البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حكم الجمع بين الصلاتين على ضوء المذاهب الفقهية

الباحث :  السيد حسن الحسيني آل المجدد الشيرازي
اسم المجلة :  تراثنا
العدد :  35
السنة :  السنة التاسعة / ربيع الآخر ـ رمضان سنة 1414 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 12 / 2015
عدد زيارات البحث :  859
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلي الحكيم المالك ، الذي هدانا إلى أكمل الأديان وأقوم المسالك ، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد المبعوث بالشريعة السمحة التي لا يزيغ عنها إلا هالك ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم نجوم الاهتداء وأنوار الحوالك .
أما بعد :
فما زالت طوائف من أهل الخلاف ، وعصائب من ذوي التعصب والاعتساف ، يشنعون على أصحابنا الشيعة الإمامية ـ أعزهم الله تعالى ـ تجويز الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير علة ويستعظمون ذلك منهم ! مع كونه من الأمور القطعية الثابتة عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما سيتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى ـ .
على أنا ـ شهد الله ، وكفى به شهيدا ـ لن نتعبد في هذه المسألة إلا بما ثبت لدينا من أدلة الشرع الشريف من الكتاب والسنة ، بما لا مبرر معه لذلك

(الصفحة 75)


التهويل والتشنيع والإرجاف !
فحداني ذلك إلى جمع هذه الرسالة الموسومة ب‍ : (إعلام أهل الملة بجواز الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير علة) ، وقد أودعتها من البراهين الجلية ما تثبت به الحجة على الخصم ، وضمنتها الجواب عن الشبه الواهية التي تشبثوا بها لمنع من الجمع . ولا بد ـ أولا ـ من تحرير محل النزاع فنقول :
إعلم ـ رحمك الله ـ أنا معاشر الإمامية مطبقون على استحباب تفريق الصلوات الخمس في الحضر على المواقيت المعهودة ، وإتيان كل منها في وقت فضيلتها ، وكتبهم شاهدة بذلك ، وأحاديثهم في ذا الباب مستفيضة (1) ، وأن الجمع عندهم رخصة لا غير ، إلا في عصري يوم عرفة وعشاءي ليلة المزدلفة ، فإن الجمع عندهم سنة كما عليه سائر أهل الإسلام ، وإلا في عصر الجمعة ، فإن السنة عندهم جمعها مع الأولى لقيام الدليل على ذلك .
وقد خالفت فيه العامة :
فقالت : الحنفية : لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة والمزدلفة .
وأجازه الشافعي لعذر المطر ليلا كان أو نهارا .
ومنعه مالك في النهار وأجازه في الليل ، وأجازه أيضا في الطين دون المطر في الليل .
واختلفوا في عذر المرض ، فالمشهور من مذهب الشافعي والأكثرين أنه
-------------------------------------
(1) قال شيخنا الشهيد ـ رحمه الله ـ في (الذكرى) : 119 ـ : بعد كلام له في استحباب التفريق ـ : وبالجملة كما علم من مذهب الإمامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقا ، علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص والمصنفات بذلك . انتهى . وقال صاحب (العروة الوثقى) ـ من أئمتنا المتأخرين ـ : يستحب التفريق بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كالظهرين والعشاءين . (كتاب الصلاة ـ فصل أوقات اليومية ونوافلها ـ مسألة 7) .

(الصفحة 76)


لا يجوز ، وجوزه أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ، وكذا أباحه مالك إذا خاف أن يغمى عليه أو كان به بطن .
ومن رام الوقوف على أسباب الجمع وشروطه عندهم فعليه بكتب فروعهم .
وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه جمع بين الصلاتين في الحضر دون عذر ، وما أراد بذلك إلا التوسع على أمته رفع الحرج عنهم ، وهذا مما اتفق أهل الإسلام على صحته ، وقد رواه الفريقان بأسانيد متعددة وطرق مختلفة .
لكن المنكرين لإباحة الجمع تأولوا تلك النصوص على غير ظواهرها ـ كما ستعرف إن شاء الله ـ وطعنوا على أهل الحق باختيارهم جواز الجمع مطلقا .
إذا تقرر ذلك ، فاعلم أن الكتاب والسنة يدلان على حقية مذهب أصحابنا الإمامية في مسألة الجمع بين الصلاتين بقول مطلق وصحته ، وهما المرجع عند الاختلاف كما قال الله تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) [ سورة النساء 4 : 59 ] .
دليل جواز الجمع بين الصلاتين من القرآن الكريم :
أما الكتاب العزيز فقوله عز من قائل : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (2) .
تقريب الاستدلال بالآية : أن الله سبحانه وتعالى قد افترض على عباده في اليوم خمس صلوات ، أربعا منها من دلوك الشمس ـ وهو الزوال على
------------------------------------
(2) الإسراء 17 : 78 .

