البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

النَّصّ القرآني وتناقضات الخلاف المذهبي التَّحريف أنموذجاً

الباحث :  د. فتح الله النجّار
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1481
النَّصّ القرآني وتناقضات الخلاف المذهبي
التَّحريف أنموذجاً

د. فتح الله النجّار (*)

مــدخــــل
يحاول بعض الباحثين اتهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن، وهذا اتّهام ـ عندما يقع في جوّ مدافعة ـ لا يسفر لا عن تبرئة الشيعة ولا السنة، وإنما فقط، وفقط، عن اتّهام القرآن نفسه، وتقديم مستمسك غني للمستشرقين وأمثالهم للطعن بسلامة هذا الكتاب الإلهي المقدّس، ومن ثم إسقاطه عن مكانته المعرفية والقيمية التي يمتلكها بجدارة.
وعلى هذا الأساس، نرى من واجبنا البحث في مختلف الإشكاليات التي تمسّ صيانة القرآن من التحريف والتلاعب، متعالين عن أي نزعة مذهبية محدودة أو غرض طائفي بغيض، ومعتقدين بأن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يخدم التشيّع والتسنّن، ومن ثم الإسلام كله.
ومن هنا، سوف نتناول، في هذه المقالة، بالنقد والمناقشة الإشكاليات التي أثارها بعض العلماء المسلمين من الداخل الشيعي في هذا المجال، وهو المحدّث حسين النوري (رحمه الله تعالى) في كتابه فصل الخطاب مع تقديرنا للجميع واحترامنا لهم، وعبر هذه الطريقة نكون قد أكدنا للجميع أننا لا نوافق على ما ذهب إليه بعض علمائنا من القول بتحريف القرآن، وأنَّنا نرى أن ذهاب بعض الباحثين،
________________________________________
(*)باحث متخصّص في العلوم القرآنيَّة

[الصفحة - 219]


وعددهم قليل، من علماء الشيعة، إلى هذا القول لا يعني اتّهام هذا المذهب العظيم به، تماماً كما هي الحال مع بقية الفرق الإسلامية.
فصل الخطاب في سطور
كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب» من مؤلّفات الميرزا حسين النوري (ت 1320هـ.ق.)، وهو كتابٌ مرتّبٌ على ثلاث مقدمات وبابين، وقد تحدّث النوري، في المقدمة الأولى، عن النصوص الواردة في جمع [تأليف] القرآن، وأن هذا الجمع مخالف لتأليف مصحف الإمام علي، كما تحدّث في المقدمة الثانية عن أنواع التغيير في القرآن، سواء في ذلك الممكن تحقّقه أو الممتنع كذلك، أمّا المقدمة الثالثة فذكر الميرزا النوري فيها جملة من أقوال علماء الشيعة الواردة في مسألة تغيير القرآن وعدمه.
وعقب المقدَّمات الثلاث، خصّص النوري الباب الأول من كتابه لعرض الأدلَّة ـ وهي اثنا عشر دليلًا ـ لإثبات ما توهّمه من وقوع التغيير والنقصان في القرآن الكريم، فيما ركّز، جهوده، في الباب الثاني، على مناقشة أدلَّة القائلين بسلامة القرآن من التحريف بعد ذكرها دليلًا دليلًا.
وقد أورد المحدّث النوري، في كتابه، هذا نصوصاً عديدة من كتب الفريقين الشيعة والسنّة؛ ففيما ذكر جملةً من الروايات المشتركة، كروايات تشابه الأمم، ومصحف الإمام علي و...، سجّل، في هذا الكتاب، نصوصاً اختصَّت بها مصادر أهل السنة كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبي بن كعب، والنصوص المتعلِّقة بكيفية جمع القرآن بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، ونظرية نسخ التلاوة، وجمع عثمان، واختلاف القرَّاء السبعة أو العشرة، والأخبار الدالَّة ـ وفاقاً لظاهرها ـ على وقوع التحريف... كما تعرّض من جهةٍ أخرى لمجموعةٍ من النصوص التي اختصّت بها، من ناحية أخرى، مصادر الشيعة من قبيل النصوص التي تذكر أسماء أوصياء خاتم النبيين في الكتب السالفة، والأخبار الدالَّة على وقوع النقصان والتبديل في القرآن، إمّا بعمومها أو بدلالة نصِّية صريحة فيها تحدد الموضع الذي وقع فيه التحريف في القرآن الكريم.
________________________________________

[الصفحة - 220]


وقد انتخب النوري، في كتابه، طريقاً لم يسلكه غيره من العلماء، ولذلك، ولمّا رأى انفراده بهذه المزعومات، قال:
«فالمتّبع هو الدليل، وإن لم يذهب إليه إلّا القليل... ولا يجب أن يوحش من المذهب قلة الذاهبين إليه، والعاثر عليه، بل ينبغي أن لا يوحش منه...» (1).
بيد أنَّ هذا الكلام منه قابلٌ للمناقشة، فكتابه محشوّ بالروايات الضعيفة، وبتلك المصادر التي لا إسناد لها في الغالب، ومن ثمّ فلا معنى لقوله «فالمتّبع هو الدليل».
نعم، إذا بنينا على اتباع الدليل الواقعي، فالواجب علينا اتباع أدلّة القائلين بعدم وقوع التحريف في القرآن؛ أي تلك الأدلّة التي ذكرها المحدث النوري نفسه أيضاً في الباب الثاني من كتابه، ووقف عاجزاً عن الإجابة عنها لقوّتها ومتانتها، وكل ما قاله في نقد هذه الأدلّة المتينة ليس له وزن تحقيقي، بل إن كلامه يناقض بعضه بعضاً كما سيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى في النقاط الآتية:
النقطة الأولى: نظرة إجمالية للأسئلة الإشكاليَّة المثارة وأجوبتها
سوف نسعى، في هذه النقطة، إلى بيان تلك الإشكاليات التي أثارها المحدّث النوري مردفينها بمناقشات وإجابات موجزة ومقتضبة، مهيبين بالقرّاء الأعزَّاء الراغبين في المزيد من التفصيل والتَّعمُّق العودة إلى الكتب العديدة المختصّة بمعالجة قضية التحريف في القرآن الكريم، لا سيما منها تلك المعنيَّة بالردّ على كتاب فصل الخطاب نفسه، والتي سنشير إلى فهرس بعضها في النقطة الرابعة الآتية إن شاء الله تعالى.
ففي المقدمة الأولى، تحدث الميرزا النوري عن مصحف الإمام علي (عليه السلام) الذي ورثه الأئمّة المعصومون (عليهم السلام)، وقد درسنا هذا المصحف في مكان آخر بشكل مفصّل.
أمّا المقدِّمة الثانية، فقد تعرّض فيها المحدّث النوري لأنواع التحريف وأشكاله مميّزاً ـ حسب زعمه ـ بين أشكال التحريف التي تعرّض لها القرآن الكريم وتلك التي كان مصوناً منها، يقول الميرزا النوري، في هذا الصَّدد، ما نصّه:
________________________________________
(1)فصل الخطاب، ص 35.

[الصفحة - 221]


«إنّ زيادة السورة وتبديلها بأخرى أمر ممتنع، وزيادة آية على القرآن أو تبديل آية بأخرى، هو أيضاً منتف بإجماع، أمّا زيادة كلمة، في القرآن، فأمر ممكن كزيادة «عن» في قوله تعالى:{يسألونك عن الأنفال...}
ونقصان كلمة في القرآن ككلمة «في علي» في كثير من الآيات وتبديل الكلمات، مثل تبديل آل محمد، بآل عمران وتبديل حرف وكنقصان «همزة» من قوله تعالى: {كنتم خير أمّة...} (2).
أقول: إنّ زيادة كلمة «عن» في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال...)، قراءة واردة بإجماع الفريقين (3)، وليست من التحريف في شيء كما زعم النوري، كما أنها ليست من وحي الشيطان كما ادَّعى الدكتور القفاري وغيره (4)، وزيادة «في علي» أو غيره ـ إن صحّت أسانيد النصوص التي جاءت فيها هذه القضية ـ إنما هي من باب الإقراء والتفسير، وبيان النزول، أو مورده، كما أن الشواهد على هذا الأمر من كتب الفريقين كثيرةٌ هي الأخرى، وسوف نفصّل القول إن شاء الله في قضية تبديل آل محمد بآل عمران، وخير أئمّة، بخير أمّة، وسيرى القارى الكريم أن هذه الحالات لا علاقة لها بما ادعاه المحدِّث النوري على الإطلاق، بل إنها ليست سوى تفسير وبيان لأتم المصاديق، فالقرآن الموجود اليوم ما بين الدفتين هو الذي أنزله الله تعالى على رسولنا محمّد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، لا يزيد على ذلك ولا ينقص، وذلك للأدلة القطعية على سلامته من الدسّ والتحريف.
أمّا المقدمة الثَّالثة، فقد عقدها النوري لذكر أقوال علماء الطائفة في تغيير القرآن وعدمه.
وقد تبيَّن لنا، من استعراض أقوال علماء الشيعة بنصوصهم الحرفية، في هذا الموضوع، أن الإمامية تجمع بعلمائها على القول بصيانة القرآن من التحريف والتزوير، والإشكالية التي وقع فيها المحدّث النوري تكمن في نسبته القول بتحريف القرآن إلى أصحاب الكتب الروائية والحديثية، وتلك التي تُعنَى بالتفسير بالمأثور، والحال أن مهمّة هؤلاء العلماء إنما كانت تقتصر على جمع الأحاديث ليس إلَّا، من دون أن تلج غمار البحث في فقه الروايات وعلاج التعارض الواقع في ما بينها و...
________________________________________
(2)نفسه، ص 23.
(3)جامع البيان للطبري، ج2، ص 176 والتبيان للشيخ الطوسي: ج5، ص 86، وانظر تفصيله في المقام الثاني، مبحث «وقفة قصيرة مع الدكتور القفاري»، بحث «إتمام مفضوح».
(4)أصول مذهب الشيعة، ص 1011 وص 1007، الهامش رقم 2.

[الصفحة - 222]


من أمثال علي بن إبراهيم القمّي، ومحمّد بن يعقوب الكليني، ومحمّد بن إبراهيم النعماني، ومحمد بن مسعود العياشي، وفرات الكوفي و... وبداهةً، فإن هذا الأمر لا يختص بكتب التفسير بالمأثور أو بكتب الحديث عند الشيعة بخاصَّة.
وعلى أية حال، فقد تعرّض المحدث النوري، في الباب الأول، لما أثاره من إشكاليات وأدلة على إثبات ما توهَّمه من التحريف وهي:
الإشكالية الأولى: تشابه الأمم
قال النُّوري: «إنّ اليهود والنصارى غيَّروا وحرَّفوا كتاب نبيهم بعده، فهذه الأمّة أيضاً لا بد وأن يغيروا القرآن بعد نبينا صلّى الله عليه وآله، لأنّ كل ما وقع في بني إسرائيل لا بد وأن يقع في هذه الأمّة على ما أخبر به الصادق المصدّق صلوات الله عليه...» (5).
والجواب عن ذلك:
أولًا: إنّ هذا الدليل لو تمّ، لكان دالًّا على وقوع الزيادة في القرآن أيضاً كما وقعت في التوراة والإنجيل، ومن الواضح بطلان ذلك.
ثانياً: إنّ كثيراً من الوقائع التي حدثت، في الأمم السابقة، لم يقع مثلُها في هذه الأمّة، كعبادة العجل، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير، وغير ذلك مما لا يسعنا إحصاؤه، وهذا أدلّ دليل على عدم إرادة التشابه في جميع الجهات، فلا بدّ من إرادته في بعض الوجوه.
ثالثاً: يكفي لتشابه هذه الأمّة في وقوع التحريف في كتابها، عدم اتباعهم لحدود القرآن، وإن أقاموا حروفه، أي تفسيرهم له برأيهم، كما كانت الحال في التحريف على مستوى العهدين؛ حيث تم تحريفهما تحريفاً معنوياً وتفسيرهما تفسيراً على غير وجهه.
رابعاً: إن كان المقصود من المشابهة إرادة التشابه في تمام الجهات، إذاً، فتلك الرِّوايات مخالفة لأدلّة سلامة القرآن من التحريف؛ فلا بدّ من تأويلها أو استثناء تحريف ألفاظ القرآن منها (6).
________________________________________
(5)فصل الخطاب، ص 35، وقد ورد في الروايات من طريقي الشيعة والسنة: إنّ كل ما وقع في الأمم السابقة لا بد ومن أن يقع مثله في هذه الأمّة. انظر: صحيح الترمذي، باب ما جاء لتركبن سنن من قبلكم، ج9، ص 26، وبحار الأنوار: باب افتراق الأمة بعد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على ثلاث وسبعين فرقة، ج8، ص 4.
(6)لمزيد من التفصيل في هذه المزعومة من مزعومات المحدث النوري يراجع: كشف الإرتياب في عدم تحريف كتاب ربّ الأرباب، ص 164، الحجة على فصل الخطاب في إبطال القول بتحريف الكتاب، ص 75، البيان في تفسير القرآن، ص 220 ـ 222، صيانة القرآن عن التحريف، ص 151.

[الصفحة - 223]


الإشكالية الثانية: كيفية جمع القرآن
قال النوري: «إنّ كيفية جمع القرآن وتأليفه [بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ] مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه...» (7).
إنّ هذه الشبهة مبنيَّة على صحة الأحاديث الواردة في كيفية جمع القرآن بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، لكن يستفاد من الأدلّة القطعية والشواهد الكثيرة أنّ القرآن كان مجموعاً أيّام حياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق في آياته وكلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان ولا تبديل ولا تغيير.
وقد بحث جملةٌ من علماء الشيعة هذا الموضوع، قديماً وحديثاً، وحقَّقوا ما يتعلّق به من الرِّوايات المختصّة بجمع القرآن الكريم أيضاً (8).
ونحن نكتفي، هنا، بذكر ما أورده السيد الخوئي في المقام إجمالًا، حيث ذكر (رحمه الله) إحدى وعشرين رواية من روايات جمع القرآن من صحاح أهل السنة ومسانيدهم. وبعد التفقّه فيها، وصل إلى هذه النتيجة وهي: إنّ تلك الروايات متناقضة تناقضاً داخلياً في ما بينها، وسجّل السيد الخوئي اثني عشر مورداً من موارد التناقض هذا عند مقايسة بعضها مع بعض، كما لاحظ تعارضها مع الكتاب ومخالفتها حكم العقل والإجماع (9)، وبعد الاستدلال وتفصيل الكلام في هذه الموارد جميعها، قال (قده) في نهاية المطاف:
«وخلاصة ما تقدّم، إنّ إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أمر موهوم مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل، فلا يمكن القائل بالتحريف أن يستدل به على دعواه، ولو سلّمنا أنّ جامع القرآن هو أبو بكر في أيّام خلافته، فلا ينبغي الشك في أنّ كيفيّة الجمع المذكورة في الروايات المتقدمة مكذوبة وأنّ جمع القرآن كان مستنداً إلى التواتر بين المسلمين، غاية الأمر أن الجامع قد دوّن في المصحف ما كان محفوظاً في الصدور على نحو التواتر» (10).
وعليه، تنتفي إشكالية النوري انتفاءً موضوعياً بل ـ كما قال السيّد الخوئي نفسه ـ إنّ هذه الروايات لو صحّت وأمكن الاستدلال بها على التحريف من جهة النقص، لكان اللازم على النوري أن يقول بالتحريف من جهة الزيادة أيضاً، لأنّ
________________________________________
(7)فصل الخطاب، ص 97.
(8)من القدماء كالشريف المرتضى (ت/ 436ق) في كتابه: «الذخيرة في علم الكلام»، ص 364 و365، وابن شهرآشوب (ت/ 588ق) في مثالب النواصب المخطوط: الورق 468 من نسخة لكنهو 471 من نسخة سپهسالار، وحديثاً شرف الدين العاملي (ت/ 1381ق.) في أجوبة مسائل جار الله، ص 25، وجعفر مرتضى العاملي في حقائق هامة حول القرآن الكريم، ص 20 ـ 50.
(9)انظر البيان، ص 239 ـ 257.
(10)المصدر نفسه، ص 257.

[الصفحة - 224]


كيفيّة الجمع المذكور ـ على حد زعم النوري ـ تستلزم ذلك، والقول بالزيادة خلاف إجماع المسلمين، كما اعترف به النوري نفسه قائلًا: زيادة الآية وتبديلها منتفيان بالإجماع (11)..
الإشكالية الثالثة: منسوخ التلاوة وبطلانها
قال النُّوري: «إنّ أكثر العامة وجماعة من الخاصة ذكروا، في أقسام الآيات المنسوخة، ما نسخت تلاوتها دون حكمها وما نسخت تلاوتها وحكمها معاً... وحديث إنّ نسخ التلاوة غير واقع عندنا، فهذه الآيات والكلمات لا بدّ أن تكون مما سقطت أو سقطوها من الكتاب جهلًا أو عمداً لا بإذن الله ورسوله وهو المطلوب» (12).
والجواب عن ذلك:
أولًا: لا يوجد، في الرِّوايات الخاصة (الإمامية)، آية منسوخة التلاوة إلّا آية الرجم، وهي خبر واحد سنداً، معارض للروايات الأخرى متناً.
ثانياً: إنّ نظرية نسخ التلاوة من دون الحكم، أو مع الحكم، سراب لا واقعية له، كما اعترف به بعض علماء أهل السنة قديماً وحديثاً، وفنّدها هؤلاء بأدلّة قويمة، لكن هذا لا يعني أنّ تلك الآيات والكلمات المنسوخة مما سقط أو كان سقوطه من الكتاب جهلًا أو عمداً، بل إنّ الروايات التي حملت هذه المضامين نفسها ساقطة لا ينبغي الركون إليها، كما حقق في محلّه.
الإشكالية الرابعة: مصحف الإمام علي (عليه السلام) ومخالفته لهذا القرآن
قال النوري: «إنّه كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) قرآناً مخصوصاً جمعه بنفسه بعد وفاة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ... وهو مخالف لهذا القرآن الموجود من حيث التأليف وترتيب السور... ووجود الزيادة فيه من نفس القرآن حقيقة لا من الأحاديث القدسية ولا من التفسير والتأويل...» (13).
وبدورنا، ونظراً للأهمية التي تحظى بها دراسة هذا المصحف، والاهتمام
________________________________________
(11)فصل الخطاب، ص 23.
(12)نفسه، ص 95.
(13)نفسه، ص 120.

