البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الشِّيعة وإشكاليَّة تحريف القرآن دراسة في سورتي النُّورين والولاية

الباحث :  د. فتح الله النجّار
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  32
السنة :  السنة الثامنة شتاء 1424هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  3255
الشِّيعة وإشكاليَّة تحريف القرآن
دراسة في سورتي النُّورين والولاية

د. فتح الله النجّار (*)

مـــدخــــل
إنّ تحقيقات العلماء والباحثين في العلوم القرآنية، في سورتي النُّورين والولاية، لا تسبِّب أيّة مشكلة طالما لم تخرج عن المسار التخصُّصي لمثل هذه الأبحاث، خصوصاً إذا روعيت التقوى العلميّة فيها؛ إذ من حق كل أحد أن يتعرّض للبحث في الموضوعات التي ترتبط بدائرة اهتمامه، ويبيّن النتائج التي ينتهي إليها في المجال التخصُّصي لتلك الموضوعات. وعلى العكس من ذلك، فإن نشر هاتين السورتين خارج دائرة المتخصِّصين في العلوم القرآنية، وإثارتهما في كتب متعددة ومجلّات مختلفة، مع ادعاءات ليس لها أي مدرك أو سند، من قبيل: رواجهما بين الشيعة، والخروج من ذلك باستنتاج مفاده أنّ الشيعة تقول بتحريف القرآن بـ «النقيصة» (1)، أو وجود سورة النورين في مصحف الإمام علي (عليه السلام) ، وإسقاط عثمان لهما من القرآن حين جمعه له (2)، وحتى أكثر من ذلك ادّعاء وجود مصحف سرّي يتداوله الشيعة بدليل هاتين السورتين (3)، إلى ما هنالك من ادعاءات وأقاويل، ذلك كله بلا شك خارج عن دائرة التحقيق، وقد أدّى، ويؤدي، إلى بث الشك في أفراد كثيرين في صحّة القرآن، لا بل إنّه يترك ـ ولو عن غير قصد ـ آثار ضارّة في الأذهان (4).
نظرة إلى بناء سورتي النورين والولاية ومحتواهما
تنبني هاتان السُّورتان ومقصودهما الكلّي على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ،
________________________________________
(*)باحث متخصص في العلوم القرآنية
(1)انظر: غولدتسيهر، أجناس، مذاهب التفسير الإسلامي، مصر، 1374هـ، ص 294 و295.
(2)انظر: صبيح، محمد، نقلًا عن دروزه، محمد عزّت، تاريخ القرآن، ترجمة محمد علي فشاريك، مركز نشر انقلاب، الطبعة الثانية، 1402هـ، ص 28.
(3)انظر: الخطيب، محب الدين، الخطوط العريضة، عمان، المكتبة المكيّة، 1420هـ، وهو يقول: «إنّ نتيجة البحث حول سورتي الولاية والنورين هي رواج قرآنيين بين الشيعة، أحدهما هذا القرآن، والآخر قرآن خاص يخفيه الشيعة عندهم» المصدر نفسه، ص 12. وأيضاً القفاري، ناصر، أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، الرياض، 1415هـ، الطبعة الثانية، ج1، ص 255 و...
(4)انظر مثالًا على ذلك: الحاج سيد جوادي، السيد كمال، معجم الإيرادات والشبهات على الشيعة في الهند وباكستان، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1375هـ.ش.

[الصفحة - 303]


وخصوصاً الإمام علي (عليه السلام) ، كما تشتمل أيضاً على انحراف مخالفيهم وارتدادهم، مع تهديدهم بعذاب الله، وهو بناء خاطى لدى الباحثين في العلوم القرآنية، بل ولدى من عنده أقلّ اطلاع على محتوى القرآن الكريم وفصاحته وبلاغته، كما أنّ المحتوى الباطل لهاتين السورتين دليلٌ واضح للحكم بجعلهما (صنعهما) وفقدانهما الأساس العلمي، وكل من ينظر بعين الإنصاف لهما لا يتردد أبداً في الحكم باختلاقهما وجعلهما (5).
ومثالًا على ذلك نقرأ، في الفقرة الأولى، من سورة النورين:
يا أيها الذين آمنوا، آمنوا بالنُّورين أنزلناهما يتلوانِ عليكم آياتي ويحذّرانكم عذاب...»، فما هو المراد بالنُّورين المنزلين اللذين يتلوان الآيات، ويحذّران الناس من العذاب؟ هل هناك معنىً معقول ومحصّل لهذه الجملة؟!
أو ما نقرأه في فقرة أخرى: واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه...»،»لماذا اختار الملائكة واصطفاهم وجعل من المؤمنين؟ وما هو معنى كونهم في خلقه؟
أو ما نقرأه، أيضاً، في فقرة ثالثة: ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبرٌ جميل»، ما هو معنى هذه الجملة التي لا يعرف أولها من آخرها!؟
وفي فقرة رابعة نقرأ: ولقد أتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيّاً لعلهم يرجعون»، فما هو معنى إتيانه الحكم، وما هو معنى إمكان رجوعهم؟ ما هو مرجع الضمير في «لعلهم» وفي «يرجعون»؟
ونقرأ، أيضاً، في فقرة أخرى: يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهداً فخذه وكن من الشاكرين»، ولنا أن نتساءل: كيف يأخذ النبي العهد الذي له في أعناق المؤمنين ويكون من الشاكرين؟
من الممكن أن تكون هذه العبارة مجعولة تقليداً لقوله تعالى، في الآية 144، من سورة الأعراف، والتي يخاطب بها موسى (عليه السلام) : {قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الَألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ...} ، حيث إننا نجد في هذه الآيات الأمر الإلهي لموسى
________________________________________
(5)انظر مثالًا على ذلك: الآشتياني، محمد حسن، غرر الفوائد في شرح الفرائد، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم 1404هـ، ص 101؛ الشهرستاني، السيد محمد حسين، حفظ الكتاب الشريف من شبهة التحريف، 1395هـ، ص 46؛ البلاغي، محمد جواد، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، مكتبة الوجداني، قم، ج1، ص 42؛ الدجوي، يوسف، الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف في القرآن الشريف، مطبعة النهضة الأردنية، مصر، 1331هـ و...