(الصفحة 77)


الصحيح ـ إلى غسق الليل ـ وهو انتصافه ـ ، فالظهر والعصر من زوال الشمس عن كبد السماء إلى غروبها ، وتشتركان في الوقت إلا أن الأولى قبل الثانية ، وكذا المغرب والعشاء تشتركان في الوقت من الغروب إلى غسق الليل إلا أن المغرب قبل العشاء ، وأفرد تبارك وتعالى صلاة الفجر بالذكر في قوله جل ثناؤه : (وقرآن الفجر) .
فالآية دالة على وجوب الصلوات الخمس ومتضمنة لبيان أوقاتها على ما هو المعروف من مذهب أصحابنا الإمامية ، ولازم اتساع الوقت جواز الجمع كما لا يخفى على ذي درية .
وقد رووا ذلك عن باقر العلم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح .
قال عليه الصلاة والسلام : قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن ، وغسق الليل هو انتصافه ، ثم قال تبارك وتعالى : (وقرآن الفجر أن قرآن الفجر كان مشهودا) فهذه الخامسة .
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما الصلاة والسلام في قوله تعالى : (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) قال : منها صلاتان أول وقتهما من زوال الشمس إلا أن هذه قبل هذه ، ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه .
وهذا مذهبه ومذهب آبائه وأبنائه الطاهرين الكرام صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ، وهم عيبة علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسفن نجاة الأمة ، وعدل القرآن ، وأمناء الوحي ، فمن ذا الذي ينكر فقه هؤلاء الأمجاد ؟ أم أي منصف يعرض عن مذهب أولئك الأسياد ؟ ! فالمتعين على المسلم الانقطاع إليهم في الأصول والفروع ، لانهم أدرى بمقاصد القرآن العظيم والذكر الحكيم ، كيف لا ؟ ! وقد نزل الكتاب في بيوتهم ، فهم أولى

(الصفحة 78)


بالاتباع من الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل المذاهب الفقهية ، لأن هؤلاء أيضا ينتهون في العلم إليهم عليهم السلام ، وقد أخذ الإمامان أبو حنيفة ومالك عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، وقوله : (لولا السنتان لهلك النعمان) يشهد بها الخافقان .
ولنعم القول قول شيخ الإسلام العلامة الشيخ سليم البشري المالكي : إن الأئمة الاثني عشر أولى بالاتباع من الأئمة الأربعة وغيرهم ، لأن الأئمة الاثني عشر كلهم على مذهب واحد قد محصوه وقرروه بإجماعهم بخلاف الأربعة ، فإن الاختلاف بينهم شائع في أبواب الفقه كلها فلا تحاط موارده ولا تضبط .
قال : ومن المعلوم أن ما يمحصه الشخص الواحد لا يكافئ في الضبط ما يمحصه اثنا عشر إماما ، هذا كله مما لم تبق فيه وقفة لمنصف ، ولا وجهة لمتعسف . انتهى (3) .
أخرج الصدوق ابن بابويه رحمه الله في (الفقيه) بإسناده عن عبد الله بن سنان ، عن الصادق عليه السلام ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين ، وجمع بن المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد وإقامتين .
وأخرجه الشيخ رحمه الله في (التهذيب) بإسناده عن عمر بن أذينة ، عن رهط منهم الفضيل بن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام .
وأخرج في (العلل) عنه عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب ، فقال له عمر ـ وكان أجرأ القوم عليه ـ : أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : لا ، ولكن أردت أن أوسع على أمتي .
--------------------------------------
(3) المراجعات ـ للإمام شرف الدين العاملي رحمه الله ـ : 129

(الصفحة 79)


وأخرج في (العلل) أيضا بإسناده عن عبد الملك القمي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : أجمع بين الصلاتين من غير علة ؟ قال : قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أراد التخفيف عن أمته .
وأخرج ثقة الإسلام الكليني ـ رحمه الله تعالى ـ في (الكافي) بإسناده عن زرارة ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال :
صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة ، وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتسع الوقت على أمته .
وأخرج الشيخ رحمه الله في (تهذيب الأحكام) و (الاستبصار) بإسناده عن إسحاق بن عمار ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام : نجمع بين المغرب والعشاء في الحضر قبل أن يغيب الشفق من غير علة ؟ قال : لا بأس (4) .
ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول :
ذكر الإمام فخر الرازي في (مفاتيح الغيب) (5) كلاما شافيا في تفسير الآية آنفة الذكر ، قال : فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة ـ وحكاه عن ابن عباس وعطاء والنضر بن شميل ـ كان الغسق عبارة عن أول المغرب ، وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات : وقت الزوال ، ووقت أول المغرب ، ووقت الفجر .
قال : وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين ، وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين ، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مطلقا ، إلا أنه دل الدليل على أن الجمع
------------------------------------
(4) تفصيل وسائل الشيعة 4 / 220 ـ 223 . (5) مفاتح الغيب (التفسير الكبير) 21 / 26 ـ 27 .

(الصفحة 80)


في الحضر من غير عذر لا يجوز ، فيوجب أن يكون الجمع جائزا لعذر السفر وعند المطر وغيره . انتهى .
قلت : ما أحسن ما استنبطه هذا الإمام الجهد من الآية الشريفة ، إلا أنه مال باستدراكه عن الحق وحاد عن الصواب ، وسيأتي إن شاء الله تعالى على ما ظنه مانعا من جواز الجمع في الحضر مطلقا .
فإن قيل : إن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي ـ كما ذكره النيسابوري في تفسيره (6) .
قلنا : أما فعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلا دلالة فيه على التخصيص في المقام ، لأنه أعم من مورد النزاع ، لما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن مواظبته عليه وآله الصلاة والسلام على التوقيت في غالب الأحوال لا يدل على تعينه ووجوبه ، وإن دل على أفضليته واستحبابه .
وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) فلا يقتضي عدم جواز الجمع بين الصلاتين .
إذ غاية ما يدل عليه هذا الحديث وجوب متابعته صلى الله عليه وآله وسلم في هيئة الصلاة وأفعالها ، وإلا فقد أدعي أنه لا يدل ـ في نفسه ـ على الوجوب والاستحباب ، وغيرها ، ضرورة اشتمال صلاته عليه وآله الصلاة والسلام على بعض المندوبات والمباحات ، والتمييز محتاج إلى قرينة كانت موجودة وقت الخطاب غير ظاهرة لدينا .
على أن السنة قد بينت أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الصلاتين في وقت واحد من غير عذر ولا علة ، فلا مجال للتوهم المذكور .
ولعمري إن من نظر بعين الإنصاف ، ونزع عنه جلباب التعنت والاعتساف ، أذعن بدلالة الآية على مذهب أصحابنا الإمامية ـ نصر الله بهم
----------------------------------------
(6) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ـ المطبوع بهامش تفسير الطبري ـ 15 / 74 .

(81)


الحق ـ من جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر مطلقا ، والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم .
أدلة جواز الجمع بين الصلاتين من السنة :
وأما السنة : فمستفيضة بين الفريقين ، صريحة في جواز الجمع في الحضر ، لا يرتاب في ذلك ذو تحصيل ، حتى قال إمام الحرمين الجويني الشافعي : ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها التأويل ـ كما حكاه الزرقاني في شرح الموطأ (7) ـ ونحن ورد منها هاهنا ما يتم به المقصود إن شاء الله تعالى فنقول :
أخرج أحمد والبخاري ومسلم (8) عن عمرو بن دينار ، عن أبي الشعثاء جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، قال عمرو بن دينار : قلت : يا أبا الشعثاء ، أظنه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء ، قال : وأنا أظن ذلك .
وأخرجوا أيضا (9) عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة مقيما غير مسافر سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء .
وأخرج أحمد ، عن جابر بن زيد ومسلم والترمذي (10) عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير
-----------------------------------------
(7) شرح الموطأ 1 / 295 .
(8) مسند أحمد 1 / 221 ، صحيح البخاري 2 / 72 ، صحيح مسلم 2 / 152 .
(9) مسند أحمد 1 / 223 ، صحيح مسلم 2 / 152 ، سنن الترمذي 1 / 354 .
(10) مسند أحمد 1/ 223 ، صحيح مسلم 2/ 152 ، سنن الترمذي 1 / 354.

(الصفحة 82)


خوف ولا مطر
ورواه ذلك مالك في (الموطأ) (11) ومسلم في صحيحه بلفظ : في غير خوف ولا سفر ، قال مالك : أرى ذلك كان في مطر ، انتهى .
قال مسلم : وفي حديث وكيع قال : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته ، وفي حديث أبي معاوية : قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته .
وأخرج أحمد ومسلم أيضا (12) عن عبد الله بن شقيق العقلي ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة ، قال : فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني يقول : الصلاة الصلاة ، فقال ابن عباس : أتعلمني بالسنة لا أم لك ؟ ! ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته .
وقد علق سيدنا الإمام شرف الدين العاملي ـ رحمه الله ورضي عنه وأرضاه ـ على ذلك فقال (13) : من هوان الدنيا على الله تعالى وهوان آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على هؤلاء أن يحوك في صدورهم شيء من ابن عباس فيسألوا أبا هريرة ، وليتهم بعد تصديق أبي هريرة عملوا بالحديث . انتهى .
وأخرج مسلم (14) عن عبد الله بن شقيق أيضا ، قال : قال رجال لابن
---------------------------------------
(11) الموطأ 1 / 144 ح 4 ، صحيح مسلم 2 / 151 .
(12) مسند أحمد 1 / 251 ، صحيح مسلم 2 / 152 ـ 153 ، وكذا رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار وأبو داود الطيالسي في مسنده 11 / 355 .
(13) مسائل فقهية خلافية ـ مبحث الجمع بين الصلاتين .
(14) صحيح مسلم 2 / 153 .

(الصفحة 83)


عباس : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : الصلاة ، فسكت ، ثم قال : لا أم لك ، أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ !
وأخرج البخاري (15) عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والغرب والعشاء ، فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى.
قلت : سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى .
وأرسل البخاري أيضا (16) عن ابن عمر وأبي أيوب وابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى المغرب والعشاء ، يعني جمعهما في وقت إحداهما دون الأخرى .
وأخرج مسلم (17) عن أبي الزبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر ، قال أبو الزبير : فسألت سعيدا لم فعل ذلك ؟ فقال : سألت ابن عباس كما سألتني ، فقال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته.
وأخرج أيضا في (باب الجمع بين الصلاتين في الحضر) من صحيحه (18) عن سعيد بن جبير ، قال : حدثنا ابن عباس :
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قال سعيد : فقلت لابن عباس : ما حمله على ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته .
--------------------------------------------
(15) صحيح البخاري 1 / 143 ـ 144 .
(16) صحيح البخاري 1 / 148 .
(17) صحيح مسلم 2 / 15 .
(18) صحيح مسلم 2 / 151 .

(الصفحة 84)


وأخرج في الباب المذكور (19) حديثين عن أبي الطفيل عامر بن وائلة ، قال : حدثنا معاذ بن جبل ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، قال : فقلت : ما حمله على ذلك ؟ قال : فقال : أراد أن لا يحرج أمته .
واعلم أن حديث ابن عباس ومعاذ بن جبل في جمعه صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك لا يختص بمورده ـ أعني السفر ـ إذ علة الجمع فيه مطلقة لا دخل فيها للسفر من حيث كونه سفرا ، ولا للمرض والمطر والطين والخوف من حيث هي هي ، وإنما هي كالعام يرد في مورد خاص فلا يتخصص به ، بل يطرد في جميع مصاديقه إذ العبرة بعموم الوارد دون المورد ، ولذا ترى الإمام مسلما لم يورده في باب الجمع في السفر ، إذ لا يختص به ، وإنما أورده في باب الجمع في الحضر ، ليكون من أدلة جواز الجمع بقول مطلق ، وهذا من فهمه وعلمه وإنصافه ـ كما قال الإمام ابن شرف الدين رحمه الله (20) ـ .
وأخرج أبو داود في سننه (21) عن ابن عباس ، قال : جمع رسول الله بين الظهر والعصر والغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ، فقيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته .
وأخرج عنه أيضا (22) عن ابن عباس ، قال : صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ثمانيا وسبعا ، الظهر والعصر والمغرب والعشاء . وأخرج النسائي في سننه (23) عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا ، من
--------------------------------------
(19) صحيح مسلم 2 / 152 .
(20) مسائل فقهية خلافية ـ مبحث الجمع بين الصلاتين .
(21) سنن أبي داود 2 / 6 ح 1211 .
(22) سنن أبي داود 2 / 6 ح 1214 .
(23) سنن النسائي 1 / 290 .

(الصفحة 85)


غير خوف ولا سفر
وأخرج عنه أيضا (24) قال : صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا .
وأخرج عنه أيضا (25) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين ، الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، من غير خوف ولا مطر ، قيل له : لم ؟ قال : لئلا يكون على أمته حرج .
وأخرج النسائي في سننه وأبو نعيم في الحلية (26) عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء ، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيئ ، فعل ذلك من شغل ، وزعم ابن عباس أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة الأولى والعصر ثماني سجدات ليس بينهما شيء .
وأخرج عبد الرزاق بن همام في جامعه ، قال : أنبأنا ابن جريح ، عن عمرو بن شعيب ، قال : قال عبد الله بن عمر : جمع لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقيما غير مسافر بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، فقال رجل لابن عمر : لم ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك ؟ قال : لئلا يحرج أمته إن جمع رجل (27) .
وأخرج أبو نعيم في الحلية (28) عن ابن عباس ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمان ركعات جميعا ، وسبع ركعات جميعا ، من غير
-------------------------------------------
(24) سنن النسائي 1 / 290 .
(25) سنن النسائي 1 / 290 .
(26) سنن النسائي 1 / 286 ، حلية الأولياء 3 / 90 ، مسند أبي داود الطيالسي 10 / 341 ح 2613.
(27) مصنف عبد الرزاق 2 / 556 ح 4437 ، كنز العمال 2 / 242 ح 5078 .
(28) حلية الأولياء 3 / 90 .

(الصفحة 86)


مرض ولا علة
وأخرج الطبراني في الصغير ، عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء .
وأخرج أيضا في الأوسط (29) والكبير ، بسنده عن عبد الله بن مسعود ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ يعني بالمدينة ـ بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، فقيل له في ذلك ، فقال : صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي .
وأخرج الطحاوي في : معاني الآثار [ 1 / 161 ] بسنده عن جابر بن عبد الله ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخص من غير خوف ولا علة .
وأخرج البزار في مسنده ، عن أبي هريرة ، قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الصلاتين بالمدينة من غير خوف .
وغير ذلك من السنن المستفيضة الواردة في هذا الباب .
على أن في هذا القدر غنية وكفاية لأولي البصائر والألباب .
وهذه الأحاديث صريحة في أن جمعه صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة من غير خوف ولا مطر إنما هو لبيان جواز الجمع ومشروعيته ، لئلا يتوهم حظره من مداومته صلوات الله وسلامه عليه على التفريق ، ومواظبته على التوقيت في غالب الأحوال .
وهي روايات صحيحة أخرجها أصحاب الصحاح وأرباب السنن والمسانيد ، فترك الجمهور العمل بها لا يقدح في صحتها ، ولا يوجب سقوط الاستدلال بها ـ كما صرح بذلك الشوكاني في نيل الأوطار (30) ـ .
-------------------------------------
(29) المعجم الأوسط ، المعجم الصغير 2 / 94 ، المعجم الكبير 10 / 269 ح 10525 .
(30) نيل الأوطار 3 / 248 .

(الصفحة 87)