[الصفحة - 225]


الزائد الذي أبداه ويبديه الآخرون إزاءه على صعيد نقد الشيعة وموقفهم منه، عالجنا هذا المصحف وبشكل مفصل في دراسة منفصلة، وخرجنا بنتائج أثبتنا من خلالها الأمور الآتية:
أولًا: إن أصل وجود هذا المصحف أمرٌ ثابت وفاقاً لمستندات الطرفين السنّة والشيعة ومصادرهما.
ثانياً: إن التَّفاوت الحاصل ما بين مصحف الإمام علي (عليه السلام) والمصاحف الموجودة بين أيدينا إنما يكمن في ترتيب السور وشرح الآيات وتفسيرها.
ثالثاً: إن الزيادة الواقعة في مصحف الإمام علي (عليه السلام) إنما هي من نوع التفسير والتأويل ليس إلّا.
رابعاً: إن الشبهات والاتهامات التي أثارها ويثيرها الآخرون في شأن هذا المصحف ليست سوى جهل أو عناد.
الإشكالية الخامسة: مصحف عبد الله بن مسعود ومخالفته للمصحف الموجود
قال النوري: «إنّه كان لعبد الله بن مسعود مصحف معتبر فيه ما ليس في القرآن الموجود مستلزم لعدم مطابقته لتمام ما نزل على النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إعجازاً...» (14).
ثم يذكر المحدّث النوري موارد كانت موجودة في مصحف عبد الله بن مسعود، بيد أنها غير موجودة اليوم في ما بأيدينا من مصاحف، معقباً ذلك بالإقرار بـ: «إن تلك الأخبار أكثرها ضعاف وكون بعضها من طرق أهل السنة» (15).
أولًا: إن اختلاف مصحف ابن مسعود مع سائر المصاحف إنما كان في قراءته الزيادة التفسيرية أحياناً، وتبديله كلمات غير مألوفة إلى نظيراتها المألوفة لغرض الإيضاح، وهذه المسألة تصبح مستساغة حينما نرجع إلى الأبحاث التي تتعلق بمفردات من قبيل «إقراء»، «تنزيل» و «تأويل»، وكذلك حينما نراجع المستندات التي تحكي عن أن الصحابة كانوا يقومون بشرح الآيات القرآنية في مصاحفهم ـ كما يشير إليه ابن الجوزي في قوله: «كانوا [أي الصحابة] ربما يدخلون التفسير في القراءة إيضاحاً وبياناً لأنّهم محققون لما تلقوه عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قرآناً، فهم آمنون من
________________________________________
(14)نفسه، ص 135.
(15)لقد نقل المحدث النوري سبعة وعشرين مورداً عن مصحف ابن مسعود، تسعة عشر منها من كتب أهل السنة وثمانية منها من كتب الشيعة، انظر المصدر نفسه، ص 136 ـ 139.

[الصفحة - 226]


الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه» (16) ـ وإذا لم يكن الأمر كما قلناه آنفاً ـ بل كان الاختلاف على صعيد القرآن نفسه والآيات القرآنية ـ فإن هذا الاختلاف الحاصل بين مصحف ابن مسعود وبقية المصاحف يستدعي تجاهل مصحف ابن مسعود نفسه وردّه، من دون الأخذ به نظراً إلى كونه من أخبار الآحاد، فيما القرآن الذي بين أيدينا إنما نقل لنا بالتواتر، وهذا يعني معارضة مصحف ابن مسعود مع الأدلَّة القطعية التي دلّت على سلامة القرآن من التحريف.
ثانياً: لقد أنكر ابن مسعود ـ كما يزعم وفاقاً لمصادر أهل السنة ـ قرآنية المعوذتين بزعم أنّهما معوذتان لا أكثر، ولم يثبت سورة الفاتحة في مصحفه نظراً لكونها عدل القرآن لا منه، لكن ذلك منه لا ينم عن قصدٍ لتحريف الكتاب، بل إن الإمامية متفقون على بطلان موقفه هذا على كل حال.
الإشكالية السادسة: مصحف أبي بن كعب ومخالفته للمصحف الموجود
قال النوري: «إنّ هذا المصحف الموجود غير شامل لتمام ما في مصحف اءُبي بن كعب، فيكون غير شامل لتمام ما نزل إعجازاً لصحة ما في مصحف اءُبيّ واعتباره» (17).
حصيلة ما أثاره المحدث النوري، هنا، هو:
أولًا: إنّ هذا المصحف الموجود غير شامل لتمام ما في مصحف اءُبيّ بن كعب.
ثانياً: إنّ ما في مصحف اءُبيّ معتبر.
لقد اشتمل مصحف اءُبيّ على دعاءَي القنوت، وقد حسبهما سورتين، سورة الخلع وسورة الحفد، وكانت له زيادات تفسيرية وقراءات واردة على غرار زيادات مصحف ابن مسعود، وهذا معناه أن هذه الزيادات لا تشكّل دليلًا على أنّ ما في مصحفه من سنخ ما نزل إعجازاً وإلّا ـ كما قلنا في ما يتعلق بمصحف ابن مسعود ـ فإذا لم نتمكن من تقديم تأويل وتسويغ لهذا الاختلاف الموجود ما بين مصحف أبي والمصحف الموجود بين أيدينا اليوم، فإن ذلك يشكل دليلًا على بطلان مصحف أبي نفسه، ذلك أنه مصحف ثبت بخبر الواحد، ومن ثمّ فهو يعارض الأدلة القطعية الدالة على صيانة القرآن من التحريف والتزوير.
________________________________________
(16)النشر في القراءات العشر، ج1، ص 32، وبمضمونه عن القاضي أبي بكر في الانتصار، نقل عنه الزركشي في البرهان، ج1، ص 235.
(17)فصل الخطاب، ص 144.

[الصفحة - 227]


أمّا قول المحدث النوري بأنّ ما في مصحف اءُبيّ معتبر، فهو كلام قابلٌ للمناقشة من حيث تعارضه مع المنقول عن أهل البيت (عليهم السلام) من أمرهم بالقراءة المشهورة المتداولة بين الناس؛ حيث قالوا: «... اقرأ كما يقرأ الناس» (18) و «اقرءوا كما عُلّمتم» (19)، وعليه فلا حجّة للنوري على ما ادّعاه.
الإشكالية السابعة: جمع عثمان بن عفان وتمزيق سائر المصاحف
قال المحدّث النوري: «إنّ ابن عفان، لمّا استولى على الأمّة، جمع المصاحف المتفرِّقة، واستخرج منها نسخة بإعانة زيد بن ثابت... وأحرق ومزّق سائر المصاحف... مما لزم منه سقوط بعض الكلمات والآيات...» (20) .
إن الروايات التي تحدثت عن جمع عثمان للمصاحف المتفرقة بإعانةٍ من زيد بن ثابت، وعن قيامه بتمزيق المصاحف الأخرى وإحراقها، ومن ثمّ إسقاط بعض الأشياء منه، وقول عثمان بوجود الخطأ واللحن في المصحف الموجود... جميعها روايات مدرجة في مصادر أهل السنة، وهي بأجمعها لا اعتبار لها، وإن أوردت في مصادر وكتب معتبرة في حد نفسها! كيف يمكن لعالمٍ منصف واعتماداً على مثل هذه الروايات أن يحتمل وقوع التحريف من طرف عثمان، والحال كما يقول السيد المرتضى (ت/ 436) أحد قدماء الإمامية:
«إذا جاز في ما أدَّاه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) نيفاً وعشرين سنة وتداوله الناس ونشروه أن يتم فيه لعثمان النقص والحذف، جاز ذلك في ما جمعه عثمان نفسه، وهذا حدّ لا يبلغ إليه محصل» (21).
أو كما قال من المتأخرين السيد الخوئي (رحمه الله) :
1 ـ «لأنّ الإسلام انتشر في زمان عثمان، على نحو ليس من إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئاً، ولا في إمكان من هو أكبر شأناً من عثمان.
2 ـ ولأنّ تحريفه، إن كان للآيات التي لا ترجع إلى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشيء، فهو بغير سبب موجب وإن كان للآيات التي ترجع إلى شيء من ذلك
________________________________________
(18)الكافي، ج2، ص 633، الرقم 23.
(19)الكافي، ج2، ص 631، الرقم 14 وبمثله: ج2، ص 619، الرقم 2.
(20)فصل الخطاب، ص 149.
(21)الذخيرة في علم الكلام، ص 363.

[الصفحة - 228]


فهو مقطوع بعدمه، لأنّ القرآن لو اشتمل على شيء من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان.
3 ـ ولأنّه لو كان محرّفاً للقرآن لكان في ذلك أوضح حجة وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علناً، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين وإلى ما سوى ذلك من الحجج.
4 ـ ولكان من الواجب على الإمام علي (عليه السلام)، بعد عثمان، أن يردّ القرآن إلى أصله... ولكان ذلك أبلغ أثراً في مقصوره وأظهر لحجته على الثائرين بدم عثمان ولا سيّما إنّه (عليه السلام) قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان (22).
... هذا أمر علي (عليه السلام) في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرّفاً فيكون إمضاؤه (عليه السلام) للقرآن الموجود في عصره دليلًا على عدم وقوع التحريف فيه...» (23).
ثم قال السيّد الخوئي في نهاية المطاف:
«نعم لا شك أن عثمان قد جمع القرآن في زمانه، [لكن] لا بمعنى أنّه جمع الآيات والسور في مصحف، بل بمعنى أنّه جمع المسلمين على قراءة إمام واحد وأحرق المصاحف الأخرى التي تخالف ذلك المصحف» (24).
ومن وجهة نظرنا، فإن الدَّافع الذي حدا بعثمان لتوحيد المصاحف، لم يكن اختلافاً في متن آيات الوحي المنزل؛ إذ إنَّ الآيات كانت متواترة، وإنما الاختلاف في تفسيرها؛ حيث سجّل كل واحدٍ من الصحابة في مصحفه أحياناً ما سمعه في محضر رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وما رزقه من التوفيق في السماع منه، وبناء عليه فما أقدم عليه عثمان لم يكن سوى طرح ما زاد على القراءات المعروفة عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وإلقاء التأويلات التي كانت موجودة في المصاحف لا النص القرآني نفسه.
الإشكالية الثامنة: الأخبار الكثيرة التي رواها أهل السنَّة في كتبهم
قال النوري: «الأخبار الكثيرة التي رواها المخالفون زيادة على ما مرّ في المواضع السابقة، الدالّة صريحاً على وقوع التغيير والنقصان في المصحف الموجود...» (25).
________________________________________
(22)انظر نهج البلاغة: الخطبة 15 قول الإمام علي (عليه السلام) : «والله لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الإماء لرددته..».
(23)البيان، ص 218.
(24)المصدر نفسه، ص 257 و258.
(25)فصل الخطاب، ص 183.

[الصفحة - 229]


وقد أورد النوري، هنا، ما يقرب من مئة حديث من مصادر أهل السنة، وسيأتي عرض موقف علماء أهل السنة من أسانيد هذه الروايات ومضامينها، فقد ناقشوها بضعف السند تارةً وبكون مضامينها من باب التفسير والقراءة الواردة والمنسوخ التلاوة و... تارةً أخرى، وقد أورد النوري هنا «سورة مكذوبة» تسمَّى بسورة النورين أو الولاية حققنا في موضع آخر الكلام فيها.
الإشكالية التاسعة: ذكر أسماء أوصياء خاتم النبيين في الكتب السالفة
يقول المحدّث النوري: «إنّه تعالى قد ذكر أسامي أوصياء خاتم النبيين وابنته الصديقة الطاهرة (عليهم السلام) وبعض شمائلهم وصفاتهم في تمام الكتب المباركة التي أنزلها على رسله... فكيف يحتمل أن يهمل الله تعالى ذكر أساميهم في كتابه المهيمن على جميع الكتب الباقية على مرّ الدهور الواجب التمسك به إلى قيام الساعة...» (26).
ونحن بدورنا قمنا، في دراسة أخرى، بقراءة هذه المسألة قراءةً تحليليةً نقديةً، ولا حاجة بنا ـ وفاقاً لذلك ـ لتكرار هذا البحث هنا.
لكن ما تجدر الإشارة إليه، هنا، والتعرض لبحثه هو التناقض الذي وقع فيه المحدّث النوري من حيث لا يشعر.
فقد ذكر أنه لا بد من وجود أسماء الأوصياء في القرآن الكريم، معترفاً بأن هذا القرآن مهيمن على جميع الكتب الباقية، مرَّ الدهور، والتمسك به واجب إلى قيام الساعة، وانطلاقاً من ذلك رأى أنَّ أسماء الأوصياء قد جرى إسقاطها من القرآن الكريم في عملية تحريف مسبقة. وفي هذه الحالة، لا يعود القرآن مهيمناً على الكتب السابقة الأخرى، ولا واجب التمسك والأخذ، بل في هذه الحالة ـ على الأقل ـ تصبح تلك الكتب السماوية الأخرى واجبة التمسك لتأخذ من ثم موقع الهيمنة الذي كان للقرآن وتكسبه لنفسها، ولتحدد بنفسها تكليف القرآن في هذا المجال. وهذا الكلام لا يستبطن سوى التناقض بل هو مخالف لصريح القرآن الكريم نفسه؛ وبناء عليه، فإضافةً إلى الآيات التي تحيل التحريف في القرآن العظيم تثبت
________________________________________
(26)المصدر نفسه، ص 171.

[الصفحة - 230]


هذه الآية الشريفة هذا الأمر بعينه، وهي قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} (27) نعم، إن الكتب السابقة ـ كما حاول المحدّث النوري نفسه في هذا الفصل على تقدير تماميّة السند ـ لم تتعرض سوى لأوصاف الأوصياء وشمائلهم كما هي الحال في القرآن تماماً، ولو حصل أن صرحت هذه الكتب باسمٍ من أسماء الأوصياء، فإنما ذلك من باب التفسير الذي قام به الأنبياء لأممهم لا بوصفه جزءاً من النص الكتابي نفسه.
الإشكالية العاشرة: اختلاف القرّاء السبعة،
أو العشرة، في كلمات القرآن وهيئاته
قال النُّوري ما حاصله: «إنّه لا إشكال ولا خلاف بين أهل الإسلام في تطرّق اختلافات كثيرة وتغييرات غير محصورة في كلمات القرآن وحروفه وهيئاته من ناحية القراء السبعة أو العشرة، بما فيه من الاختلاف. وحيث أنّ القرآن نزل في جميع مراتبه بنحو واحد لا تغيير فيه ولا اختلاف، كان جميع ما ذكروه غير الوجه الواحد المجهول المردّد فيه غير مطابق لما أنزل على الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) إعجازاً، وهو المقصود».
ثم قال: «وهذا الدَّليل، وإن كان غير وافٍ لإثبات نقصان سورة بل آية والكلمات أيضاً لعدم شمول تلك اختلاف القراءات لها إلّا إنّه يمكن تتميمه بعدم القول بالفصل...» (28).
إن ما ذكره المحدّث النوري، في هذا الدليل، بعضه حقّ وبعضه باطل، ولذلك وقع في هذا البحث ـ كما في مزعوماته الأخرى ـ في تناقض فاحش نتيجة ذلك، وسيبدو لك ذلك أيها القارى الكريم سريعاً.
إن أصل وجود الاختلافات الكثيرة والتغييرات غير المحصورة في كلمات القرآن وحروفه وهيئاته، من ناحية القراء السبعة أو العشرة، حق لا ريب فيه، كما هو مشهور، لأنّ منشأ بعض تلك الاختلافات يعود إلى تقصير أو قصور في أنفسهم، لا إلى إذن ورضا من نبيهم (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وهذا هو قول المحققين من علماء الفريقين، فإنّهم يقولون: إنّ تلك القراءات متواترة إلى القراء أنفسهم لا إلى النبي (صلي الله عليه وآله وسلم)، قال
________________________________________
(27)المائدة، الآية: 48.
(28)أي كل من رأى نقصان حروف القرآن واختلاف هيئات الكلمات فيه رأى نقصان سورة وآية، والكلمات نفسها، فلا يفصل بينهما!!

[الصفحة - 231]


الزركشي: «... التحقيق إنّ القراءات متواترة عن الأئمة السبعة، أمّا تواترها عن النبي ففيه نظر، فإنّ إسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر...» (29).
ومثله ابن الجزري في «النشر» (30)، وهكذا أبو شامة في كتابه «المرشد الوجيز» حيث يقول: «إنّا لسنا ممن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القرّاء...» (31)، وغيرهم كثير(32).
وعليه، فإذا كانت القراءات غير متواترة، وإنما تثبت بخبر الواحد وتنقل إلينا عن هذا الطريق، فهذا يعني أن احتمال القصور أو التقصير من جانب القرّاء أنفسهم هو احتمال وارد، لكن الكلام، كلّ الكلام، في أنّه هل ثمة تلازم ما بين تواتر القراءات وتواتر القرآن أو لا؟ وبالتالي فهل يستلزم تواتر القرآن تواترها وبالعكس أو لا يستدعي ذلك؟
يرى بعضهم، من أمثال أبو سعيد فرج بن لب مفتي البلاد الأندلسية أنّ: «من زعم أنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر، لأنّه يؤدّي إلى عدم تواتر القرآن جملةً» (33)، فحكم بكفر جمع كثير من المحققين بلا هوادة.
أمّا بعضهم الآخر ـ من أمثال المحدث النوري ـ فيرى أنَّ القراءات؛ حيث لم تثبت بالتواتر عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فهذا معناه أن القرآن ليس له وجوه عديدة في التلاوة، فتكون جميع تلك القراءات ـ عدا وجهٍ واحدٍ مجهولٍ ومرددٍ ـ غير مطابقة لما أنزل على الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) .
لكن في الحقيقة، لا ما ذكره أبو سعيد فرج ابن لب صحيح، ولا مقولة النوري هي الأخرى تامّة، بل الصائب ما صرّح به سيدنا الخوئي في قوله: «ليست بين تواتر القرآن وبين عدم تواتر القراءات أية ملازمة، لأنّ أدلة تواتر القرآن وضرورته لا تثبت بحال من الأحوال تواتر قراءته، كما أن نفي تواتر القراءات لا تتسرب إلى تواتر القرآن بأي وجه، لأنّ القرآن تتوافر الدواعي لنقله لأنه الأساس للدين الإسلامي والمعجز الإلهي وكلّ شيء تتوفّر الدواعي لنقله لا بد وأن يكون متواتراً فما كان نقله بطريق الآحاد لا يكون من القرآن قطعاً...» (34) .
________________________________________
(29)البرهان، ج1، ص 319.
(30)النشر في القراءات العشر، ج1، ص 13 و14.
(31)المرشد الوجيز، ص 178 ومثله عن كتابه «البسملة»، كما نقل عنه التبيان للجزائري، ص 102.
(32)انظر: البيان، ص 153 ـ 156، فقد أورد (رحمه الله) تصريحات علماء أهل السنة بنفي تواتر القراءات.
(33)عن شاهد العرفان للزرقاني، ص 428 ويقول أبو شامة: وظن جماعة ممن لا خبرة له بأصول هذا العلم أنّ قراءة هؤلاء الأئمة السبعة هي التي عبّر عنها النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) بقوله: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)... وقد أخطأ من نسب إلى ابن مجاهد أنّه قال ذلك» المرشد الوجيز، ص 146.
(34)البيان، ص 124.

[الصفحة - 232]


«فالواصل إلينا بتوسّط القرّاء إنّما هو خصوصيات قراءاتهم، وأمّا أصل القرآن فهو واصل إلينا بالتواتر بين المسلمين وبنقل الخلف عن السلف... ولذلك فإن القرآن ثابت بالتواتر، حتى لو فرضنا أنّ هؤلاء القرّاء السبعة أو العشرة لم يكونوا موجودين أصلًا، وعظمة القرآن أرقى من أن تتوقف على نقل أولئك النفر المحصورين» (35).
ويُتبع السيد الخوئي كلامه هذا ببحث موسّع نسبياً، ليقيم أفضل الأدلَّة على عدم تواتر القراءات، مرفقاً ذلك بالشواهد التاريخية والمستندات التي تتحدّث عن ترجمة القرّاء أنفسهم، وهو ـ مع ذكره التصريحات التي أدلى بها النافون للتواتر في القراءات من كبار علماء أهل السنة ـ ركّز جهوده على مناقشة الأدلَّة التي قدّمها القائلون بتواتر القراءات السبع، بحيث لا يستغني قارى عن الرجوع إلى هذا البحث (36).
وعليه، فرأي المحدِّث النوري باطلٌ من أساسه، أي القول بأن الاختلافات الكثيرة الواقعة من ناحية القرّاء حصلت من دون إذن نبيهم (صلي الله عليه و آله و سلم) ورضاه، ما يوجب الخلل ويعرّض أساس القرآن نفسه للنقصان، ليجعله غير مطابق لما أنزل على الرسول إعجازاً، ذلك أن القرآن حقيقةٌ، أمّا الاختلاف في كيفية أداء كلماته فهو حقيقة أخرى.
وعلاوةً على هذا الرأي، يبدو المحدث النوري هنا متناقضاً أيضاً؛ حيث يقول: «... إنّ القرآن نزل، في جميع مراتبه، على نحو واحد لا تغيير فيه ولا اختلاف، فكان جميع ما ذكروه [أي من وجوه الاختلاف في القراءات] غير الوجه الواحد المجهول المردد فيه... فكان غير مطابق كما أنزل على الرسول إعجازاً وهو المقصود... وهذا الدليل وإن كان غير وافٍ لإثبات نقصان سورة بل آية، والكلمات أيضاً لعدم شمول تلك الاختلاف القراءات لها إلّا أنّه يمكن تتميمه بعدم القول بالفصل...» (37) .
إن هذا الكلام من المحدث النوري يناقض كلامه السالف الذكر في ما يخص مصحف ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب، فهو يقول في إشكاليَّتيه: الخامسة والسادسة إن قراءة عبد الله بن مسعود وقراءة اءُبي بن كعب معتبرتان، ويعدّهما معاً من
________________________________________
(35)المصدر نفسه، ص 158.
(36)انظر: البيان، بحث «أضواء على القراء»، ص 121 ـ 168.
(37)فصل الخطاب، ص 209.