[الصفحة - 304]


بأخذ الألواح والشكر لنعمة إعطائه التوراة، وهذا أمرٌ يمكن إدراكه وفهم معنى معقول له.
وفي فقرة أخرى نقرأ: إنّ عليّاً قانتٌ في الليل ساجدٌ يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربّه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون»! ما هو محل عبارة «هل يستوي الذين ظلموا»؟ وما هي مناسبتها لما يليها؟
من الممكن أن يكون جاعل هذه الفقرة قد استحضر في ذهنه قوله تعالى في الآية 9 من سورة الزمر: {اءَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} ، فأراد أن يتمثّله في كلامه من دون أن يكون عارفاً بسبكه وسياقه، بل وغافلًا عن أنّ هذه الآية جاءت في مقام الاستفهام الإنكاري، وأنّ القرآن في صدد إجراء مقارنة بين أولئك الذين يجعلون لله شريكاً جهلًا وعناداً لكي يُضلّوا الناس، وأولئك الذين يقومون لله في الأسحار خاضعين متذلِّلين منتظرين رحمته تعالى. ففي هذه الآية الشريفة الاستفهام الإنكاري واضحٌ وفي محلّه، ولكن ما هو محلّه ومعناه في العبارات المجعولة والسخيفة آنفة الذكر؟
أمّا سورة الولاية المجعولة فتقع في سبع فقرات كالآتي: يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبي وبالولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم * نبيّ ووليّ بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير * إنّ الذين يوفون بعهد الله لهم جنّات النعيم * والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذّبين * إنّ لهم في جهنم مقاماً عظيماً إذا نودي لهم يوم القيامة أين الظالمون المكذبون المرسلين * ما خلقهم المرسلين إلّا بالحق وما كان الله لينظرهم إلى أجل قريب * وسبّح بحمد ربّك وعليٌّ من الشاهدين».
يوجد، في هذه السورة المزعومة، الكثير من الأغلاط الفاحشة والعبارات التي لا معنى لها، مثل: بعث الولي في الفقرة الأولى، وعدم خلق المرسلين إلّا بالحق، وعدم إعطائهم مهلة إلى أجل قريب، وتركيب الأمر بتسبيح الله مع شهادة الإمام علي (عليه السلام) في الفقرات الأخيرة و...، ذلك كله شاهد واضح على جعل هذه السورة من قبل أفراد غير عارفين بنسج القرآن ومحتواه.
________________________________________

[الصفحة - 305]


وعلى أي حال، لن يجد كل من يقف على أدلة سلامة القرآن من التحريف، ويلاحظ العبارات المضطربة التي لا يعلم أولها من آخرها في هاتين السورتين المزعومتين... لن يجد أمامه سوى الحكم بجعلهما من دون تردّد أو ارتياب، بل ولن يرى في نفسه حاجة لأي بحث آخر.
طبعاً لا يختص هذا الأمر بهاتين السورتين المجعولتين، بل هو حاصل في كل من سعى للإتيان ولو بسورة من مثله لتكون عاقبة أمره الفضيحة والسخرية، والسبب في ذلك أنّه لا يمكن الإتيان بمثل القرآن، ولا يمكن مقايسة محتواه الرفيع وبنائه الجميل مع أي نصّ آخر.
وما نهدف إليه، هنا، هو التحقيق التاريخي في مصادر هاتين السورتين ومستنداتهما، لكي يطَّلع الباحثون في العلوم القرآنية عن كثب على نقطة البداية في جعلهما، ولكي تنتهي الادّعاءات العبثية وغير المنصفة عن وجود هاتين السورتين في مصحف الإمام علي (عليه السلام) ، ويثبت من ثم أنّه لا وجود لهما قبل القرن الحادي عشر الهجري، لا في المصادر الشيعية ولا في غيرها، وليظهر في نهاية المطاف بطلان ظنّ الذين دانوا بتحريف القرآن.
سورتا النُّورين والولاية في المدار الاستشراقي
يمكن اختصار مقالات المستشرقين وتحقيقاتهم في مصادر سورتي النورين وأسانيدهما والولاية كالآتي:
أ ـ نولدكه (1836 ـ 1931م noldeke ): ينقل في كتابه: «تاريخ المصاحف» عن كتاب «دبستان مذاهب» كلاماً عن هاتين السورتين (6).
ب ـ غولدتسيهر (1850 ـ 1921م Ignas Gogdziher ): يعرض بتفصيل أكثر لهذا المطلب، فيقول: «وهم ـ أي الشيعة ـ في الحق لا يأتون بالأجزاء الناقصة من النص؛ وبدلًا من ذلك جاؤوا بسور ساقطة بالكلية من القرآن العثماني، أخفتهما الجماعة التي كلَّفها عثمان بكتابته عن سوء نية في زعمهم، إذ هي تشتمل على تمجيد لعليّ، وقد نشر غارسان دي تاسي Garcin de Tassy ومرزا كاظم بك، لأول مرّة في
________________________________________
(6)تاريخ المصاحف، ج2، ص 102 «يعدُّ نولدكه، بحسب قول عبد الرحمن بدوي، شيخ المستشرقين الألمان». (المصاحف، السجستاني، المقدمة، ص 4، طباعة مصر)، ويعبُّر عنه غولدتسيهر أيضاً بالقائد الكبير (مذاهب التفسير الإسلامي). ولأجل الإطّلاع على مكانته العلميّة وآثاره يمكن الرجوع إلى: موسوعة المستشرقين: ص 595، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، ج2، ص 496 وما بعدها.

[الصفحة - 306]


المجلة الآسيوية Journal Asiatique (1842)، سورة من هذه السور المتداولة في دوائر الشيعة.
وحديثاً، وجدت في مكتبة بانكيبور (بالهند) نسخة من القرآن تشتمل ـ فضلًا عن هذه السورة ـ على سورة «النورين» (41 آية)، وسورة أخرى شيعية أيضاً (ذات سبع آيات)، وهي سورة الولاية، أي الموالاة لعليّ والأئمة، كما تشتمل على تفسيرات مذهبية كثيرة في بقية السور المشتركة.
وكل هذه الزيادات الشيعية نشرها كليرتسدال w.st. Clair Tisdal باللغة الإنجليزية 241, shiah adidtion - (the moslem world (1913) 111 227 to the koran) ، وكل ذلك يدل على استمرار افتراض الشيعة حصول نقص غير قليل في نص القرآن العثماني بالنسبة إلى المصحف الأصلي الصحيح» (7).
إذن السورة التي نشرها «دي تاسي» و «كاظم بك» كانت ـ وفاقاً لادعاء غولدتسيهر ـ متداولةً في الأوساط الشيعية، وأنّ هاتين السورتين هما غير السورتين اللتين وجدتا في نسخة من القرآن، كما أنّه يدّعي ـ ومن دون ذكر أي مستند لكلامه ـ أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ المباشرين لتدوين المصحف العثماني كانوا قد أسقطوا هذه السور منه لاشتمالها على فضائل عليّ (عليه السلام) !
والأبحاث التي ينبغي التعرض لها، في هذا المجال، هي:
1 ـ ما هو المصدر الذي استند إليه كلٌّ من «غارسان دي تاسي» و «كاظم بيك» في ما ذكراه عن هاتين السورتين؟
2 ـ هل أنّ السورتين اللتين نقلهما «غارسان دي تاسي» و «كاظم بيك» هما غير سورتي النورين والولاية؟
3 ـ هل أنّ كليرتسدال ـ الذي قال غولدتسيهر، في شأنه، إنّه جمع في مكان واحد تمام الموارد التي اءُدُّعي تحريفها في القرآن ـ نقل من السور الساقطة شيئاً غير هاتين السورتين؟
يمكن الحصول على أجوبة هذه الأسئلة بمراجعة المصادر نفسها التي ذكرها غولدتسيهر.
________________________________________
(7)غولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مكتبة الخانجي، مصر، 1374هـ، ص 294 و295.

[الصفحة - 307]


ففي سنة 1842م، قام دي تاسي ـ ولأوَّل مرّة ـ بنقل سورة النورين من العربية إلى الفرنسية لينشرها في مجلة (Journal Asiatique) (8) ، وقد ذكر أنّ مصدر هذه السورة هو كتاب فارسي باسم: «دبستان مذاهب»، وهو كتابٌ يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر الهجري)، وهو من تأليف شخص إيراني زردشتي يقيم في الهند (9).
وفي السنة التالية ـ أي 1843م ـ قام الميرزا اسكندر كاظم بيك بترجمةٍ أدقّ لهذه السورة على أساس نسخة، في 43 آية، ونشرها في المجلة آنفة الذكر نفسها، ولم يذكر كاظم بيك شيئاً عن النسخة التي قام بالترجمة اعتماداً عليها (10).
وبمقايسة متن سورة النورين في هاتين الترجمتين، يلاحظ عدم وجود أي فرق في ألفاظهما، الأمر الذي يدل على أنّ كاظم بيك قد اعتمد هو الآخر على كتاب «دبستان مذاهب»، أي الكتاب نفسه الذي اعتمد عليه غارسان دي تاسي في ترجمته.
وفي تموز من عام 1913م، قام كليرتسدال بنشر مقالة في مجلة (The moslem World) تحت عنوان: «إضافات الشيعة على القرآن»، ذكر فيها ـ علاوة على سورة النورين في 42 فقرة (آية) ـ سورة أخرى هي سورة الولاية في سبع فقرات (آيات)، وقام بنقل متنيهما إلى اللغة الإنجليزية (11).
وبالنِّسبة للمصدر الذي أخذ منه هاتين السورتين ذكر ما يأتي: «نقلت هاتين السورتين من نسخة خطية للقرآن يعود تاريخها إمّا للقرن السادس عشر أو للقرن السابع عشر الميلادي في بانكيپور في الهند» (12).
ويقرّ كليرتسدال بما يأتي: «إنّ من عنده معرفة باللغة العربية يمكنه أن يكتشف جعل هاتين السورتين ما عدا أجزائهما المأخوذة فعلًا من القرآن. إنّ أسلوب جعل هذه الإضافات هو تقليدٌ غير موفّق أبداً للقرآن، علاوة على ما فيهما من أغلاط نحوية. إنّ متن سورة النورين في النسخة التي هي في متناول يدي يختلف في كثير من الموارد عن المتن الذي نشره كانُن سل (Canon Sell) ، إنّ ما نشره «سل» كان قد أخذه من مقالة ميرزا كاظم بيك المنشورة في المجلة الآسيوية».
إذن، أقدم تاريخ معروف لهاتين السورتين هو القرن السادس عشر الميلادي
________________________________________
(8)انظر: chapitre inconnu du ٌ36 J.A, Tome XIII may 1842, PP.431 coranٍ.
(9)المصدر نفسه، ص 433.
(10)المصدر نفسه، 19. Tome XIII Decemver, 1843, PP.414. واللطيف أنّ كاظم بيك نقل ما ذكره الشيخ الصدوق (386هـ) من صيانة القرآن من التحريف في اعتقاد الشيعة (المصدر نفسه، ص 401).
(11)انظر: shiah Addions to the Koranٍ 34. M.W, III. July 1913, PP.231.
(12)المصدر نفسه، ص 229، والمصدر الوحيد عنده لهذه النسخة المجهولة من القرآن هو: «اكتشفت هذه النسخة في حزيران 1912 في بانيكبور في الهند، وقد ذكر مدير مكتبة ب انكيبور أنّهم قد اشتروا هذه النسخة قبل عشرين سنة في لكهنو في الهند من شخص باسم نواب، وقِدم هذه النسخة لا يزيد على 200 أو 300 سنة»، المصدر نفسه، ص 228.

[الصفحة - 308]


ـ على فرض أن تكون تلك النسخة من القرآن قد كتبت في ذلك القرن ـ والموارد التي يقول كليرتسدال: إنَّها تختلف عمّا هو موجود في المتن الذي نشره كانُن سل هي من قبيل اختلاف النسخ، وهو أمر طبيعي في النسخ الخطية.
ويدّعي محمد صبيح وجود سورة في مصحف علي بن أبي طالب (عليه السلام) باسم سورة النُّورين أسقطها عثمان من المصحف الموجود، ذكر منها 15 فقرة من أصل 43، من دون أن يذكر المصدر الذي أخذها منه (13).
ويذكر محمد جواد مشكور أيضاً: «وُجدت في الهند نسخة مجعولة من القرآن تشتمل ـ علاوة على سورتي الولاية والنورين ـ على سورة أخرى تتألف من سبع آيات، يزعم غلاة الشيعة أنّها سورة ولاية عليّ والأئمة» (14).
وقد اشتبه مشكور، هنا، لأنه لا توجد سورة أخرى باسم سورة الولاية لعليّ والأئمة غير سورتي النورين والولاية، ومقارنة النص الذي ذكره مشكور لهذه السورة المدّعاة مع ما ذكره اللاهيجي(15) وكليرتسدال (16) باسم سورة الولاية يدل على أن هاتين السورتين هما سورة واحدة. ومصدر الجميع، أيضاً، ليس إلّا نسخة خطيّة للقرآن لا يعرف لها اسم ولا رسم ادُّعي العثور عليها في بلاد الهند.
والحاصل أنّ المصدر الذي اعتمد عليه المستشرقون ومشكور وآخرون، في سورتي النورين والولاية، ليس إلّا كتاب «دبستان مذاهب»، ونسخة من القرآن، قيل: إنَّها كتبت في القرن السابع عشر الميلادي، من دون أن يذكر هؤلاء أيّ مصدر آخر اعتمدوا عليه.
سورتا النُّورين والولاية في تأليفات السلفيين
من يلاحظ كتابات السلفيين (الوهابيين) يرى أنّهم كثيراً ما يتشبَّثون بهاتين السورتين المجعولتين لأجل اتهام الشيعة بتحريف القرآن، والمحرّك الأساسي لهذه الحركة هو رأس المذهب الوهابي، أعني محمد بن عبد الوهاب (1206هـ)، إذ يقول في هذا المجال: «... قيل: أظهروا [أي الشيعة]، في هذه الأزمنة، سورتين يزعمون أنّهما من القرآن الذي أخفاه عثمان، كل سورة مقدار جزء، ألحقوهما بآخر المصحف، سمّوا إحداهما سورة النورين وأخرى سورة الولاء» (17).
________________________________________
(13)صبيح، محمد، مصدر سابق، ص 28.
(14)مشكور، محمد جواد، تاريخ الشيعة والفرق الإسلامية إلى القرن الرابع، الطبعة السادسة، انتشارات إشراق، 1989م، ص 155.
(15)اللاهيجي، محمد باقر، تذكرة الأئمة، نشر مولانا، ص 29 و20.
(16)المصدر نفسه، ص 234.
(17)عبد الوهاب، محمد، رسالة في الردّ على الرافضة، تحقيق الدكتور ناصر بن سعد الرشيد، مركز البحث العلمي وإحياء التراث، مكة 1400هـ، ص 14 و15.

[الصفحة - 309]


وبعده، أصرّ أتباعه على هذا الاتهام، مثل: الشاه عبد العزيز الدهلوي (1239هـ) (18)، علي أحمد السالوس (19)، محب الدين الخطيب (20)، الدكتور موسى جار الله (21)، الدكتور ناصر الدين القفاري (22)، محمد مال الله (23)، إحسان ظهير (24)، الدكتور أحمد محمد جلي (25)، وآخرون.
وبعض هؤلاء، مثل الدكتور ناصر الدين القفاري، علاوة على استنتاجه من هذه المسألة تحريف القرآن واتهام الشيعة بالقول بذلك، يقول: «إنّ مسألة التَّداول السرّي لمصحف مفترى من الإخباريين أمرٌ وارد، ولعل هذا يفسّر ما نشره محب الدين الخطيب وأحمد الكسروي (الشيعي الأصل) من صورة «لسورة» تسمّى الولاية مأخوذة من مصحف إيراني» (26).
ويكتب محب الدين الخطيب أيضاً: «إنّ نتيجة البحث حول هاتين السورتين هي رواج قرآنين عند الشيعة، أحدهما هذا القرآن، والآخر قرآن خاص يخفيه الشيعة عندهم» (27).
إنّ المصادر التي اعتمد عليها هؤلاء ـ وأيضاً أحمد كسروي ـ ليست إلّا كتاب «دبستان مذاهب» و «تاريخ المصاحف» لنولدكه، و «مذاهب التفسير الإسلامي» لجولدتسيهر، و «فصل الخطاب» للمحدّث النوري، و «تذكرة الأئمة» لمحمد باقر اللاهيجي، وقد سبق البحث في المصدر الذي اعتمد غولدتسيهر عليه.
وقد نقل محمد باقر اللاهيجي أيضاً هاتين السورتين من دون أن يذكر المصدر الذي أخذهما منه(28)، ولكننا بمقايسة المتن الذي ذكره لهما مع المتن الذي ذكره مؤلف «دبستان مذاهب» نفهم أنّه إنّما يختلف عنه في بعض الكلمات فقط، الأمر الذي يعود إلى اختلاف النسخ.
أما البقية فقد اعتمدوا أيضاً على كتاب «دبستان مذاهب»، فقط لا غير.
وهكذا المحقق النوري، نقل سورة النورين فقط من كتاب «دبستان مذاهب» تحت اسم سورة الولاية، ثم قال: «ظاهر كلامه أنّه أخذها من كتب الشيعة، ولم أجد لها أثراً فيها، غير أنّ الشيخ محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني ذكر في
________________________________________
(18)الدهلوي، الشاه عبد العزيز، التحفة الإثني عشرية، تهذيب السيد محمود شكري الآلوسي، تحقيق محب الدين الخطيب، القاهرة، المكتبة السلفية.
(19)السالوس، أحمد، مع الشيعة الإثني عشرية في الأصول والفروع، دار الثقافة، قطر، 1417هـ، ص 151.
(20)الخطيب، محب الدين، مصدر سابق، ص 12.
(21)جار الله، موسى، الوشيعة في نقد عقائد الشيعة، مطبعة الكيلاني، ص 104.
(22)القفاري، ناصر، أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، الرياض، 1415هـ، الطبعة الثانية، ج1، ص 255؛ ومسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة، دار طيبة، الطبعة الرابعة، 1416هـ، ج1، ص 201.
(23)مال الله، محمد، الشيعة وتحريف القرآن، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثالثة، 1409هـ، ص 152.
(24)إلهي ظهير، إحسان، السنة والشيعة، المكتبة السلفية، ص 113.
(25)جلي، أحمد محمد، دراسة من الفرق في تاريخ الإسلام، المكتبة السلفية، 1418هـ، ص 226.
(26)القفاري، ناصر، مصدر سابق، ج1، ص 260.
(27)الخطيب، محب الدين، مصدر سابق، ص 12.
(28)اللاهيجي، محمد باقر، مصدر سابق، ص 19 و20.

[الصفحة - 310]


كتاب (المثالب) على ما حكي عنه، أنّهم [أي المخالفين] أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ولعلّها هذه السورة، والله العالم» (29).
ويبدو أنّ المحقق النُّوري لم يدقق بشكل كافٍ ـ وللأسف ـ عندما نقل رأي «دبستان مذاهب»، كما لم يفعل ذلك مع قول الذين نسبوا لابن شهرآشوب هذه النسبة، وإنما اعتمد على ما نسبوه إليه من دون أن يحقِّق فيه، وسوف يأتي الكلام عنه قريباً.
إنّ تاريخ ظهور سورة النورين ـ بحسب نظرنا ـ ليس إلّا القرن الحادي عشر الهجري مع كتاب «دبستان مذاهب». و «تذكرة الأئمة» الذي يعود تاريخه إلى حوالى مئة عام بعد كتاب «دبستان مذاهب» قام بنقل هذه السورة منه. وهناك نسخة مجهولة من القرآن كتبت في القرن السابع عشر الميلادي ادّعى كليرتسدال اشتمالها على سورة النورين، ويحتمل بقوَّة ـ مع ملاحظة تاريخ كتابة هذه النسخة ـ أن يكون كاتبها قد أضاف فيها سورة النورين اعتماداً على كتاب «دبستان مذاهب»، ولا يوجد أي مصدر آخر لهذه السورة قبل هذا الكتاب (دبستان مذاهب).
كما أن سورة الولاية، أيضاً، لم تؤخذ إلّا من تلك النسخة المجهولة للقرآن المكتوبة في القرن السابع عشر الميلادي.
ولا يوجد لهاتين السورتين أي أثر في مصادر الشيعة المتقدّمة والمتأخّرة، مثل الكتب الأربعة، وبخاصّة الكتب التي هي مظان طرح هذه الأمور، مثل: الكتاب المنسوب لسليم بن قيس (90هـ)، وكتاب القراءات ـ والذي يطلق عليه اشتباهاً كتاب التنزيل والتحريف ـ لأحمد بن محمد السيّاري (256هـ) (30)، والتفسير المنسوب لعلي بن إبراهيم القمّي.
وأيضاً، لا توجد هاتان السورتان في طيّات كلام الذين يميلون إلى الاعتقاد بتحريف القرآن، مثل: أبو الحسن محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ البغدادي (328هـ) (31) من علماء السنّة، والذي كان يعتقد مقولة التحريف وأنّ عثمان كان قد أسقط من القرآن خمسمئة حرف.
وهكذا، لا توجدان، أيضاً، في أيّ من كتابات أولئك الذين تعرّضوا لمعتقدات
________________________________________
(29)النوري، الميرزا حسين، فصل الخطاب، طبعة حجرية، ص 180.
(30)لأجل الإطلاع على حاله انظر: النجاشي، أحمد، رجال النجاشي، قم، ج2، ص 865؛ الشيخ الطوسي، أبو جعفر حسن، الفهرست، بيروت، ص 411؛ ابن حجر، أحمد، لسان الميزان، تحقيق لجنة التحقيق بإشراف عبد الرحمن المرعشلي، بيروت، 1415هـ، ج1، ص 382، رقم 800.
(31)انظر: القرطبي، محمد، الجامع لأحكام القرآن، طبعة دار الكتب العربي، القاهرة، 1387هـ، ج1، ص 80؛ الخطيب البغدادي، أحمد، تاريخ بغداد أو مدينة السلام، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ج1، ص 280؛ المقدس أبو شامة، المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، طبعة دار الكتب العلمية، ص 186.

[الصفحة - 311]


الشيعة حول القرآن إلى ما قبل القرن الحادي عشر الهجري، مثل: أبو الحسن الأشعري (32)؛ أو الذين حملوا على معتقدات الشيعة واتهموهم بتحريف القرآن، مثل: ابن حزم الأندلسي (456هـ)(33)، والميرزا مخدوم الشيرازي (34)، ومطهر بن عبد الرحمن (35) ـ وكلاهما في القرن العاشر ـ. وأخيراً أولئك الذين تصدّوا للدفاع عن معتقدات الشيعة، وأجابوا عن اتهامهم بتحريف القرآن، مثل: الشيخ أبو جعفر الصدوق (381هـ) (36)، والشيخ المفيد (413هـ) (37)، والسيد المرتضى علم الهدى (436هـ) (38)، والشيخ الطوسي (460هـ) (39)، والشيخ الطبرسي (548هـ) (40)، وعلي بن طاووس (664هـ) (41)، والحسن بن يوسف ابن المطهر المعروف بالعلّامة الحلّي (726هـ) (42)، والشيخ زين الدين العاملي البيّاضي (877هـ) (43)، والقاضي نور الله الشوشتري (1019هـ) (44)، وآخرون.
ولا يوجد، في أيّ من هذه المصادر، أي اسم أو أثر لهاتين السورتين لا إثباتاً ولا نفياً. وهذا ما أقرَّ به المحقق النوري نفسه في كلامه الذي نقلناه آنفاً، وهو ممّن قلّ نظيرهم في كثرة التتبع وسعة الاطلاع، كما يشهد لذلك كتاباه «مستدرك وسائل الشيعة» و «فصل الخطاب».
إذن ـ كما ذكرنا مراراً ـ أول مصدر ذكرت فيه سورة النورين هو كتاب «دبستان مذاهب» الصَّادر في القرن الحادي عشر الهجري.
كتاب «دبستان مذاهب» وسورة النورين
إنّ مؤلّف كتاب «دبستان مذاهب» ـ بحسب التحقيق الذي قام به باحث الكتب القدير رضا زاده ملك ـ شخصٌ مجهول؛ ويُستفاد ممّا ذكر في متن هذا الكتاب، أنّ مؤلّفه ولد سنة 1052هـ، وكان لا يزال حيّاً في سنة 1069هـ. وبعد أن ضعّف رضا زاده ملك نسبة هذا الكتاب إلى محمد محسن فاني الكشميري ورآها نسبة غير واقعيّة بسبب أدلّة عدّة (45)، تعرّض إلى ذكر الأدلة والقرائن والشواهد المختلفة، وخلص من ذلك إلى النتيجة الآتية؛ حيث قال: «كل هذه القرائن والشواهد تكفي لنعتقد وبضرس قاطع أنّ مؤلّف دبستان مذاهب هو أحد الأتباع المخلصين لآذر كيوان والمذهب الدساتيري، المذهب الذي يلقى احترام سائر
________________________________________

(32)انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ج1، ص 119.
(33)انظر: ابن حزم الظاهري، علي، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم نصر، دار الجيل، طبعة بيروت، 1415هـ، ج5، ص 119 و120. ويكفينا في كون كلام ابن حزم بلا أساس قوله: «القرآن في اعتقاد الإمامية محرّفٌ وقد زيدت فيه آيات ونقصت منه أخرى...»، المصدر نفسه، ج5، ص 119. وذلك لأنّه لم يُتهم أحدٌ لا من الإمامية ولا من غيرهم بتحريف القرآن بالزيادة، وإن كان هناك كلام فمحوره التحريف بالنقيصة. ولأجل مزيد الاطّلاع انظر: محمدي، فتح الله، سلامة القرآن عن التحريف وتفنيد الافتراءات على الشيعة الإمامية، طبعة بيام آزادي، طهران، 1412هـ، ص 227 وما بعدها.
(34)النواقض، مخطوط، ورقة 103، نقلًا عن القفاري، ناصر، أصول مذهب الشيعة، ج1، ص 210.
(35)تكفير الشيعة، مخطوط، ورقة 58، نقلًا عن القفاري، ناصر، أصول مذهب الشيعة، ج1، ص 210.
(36)الصدوق، أبو جعفر محمد، الإعتقادات، إيران، 1413هـ، ص 81.
(37)المفيد، المسائل السروية، تحقيق صائب عبد الحميد، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، 1413هـ، ص 83 و84.
(38)علم الهدى (السيد المرتضى)، علي بن الحسين، الذخيرة في علم الكلام، تحقيق السيد أحمد الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، 1411هـ، ص 363.
(39)الطوسي، أبو جعفر محمد، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1402هـ، ج1، ص 3.
(40)الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان لعلوم القرآن، تحقيق محلاتي وطباطبائي، دار المعرفة، 1406هـ، ج1، ص 15.
(41)ابن طاووس، علي، سعد السعود، منشورات الرضي، قم 1410هـ، ص 144.
(42)الحلّي، حسن بن يوسف، المسائل المهنائية، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، مسألة 13، ص 123.
(43)البياضي، زين الدين، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، تصحيح محمد باقر البهبودي، المكتبة المرتضوية، ج1، ص 45.
(44)الشوشتري، القاضي نور الله، مصائب النواصب، المكتبة الإسلامية، طهران، ج1، ص 25.
(45)اسفنديار، كيخسرو، دبستان مذاهب، إعداد رحيم رضا زاده ملك، مكتبة طهوري، طهران، 1983م، ج2، ص 22.

[الصفحة - 312]


الآذركيوانيين، وليس هو إلّا موبد [وهو رجل الدين في ديانة زردشت] كيخسرو استفنديار ابن آذر كيوان» (46).
ثم يزيح، في تتمة بحثه، السِّتار عن الهدف من وراء تأليف «دبستان مذاهب»، فيقول: «إنّ مؤلّف دبستان مذاهب نفسه داعية مذهب مجعول وزائف، غرضه الأساسي من وراء هذا الكتاب ـ وإن لم يصرّح به ـ إضعاف الأسس الاعتقادية للمتدينين بالمذاهب الأخرى، وجرّهم للانخراط في سلك المعتقدين بمذهبه، وفي السياق نفسه نراه ينقل مقداراً من المستندات الضعيفة والواهنة والمُغرضة عن ألسنة حفنة من الناس الحشّاشين المدمنين معدومي الثقافة.
وقد ساعد المستعمرون الإنجليز، أيضاً، مؤلّف دبستان مذاهب على تحقيق غرضه، حيث كانوا أول من روّج لهذا الكتاب ونقله إلى اللغة الإنجليزية، كما أنّ الطبعة الأولى لهذا الكتاب باللغة الفارسية تمّت بجهود «ويليام بيلي»، السفير الإنجليزي في الهند، وكان ذلك متزامناً مع سيطرة شركة الهند الشرقية على هذه المنطقة» (47).
وقد لاحظ هذا الباحث أيضاً أنَّه في أول عدد من المجلّات التي تُعنى بشؤون العالم الإسلامي والمنطقة الآسيوية نُشر متن هذه السورة تحت عنوان: السورة الشيعية، واستشهد بذلك لحكاية اعتقاد الشيعة بتحريف القرآن.
ذلك كله يدلّ على مجانبة الإنصاف ووجود فكرة «فرِّق تسُد» Divide and Rule في أذهان هؤلاء المستعمرين.
وقد ساعد هؤلاء المستعمرون مخترعي الأديان والمذاهب الضالة والمحتالين الكذّابين، في ذلك العصر، في الهند وإيران، في نشر أفكارهم تحت عناوين البابية والبهائية، وذلك بإيجاد الفرقة بين المسلمين وإضعاف عقائدهم ليستمروا في نهب أموالهم.
كما أنّ عبارات «دبستان مذاهب» نفسها عن سورة النورين تؤيّد الباعث الذي ذكرناه لتأليف هذا الكتاب. يقول مؤلّف هذا الكتاب تحت عنوان: «في ذكر مذهب الإثني عشرية»: «يذكر المؤلّف هنا ما سمعه ورآه في سنة 1053 في لاهور من الملا محمد معصوم، ومحمد مؤمن التوني، والملا إبراهيم، وجماعة آخرين» (48).
________________________________________
(46)المصدر نفسه، ج2، ص 46 ـ 58.
(47)المصدر نفسه، المقدمة، ص د.
(48)المصدر نفسه، ج1، ص 244.

[الصفحة - 313]


ثم يتعرَّض إلى ذكر بعض معتقدات الإمامية ليتطرّق إلى سورة النورين فيقول: «وبعضٌ منهم يقولون بأنّ عثمان قد أحرق المصاحف، وأسقط السور النازلة في شأن عليّ وفضل آله، وهذه السورة هي إحدى تلك السور» (49).
ثم ذكر متن هذه الأسطورة المزعومة في 42 فقرة (آية).
ولم يذكر مؤلّف «دبستان مذاهب» من هم هؤلاء «البعض» من الشيعة، أو المصدر الذي اعتمدوا عليه في ما قالوه، وما هو مستندهم فيه. وعلى هذا، يمكننا الاهتمام أكثر بالاحتمال المذكور آنفاً عن الهدف من تأليف هذا الكتاب، وهو عرض المؤلّف لمقدار من المستندات المغرضة التي لا أساس لها بغية تضعيف الأسس الاعتقادية للمتدينين.
ويظهر من العبارة السابقة التي نقلناها من «دبستان مذاهب»، أيضاً، الخطأ الذي وقع فيه المحدّث النوري حينما قال: «ظاهر كلام دبستان مذاهب أنّه نقل هذه السورة من كتب الشيعة» (50)، حيث إنّ مؤلّف «دبستان مذاهب» نفسه يقول: «وبعضٌ منهم يقولون...» لا أنّه ينقل ذلك من كتاب.
ابن شهرآشوب وسورة الولاية
إنّ النِّسبة التي ينسبها الآخرون إلى كتاب «المثالب» لمحمد بن علي بن شهرآشوب، وينقلها المحدّث النوري، لا أساس لها أبداً؛ فالمحقق النوري يقول: «على ما حكي عنه» (51) والمحكي هو اشتمال كتاب «المثالب» على سورة الولاية، وهذه العبارة من المحقق النوري تدل على أنّه لم يرَ كتاب «المثالب» بنفسه.
والكتاب موجود بين أيدينا فعلًا، وقد تفحّصناه عدّة مرّات، ولم نعثر فيه على أيّ أثر يدل على إسقاط سورة الولاية أو حذفها منه. هذا إضافةً إلى أنّ ابن شهرآشوب قد بيّن رأيه بصراحة في سلامة القرآن من التحريف، وكان رأيه موافقاً لرأي السيد المرتضى علم الهدى (438هـ) (52)وهو يقوم على أنّ القرآن الذي بين أيدينا قد جمع ودوّن بين الدفتين في عصر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) .
وعند تعرّضه لأهل السنّة يقول: «وزعمتم أنّه ـ أي عثمان ـ جمع القرآن، وقال
________________________________________
(49)المصدر نفسه، ج1، ص 246.
(50)النوري، الميرزا حسين، المصدر نفسه، ص 180.
(51)المصدر نفسه، ص 180.
(52)علم الهدى (السيد المرتضى)، علي بن الحسين، مصدر سابق، ص 363.

[الصفحة - 314]


الله تعالى: {إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَاءِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة/18] )، ثم يتعرّض لذكر الآيات والأخبار المتعلِّقة بجمع القرآن في عصر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فيقول: «وقد ثبت أنّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قرأ القرآن وحصره وأمر بكتابته... وكان يقرأ على جبرئيل كل سنة مرّة إلّا السنة التي قبض فيها، فإنّه قرأ عليه مرّتين، وما يمكن قراءة ما ليس بمجموع مؤلّف مرتّب...» (53).
وفي كتابه الآخر المسمّى بـ «متشابه القرآن ومختلفه» يذكر رأيه في صيانة القرآن عن التحريف بصراحة ووضوح، فيقول: «... والصحيح كل ما يروى في المصحف من الزيادة إنّما هو تأويل، والتنزيل بحاله ما نقص وما زاد...» (54).
إذن، ليس لابن شهرآشوب مثل هذا الرأي، فلا بدّ من أن نبحث عمّن نسب إليه هذه النسبة، والذي استند إليه المحقق النوري في قوله: «على ما حكي عنه».
وصاحب هذه النسبة ليس إلّا أبو المعالي محمود الآلوسي مؤلّف كتاب «روح المعاني» (1270هـ)، فقد صرّح في مقدمة تفسيره قائلًا: «وذكر ابن شهرآشوب المازندراني في كتاب المثالب له أنّ سورة الولاية اءُسقطت بتمامها...» (56).
إنّ وفاة الآلوسي كانت في عام 1270هـ، ووفاة النوري كانت في عام 1320هـ. وقد استفاد النوري من تفسير الآلوسي في فصل الخطاب، كما في هذه العبارة: «يقول محمود الآلوسي المعاصر، في الفائدة السادسة من مقدمات تفسيره...» (57)، الأمر الذي يعزّز أنه استقى تلك النسبة منه أيضاً.
من هو مؤلّف كتاب تذكرة الأئمة؟
المسألة الأخرى التي أرى من اللازم التعرّض لها، هنا، هي التحقيق ـ ولو مختصراً ـ في مؤلّف كتاب «تذكرة الأئمة»؛ فقد طبع هذا الكتاب باسم العلّامة المجلسي (انظر: تذكرة الأئمة، نشر مولانا)؛ أو أنّهم ـ واستناداً إلى هذا الكتاب ـ نسبوا إسقاط سورتي النورين والولاية إلى المجلسي(58).
لكن كل من يلاحظ الصفحات الأولى، فقط، من هذا الكتاب، يصل إلى نتيجة مفادها أنّ مؤلّف هذا الكتاب هو أحد الصوفيين (59)، وأنّ أسلوبه مغايرٌ تماماً
________________________________________
(53)ابن شهرآشوب، محمد بن علي، مثالب النواصب، مخطوط، مكتبة مدرسة سبهسالار، رقم 1814، ورقة 471، ومكتبة الناصرية، لكهنو، رقم 952، ورقة 468، (وكلا النسختين موجودة في مركز إحياء التراث الإسلامي، قم).
(54)ابن شهرآشوب، محمد بن علي، متشابه القرآن ومختلفه، انتشارات بيدار، قم، ج2، ص 77.
(55)النوري، مصدر سابق، ص 180.
(56)الآلوسي، محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تصحيح محمد حسين العرب، دار الفكر، بيروت، 1417هـ، ج1، ص 44.
(57)النوري، مصدر سابق، ص 162.
(58)انظر: الخطيب، محب الدين، مصدر سابق، ص 12.
(59)كما يقول علماء التراجم: كان يميل إلى التصوف، انظر: الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، دار التعارف، بيروت، 1403هـ، ج9، ص 182 ـ 184، إضافةً إلى مصادر أخرى نذكرها في الهامش التالي.

[الصفحة - 315]


لأسلوب المجلسي، إضافةً إلى أنّ علماء التراجم الذين ترجموا لحياة المجلسي لم يذكروا هذا الكتاب ضمن مؤلَّفاته (60).
وكان المحدّث النوري قد ألّف كتاباً بعنوان: «الفيض القدسي في ترجمة العلّامة المجلسي»، وذكر فيه أدلّة واضحة وشواهد كافية على أنّ كتاب «تذكرة الأئمة» من تأليف اللاهيجي، وقد اشتبه بعضهم ونسبه للمجلسي بسبب التشابه بين اسم اللاهيجي واسم أبيه، مع اسم المجلسي واسم أبيه، يعني محمد باقر بن محمد تقي (61).
وقد تعرّض العلامة آقا بزرك الطهراني لهوية كتاب «تذكرة الأئمة» فقال: «تذكرة الأئمة، في تواريخ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ... للمولى محمد باقر بن محمد تقي اللاهيجي، فارسيٌ...فرغ من تأليفه في (1085). حكى شيخنا في (الفيض القدسي) تصريح صاحب الرياض بأن مؤلِّفه كان معاصراً للعلّامة المجلسي مشاركاً معه في الاسم واسم الأب، وكان مائلًا إلى التصوّف، ومع هذا التصريح من صاحب الرياض، وهو تلميذ العلامة المجلسي وخرّيت الصناعة، فنسبة الكتاب إلى المجلسي توهمٌ منشأة الاشتراك الاسمي...» (62) .
وقد ذكر مؤلّف «ريحانة الأدب»، أيضاً، عن هذا الكتاب تعبيراً شبيهاً بما ذكره الآقا بزرك.
والحاصل أنّ كلا السورتين: النورين والولاية ـ لا الثلاث سور كما توهَّم بعضهم ـ المجعولتين في متن ضعيف ومضطرب، المعجون بعبارات سخيفة وخاطئة وبشكل خالٍ من أي حذق من بعض آيات القرآن الكريم، ليس لهما أي مصدر أو مستند، ولم يكن لهما أثر في ما قبل القرن الحادي عشر الهجري.
والمصدر الوحيد لأسطورةٍ باسم سورة النورين هو كتاب «دبستان مذاهب»، وقد نقل مؤلّفه هذه الأسطورة شفاهاً عن عدّة من المجاهيل ـ إذا كان صادقاً في ما قاله ـ ثم جاء المحدّث النوري، وذكر ذلك في «فصل الخطاب» ونقله الآخرون عنه.
وأسطورة سورة الولاية، أيضاً، موجودة ـ بحسب ادّعاء بعض المستشرقين ـ في نسخة من القرآن، مكتوبة في القرن السادس عشر أو السابع عشر الميلادي، نسخةٌ ليس لها أيّ اسم أو رسم.
________________________________________
(60)انظر مثالًا على ذلك: الخوانساري، الميرزا محمد باقر، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، طبعة قم، ج1، ص 114 ـ 118؛ الأمين السيد محسن، أعيان الشيعة، ج9، ص 182 ـ 184؛ الطهراني، الآقا بزرك، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، جامعة طهران، 1953م، ج32، ص 319 وما بعدها؛ الأفندي، الميرزا عبد الله، رياض العلماء وحياض الفضلاء، تحقيق السيد أحمد الحسيني، مطبعة الخيّام، قم 1401هـ، ج5، ص 393 وما بعدها. وقد ذكر في هذه المصادر شيء ما من ترجمة محمد باقر بن محمد تقي اللاهيجي.
(61)النوري، الميرزا حسين، الفيض القدسي في ترجمة العلّامة المجلسي، مطبوع في بحار الأنوار، ج105، ص 53 و54.
(62)الطهراني، الآقا بزرك، المصدر نفسه، ج4، ص 26.

[الصفحة - 316]


والمصدر الثاني لهذه السورة هو كتاب «تذكرة الأئمة» لمحمد باقر اللاهيجي المعاصر للعلّامة المجلسي، ولم يذكر اللاهيجي شيئاً عن المصدر الذي أخذ منه هذه السورة، ويحتمل بقوَّة أنّ مصدره فيها هو تلك النسخة المجهولة من القرآن؛ لأنّ اللاهيجي ـ كما يذكر هو نفسه ـ كان قد سافر مرّة إلى بلاد الهند، ولا بدّ من أنّه قد اطّلع على هاتين السورتين هناك.
وبملاحظة جميع ما سبق، نرى أنّه من غير الإنصاف أبداً، وأنَّه، أيضاً، بعيدٌ عن شأن التقوى العلميّة أن يعبّر جماعة من المستشرقين والسلفيين عن هاتين الأسطورتين اللتين لا سند لهما والمليئتين بالعبارات التي لا يُعلم أوَّلها من آخرها بأنّهما من السور القرآنية، ثم يدّعون بأنّ المباشرين لتدوين المصحف العثماني كانوا قد أسقطوهما من القرآن الموجود، بسبب اشتمالهما على فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) ، ثم يتّهمون الشيعة ـ نتيجة هذه التوهّمات ـ بالميل للقول بتحريف القرآن.
خلاصــة
إنّ سورتي النُّورين والولاية مجعولتان بشكل مضطرب خالٍ من أي حذق ومهارة، وقد اعتمد فيهما على بعض آيات القرآن الكريم وبعض العبارات الضعيفة والخاطئة؛ أمّا موضوعهما فولاية الإمام علي (عليه السلام) ومناقبه.. ولم توجدا في أيّ مصدر قبل القرن الحادي عشر الهجري، كما لم يكن هناك أيّ أثرٍ لمتنهما قبل ذلك التاريخ، وكل من تعرّض لنقلهما أو نقدهما لم يذكر أيّ مصدرٍ معتبرٍ أو غير معتبرٍ لهما قبل ذلك، وبحسب المصادر والشواهد الموجودة، وانسجاماً مع مقتضيات البحث والتحقيق ـ الشامل نوعاً ما ـ تبيّن أنّ هاتين السورتين قد جُعلتا في الهند القديمة في القرن الحادي عشر الهجري على يد عدّة أشخاص غير معروفين، ثم انتشرتا بعد ذلك.
المصدر الشيعي الوحيد لهاتين السورتين هو كتاب «تذكرة الأئمة» الذي يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري، ولم يذكر مؤلّفه اسم المصدر الذي أخذهما منه، ومع ذلك يرى بعض المستشرقين والسلفيين أنّ هاتين السورتين موجودتان في
________________________________________

[الصفحة - 317]


المصادر الشيعية، ويدّعون، على أساس ذلك، أنّ الشيعة تعتقد بتحريف القرآن، وأنَّهم ـ أي الشيعة ـ يقولون: إنّ هاتين السورتين هما من القرآن واقعاً أسقطتا منه عند جمعه زمنَ عثمان، وهما الآن موجودتان في مصحف علي (عليه السلام) !!
متابعات
رسائل جامعيَّة
________________________________________

[الصفحة - 318]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف