) وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال(عليه السلام): "أفأعبد ما لا أرى"؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: "لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس.." (27).
وكذلك في حديث الإمام الصادق(عليه السلام)، وقد دخل عليه رجل من الخوارج، فقال له: يا أبا جعفر أيّ شيء تعبد؟ قال: الله عزّ وجلّ، قال: أرأيته؟ قال: «لا تراه العيون بمشاهدة الأبصار وإنما تراه القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبّه بالناس، موصوف معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلاّ هو" (28). وفي حديث غيره قال الصادق(عليه السلام): "إن الله عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته ولا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف، ولا أين ولا حيث"(29).
وقال الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} قال: "الله أعظم من أن يُرى بالعين، أو يحيط به الوهم" (30). وقال الإمام الرضا(عليه السلام) في جواب أبي هاشم الجعفر لمّا سأله عن الله هل يوصف؟ قال(عليه السلام): "أتقرأ القرآن"؟ قال: بلى، قال: "أما تقرأ قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} .قال: بلى، قال: "أفتعرف الأبصار؟". قال: بلى، قال: «ما هي»؟ قال: العيون. فقال: "إنّ أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام.." (31).
وفي حديث آخر عن الإمام الرضا(عليه السلام) قال لداود بن القاسم في تفسير {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ...}: "أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند والبلد التي لم تدخلها، ولا تدركها ببصرك، وأوهام القلوب لا تدركه - عزّ وجلّ - فكيف أبصار العيون" (32)؟!
كذلك يستشهد السيد شرف الدين بتوقيع خرج من ناحية الإمام أبي محمد العسكري(عليه السلام)، وقد سأله يعقوب بن إسحاق، أن كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟
________________________________________
(26)المصدر نفسه: الخطبة 185.
(27)المصدر نفسه: الخطبة 179.
(28)الشيخ الصدوق، التوحيد، 8: 108/5.
(29)الكليني، الكافي، 1: 32/156/12.
(30)المصدر نفسه: 31/152/9.
(31)المصدر نفسه: 31/152/10.
(32)المصدر نفسه: 31/152/11.

[الصفحة - 230]


فوقّع(عليه السلام): «يا أبا يوسف! جلّ سيّدي ومولاي والمنعم عليَّ وعلى آبائي أن يُرى»، قال: وسألته: هل رأى رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) ربّه؟ فوقّع(عليه السلام): "إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ" (33).
وفي حديث آخر عن أحمد بن إسحاق قال: كتبتُ إلى أبي الحسن الثالث (الهادي) (عليه السلام) أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس؟ فكتب: "لا تجوز الرؤية ]- عقلاً -[ ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انطقع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية، وكان في ذلك الاشتباه؛ لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه، وكان ذلك التشبيه؛ لأن الأسباب لابدّ من اتصالها بالمسبّبات» (34). إلى غير ذلك ممّا هو ثابت عن أئمة الهدى من النصوص على امتناع الرؤية.
ويستدلّ القائلون بجواز الرؤية بآيات من الكتاب الحكيم، ويفسرّونها بما أرادوا تحريفاً للواقع، كما في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة/22]، وقالوا: إنها ظاهرة في أن أصحاب تلك الوجوه الناظرة يوم القيامة ينظرون إلى ربّهم فيرونه عياناً بأبصارهم.
ويعتقدون بأنّ النظر إذا عُدّي بـ "إلى" يرد لمعان غير الرؤية، وإذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر لا يحتمل إلاّ الرؤية. وأيدهم الأشعري، فقال: إن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: أنظر في هذا الأمر بقلبك، لم يكن معناه نظر العينين، ولذلك إذا ذكر النظر مع الوجه، لم يكن معناه نظر الانتظار الذي بالقلب... كما قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة/144]، فذكر الوجه وإنما أراد تقلُّب عينيه نحو السماء ينتظر نزول الملك عليه بصرف الله له عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة (35).
وكذلك ابن القيم يقول: "وأنت، إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه في ما أراده منها، وجدتها منادية نداء صريحاً أن الله سبحانه يُرى عياناً بالأبصار يوم القيامة... وصريح في أن الله سبحانه وتعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرّب جل جلاله" (36).
________________________________________
(33)المصدر نفسه: 31/149/1.
(34)المصدر نفسه: 31/151/4.
(35)الإبانة عن أصول الديانة: لأبي الحسن الأشعري: 12 و13؛ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن قيم الجوزية: 231.
(36)حادي الأرواح: 230.