[الصفحة - 233]


قبل الله تعالى (38)، وكان يقول: إنَّ كلتا القراءتين ترجع إلى حقيقة القرآن الكريم نفسه (39) لا إلى كيفية أداء كلمات القرآن، والحال أن ثمة اختلافات كثيرة بين قراءة هذين الشخصين، وطبقاً لتوهّم النوري لا بد من أن تكون كافة هذه الاختلافات الواقعة بين هذين المصحفين من جانب الله عز وجل؛ ذلك أن كلتيهما مرتبطتان بالقرآن الكريم نفسه، ومع قوله هذا، إلا أنه هنا يعود فيكرر القول بـ : «إنّ القرآن نزل في جميع مراتبه بنحو واحد لا تغيير فيه ولا اختلاف»، أليس هذا تناقضاً واضحاً وجلياً في مواقفه وكلماته؟!
ومع غضِّ النظر عن ذلك كله، فإن ما يثير تعجب الإنسان هو ذاك الادعاء الخطير الذي يطرحه المحدث النوري في ما يتعلق بعدم القول بالفصل بين نقصان السورة والآية والكلمات واختلاف القراءات في الهيئات وأداء الكلمات نفسها، إذ كيف يدّعي المحدّث النوري أمراً من هذا القبيل من دون تقديم دليل على مدَّعاه هذا؟! بل ومن دون أن يرشدنا حتى لشخصٍ واحدٍ ذهب إلى هذا التلازم بين الأمرين، والأعجب من هذا الادعاء تلك السخافة الواضحة في كلماته؛ حيث يقول هنا: «... والظَّاهر أنّ المصحف الموجود غير مطابق لما أنزل عليه (صلي الله عليه و آله و سلم) إعجازاً»، وهذه المزعومة تعني سقوط القرآن عن مستوى الإعجاز، ومن ثم فتحدّيه يصبح لغواً، ونتيجة ذلك قدرة الآخرين على الإتيان بمثله، والحال أن التاريخ على امتداده يحكي عن عدم قدرة أحد على الإطلاق على تقديم أنموذج كالأنموذج القرآني أو حتى سورة من مثل سوره الكريمة، بل إن المحدث النوري نفسه يقرّ بهذا الأمر قائلًا: «التحريف بزيادة السورة وتبديلها ممتنع لقوله تعالى:{وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله...} ، بل زيادة الآية وتبديلها أيضاً منتفيان»(40).
الإشكاليتان الحادية عشرة والثانية عشرة: الأخبار الكثيرة الدالّة على وقوع النقصان في القرآن الكريم.
قال النُّوري في دليله الحادي عشر: «الأخبار الكثيرة في وقوع السقط ودخول النقصان في الموجود من القرآن... من غير اختصاصها بآية أو سورة» (41) .
________________________________________
(38)أي كل من ذهب إلى نقصان حروف القرآن واختلاف هيئات الكلمات فيه، رأى نقصان سورة وآية والكلمات نفسها فلا يفصل بينهما.
(39)قال النوري في مصحف عبد الله بن مسعود: «تمام ما جمع ابن مسعود في مصحفه معتبر ومطابقته لما نزل على النبي» (فصل الخطاب، ص 136)، وقال في مصحف أبي بن كعب: «إنّ ما في مصحف أبيّ صحيح ومعتبر وحيث أنّ هذا المصحف الموجود غير شامل لتمام ما في مصحف أبيّ بن كعب فيكون غير شامل تمام ما نزل إعجازاً»، فصل الخطاب، ص 144.
(40)نفسه، ص 32.
(41)نفسه، ص 234.

[الصفحة - 234]


وقال في الثاني عشر: «الأخبار الواردة في الموارد المخصوصة من القرآن الدالَّة على تغيير بعض الكلمات والآيات والسور، وهي كثيرة جداً» (42) .
أقول: أورد النوري، في مزعومته الحادية عشرة، إحدى وستين رواية، وفي الثانية عشرة اثنتين وستين وألف رواية، زعمها دالَّةً على تحريف الكتاب العزيز، إمّا دلالة عموم أو ناصّةً على موضع التحريف بالخصوص، وقد جعل النوري من النوع الأوّل دليله الحادي عشر، ومن النوع الثاني دليله الثاني عشر.
من جانبه، درس الأستاذ السيد مرتضى العسكري، لدى نقده كتاب «الشيعة وتحريف القرآن»، للأستاذ إلهي ظهير، هذه الروايات كافةً وبالتفصيل والملاحقة، سواء على صعيد المضمون والمحتوى أم على صعيد السند، ثم كتب عقب ذلك، وتحت عنوان «نتائج البحوث» قائلًا: «استشهد الشيخ النوري والأستاذ ظهير، على حد زعمهما، بتلك الروايات التي بعضها مشتركة في كتب الفريقين على التحريف والنقصان في آيات كتاب الله العزيز الحكيم، وقمنا بفضل الله تعالى بدراستها رواية بعد رواية سنداً ومتناً...». ثم قال (مدّ ظلّه): فلم يصح سند رواية واحدة منها «إلّا رواية عن الكافي التي مضى دراستها» (43) بل كان في إسنادها من وصفه علماء الرجال بضعيف الحديث! فاسد المذهب! مجفوّ الرواية! يروي عن الضعفاء! كذّاب! متهم في دينه! غال!
ولم يكن المراد مما جاء في متون الروايات ما زعم بأنّ في نصوص القرآن الذي بأيدينا اليوم تبديل وتحريف والعياذ بالله بل المراد أنّ المخاطبين لم يعلموا بها... ويفسرونها على غير ما أنزل، ولا يكون في متن الرواية إلّا بيان وتفسير للآية الكريمة خلافاً، لما زعما بأنّها نص محذوف منه، وكثيراً ما اجتمع الأمران المذكوران في ما استدلا به من رواية، وهكذا أنتج البحث لهما في كل رواية استدلَّا بها صفراً، وصدق عليهما المثل القائل: تمخض الجبل فولد فأراً» (44).
أقول: إن ما قاله الأستاذ، في مضامين تلك الروايات، في محلّه؛ لأنّنا حينما نعمد إلى القيام بفرز تلك الروايات وتقسيمها فسنجد مضامينها غير خاليةٍ من إحدى طائفة من الطوائف الست، التي مضت دراستها، ولاحظتم أنّها بعيدة كل البعد عن التحريف بالمعنى المتنازع فيه.
________________________________________
(42)المصدر نفسه، ص 250.
(43)انظر الطائفة السادسة من الروايات في مبحث «دراسة روايات التحريف في مصادر الشيعة»، وهي رواية الكليني بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام).
(44)لقرآن الكريم وروايات، ج3، ص 231 و847.

[الصفحة - 235]


أمّا ما ذكره الأستاذ عن أسانيد تلك الروايات ومصادرها فهو عين مقالة المحققين من علماء الإمامية، وكل من أمعن النظر فيها ممن سوف نأتي على سرد مقولاته في النقطة الثالثة إن شاء الله تعالى.
النقطة الثانية: مصادر روايات كتاب «فصل الخطاب» وأسانيدها
إن الذين درسوا كتاب «فصل الخطاب» اتفقوا في الوصول إلى النتائج الآتية:
أوَّلًا: إنّ هذا الكتاب مشحون بروايات ضعاف أكثرها من كتب المراسيل.
يقول العلَّامة محمد جواد البلاغي النجفي: «إنّ المحدّث المعاصر جهد، في كتاب «فصل الخطاب»، في جمع الروايات التي استدل بها على النقيصة، وكثر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل عن الأئمة (عليهم السلام) في الكتب، كمراسيل العياشي وفرات وغيرها، مع أنّ المتتبع المحقق يجزم بأنّ هذه المراسيل مأخوذة من تلك المسانيد... فإنّ القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيدها إلى بضعة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلًّا منهم إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية، وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب يعرف حديثه وينكر ويروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذاب متهم لا أستحل أن أروي من تفسيره حديثاً واحداً، وأنّه معروف بالوقف وأشدّ الناس عداوة للرضا (عليه السلام). وإمّا بأنّه كان غالياً كذَّاباً. وإمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه ومن الكذابين. وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرْمَى بالغلوّ. ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً...» (45) .
وقال العلَّامة الشعراني، في هذا الصدد، أيضاً: «قد تتبعت الكتاب ـ كتاب فصل الخطاب ـ صدره وذيله وجميع ما فيه، فلم نجد فيه ما يصلح مستنداً للقول بالتحريف سوى بضع روايات ضعاف الأسناد وفيها من المناكير مما لا يقول به أشياخه ولا سائر علمائنا؛ حيث مخالفتها مع أصول المذهب...» (46).
وقد لاحظ القارى الكريم معي الكلام الذي نقلته عن الأستاذ السيد مرتضى العسكري بعد دراسته لروايات فصل الخطاب رواية بعد رواية.
وكلام هؤلاء العلماء والمحقِّقين تامٌّ ناجمٌ عن تحقيق دقيق لا شبهة فيه، لأنّ
________________________________________
(45)آلاء الرحمن في تفسير القرآن، ص 26.
(46)الوافي، ج2، حاشية ص 232 ـ 234. ومن جملة علماء الإمامية الذين أبدوا رأيهم في سند روايات التحريف وعدوّها بين الآحاد، الضعيف، المرسل وغير معتبر و...: الشيخ محمد بن محمد النعمان المفيد (ت 413) في المسائل السرورية، ص 78. السيد الشريف المرتضى علم الهدى (ت 438) في كتاب «الذخيرة في علم الكلام»، ص 364. الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت 460) في كتاب «التبيان في تفسير القرآن»، ج1، ص 3. الشيخ محمد بن الحسين الحارثي الشهير ببهاء الدين العاملي (ت 1030) عن آلاء الرحمن، ص 26. الشيخ جعفر الكبير (ت 1228) في كتاب «كشف الغطاء»، ص 277. السيد محمد الطباطبائي (ت 1242) في «مفاتيح الأصول». السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (ت 1381) في «الفصول المهمة»: ص 126. الميرزا مهدي الشيرازي في «المعارف الجلية»، ص 18. العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402) في تفسيره «الميزان»، ج12، ص 104 وما بعدها. الإمام روح الله الخميني (ت 1409) في «أنوار الهداية»، ص 243 وما بعدها. و «تهذيب الأصول»، ج2، ص 165. والأستاذ محمد هادي معرفة في «صيانة القرآن عن التحريف»، ص 235.

[الصفحة - 236]


مجموع الروايات التي نقلها المحدث النوري من كتب الإمامية يصل إلى 1602 رواية موزّعة على النحو الآتي:
1 ـ 350 رواية (يعني ما يقارب ثلث الروايات التي جمعها) من كتاب القراءات لأحمد بن محمد السياري، وهذا الكتاب لا قيمة له عند الإمامية، ومؤلِّفه ضعيف الحديث عند الفريقين (47).
2 ـ 129 رواية من تفسير «مجمع البيان»، وهو وإن كان من الكتب القيمة لدى الإمامية، إلّا أنّ جميع رواياته مرسلة، علاوةً على أن الروايات المنقولة عنه تقع جميعها في مجال القراءات، من دون أن يكون لها أدنى علاقة أو ارتباط بمسألة تحريف القرآن بمعناه المتنازع فيه، كما أنّ صاحب مجمع البيان أورد هذه الروايات في مبحث القراءة. وقد ذكر الشيخ الطبرسي رأيه في هذه المسألة في مقدمة كتابه، وصرَّح (48) بعدم وقوع التحريف في القرآن. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ المحدث النوري نفسه نقل اعتقاد الشيخ الطبرسي في مسألة عدم التحريف (49).
3 ـ 88 رواية من كتاب تفسير العيَّاشي، وروايات هذا التفسير إمّا مرسلة أو مقطوعة، ولا تصمد في الدلالة على المدّعى، لأنّ أكثرها من باب التحريف بالمعنى الأعم (أي تحريف المعنى، واختلاف القراءات، والتأليف في الآيات).
4 ـ 86 رواية من تفسير علي بن إبراهيم القمّي، وسيوافيك الكلام في هذا التفسير المنسوب إلى القمي؛ حيث ستتحقَّق من أنه ليس من صنعه، ومقدّمته من شخص قد جمع هذا التفسير، وهو مجهول.
5 ـ 83 رواية من كتاب الكافي، وهي في الأساس من «باب النكت والنتف»، وقد حكم المجلسي (رحمه الله) بتضعيف جميع ما في الباب إلّا ثمانية أحاديث (50).
6 ـ 69 رواية من كتاب «الناسخ والمنسوخ»، المنسوب إلى سعد بن عبد الله الأشعري، منها 3 روايات فقط مسندة، فيما البقية كلُّها مرسلة ومرفوعة.
أمّا بقية الأحاديث فهي من كتب أخرى أيضاً.
وقد اعتمد المحدّث النوري على روايات كثيرة من كتب أهل السنة في هذا
________________________________________
(47)قال النجاشي: «أحمد بن محمد بن سيّار أبو عبد الله الكاتب بصري: ... ضعيف الحديث، فاسد المذهب... له كتب... كتاب القراءات»، ج2، ص 865. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: «أحمد بن محمد بن سيار... ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفو الرواية، كثير المراسيل... وصنف كتباً كثيرة... كتاب القراءة» ص 411. وقال ابن الغضائري: «أحمد بن محمد بن سيار... ضعيف متهالك، غالٍ، محرف...». وقال أبو جعفر بن بابويه في فهرسته حين ذكر كتاب النوادر: استثنى منه ما رواه أحمد بن محمد بن سيار، وقال: لا أعمل به ولا أفتي به لضعفه...». انظر: معجم رجال الحديث، ج2، ص 282، رقم 871 وراجع أيضاً: «أعيان الشيعة»، ج2، ص 448، «تنقيح المقال»، ج1، ص 87 و «لسان الميزان»، ج1، ص 382، رقم 800.
(48)مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1، ص 83.
(49)فصل الخطاب، ص 34.
(50)مرآة العقول، ج5، ص 160 و161. ذكر شماره روايت موثقة.

[الصفحة - 237]


المجال، كما قلنا، لكن لا قيمة لهذه الروايات عند أهل السنة أنفسهم، إذا لم يوجد لها تأويل صحيح.
ثانياً: إنّ أغلب روايات كتاب «فصل الخطاب» ينتابها مشكل التكرار، وهي بين مرسلة ومسندة، والمرسل منها عين المسند، فالناظر إليها من بعيد قد يلحظ كثرةً فيها بيد أن هذه الكثرة تؤول في النهاية إلى روايات واحدة، غاية الأمر أنّ سندها قد حذف تارة وذكر أخرى، وهذا يعني قلّة عدد هذه الروايات في الواقع.
ثالثاً: لم يذكر المحدِّث النوري، في هذا الكتاب، أبداً، أنّ المصادر التي اعتمد عليها في رواياته مصادر معتبرة، وهو من دأب النوري الذي يعدّ من المحدّثين المجدّين في التتبع للشواذ، وقد ضمّن كتابه روايات من مصادر لا وزن لها علمياً ليحقق ضالته المنشودة، كـ «تفسير أبي الجارود» وهو زياد بن المنذر السرحوب (ت/ 150ق.) وتفسيره هذا يرويه عنه أبو سهل، كثير بن عياش القطّان، وإليه ينتهي طريق الشيخ الطوسي والنّجاشي إلى تفسيره، وقد قال الشيخ الطوسي عنه: «... وكان ضعيفاً» (51).
وكتاب «الاستغاثة» لعلي بن أحمد أبي القاسم الكوفي (ت/ 325ق.) ولا اعتداد بالرجل وكتابه عند العلماء (52).
و «التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)»، وهو تفسير منقول برواية «علي بن محمد بن سيار» وزميله «يوسف بن محمد بن زياد» وكلاهما مجهول الحال (53)، مع أنّ الناظر، في هذا التفسير، لا يشك في أنّه موضوع، لا يناسب مستوى عالم محقّق فضلًا عن الإمام العسكري (عليه السلام)(54)، وكتاب مشارق الأنوار للحافظ رجب البرسي (55) وكتاب دبستان مذاهب، لمؤلفه آذر كيوان زردشتي (56) ورسالة مجهولة النسب، حيث نسبت إلى سعد بن عبد الله الأشعري (ت/ 301ق.) باسم «رسالة الناسخ والمنسوخ» ومحمد بن إبراهيم النعماني (ت/ 360ق.) باسم «ما ورد في صنوف آيات القرآن» وإلى السيّد المرتضى (ت/ 436ق.) باسم «رسالة في المحكم والمتشابه» (57).
رابعاً: روى النوري روايات من الغلاة والمتهمين في دينهم، كأحمد بن محمد
________________________________________
(51)معجم رجال الحديث، ج7، ص 322.
(52)قال النجاشي: «علي بن أحمد أبو القاسم الكوفي... غلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد»، وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله) مثله. معجم رجال الحديث: ج11، ص 246 و247.
(53)معجم رجال الحديث، ج17، ص 157.
(54)المصدر نفسه، ج12، ص 147.
(55)قال المجلسي: يشتمل الكتاب على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع، بحار الأنوار، ج1، ص 10.
(56)سيأتي البحث عنه أكثر في المقام الثاني.
(57)انظر تفصيله: صيانة القرآن عن التحريف، ص 222 ـ 234.

[الصفحة - 238]


السيّاري الذي تقدمت ترجمته آنفاً، وسهل بن زياد الآدمي (58)، وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي(59)، والحسين بن حمدان الخصيبي (الحصيني) (60)، ومحمّد بن علي أبو سمينة الكوفي (61)، ومحمد بن سليمان الديلمي (62)، والحسن بن علي بن أبي حمزة (63) و...
هذا بالنسبة إلى مصادر الروايات وأسانيدها الواردة في كتاب «فصل الخطاب».
أمّا بالنسبة إلى مدلول الروايات ومضامينها، فيقول العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي: «أكثر الروايات التي أوردها المحدث النوري هي من باب اختلاف القراءات ـ مثل ما جمعه من تفسير «مجمع البيان»، وهو ينيف على مئة وعشرين حديثاً كلها مراسيل ومن باب اختلاف القراءات ـ أو يكون من باب تفسير الآيات أو تأويلها أو بيان لما يعلم يقيناً شمول عموماتها له، لأنّه أظهر الأفراد وأحقها بحكم العام، أو ما كان مراداً بخصوصه وبالنص عليه في ضمن العموم عند التنزيل، أو ما كان هو المورد للنزول أو ما كان هو المراد من اللّفظ المبهم.
ويحمل كلمة «التحريف» فيها على تحريف المعنى، وتشهد لذلك الروايات والقرائن الداخلية والخارجية نفسها، منها مكاتبة أبي جعفر (عليه السلام) لسعد الخير كما في روضة الكافي: «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده».
كما يحمل ما في الروايات ممّا كان في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو ابن مسعود وينزل على أنّه كان فيه بعنوان التفسير والتأويل» (64).
أقول: ما ذكره العلّامة محمد جواد البلاغي (رحمه الله) هو ما يقتضيه التحقيق، لا سيما إذا لاحظنا معاني كلمات «التنزيل»، و «التأويل»، و «الإقراء» و «التحريف» الواردة في الروايات، وجملة القول: إنّ ما أورده المحدث النوري من روايات الإمامية ينقسم من حيث المحتوى والمدلول إلى طوائف:
1 ـ الرِّوايات التي وردت في شأن مصحف الإمام علي (عليه السلام).
2 ـ الرِّوايات التي جاء فيها لفظ «التحريف».
________________________________________
(58)رجال النجاشي، ص 185، رقم الترجمة 490.
(59)المصدر نفسه، ج1، ص 71.
(60)رجال النجاشي، ص 67، رقم الترجمة 159.
(61)معجم رجال الحديث، ج17، ص 319 ـ 321.
(62)رجال النجاشي، ص 365، رقم الترجمة 987.
(63)معجم رجال الحديث، ج11، ص 299 ـ 340.
(64)آلاء الرحمن، ج1، ص 27.

[الصفحة - 239]


3 ـ قراءات منسوبة إلى بعض الأئمة (عليهم السلام).
4 ـ روايات الفساطيط.
5 ـ الرِّوايات التي دلَّت على أنّ بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكر فيها أسماء الأئمة.
6 ـ الروايات التي دلّت على التحريف في القرآن بالنقيصة.
النقطة الثالثة: المحدّث النوري وأدلّة سلامة القرآن من التحريف
أ ـ قال المحدّث النوري، في جواب المستدلين على صيانة القرآن من التحريف، بالآية الشَّريفة: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا لَهُ لحافظون} [الحجر/9].
«الذكر قد أطلق، في القرآن، كثيراً على رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، ومن الجائز أن يكون هو المراد منه هنا أيضاً... ولو سلّمنا، فإنّ المراد بالحفظ، حفظ معاني القرآن ومداليله عن تطرق شبه المعاندين، بحيث لا يوجد فيه مدخل إلى القدح فيه، ولا الجامع من حفظ معاني القرآن وحفظ ألفاظه عن الإسقاط، بل فالحفظ عند محمد وآله صلوات الله عليهم يكفي في تحقق مفهوم الآية، ومعه لا مانع لتغيّره عند غيرهم».
ثم قال: «التحقيق، في الجواب، أنّ ظاهر الآية ـ والله أعلم ـ أنّه تعالى يحفظ القرآن في الموضع الذي أنزله فيه... وموضعه الذي أنزله تعالى فيه ووعد حفظه هو قلب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، لا الصحف والدفاتر ولا غير صدره من الضمائر» (65).
أوّلًا: إنّ كلمة «الذكر»، الواردة في القرآن، تطلق كثيراً بشكل صريح على القرآن كقوله تعالى:{وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نزل إليهم} .
ثانياً: إنّ الآية السادسة من سورة الحجر تمثّل قرينة سياقية واضحة على أنّ المقصود من «الذكر»، في الآية التاسعة من هذه السورة هو القرآن العظيم؛ لأنّ كلمة الذكر الواردة فيها وهي:{وقالوا يا أيّها الذي نزل عليه الذكر إنّك لمجنون} ، تدلّ دلالة قاطعة وصريحة على أنّ المراد من الذكر هو القرآن، وفي الواقع إنّ كلمة الذكر الواردة في قوله تعالى: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}تمثل ردَّاً قاطعاً على
________________________________________
(65)فصل الخطاب، ص 359 و360.

[الصفحة - 240]


شبهات المعاندين التي أوردها في الآية السادسة، فالألف واللام في كلمة «الذكر» هنا للعهد الذكري.
ثالثاً: إن الادّعاء القائل بأن المراد من حفظ القرآن هو حفظه قبال شبهات المعاندين هذا الّادعاء نفسه هو ادّعاء بلا دليل، بل إنه مخالف لكلمة «إطلاق» نفسها، ذلك الإطلاق الشامل لمطلق أنواع التحريف، والذي من جملته الإسقاط والتغيير، وليس ثمة نوع من أنواع الحفظ أكثر أهميةً من هذا النوع، بل إن الآية الكريمة ـ وأخذاً بعين الاعتبار الأرضية التي تتحرك فيها ـ تبدو أكثر ظهوراً في هذا النوع من الحفظ منه في الأنواع الأخرى، ذلك أن الشبهات والتشكيكات التي يثيرها الكافرون هنا تتعلّق بتدخل القوى غير الإلهية لإسقاط القرآن ونسبته إلى غير الله سبحانه، وليس لها أية علاقة باختلاف الشبهات على صعيد المعارف والمضامين القرآنية، والقرآن ينبئنا بنفسه ـ عبر تأكيداته المتواصلة ـ عن حفظه من أي مساس حين نزوله وبعد النُّزول أيضاً.
رابعاً: كيف يمكن أن تصمد المعارف القرآنية ومحتويات الكتاب العزيز أمام الشُّبهات المُقامة من قبل المعاندين، والحال أنه ـ ووفاقاً لتصورات المحدث النوري نفسه والمستندة إلى الرواية التي يوردها في كتابه والقاضية بأن ما يزيد على 2/3 القرآن قد تمّ إسقاطه منه عبر عملية تحريف مسبقة ـ لا يمكن، أخذاً بعين الاعتبار التناغم القائم بين المضامين القرآنية المضارعة للفصاحة والبلاغة، التصديق بهذه المقولة، فيما تكون ـ أحياناً ـ زيادة حرف واحدٍ أو كلمة واحدة أو نقصانهما مفضيان إلى تبديل مطلب بأكمله من حق إلى باطل، كما أن إسقاط تعبير من التعبيرات الواردة في الآية يؤدي إلى خدش الفصاحة والمساس بالبلاغة القرآنية بشكل كامل وكلي.
خامساً: كيف يتمّ للمحدث النوري القول: إنَّ تحقق مفهوم الآية يكفي فيه حفظ القرآن ولو نسخة واحدة بيد المعصوم (عليه السلام) ؟! ويقدم لذلك جواباً عميقاً حين يقول: إنَّ الوعد بحفظ القرآن يمكن تحققه بالحفظ في قلب الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) !! أليس الهدف من نزول القرآن الكريم يتطلب بيان الآيات الشريفة؟ إن المطلوب هو أن يحفظ القرآن النازل على النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) في يد الناس حتى يمكنهم عبر الوصول إليه الوصول إلى العلم والتصديق والعمل بما جاء فيه، هل يتحقق هذا النوع من
________________________________________

[الصفحة - 241]


الهداية من خلال حفظ القرآن الكريم ولو بنسخة واحدة في يد المعصوم، فيما القرآن المحرّف هو المتداول في أيدي الناس؟! وفي هذه الحالة، هل هناك من ضرورة لكل هذا التأكيد الوارد في الآية الكريمة على كل هذه الأهمية والعظمة؟ وإذا كانت الحال كما يقول المحدث النوري من أن القرآن المحرّف لا يسقط عن سمة الهداية ومقام الإرشاد، بل يقوم ـ كما كان ـ بمهمة إيصال الناس إلى الهدف المنشود، فلماذا لا بد له من أن يحفظ في قلب النبي؟ أليس قادراً ـ على تقدير تعرّضه للتحريف في هذه المرحلة ـ على الهداية وتحقيق الغاية من أخذ يد البشر إلى طريق الغاية والهدف المقصود، ومن ثم فليس بحاجة إلى كل هذا الوعد الإلهي بالحفظ في قلبه (صلي الله عليه و آله و سلم) ؟ وعليه فإن الوعد بالحفظ الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إنما هو ليبقى هذا القرآن حجةً على الناس أجمعين، وهو أمر لا يتسنى تحققه إلا عن طريق حفظه في تمام المراحل والمقامات بدءاً من تلقي الوحي، مروراً بإبلاغ الآيات ووصولًا إلى مرحلة البقاء في يد الناس على الصورة نفسها، وهذا الوعد وعدٌ مستمر متواصل إلى يوم القيامة في حقّ القرآن الكريم، ذاك الكتاب السماوي الخالد ذو الهيمنة على الكتب التي سبقته، وميزان حقّانية معارفها وعلومها (66).
ب ـ ناقش المحدّث النوري الاستدلال بالآية الشريفة: {... وإنّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} على سلامة القرآن من التحريف بقوله: «إنّ الحذف والتغيير والتبديل، وإن كان باطلًا، لكن ليس المراد من الآية ذلك، لأنّه:
أولًا: فلأنّ ظاهرها أنه لا يجوز أن يحصل فيه ما يستلزم بطلانه من تناقض في أحكامه أو كذب في إخباراته وقصصه [وإنّه لا يعلو عليه شيء ولا يمكن نسخه أو إبطال محتواه].
ثانياً: فلأنّه منقوض بمنسوخ التلاوة والحكم، أو التلاوة فقط، بناء على مذهب الجمهور من وقوع القسمين في الآية.
وثالثاً: يكفي، في انتفاء الباطل عنه، انتفاؤه عن ذلك الفرد المحفوظ عند أهل البيت (عليهم السلام)» (67).
________________________________________
(66)سورة المائدة، الآية: 48.
(67)فصل الخطاب، ص 361 و362.

[الصفحة - 242]


وللردّ على هذه المناقشات نقول:
أولًا: إن سياق الآية مطلق، ولا يوجد أيّ قيد يخصِّص ذلك، وتخصيصها بهذا النَّوع من الصيانة والحفظ يحتاج إلى دليل، بل كيف يمكن مع وقوع هذا التغيير كله في ألفاظ القرآن الكريم وعباراته، وعلى هذا النطاق الواسع ـ بحسب ما يزعم المحدث النوري ـ بقاء العلوم والمعارف القرآنية على حقيقتها، لا سيما ـ كما أشرنا سابقاً ـ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار فصاحة القرآن وبلاغته والدقة التي توخّاها، بحيث إنّنا لو أضفنا أو اختزلنا حرفاً واحداً، فإنّ المضمون القرآني سوف يصاب بالتغيير، ما يصحّح في بعض الأحيان انقلاب الباطل حقّاً والحقّ باطلًا.
بل نضيف للمحدث النوري قائلين: أليس عدم وجود مدخل إلى شبه المعاندين وما يستلزم بطلانه من التناقض في الأحكام أو الكذب في إخباراته وقصصه... أليس هذا أدلّ دليل على صيانته عن التحريف بإسقاط ألفاظه؟!
ثانياً: 1 ـ إن كان منسوخ التلاوة والحكم، أو دون الحكم، باطلًا ـ يعني أنّ الآيات التي نسخت تلاوتها ليست في الواقع آيات قرآنية كما هو الحق ـ فالآن لا توجد آيات منسوخة في القرآن فلا يدخل الباطل فيه.
2 ـ وإن كانت تلك الآيات آيات قرآنية في الواقع، ولكن نسخها غير واقع فهذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل على أنّها آيات قرآنية، بل إن الأدلة دالة على عدم كونها آيات قرآنية، كما حقق في محله.
3 ـ وإن كانت تلك الآيات آيات قرآنية في الواقع، ونسخت حقيقة، فلا يدخل الباطل في القرآن، والشبهة منتفية موضوعاً.
ثالثاً: قلنا سابقاً: إنّ حفظ نسخة كاملة من القرآن الكريم فقط عند أهل البيت (عليهم السلام) من دون عامة الناس لا يُلبّي الغاية التي أنزل من أجلها القرآن.
ج ـ مناقشة المحدّث النوري لأخبار العرض
قلنا: إن المستفاد من أحاديث عرض الأخبار على القرآن، والتي وردت في كتب الفريقين متواترةً هو:
________________________________________

[الصفحة - 243]


أولًا: إنّ القرآن الكريم يمثّل الميزان أو المقياس ـ الكلي والمطلق، وإذا كان القرآن ميزاناً يجب أن يكون متواتراً مقطوعاً به، لا يدنّسه التحريف؛ لأنّه المقياس الفارق بين الحق والباطل.
ثانياً: إن الروايات الدالّة، في ظاهرها، على التحريف ـ إذا لم يوجد لها تأويل صحيح ـ تتحوّل بنفسها عند عرضها على الكتاب إلى روايات ساقطة غير ممكنة القبول، ذلك أنها تشكّل مصداقاً لما خالف القرآن فيجب طرحه.
لكن المحدث النوري، وبعد اعترافه بتواتر تلك الأخبار عن النبي والأئمّة (عليهم السلام)، قال: «وإن كان العرض على [القرآن] المحرف المبدّل لا وجه له وعلى المنزل المحفوظ [أي النسخة المحفوظة عند أهل البيت] لا يستطاع، لكن إنّ ما ورد عنه [أي عن النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) ] في ذلك لا ينافي ما ورد في التغيير بعده وما جاء عنهم [أي عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)] فهو قرينة على أنّ الساقط لم يضر بالموجود وتمامه من المنزل لإعجاز، فلا مانع من العرض عليه مضافاً إلى اختصاص ذلك بآيات الأحكام...» (68) .
لكن مناقشات المحدّث النوري هذه باطلة من حيثيات متعدِّدة:
أولًا: لماذا نقيّد أحاديث النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في هذا المجال بما قبل وفاته؟ وما هو دليلنا على هذا التقييد؟ والحال أننا لو رجعنا إلى كلماته لوجدناها مطلقةً في اعتبار القرآن الكريم معياراً وميزاناً يُرجع إليه عند الفتن، ويُحتمى به عند الشبهات.
ثانياً: إن المحدث النوري يخالف مدلولات هذه الأخبار مخالفةً صريحة، ذلك أن روح مناقشته في الحقيقة تؤول إلى أن القرآن لا بد له من أن يكون محكوماً للأخبار بما فيها تلك الأخبار الدالَّة على وقوع التحريف فيه، ومن ثمّ فتحريف القرآن يصبح أمراً ثابتاً نتيجة قيام أخبار التحريف نفسها، ولأجل إدراك مقدار التحريف الحاصل لا بد لنا مجدّداً من العودة إلى عرض القرآن الكريم على أخبار العرض، حتّى تحدد تلك الأخبار وظيفة القرآن نفسه، فتعيّن بالتالي ما هو المقدار الساقط من القرآن الكريم، وهل أن هذا المقدار الساقط يضرّ بمرجعية القرآن وكونه ميزاناً ومعياراً أم لا؟! أليس هذا النوع من المحاكمة مخالف لأخبار العرض نفسها؟ ألا تعدّ
________________________________________
(68)نفسه، ص 263.

[الصفحة - 244]


أخبار العرض كتاب الله تعالى ـ وبشكل قطعي وواضح ـ الميزان والحاكم والمعيار؟ وعليه كيف يعطي المحدّث النوري هذه المعيارية وهذه السلطنة والمحورية الممنوحة للقرآن الكريم للروايات فيجعل القرآن محكوماً لها بدل أن يكون حاكماً عليها؟ ومن الطبيعي أن محورية الحديث بالنسبة لشخصٍ كالمحدث النوري الذي تحكمه ثقافة الحديث ومركزيته ليست بالأمر الغريب حينما توضع قبال المركزية التي يمثّلها القرآن الكريم.
ثالثاً: ما هو الدليل الذي يجعل أخبار العرض محصورةً في دائرة آيات الأحكام؟ والحال أن المعصومين (عليهم السلام) كانوا في صدد تقديم ضابطة كلية وعامة، كما أن تعبيراتهم في هذا المجال اتسمت بالإطلاق والشمولية.
النقطة الرابعة: نبذة من الردود الشيعيّة على كتاب «فصل الخطاب».
لقد انهمك علماء الإمامية، لا سيما في القرن الأخير، وعقب تأليف المحدث النوري لكتابه «فصل الخطاب»، بدراسات موسعة وشاملة تثبت سلامة القرآن من التحريف وتناقش الأفكار التي أثارها النوري وتبطل مقولة التحريف، وهي دراسات لا تزال متواصلة، نورد هنا بعضاً من منجزاتها من الكتب التي ألّفت في هذا الصدد:
1 ـ كشف الارتياب في عدم تحريف كتاب ربّ الأرباب، تأليف محمود بن أبي القاسم، المشتهر بالمعرّب الطهراني (ت/ 1313ق)، وقد كتبه (رحمه الله) في سنة 1303، أي بعد أقل من أربع سنوات على نشر كتاب فصل الخطاب.
2 ـ حفظ الكتاب الشريف على شبهة القول بالتحريف، تأليف هبة الدين السيد محمد الحسيني الشهرستاني (ت/ 1315هـ.ق.)، تنزيه التنزيل، علي رضا الحكيم الخسرواني (طبع 1371) الذرية: ج26، ص 238.
3 ـ الحجة على فصل الخطاب في إبطال القول بتحريف الكتاب، تأليف عبد الرحمن المحمدي الهيدجي، تأليف سنة 1372ق.
4 ـ البرهان على عدم تحريف القرآن، تأليف الميرزا مهدي البروجردي، تأليف سنة 1374ق.
________________________________________

[الصفحة - 245]


5 ـ آلاء الرحيم في الردّ على تحريف القرآن، تأليف الميرزا عبد الرَّحيم المدرس الماهر الخياباني، تأليف سنة 1381ق.
6 ـ بحر الفوائد في شرح الفرائد (في ضمن بحث حجية ظواهر القرآن)، تأليف الميرزا محمد حسن الآشتياني (ت 1319ق).
7 ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن (مقدمة الكتاب)، تأليف الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي (ت/ 1352ق).
8 ـ البيان في تفسير القرآن (مقدّمة الكتاب)، تأليف آية الله السيد أبو القاسم الخوئي (ت/ 1413ق).
9 ـ تهذيب الأصول (ضمن بحث حجية ظواهر القرآن) وأنوار الهداية، تأليف الإمام روح الله الخميني (ت/ 1416ق).
10 ـ صيانة القرآن عن التحريف، تأليف الأستاذ محمد هادي معرفة.
11 ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين (ثلاثة مجلدات)، تأليف آية الله السيد مرتضى العسكري.
12 ـ حقائق هامة حول القرآن الكريم، تأليف السيد جعفر مرتضى العاملي.
13 ـ التحقيق في نفي التحريف، تأليف السيد علي الميلاني.
14 ـ أكذوبة تحريف القرآن بين الشيعة والسنة، تأليف رسول جعفريان، ط 1413.
كلمة أخيرة
لقد تبين، من هذه الدراسة الموجزة، أنّ تلك المحاولات الرامية لإثبات تحريف القرآن لا تعتمد على ركن حفيظ، وإننا نغتنم الفرصة لدعوة المسلمين إلى التعالي عن العصبيات المذهبية، والدفاع عن القرآن الكريم، والالتفات إلى أنّ الخلاف الطائفي البغيض حقّق ـ ولا يزال ـ للمستشرقين وغيرهم الكثير من الأغراض التي كانت مسألة تحريف القرآن واحدةً منها.
فليشدّ المسلمون العزم على تقديم المصالح القرآنية الرفيعة على الخلافات الجزئية والقضايا الطائفية، فبالقرآن يصلح حالنا ويستقيم أمرنا، إن شاء الله تعالى.
________________________________________

[الصفحة - 246]