البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظريّة الإمامة وإشكاليّة الغيبة قراءة في اتجاهات تعريف المفهوم

الباحث :  السيد علي عباس الموسوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  32
السنة :  السنة الثامنة شتاء 1424هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1756
نظريّة الإمامة وإشكاليّة الغيبة
قراءة في اتجاهات تعريف المفهوم

السيد علي عباس الموسوي (*)

مـــدخـــل
تعدّ مسألة الإمامة من أمَّهات المسائل الكلامية وأساس كل مذهب من المذاهب الإسلامية، فالخلاف الأساسي ينشأ من الاختلاف في الإمام المفترض الطاعة، وعليه تنسحب سائر الاختلافات، نظراً لما يشكّله الإمام المطاع من قبل أي مذهب من مصدر معرفي يستلهم منه منظومته الاعتقادية في مختلف المسائل، ولو أتيت على ذكر الفرق لوجدت أن جوهر الاختلاف الذي يذكره علماء الكلام يعود إلى الاختلاف في الإمامة، ويكفي لإثبات ذلك عملية سبر تاريخي سريعة للفرق ونشوئها ومنظوماتها المعرفية.
والفرقة الإمامية الاثنا عشرية التي تعد من أهم فرق الشيعة، بل لعلها الفرقة الأساسية الموجودة في عالمنا المعاصر، تعتمد على الإيمان باثني عشر إماماً نص عليهم النبي (عليه السلام) ، وآخرهم الإمام محمد بن الحسن المهدي الذي تعوّل عليه الشيعة آمالها بوصفه وريثاً لمقام الإمامة، وترى أن بيده خلاص هذه الدنيا من الشرور والفساد. وفكرة المهدوية تجدها لدى المذاهب الإسلامية جميعها، ولا نبالغ في القول إن عددناها من أساسيات العقيدة الدينية، ليس في الإسلام فحسب، وليس في الأديان السماوية كذلك، بل في كل العقل البشري، متخذةً أشكالًا متعددة، والنقطة الأساسية التي تمتاز بها الشيعة هي الاعتقاد بأنه مولود حي يرزق ينتظر الأمر الإلهي بالخروج.
________________________________________
(*)باحث من الخوزة العلمية، من لبنان

[الصفحة - 37]


والبحث في قضية المهدي، في الفكر الشيعي، بحث متشعب ذو أهمية فائقة، وسوف نعالج، في هذه المقالة، إحدى الإشكاليات الأساسية التي ترتبط بهذه القضية كما ترتبط بأساس الفكر الكلامي الشيعي.
والإشكاليّة تنشأ من تساؤل بسيط عن سرّ غيبة هذا الإمام، ما يفضي إلى أن يحتاج الإيمان به إلى يقين خاصّ ونوع من التسليم؟
وهذا السؤال قدّمناه بشكل مبسّط يطرأ على أذهان الكثيرين، أمّا الصياغة العميقة له فهي ذات منهج مختلف تجعله ينبى عن إشكاليّة أشد عمقاً لا ترتبط بالاعتقاد بالإمام المهدي، بل تخرج من إطار المهدوية لتمثِّل ثغرة في نظرية الإمامة عند الشيعة. واختصاراً منَّا للسؤال نطرحه بشكل موجز لندخل بعد ذلك في تفاصيل نظرية الإمامة الشيعية بما يجعل منها مقاماً خاصاً ومضموناً مميزاً من جهة أولى، والأدلة التي يقيمها الشيعة على ضرورة وجود المعصوم من ضرورة عقلية وشرعية من جهة ثانية، ووظيفة الإمام المعصوم من جهة ثالثة؛ هذه التفاصيل جميعها تواجه إشكاليّة الغيبة، أفلا تتنافى الغيبة مع مقام الإمامة؟ ألا تشكِّل نقضاً صريحاً لأدلتها، وكيف يمكن التوفيق بين الغيبة ووظيفة الإمام المعصوم عند الشيعة والتي تتعدى رئاسة الدولة وقيادة الأمة؟؟
والسرُّ في هذا الارتباط بين وجود الإمام الغائب (عليه السلام) وبين أساس نظرية الإمامة هو أن متكلّمي الإمامية (1) جعلوا من الأدلة الأساسية لإثبات وجود الإمام الحجة (عليه السلام) ثبوت ضرورة الإمامة في كل زمان، وأن الأرض لا يمكن أن تخلو من إمام، إن ما اعتمد عليه الشيعة في استدلالاتهم الكلامية التي ساقوها لإثبات إمامة أول الأئمة، وريث النبي، وخليفته المباشر بلا فصل، هي التي تساق لإثبات إمامة الغائب المنتظر (عج).
والبحث عن هذه الإشكاليّة ينطلق من قضايا ثلاث:
الأولى: تعريف الإمامة.
الثانية: أدلَّة الإمامة وإشكاليّة الغيبة.
الثالثة: وظائف الإمامة وإشكاليّة الغيبة.
________________________________________
(1)الشريف المرتضى، المقنع في الغيبة، ص 37، آل البيت.

[الصفحة - 38]


تعريف الإمامة
تنبى قراءة الكتب الكلامية الشيعية أو العقديَّة غير الكلامية، أعني التي تتجه اتجاهاً فلسفياً أو عرفانياً، عن وجود اتجاهين في تعريف الإمامة. نعرضهما ونتحدّث عن إشكاليّة الغيبة على أساسهما.
الاتجاه الأوَّل: اتجاه كلامي لدى قدماء علماء الإمامية جرى على تعريف الإمامة بما يرجع إلى أنها الرئاسة الكبرى والزعامة الإسلامية العظمى وخلافة النبي في ما كان إليه من أمور الدِّين والدنيا.
قال الشيخ المفيد: «الإمامة هي التقدُّم في ما يقتضي الطاعة والاقتداء به» (2)، وقال الطبرسي في مجمع البيان: «المستفاد من لفظ الإمامة أمران: 1 ـ إنه المقتدى في أفعاله وأقواله. 2 ـ إنه الذي يقوم بتدبير الأمّة وسياستها، والقيام بأمورها، وتأديب جناتها، وتولية ولاتها، وإقامة الحدود على مستحقيها ومحاربة من يكيدها ويعاديها» (3).
وقال العلَّامة الحلي: «الإمامة رئاسة عامة لشخص من الأشخاص في أمور الدين والدنيا» (4).
وزاد ابن ميثم البحراني على هذا التعريف كلمة «بالأصالة» قائلًا: «الإمامة، وهي رئاسة عامة في أمور الدِّين والدنيا بالأصالة. فقولنا «رئاسة» كالجنس لها، والباقي من قبيل الخواص. واحترزنا بـ «العامة في أمور الدين والدنيا» عن الخاصة ببعضها. وبقولنا بـ «الأصالة» احتراز عن رئاسة النواب والولاة من قبله».
ويرى، في كتاب آخر له، أنَّ: «الإمامة رئاسة عامة لشخص من الناس في أمور الدين والدنيا؛ إذ الرئاسة هي الجنس القريب للإمامة، ومجموع القيود الباقية خاصة مركبة؛ إذ كل منها لا يخص نوع الإمامة دون كل ما عداه، وإن خصه بالنسبة إلى بعض الأشياء: فإن كون الرئاسة عامة وإن ميز نوع الإمامة عن نوع القضاء وكل رئاسة خاصة، لكنه لا يميزه عن نوع السلطنة الجورية، إذ هي عامة أيضاً. وقولنا: «لشخص» وإن ميزه عن رئاسة لشخصين أو أكثر، غير أنه لا يميزه عن السلطنة
________________________________________
(2)المفيد، الإفصاح في الإمامة، ص 27، مؤسسة البعثة، قم 1423.
(3)الطبرسي، مجمع البيان، ج1، ص 377.
(4)الحلي، نهج المسترشدين، ص 62. الطبري، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، ص 17، مؤسسة البعثة 1413. المفيد، النكت الاعتقادية، ص 39، دار المفيد، بيروت، 1413. الشريف المرتضى، الشافي في الإمامة، ج1، ص 5، اسماعيليان، 1410. المحقق الحلي، المسلك في أصول الدين، تحقيق رضا الأستاذي، ص 206، ط الآستانة الرضوية المقدسة، 1414. البحراني، ابن ميثم، قواعد المرام في علم الكلام، ص 174، ط مكتبة المرعشي قم، 1406.

[الصفحة - 39]


الجورية أيضاً، وقولنا: «في أمور الدين والدنيا» وإن ميزه عن سلطان الجور، غير أنه لا يكفي في تميزه إذ ليس كل رئاسة في أمور الدين والدنيا وجب أن تكون عامة، فإذن كل واحد من هذه القيود، وإن كان أعم من نوع الإمامة، إلا أنها إذا اجتمعت حصل، أي مجموعة أعراض بمجموعها تكون عرضاً خاصاً، وسيفسره المؤلف قريباً من المجموع قدر مميز لذلك النوع تمييزاً مطلقاً يسمى باصطلاح قوم الخاصة المركبة»(5) .
وزاد العلامة الحلي، في كتابه النافع يوم الحشر، على ذلك قوله: «نيابة عن النبي» (6).
ولم يزد تعريف القدماء من المتكلّمين للإمامة عن هذا على ما يظهر لمن راجع ما ذكروه في كتبهم.
الاتجاه الثاني: ويرى أن الإمامة منصب إلهي كالنبوّة لا تفترق عنها إلا بالوحي، فهي استمرار لوظائف النبوة جميعها سوى تحمّل الوحي الإلهي.
فإذاً، ما ذكر في التعريف الأوَّل من أنها رئاسة في أمور الدين والدنيا إنما هو تعريف في شأن من شؤون الإمامة، وفي وظيفة من وظائف الإمام، وإلا فالإمامة نظير النبوَّة بما للأخيرة من الدرجات العالية.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الخلاف بين الإمامية وبين غيرهم ليس خلافاً في شرائط الإمام، بل إنه يرجع إلى الإثبات والنفي، فالشيعة ترى الإمامة وغيرها ينكرها، ويرى هؤلاء أننا لو أردنا أن نقتصر على التعريف السابق لم يكن عدّ الإمامة من أصول الدين صحيحاً، بل تكون حينئذ من الفروع كما يرى ذلك أهل السنَّة.
ويسوِّغ هؤلاء صدور تعريف الإمامة بالمعنى الأوَّل الذي ذهب إليه الأعلام بأنه كان مماشاة منهم للمذاهب الأخرى في تعريف الإمامة لا أنهم كانوا يبنون على ذلك التعريف ويلتزمون به.
بل يرى هؤلاء أن الإمامة درجة أعلى من النبوَّة مستندين في ذلك إلى قصة إبراهيم (عليه السلام) في خطاب الله تعالى له حيث قال: {إني جاعلك للناس إماماً} ، فدل على أن الإمامة رتبة أعلى من النبوَّة، لأن الله عز وجل جعله إماماً بعد أن كان نبيَّاً.
________________________________________
(5) البحراني، ابن ميثم، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة، ص 41، ط الهادي، 1417.
(6)الحلي، النافع يوم الحشر، ص 93، دار الأضواء، 1417.

[الصفحة - 40]


أمّا التعريف الذي يراه العلَّامة الطباطبائي لمعنى الإمامة فهو إنها كون الإنسان بحيث يقتدي به غيره بأن يطبِّق أفعاله وأقواله على أفعاله وأقواله بنحو التبعية، والذي يصرح به العلَّامة أن لمعنى الإمامة حقيقة وراء مثل مقام الطاعة أو رئاسة الدين والدنيا أو الوصاية أو الخلافة في الأرض بمعنى الحكم بين الناس (7)، وتعميق معنى الإمامة عند السيد الطباطبائي هذا يظهر أثره في ما يتحدث به من أن للإمامة باطناً، وهذا الباطن هو نحو ولاية على الناس وأعمالهم، وهذه الهداية الباطنية تعني الإيصال إلى المطلوب والتي تختلف عن الهداية الظاهرية التي تعبّر عن بيان الطريق، الأمر الذي لا يختص بالإمام بل يعم كل مؤمن.
ويندرج تحت هذا الاتجاه المنحى العرفاني في تعريف الإمامة، والذي يعتمد على ضرورة وجود الإنسان الكامل في هذه الدنيا.
التوفيق بين الاتجاهين
ولتقديم عمليَّة توفيق بين الاتجاهين المذكورين، في تعريف الإمامة، من دون الدخول في عملية تحوير أو توجيه يوجب التصرف في المراد، يمكن الحديث عن صياغات متعدِّدة:
الأولى: إن مفهوم الإمامة في عالم الفكر والإثبات ـ لا بحسب عالم الواقع والثبوت ـ مفهوم خضع للتحول والتكامل، ولم يكن عند القدماء مع تتبعهم واضحاً كمفهوم الإمامة في الظرف الحالي، وذلك يرجع في الحقيقة إلى مجموع عوامل موجبة لذلك، سواء من ناحية مشي الأعلام من الإمامية على مصطلحات المدرسة الأخرى أم من جهة أن أدوات التفكير الكلامي ككل تنتج مفاهيمه.
ويستشهد على ذلك بظاهرة الرمي بالغلو ونقاش العلماء في ذلك، فإن كثيراً مما عدّ في ذلك الزمان غلوَّاً أضحى الآن من ضروريات الإمامة كما ذكره الباحثون في تراجم الرجال.
وغير بعيد عن هذا، ما ذكره الشهيد المطهري بعد أن ذكر أن للإمامة مراتب ثلاث: قيادة المجتمع والمرجعية الدينية والولاية، قال: إن للتشيع أيضاً ثلاث
________________________________________
(7)الطباطبائي، الميزان، ج1، ص 271.

[الصفحة - 41]


مراتب، فبعض الشيعة يعتقد بالإمامة بمعنى كونها قيادة اجتماعية، وبعضهم الآخر يعتقد بالمرتبة الثانية للإمامة ـ المرجعية الدينية ـ بيد أنه لا يصل إلى الثالثة ـ الولاية ـ أمّا أكثرية الشيعة وعلماؤهم فقد كانوا يعتقدون بالمرحلة الثالثة (8). ولعل هذا الاتجاه هو أفضل ما يمكن تقديمه في هذا الإطار، لأن المتتبع لكلمات القدماء من المتكلّمين يظهر له بوضوح خلو كلماتهم ممَّا ذكره التعريف الثاني للإمامة.
الثانية: وترى أنه لا تنافي في الحقيقة بين الاتجاهين، وأن الاتجاه الأول هو الصحيح، أمّا الاتجاه الثاني فقد خلط بين تعريف الإمامة وبين مقام الإمام، فالاتجاهان متوافقان على ما ذكر من شؤون الإمامة، وهو في الحقيقة ليست تعريفاً للإمام بل تعريف لوظائف الإمامة، وأما الإمامة فهي عبارة عن الرئاسة في أمور الدين والدنيا، وكون الإمامة من المناصب الإلهيّة مما يراه أيضاً أصحاب الاتجاه الثاني، وأنها ولاية، فإن من شؤون الرئاسة تضمّنها للولاية، ولم يكن معنى خلافة النبي في عرف المتكلّمين في ذلك الزمان مجرداً عن الولاية، وكذلك كون الإمام مرجعاً دينياً فإن رئاسة أمور الدين ليس سوى ذلك.
ولكن من البعيد أن ننفي الاختلاف بين التعريفين لا سيما على ما سيظهر لنا من خلال طيات البحث من عدم ذكر المتقدِّمين لمعنى الإمامة الذي يذهب إليه الاتجاه الثاني، والولاية التي جرى الحديث عنها، والتي تتضمن معنى الإمامة المراد منها الولاية الظاهرية التي هي ولاية التصرف والطاعة لا الولاية الباطنية والهداية الإيصالية.
بل، ولدى ملاحظة الحديث عن مسائل أخرى في الإمامة كالعصمة، نجد اختلافاً في الاتجاهين في إقامة الدليل على العصمة، فإن الاتجاه الأول يعتمد على إقامة الدليل العقلي على ضرورتها، أمّا الاتجاه الثاني فيعتمد على تفسير العصمة بعملية ذاتية ترجع إلى العلم على ما سيأتي توضيحه، ولذلك لا تجد في كلمات المتقدمين من علماء الإمامية أثراً لذلك، مع أنه لم يكن ظرفهم بمانع من الاتجاه إلى التعريف الآخر.
الثالثة: ما لاحظته من خلال دراسة معمَّقة لكلا الاتجاهين، ذلك أننا إذا أردنا
________________________________________
(8)المطهري، الإمامة، ص 53، ترجمة جواد كسار، مؤسسة أم القرى 1417.

[الصفحة - 42]


أن لا نقتصر، في البحث، على تعريف مفردة الإمامة بل توسعنا قليلًا في الدراسة إلى مختلف مباحثها لوجدنا اختلافاً في المنهج، إن المنهج الكلامي يختلف عن المنهج الفلسفي العرفاني الذي يعتمده أصحاب الاتجاه الآخر، إن قضية الاختلاف هذه لا ترجع إلى تحوّل في المفهوم بل ترجع إلى اختلاف مدرسي منهجي؛ إذ إن المقدمات النظرية والمنهج الاستدلالي يختلفان كثيراً بين الاتجاهين، فلا أستطيع أن أحاكم الاتجاه الأول بما توصل إليه الاتجاه الثاني، لأن منهج الأول يغاير منهج الثاني مغايرة العقل الكلامي للعقل الفلسفي. إن الاتجاه الثاني يعتمد على أن قدم الاستدلال عندهم «خشبية»، تعبيراً عن عدم المتانة وعدم القدرة على الصمود، إنها نقلة نوعية في الفهم تختلف في مقدماتها النظرية، وليست القضية مجرد اختلاف في التعريف أستطيع أن أرجعه بسهولة إلى عملية خلط بين التعريف ووظائف الإمامة، مبتعدين في ذلك كله عن الحكم بالخطأ والصواب مستهدفين في المقابل ملاحظة وصفيَّة للمدرستين.
أدلَّة الإمامة وإشكاليّة الغيبة
قالت الإمامية: الإمامة واجبة عقلًا، وقالت الأشاعرة: تجب سمعاً لا عقلًا، وقالت جماعة من المعتزلة: تجب سمعاً وعقلًا.
الأدلَّة العقلية على لزوم الإمامة
ساق علماء الإمامية ومتكلّموها عدة أدلَّة لإثبات وجوب الإمامة عقلًا من الله هي:
الدَّليل الأول:
وهو أشهر الأدلّة لدى العلماء، وهو المسمى بدليل اللطف، وهذا الدليل مؤلَّف من مقدِّمتين:
الأولى: الإمامة لطف.
الثانية: اللطف واجب على الله تعالى.
________________________________________

[الصفحة - 43]


أمَّا المقدِّمة الأولى، فقد عرّف المتكلّمون اللطف بأنه ما أفاد هيئة مقرَّبة إلى الطَّاعة ومبعدة عن المعصية، بحيث لم يكن له حظ في التمكين ولا يبلغ حد الإلجاء، والتقييد بعدم الحظ في التمكين لأجل الاحتراز عن وقوع الفعل بوساطة الآلات والأدوات البشرية، فإنها وإن كانت مما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية إلا أن لها مدخلية في تمكين المكلف من الفعل، والتقييد بعدم الوصول إلى حد الإلجاء من جهة أنه ينافي التكليف (9) .
أمَّا تقريب اللطف، فبأن وجود الإمام يقرب من الطاعة ويبعد من المعصية، لأنه من المعلوم أنه إذا كان بين الناس رئيس يردع الظالم وينتصر للمظلوم ويحثهم على الواجبات ويردعهم عن المحرمات، كانوا إلى الصلاح أقرب وعن الفساد أبعد.
قال الشيخ الطوسي: «إنه قد ثبت أن الناس، متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب، إذا كان لهم رئيس مطاع منبسط اليد يردع المعاند ويؤدب الجاني، ويأخذ على يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من الظالم، كانوا إلى وقوع الصلاح وقلة الفساد أقرب، ومتى خلوا من رئيس على ما وصفناه وقع الفساد، وقلّ الصلاح، ووقع الهرج والمرج، وفسدت المعايش. بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار، ومن خالف في ذلك لا يحسن مكالمته لكونه مركوزاً في أوائل العقول. بل المعلوم أن مع وجود الرؤساء وانقباض أيديهم وضعف سلطانهم يكثر الفساد ويقلّ الصلاح، فكيف يمكن الخلاف فيه» (10).
وقال ابن ميثم البحراني: «نصب الإمام إما أن يكون خيراً محضاً أو الخير فيه أغلب، أو شرَّاً محضاً أو الشر فيه أغلب، أو متساويين، والأقسام الثلاثة الأخيرة باطلة لما يعلم بالضرورة بعد تصفّح أحوال الخلق وعاداتهم أنه متى كان بينهم رئيس منبسط اليد قوي الشوكة، يردع ظالمهم وينصر مظلومهم، ويحثّهم على الواجبات ويكفّهم عن المحرَّمات، كانوا إلى الصلاح أقرب وعن الفساد أبعد، وإذا لم يكن بينهم مثل هذا الرئيس كان حالهم بالعكس، وفطرة العقل شاهدة بما ذكرنا، وإذا كان الأمر كذلك لم يمكن أن يقال الشر في هذه الحالة مساو للخير فضلًا عن القسمين الأخيرين، فبقي أن يقال: إنها خير أو الخير فيها غالب، وأيما كان فهي تفيد
________________________________________
(9)المفيد، أوائل المقالات، ص 161، دار المفيد 1414.
(10)الطوسي، الاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد، ص 297، دار الأضواء، 1986.

[الصفحة - 44]


المطلوب. أمّا الأول: فلأن ذات الله تعالى فيّاضة بالخيرات، لا توقف لها في إفاضة الخيرات على أمر غير ذاتها، فكان إيجادها لمثل هذا الخير المحض واجباً. وأما الثاني: فهو أيضاً كذلك، فأما كونها مشتملة على شيء من الشرور فلا يضر في وجوب وجودها، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شرّ كثير في الجود والحكمة. فيثبت بما قررناه أن نصب الإمام واجب من الله تعالى، وهو المطلوب» (11) .
وأما المقدمة الثانية، أي وجوب اللطف على الله تعالى، فأفضل ما ذكر في تقريبه هو ما ذكره الحلّي في شرح التجريد: والدليل على وجوبه أنه يحصل غرض المكلف، فيكون واجباً وإلَّا لزم نقض الغرض، وبيان الملازمة، أن المكلِّف إذا علم أن المكلف لا يطيع إلا باللطف، فلو كلّفه من دونه كان ناقضاً لغرضه، كمن دعا غيره إلى طعام وهو يعلم أنه لا يجيبه إلَّا إذا فعل معه نوعاً من التأدُّب، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوع من التأدّب كان ناقضاً لغرضه، فوجوب اللطف يستلزم تحصيل الغرض (12).
وهذا الدَّليل هو الدَّليل نفسه المقام على لزوم النبوَّة، فكل ما دل على وجوب النبوَّة ونصب النبي من الله وتعيينه يدل على الإمامة وخلافة النبي، باستثناء الوحي التشريعي (13).
ويذهب العلَّامة الحلي إلى اعتبار إنكار الإمامة أشد شناعة من إنكار النبوَّة، يقول: الإمامة لطف عام، والنبوَّة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حي، بخلاف الإمام لما سيأتي، وإنكار اللطف العام شرّ من إنكار اللطف الخاص، وإلى هذا أشار الصادق (عليه السلام) بقوله عن منكر الإمامة أصلًا ورأساً وهو شرهم (14)، ويقول في موضع آخر: الإمام المعصوم لطف عام، والنبي لطف خاص، وانتفاء العام شرّ من انتفاء الخاص، فإذا استحال عدم إرسال الرسل منه تعالى فاستحالة عدم نصب الإمام المعصوم من باب مفهوم الموافقة كتحريم التأفيف الدال على تحريم الضرب (15).
يعتمد دليل اللطف، إذاً، بشكل أساسي على ملاحظة وظيفة الإمام والدور الذي يقوم به، ويرتبط هذا الدور بالدَّور نفسه الذي يقوم به النبي المرسل من قبل
________________________________________
(11)البحراني، ابن ميثم، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة، ص 45، ط الهادي، 1417.
(12)الحلي، تجريد الاعتقاد، ص 325، نشر جماعة المدرسين، قم. الطوسي، الاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد، ص 297. المرتضى، الذخيرة، ص 410، ط جماعة المدرسين، 1411. الحلبي، أبو الصلاح، تقريب المعارف في الأحكام، ص 116، ط جماعة المدرسين، 1404.
(13)الآملي، حسن زاده، رسالة إمامت (فارسي)، انتشارات قيام، 1376.
(14)الحلي، الألفين في إمامة أمير المؤمنين، ص 13، الأعلمي، بيروت، 1982.
(15)م.ن.، ص 100.

[الصفحة - 45]


الله، فالبشرية لا بد لها من شخص يقودها، ولا بد من تدخّل إلهي لذلك، وهذا يظهر من حديثهم عن وجوب الإمامة عقلًا على الله، ودليل اللطف هذا الذي ساقه متقدمو متكلّمي الإمامية يتحدث عن عملية استمرار لوظيفة النبوَّة، ولهذا سوف يختلف تفسير ختم النبوَّة عما هو لدى أهل السنة، لأن وظيفة النبوَّة سوف تبقى مستمرة، فتفسير الخاتمية بعملية استغناء عن الغيب ممتنع مع استمرار اللطف الواجب في الهداية.
الدليل الثاني: وجوب حفظ الشريعة
ويعتمد هذا الدَّليل على ما ثبت من كون دين الإسلام هو خاتم الأديان لا ينسخ ولا يرفع، فعلى الناس أن تتبعه إلى يوم القيامة، ومتى كان كذلك كان لا بدَّ من وجود من يحفظ هذه الشريعة، وطريق حفظ شريعة الإسلام منحصر بوجود المعصوم.
وتعتمد الطَّريقة، في هذا الاستدلال، على ما ذكره الشيخ الطوسي عن حصر الطُّرق لحفظ الشريعة بأمور، منها: وجود المعصوم، وحيث تبطل الوجوه الأخرى لا يبقى من طريق لحفظ الشريعة سوى وجود المعصوم، والطرق الأخرى هي التواتر، وهو لا يشمل كل الشريعة، والثاني الإجماع وهو كذلك غير حاصل في جميع مسائل الشريعة، والثالث هو أخبار الآحاد والقياس، لأنه لا يجوز العمل عليها؛ إذ الحجية تنحصر بما أفاد العلم من الأخبار لا على القياس، لبطلان كونه دليلًا مثبتاً للأحكام.
قال الشيخ الطوسي: «إنه إذا ثبت أن شريعة نبينا (صلي الله عليه و آله و سلم) مؤبّدة إلى يوم، القيامة وإن من يأتي في ما بعد يلزمه العمل بها كما لزم من كان في عصر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فلا بد من أن تكون علتهم مزاحة [كما كانت علة من شاهد النبي مزاحة في زمانه، ولا تكون العلة مزاحة] إلا بأن تكون الشريعة محفوظة، فلا تخلو من أن تكون محفوظة بالتواتر أو الإجماع أو الرجوع إلى أخبار الآحاد والقياس، أو بوجود معصوم عالم بجميع الأحكام في كل عصر يجري قوله مثل قول النبي (عليه السلام) ، فإذا أفسدنا الأقسام كلها إلا وجود معصوم ثبت أنه لا بد من وجوده في كل وقت» (16).
________________________________________
(16)الطوسي، الاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد، ص 302، دار الأضواء.

[الصفحة - 46]


وهذا الدليل يعتمد على ملاحظة شريعة الإسلام بخصوصياتها الخاصة من كونها شريعة خاتمة كاملة مؤبدة وقصور الوسائل المتاحة لحفظها.
الدليل الثالث: بيان الأحكام الشرعية
إن الشريعة الإسلامية لم تصل فيها إلى الناس أحكام جميع الوقائع، فلا بد من شخص يبيِّن لهم تلك الأحكام، قال العلامة الحلي في الألفين: «الوقائع غير محصورة والحوادث غير مضبوطة، والكتاب والسنة لا يفيان بها، فلا بد من إمام منصوب من قبل الله تعالى، معصوم من الزلل والخطا، يعرِّفنا الأحكام ويحفظ الشرع» (17).
ويتحدَّث الشهيد المطهري عن الحاجة إلى الإمام من هذه الجهة، فإن الدين الإسلامي لا شك في نزوله كاملًا على النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، والنبي بلغه للناس كاملًا، ولكن هذه الصيغة الكاملة للأحكام التي صدرت من النبي لم تكن تساوي ما قاله لعامة الناس، ومن هنا فإن ما بلّغه لعامة الناس لم يكن يعبر عن الصيغة الكاملة للأحكام التي أوحيت إليه من عند الله، بل اختص بصيغة الأحكام الكاملة تلميذه الخاص علي بن أبي طالب، ثم إن الكثير من الأحكام لم تظهر موضوعاتها في عصر النبي أصلًا وإنما حصل السؤال عنها بعد ذلك (18).
إن الصِّياغة التي يمكن لنا تقديمها لهذا الدليل تعتمد على:
1 ـ إن الإسلام، بوصفه ديناً كاملًا، نزل على النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) من قبل الله.
2 ـ إن مجموعة من العوامل منعت النبي من إيصال هذا الدين بشكله الكامل إلى الناس، وهذه ترجع إلى مثل عدم وجود مدة زمانية كافية، أو عدم وجود قدرة لدى الأمّة على ذلك، أو عدم وجود موضوعات تلك الأحكام باعتبارها أحكاماً لموضوعات مستجدة.
3 ـ إن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يكن لديه من سبيل للقيام بمهمة تبليغ الدين إلا إبلاغة لشخص يمتلك مؤهلات تخوّله القيام بهذه المهمة، وهذا الشخص هو الإمام، وعليه ترتبط ضرورة الإمامة بضرورة بيان الدين الإسلامي الخاتم بصيغته الكاملة.
________________________________________
(17)الحلي، الألفين، ص 18.
(18)المطهري، الإمامة، ص 50.

[الصفحة - 47]


4 ـ إن هذا الدليل يشهد له الاختلاف التاريخي والمائز الأساسي بين المدرستين الشيعية والسنِّية، إذ تعتمد الأولى على النص بشكل أساسي، هذا النص الذي امتلك استمرارية لم تكن متاحة لدى المدرسة الأخرى، ما أدَّى إلى اعتماد وسائل أخرى كالقياس والاستحسان كانت محل رفض قاطع لدى المدرسة الشيعية.
الدليل الرابع: إقامة الحكومة الإلهيّة
ويعتمد هذا الدليل على مقدمة ثابتة في الشريعة الإسلامية تقضي بما يأتي: في الإسلام مجموعة من الأحكام التي تتوقف إقامتها على وجود الإمام، وهذه التكاليف تتعطل مع عدم وجود إمام للناس يقوم بها، ومن هذه الأحكام الحقوق الشرعية التي لا بد من دفعها للإمام، والتحاكم في مقام نزع الخصومة، أي الفصل بين الاختلافات، وإقامة بعض الفرائض كالصلاة والزكاة والحج والجهاد وغيرها من الوظائف الموكولة في الشرع للإمام، وحيث أن هذه الفرائض لا بد للناس من إقامتها، وهم مكلفون بذلك، فلا بد من وجود إمام يقوم بها، والتكليف بإقامتها من دون تعيين أئمة من الله عز وجل من التكليف بما لا يطاق، وهو مستحيل على المولى الحكيم.
وهذا الدليل ساقه الشيخ المفيد (19) لإثبات لزوم معرفة الإمام على المكلفين، وهو يصلح أيضاً دليلًا على أصل لزوم الإمامة، وهذه الوظائف يمكن التعبير عنها بأنها وظائف الحكومة الإسلامية والإمام هو الحاكم فيها.
وهذا الدليل استفاد منه، أيضاً، من ذهب إلى ثبوت الولاية العامة للفقهاء في عصر الغيبة، إذ تساق مفردات هذه الوظائف الموكولة للإمام بوصفها دليلًا على أن للإسلام دعوة لإقامة الحكومة في كل زمان من دون اختصاص بعصر وجود المعصوم، وأن في عدم إقامة الحكومة الإسلامية تعطيل لهذه الأحكام.
صفات الإمام عند الإماميَّة
ذكرت الإمامية أنه لا بد من توافر مجموعة من الصفات في الإمام، وأهم ما ذكروه، مما يرتبط بهذا البحث، هو العصمة، فلا بدَّ من أن يكون الإمام معصوماً، والعصمة ملكة نفسانية يمتنع معها المكلف عن فعل المعصية (20).
________________________________________
(19)المفيد، الإفصاح في الإمامة، ص 29، مؤسسة البعثة، 1412.
(20)البحراني، ابن ميثم، النجاة في القيامة، ص 44.

[الصفحة - 48]


والأدلَّة على العصمة:
أوَّلًا: الدَّليل نفسه الدَّال على وجوب الإمامة، ألا وهو اللطف الموجود فيها، فإن تحقق اللطف يتوقف على وجود إمام معصوم، قال الشريف المرتضى في المقنع: «إن علة الحاجة إلى الإمام هي أن يكون لطفاً للرعية في الامتناع من القبيح وفعل الواجب على ما اعتمدناه ونبهنا عليه. فلا يخلو من أن تكون علة الحاجة إليه ثابتة فيه أو تكون مرتفعة عنه. فإن كانت موجودة فيه، فيجب أن يحتاج إلى إمام كما احتيج إليه، لأن علة الحاجة لا يجوز أن تقتضيها في موضع دون آخر، لأن ذلك ينقض كونها علة، وهذا يقتضي إما الوقوف على إمام ترتفع عنه علّة الحاجة، أو وجود أئمة لا نهاية لهم وهو محال. فلم يبق بعد هذا إلا أن علة الحاجة إليه مفقودة فيه، ولن يكون ذلك إلا وهو معصوم ولا يجوز عليه فعل القبيح» (21).
ثانياً: ما تقدَّم من الدليل الثاني على الإمامة، ألا وهو لزوم حفظ الشريعة لأنها الشريعة المؤبَّدة إلى يوم القيامة، وبيانه: إن شريعة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مؤبَّدة لازمة لكل مكلَّف، باقية إلى يوم القيامة، ولا بد لها من حافظ، وحفظها لا يخلو من أن يكون إلى الأمّة جميعها، أو إلى بعضها. لا يجوز أن يكون الحافظ لها الأمّة جميعاً، لأن الأمّة يجوز عليها السهو والغلط وتعمّد الباطل، لأن العصمة مرتفعة عن كل واحد من الرعية، وما جاز على آحادها جاز عليها جميعها(22).
ثالثاً: الدليل الثالث نفسه، الدَّال على ضرورة وجود الإمام، لأن المبين لما نقص من الأحكام إن كان غير معصوم لزم إمكان أن يترك بعض الأحكام أو يزيد فيها أو يبدلها عمداً أو سهواً، ولا يقوم بهذا الأمر على تمامه إلا المعصوم (23).
إشكاليّة الغيبة
والإشكاليّة المثارة على نظرية الإمامة، في قضية الغيبة، إنما تمر عبر التَّرتيب الذي ذكرناه سابقاً في الأدلَّة:
فأوَّلًا: من جهة الدليل العقلي على الإمامة.
أمَّا الدَّليل الأوَّل، فأساس الاستدلال يبتني على قاعدة اللطف، واللطف هو ما
________________________________________
(21)الشريف المرتضى، المقنع في الغيبة، ص 36، مؤسسة آل البيت 1416. لاحظ أيضاً الطوسي، الاقتصاد في ما يتعلق بالاعتقاد، ص 198.
(22)ابن جبر، نهج الإيمان، ص 53، نشر مجمع الإمام الهادي، مشهد، 148.
(23)الحلي، الألفين، ص 18.

[الصفحة - 49]


يقرب من الطاعة ويبعد عن المعصية، ومن الواضح أنه مع وجود الإمام يكون الناس أقرب من الطاعة وأبعد عن المعصية، وعلى ما تقدَّم من عبارة الشيخ الطوسي، فإن الموجب لذلك هو الانتصار للمظلوم وردع السفيه وتأديب الجاني... إلى آخره.
فإذا كان اللطف هو ما ذكره هؤلاء الأعلام عند بيانهم لهذا الدليل، فمن الواضح أن هذا الأمر غير تام بالنسبة للإمام المعصوم الغائب، فإنه غير متمكّن من أيّ من هذه الأمور، فلا لطف ملزم لنصب الإمام مع كونه غائباً مستوراً لا يراه أحد من الناس.
وهذه الإشكاليّة ليست مستحدثة بل هي مصاغة في الكتب الكلامية، فقد ذكرها الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة، وذكر أنه وجدها لبعض المتأخرين مسجّلة على كلام السيد المرتضى (24) .
أما الدليل الثاني، أي لزوم حفظ الشريعة، فهذا الأمر أيضاً لا يتم في زمن غيبة المعصوم المفترض قيامه بهذه الوظيفة، لأن تلقِّي الأحكام من الإمام أمر متعذر في عصر الغيبة، ونذكر هنا صياغة للإشكال يقدّمها أحد علماء الإمامية، فيقول: «ما الطريق إلى معرفة أحكام الشرع في حال غيبة الإمام (عليه السلام) ؟ إن قلتم: لا طريق إليها كان ذلك حكماً منكم بأن الناس في حيرة وضلالة، وأن أحكام الشرع مهملة معطلة في أحوال الغيبة؛ إذ لا طريق إلى الكتاب والسنّة والإجماع كان في ذلك التصريح بالاستغناء عن الإمام وذلك مبطل لقولكم: إن أحكام الشرع تؤخذ وتتلقّى منه وأنه حافظ للشرع» (25)، وهذا الإشكال لا يرد بالنسبة لسائر الأئمة لأنهم كانوا ظاهرين بارزين يفتون بالأحكام ويرشدون الناس.
وكذلك حال الدليلين الثالث والرابع على لزوم الإمامة، فإن غيبة الإمام تشكل نقضاً واضحاً لهذين الدليلين، إذ لن يتمكّن الإمام من بيان الأحكام التي لم تصل إلى عامّة المكلفين أو أحكام الوقائع غير المتناهية، كما أنَّ الإمام الغائب لن يتمكَّن من القيام بمجموعة التكاليف التي تتوقف عليه، والتي تشكل المقدمة الأساسية لهذا الدليل، أي أنه لن يتمكن من إقامة الحكومة الإسلامية. وقد قام الشيخ المفيد بذكر هذا الإشكال قائلًا: إذا استمرّت غيبة الإمام على الوجه الذي تعتقده الإمامية ـ فلم
________________________________________
(24)الطوسي، الغيبة، ص7، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1411.
(25)الحمصي، المنقذ من الاعتقاد، ص 377.

[الصفحة - 50]


يظهر له شخص، ولا تولّى إقامة حد، ولا إنفاذ حكم، ولا دعوة إلى حق، ولا جهاد العدو ـ بطلت الحاجة إليه في حفظ الشرع والملة، وكان وجوده في العالم كعدمه (26).
صفات الإمام وإشكاليّة الغيبة
العصمة: علمنا مما سبق أن دليل عصمة الإمام من العقل ترجع إلى الدَّليلين العقليين على العصمة؛ فمن جهةٍ، اللطف لا يحصل إلا بالمعصوم، ومن جهة أخرى: إن حفظ الشريعة لا يحصل إلا من المعصوم، وإذا ورد الإشكال على كلا الدليلين ورد الإشكال على لزوم عصمة الإمام، فإذا كان الإمام لا يمكنه القيام بوظائف الإمامة من تأديب الجاني وردع السفيه والانتصاف من المظلوم، وإذا كان حفظ الشريعة غير ممكن بسبب الغيبة، كان الإشكال على لزوم العصمة وارداً. وكذلك الحال بالنسبة للدليل الثالث، فإذا كان بيان الأحكام متعذِّراً في عصر الغيبة على الإمام، لم يتم الدليل المساق للعصمة من خلال قيامه بوظيفة بيان الأحكام.
الأجوبة المذكورة على إشكاليّة الغيبة
الجواب الأوَّل: ما ذكره الشريف المرتضى من بقاء المصلحة في وجوده مع وجود المصلحة في غيبته، وذلك لأن المصلحة في وجوده ترجع إلى المكلّفين والمصلحة في غيبته ترجع إليه هو نفسه، وحيث إن السبب الموجب لغيبته بيد المسبب، لذلك إزالة السبب كان اللطف قائماً، وهذا كغيبة النبي في الغار؛ حيث غاب عن قومه فإن ذلك لم يوجب ارتفاع اللطف من الله (27)، فكلام المرتضى يريد به منع ارتفاع اللطف من وجوده.
ولعلّ الصياغة التي يقدمها الشيخ الطوسي أوضح، حيث يذكر أن السبب في عدم انبساط يده، ليس لأجل خروج انبساط اليد عن كونه لطفاً بل وجه اللطف ما زال به قائماً، وإنما لم يحصل اللطف لأمر يرجع إلى غير الله (28).
والملاحظة التي تتجه على هذا الجواب: إن المحذور يرجع إلى ارتفاع اللطف وإن كان السبب في ارتفاعه يعود إلى المكلَّفين، فارتكاز الجواب على ملاحظة السبب في ارتفاع اللطف ونسبته إلى المكلفين، وأن بيدهم الأمر، لا يحل لنا مشكلة
________________________________________
(26)المفيد، المسائل العشر في الغيبة، ص 105، مركز الأبحاث العقائدية، 1413.
(27)المرتضى، تنزيه الأنبياء، ص 325، دار الأضواء، 1409.
(28)الطوسي، الغيبة، ص 8، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1411.

[الصفحة - 51]


ارتفاع اللطف الذي هو ركيزة الاستدلال العقلي على الإمامة، وبعبارة أخرى: إن مجرد الالتفات إلى أن اللطف الموجب للإمامة هو أنه يكون مقرباً للطاعة ومبعداً عن المعصية، وانتفاء هذا اللطف في غيبته يكفي لانتفاء الدليل، وإن كان السبب هو عدم طاعة الناس له، وبصياغة أخرى: إذا كانت المصلحة في وجوده ترجع إلى المكلَّفين وهي غير ممكنة مع غيبته، فهذا يعني انتفاءها مهما كان السبب في ذلك.
الجواب الثاني: لأجل رفع الإشكال عن الدليل العقلي الثالث من أدلة الإمامة، والقائل: إنَّ مجرّد غيبة الإمام لا تنهي الحاجة إليه في مسألة حفظ الشريعة التي يعتمد عليها الدليل العقلي الثاني المتقدم يقدّم الجواب التالي: إن المهام الموكولة للإمام لا تتوقّف على الحضور الشخصي له، بل يكفي أن يختار له نواباً يكون على عاتقهم وظيفة القيام بهذه المهمّة، كما صدر هذا من الأنبياء في حياتهم، وهذا الجواب ذكره الشيخ المفيد وذيّله بقوله: «ولكن متى وجد أتباعه قد تركوا ما كلّفهم به فإنه يظهر ليتولّى الأمر بنفسه» (29). فالتكاليف التي تتوقّف إقامتها على الإمام، أيضاً، من إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام والجهاد، يقوم بها أتباعه، وعليه فأمر حفظ الشريعة يبقى حينئذٍ موكولًا للإمام، ولا يمكن أن يقوم غيره بهذه المهمة.
وهذا الجواب لا يفي بحلّ المشكلة على مستوى الدليل العقلي الثالث، بل هو يرجع إلى نوع من التعديل في الدليل الثالث بنحو يشكّل تراجعاً عنه، والتعديل ينصب على أن التكاليف الموكولة إلى الإمام من الممكن قيام نواب الإمام مقامه فيها، فلا يلزم التكليف بغير المقدور، وهذا يرجع إلى أن الشيخ المفيد عمد إلى رفع الإشكال عن الدليل الثالث بسوق الدليل الثاني الذي يرجع إلى بيان فائدة لوجود الإمام، وهو حفظ الشريعة إذا حصل التخلّف ممّن نصبهم من النوَّاب.
الجواب الثالث: ما أجاب به الشريف المرتضى وابن ميثم البحراني (30) ، وهو أن فائدة الغيبة هي اللطف المقرّب للطاعة والمبعد عن المعصية، ولكن لأوليائه وشيعته، لأنهم مع اعتقادهم بوجوده، لا بد من أن يخافوه ويهابوه في ارتكاب القبائح، ويخشوا تأديبه وانتقامه وسطوته ومؤاخذته، فيكثر منهم فعل الواجب ويقلّ ارتكاب القبيح، وهذه هي جهة الحاجة العقلية لوجود الإمام (31).
________________________________________
(29)المفيد، المسائل العشر في الغيبة، ص 105.
(30)البحراني، قواعد المرام في علم الكلام، ص 191، نشر مكتبة المرعشي، 1406.
(31)المرتضى، المقنع في الغيبة، ص 75، ط آل البيت، 1416.

[الصفحة - 52]


وطريقة اطلاع الإمام على ما يفعله شيعته ـ على ما يذكره الشريف المرتضى ـ تتم إما عبر مشاهدته لذلك، لأن الإمام إذا لم تعرف عينه ويميز شخصه، كان التحرّز أوسع وأسهل، أو عبر البينة أو عبر الإقرار.
إن ما يؤخذ على هذا الجواب أنه عملية تعديل لدليل اللطف، الملزم للخصم لإثبات الإمامة وضرورة نصب الإمام من الله.
الجواب الرابع: ويبتني على أن حفظ الشريعة حاصل من جهتين، فمن جهة أولى: الروايات الواردة التي صدرت من الأئمة (عليهم السلام) ، والتي حصل فيها تبليغ الشريعة كلَّها إلى الخلق، ومن جهة ثانية: حفظه هو (عليه السلام) بعد فقدهم بكونه من وراء الناقلين وأحد المجمعين من شيعته وشيعة آبائه (عليهم السلام) ، فقام والحال هذه إجماع العلماء من شيعته وتواترهم بالأحكام عن آبائه (عليهم السلام) ، مع كونه حافظاً من ورائهم مقام مشافهة الحجة (32) .
ومن الواضح وجود المناقشة في كلا الشقَّين: أمَّا الأول فلأن الكثير من أحكام الشريعة خفي علينا بسبب عدم تمكن الأئمة بأجمعهم من نشر الأحكام، وذلك بسبب الذي وقع عليهم، أما الثاني فلأن الإجماع الذي يدخل فيه المعصوم، وإن كان حجة بالاتفاق، لا تتحقَّق صغراه، وهذا ما عليه عامّة الفقهاء من المتأخرين.
الجواب الخامس: إن الفائدة المترتبة على وجود المعصوم والتي هي أساس قاعدة اللطف، غير منتفية، وذلك لما ذكره العلامة الحلي: فالأجدر في تعليل اللطف حال الغيبة بأن يقال: وجوده نفسه لطف، وذلك لأن فيه إقامة للحجّة على العباد، ولما كان خذلان الناس له هو الذي أوجب غيبته وعدم تمكينه كانت الحجة عليهم أتم، فهم يعلمون أنَّ الحجة بوجوده قائمة عليهم والتكليف غير مرفوع عنهم، والعصيان هم مسؤولون عنه، فمن ثم يكون ذلك مقرباً لهم إلى الطاعة مبعداً عن المعاصي (33).
وللشيخ الطُّوسي عبارة، في كتابه شرح التجريد، يقول فيها: إنَّ وجوده لطف وتصرُّفه لطف، وقد حمل الأعلام المراد من قوله وجوده لطف على ما تقدم من العلامة الحلي، وإن كان من الممكن أن يكون المراد هو الإشارة إلى المعنى الأعمق للإمامة التي يتبناها التعريف الثاني للإمامة.
________________________________________
(32)الحلبي أبو الصلاح، تقريب المعارف، ص 444، تحقيق ونشر فارس الحسون، 1417.
(33)الحلي، الألفين، ص 65، مكتبة الألفين، الكويت.

[الصفحة - 53]


إشكاليّة الغيبة والتعريف الثاني للإمامة
تقدم أن لتعريف الإمامة اتجاهان، وأن الاتجاه الثاني، ولعل قطبه السيد الطباطبائي، يرجع إلى تفسير الإمامة بمعنى باطني، والمراد من كونه باطنياً أن الإمامة حقيقة خارجية يملكها الإمام، ولا ترتبط بأي أمر خارج شخصه، بمعنى أنها ترجع إلى مؤهِّلات يمتلكها هذا الشخص ترجع إلى مجموعة من الأشياء، كالقرب الإلهي والوصول إلى مقام عين اليقين، وذلك لأن الهداية بمعنى بيان الطريق لما كانت لا تنفك عن النبوة، فلا يبقى للإمامة إلا الهداية بمعنى الإيصال إلى المطلوب، ويعرفها السيد الطباطبائي بأنها تصرف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر (34) .
وبناء على هذا التعريف، يرتفع الداعي إلى البحث عن إشكاليّة الغيبة، لأن هذه الإشكاليّة، مهما كانت، وأي صياغة اتخذت، لن تتجه إلى هذا المعنى من الإمامة، لأنها لن تشكل عاملًا يجرد هذا الشخص من الحقيقة التي يملكها والتي يرجع امتلاكه لها إلى نوع من الشخصانية الخاصة، وأريد بالخاصة أنه لا يمكن لأي شخص أن يصل إليها بل هي في عصر الغيبة منحصرة به، ولن تشكل غيبته سوى عائق أمام بعض الوظائف الموكلة إليه، والتي من الممكن تعدد الأجوبة لحلها من دون أن تخدش أصل إمامته.
ولا بد لنا من تعميق البحث قليلًا في الاتجاه الثاني في تعريف الإمامة، إذ كان هو الحل الأساسي لإشكاليّة الغيبة ومحاولة الخروج بتعريف جامع لأصحاب هذا الاتجاه الذين اختلفت بياناتهم هنا، ونستعرض هنا بعض التفسيرات في هذا الاتجاه:
البيان الأول: الإمامة هداية في الباطن والظَّاهر
قسَّم السيد الطباطبائي الهداية إلى قسمين: الهداية «الإرائية» والهداية الإيصالية، والقسم الأول هو ما تقدم من أصحاب الاتجاه الأول نفسه، من أنها رئاسة في أمور الدين والدنيا، فهو الذي يهدي الناس إلى الحق عبر إرشادهم وتعليمهم، وهذه الهداية الإرائية لا تختصّ بالإمام، بل هي وظيفة كل مؤمن؛ إذ
________________________________________
(34)الطباطبائي، الميزان، ج14، ص 304، جماعة المدرسين، قم.

[الصفحة - 54]


عليه هداية الناس بالنصح والموعظة الحسنة، والشاهد على ذلك أن الهداية الإرائية وردت في القرآن الكريم في موارد متعددة، كما في مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر/28] أو كما في آية النفر: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إليهمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون} [التوبة/122].
أما القسم الثاني فهو الذي ينصبّ حديث السيد الطباطبائي عليه بشكل أساسي، والمراد منها الإيصال إلى المطلوب عبر توسّط ولاية الإمام على أعمال العباد، وولاية الإمام هذه تتحقق لانكشاف عالم الملكوت عنده، والمراد من الملكوت هو الوجه الباطن لهذا العالم، فالإمام يسوق الناس في باطن هذه الحياة الدنيا إلى الله، وإنما ينال الإمام هذا المقام لأنه وصل إلى مقام اليقين، بسبب صبره على بلاء الله، والسيد الطباطبائي يعتمد في بيانه هذا للإمامة على الآيات القرآنية الواردة في ذلك.
أما كون الإمامة بمعنى الهداية الإيصالية، فلأن الله عز وجل وهبها لإبراهيم (عليه السلام) بعد النبوة، أي بعد أن كان لإبراهيم مقام الهداية الإرائية؛ وذلك قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماماً} ، والشاهد على أن إبراهيم إنما نال مقام الإمامة بعد النبوة أنَّه سأل ذلك لذريته، وإنما جاءت ذرية إبراهيم بعد النبوة، لأن ذريته جاءته على كبر في سنه.
أما كون انكشاف عالم الملكوت للإمام ووصوله إلى مقام اليقين، فهو مفاد قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} .
أما أن الصبر على الابتلاء هو الذي وهب الإنسان مقام اليقين فهو قوله تعالى: {لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} .
وبهذا يفسّر السيد الطباطبائي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ اءَئِمَّةً يَهْدُونَ بِاءَمْرِنَا وَاءَوْحَيْنَا إليهمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَاءِقَامَ الصَّلاةِ وَاءِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء/73] حيث يشرح الهداية الإيصالية بأنها تصرّف تكويني في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنوي إلى موقف آخر.
________________________________________

[الصفحة - 55]


وهذا التفسير يستدعي تفسير كلمة «بأمرنا» الواردة في الآية، وهو ما يتخذ منحى آخر عند السيد الطباطبائي؛ حيث يفسّرها بأنها ليست هي الأمر التشريعي الاعتباري بل هي الفيوضات المعنوية والمقامات الباطنية التي يهتدي إليها المؤمنون بأعمالهم الصالحة، ويستند في هذا التفسير إلى قوله تعالى: {اءِنَّمَا اءَمْرُهُ اءِذَا اءَرَادَ شَيْئاً اءَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس/82].
وعليه يكون الإمام هو الرابط بين الناس وبين ربِّهم في إعطاء الفيوضات الباطنية.
أما ضرورة وجود الإمام في كل عصر، فيدل عليه قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ اءُنَاسٍ بِاءِمامِهِمْ}[الإسراء/71]، هذا ما ذكره السيد الطباطبائي من بيان الإمامة.
إن هذا المعنى من الإمامة، أي الهداية الإيصالية، لم أجد في حدود بحثي القاصر له أثراً في كلمات القدماء من متكلّمي الإمامية، ولا شك في أن مقدماته تعتمد بنحو أو بآخر على مجموعة من المقدمات التي ترجع إلى المدرسة الفلسفية التي تمتاز عن المدرسة الكلامية، وتختلف عنها في المنهج، لقد قسمت الفلسفة الكمال إلى قسمين: أول وثانٍ، فالأول ويعبر عنه الخلق، وهو ما يحتاج إليه الشيء في أصل وجوده وبقائه أي ما يصير به النوع نوعاً بالفعل. أما الكمال الثاني فهو ما لا يحتاج إليه الشيء في وجوده وبقائه، بل هو عبارة عن أفاعيله وانفعالاته (35) وعلى هذا الأساس ذكر الفيلسوف المتألّه صدر الدين الشيرازي: إن الهداية هي عبارة عمّا يسوق الشيء إلى كماله الثاني (36).
وتأتي الملاحظة هنا من جهتين:
الأولى: إن تفسير الهداية بهذا المعنى بعيد عن المعنى اللغوي لكلمة الهداية، إن الهداية، عند أهل اللغة، لا تعني السوق والإيصال، فقد ذكر الراغب الأصفهاني عند تفسيره لكلمة الهداية معاني أربعة لها، من دون أن يأتي على ذكر الهداية بمعنى الإيصال (37).
الثانية: إن ما أشار إليه السيد الطباطبائي يعتمد على مقدّمة لم يتعرّض لها، وهي أساسية في بحثنا هنا، ولعل ذلك منه حيث كان بحثه تفسيرياً محضاً توقّف فيه
________________________________________
(35)شرح المصطلحات الفلسفية، ص 320، إعداد قسم الكلام في مجمع البحوث الإسلامية، 1414.
(36)م.ن.، ص 130.
(37)الراغب الأصفهاني، معجم مفردات ألفاظ القرآن، ص 536، مطبعة اسماعيليان.

[الصفحة - 56]


عند شرح الآيات الكريمة، وهذه المقدمة ترجع إلى أننا نحتاج إلى البحث عن واسطة نثبت فيها أن معنى الإمامة التي تحدّث عنها القرآن الكريم في هذه الآية هو المعنى الثابت للأئمة من ورثة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فالاشتراك اللفظي لا يفي لإثبات اتحاد المعنى.
البيان الثاني: مراتب الإمامة
ذكر الشهيد المطهري (38) أن للإمامة مراتب ثلاث:
1 ـ قيادة المجتمع.
2 ـ المرجعية الدينية، وتندرج هاتان المرتبتان بشكل واضح في الاتجاه الأول من تفسير الإمامة، وأنها رئاسة في أمور الدين والدنيا.
3 ـ الولاية، ويرى الشهيد المطهري أنها ذروة مفهوم الإمامة، وأن كتب الشيعة مليئة بهذا المفهوم للإمامة، وهنا للشهيد المطهري كلام مهم في بيان الاشتراك القائم بين مفهوم الولاية هذا وبين مفهوم الإنسان الكامل لدى العرفاء والمتصوفة، من دون أن يكون الشيعة قد استقوا هذا المفهوم من المتصوفة بل لعل الأمر بالعكس.
من المفاهيم الأساسية، لدى العرفاء، مفهومُ الإنسان الكامل، فهم يرون أنه لا بد في كل عصر من وجود إنسان كامل يكون حاملًا للمعنوية الإنسانية الكاملة، وهو ما يعبرون عنه بالقطب، ومن المقامات الثابتة لهذا الإنسان الكامل تسلّطه على الضمائر أي القلوب، لأنه يحيط بجميع الأرواح.
وهذا المفهوم موجود لدى الشيعة، أيضاً، فهم يرون أنه لا يخلو زمان من حجة ينطوي على مقامات ودرجات كثيرة، ويستشهد الشهيد مطهري لذلك بالزيارات الواردة عن الأئمة: «أشهد أنك تشهد مقامي وتسمع كلامي وترد سلامي»، وكذلك مقام الولاية هذا يستلزم عرض الأعمال على الإمام بحيث لا ينظر الإمام المهدي (عج) الآن إلى الشيعة وحدهم، بل هو ناظر إلى الناس جميعاً.
ثم يتحدّث الشهيد المطهري عن هذه الفكرة فيقول: «إن مسألة الولاية المعنوية فكرة اعتقد بها شخصياً وأعدّها فكرة أساسية، ولكنها قد لا تعد من أركان التشيع» (39).
________________________________________
(38)المطهري، الإمامة، ص 52، ترجمة جواد كسار، أم القرى.
(39)م.ن.، ص 82.

[الصفحة - 57]


البيان الثالث: الإيصال إلى المطلوب
ما ورد في كتاب الإمامة الإلهيّة (40)، وهو لا يختلف كثيراً عما ساقه العلامة الطباطبائي من الهداية الإيصالية، فقد جاء في هذا الكتاب: إن الإمامة تساوق الهداية لغة، والهداية لدى أهل اللغة لها معنيان: إراءة الطريق المستقيم والإيصال إلى المطلوب، والمراد من الإمامة هو المعنى الثاني، أي الإيصال إلى المطلوب، والشاهد عليه: إن الأمّة أو الجماعة التي لها مقصد واحد تتبع الإمام لأجل الوصول إلى ذلك المقصد، ووجود الإمام ومقتضى السير أن يأخذ الإمام بيد الأمّة لأجل إيصالها إلى الغاية القصوى، ولكن المهم في كلامه استعراض ما ذكره من الأدلة على الهداية الإيصالية للإمام.
الدليل الأول: الفطرة
يعتمد هذا الدليل على أن الإنسان فيه انجذاب طبيعي نحو الكمال، وهذا الأمر هو الذي يحرّك الإنسان نحو الكمال، والكمال المطلق موجود في اللامحدود، والإنسان يقرّ في نفسه على أنه لا يستطيع أن يكون لا محدوداً، وحتى يبقى لدى الإنسان السعي إلى هذا الكمال، لا بد من أن يتنزل هذا الكمال إلى الحظيرة الإنسانية ليتصوّرها الإنسان ممكنة التحصيل، وعليه فالارتباط بالكمال المطلق لا بد من أن يكون بتوسّط رابطة بشرية، وهذه الرابطة البشرية هي التي تتحلّى بالكمال العلمي والعملي.
الدليل الثاني: برهان الغاية
إن غاية الإنسان، حيث كانت، هي السعي نحو الكمال المطلق، وحيث أن الكمالات التي يسعى إليها الإنسان لا تقتصر على كمالات الدنيا، بل هناك كمالات في عوالم أخرى، فهذا يقتضي وجود الهادي والمعصوم الذي يسير بالأمّة نحو المعاد الحقيقي وإحراز الكمالات العالية في العوالم اللاحقة، ولذا لا بد من أن يكون له تصرّف في النفوس مع بقاء الاختيار الإنساني.
________________________________________
(40)محمد سند، الإمامة الإلهيّة، ص 254، دار الهادي 2002.

[الصفحة - 58]


الدليل الثالث: معرفة النفس
إن معرفة النفس أشرف الطرق إلى معرفة الله، والله عز وجل زوّد الإنسان بالعقل الباطن العملي، وأنه هو الذي يقوم بهذه الوظيفة، هذا في الإنسان الصغير، وفي الإنسان المجموعي، أي المجتمع البشري الأمر كذلك، أي لأنه متطابق مع الإنسان الصغير، ومتى ثبت هذا، فإذا كان في الإنسان الصغير هداية إيصالية إرائية ففي الإنسان الكبير والمجموعي لا بد من وجود ذلك، وهو الإمام، فالإمام في المجتمع كالعقل العملي في الإنسان الصغير.
الدليل الرابع: برهان العناية
وهذا الدَّليل هو دليل اللطف عينه، بتوسعة تشمل الهداية الإيصالية، فإن علم الباري بالنظام الوجودي الأحسن مستلزم لإفاضة الوجود الإمكاني على أحسن ما يمكن، وحيث كانت الغاية من الخلق هي بلوغ الأفراد الكمالات المنشودة، فاللطف يقتضي وجود الإمام الذي بيده الهداية الإيصالية.
وهكذا يظهر لنا من خلال هذه البيانات الثلاثة لمسألة الإمامة، والذي هو معنى من الإمامة لم يشر إليه متكلّمو الإمامية، وإن كان من الممكن لنا أن نستظهر من بعض كلماتهم تلويحاً بوجود مقام للإمام غير ما دأبوا عليه من تعريف الإمامة بالتعريف الأول، ويظهر بشكل واضح عدم تأتِّي إشكاليّة الغيبة على هذا التعريف الثاني للإمامة، لأن لوجود الإمام أبعاد متعددة وفوائد مختلفة، فمع وجود مانع من بعض هذه الفوائد، كالتصرّف الظاهري أو الرئاسة الظاهرية لأمور الدين والدنيا، لا يوجب ارتفاع ضرورة وجود الإمام، ولعلنا نجد لهذا الكلام أثراً في كلمات أعلام متكلّمي الإمامية، كعبارة الشيخ الطوسي: «وجوده لطف وتصرفه لطف آخر»، إن خرجنا بها عن المعنى الضيّق لهذه العبارة والتي فسّرها بها شارح التجريد العلامة الحلي (41).
نظريّة الإنسان الكامل
يعود تفسير الإنسان الكامل، لدى مختلف الاتجاهات، إلى المباني النظرية والمنظومة المعرفية لدى كل اتجاه، فمثلًا يفسر الفلاسفة الإنسان الكامل بأنه الذي
________________________________________
(41)الحلي، شرح تجريد الاعتقاد، ص 364، ط جماعة المدرسين.

[الصفحة - 59]


وصل عقله إلى حد الكمال عبر الاستدلال والمنطق والبرهان، وذلك لما يمثله العقل من قيمة لدى هذه المدرسة، ولما يحتله من دور بوصفه عنصراً أساسيَّاً من عناصر المعرفة عندهم. أمّا عند العرفاء فهو من وصل إلى الحقيقة ومقام الفناء، لأن الشهود والمعرفة القلبية هما الوسيلة، والقلب هو الأداة المعرفية الأساسية عندهم، وبها يمتازون عن أصحاب الاتجاه العقلي.
يعد الشيخ محيي الدين بن عربي (المتوفى سنة 638هجرية) قطب هذه النظرية التي أخذت حيزاً مهماً من البحث الفلسفي والعرفاني. وفي تعبير بعضهم: إن كتاب الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي، مؤسس الحكمة المتعالية، هو شرح لمقامات الإنسان الكامل ودرجاته إلى الحد الذي يمكن أن نضع فيه لكتاب الأسفار الأربعة عنوان الإنسان الكامل (42)، إن هذه النظرة هي وصف دقيق للاتجاه العرفاني الفلسفي في وصف الإنسان الكامل، ذلك أن المدرسة العرفانية تتجه في تعريف الإنسان الكامل إلى أنه هو الذي طوى الأسفار الأربعة، وهي: السير من الذات إلى الله، والسير مع الله في الله، أي معرفة الله، والسير مع الله إلى خلق الله، والسير مع الله بين خلق الله لإنقاذ خلق الله، ومتى انتهى إلى السفر الرابع، فهذا يعني مقام الفناء في الله، وهو عبارة عن وصول الموجود إلى كماله الحقيقي (43).
إن الدَّليل الأساسي الذي يتحدّث عنه العرفاء لإثبات ضرورة الإنسان الكامل يتألف من مقدّمات متعدّدة لا يسع المقال التعرُّض لها، ولكن لا تفوتنا الإشارة إلى الدليل مع أخذ مقدماته كأصول موضوعة، فإنهم أثبتوا ضرورة الإنسان الكامل انطلاقاً من ضرورة التجلّي والمظهرية، وحيث كانت الأسماء الذاتية الغالب فيها الوحدة، والأسماء الفعلية الغالب فيها الكثرة، فلأجل إراءة الوحدة والكثرة الجامعة لجميع الأسماء، يظهر الاسم الجامع، وهو الاسم الأعظم ويظهر في الإنسان الكامل، ويقرب الشيخ جوادي آملي هذا الدليل بتوسّط آيتين من القرآن الكريم وهما قوله تعالى:{يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} التي تدل على الجنبة العنصرية والطبيعية، وقوله تعالى: {دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} ، فإذاً الإنسان الكامل هو ظهور للاسم الأعظم في مظهر تامّ يشتمل على جميع مراتب الوحدة والكثرة من دون غلبة لإحداها على الأخرى، ويتمّم الشيخ جوادي الآملي في شرحه
________________________________________
(42)لطهراني، السيد محمد حسين، معرفة الإمام، ج5، ص 85، دار المحجة البيضاء.
(43)الطباطبائي، محمد حسين، رسالة الولاية، ص 58، دار التعارف للمطبوعات 1407 مطهري، مرتضى، الإنسان الكامل، ص 64، مؤسسة البعثة 1990.

[الصفحة - 60]


على تمهيد القواعد هذا الدليل لإثبات ضرورة وجود الإنسان الكامل في كل عصر ونسل بقوله تعالى {ليس كمثله شيء} من جهة أنه لا بد دائماً من وجود مظهر، والمظهر الوحيد هو الإنسان الكامل، ومع ارتحال الإنسان الكامل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، لا بد من أن يطلع إنسان كامل آخر، فعن أمير المؤمنين في نهج البلاغة: «ألا إن مثل آل محمد كمثل النجوم إذا خوى نجم طلع نجم» (44).
ومن هنا يظهر الفرق بين اتجاهات ثلاثة لإثبات ضرورة الإنسان الكامل: الاتجاه الكلامي المستند إلى قاعدة اللطف، والاتجاه الفلسفي المستند إلى مراتب العقل العملي والنظري، والاتجاه العرفاني الذي يذهب إلى ملاحظة الغرض الذاتي والأوَّلي لخلق الإنسان الكامل، والذي هو الظهور التامّ للخالق، والفارق هو أن نظرة الفلاسفة والمتكلّمين هي نظرة أرضية، لأنها تتجه إلى ملاحظة الاحتياجات الإنسانية ـ عند المتكلّمين ـ أو مراتب الإنسانية ـ عند الفلاسفة ـ، أما العرفاء فنظرتهم سماوية، أي أن الضرورة الإلهيّة تقتضي وجود الإنسان الكامل (45).
إن الإنسان الكامل هذا هو الذي له ولاية على الباطن، وهذه الولاية هي التي يذهب إليها التفسير الثاني للإمامة، ولذا يتحدث هؤلاء عن هذا المقام ـ مقام الإنسان الكامل ـ بأنّه الآن للإمام المهدي(عج) فقط، ولذا يحمل هؤلاء عبارة موجودة لابن عربي في كتابه الشهير: «الفتوحات المكية» والتي يقول فيها: «وأما خاتم الولاية المحمدية فهو رجل من العرب، من أكرمها أصلًا وبدعاً، وهو في زماننا اليوم موجود، عرفت به في سنة خمس وتسعين وخمسمائة» على أن مراده من هذا الشخص هو الإمام المهدي (عج) (46).
إن الإيمان بضرورة وجود الإنسان الكامل، في كل زمان، يحلّ إشكاليّة الغيبة، لأن غيبة الإمام الظاهرية لا ترفع ضرورة وجوده بوصفه إنساناً كاملًا وصلت فيه جميع القوى والقابليات الإلهيّة إلى مقام الفعل المحض.
البحث في الإمامة من جهة روائية
تقدّم مفصَّلًا بيان الاختلاف الموجود في تعريف الإمامة ضمن اتجاهين، ورأينا أن الاتجاه الأول تبنّى تعريف الإمامة بأنها عبارة عن الرئاسة في شؤون الدين والدنيا،
________________________________________
(44)نهج البلاغة، الخطبة 10.
(45)لأجل ملاحظة هذه الأبحاث بشكل أدق يراجع كتاب فصوص الحكم لابن عربي، لا سيما الفص الآدمي، ويلاحظ شرح القيصري على الفصوص، كما يلاحظ كتاب تمهيد القواعد لابن تركة، لا سيما المتضمن لشرح الشيخ جوادي الآملي، نشر الزهراء، قم، 1372هـ.ش.
(46)الهمداني، المولى عبد الصمد، حقيقة الإمامة، ص 19، مركز بقية الله الأعظم 1999، بيروت.

[الصفحة - 61]


واقتصر علماء الإمامية ومتكلّموها على هذا التعريف، ولكن الأمر الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أن أعلام الإمامية ومتكلّميها شخصيتان مستقلّتان في الممارسة العلمية البحثيّة، فهم، في البحث الكلامي، يوجّهون جلّ نظرهم إلى سوق البحث لمخاطب لا يشترك معهم في كل شيء، أي أنّه يختلف في المذهب، والذي يعني بعبارة أخرى الاختلاف في النصّ المقر به، وبالتبع اعتمد استدلالهم على سوق الأدلة المشتركة، أي العقل بشكل أساسي، واعتمادهم كان على النص بوصفه مشيراً إلى دليل من أدلة العقل، وهذا ما أضفى على أبحاثهم نوعاً من المتانة والجدة فقرأها الآخر، وسجّل ملاحظاته عليها ضمن هذا المشترك، وهذه هي الشخصية التي عمل أعلام الإمامية على عدم الخلط بينها وبين الشخصية الأخرى. أما الشخصية الأخرى فهي الشخصية التي تعتمد على الخاص، أي النقل الإمامي لمقام الإمامة ورتبة الأئمة، ولعل هذا الأمر يظهر بوضوح لدى شيخ الطائفة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460) الذي بحث في الإمامة من الوجهتين الكلامية والروائية، فلم يخلط بين الأمرين، ولقد سجّل أعلام الإمامية المتقدمين للإمامة مقاماً كان اعتمادهم الأساسي فيه على الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة في فضل الأئمة ومقامهم، والتي تتحدّث عن مقام للإمامة أعمق من أن تكون فيه الإمامة مجرد رئاسة دنيوية ودينية، ولعل أهم طائفة في هذه الروايات هي التي تتحدّث عن دور تكويني للإمام المعصوم، وأنه يحفظ هذه الأرض من الزوال كقوله (عليه السلام) : «لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت»، ومعنى أن الأرض ساخت زالت واضمحلت، لا سيما بقرينة قوله ساعة، وفي تعبير آخر ورد: «لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله»، والروايات، في هذا المضمون، متعدّدة الألسنة والأسانيد.
________________________________________

[الصفحة - 62]