البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إشكالية الوحدة الإسلامية عند السيد عبدالحسين شرف الدين

الباحث :  أ. مختار الأسدي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  38
السنة :  السنة العاشرة شتاء 1426هجـ 2005 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  1188
إشكالية الوحدة الإسلامية
عند السيد عبدالحسين شرف الدين

أ. مختار الأسدي (*)

خطاب ديني جديد
يشعر المسلمون، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بأنّهم بحاجة إلى خطاب ديني جديد، وقراءة جديدة للإسلام، يستحضرون، خلالهما ما بذله علماؤهم الماضون في خطابهم التقريبي الوحدوي لمواجهة الهجمة الجديدة على الإسلام والمسلمين، وتأتي هذه الحاجة أكثر إلحاحاً، لما يشهده العالم الإسلامي اليوم من غارات فكرية وثقافية تتلفّع بالدين تارة، وبالمذهبية أخرى، فيترشَّح عنها فكر تكفيري إقصائي هدّام لم يعُد يتعامل إلاّ بلغة القتل ومنطق التصفية والإبادة.
نعم، لم يعُد الكثير من المسلمين يفرّقون بين المذهبية والطائفية، ولا بين دين الأنبياء ودين الفقهاء، فغدوا وبسبب هذا الخلط البريء أحياناً، والمقصود أحياناً أخرى، ضحية القراءات المتعدّدة والأحكام الجاهزة، والمسبقات التي تراكمت في كتب الفقه أو حُشرت في بعضها حشراً متعمداً لنيات مبيّتة أو مخططات مدروسة.
لم يكن هناك ضير في أن تُفهم المذهبية، مثلاً، انتماءً فقهياً، تعني ترجيح هذا المسلم أو ذاك لفقه هذا المذهب أو ذاك، والانتساب إلى أيِّ من هذه المذاهب في عمل التزامي أو تعبُّدي معيَّن، وهذا لا يعني أكثر من انتساب هذا المسلم أو ذاك إلى مدرسة من المدارس الفقهية التي ظهرت في تاريخ المسلمين بسبب تعدّد الاجتهادات وتنوّع القراءات للروايات والأدلة، وتكون على مستوى التقليد أو الاتباع أو الاجتهاد. إلاّ أن الكارثة وقعت حين اختلط هذا المفهوم الإسلامي الكريم بفضائة الرحب، مع مفهوم الطائفية المنغلق ومناخه الخانق الذي لا يعدو أن يكون أكثر من انغلاق بائس لأبناء طائفة من الطوائف على أنفسهم، والسعي إلى تفسير الدين تفسيراً خاصاً
________________________________________
(*)باحث وناقد، من العراق.

[الصفحة - 121]


واستظهار نصوصه وأدلته بشكل انتقائي لا يمكن أن يلتقي مع الآخر في أي قاسم مشترك، بل يقوم على إلغائه أو إقصائه أو حذفه، إن لم نقل إلى تكفيره وقتله، والتقرّب إلى الله بذلك.
وليس أدّل على هذا المنحدر الخطير من قيام بعض أبناء هذا الدين العظيم اليوم، وبحكم انتمائهم لهذا المذهب أو تلك الطائفة، وبسبب هذا الفهم المشوّه القاصر، إلى الإقدام على عمليات "تضحوية" دامية لم تعُد تعبّر عن نفسها إلاّ عبر لغة القتل والموت والانتحار، وبعيداً عن منطق الحوار/التفاهم الذي أرسى أساسه القرآن الكريم وبنى بنيانه نصّ إلهي خالد لا يقبل أي تفسير أو تأويل أو اجتهاد: {قل إنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} .
وربما لا نجانب الصواب إذا قلنا: إن هذا المنهج التكفيري والوليد المشوّه هو نسل غير طبيعي للجنين المسخ الذي نشأ في رحم الغلوّ والتطرّف وأفكار الغلاة والنواصب من كل طوائف المسلمين، ثم استلمته السياسة حال ولادته فأرضعته لبناً اصطناعياً غير طاهر، فكبر وتضخّم وراح ينزل خراباً ودماراّ في دنيا المسلمين حتى صار المشهد المألوف مروّعاً؛ حيث الموت والقتل والسيارات المفخّخة التي استبدلت دين المحبة والرحمة بـ"دين" الكراهية والشحناء والتكامن، بعيداً عن فضاء الحبّ والتواصل والتلاقي.
وحين نقول: إن الإسلام لم يؤكّد على شيء أكثر من تأكيده على الحب في الله والبغض في الله، تتجلى المسافة المرعبة بين هذا الحب، وهذا القتل الذي بتنا نشاهده في طول العالم الإسلامي وعرضه، ذبحاً من الوريد إلى الوريد أحياناً وقتلاً عشوائياً لا يفرّق بين طفل وشيخ وعجوز أحياناً أخرى، وبين أبناء الدين الواحد والقومية الواحدة والوطن الواحد.
وحين فُقد المعيار الديني في قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً} . [النساء/94]وارتجّ المفهوم الكريم للاختلاف الذي وردَ مئات المرات في القرآن الكريم، امتلأ هذا الفراغ ببديل دموي يؤكد على الدم والقتل ويرتضع من ثدي هذه السياسة. فاختلط الحابل بالنابل وغلب غثّ السياسة سمينها وصار الإنسان البريء مادة سهلة لماكنتها اللئيمة تهرسه بشعارات ولافتات لها أول وليس لها آخر.
________________________________________

[الصفحة - 122]


نقول: لم يؤكّد الإسلام على شيء أكثر من تأكيده على الحبّ في الله والبغض في الله حتى جاء في المأثور: وهل الدين إلاّ الحبّ، وهل الجنة إلاّ الحبّ". ولعلّ أوّل مظهر من مظاهر الحبّ هو الوئام والمودّة والرحمة بين المتحابّين، والدعوة إلى التعايش والانسجام بين المختلفين، باعتبار الاختلاف الإيجابي مسألة لابدّ منها بين بني البشر، أي لابدّ من إقرارها والاعتراف بها {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم} {ولو شاء لهداكم أجمعين} {ولو شاء ربكّ لآمن من في الأرض كلهم جميعا} {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} {ولو شاء لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم} .
ولمّا كان هذا الاختلاف هو الثابت الذي لابدّ منه في الصراع البشري، وهو السلّم الذي لابدّ من ارتقائه نحو الرشد والتكامل، يأتي العقل والدين فيفتَرضان ضرورة التعاطي مع هذا النوع من الاختلاف واحتوائه واستيعابه، والحيلولة دون تحوّله إلى عنف وعنف مضاد، أو إرهاب وإرهاب مضاد.
ويأتي الاختلاف بين المسلمين، في هذا الإطار، باباً من أبواب الرحمة، فضلاً عن كونه باباً من أبواب التكامل والرشد المذكورين أوجدته السنّة الإلهية لتمحيص الناس واختبارهم {ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة} .
ويأتي رجال الفكر والدين المتنوّرين اليوم ليؤكّدوا على إقرار هذا الاختلاف، واحترام الآخر المغاير وعدم مصادرته أو إلغائه أو حذفه انطلاقاً من إقرار هذه السّنة أولاً، وفي كون الناس مختلفين متباينين في سلائقهم وسجاياهم ونظرتهم إلى الأشياء والأحداث {ولو شاء اللَّه لجمعهم على الهدى} {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها…} .
ولكنْ شاءت حكمته جلّ وعلا أن يجعل الناس متباينين وإنَّه سبحانه وتعالى هو القائل: {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللَّه اتقاكم} {ولكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} .
ومن نِعم اللَّه تعالى على المسلمين أن اختلافاتهم جميعها في الفروع، وليست في الأصول، وإنها لا تمسّ جوهر الإسلام بشيء، فالربّ واحد والكتاب واحد والنبي
________________________________________

[الصفحة - 123]


واحد والقبلة واحدة والصلاة واحدة، وهكذا الصيام والحج والزكاة وكل فروع الدين وحدوده المثبّتة في كتاب اللّه العزيز وسنّة نبيّه الكريم، ما عدا اجتهاداً هنا أو اجتهاداً هناك، ينال المصيب فيهما أجرين، والمخطئ أجراً واحداً.
وبعد إقرار هذه السّنة، أي هذا الاختلاف، يأتي التقريب بين هذه الإجتهادات أو وجهات النظر مقدمة تمهيدية أولى لتوحيد الأمة الإسلامية على القواعد التي أرساها نبي الإسلام محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) في المجتمع المدني في المدينة المنوّرة، وبعدها في مكة المكرمة.
وقد أكّد القرآن الكريم على أن الأمة الإسلامية أمة واحدة مقابل الأمم والشعوب الأخرى، وأن الإسلام يحترم كل أصحاب الديانات والمذاهب ويسميهم "أهل الكتاب" إذْ لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ودعاهم إلى "كلمة سواء": {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} ، إلاّ ان الساسة المسلمين - مع الأسف الشديد - هم الذين عمّقوا الخلافات الطبيعية بين أبناء شعوبهم، فأشعلوا حرائق افتعلها بعضهم عن نيّة وقصد وسبق إصرار، وسعّروا نيرانها وحوّلوها إلى طائفية ومذهبية تلفّعت بعباءات دينية أحيانا وتمثلت بشعارات مقدسة أحياناً أخرى، وكلها تحمل في نسيجها دسائس أموية وعباسية، ثم عثمانية وصفوية، لم تقتصر على اللعب بعواطف عوام الناس وبسطائهم فحسب، بل شملت العلماء والفقهاء وأصحاب الفكر والقلم.
أما ما يقال عن الإمامة، والخلافة، التي هي أساس الاختلافات بين الطائفتين الإسلاميتين الرئيسيتين السنّة والشيعة، فإننا لا نقول كما قال الإمام الخميني (رحمه الله): "دعوا بحث خلافة أمير المؤمنين جانباً، فهو بحث قد انقضى زمانه" (1)، وإنما ندعو إلى دراسة ذلك بأسلوب علمي جادّ بعيداً عن كل الأحكام القبْلية الجاهزة أو التعصّب الطائفي المقيت، أي تماما كما قرأها العلامة الكبير والمفكر الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي المترجم له في هذا البحث؛ حيث دعا في زمانه إلى منهح جديد يقوم على أساس الاستماع للآخر، بل احترامه والإصغاء له بعيداً عن الأحكام الجزمية الجاهزة، أو النظرات الدوغماتية القطعية التي تخدش أنس المتحاورين وتنكأ من الجروح أكثر مما تداوي.
________________________________________
(1)راجع كرّاس "نظرات في التقريب بين المذاهب الإسلامية" - حوار مع آية الله واعظ زاده خراساني وكذلك مجلة " هفت آسمان" التخصصيّة في الأديان والمذاهب - العدد 9 و10، 1380 هـ ش، ص18..

[الصفحة - 124]


السيد شرف الدين كان سبّاقاً
إذن، يمكن أن نعدّ السيد شرف الدين رائداً من رواد المنهج التقريبي القائم على احترام الآخر المغاير ومناقشته والإصغاء إليه، بل يمكن أن نعدّه زعيماً من زعماء الوحدة الإسلامية ومؤسّساً كبيراً من مؤسّسيها، ولعلَّه من النادر أن تجد أثراً لهذا الرجل يخلو من صيحة صادقة باتجاه هذه الوحدة أو هذا التوجه، وذلك لإيمانه العميق بهما أولاً، ولأهمية التآلف والحب من جهة وعدم وجود أي مسوِّغ للاختلاف الحاد أو كره الآخر من جهة أخرى.
وليس أدلّ على ذلك من كتابه الموسوم بـ "الفصول المهمة في تأليف الأمة"الذي كتبه سنة 1327 هـ، وطُبع في صيداً وأعيد طبعه سنة 1347 هـ؛ وأكّد في مقدمته ضرورة الدعوة إلى الوحدة الإسلامية ومناقشة الأمور الخلافية مناقشة موضوعية تنأى بها بعيداً عن الأحكام المسبقة، وتعود إلى المنابع الأصلية في أمهات الكتب، ولا تعتمد على الأسلوب الانتقائي والفكر التلقيني الذي لا يبحث إلاّ عن هنة هنا أو هفوة أو انفعال هناك لإثبات الرأي المبيّت سلفاً...
كما لم يكن همّ السيد شرف الدين في دعوته إلى الوحدة والجماعة، شعاراً للاستهلاك كالذي رفعه معاوية بن أبي سفيان في ما سماه "عام الجماعة"، أو الذي يرفعه أتباعه اليوم لذرّ الرماد في العيون وابتزاز عواطف البسطاء وتوظيف براءتهم.
لقد كانت دعوته الوحدوية دعوة إنسانية سمحاء تنطلق من الأسس والقواعد، ولا تأتي دعواتٍ سلطانية من فوق لتتفضّل على الجماهير وتتعامل معها من موقع التسامح لا الاحترام، والمسافة شاسعة بين التسامح والاحترام، كما سنعرف بعد قليل....
نعم، لقد كان السيد شرف الدين يعتقد بأنَّ الاختلاف وتباين الأفكار والنقاش العلمي مظاهر جادة من مظاهر النضج والرشد، بل من أجمل مظاهر اليقظة والخصوبة والتدافع الذي يقود إلى التكامل والارتقاء، ولا ينبغي على الإطلاق أن يتحوّل إلى "قميص عثمان" يمسك به جلواز من جلاوزة القصور يلوّح به لعوام الناس من أجل استعدائهم وتجييشهم للضغط على الزناد.
لقد أدرك السيد شرف الدين بعمق أن الخلافات مسائل طبيعية، وأن الموروث الديني لا بد له من تنقيح وتنقية، وأن لا يُصار إلى القفز على المسائل الخلافية ومناقشة
________________________________________

[الصفحة - 125]


ذلك في الزوايا والكواليس، لأن الذي يحدث في الكونغو اليوم لا بد من أن يصل إلى الرياض أو بيروت أو قم في اليوم التالي، وبالتالي لا بد من اعتماد مبدأ الحوار النَّزيه والشفافية الكاملة - كما يصطلح عليه اليوم -.
يشير إلى هذه الصفة البارزة في شخصية السيد شرف الدين، السيد العلامة المرحوم محمد تقي الحكيم قائلاً:
"إن سماحته (أي سماحة السيد شرف الدين) كان من دعاة الوحدة، ولكن لا بشكلها السلبي الذي يدعو إلى تناسي الماضي والتغافل عنه من أساسه، وإسدال الستار على ما فيه من مفارقات على نحو ما تبنّاه بعضهم، ناسين أو متناسين أن السكوت عن تلك المفارقات وإسدال الستار عليها لا يذهبان برواسبها المتأصلّة في النفوس، وإنما تبقى تعتمل من الداخل إلى أن تظهر بصورة انفجار يلتمس المنفّذ له مناسبة عابرة من المناسبات..."
ويضيف:
"فهو يرى أن جملة كبيرة من صور الخلاف بين الفريقين لا تستند على أساس، وإنما هي وليدة نسب كاذبة ودعايات خلقتها بعض الظروف، وغذَّاها قسم من السلطات في عهود غابرة، ولو قُدّر لها أن تُبحث بحثاً موضوعياً لآمن الفريقان بمدى بُعدها عن الواقع. أما الخلافات الأخرى، فإنها لا تعدو أن تكون من قبيل الخلافات بين أي مذهب ومذهب، أو مجتهد ومجتهد، وهي لا تستحق التنابذ والقطيعة والتحاقد..." (2).
وهذا هو ما أشار إليه الدكتور حامد حفني داود، حينما كتب يقول وفي السياق نفسه:
"إننا اليوم مدعوون لأن تكون نظرتنا، نحن أهل السنة، إلى الشيعة الإمامية نظرة فقهية بحتة بعيدة عن العصبيات، وأن يُنظر إلى الخلافات بيننا وبينهم نظرنا إلى الخلافات بين الأحناف والمالكية، أو الشافعية والحنابلة، وبذلك تضيق شقة الخلاف بين الشيعة والسنّة وتزول هذه العصبيات البغيضة إلى الأبد، وعند ذلك نكون قد وفينا ما أمر الله به في كتابه الكريم من توحيد الصف الإسلامي {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} ، وقوله تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}وقوله عزّ
________________________________________
(2)من مقدمة العلامة السيد محمد تقي الحكيم لكتاب (النص والاجتهاد) للسيد شرف الدين.

[الصفحة - 126]


وجل: {ان الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} (3).
وهذا هو ما أشار إليه الشيخ أحمد حسن باقوري حينما قال:
".... وعندما ندخل في مجال الفقه المقارن، ونقيس الشقة التي يحدثها الخلاف العلمي بين رأي ورأي، أو بين تصحيح حديث وتضعيفه، نجد أن المدى بين الشيعة والسنّة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة والمذهب الفقهي لمالك أو الشافعي، أو المدى بين من يعملون بظاهر النصّ، ومن يأخذون بموضوعه وفحواه... ونحن نرى الجميع سواء في نشدان الحقيقة، وإن اختلفت الأساليب" (4).
وفي معرض تقييم الدكتور حفني لمنهج السيد شرف الدين وحرصه على المحاججة المنطقية والابتعاد عن دحض الحجة بالحجة عبر العواطف والانفعالات، وكذلك النأي عن منهج الغلبة والانتصار على المحاور، يضيف قائلاً:
"ومن عادة المتناظرين أن يصرّ كلّ منهم على الانتصار على خصمه، وأن يدحض حججه بحجج أخرى أقوى منها بحيث لا يترك له مجالاً للانتصار والغلبة، ولكننا رأينا في هذين المتناظرين (ويقصد العالم الجليل الشيخ سليم البشري شيخ الإسلام وعمدة المحدثين في مصر، وصاحب السماحة العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين شيخ علماء الشيعة وإمام الحفاظ والمحدثين في لبنان - حسب تعبيراته -) شيئاً جديداً لا نكاد نألفه إلاّ في المنهج الإسلامي الأصيل في فن المناظرة والجدل، والمنهج الذي يقوم على إصرار كل من الباحثين على الوصول إلى الحقيقة أنّا وجدها".
ويضيف، فيقول: "فلم يكن أحدهما يبغي من المناظرة الكيد لصاحبه أو النيل من علمه أو حتى مجرّد التفوّق عليه (5)، بل يطمح كل منهما إلى الوصول إلى الحقيقة ولو كانت متمثلة في حجة صاحبه.... وهذا الأمر قادهما إلى حوار علمي منظم يهدي إلى الحق ويأخذ بأيديهما وأيدي القراء إلى المنهج الإسلامي السليم...".
إذن حوار موضوعي أمين يتيح التعرّف على الحقيقة، بعيداً عن الانفعال والتحيّز أو التأثّر بالعاطفة المذهبية مهما كان لونها أو شكلها...
وهذا يعني أنّ العالمين المتحاورين قد أدركا ضرورة تربية الناس على الحوار العلمي الهادئ، وعدم الاندياح إلى المهاترات والسجالات الفارغة، كما نراه في بعض
________________________________________
(3)من مقدمة الدكتور حامد حفني داود لكتاب(المراجعات).
(4)المختصر النافع للمحقق الحلي ـ مقدمة العلامة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري.
(5)وهذا ما نشاهده اليوم في بعض البرامج الفضائية، مع الأسف الشديد، حيث تتحول المناظرة من اتجاه معاكس إلى هراش معاكس.

[الصفحة - 127]


السجالات الفكرية والثقافية هذه الأيام - مع الأسف - وأن تكون الحقيقة رائد الجميع، وأن لا يسمحوا للسياسة ومحترفيها بالتَّدخُل في تشويه الحقيقة لأغراضهم الدنيوية واعتماد سياسة محترفة لتفريق الأمة وفتنتها، تماماً كما حصل في أوائل القرن الرابع عشر خلال العقدين الثالث والرابع، أو كما يضيف الدكتور حفني في السياق نفسه قائلاً:
"راح المستعمر في تلك الفترة العصيبة يعبث بمقدّرات الأمة، العربية، ولم يجد طريقاً إلى تحقيق رغباته الدنيئة إلاّ أن يبثّ الفرقة بين المسلمين واستغلال الخلافات المذهبية من أجل تحطيم صرح العروبة والإسلام...". وهو النهج نفسه الذي استخدمته السياسة الأموية وعمّقت جذوره، حيث "افترق المسلمون في أواسط القرن الأول الهجري إلى معسكرين: المعسكر الأول بقيادة يزيد بن معاوية، والمعسكر الثاني بقيادة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) حيث استفحل الخلاف، واستشهد الإمام الحسين في واقعة كربلاء، وظل الخلاف بين المعسكرين طوال العصرين الأموي والعباسي يدور حول الحياة السياسية ونظام الحكم ولا يكاد يمسّ العقيدة إلاَّ في القليل... حتى انقضاء العصر العباسي بغلبة المغول، وحيث استحالت هذه الخلافات السياسية إلى خلافات مذهبية تمسّ الفروع وتتناول قضايا الفقه الإسلامي المستمد من القرآن والسنة، وعلى الرغم من أن التشريع الإسلامي يعتمد على هذين المصدرين الرئيسيين إلاّ أن ذلك لم يكن كافياّ للقضاء على هذه الخلافات، لأن كل فريق كان يعتمد على مروياته فقط ولا يعتمد ما يرويه الفريق الآخر.. حتى جاء العلامة السيد شرف الدين مثبتاً أن كوكبة المحدثين عن الشيعة وأسانيدهم موجود بنصّه في مصادر الحديث عند السنّة، وذلك وحده من أعظم الأساليب الداعية إلى القضاء على العصبيات الفقهية والخلافات بين الفريقين...".
وهنا يضيف الدكتور حفني:
"ولا نكاد نجد بعد ذلك إلاّ خلافات فقهية تقع في دائرة الفروع، ولا تتجاوز المسائل الفرعية في الفقه كالمسح على الرجلين في الوضوء، مثلاً، وردّ المصلي السلام على من يلقيه عليه بلفظه، مما له شاهد من السنّة السمحاء... وإن هذه المسائل الفقهية بين الشيعة والسنّة أشبه - في نظر المنهج العلمي الحديث- بالخلافات الفرعية بين المذاهب الأربعة عند السنّة..".
________________________________________

[الصفحة - 128]


السيد شرف الدين والانفتاح على الآخر
أما عن موضوعية السيد الشرف الدين وعلميته وانفتاحه على الآخر المغاير، فيكفي أن نستشهد بما نقله أو كتبه الأستاذ فكري أبو نصر أحد كبار علماء الأزهر الشريف؛ حيث قال:
"إن السيد شرف الدين قد أدى خدمة كبيرة لجمهور الباحثين وعلماء المذاهب الأخرى الذين يفتقرون إلى الغوص في ثنايا المذهب الإمامي والوقوف على حقائقه وأسانيده وما يتفّق فيه مع المذهب السنّي وغيره من المذاهب، ودراسته دراسة موضوعية علمية ومنصفة حيث يمكن فتح باب الحوار والمناقشة معه من جديد... نعم، يفتح حواراً يزيد من رابطة الدين بين المذهبين الكبيرين، ويقوّي أواصر التعاطف والتفاهم بينهما بأكثر مما هو قائم الآن، ونبذ ما يدعو إلى الفرقة والخصام، والعمل الجاد على انفتاح الطوائف والمذاهب الإسلامية بعضها على بعض، وإزالة الجدر الوهمية التي أقيمت بينها، مما يؤدي حتماً إلى الالتقاء على نقاط كثيرة مما يتصورها البعض نقاط خلاف لا تلاقي بعدها، وذلك إذا توفرت النوايا الحسنة، والرغبة في تشكيل قاعدة متينة من التعاون الصادق والمشترك وحصر نقاط الاختلاف، توطئة لتطويقها وتجاوزها إلى ما فيه نفع الإسلام ومصلحة المسلمين....".
وهذا الأمر الذي وصل إليه فضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ محمود شلتوت عندما كان رئيساً للأزهر، حيث أعلن فتواه الشهيرة التي قال فيها ما نصّه:
«إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، هو مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معيّنة...." (6).
وعن عُمقه وغوصه في كتب التاريخ وتنقيبه المتين في الموروث، كتب صاحب الذريعة الشيخ أغا بزرك الطهراني عنه قائلاً:
"... لقد غربل السيد شرف الدين تاريخ الإسلام غربلة دقيقة، ميّز فيها غثّة من سمينه، ونخل حوادثه ووقائعه صغيرة وكبيرة، فعرف الصحيح من المزيّف، والحقيقة الثابتة من الوهم والخيال، وقرأ الأحاديث المروية عن النبي وأصحابه وأهل بيته بأجمعها كما رواها الفريقان قراءة ضبط وإتقان حتى كاد أن يستظهرها كلها، ولقد أبان
________________________________________
(6)مجلة رسالة الإسلام، العدد 3، السنة الحادية عشرة، طبعة سنة 1959، ص228.

[الصفحة - 129]


أموراً وكشف حقائق لم يكن ليعرفها الكثير من العلماء لو لم يبعثها قلمه الحر النَّزيه" (7).
السيد شرف الدين وحرية الفكر
لم يكن الإمام شرف الدين أسير فكرة مذهبية ضيّقة، ولم يتعصّب إلى أية طائفة أو مذهب، وإنّما استوعب الإسلام كله بجميع مذاهبه و طوائفه واجتهاداته، وحتى لو تجلّى انتماؤه إلى مذهب معين، وطُبعت آثاره بطابع عقيدي خاص، ولكنه بقي للإسلام كله، إذْ كان له اجتهاد كأي اجتهاد آخر أو مجتهد آخر. ويكاد يجمع المؤرخون اليوم ورجال الفكر الإسلامي، أن آثار السيد شرف الدين يمكن أنَّ يمتد تعريفها إلى مفهوم المدرسة الفكرية، وهي بتخصصها في معالجة قضايا الفكر الإمامي استطاعت ان تلقي الضوء على الخلافات التي أرضعتها السياسة، وتميط اللثام عن هذا الدور اللئيم التي اضطلعت به الدوائر السياسية البراغماتية - كما يصطلح اليوم - لدق إسفين العداوة والبغضاء بين أبناء المذاهب الإسلامية، انطلاقاّ من المخطط الاستعماري المعروف: "فرّق تسد".
وتكاد مدرسة السيد شرف الدين تتمظهر تمظهراً عفوياً في معالجة القضايا الخلافية من منطق تحليلي يمتد بجذوره الفكرية والثقافية إلى عمق التاريخ الإسلامي، ولم تكن بأي شكل من الأشكال واجهة متمذهبة ترتجل أسلوباً معيناً يبتعد عن المفهوم العلمي لأية عملية صهر ثقافية، كما كانت مدرسته تأصيلاً حقيقياً واضح المسالك وضع في مقدمة أولوياته المنهج العلمي، المبتني على مقياس سليم ومعيار واضح يرتفع ومستوى المدارس الواعية التي تترفّع عن التمذهب الضيق أو الأحكام المسبقة..
ولما كان جيل السيد شرف الدين في واقعه، جيلاً منغلقاً تشدّه قيم ومفاهيم ثابتة من جهة إلى الوراء، وأفكار جديدة متوثبة تحاول اقتلاعه من ذلك الواقع من جهة إلى الأمام... جاءت طروحات السيد شرف الدين طروحات جديدة اتّسمت، وبامتياز واضح، بثقافة موسوعية عميقة، وتخصّصٍ عالٍ في الدراسات والبحوث الإسلامية المعمّقة، يؤطرها أسلوب كتابي متميّز يحترم الآخر، ويحاول التكامل معه
________________________________________
(7)الشيخ أغابزرك الطهراني، نقباء البشـر..

[الصفحة - 130]


ومحاورته بأرقى آداب الحوار المعروفة في مدارس الفكر والأدب اليوم.
فأصبح - رضوان الله عليه- في الصف الأول من مجتهدي الإمامية، متميزاً بقدرة فائقة على معالجة قواعد الفكر الإمامي وتقريب مضامينه إلى القارئ والمستمع، وعلى العديد من المستويات.
وإذا عُدنا إلى المدارس الإصلاحية، أو رجال الإصلاح في المدارس الإسلامية المعاصرة، فإننا لا نستطيع المرور بهذه المدارس أو أولئك الرجال إلاّ بعد التوقّف عند مدرسة الإمام شرف الدين، لنرى كيف أنّه جاء في تلك الحقبة الزمينة المفعمة بالجدل، لاسيما وأنه وُلد في النجف الأشرف مدينة العلم والدين؛ حيث كانت السجالات الفكرية والأدبية على أشدها في زمانه في ربوع هذه الحاضرة الإسلامية الخالدة.
إذن، ولد السيد شرف الدين في هذه الحاضرة وترعرع فيها وتعلّم على أيدي رجالها الكبار، من أمثال السيد الطباطبائي والخراساني وفتح الله الإصفهاني والشيخ محمد طه نجف، والشيخ حسن الكربلائي، وغيرهم ممن كان لهم أبلغ الأثر في حياته العلمية والعملية.
ولم يكن تحصيل الإمام شرف الدين العلمي مقتصراً على النجف الأشرف وربوع مدارسها وجهابذتها، بل كان في تنقّل دائم وطموح دائم لاستلهام الأفكار الجديدة، والارتواء من منابع العديد من الربوع الفكرية والعقديَّة، والاطلاع على أكبر قدر مستطاع من المدارس، فتنكّب مشقة السفر والتنقّل بين مدن عديدة وحواضر مختلفة غير النجف والكاظمية وسامراء وكربلاء، وكان له في كل منها مورد ومنهل، وعطاء وأداء لاسيما في سامراء التي قال: إن له فيها أجزل الأيام وأرجاها - حسب تعبيراته التي دوّن فيها رحلاته - وحيث قرأ هناك "شرح اللمعة" في الفقه على يد الشيخ المقدس باقر حيدر وكذلك "مباحث الألفاظ" في فصول الأصول...
ولم تتوقف حركته داخل مدن العراق هذه، بل انتقل إلى لبنان. وما إن استقر به المقام في جنوب لبنان، وتحديداً في "صور" حتى انطلق يناضل في كل الميادين السياسية والاجتماعية والفكرية، لا يهدأ له بال ولا يقرّ له قرار حتى استلهم من كتب التأريخ والحديث كمّاً هائلاً من الدراسات والبحوث والمدوّنات الإسلامية والوثائق،
________________________________________

[الصفحة - 131]


وكان من دأبه إذا حضر إحدى المحاضرات والمجالس الحسينية أو الدروس الفقهية أن يدوّن ما يراه مهماً، ويروي العلامة السيد إسماعيل الصدر أنه إذا حضر مأتماً حسينياً وسمع الخطيب يروي رواية يعوزها السند العقلي أو العلمي الذي يتفق بالبديهة مع العقل والمنطق، فسرعان ما يأمر بإنزال الخطيب من على المنبر وتقريعه وتعنيفه أمام الملأ (8).
وكثيراً ما كان يحمل على هذا النمط من الخطباء الذين يضرّون الدين والمذهب أكثر مما ينفعونه في بعض إيراداتهم أو مواقفهم وعدم تأنّيهم في نقل الروايات أمام البسطاء والعوام، وينبري الإمام شرف الدين، في هذا السياق قائلاً:
"لماذا نترك بعض خطباء المنبر يذيعون على الناس هراء تأباه عقيدتنا الواعية بشكل قاطع، فنترك جماهيرنا والناس الطيبين، ذوي العقيدة الطيبة تتبدّد طاقاتهم في انفعالات وإثارات كان وضَعها ورتّشها أفراد بسطاء سُذَّج، ولا نتردد في أن نستعيض عن ذلك بالصراخ بأعلى أصواتنا بأننا خير النِّحل أو خير الملل، وأننا على الصراط وغيرنا في النار..!!".
السيد شرف الدين في مشروعه السياسي والاجتماعي
وفي مشروعه الاجتماعي والسياسي، لم يكن السيد شرف الدين أقل جرأة أو إرادة من مشروعه الثقافي والفكري، بل كان مناضلاً باسلاً لا يتردد في أن يشدّد النكير على أصحاب الإقطاعيات الكبيرة التي لا تملك العامة حيالها إلاّ حياة الذلّ والعبودية، فكان أن وقف من الإقطاعيين موقفاً متشدّداً جعله في مواجهة مباشره معهم؛ حيث تحوّل هذا الموقف إلى عداوة وبغضاء حتى استغلظ بين الطرفين، فجمعوا له ومكروا به وسعوا فيه إلى ما سوف نفرد له كلاماً أكثر تفصيلاً لاحقاً...
وحين اضطرته ظروفه الاقتصادية يوماً وحيث كان بعيداً عن بلده، إلى أن يبعث رسوله إلى "بنت جبيل" يستدين من أحد الأثرياء ثلاثمائة ليرة عثمانية يسدّ بها بعض حاجاته، وحين سمع أحد الزعماء السياسيين بذلك أرسل إلى السيد ذلك المبلغ ولكن السيد رفض المبلغ، رفضاً قاطعاً.
وفي حادثة أخرى مشابهة، قصد السيد شرف الدين الملك فيصل الأول في
________________________________________
(8)الإمام شرف الدين حزمة ضوء على طريق الفكر الإمامي عباس على- مطبعة النعمان/النجف الأشرف سنة 1968 م. الصفحة 128.

[الصفحة - 132]


دمشق يوم كان الأخير ملكاً عليها، على رأس وفد من العلماء، فلما انتهت الزيارة وأراد العودة إلى جبل عامل، أرسل الملك للسيد مبلغ خمسة آلاف ليرة عثمانية هدية له فتقبّلها السيد شاكراً، ولكنه أرجعها بيد الرسول لتُقدّم باسمه هدية للجيش العربي في سوريا، ثم قال: كم تمنيتُ أن أكون درهماً لأضحي بنفسي في صندوق الجيش العربي لأدافع عن الإسلام والعرب (9).
السيد شرف الدين مرشداً وموجّهاً
وكما كانت للسيد شرف الدين مكانة رفيعة عند دعاة الإصلاح والتقريب من أبناء السنّة، الذين أثنوا عليه ثناءً جميلاً شاكرين سعيه على جهوده في الترويج للحوار الهادئ البنَّاء والنأي بعيداً عن التعصب والتطرّف والأحكام الجاهزة، كانت له في الوسط الشيعي مكانة كريمة أيضاً غبطه عليها أقرانه ومعاصروه. نتناول نتفاً من هذه الغبطة أو هذا الإعجاب أو ذلك الثناء الجميل...و... بنصوص القائلين بلا زيادة ولا نقصان...
قال آية الله السيد أبو القاسم الخوئي (10): "التقيت بالفقيد الراحل في لبنان عام تشرفي بحج بيت الله الحرام، والتقيت به كذلك في زيارته للنجف الأشرف، وفي كلتا المرتين لمستُ في خُلقه عظمة لا تُجارى، وفي آرائه سمواً لا يُدانى، وإن جهاده في سبيل الإسلام لا يكاد يجهله أحد، ولا يسع كل من يراجع كتبه إلا أن يستفيد منها الحقيقة ويخضع لها مهما كان قوياً في آرائه عنيداً في معتقداته، وقد وفّق كل التوفيق في ذبّه عن شريعة الإسلام وفي انتصاره للمذهب الجعفري بالسبيل الأقوم، والدعوة إلى الإصلاح، جزاه الله عن الإسلام خير جزاء المحسنين، وقد ترك وراءه ثلمة لا يسدها شيء، وخلّف في المسلمين رزءاً لا يُنسى وجرحاً لا يندمل، حشره الله مع أجداده الطاهرين وخلّد ذكره في المجاهدين".
وقال الحجة المجاهد الطهراني محمد محسن الشهير بـ آغابزرك: "ماذا يقول الواصف في راحلنا العظيم، فقيد الإسلام والمسلمين، فقيد العلم والدين، فقيد القلم والمنبر، كان مجتهداً بارعاً، ذاباً عن الدين، دائم المكافحة عن المذهب الحق.
نعم هو كل ذلك، تشهد له المحابر والمزابر والكتب والدفاتر، هل طالعتم
________________________________________
(9)المصدر نفسه، ص. 192.
(10)راجع مجلة النشاط الثقافي التي تصدر عن جمعية التحرير الثقافي بالنجف الأشرف، العدد الخامس، السنة الأولى.

[الصفحة - 133]


المراجعات؟ أم هل تأمّلتم في الفصول المهمة؟ أم هل سمعتم ان أحداً كتب في الإسلام حقائق مدرجة في أبي هريرة كما كتب الفقيد؟ إلى غير ذلك من الآثار العلمية الكثيرة، والمعاجز العلمية الباهرة؟
اللهم ارزقنا الصبر على فقده، وأسكنه بحبوحة خلدك، ورضوانك».
وقال آية الله الشيخ حسين الحلّي: "كان الفقيد قدس سره من أعاظم العلماء العاملين في سبيل إعلاء كلمة الحق ونشر لواء الإسلام، وإن مؤلفاته الخالدة، ومواقفه المعروفة لَخير دليل على ذلك، فقد خسر المسلمون بوفاته خسارة عظيمة، وترك فراغاً وثغرة في الإسلام لا تُسد إلاّ بعناية من الله سبحانه، ونظرة رحيمة من ولي العصر أرواحنا فداه.
نسأله تعالى أن يُعظّم للمسلمين أجرهم، وأن يحشره مع أجداده الطاهرين".
وقال آية الله المغفور له الشيخ عبد الكريم الجزائري: "إني أعرف فقيدنا الراحل منذ قديم الزمن، رجلا قد بلغ في العلم والأدب الدرجة العليا. كان محيطاً بالتاريخ الإسلامي إحاطة كاملة، وكان ذا قلم سيال رافق صاحبه طيلة عمره الشريف ذابَّاً عن حوزة الدين، محارباً في ميدان النضال ذوداً عن شريعة جده سيد المرسلين، لا يكلّ ولا يملّ، مضافاً إلى ما تحلّى به من الأخلاق الفاضلة الإسلامية، وسيرته الحسنة اللتين امتلك بهما القلوب، واجتذب اللباب. تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته».
وقال فيه الإمام السيد محسن الحكيم (رحمه الله): "إن السيد شرف الدين معدن رحمة وإحسان، فلا يفيض إلا رحمة وإحساناً".
وقال فيه آية الله محمد الجواد الطباطبايي التبريزي: "كان إنساناً ذا أنحاء (أي أبعاد عديدة) تلتئم جميعها بأخلاق عالية لا يتصف بها إلاّ العالم الفاضل والمحقق الكبير، فهو العبقري التحرير، والمفكر الجريء، والمفوّه الخطيب، والمغامر والمجاهد...
هذه أمة من الأبطال، وقد جاءت في بطل من الأمة، فمثله كمثل النفس الواحدة التي تتمثل في وحدتها كل القوى، ومن شاء أن يعرف مقدار بطولته، ويطّلع على جهوده وجهاده، فما عليه إلا أن يقف عند مراجعاته» (أي كتاب المراجعات والنص والاجتهاد، وسجالاته الأخرى مع الآخرين).
وقال آية الله الشيخ آل ياسين (رحمه الله): "إن فقيدنا الراحل، آية الله شرف الدين، هو
________________________________________

[الصفحة - 134]


أحد أولئك الأفذاذ من علماء هذه الأمة الذين نهضوا بتأدية رسالتهم كما ينهض الأنبياء من الرسل بتأدية رسالاتهم".
وإذا كان نبينا الأعظم(صلي الله عليه و آله و سلم) قد أدى إلى أمته رسالة ربّه، ودعا إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحمّل في سبيلها ما تحمّل من ظلم وضيم، حتى أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ثم تعاهدها من بعده أوصياؤه الأبرار صلوات الله عليهم، فأحاطوها برعايتهم، وأمدّوها بعنايتهم، وحرسوها من النكسة والضياع، فإن فقيدنا العظيم بسيرته المثلى التي اضطلع بها طوال حياته المديدة لم يكن إلاَّ انعكاساً لظلال أولئك الأئمة العظماء في جهادهم وجهودهم، فقد أخذ على نفسه ما أخذه أولئك العظماء في جهادهم على أنفسهم من النهوض بأعباء الدعوة لهذا الدين الحنيف، والقيام بما يفرضه الواجب من التبشير، فكانت لغته لغة ميدان، وميلاده ميلاد ميدان. وكان في كل هذه الميادين فارسها المجلّي، وبطلها المغوار، وحسبك شاهداً على بطولته في ميدان القلم، آثاره الخالدة التي تركها غرّة في جبين الدهر، لا تفتأ تشعّ بالخير والجمال والنور، وتحمل مشعل الهداية ساطعاً وهاجاً في غمرة من الظلمات الحالكات، فتضيء السبيل لمن ضلّ السبيل، وتكشف غياهب الشكوك والشبهات عن آفاق الحق والحقيقة، وتهدي التائهين إلى موطن الأمن والسلامة، حتى لقد اهتدى على ضوئها الكثير الكثير من الناس، ممن كانوا لا يهتدون إلى الحق سبيلاً. وهكذا شاء الله تعالى أن يجرى على قلمه من الدلائل والبينات والبراهين النيرات ما يجعله آية من آياته الباهرة، وينبوعاً من ينابيعه الزاخرة التي لا ينضب معينها الفياض، ما بقي في دنيا الإسلام اسم للإسلام وما بقي على وجه هذه البسيطة ظل للحق والإيمان".
وكتب العلامة السيد محمد صادق الصدر مقدمة إضافية لكتاب "النص والاجتهاد" في طبعته الثالثة قائلاً: "كانت حياته كلها تدل دلالة قوية على علوّ نفسه، وعظيم شخصيته، وتحضرني حادثتان تدلان بوضوح على تأصُّل هذه الصفة الفذة في نفسه العلوية العالية. [أحداهما]: كان السيد في دمشق على عهد الملك فيصل الأول حيث شُرّد عن وطنه، وحُكم عليه بالإعدام من قبل الفرنسيين. وكان من جملة من شملهم الحكم زعيم جبل عامل الكبير المرحوم كامل بك الأسعد. رجل الوطنية والإخلاص.
________________________________________

[الصفحة - 135]


وبالنظر لابتعاده عن بلده، فقد رزح تحت أزمة اقتصادية شديدة اضطرته أن يبعث رسوله إلى (بنت جبيل) يستدين من أحد الأثرياء ثلاثمائة ليرة عثمانية، ليسدّ بها بعض حاجاته، فأرسل له ثلاثين ليرة واعتذر من الباقي، فاستشاط الزعيم غضباً (أي الزعيم كامل بك)، وأرسل له ثلاثمائة ليرة، وأرجع المبلغ مع الرسول حالا.
وقد سمع السيد هذه الحادثة فمضى لزيارة الزعيم الكريم رداً لجميله، وقدم له ثلاثمائة ليرة عثمانية، فامتنع عن أخذها أشد الامتناع، لأنه كان يعتقد أن السيد يمرّ في أزمة لا تقل عن أزمته، فأخبره السيد بأن لديه ما يكفيه في الوقت الحاضر ولكنه أصرّ عليه أن يتقبّله، فتقبّل المبلغ شاكراً.
ولما رجع الزعيمان إلى بلادهما، وعادت المياه إلى مجاريها، زار الزعيم الأسعد السيد في داره ومعه المبلغ، فقدمه إلى السيد شاكراً، فأخبره السيد باستحالة قبوله، لأنهما نفس واحدة لا تتجزأ، وقد أنفقا المبلغ في غايات نبيلة وموارد شرعية.
وكرر الزعيم الأسعد الزيارة مرة ثانية، ومعه وقفية تنطق بوقف عقار من أملاكه على ولد السيد المرحوم العلامة السيد محمد علي شرف الدين، أكبر أولاد السيد، وكان يومئذ في مهجره في النجف الأشرف، ويظن المرحوم الأسعد أن الأمر قد أبرم بصورة محكمة لا يمكن نقضه لأنه وقف والوقف لا يمكن تغييره أو الرجوع عنه، فابتسم السيد وقال: إنَّ الوقف لا يكون لازماً إلا بشروط، ومن شروطه القبض والإقباض، والإقباض لم يحصل منك، ولا القبض من ولدي السيد محمد علي، فلا يكون الوقف لازماً".
وكتب العلامة السيد موسى الصدر، كلمة طويلة في الإمام شرف الدين، مملوءة بأبهى المعاني وزاخرة بأجزل التعابير، نقتطف منها بعض المقاطع.
يقول حفظه الله (11):
"أذكر في يقين وصف أبي لأخلاقة، وأفهم الآن جيداً ماذا يعني نعتها بالنبوية.
كانت جلسته جلسة التواضع ذاته، وكانت للنبي جلسة تروى أنها كانت كجلسة العبد....
قبّل يد شاب أعرفه في إهابي، وكان يحترم الناس جميعاً على اختلاف منازلهم وأقدارهم.
________________________________________
(11)مجلة النهج، الجزء السابع، السنة الخامسة، الكلمة مترجمة عن الفارسية.

[الصفحة - 136]


لا أعرف كيف أصف كرمه إلا إذا شبّهته بجبل عظيم شاهق يتلقى هبات السحاب، ويقدمها إلى السفوح والأودية بغَيرية ونكران ذات.
صبره على تحمل المشاق أوسع من بياني، وأعمق مما وصل إليه علمي، فقد كان يكابد الآلام الكبار وحده، ومخففاً عن غيره همومها في إشفاق ورحمة.
كالنبي والأوصياء، كان يفيض حياءً إذا وهب، وكان يجد مديناً لسائله يقرضه ديناً يقضّ مضجعة بالمقيم المقعد إذا عجز من أدائه.
ما شوهد يوماً متبرماً من مكروه، ولا ضيقاً بعظيمة، وإنه لملتقى للمشكلات التي لا تُحلّ، ومحطة للصعاب التي لا تُذلّل، وكان يخضع خضوعاً كاملاً للحق من حيث جاء. وكثيراً ما كان يتلقى بارقة تلمع من براءة طفل، أو حكمة تشرق على ثغر شاب، وما كان شيء من هذا القبيل يحدث دون أنْ يثير اهتمامه وأريحيته، وما أكثر ما أعلن لهذا أو ذاك إفادته منهما، ويؤكّد أنه في صدد تقريرهما وتسجيل الإعجاب بهما".
ويؤكّد العديد من القريبين منه أنه كان ينشد الحقيقة من أي طرف أو إنسان جاءت، وكانت الفضيلة تستهويه حتى في عدوه، والرذيلة تزعجه حتى في صديقه. كان لا يكتفي في هذا وذاك بأضعف الإيمان - كما يقول ويفعل بعضهم - بل كان قوياً وحازماً وشديداً في ذات الله ولا تأخذه في الله لومة لائم.
وكان جبينه يسطع عند ذوي السؤال بشكل يزيل عنهم لحظات التردّد وعن ذوى الحاجات حرج التهيب، ويضع عن المتكلّفين شعور الكلفة وأداء التصنّع.
كان جريئاً في الحق مقداماً باسلاً، والملمّون به أدنى إلمام يعرفون مقدار شجاعته وهجراته وجسامة تضحياته.
ولم يتردّد أثناء التحقيق حول "النص والاجتهاد"، أن يستدلّ بآراء المغايرين والعلماء من الطرف الآخر. ومن فتوحه العلمية "مسائل فقهية" التي أيد فيها أحكاماً شيعية بمستندات سنّية بلا تحفّظ.
لم يكن مصادفةً أن يصير إماماً طبق ذكره آفاق العالم الإسلامي كله، وكان أعظم القادة دفاعاً عن الإسلام، وأشدهم شكيمة في الذياد عن حياض "التشيع" حتى لقد اجتمعت الكلمة في زمانه على أنه عدّ من أعمق علماء الإسلام قاطبة، وليس من
________________________________________

[الصفحة - 137]


شك في أنَّه لم يدعُ إلى عصبية، ولم يناقش في عصبية، وكانت رسائله كلها تسعى لتأكيد هذه الفضيلة، لأن العصبية شر ولا يمكن أن تُفضي إلى أي خير.
وقد كتب المرحوم الدكتور عز الدين آل ياسين كلمة فيها تفصيل وعمق عن شخصية المرحوم السيد شرف الدين في شباط 1937م.، حيث استقبل فيها الأخير بمناسبة زيارته للمشاهد المقدسة في العراق، أشار فيها إلى عمق الرجل وشعوره بالمسؤولية والارتفاع إلى مستوى التصدّي للدفاع عن الحقيقة وبمنطق علمي يلزم الآخر باحترامه وتقديره، علماً بأن اختصاص الدكتور المذكور كان في اللغات السامية والنحو المقارن، وله نشاطات متعددة في ميادين كثيرة عدّ فيها من العلماء المبرّزين.
نبذة من سيرته الذاتية ونضاله الاجتماعي والسياسي
ولد السيد عبد الحسين شرف الدين في مدينة الكاظمية في العراق عام 1290هـ من أبوين كريمين تربط بينهما أواصر القربى ويوحّدهما النسب، فأبوه الشريف يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل، وأمه البرة (الزهراء) بنت السيد هادي بن السيد محمد علي منتهين بنسب قصير إلى شرف الدين أحد أعلام هذه الأسرة الكريمة.
انتقل في الثانية والثلاثين من عمره إلى جبل عامل (جنوب لبنان) بعد أن شب في ذلك البيت وترعرع في حاضرة النجف ونواديها ومؤسساتها الدينية كما ذكرنا -...
وفي جنوب لبنان، وفي مدينة صور تحديداً، حيث استقطب جمهور المدينة وكثر محبّوه ومريدوه، ولكونه من أصحاب الرأي والقرار من رجال المدينة ووجهائها، وحين شاهد جور المستعمرين الفرنسيين وتعسفهم بحقوق الوطن والمواطنين، كان السيد قد أفتى بالجهاد ضد المستعمرين بعد أن استشار كبار زعماء البلاد وزعمائها فأيّده الجميع...
وفي تلك الأثناء، وفيما كان يعقد اجتماعاً كبيراً في داره في صور لكتابة "مضبطة" تطالب الفرنسيين بالجلاء عن البلاد، أوعزت السلطات الفرنسية إلى أحد عملائها في تلك المدينة، كان يُدعى "ابن الحلاج"، لاغتيال السيد وتصفية حركته
________________________________________

[الصفحة - 138]


والقضاء على وشائج الوحدة الوطنية...
وفي ضحى يوم الثلاثاء 12 ربيع الثاني 1337هـ، الواقع فيه 14 كانون الثاني سنة 1919، اقتحم بن الحلاج مع رجلين من الجنود الفرنسيين الدار على السيد غيلةً في محاولة مبيّتة لقتله، ولم يكن ساعتها معه أي من أعوانه ورجاله.
استطاع السيد التخلّص من القتلة كما يروي المشهد بنفسه قائلاً:
"... فاقتحموا الباب ثم أحكموا أرتاجها، ودنا الفتى العربي ابن الحلاج شاهراً مسدسه، وهو يطلب أن أعطيه التفويض الذي كنا أخذناه من وجوه البلاد، ومعه وثائق تخوّل الملك فيصل أن يتكلم باسمها في عصبة الأمم، وحين أصبح على خطوة مني ركلته في صدره ركلة ألقته على ظهره فسقط المسدس من يده، وأتبعتُ الركلة بضربات عنيفة على وجهه ورأسه، حتى علت صيحات نسائنا في الدار فملئت الطريق خلف الباب، فإذا الرهبة تتولى هزيمة الجنديين وصاحبهما مخفقين، وقد كادت الأيدي والأرجل أنْ تقضي عليهم".
ولم يفُت السيد أن يقوم بحركة خاطفة، ويسلِّم الوثائق الوطنية التي تتناول جوانب الحركة وروؤس القائمين بها إلى السيدة الجليلة والدته - رحمها الله-، وبذلك أنقذ الموقف برمته في مضاعفات كانت محتملة.
وحين وصل خبر هذه الإجراءات الاستعمارية التعسفية إلى الناس الطيبين، وشاع في أوساطهم أن جلوازاً من جلاوزة السلطة أراد سوءاً بالإمام القائد، هبّوا عن بكرة أبيهم يعلنون سخطهم واستنكارهم لهذه الفعلة الشنيعة حتى غصت بهم رحاب صور وفجاجها.
وبحكمة القادة الموضوعيين، وبتصرف مسؤول وحكيم، أقنع الإمام تلك الجموع الغاضبة، بأن تلجأ إلى وسيلة أقوى من التظاهرات والصخب لتحقيق الأماني الوطنية، إذْ أمرها بأن تمرّ بهذا الحادث مروراً كريماً لا يعطي الأجنبي الدخيل وسيلة جديدة أو ذريعة لتعقيد الموقف وإرباكه. وأعلن ذلك بعد أن شكرهم وأثنى عليهم وعلى وطنيتهم، وروحهم البطولية الغيورة.
ويبدو أن السلطات الفرنسية حينها أدركت أن زمام الأمور لا بدّ من أن يفلت من يدها، لا سيما بعد موقف الجماهير الأخير من حادثة ابن الحلاج، فكان أن دبَّرت
________________________________________

[الصفحة - 139]


هجوماً مباغتاً على الإمام، جنّدت له قوة كبيرة من جنودها، وكان سماحته قد غادر صور إلى بلدة "شحور" فهجموا على داريه، الواحدة بعد الأخرى، فأحرقوا داره في شحور، وقبل ذلك احتلوا داره في صور ونهبوا ما فيها، بما في ذلك مكتبته النادرة، التي كانت تحتوي على أنفس المخطوطات وأجود المؤلفات، لا سيما مؤلفاته الخطية، وكان هذا العمل في الواقع أوجع عليه من كل الأوجاع والآلام التي تعرّض لها على امتداد صراعه الطويل على الصعيدين الاجتماعي والسياسي.
لا ينتشر الهدى الاّ من حيث انتشر الضلال
إيماناً بالقول المأثور: "إن الله تعالى ليزع بالسطان ما لا يزع بالقرآن". وكذلك قول الإمام علي(عليه السلام) المقارب لهذا المعنى: "الدين أسّ والسلطان حارس. فما لا أسّ له فمهدوم وما لا حارس له فضائع»... أدرك السيد شرف الدين بعمق وعيه وثاقب بصيرته أن أية فكرة لا يمكن نشرها أو الترويج لها إلاّ بشكل متكافىء مع الفكرة الأخرى المغايرة.. وبذلك أطلق مقولته الشهيرة التي ذاع صيتها واقترنت باسمه وجاء نصها: "لا ينتشر الهدى إلاّ من حيث انتشر الضلال".
هذا التشخيص الدقيق لضرورة التكافؤ في توفير الأجواء للرأي والرأي الآخر، وهذا الإدراك الواعي لدور الإعلام مثلاً للترويج لهذه الفكرة أو تلك، ربما هو الذي دفعه لاقتحام غمار المساجلات واقتحام الأسوار والأسلاك الشائكة التي يضعها الآخرون حول حصونهم، ودعاه إلى غزوهم في عقر دارهم، أي محاورتهم، بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة طبعاً، وتطمينهم إلى أن الحقيقة لا تضرّ أحداً من الصادقين الذين يسعون إلى الوصول إليها، حتى لو لم تنفعهم، وإنها ليست حكراً على طائفة معينة أو مذهب معيّن، أو دين معيّن وإنما هي هبة الله تعالى لعباده المخلصين الذين أراد لهم أن يبحثوا عنها أو يتشبثوا بها ليزيدهم فضلاً من فضله ويمنحهم مزيداً من ثوابه.
ومن هذا المنطلق أيضاً، أدرك الرجل المسافة الشاسعة بين احترام الآخر والتسامح معه... فالاحترام غير التسامح، لأن الأول يعني الاعتراف بالآخر وحسن الظن به وقبول الاختلاف معه، فيما ينطوي التسامح على تنازل ضمني يعطي للمتسامح حق
________________________________________

[الصفحة - 140]


الأولوية أو افتراض الحقّ في نفسه، وهذا يعني أن التسامح مع الآخر يشير، ولو من طرف خفيّ، إلى التنزُّل والتفضل وليس الاحترام والتقدير.
وبكلمة أخرى: إنّ التسامح لا يمنح كامل الحق في الحرية، وخصوصاً الحرية الدينية، وإنما هو مجرد سخاء وكرم أو تكرّم، وبالتالي فهو يتضمن موقفاً استعلائياً، أو هو هكذا ضمنياً، وربما تهوين واستصغار وإدانة...
أما الاحترام الذي يُمليه الإيمان وتؤكّد عليه الأديان، فهو التواضع أمام الحقيقة الكبرى التي لا يدركها مدرك، ولا يستطيع بشر الاستئثار بها إلاّ الأنبياء (سلام الله عليهم)، فهم وحدهم القادرون على ذلك لأنهم على اتصال مباشر بالمطلق وليس أحد سواهم، فهو، إذن، احترام إيجابي لا يحذف الآخر ولا يستبعده، وإنما يلتقي به ويتواصل معه، بل يدعمه ويضعه في مستوى عالٍ من العلاقات المتكافئة التي تكتنفها الثقة ويسودها الودّ، ويأتي عنوانها العام الاعتراف بالآخر المغاير، والإقرار بكامل حقوقه وحريته أو الاعتراف بذلك، اعترافاً حقيقياً وليس شكلياً.
وفي هذا الإطار، أو في هذه النظرة، يمكن اعتبار المنهج القرآني، بل القرآن كتاب حوار بامتياز{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران]. و {قل إنا أو أياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} [سبأ/24].
هذا المنهج هو الذي استلهم معانيه السيد شرف الدين وراح يطبقه في حواراته وسجالاته ومناقشته للآخرين، بل راح ينظر إلى جميع المسلمين بمختلف طوائفهم على أنهم سواء في عائلة الله الكبرى، ويجب أن يعمّ هذه العائلة الحوار والتآخي، والمودة وأساس كل ذلك، قبول التعددية الفكرية والتنوّع المذهبي كما يقول المتأخرون - وقبول الاختلاف معهم والتكامل بهم، صعوداً إلى أعلى مراقي النضج والخصوبة والرشد.
نعم، لا شيء يقود إلى التكامل أفضل من الاختلاف، ونقصد به الاختلاف الايجابي وليس الاختلاف السلبي... الاختلاف الذي أشار إليه القرآن الكريم في العشرات من الآيات البينات وسمّاه التدافع في بعض الآيات:
{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود/118 و119].
________________________________________

[الصفحة - 141]


{لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون…} [المائدة/48].
{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين…} [البقرة/251].
هذا الاختلاف هو الذي أشار إليه الحديث الشريف "اختلاف أمتي رحمة" وهو طريق التكامل الذي أشار إليه الإمام علي(عليه السلام) بقوله:
"اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب» أو «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ...".
وهو الاختلاف نفسه الذي أشار إليه حكماء الشعراء بقولهم:
والضـد يكشف زيفـة الضـدّ- وبـضـدّها تتمـيـز الأشياء
فلولا القبح ما عُـرف الجمال- ولولاالنقص ما عُرف الكمال
-ولم أرَ في عيوب الناس نقصاً كنقص القادرين علـى التمام
ولعل هذه العوامل أو بعضها هي التي دفعت السيد شرف الدين، للتأكيد على ضرورة الحوار مع الآخر المغاير، وهو العارف بالتأكيد أن المشهد الأول من مشاهد بدء الخليقة، وبنصّ القرآن الكريم ابتدأ بالحوار:
{وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس. قال أأسجد لمن خلقت طيناً} [الإسراء/60].
{قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقتُ بيدي ، استكبرتَ أم كنتَ من العالين.قال أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين} [الإسراء/75 - 77].
وهكذا في عشرات الحوارات التي تأتي أحياناً بين الإنسان وأخيه الإنسان، {قال له وهو يحاوره} ، أو بين المسلمين والكافرين {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه. قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} كما يأتي الحوار أحياناً بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقومه وبشكل لافت يدعو فعلاً إلى التوقف والتأمّل، لأنه حوار متكافىء ليس فيه أدنى امتياز لأي أحد حتى لو كان نبياً مرسلاً:
________________________________________

[الصفحة - 142]


{قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهةٍ وأنا لنظنّك من الكاذبين، قال يا قوم مابي من سفاهةٍ ولكني رسول رب العالمين} [الأعراف/66 و67].
ونقول متكافئ، لأن فقدان التكافؤ يخلّ بالحق، حق الطرفين في الحوار، وبالتالي فلا يظهر العدل... وهذا هو ما التفت إليه السيد شرف الدين حين قال قولته المشهورة - قيد البحث - ، وراح يُهَيئ الأجواء لفرص متكافئة بينه وبين الآخرين لترسيخ المبدأ القائل: "إذا تعادلت القوتان ظهر العدل، أو ظهر الحق" وان طرق انتشار الهدى ربما لا تأتي إلاّ من حيث انتشر الضلال، كما نلاحظ ذلك في فضائيات العصر الحديث، ومثلها الصحف والمجلات والإذاعات...
وحين وضع السيد شرف الدين نفسه أمام الآخرين في هذا الإطار، فإنما أراد أن يقول: إنَّ الاختلاف هو أفضل طرق التكامل، وإن الحوار المتكافئ هو أرقى السبل للوصول إلى الحقيقة، أي بعيداً عن تنزيه الذات أو تقديسها أو تأليهها - والعياذ بالله -، وإن تجاوز الذات - كما يقول أحد الحكماء - بحاجة إلى جناحي نسر لا إلى جناحي فراشة.
* * *
________________________________________

[الصفحة - 143]