البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أهداف العقوبة وفلسفتها في الشَّريعة الإسلامية

الباحث :  أ. محمد تهامي دكير
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  5893
أهداف العقوبة وفلسفتها في الشَّريعة الإسلامية

أ. محمد تهامي دكير (*)

تطوُّر مفهوم العقوبة في القوانين الوضعيَّة
عرف مفهوم العقاب وأهدافه تطوُّراً في القوانين الوضعية، ففي المجتمعات البدائية كان أساسه وهدفه الانتقام الفردي، ثم مع التطوُّر المدني والحضاري للبشرية أصبح الانتقام جماعياً. وعندما أصبحت السلطة تستمد شرعيتها من الدين أصبح أساس العقاب هو التكفير. ومع قيام الدُّول والامبراطوريات الكبرى، دخل عنصر جديد في أساس العقاب، فلم يعد إنزال العقاب بالمجرمين يقتصر على التكفير، أو تحقيق العدالة، وإنما أصبحت له غاية سياسية هي صيانة الصالح العام والمحافظة على كيان الجماعة (1)، بالإضافة إلى الانتقام الاجتماعي.
لكنَّ قسوة العقوبات وشدَّتها دفعت عدداً من مفكِّري القرن الثامن عشر، في أوروبا، لمهاجمتها والمطالبة بإعادة النَّظر في مفهوم العقاب وأساسه وأهدافه، ومن ثم بدأ البحث والتطور، ما أسفر عن ظهور المدارس العقابية الحديثة، ونظرياتها الجديدة في أساس حق العقاب وأهدافه. فالمدرسة التَّقليدية رأت أن الهدف من توقيع العقوبة على المجرم هو منع وقوع جرائم جديدة في المستقبل، سواء من الجاني نفسه أم من الناس جميعهم، ويعبَّر عن هذا المعنى بـ «الرَّدع العام والخاص»(2)، فالغرض من العقوبة إذن هو الدفاع عن المجتمع، أو تحقيق مصلحة
________________________________________
(*)باحث من المغرب
(1)د. جلال ثروت، قانون العقوبات: القسم العام، ص 9.
(2)علي عبد القادر القهوجي، علما الإجرام والعقاب، بيروت: الدار الجامعية، ط1، 1984م، ص 177.

[الصفحة - 89]


اجتماعية، أو هو النفع الاجتماعي، لكن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط رفض هذا الأساس أو الهدف للعقاب، معتبراً أن الغرض الحقيقي من العقاب يجب أن يتمثل في تحقيق العدالة المطلقة، حتى ولو لم يَجْنِ المجتمع من وراء ذلك أي مغنم أو منفعة اجتماعية (3). ومع المدرسة التقليدية الجديدة، تمَّ الجمع أو التوفيق بين الهدفين معاً: الرَّدع بنوعيه الخاص والعام وتحقيق العدالة، فأساس العقوبة أو الغرض منه، هو العدل، أمَّا المنفعة الاجتماعية فهي الإطار الذي يرسم حدود العقوبة، أي أن عدل العقوبة مقيَّد أو محكوم بمنفعتها أو ضرورتها (4).
المدرسة الوضعيَّة التي استبعدت فكرة المسؤولية الأخلاقية، القائمة على أساس حرية الاختيار، رفضت المفهوم القديم للعقاب وأهدافه، لأن المجرم لديها إنسان مريض مدفوع إلى سلوك الجريمة بقوى بيولوجية وطبيعية واجتماعية (5)، لذلك يجب التوجُّه ليس إلى الجريمة، وإنما إلى شخص المجرم لعلاجه، وحماية المجتمع من تكراره للجريمة، ومعرفة درجة خطورته الإجرامية، لأنها هي التي ستحدِّد نوع العقوبة الكفيل بتحقيق أغراضها في الدِّفاع الاجتماعي (6). ومع هذه المدرسة، لم تعد العقوبة لوماً أو جزاء يقابل الجريمة، وإنما أصبحت تتمثَّل في تدابير احترازية وإصلاحية، قد تصل إلى حد الإعدام والسجن مدى الحياة، أو الإيداع في مصحَّة عقلية، أو مجرد تدبير اجتماعي كحصر الإقامة في مكان معين أو ممارسة مهنة معينة (7).
أمَّا المدارس العقابية التوفيقية (8)، فقد أكَّدت على أهمية الرَّدع بنوعيه الخاص والعام، لأن الهدف الأساسي هو الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، لذلك طالبت بضرورة الجمع بين العقوبة والتدابير الاحترازية والإصلاحية، لأن مفهوم العقاب «ينبغي أن يتَّسع ليشمل جميع الوسائل الصالحة للدِّفاع ضد الجريمة» (9).
والخلاصة، فقد استقرَّت الأنظمة العقابية الوضعية، بالنسبة لمسوِّغات العقاب وأهدافه، على مبدأي الرَّدع بنوعيه الخاص والعام، والدفاع الاجتماعي ضد الجريمة. وقد تراجع مفهوم الجزاء من أجل الإيلام والانتقام الاجتماعي أو تحقيق العدالة، ليحل محله مفهوم التدابير العلاجية والإصلاحية لتأهيل المجرمين وإعادتهم إلى حظيرة المجتمع كأفراد صالحين.
________________________________________
(3)أنظر تفصيل ذلك في: د. عبود السراج، التشريع الجزائي المقارن، ص 296 و297.
(4)د. علي عبد القادر القهوجي، مصدر سابق، ص 185.
(5)انظر حول المدرسة الوضعية وتفصيل القول في هذه القوى الثلاث: د. عبود السراج، الوجيز في علم الإجرام وعلم العقاب، ص 122.
(6)انظر في شأن مبدأ الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، د. محمد زكي أبو عامر، دراسة في علم الإجرام والعقاب، ص 353.
(7)المصدر نفسه، ص 354.
(8)هذه المدارس أو الاتجاهات التوفيقية هي: المدرسة الفرنسية، المدرسة الثالثة الإيطالية، الاتحاد الدولي لقانون العقوبات، حركة الدفاع الاجتماعي.
(9)د. محمد زكي أبو عامر، مصدر سابق، ص 358.

[الصفحة - 90]