[الصفحة - 231]


ويردّ عليهم السيّد في مقاله ويقول: "إن لفظ النظر ولا سيما المتعدّي منه بـ (إلى) ليس اسماً للرؤية نفسها، ولا هو بملازم لها، وإنما هو مدّ الطرف نحو الشيء رآه أو لم يره، ويدل عليه قوله تعالى:{وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف/198]، وقد يوصف النظر بما لا توصف به الرؤية، فيقال: نظر إليه شزراً ونظر إليه نظر غضبان أو نظر راض، والرؤية لا توصف بشيء منها، فلا يقال: رآه شزراً أو رؤية غضبان، وهذا ليس إلاّ لتغاير في معنيي النظر والرؤية" (37).
وهكذا في قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، إن المتبادر إلى الأذهان أنها إنما تنتظر وتتوقع فضل الله، وما أعدّه لها من الكرامة في دار القيامة، كما يقول أهل العرف: إنّما ننظر إلى الله ثم إليك؛ أي إنما ننتظر ونتوقع فضل الله ثم فضلك، يقولونه للمؤمل يرجونه، وما أكثر استعمالهم للنظر في الانتظار على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز، ولا سيّما المتعدّي منه بـ"إلى"، واستشهد بقول الشاعر:
وجــوه ناظــرات يـوم بـدر علـى الرحمـان تنتظـر الخلاصا
أثبت النظر إلى الرحمّان مع عدم رؤيته، ونص في آخر البيت على أنّ مراده من قوله في أوله: وجوه ناظرات، أنها تنتظر الخلاص.
ويحمل الآية بدليل تقديم المعمول فيها على عامله، فإنّ تقديمه عليها نصٌّ صريح في اختصاص الله تعالى بنظرهم إليه، ألا ترى أنّ قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} في الدلالة على هذا الاختصاص على حدّ قوله سبحانه: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [القيامة/12] و {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة/30]وأمثاله.
ويقول: هذا يوجب القطع بأن النظر في الآية لا يراد منه الرؤية؛ لأن المؤمنين يوم القيامة ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها حصر، ولا تدخل تحت عدد في محشر تجتمع فيه الخلائق من إنس وجنّ وملائكة وغيرهم، والمؤمنون هم نظّار ذلك اليوم الآمنون المطمئنون، الذين لا يمنعهم يومئذٍ عن النظر إلى زلزاله وسائر أحواله ذعر ولا خوف، فاختصاصه تعالى بنظرهم إليه - لو كان الله جائز الرؤية " مستحيل. ولذلك وجب الآية على معنى يصحّ معه هذا الاختصاص إنما هو كون (ناظرة) في الآية بمعنى منتظرة. ويؤيد كلامه بتفسير عن أمير المؤمنين(عليه السلام) وغيره، بأن المراد بقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، أنها تنتظر ثواب ربّها (38).
________________________________________
(37)كلمة حول الرؤية: 68.
(38)رؤية الله: 71.

[الصفحة - 232]


أمّا في قوله تعالى: {كلاَّ إنهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون} [المطفِّفين/15]، يقول الرازي في تفسيره: احتج الأصحاب على أنّ المؤمنين يرونه سبحانه وتعالى, قالوا: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، وفيه تقرير آخر، وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض الوعيد والتهديد للكفّار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفار لا يجوز حصوله في حق المؤمن، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن.
ونقل عن مقاتل قوله: معنى الآية أنّهم بعد العرض والحساب لا يرون ربّهم، والمؤمنون يرون ربّهم. وقال الكلبي: يقول: إنهم عن النظر إلى رؤية ربّهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربّه. وسُئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لمّا حجب أعداءه فلم يروه، لا بد من أن يتجلّى لأوليائه حتى يروه. وعن الشافعي: لمّا حجب قوماً بالسخط دلّ على أنّ قوماً يرونه بالرضا (39).
ويرّد عليهم شرف الدين ويقول: هؤلاء صدعوا برأي رأوه لا تتّم به حجة ولا يقوم به برهان، ولا سيّما إذا كان رأيهم مخالفاً للعقل الذي به عرفنا الله تعالى ومعارضاً لكتاب الله عزّ وجلّ، ومخالفاً لنصوص أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم أعدال القرآن، وعنه لا يفترقون، وإنما مثلهم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، ومثل باب حطة من دخله كان مؤمناً، وهم أمان الأُمّة من الاختلاف.
ويقول عن الحجاب المذكور في الآية: إنما هو حجب الكفار عن رحمة الله، وهذا خاص بهم دون المؤمنين، فإن المؤمنين في سعة رحمة الله، وبحبوحة جنّته مع الذّين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً (40).
أما في قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} يقول الرازي: بدليلين:
من النقل: إنّ الحسنى هي الجنّة والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى.
والعقل: فهو أن الحسنى لفظ مفرد دخل عليه حرف التعريف فانصرف إلى المعهود السابق وهو دار السلام" (41).
ويقول السيد شرف الدين: إنّ الرؤية مستحيلة بحكم العقل، والحديث عندنا معلومة العدم، وهكذا لا انصراف في الحسنى هنا إلى دار السلام قطعاً بحكم أهل العرف من خاصة وعامة، وإنما هي الثواب الذي يستحقّه المحسنون في الآخرة جزاء
________________________________________
(39)التفسير الكبير 31: 95 ـ 96.
(40)رؤية الله: 75.
(41)التفسير الكبير 4: 565 من سورة يونس.

[الصفحة - 233]


حسناتهم في الدنيا، وأن الزيادة إنما هي ما يزيدهم الله تعالى من فضله علاوة على ما يستحقونه، فتكون هذه الآية هي حدّ قوله تعالى في آية: {فَيُوَفِّيهِمْ أجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر/30] (42).
أما الاستدلال على رؤية الله في الآخرة بقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق/35]. فالمزيد في الآية لأهل الجنّة على ما يشاؤون، وإنّما هو النظر إلى وجه الله عزّ وجلّ، ويحتمل الرازي بأن يكون معناه الزيادة، ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول؛ أي عندنا ما نزيده على ما يرجون وعلى ما لا يرجون، وعلى ما يكون ممّا يشتهون.
ويرى شرف الدين أن هذه الآية لا تحتمل سوى أن أهل الجنّة لهم فيها كلّ ما يشاؤون مما تشتهيه أنفسهم، وكلّ ما يريدون من أنواع النعيم، وأن عند الله عزّ وجلّ المزيد على ما يشاؤون ممّا لم يخطر على بالهم ولم تبلغه أمانيهم (43).
وجوه عقليَّة دالَّة على امتناع الرؤية
وفي فصل آخر من مقالة العلامة شرف الدين يبحث عن وجوه عقلية دالَّة على امتناع الرؤية، ويقول:
1 - إنّ كل من استضاء بنور العقل يعلم أنّ الرؤية البصرية لا يمكن وقوعها ولا تصورها، إلاّ أن يكون المرئي في جهة ومكان ومسافة خاصة بينه وبين رائيه، ولا بد من أن يكون مقابلاً لعين الرائي، وذلك كلُّه ممتنع على الله تعالى مستحيل بإجماع أهل التنزيه، من أشاعرة وغيرهم.
2 - إنّ الرؤية التي يقول الأشاعرة بإمكانها ووقوعها، إمّا أن تقع على الله كلّه فيكون مركّباً محدوداً متناهياً محصوراً يشغل فراغ الناحية المرئي فيها، فتخلو منه بقية النواحي، وإمّا أن تقع على بعضه فيكون مبعضاً مركباً متحّيزاً، ذلك كلُّه مما يمنعه ويبرأ منه أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم.
3 - إن كل مرئي بجارحة العين مشار إليه بحدقتها، وأهل التنزيه من الأشاعرة وغيرهم ينزّهون الله تعالى عن أن يشار إليه بحدقة، كما ينزّهونه عن الإشارة إليه بإصبع أو غيرها.
________________________________________
(42)رؤية الله: 76.
(43)المصدر نفسه: 78.

[الصفحة - 234]


4 - إنّ الرؤية بالعين الباصرة لا تكون في حيّز الممكنات ما لم تتَّصل أشعة البصر بالمرئي، ومنزّهو الله تعالى من أشاعرة وغيرهم مجمعون على امتناع اتصال شيء ما بذاته جلّ وعلا. ويستشهد على استدلاله بحديث الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد العسكري(عليه السلام) الذي يوافق رأي الفلاسفة العصريين، يقول أحمد بن إسحاق القمي: كتبت إلى أبي الحسن الثالث أساله عن الرؤية، وما اختلف فيه الناس. فكتب(عليه السلام): "لا تجوز الرؤية - عقلاً - ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي أو المرئي لم تصحّ الرؤية"(44).
5 - ويستشهد بالاستقراء ويقول: يشهد أنّ كل متصور لا بد من أن يكون إما محسوساً أو متخيلاً من أشياء محسوسة أو قائماً في نفس المتصور بفطرته التي فطر عليها، فالأول كالأجرام وألوانها المحسوسة بالبصر، وكالحلاوة والمرارة ونحوهما من المحسوس بالذائقة، والثاني كقول القائل: أعلام ياقوت نشرن على رماح من زبرجد. ونحوه مما تدركه المخيلة مركّباً من عدّة أشياء أدركها البصر، والثالث كالألم واللّذة، والراحة والعناء، والسرور والحزن ونحوها مما يدركه الإنسان من نفسه بفطرته (45).
ومحصل كلامه أنَّ العقل الذي عرفنا الله تعالى به يحكم مستقلاًّ بامتناع رؤية الباري سبحانه، سواء أكانت الرؤية بصرية أم قلبية أم خيالية أم وهمية، لامتناع لوازمها بحكم العقل.
استدلال من الآيات القرآنيَّة
ومن بعد ما يستدّل بحجج عقلية، ويرّد آراء الأشاعرة الجهلية في إمكان رؤية الله بالبصر المادي، وبالعين المجردة، يقوم باستدلال من الآيات القرآنية المحكمة بعدم إمكان صحة رأي المجسّمين، ومن يوافقهم برؤية ربّ العالمين في الدنيا والآخرة. والآيات من المحكمات تؤيد حكم العقل بامتناع الرؤية، وهي على النحو الآتي:
1 - في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام/102]. يقول السيد: فإن الإدراك متى قرن بالبصر لا يفهم منه إلاّ الرؤية بالعين، كما أنه إذا قرن بآلة السمع، ويستدل بالآية على أنّه سبحانه وتعالى قد تعالى على جميع الموجودات بمجموع هذين الأمرين اللّذين اشتملت عليهما الآية الكريمة؛
________________________________________
(44)الكافي، 1: 31/149/2.
(45)رؤية الله: 26 - 28.

[الصفحة - 235]


لأن من الأشياء ما يُرى ويَرى كالأحياء من الناس، ومنها ما يُرى ولا يرى كالجمادات والأعراض المرئية، ومنها ما لا يُرى ولا يَرى كالأعراض التي لا تُرى، فالله تعالى خالفها جميعاً وتعالى عليها وتفرّد بأن يَرى ولا يُرى وتمدّح بجموع الأمرين كما تمدح بقوله: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}[الأنعام/14]، وقوله: {يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون/89] (46).
وقد أغرب الإمام الرازي في ما علَّق به على هذه الآية من سورة الأنعام في تفسيره الكبير، إذ زعم أن أصحابه احتجّوا بها على أنه تعالى تجوز رؤيته، وأنّ المؤمنين يرونه يوم القيامة. ونقل عنهم من وجوه الاحتجاج بها على الأمرين أربعة أوجه وبالأحرى أن يقال: الوجوه الأربعة من تشكيكاته ولا من غيرها.
2 - في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه/11] يقول السيد: إنها في معناها على حدّ الآية الأُولى، وهو فصل الخطاب ومفصل الصواب {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} . ويستشهد على إبطال الرؤية بحديث الرضا(عليه السلام) لمّا سأله أبو قرّة: إنّا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيَّيْن، فقسم الكلام لموسى، ولمحمّد الرؤية، فقال الإمام(عليه السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والإنس؟ {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى/11] أليس محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)، قال: بلى. قال: كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ...} ، و {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} و {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر! أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه(صلي الله عليه و آله و سلم) بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر؟!
واستشهد أبو قرّة على رأيه بآية أخرى وقال: فإنه تعالى يقول: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم/13]، فأجابه الإمام(عليه السلام): إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى(صلي الله عليه و آله و سلم) حيث قال تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم/11] يقول: ما كذب فؤاد محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم/18] فآيات الله غير الله، وقد قال الله: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه/110]. فإذا
________________________________________
(46)المصدر نفسه: 29.

[الصفحة - 236]


رأته الأبصار فقد أحاط به العلم، ووقعت المعرفة.. فقال أبو قرة فتكذّب بالروايات؟ قال الإمام(عليه السلام): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنّه لا يحاط به علماً ولا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء" (47).
3 - ويستدل السيد شرف الدين بآيتين متّصلتين في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}[البقرة/56] .
ويقول: الحجة فيهما من إبطال الرؤية، إنما هي الآية الثانية؛ لأن لها دخلاً في بيان الوجه في الاستدلال، لأن الآية الأُولى نصّت على عقوبة متخذي العجل بقتل أنفسهم، والثانية على عقوبة الطالبين رؤية الله تعالى جهرة، بالصاعقة تأخذهم وهم ينظرون.
ويرى شرف الدين هذا بمجرده بالقطع بتساوي الجرمين في الكفر، لتساويهما في العقوبة من الله تعالى، وليس شيء أدلّ من هذا على امتناع الرؤية ووجوب الإنكار على القائلين بها، بل يقول بوجوب كفرهم إذا أصرّوا عليها عناداً، بعد أن تتمّ عليهم الحجة بامتناعها، كما تمّت على أصحاب الصاعقة من قوم موسى؛ لأن موسى(عليه السلام) حين سُئل عن الرؤية أخبرهم بالامتناع، ولكن ألحّوا عليه ولجّوا في طغيانهم، فعرَّفهم موسى أنّ رؤية الله تستلزم تحيّزه وتكيّفه والإشارة إليه والله تعالى منزّه عن ذلك، وأوضح لهم أنّ من استجاز الرؤية على الله عزّ وجلّ فقد جهله وجعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فأخذتهم الصاعقة بأمر الله، كما أخذ القتل أولئك بأمره تعالى لتساوي الجرمين.
والسيد يستدل كذلك بأن الله تعالى لم يذكر في كتابه الحكيم طلب رؤيته إلاّ استعظمه واستفظعه، كما جاء في التنزيل: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء/152] فسمّى ذلك ظلماً، وعاقبهم بالصاعقة فوراً، وهكذا في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ }
________________________________________
(47)الكافي، 1: 31/149/2.

[الصفحة - 237]


{اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان/21]، فلو كانت الرؤية جائزة لم يكن التماسها عتوّاً ولا استكباراً، ولا سيّما إذا كانت كما يقول مجوّزوها أعظم شيء ينعم الله به على عباده، وألذ أنواع النعيم، ولكن إنزال الصاعقة على طالبي الرؤية ممّا يؤيد حكم العقل بامتناع رؤيته جلّ وعلا.
4 ـ ويستدل أخيراً السيد شرف الدين بما جاء في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف/143]. ويعلّق على الآية بمجلس الرضا(عليه السلام)، الذي حضره المأمون وسأله: يا بن رسول الله! أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان في ما سأله أن قال له: فما معنى قول الله عزّ وجلّ: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى...} ، كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران(عليه السلام) لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا يجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟ فقال الرضا(عليه السلام): إن كليم الله موسى(عليه السلام) علم أن الله، تعالى عن أن يُرى بالأبصار، ولكنّه لما كلمه الله عزّ وجلّ وقرّبه نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أن الله عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمئة ألف رجل... فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى(عليه السلام) إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من الجهات الستّ؛ لأن الله عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرةً.
فلّما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا، بعث الله عزّ وجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله إياك؟ فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته؟
________________________________________

[الصفحة - 238]


فقال موسى(عليه السلام): يا قوم إن الله لا يُرى بالأبصار ولا كيفيّة له، وإنما يُعرف بآياته ويُعلم بأعلامه. فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله.
فقال موسى(عليه السلام): يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى(عليه السلام): {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} وهو يهوي {فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} بآية من آياته {جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا - فلما أفاق - قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} ، يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي {وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} منهم بأنك لا تُرى.
فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن..» (48).
وأخيراً كان المرتقب من أئمة الحديث والكلام والتفسير، وحتى من الإمام شرف الدين الإشارة إلى قسم آخر من الرؤية الذي لا يتوقف على الأعين والأبصار، ينالها الأمثل فالأمثل من المؤمنين.
قال العلامة الطباطبائي: إنه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسّية، وهي نوع من الشعور في الإنسان، يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسّية أو فكرية. وفي ضوء ذلك، إنّ للإنسان شعوراً برّبه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل، بل يجد وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب، ولا يجرّه إلى الغفلة عند اشتغاله بنفسه ومعاصيه التي اكتسبها، والذي يتجلىّ من كلامه سبحانه أنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد الله يوم القيامة... فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسمّاه رؤية ولقاء (49).
كما أن في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصريحاً بصحة الرؤية القلبية، وما يبدو منها زيادة اليقين بظهور عظمته وقدرته، وإليك رواية عن يعقوب بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي محمد (الحسن) العسكري(عليه السلام) أسأله كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟ فوقّع(عليه السلام): "يا أبا يوسف جَلّ سيّدي ومولاي والمنعم عليَّ وعلى آبائي أن يُرى»، قال: وسألته هل رأى رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) ربّه؟ فوقّع(عليه السلام): "إن الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ" (50).
________________________________________
(48)الشيخ الصدوق، التوحيد: 121/24.
(49)الطباطبائي، الميزان، 8: 252 - 253.
(50)الصدوق، التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، ح. 2، 4، 15.

[الصفحة - 239]


هذا وإن الشيخ الصدوق (قدس سره) فسّر الرؤية القلبية بالعلم، وقال:
وذلك أن الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله وأموره في ثوابه وعقابه، ما تزول به الشكوك، وتعلم حقيقة قدرة الله عزّ وجلّ، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق/22]، فمعنى ما روي في الحديث أنه عزّ وجلّ يُرى، أي يعلم علماً يقينياً كقوله تعالى عزّ وجلّ {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان/45] وقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} [البقرة/258]وقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل/1] وأشباه ذلك من رؤية القلب وليست من رؤية العين (51).
* * *
________________________________________
(51)الصدوق، التوحيد: 120.

[الصفحة - 240]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف