البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الجري والتَّطبيق القرآنيَّان قراءة أنموذجيَّة روائية لتطبيقات القرآن على أهل البيت (عليهم السلام)وأعدائهم

الباحث :  د. محمّد كاظم شاكر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  32
السنة :  السنة الثامنة شتاء 1424هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  3315
الجري والتَّطبيق القرآنيَّان
قراءة أنموذجيَّة روائية لتطبيقات القرآن على أهل البيت (عليهم السلام)وأعدائهم

د. محمّد كاظم شاكر (*)

مدخل لتعريف قانون الجري والتَّطبيق
الجري والتطبيق عبارة عن تطبيق الآيات القرآنية على مصاديق لم تنزل في شأنها تلك الآيات. والمقصود بهما في هذه الدراسة، انطباق الآيات على النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ، ومخالفيهم.
أهمّية الدراسة
نجد، في مصادر التفسير الروائي الشيعي، روايات كثيرة ورد فيها تطبيق للآيات الكريمة على النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) والمخالفين لهم.
قال بعض المفسّرين في شأن هذه الروايات: «وفي هذا المعنى روايات اءُخَر.. ربّما تبلغ المئين، وهذه سليقة أئمّة أهل البيت، فإنّهم (عليهم السلام) يطبّقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإن كان خارجاً عن مورد النزول» (1).
وفي مقابل ذلك، هناك من يذهب إلى: «أنّ الباطن الذي أشار إليه الحديث وقال به جمهور المفسِّرين، هو عبارة عن التأويل الذي يحتمله اللفظ القرآني، ويمكن أن يكون أحد مدلولاته. أمّا الباطن الذي يقول به الشيعة فشيء يتّفق مع أذواقهم ومشاربهم، وليس في اللفظ القرآني الكريم ما يدلّ عليه ولو بالإشارة» (2).
________________________________________
(*)باحث من العراق

[الصفحة - 240]


محاور الدراسة
وسوف نتعرّض، في هذه الدراسة، إلى قضيَّة الجري والتطبيق ضمن ثلاثة محاور:
الأوّل: ونتناول فيه دراسة الأدلّة الدالّة على صحّة التطبيق وتمحيصها، كما نعرض فيه، أيضاً، لبيان المعيار في التطبيق الصحيح وغير الصحيح.
الثاني والثالث: دراسة أنواع التطبيق الصحيحة وغير الصحيحة.
المحور الأوّل: أدلّة الجري في أهل البيت (عليهم السلام)
ونستعرض، في ما يأتي من البحث، الأدلّة التي لا يمكن التمسّك بها لفكرة التطبيق الواردة في رواياتنا المفسِّرة. والعمدة في الاستدلال هي الأدلّة الروائية، وهي على ثلاث طوائف:
1 ـ أخبار الجري
وهي الأخبار الدالّة على استمرار معارف القرآن وأحكامه، والتي تضمّنت التعبير بـ «جري القرآن» إلى يوم القيامة.
روى أبو بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : {اءِنَّمَا اءَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَادٍ}[الرعد/7] فقال: رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) المنذر وعليّ الهادي، يا أبا محمّد هل من هاد اليوم؟ قلت: بلى جُعلت فداك ما زال منكم هاد بعد هاد حتّى دُفعت إليك. فقال: رحمك الله يا أبا محمّد، لو كانت إذا نزلت آية على رجل فمات ثمّ مات ذلك الرجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنّه حيّ يجري في من بقي كما جرى في من مضى» (3). وفي سنده محمّد بن جمهور (4).
وروى سماعة بن مهران عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «... للقرآن تأويل يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، فإذا جاء تأويل شيء منه وقع، فمنه ما قد جاء، ومنه ما يجيء» (5).
وفي سندها أبو جعفر، محمّد بن سنان الزاهري، وقد ضعّفه كلّ من
________________________________________
(1)انظر: تفسير الميزان، 1/42.
(2)التفسير والمفسِّرون للذهبي، 2/32.
(3)الكافي، 1/192.
(4)هو: أبو عبد الله محمّد بن جمهور البصري، من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) ، غال ضعيف، فاسد المذهب، لا يُعتَمد على شيء من حديثه (انظر: جامع الرواة).
(5)بحار الأنوار، 23/79.