هذه المسوِّغات والأهداف وُجِّهت لها انتقادات كثيرة، لأنَّه تبيَّن أن مسوِّغات الجزاء مسألة لا يمكن أن تنضوي داخل نظرية واحدة. وأن نظرية بمفردها يمكن أن تسوِّغ مسألة الجزاء بشكل كامل، بل كل نظرية يمكنها أن تسوِّغ جانباً من الحقيقة (10).
أمَّا في الشريعة، فلا يمكن الحديث عن أهداف العقاب بمعزل عن أهداف الرسالة الإسلامية وشموليتها، لأن الإسلام، كباقي الأديان، جاء لإيجاد مجتمع فاضل تختفي فيه الرذائل، وتظهر فيه الفضائل، ولا يمكن أن تختفي الرذائل إلَّا إذا كان ثمة زواجر اجتماعية تحمي المجتمع وتنقِّي جوهره الظاهر من المآثم (11).
لذلك، فالعقوبة في الشريعة الإسلامية أداة اجتماعية تساعد الفرد والمجتمع الإسلاميَّين على تحقيق أهداف الرسالة المُنزلة ومقاصدها، لأن المعاصي أو المخالفات والجرائم، تعدّ انحرافاً عن هذه الغايات والمقاصد وتجاوزاً لها، لذلك شُرِّع العقاب للحيلولة دون هذا الانحراف أو التجاوز، ولردِّ الإنسان المسلم إلى جادة الطريق المستقيم، لذلك فالعقاب في الشريعة غير مقصود بذاته، وليس الهدف منه إنزال الأذى والألم بالجاني انتقاماً أو لمجرد الأذى، يقول عزَّ وجل: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء/147]، وإنما له أهداف متعددة تتمثل في الردع بنوعيه الخاص والعام، وإصلاح الجناة وتأهيلهم وتأديبهم وتحقيق العدالة، وحماية المصالح الفردية والاجتماعية، والدفاع عن القيم الدينية والأخلاق، بالإضافة إلى التكفير عن الذنب أو المعصية، وأهداف أخرى تسهم جميعها في تحقيق مقاصد الشريعة في الخلق والاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض.
أهداف العقوبة في الشَّريعة
1 ـ تحقيق العدالة: من أهم أهداف الشريعة الإسلامية تحقيق العدالة في الأرض، وحثِّ الإنسان المسلم على العمل بمقتضى العدل في جميع الأمور، بينه وبين نفسه وبينه وبين الآخرين، وبين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، وبين الظالم والمظلوم، لا استثناء في ذلك لأحد، فالجميع سواسية كأسنان المشط أمام العدالة الإلهية، يقول عزَّ وجل: { إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى }
________________________________________
(10)ناصر قربانيا، فلسفة العقوبات، مجلة المنهاج البيروتية، عدد 24، السنة السادسة 2002م/1422هـ، ص 81.
(11)الشيخ محمد أبو زهرة، العقوبة، ص 219.

[الصفحة - 91]


{ عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلَّكم تذكرون} [النحل/90] . ويقول أيضاً: {يا أيُّها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يَجْرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألَّا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون} [المائدة/8] .
والعدل، في العقوبات الشرعية، يتمثَّل في عدَّة وجوه.
بالنسبة لعقوبات الحدود، والقصاص، فالله سبحانه وتعالى هو الذي جرَّم تلك الأفعال، وشرَّع لها عقوبات معينة ومحدَّدة، لا يجوز لأحد حاكماً أو محكوماً أن يغيرها أو يُعدِّل فيها، فإذا ما تحقَّقت الشروط الشرعية المعتبرة في التجريم وجب تنفيذ العقوبة على الشريف والوضيع. إن مبدأ تحقيق العدالة من المبادى الإسلامية الأساسية، ويظهر ذلك بوضوح وجلاء في تشريع العقاب في الدنيا والعقاب والثواب في الآخرة يقول تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرَّة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرَّة شرَّاً يره}[الزلزلة/7 و8] ، فالعقاب في الدنيا مكفِّر ومطهِّر من الذنوب، يحقق العدالة ويعطي لكل ذي حق حقه، لكن قد يفلت الإنسان من العقاب الدنيوي لسبب من الأسباب، وهذا الإفلات لن يعفيه من العقاب في الآخرة، لأن العدالة الإلهية ستكون له بالمرصاد، يقول عزَّ من قائل: {يوم تجد كلُّ نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تودَّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيد} [آل عمران/30] . ويقول أيضاً: {يودُّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه} [المعارج/11 ـ 14] .
والإيمان بالعقاب في الآخرة لا يحقِّق العدالة فقط، وإنَّما التَّذكير به في الدنيا يكون له وقع إيجابي رادع وزاجر، فمن المؤمنين من ينزجر عن فعل السوء مباشرة بعد تذكيره بعقاب الآخرة، كما أن الذي يعلم علم اليقين بأنه لن ينجو من العقاب في الدنيا أو الآخرة، على كل جريمة أو معصية ارتكبها، سيمتنع وسيرتدع من تلقاء نفسه، ولهذا السبب جاء ماعز إلى رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وأقرّ بالزنا، وطالب بتنفيذ حكم الله فيه، ولدينا نماذج وأمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي، نجد فيها المجرمين أو العصاة يعترفون ويقرُّون بما اقترفوه من جرائم ومعاصيَ ويسلِّمون أنفسهم للعدالة، أو يُرجعون الحقوق لأصحابها طوعاً وخوفاً من عذاب الآخرة، وهذه ميزة الإيمان وإيجابيات العقائد الدينية، وقد تحدَّثنا في دراسة سابقة عن التدابير الاحترازية في
________________________________________

[الصفحة - 92]


الشريعة الإسلامية، عن أهمية الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبعالم الغيب، في تجفيف منابع الجريمة ودوافعها الذاتية.
إذن، تشريع العقاب في الدنيا والآخرة وتحديد عقوبة كل جريمة، من طرف الشريعة، والمساواة في تنفيذها وتطبيقها، يحقق العدالة بوصفها قيمةً منشودة لذاتها، يقول سبحانه وتعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل/126] ، لأن كل شيء في الكون قائم على العدل والقسط، يقول تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبيِّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد/25] . وتبقى عقوبة القصاص من أفضل الأمثلة في الشَّريعة على عدالة هذه العقوبات.
«ومن أوجه العدالة، في عقوبات الحدود والقصاص والتعازير، أن العقوبة تتناسب مع الجريمة تناسباً تامَّاً، فلم يشرِّع سبحانه وتعالى ـ كما يقول ابن قيِّم الجوزية ـ في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السَّرقة إعدام النفس، وإنما شرَّع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله.. ومن المعلوم أن النظرة المحرمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف... فلما تفاوتت مراتب الجنايات، لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وكِّلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنساً ووصفاً وقدراً، لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعَّبت بهم الطرق كل مشعب، ولَعُظُم اختلافهم واشتدَّ الخطب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، مؤونة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولَّى بحكمته وعلمه ورحمته، تقديره نوعاً وقدراً، ورتَّب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النكال...» (12).
ومن أوجه العدالة الأخرى، أن الشَّريعة عدّت العقوبة جزاء على الجريمة المقترفة، وقد عبَّر القرآن الكريم عن العقوبة بلفظ الجزاء، بل صرَّح بأنها الجزاء المقابل للجريمة، يقول عز من قائل: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف..} [المائدة/33 و34]، ويقول عن جريمة السرقة: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله} [المائدة/38].
________________________________________
(12)أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1991م، ص 73 و74.

[الصفحة - 93]


ومما يجدر التنبيه إليه أن استعمال القرآن الكريم للفظ «الجزاء»، بمعنى المقابل الذي لا يختلف عن الفعل، كما ورد في مجال العقوبة، قد ورد أيضاً في مجال المثوبة، يقول عزَّ من قائل: {وذلك جزاء المحسنين} [المائدة/85]، ويقول أيضاً: {لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين}[الزمر/34]، وقد يصح أن نستخلص ـ يقول د. محمد سليم العوا ـ من ذلك اتحاد وظيفة الثواب والعقاب في حمل الناس على الامتثال والطاعة للقواعد المقرَّرة في المجتمع، وهي الفكرة نفسها التي يدافع عنها ويتحمَّس لها عدد من أقطاب الفلسفة الحديثة (13).
وقد ذهب عدد من فقهاء المذاهب إلى اعتماد هذه القاعدة عند تعدُّد الجرائم والعقوبات، ويقول محمد بن إدريس الحلي: «إذا اجتمع على إنسان حدود فيها قتل وغيره، بدأ بما لا يكون قتلًا من الحدود، ثم يقتل بعد ذلك، مثال ما ذكرناه أن يقتل ويسرق ويزني وهو غير محصن، فإنه يجلد أولًا للزنى ثم يقطع للسرقة، ثم يقتل للقود بعد ذلك» (14)، والسبب في ذلك هو أن العقوبات وضعت لكل جريمة لذاتها، وأن عقوبة الجريمة الواحدة لم توضع لمنع الجاني عن كل الجرائم، وإنما وضعت لمنعه من ارتكاب جريمة معيَّنة بالذات، كما روعي في وضع كل عقوبة اعتبارات خاصة لا تتوفر في غيرها» (15).
2 ـ تحقيق المنفعة أو المصلحة: اتَّفق فقهاء الشَّريعة، في الماضي والحاضر، على أنَّ الأحكام معلَّلة بجلب المصالح ودرء المفاسد، وهذا ما صرَّح به الفقيه عز الدين عبد السلام في قواعده، مؤكداً «أنَّها ـ أي أحكام الشريعة ـ معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد». كما تبعه في ذلك الفقيه والأصولي الكبير الشاطبي الذي أكَّد أنَّ «وضع الشَّرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً» (16).
ومن أقوال العلماء المعبِّرة عن هذه القاعدة قولهم: «الشريعة نفع ودفع»، «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد»، و «هي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها»، «حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله، وحيثما كان شرع الله فثم مصلحة»، بل إن نجم الدين الطوفي الذي اشتهر بالقول بإمكان التعارض بين النصوص والمصلحة، نجده يقول: «وبالجملة، فما من آية من كتاب الله عز وجل إلَّا
________________________________________
(13)في أصول النظام الجنائي الإسلامي، ص 82، ويقول د. العوا: «إنه في الوقت الذي يأفل فيه نجم نظرية «الجزاء» أو المقابل للجريمة، باعتبارها أساساً فلسفياً للعقوبة بين فقهاء القانون الجنائي المعاصرين والمشتغلين بعلم العقاب Penology، يتجه إلى تأييدها بعض علماء التحليل النفسي الذين يرون أنه من الأهمية بمكان حين يرتكب شخص جريمة ما أن يوقع عليه جزاء عادل لها، للمحافظة على هدوء النفس، ولمنع اتجاه الآخرين من أفراد المجتمع نحو الجريمة، ويؤيدها بعض الباحثين في علم العقاب باعتبارها تؤدي إلى احترام القانون ومنع حوادث الانتقام التي قد يرتكبها المجني عليه إذا لم تناسب العقوبة فعل الجاني...». انظر: المصدر نفسه، ص 73.
(14)انظر، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية، كتاب الحدود، ج23، ص 232.
(15)د. عبود سراج، التشريع الجنائي المقارن، ص 447.
(16)نقلًا عن عبد الفتاح إمام، الحقوق في الإسلام والقوانين في هذه الأيام، ص 63.

[الصفحة - 94]


وهي تشتمل على مصلحة أو مصالح». ثم يضيف: إن شأن السنَّة كشأن القرآن لأنها، كما يقول:{بيان للقرآن، وقد بينا اشتمال كل آية منه على مصلحة، والبيان على وفق المبين} (17).
وفقهاء الشريعة، وإن اختلفوا في تحديد المصلحة أو المنفعة وبَعْضِ عِلَلِ الأحكام في عدد من الموارد، فإنَّهم متفقون بشكل عام على أن المقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر، وحمايتهم من المفاسد، واستنقاذهم من الجهالة، وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة... (18).
فتشريع العقاب إذن، مبني على أهداف وغايات سامية، وهي إصلاح الإنسان (فرداً ومجتمعاً)، وهدايته إلى الطريق المستقيم، المفضي به إلى سعادته في الدَّارين، يقول عزَّ وجل: { ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل/79]، ويقول الماوردي الشافعي: «اعلم أن الله، سبحانه وتعالى، إنما كلَّف الخلق متعبداته وألزمهم مفترضاته، وبعث إليهم رُسله، وشرَّع لهم دينه، لغير حاجة دعته إلى تكليفهم، ولا ضرورة قادته إلى تعبُّدهم، وإنما قصد نفعهم، تفضُّلًا منه عليهم، كما تفضَّل بما لا يُحْصى عدّاً من نعمه، بل النعمة فيما تعبَّدهم به أعظم، لأن نفع ما سوى المتعبدات مختص بالدنيا العاجلة، ونفع المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة... فكانت نعمته في ما حظره علينا، كنعمته في ما أباحه لنا، وتفضله في ما كفنا عنه، كتفضله في ما أمرنا به» (19).
فكلُّ ما أمر به الشارع فيه مصلحة ومنفعة في الدنيا أو الآخرة، وكل ما نهى عنه فيه مفسدة في الدنيا أو الآخرة كذلك، وقد أثبت الاستقراء ـ كما يقول الشيخ أبو زهرة ـ أن كل ما جاء به الشرع الإسلامي، من أحكام منصوص عليها، هو لمصلحة الناس، فما من أمر أمر به الشرع وتتبعت نتائجه وآثاره بعقل سليم من الآفات الفكرية، إلا وجدت فيه المصلحة واضحة نيِّرة هادية، وما من أمر وجدت الشارع الإسلامي ينهى عنه إلا رأيت المضرَّة فيه بارزة (20).
وهذا واضح جلي، في جرائم الحدود والقصاص، فأساس التجريم فيها واضح
________________________________________
(17)د. أحمد الريسوني، النص والمصلحة بين التطابق والتعارض، مجلة التجديد، عدد 182 ـ 23 يونيو 2001م، ص 17. نقلًا عن عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نص فيه، الكويت: دار القلم، ط ـ 1392هـ، ص 116.
(18)الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 221، عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، مقارناً بالقانون الوضعي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط13، 1994م، ج1، ص 609.
(19)أدب الدنيا والدين، ص 94 ـ 96.
(20)الشيخ محمد أبو زهرة، م.س.، ص 30.

[الصفحة - 95]


لأنها جميعها مفاسد، أمَّا جرائم التعازير فإن تحقيق المصلحة المعتبرة شرعاً هو أساس مشروعيتها، لأن الهدف منها هو الدفاع عن حقوق الأفراد ومصالح المجتمع المتنوعة.
الجريمة فسادٌ في الأرض
إنَّ الكون قائم على الحق والعدل، ولولا ذلك لأصابه الفساد وحلَّ به العدم، يقول عزَّ وجل: {وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه/50]، والعمران البشري إذا لم يقم هو كذلك على العدل والحق، تسرَّب إليه الفساد، وحلَّ به البوار، لذلك أرسل سبحانه وتعالى رُسله بالبيِّنات والشرائع لهداية البشر إلى الحق والعدل، كي تتم نعمه عليهم ويتحقَّق الهدف من استخلافهم في الأرض. لذلك، فتجريم بعض الأفعال والنهي الإلهي عن إتيانها ليس اعتباطياً، وإنما لكون إتيانها يؤدي إلى فساد العمران البشري، وهذا مناقض للحكمة الإلهية في الخلق والاستخلاف. وفي القرآن، نصوص كثيرة تنهى عن الفساد والإفساد في الأرض، وتشير صراحة إلى بعض جرائم الحدود والقصاص والتعازير(21) وتعدّها فساداً في الأرض، يقول عز من قائل: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}[الأعراف/85] ، ومعناه: ولا تفسدوا شيئاً في الأرض، فيدخل فيه المنع عن إفساد العقول بسبب شرب المسكرات، والنهي عن إفساد النفوس بالقتل، وقطع الأعضاء، والنهي عن إفساد الأنساب بسبب الزنا واللواط والقذف، والنهي عن إفساد الأموال بالغصب والسرقة، ووجوه الحيل في المعاملات، والنهي عن إفساد الدين بالكفر والبدعة (22).
ونهت الشَّريعة عن تخويف الناس وترويعهم في ديارهم أو أسفارهم، أو محاولة زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي، وعدَّت ذلك حرباً لله ورسوله وفساداً في الأرض، يقول سبحانه وتعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا...}[المائدة/33].
وخلاصة القول: إن المصلحة هي مناط التجريم والعقاب في آن واحد، فلا تجريم لفعل إلَّا إذا كان ضارَّاً، سواء حيال الفرد أم حيال المجتمع، ولا عقاب على فعل إلا إذا حقق تنفيذ هذا العقاب مصلحة للأفراد وللمجتمع على حد سواء (23).
________________________________________
(21)في القرآن، نجد القتل مرتبطاً بالفساد في الأرض، فعندما أخبر الله سبحانه وتعالى الملائكة بأنه سيجعل في الأرض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [البقرة/30]. وفي آية أخرى، يقول عز من قائل: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميع [المائدة/32]. وفي قصة إخوة يوسف نجدهم يردون بعد اتهامهم بالسرقة قائلين: قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين [يوسف/73]، فعدّوا السرقة فساداً في الأرض. ويقول عز وجل: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ، أي إذا تولى وصار ولياً أو سلطاناً على شيء جار وسعى في الأرض ليفسد فيها، ليقطع الرحم ويسفك الدماء..» انظر تفسير الآية في مختصر مجمع البيان، محمد باقر الناصري، بيروت: دار الزهراء، ط1، 1980م، المجلد 1، ص 133. وهناك إشارة إلى جريمة من جرائم التعازير وربطها بالإفساد في الأرض، وهي من الجرائم الاقتصادية يقول سبحانه وتعالى: أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين [الشعراء/191 و182 و183].
(22)عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، ج5، ص 48.
(23)د. عبد الرحيم صدقي، الجريمة والعقوبة في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 79.

[الصفحة - 96]


يقول أبو حامد الغزالي: «إن جلب المنفعة ودفع المضرَّة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشَّرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم وأنفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح، ومثاله قضاء الشَّرع بقتل الكافر المُفضل، وعقوبة المبتدع الداعي لبدعته، فإن هذا يفوت على الخلق دينهم، وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس، وإيجاب حد الشرب، إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف، وإيجاب حدِّ الزنا، إذ به حفظ النسب والأنساب، وإيجاب زجر الغصاب والسراق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش وهم مضطرون إليها.. وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزَّجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملَّة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق» (24).
والخلاصة: فالعقوبات الشَّرعية، سواء نُصَّ عليها أم تُرِكَت لأولي الأمر للنَّص عليها، إنما شُرِّعت لخدمة مقاصد الشريعة العامة والخاصة في الخلق والاستخلاف.
3 ـ إصلاح المجرم وتهذيبه: قلنا في ما سبق: إنَّ العقاب في الشريعة ليس مقصوداً لذاته، فليس هدف الشريعة الأساسي تعذيب العاصي أو المخطىء والانتقام منه على مخالفة أمر الشارع، وإنما هدفها الحقيقي ـ بالإضافة إلى تحقيق العدالة والمصلحة العامة والخاصة ـ إصلاح المجرم وتهذيبه، وهدايته ودفعه لسلوك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى كماله الرُّوحي والجسدي، لأن المنهج الربَّاني لا يأخذ الناس بالعقاب وحده، وإنما يرفع سيف القانون يصلِّته ليرتدع من لا يردعه إلَّا السيف، فأما اعتماده الأوَّل فعلى تربية القلب وتقويم الطبع وهداية الروح (25).
والعقوبة إنما هي جُزء مكمل في منهج إسلامي متكامل للتربية والتقويم والتهذيب. فالإيمان بالغيب وبالجنَّة والنار، وتشريع العبادات، من صلاة وصوم وزكاة وحج وغيرها من الواجبات، الهدف منه السموُّ بالإنسان المسلم نحو مراتب الكمال أو التقوى، لذلك يقول سبحانه وتعالى: { إن الصَّلاة تنهى عن الفحشاء }
________________________________________
(24)المستصفى، من علم الأصول، بيروت: دار الأرقم بن أبي الأرقم، (د.ت) ج1، ص 636 و637، وانظر: الموافقات للشاطبي، ج2، ص 8 و9.
(25)سيد قطب، في ظلال القرآن، ج6، ص 881.

[الصفحة - 97]


{ والمنكر} [العنكبوت/45]، وحول الصيام يقول عزَّ من قائل: {يا أيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلَّكم تتقون} [البقرة/183]، وعن فريضة الزكاة وأهميتها في تزكية النفس يقول سبحانه وتعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهِّرهم وتزكِّيهم بها} [التوبة/103]. وقد نصَّت الشريعة على مجموعة من التدابير لإبعاد الإنسان المسلم عن كل ما من شأنه أن يقرِّبه إلى المعصية أو يدفعه باتجاهها، وخصوصاً تهيئة الفضاء الاجتماعي النَّظيف والخالي من الدوافع ـ المباشرة وغير المباشرة ـ التي تجعل طريق المعاصي والجرائم سهلًا ميسَّراً، فالمجتمع الذي تحكمه شريعة الإسلام، لا يمكنه أن يسمح بفتح الخمَّارات ليرتادها العامة، أو يُنشى المصانع لإنتاج الخمور، أو يسمح بفتح دور للدعارة والقمار، أو يشرِّع أنظمة اقتصادية وسياسية غير عادلة، وبالتالي فالتدابير الوقائية والاحترازية التي نصت عليها الشريعة، إنَّما تصبُّ في الإصلاح والتأهيل، وهذا هو الأسلوب العلمي الناجع في معالجة الجريمة، واجتثاث جذورها من المجتمع ومن نفوس أفراده، كما يفعل الطبيب المعالج، فهو لا يكتفي بوصف الدواء لمريضه، وإنما ينهاه عن كل ما من شأنه إضعاف فاعلية الدواء، أو يؤدي إلى استفحال المرض، ما يحول دون علاجه وشفائه. أما إذا تمادى الإنسان المسلم في غيِّه واتبع هواه، واستمع لنداء الشهوات المحرَّمة، فهنا يأتي العقاب ليذكّره بأنه قد ظلم نفسه بتعدِّيه حدود الله، يقول سبحانه وتعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} [الطلاق/1]، فعليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والرجوع إلى الطاعة، فما من معصية أو جريمة إلا وفيها مضرَّة ومفسدة، لأنها ظلم إما للنفس أو للآخرين، والتوبة هي إصلاح لهذا الفساد أو الضرر الذي تسبَّب فيه الإنسان عندما أقدم على المعصية أو الجريمة.
من هنا تتبيَّن أهمية التوبة في الإسلام، وكونها وسيلة إصلاحية، تضع بين يدي المذنب أو العاصي إمكانية الرجوع بمحض إرادته إلى الطَّاعة والحق، وإصلاح ما أفسد، ومعالجة الضرر الذي تسبَّبت فيه جريمته وإرجاع الحقوق لأصحابها، يقول عز من قائل: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد وأصلح فإنه غفور رحيم} [الأنعام/54].
________________________________________

[الصفحة - 98]


وقد أجمع الفقهاء على كون التوبة سبباً لإعفاء المحارب من العقوبة أو لسقوط الحدّ عنه قبل القدرة عليه، استناداً لقوله تعالى في آية الحرابة {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة/33 و34]، وتوبة المحارب مُسقطة لحق الله، لكنها «لا تسقط حقوق الآدميين» (26). فما يجب عليه «من حقوق الآدميين وحدودهم، فلا يسقط كالقصاص والقذف وضمان الأموال» (27). والحكمة واضحة جلية في ذلك، لأن إسقاط حقوق الآدميين فيه مضرَّة بهم، وقد يدّعي مدَّع التوبة بعد الاعتداء على حقوق الآخرين فتضيع بذلك مصالحهم، لذلك رأى الفقهاء أنَّ من شروط التَّوبة الحقيقية إرجاع الحقوق إلى أصحابها وعدم التكرار، وغيرها من الشروط المعتبرة التي تكشف عن صدق التوبة وتؤكِّد أنها توبة نصوح.
أمَّا في غير هذا المورد، فقد اختلفوا في أثر التوبة، حيث ذهب الظاهرية والأحناف والمالكية وفريق من الشافعية والحنابلة إلى عدم اعتبار التوبة سبباً للإعفاء من العقاب (28)، ودليلهم أن الأمر الوارد في القرآن الكريم وفي السنة النبوية بتوقيع العقاب جاء عاماً، ولم يخص من هذا العموم من تاب، وقد أمر رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) برجم ماعز والغامدية وقطع السارق، وهؤلاء قد جاؤوا تائبين معترفين بذنوبهم، ومع ذلك وقَّع الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) عقوبة الحد عليهم، ويرى أصحاب هذا الرأي أيضاً أن العقوبة هي التي تزجر المجرم عن الجريمة، والقول بمنع العقاب بسبب التوبة يؤدي إلى إبطال العقوبات جميعها لأن كل مجرم لا يعجز عن ادعاء التوبة (29).
وذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما من الحنابلة، إلى أن التوبة تطهِّر من المعصية وتسقط العقوبة في الجرائم التي تمس حق الله، فمن تاب من جريمة، من هذه الجرائم، سقطت عقوبته إلا إذا رأى الجاني نفسه أن يتطهَّر بالعقوبة، فإنه إذا اختار أن يعاقب عوقب بالرَّغم من توبته (30).
أمَّا فقهاء المذهب الجعفري، فيرون كذلك أن التَّوبة مسقطة لحقوق الله، يقول
________________________________________
(26)العلامة شمس الدين محمد عرفة الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأبي البركات سيدي أحمد الدردير، بيروت: دار الفكر، ط1، 1998م، ج4، ص 542.
(27)محمد بن إدريس الحلي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ضمن سلسلة الينابيع الفقهية، إعداد علي أصغر مراويد، بيروت: مؤسسة فقه الشيعة والدار الإسلامية، ط1، 1990م، ج23، ص 275.
(28)ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص 382.
(29)د. محمد سليم العوا، في أصول النظام الجزائي الإسلامي، ص 114 و115.
(30)عبد القادر عودة، م.س.، ج1، ص 255 (مؤسسة الرسالة)، نقلًا عن أعلام الموقعين، ج2، ص 197 و198.

[الصفحة - 99]


الحلِّي: «وما يجب عليه ـ أي المحارب ـ من حدود الله التي لا تختص بالمحاربة كحد الزنا والشرب واللواط، فإنها تسقط عندنا بالتوبة قبل رفعه إلى الحاكم والقدرة عليه، وكذلك كل من وجب عليه حدٌّ من حدود الله تعالى، من شرب الخمر أو الزنا من غير المحاربين، ثم تاب قبل قيام البينة عليه بذلك، فإنها بالتوبة تسقط» (31).
وبغضِّ النَّظر عن اختلاف الفقهاء، فالنَّاظر إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة التي تحث على التوبة وترغب فيها (32)، يتأكد لديه أن الشريعة تفضل التوبة النَّصوح، النابعة من إرادة الإنسان ورغبته في إصلاح نفسه وتزكيتها والرجوع إلى الطريق المستقيم، ففي حديث رجم ماعز بن مالك الذي جاء الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وطلب منه أن يطهره بإقامة الحد عليه، نجد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول له: «ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه»(33)، لكن ماعز أصرَّ على أن يطهره الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بالحد، وكذلك فعلت الغامدية، وقد قال لها رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) : «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» (34)، لكنها أصرَّت هي الأخرى على تطهيرها بالحد، وقد كانت حُبلى بالزنا، فأرجأ رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) رجمها حتى وضعت حملها ووُجد من يكفله (35).
وروي عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، في حديث الزاني الذي أقر عنده أربع مرات، أنه قال لقنبر: احتفظ به، ثم غضب وقال: ما أقبح بالرَّجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ، أفلا تاب في بيته، فوالله لتوبته في ما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحد (36).
ومن الأدلَّة الأخرى على أن الشريعة تهتم بالتزكية والإصلاح أكثر من اهتمامها بالعقاب والأذى، أن المجرم الذي ثبت عليه الحد بالإقرار يجوز له أن يرجع عن إقراره، ورجوعه هذا يسقط عنه الحد، بالإضافة إلى الشُّبهات الكثيرة المانعة من الحد، يقول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) : «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلُّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطى في العفو خير من أن يخطى في العقوبة» (37). وفي القتل شُرِّعت الدِّية، ورغَّبت الشريعة في العفو، يقول سبحانه وتعالى في آية القصاص: {فمن عُفي له من أخيه شيء فاتِّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة/178] .
________________________________________
(31)محمد بن إدريس الحلي، السرائر، ضمن سلسلة الينابيع، ج23، ص 275. وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «السارق إذا جاء من قبل نفسه تائباً إلى الله عز وجل، ترد سرقته إلى صاحبها ولا قطع عليه». انظر الوسائل، ج28، ص 36. والسيد علي الطباطبائي رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، بيروت: دار الهادي، ط1، 1990م، ج10، ص 37.
(32)مثل قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم [الزمر/53]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى [طه/82]. وفي هذه الآية إشارة إلى بعض شروط التوبة التي يغفر الله بها الذنب، فقد قرن التوبة بالإيمان والعمل الصالح وسلوك طريق الهداية، لذلك من تكرر منه الفعل بعد ادعائه التوبة منه، لا يكون صادقاً في توبته، وكذلك الممتنع عن إرجاع الحقوق إلى أصحابها، كيف يدعي التوبة؟
(33)الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، المسمَّى المنهاج في شرح الجامع الصحيح، تحقيق د. مصطفى ديب بغا، دمشق: دار العلوم الإنسانية، ط1، 1997م، ج4 كتاب الحدود، ص 1769 و1770، ح1695.
(34)النووي، شرح صحيح مسلم، م.س.، ج4، ص 1771.
(35)المرجع نفسه، ج4، ص 1771.
(36)وسائل الشيعة، كتاب الحدود والتعزيرات، ج28، ص 36، ج34155.
(37)الجامع الصحيح، وهو سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن سورة، تحقيق أحمد محمد شاكر، بيروت: دار إحياء التراث العربي، (د.ت) ج4، ص 33، ح1424. والشبهة هي: «ما يشبه الثابت وليس بثابت»، انظر: الأردبيلي، فقه الحدود والتعزيرات، ص 90، نقلًا عن: الفقه على المذاهب الأربعة، ج5، ص 94، وعبد القادر عودة، م.س.، ج1، ص 209. والشبهات المانعة من إقامة الحدود كثيرة، وقد عددها فقهاء المذاهب الإسلامية في كتبهم الفقهية.

[الصفحة - 100]


وفي عقوبات جرائم التعازير، نجد أن الغاية من العقاب، في أغلب الموارد، هي الزجر، للتأديب والإصلاح، والتهذيب والتطهير، لأن ذلك سبيل إلى إصلاح الجاني، بتقويم نفسه وصقلها وغسلها من أدران الجريمة، حتى تكون هذه النفس الطاهرة بمنجاة عن محيط الإجرام، وتدخل في عداد الأنفس النافعة للمجتمع، وقد عرَّف الماوردي التعزير «بأنه تأديب على ذنوب لم يشرع فيها الحدود، ويختلف حُكمه باختلاف حاله وحال فاعله» (38)، وقوله: «يختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله» يعني أن للقاضي أو الحاكم الشرعي سلطة واسعة في تقدير العقاب بما يتناسب مع خطورة الجريمة، وشخصية المجرم. أو كما يقول الكاساني الحنفي «حسب الجناية وحال الجاني»(39). والراجح، عند فقهاء المذاهب، أن العقاب تعزيراً غير لازم، إلا إذا اقتضته المصلحة التي حدَّدتها الشريعة في مقاصد التعزير، بإصلاح الجاني وتأديبه، لتأمين عدم تكراره للفعل الجُرمي. وهذه المصلحة قد تكون، في كثير من الحالات، بعدم إلحاق أذى العقوبة بالفاعل، وهو ما تسعى الشريعة عموماً لعدم إلحاقه بالإنسان، إلا للضرورة التي تتطلبها المصلحة في إصلاح المجرم(40).
وعقوبات التعازير تسقطها التوبة كذلك، لأن التوبة النصوح تحقِّق الهدف من العقاب، والمتمثل في الرَّدع الخاص وعدم التكرار، لكن لا تمنع المساءلة المدنية المتمثِّلة في تعويض من أصابه الضَّرر من الجريمة أو في رد ملكه إليه (41). وكذلك العفو إذا اختاره القاضي، يسقط العقوبة المتعلِّقة بحقوق الله والجماعة، أمَّا حقوق الناس فلا تسقط إلا مع عفو المجني عليه، وتنازله عن حقه أو استيفائه (42).
وللتأكيد على أن هدف الشريعة هو الإصلاح والتهذيب، وليس الانتقام وإنزال العذاب، فقد أجاز الشفاعة في الحدود أكثر العلماء، ـ مع أنهم أجمعوا على تحريمها للأحاديث الواردة ـ، واشترطوا عدم بلوغ الحد الإمام، وألَّا يكون المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذى للناس، فإن كان لم يشفَّع. وأما المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا، لأنها أهون، ثم الشفاعة فيها مستحبَّة إن لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه (43).
والخلاصة: إن معيار العقوبة، في جرائم الحدود والقصاص، هو الجسامة
________________________________________
(38)الأحكام السلطانية والولايات الدينية، م.س.، ص 236.
(39)انظر: بدائع الصنائع، ج5، ص 525 و535.
(40)د. هلا العريس، شخصية عقوبات التعزير في الشريعة الإسلامية، ص 413.
(41)د. محمد سليم العوا، م.س.، ص 117.
(42)المعتمد في فقه الإمام أحمد: «وأما سقوط التعزير بعفو المجني عليه ففيه خلاف. قال القاضي في «الأحكام السلطانية»: ويسقط بعفو آدمي حقه وحق السلطنة، وفيه احتمال: لا، للتهذيب والتقويم» انظر: ج2، ص 419 و420.
(43)انظر: صحيح مسلم بشرح الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المسمى المنهاج شرح الجامع الصحيح، م.س.، ج4، ص 1760 و1761، وابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص 378.

[الصفحة - 101]


الذاتية للجريمة، ومدى خطورتها واعتدائها على مقاصد الشريعة المحمية، وهي النفس، والدين، والعقل، والنسل، والمال، لذلك فقد وضعت الشريعة لهذه الجرائم عقوبات مقدَّرة، ليس للقاضي أن ينقص منها أو يزيد عليها أو يستبدل بها غيرها، وما عليه إلَّا تطبيق العقوبة المقرَّرة، من دون نظر إلى رأي المجني عليه أو شخصية الجاني، وليس لولي الأمر أن يعفو عن الجريمة أو العقوبة(44). فإذا تحقَّقت شروط التجريم المعتبرة في الشريعة، ولم تكن هناك شبهة مسقطة للحد، وجب على القاضي أو ولي الأمر أن ينفِّذ حكم الله المنصوص عليه، وإن لم يفعل كان آثماً. والملاحظ أن الشريعة، في هذه الجرائم، أهملت شخصية المجرم، وقدَّمت حق الله وحق المجتمع، فعقوبة الزاني المحصن هي الرجم وإتلاف البدن، وفي السرقة قطع أصابع اليد، وفي جريمة القتل هناك القصاص إذا لم يعف وليُّ الدم، وفي جرائم الحرابة هناك عقوبات شديدة تجمع بين القتل والصلب والقطع، وجميع هذه العقوبات متلفة للبدن كلِّياً أو جزئياً.
أمَّا التعازير فإن الهدف منها هو تأديب الجانب وزجره، لجهة إصلاحه وتقويمه وتهذيب نفسه. لذلك، فإن «المقياس الذي يعتمده القاضي في اختيار العقوبة التعزيرية، هو قدرتها على تحقيق الإصلاح والتأديب والزجر، وبالتالي تعيين العقاب المناسب لكل مجرم، سواء في شخصه وظروفه أم في فعله الجرمي» (45). وبما أن الغرض منه الإصلاح والتهذيب والزجر، فقد رأى الفقهاء أن التوبة النصوح مسقطة للتعزير، وكذلك أجازوا للقاضي، أو ولي الأمر، العفو عن الجاني إذا تعلَّقت الجريمة بحقوق الله، أمَّا إذا تعلَّقت بحقوق الناس، فلا بدَّ من عفو المجني عليه، ورد الحقوق إلى أصحابها، وكذلك يسقط التعزير بالتقادم (46).
وإذا كان التَّوبة النَّصوح تسقط العقوبة، في الدُّنيا والآخرة، فإن تنفيذ العقوبة في الدنيا تكفير عن ذلك الذنب أو الجُرم الذي حُدَّ فيه أو عُزِّر، وتطهير يمحو عن الفرد مسؤولية الفعل المجرَّم، ويسقط عنه العقاب أو العذاب في الآخرة (47). لذلك ذهب أكثر العلماء إلى أن العقوبات زواجر وجوابر معاً، فإذا أقيمت في الدنيا كانت مكفِّرة للإثم، ولا عذاب على أهلها في الآخرة، وتكون العقوبات كفارات لأهلها (48).
________________________________________
(44)فقه العقوبات في الشريعة الإسلامية، د. محمد شلال العاني ود. عيسى العمري، ص 70.
(45)د. هلا العريس، م.س.، ص 418.
(46)يقول د. عبود السراج: «الاتجاه الغالب في التعزير هو شمول التقادم للجريمة والعقوبة، لأن جميع الأحكام المتعلقة بالتعزير، إنما تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، وولي الأمر هو الذي يقدر مواطن تحقيق هذه المصلحة، فإذا رأى تعليق سقوط التعزير على مضي مدة معينة يحقق مصلحة أو يدفع مضرة فله الصلاحية في ذلك، حقه في هذا يشبه حقه في العفو عن الجريمة أو العقوبة في التعزير، وحقه في الأخذ بالتقادم من باب أولى»، انظر التشريع الجزائي المقارن، ص 459.
(47)د. عبود السراج، التشريع الجزائي المقارن، ص 290.
(48)د. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية والأقضية والشهادات، ج4، ص 16 و17.

[الصفحة - 102]


عن حمران قال: سألت أبا جعفر (أي الإمام محمد الباقر (عليه السلام) ) عن رجل أقيم عليه الحد في الدنيا: أيعاقب في الآخرة؟ فقال: الله أكرم من ذلك (49).
4 ـ الرَّدع العام والخاص: اتفق فقهاء الشريعة على أنَّ العقوبات الشرعية، إنما شُرِّعت للإنزجار والردع العام والخاص، وقد مر بنا تعريف الفقيه الشافعي الماوردي للعقوبات الشرعية (الحدود) بأنها: «زواجر وضعها الله تعالى للرَّدع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر به... فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضيحة» (50)، كما عرَّف عقوبة التعزير بأنها: «تأديب على ذنوب لم يشرع فيها الحدود.. فيوافق الحدود من وجه، وهو أنه تأديب استصلاح وزجر» (51).
وهذا ما أكَّده كذلك ابن رشد بقوله: «الحد إنَّما وضع للزجر» (52) ويقول الكاساني الحنفي: «سمِّي هذا النوع من العقوبة حدَّاً لأنه يمنع صاحبه إذا لم يكن مُتلفاً، وغيره بالمشاهدة، ويمنع من يشاهد ذلك ويعانيه إذا لم يكن متلفاً، لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه لو باشر تلك الجناية فيمنعه ذلك من المباشرة» (53)، وهذا واضح جلي، فمن يحضر رجم الزاني أو جلده وما يتعرَّض له من عذاب ومهانة، لن يفكر في ارتكاب هذا الجرم أو الاعتداء على الحرمات، وإن فكَّر أو سوَّلت له نفسه اقتراف الفاحشة، فإنه ـ وخوفاً من السقوط في أيدي العدالة ـ سيتشدَّد في الاحتراز كي لا يطَّلع عليه أحد أو ينكشف أمره، وفي ذلك مصلحة كذلك، وهي التقليل من انتشار الفاحشة في المجتمع وشيوعها، لذلك أمر سبحانه وتعالى بأن يحضر العقاب في الزنا طائفة من الناس، يقول عز من قائل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم والآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور/2] (54). والنَّص، وإن ورد في حد الزنا ـ كما يقول الكاساني الحنفي ـ لكنَّ النص الوارد فيه يكون وارداً في سائر الحدود دلالة، لأن المقصود من الحدود جميعها واحد، وهو زجر العامة، وذلك لا يحصل إلا إن كانت الإقامة على رأس العامة، لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، والغُيَّب ينزجرون بإخبار الحضور، فيحصل الزجر للجميع (55).
________________________________________
(49)وسائل الشيعة، كتاب الحدود والتعزيرات، ج28، ص 14 (ح34098).
(50)الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 221.
(51)المصدر نفسه، ص 236.
(52)بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر (من دون تاريخ أو مكان النشر)، ج2، ص 364.
(53)بدائع الصنائع، ج5، ص 486.
(54)يقول الحلي: «وإذا أريد إقامة الحد على الزاني بالجلد أو الرجم، فينبغي للإمام أن يعلم الناس للحضور، فإن في ذلك انزجار عن مواقعة مثله ولطفاً للعباد، ثم يحد بمحضر منهم لينزجروا، ولا يحضر عند إقامة الحد على الزاني إلا خيار الناس، وروي: إن أقل من يحضر واحد، وهو قول الفراء من أهل اللغة فإنه قال: الطائفة يقع على الواحد... وأقل ذلك عشرة، وبه قال الحسن البصري، وقال ابن عباس: أقله واحد، وروى ذلك أصحابنا، وقال عكرمة: اثنان، وقال الزهري: ثلاثة، وقال الشافعي: أربعة» انظر السرائر، م.س.، ص 231، والأردبيلي فقه الحدود، 348 وابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ص 366، والسيد سابق، فقه السنة، ج2، ص 380.
(55)بدائع الصنائع، ج5، ص 529، وقد ذكر أهداف أخرى مهمة بحضور الناس إقامة الحدود يقول: «وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له، لأنه لو جاز لمنعه الناس عن المجاوزة، وفيه أيضاً دفع التهمة والميل، فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد عليه بلا حرم سبق منه»، انظر: م.ن.، ص 529 و530. ود. وهبة الزحيلي، العقوبات الشرعية، ج4، ص 35، والسيد سابق، فقه السنة، ج2، ص 319.

[الصفحة - 103]


والنَّاظر إلى شروط تطبيق حد الزنا (الرجم أو الجلد) في الشريعة، يلاحظ أن هذه الشروط لا يمكن تحقُّقها إلا نادراً، أي أربعة شهود رأوا الفعل مباشرة «كالميل في المكحلة». لذلك فشدة العقوبة «قُصد بها الزجر والردع والإرهاب أكثر مما قصد بها التنفيذ والفعل»، ولأجل ذلك أوجب الله، سبحانه وتعالى، حضور طائفة من المؤمنين عقوبة الحد التي سمَّاها عذاباً.
وكذلك جريمة السرقة، فقد شُرِّعت لها عقوبة قاسية وهي القطع، «ليكون أبلغ في الزجر عنها»، كما قال القاضي عياض (56)، ومثلها عقوبات القذف والبغي والحرابة، جميعها عقوبات زاجرة شديدة ورادعة، يقول ابن نجيم: «والتحقيق أنَّ الحدود موانع قبل الفعل، زواجر بعده، أي العلم بشرعيها يمنع الإقدام على الفعل وإيقاعه بعده يمنع من العود إليه، فهي من حقوق الله تعالى، لأنها شُرِّعت لمصلحة تعود إلى كافة الناس، فكان حكمها الأصلي الانزجار عما يتضرر به العباد، وصيانة دار الإسلام عن الفساد، ففي حد الزنا صيانة الأنساب، وفي حدِّ السرقة صيانة الأموال، وفي حد الشرب صيانة العقول، وفي حد القذف صيانة الأعراض» (57).
وقد ثبت، في الماضي والحاضر، أن المجتمع الذي يُطبِّق شريعة الله، ويَحْرِصُ أولو الأمر فيه على تنفيذ العقوبات الشرعية (حدود، قصاص، تعازير)، كما نصَّت عليها الشريعة، هذا المجتمع تتقلص فيه ظاهرة الجريمة إلى حدود دُنيا، لأن الشريعة سلكت في طريقها لعلاج الجريمة مسلكاً جمعت فيه بين العلاج الجذري والحقيقي لدوافع الإجرام الذاتية (أي في النفس البشرية) والموضوعية (الواقعية)، وبين تشريع العقاب الشديد والرادع.
الخلاصة: يمكن القول: إنَّ الشريعة الإسلامية قد احتضنت جميع مسوِّغات العقاب وأهدافه التي كشفت عنها المدارس العقابية الحديثة والمعاصرة؛ فالعقاب في الشريعة يحقق العدالة، والردع بنوعيه الخاص والعام، وإصلاح المجرم وتأهيله، بالإضافة إلى التكفير، مع أسبقية الشريعة الزمنية، والاختلاف في مفهوم هذه الأهداف، فالعدالة التي تحقِّقها العقوبة في الشريعة هي العدالة المطلقة، لأن الله سبحانه وتعالى ـ العادل والعالم بما يصلح الإنسان ويضرُّه ـ هو الذي شرَّعها وفرضها، أما العدالة الوضعية فهي عدالة نسبية، لا تخلو من محاباة أو مراعاة
________________________________________
(56)صحيح مسلم بشرح النووي، م.س.، ج4، ص 1757.
(57)البحر الرائق، ج5، ص 3.

[الصفحة - 104]


لمصلحة معينة، سواء تمثلت في مصلحة مشرِّعيها أم غيرهم، كما أن العقل الإنساني قاصر عن الوصول إلى العدالة المطلقة، إلا إذا استعان بالوحي أو العلم الإلهي.
أمَّا بالنسبة للردعين الخاص والعام، فإن مسلك الشريعة، في تشريع عقوبات رادعة وزاجرة لجرائم الحدود والقصاص، وإعطاء القاضي أو الحاكم الشرعي سلطة تشريع عقوبات زاجرة كذلك في جرائم التعازير، هذا المسلك أثبت نجاعته وقدرته على مواجهة الجريمة والقضاء عليها أو تخفيفها إلى مستويات دُنيا. وتتميز الشريعة بمنهجها الخاص بإصلاح الجاني وتأهيله، فهي لم تكتف بالعقوبة، بل جعلتها جزءاً من بَرْنامج تربوي إصلاحي شامل ومتكامل، هدفه تزكية النفس والارتقاء بالروح إلى معالي الفضيلة والسمو، وشرَّعت التوبة والعفو لخدمة هذا الإصلاح والتأهيل والترغيب فيه، وبالتالي عالجت الجريمة من جذورها، باجتثاث هذه الجذور وقلعها من النفس البشرية، ومن الواقع الاجتماعي، وأخيراً عدَّت العقاب الدنيوي كفَّارة لمن يُوقَّع عليه.
أمَّا بخصوص المنفعة أو المصلحة التي يحققها العقاب في الشريعة، فهي حمايته للمصالح الإنسانية الحقيقية، التي حددتها الشريعة ومقاصدها، والمتمثلة في الدفاع الاجتماعي ضد الجريمة أو الفساد في الأرض، وحماية الفضيلة والأخلاق، وبالتالي المحافظة على مقصود الشرع في الخلق، وقد تفرَّدت الشريعة الإسلامية بتشريع العقاب الأخروي، وقد أوضحنا أهمية هذا العقاب في تحقيق العدالة المطلقة، والردع العام والخاص، لأن الجاني يعلم أنه سيلقى جزاءه في الآخرة، وأنه إذا أفلت من العقاب الدنيوي فلن يتمكن من الإفلات من هذا العقاب. وبشكل عام، فالنَّاظر إلى التجريم والعقاب معاً في الشريعة، سيجد أن الغاية منهما هي إصلاح الإنسان والمجتمع، وهدايتهما إلى الطريق المستقيم الذي رسمته الشريعة، والمفضي بالإنسان إلى السعادة في الدارين، وما العقاب إلا جزء من برنامج الشريعة وخطتها للإصلاح والهداية (58)، لذلك روي عن رسول الإسلام (صلي الله عليه و آله و سلم) قوله: «حدٌّ يعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً» (59) ولهذا السبب نهت الشريعة عن الشفاعة في الحدود أو عدم تنفيذ العقوبات الإسلامية الرَّادعة، رحمة بالجناة والمجرمين، فالرحمة الحقيقية بالإنسان والمجتمع هي في تنفيذ الأحكام
________________________________________
(58)لقد ثبت، من خلال القصص القرآني، أن العقاب أو العذاب الذي حل بعدد من الأمم والمجتمعات، جاء في آخر المطاف، بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب والمعجزات الكثيرة التي تجعل الناس يتأكدون من أن الرسل والأنبياء هم من عند الله، وعندما تبلغ هذه المجتمعات أو الأمم أعلى درجات الانحراف والطغيان والفساد في الأرض يأتي العقاب، وفي قصة قوم نوح مثال على ذلك: يقول سبحانه وتعالى: قال ربي إني دعوت قومي ليلًا نهاراً، فلم يزدهم دعائي إلا فراراً، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبار [نوح/5 ـ 7]، ولما يئس من صلاحهم وإيمانهم دعا عليهم، فحل بهم العقاب المعروف أي الطوفان.
(59)وسائل الشيعة، ج28، ص 12، وروي عن أبي ابراهيم في قول الله عز وجل: يُحيي الأرض بعد موته[الروم/30] قال: «ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالًا فيحيون العدل، فتحيا الأرض لإحياء العدل، ولإقامة الحد فيه أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً» ج28، ص 12، ح34094.

[الصفحة - 105]


الإلهية، لذلك عدَّ سبحانه وتعالى القصاص حياة: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}[البقرة/179] (60).
وعليه، فالحياة، بمفهومها الشامل، الدالّ على الاستمرارية والبقاء، بصحة وعافية، لتحقيق أهداف الخلق والاستخلاف، هي الغايات القصوى والأهداف الكبرى للشريعة الإسلامية وأحكامها وقوانينها المنظمة للعمران البشري.
________________________________________
(60)يقول الطبرسي: في قوله تعالى: في القصاص حياة ، قولان، أحدهما: إن معناه في إيجاب القصاص حياة، لأن من هَمَّ بالقتل فذكر القصاص ارتدع، فكان ذلك سبباً للحياة، والثاني: إن معناه لكم في وقوع القتل حياة، لأنه لا يقتل إلا القاتل دون غيره، بخلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية الذين كانوا يتفانون بالطوائل أي بالعداوات والمعنيان جميعاً حسنان، ونظيره من كلام العرب: «لقتل أنفى للقتل». انظر: مجمع البيان في تفسير القرآن، مجلد1، ص 491.

[الصفحة - 106]