[الصفحة - 241]


النجاشيّ، وابن عقدة، والشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وعدّه الفضل بن شاذان من الكذّابين، وقال عنه ابن الغضائري: إنّه غال وضّاع (6).
وقد تقدّم أنّ بعض المفسّرين عدّوا ـ استناداً إلى هذه الأخبار ـ الروايات الكثيرة الواردة في تطبيق آيات القرآن الكريم على أهل البيت (عليهم السلام) ، أو على أعدائهم وفي أبواب عديدة ومختلفة، من باب الجري (7).
2 ـ أخبار تقسيم القرآن
جاء، في بعض الروايات، التصريح بأنّ القرآن كلّه أو بعضه قد ورد في أهل البيت (عليهم السلام) ، ومن تلك الروايات:
1 ـ روى عمر بن حنظلة (8)، عن الإمام الصادق (عليه السلام) «... كلّ شيء في الكتاب من فاتحته إلى خاتمته مثل هذا فهو في الأئمّة» (9).
2 ـ وعن عليّ (عليه السلام) أنّ ثلثي القرآن فيهم وفي شيعتهم، ويشاركهم الناس في الثلث الباقي(10).
3 ـ روى خيثمة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «يا خيثمة، القرآن نزل أثلاثاً ثلث فينا وفي أحبّائنا، وثلث في أعدائنا وعدوّ من كان قبلنا، وثلث سنّة ومثل» (11).
4 ـ روى أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام» (12).
5 ـ وروى الأصبغ بن نباتة قال: «سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: نزل القرآن ثلاثاً: ثلث فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام» (13).
6 ـ وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن، وربع أحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم وفصل بينكم» (14).
________________________________________
(6)انظر: معجم رجال الحديث.
(7)انظر: تفسير الميزان، 1/42، وأيضاً، 3/72.
(8)هو: عمر بن حنظلة العجلي الكوفي، من أصحاب الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) ، وقد وثّقه الشهيد الثاني. (انظر: جامع الرواة).
(9)فسير العيّاشي، 1/13، إثبات الهداة، 3/44.
(10)انظر: مرآة الأنوار، ص 5.
(11)تفسير العيّاشي، 1/10.
(12)الكافي، 2/628.
(13)المصدر نفسه، ص 627.
(14)المصدر نفسه.

[الصفحة - 242]

_______________________________________

[الصفحة - 243]


وهذه الروايات ضعيفة سنداً مضطربة متناً. وعليه، فكيف يمكن صدور مثل هذه الأخبار عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ؟
وقد تصدّى بعض الباحثين، استناداً إلى هذه الأخبار وأمثالها، لجمع ما رواه الغلاة من هذه الروايات وطرحوه على أنّه التفسير الباطني لأهل البيت (عليهم السلام) للقرآن (15)، وقد عدّ ذلك بعض أبناء المذاهب الإسلامية الاءُخرى دليلًا للتنديد بالمذهب الإمامي ومنهجه في التفسير (16).
3 ـ روايات الظَّاهر والباطن في القرآن
روى حمران بن أعين عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «ظهر القرآن الذين نزل فيهم، وبطنه الذين عملوا بمثل أعمالهم» (17).
وكما هو معلوم، فإنّ في قصص الأنبياء مع اءُممهم عبرة وعظة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاءُولِي الاءَلْبَابِ} [يوسف/11]، كما أنّ في التدبّر في حياة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) بجميع تعاريجها ومتغيّراتها، وفي تاريخ المسلمين الأوائل، وخصومهم من المشركين والكفّار والمنافقين، عظة ودرساً للعاملين في كلّ عصر. ففي كلّ زمان يمكن أن يظهر موسى وفرعون، وإبراهيم والنمرود، وعاد وثمود، في مظهر وصورة ما، ويتجسّد فيه الحقّ والباطل مرّة أخرى، فلا بدّ من التمييز بين أهل الهداية والضلالة في كلّ عصر على ضوء النماذج والعيّنات التي طرحها القرآن والتي ينبغي تطبيقها عليهم.
وقد ورد، في بعض الروايات من طرقنا، إشارة إلى هذا النوع من التطبيق، وذلك بهدف التعريف بأهل الحقّ وأهل الباطل لمن يريد التمييز وسلوك طريق الهداية.
4 ـ النُّصوص المتعلّقة بالأخيار والأشرار في القرآن
ورد، في بعض الروايات، تطبيق الآيات الخاصّة بأهل الجنّة والنار، والأخيار والأشرار، على أهل البيت (عليهم السلام) وأعدائهم:
1 ـ روى محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «يا محمّد، إذا
________________________________________
(15)ومن أبرز هذه التفاسير، التفسير الموسوم بـ «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار» لأبي الحسن العاملي ابن المولى محمّد طاهر بن عبد الحميد. والظاهر أنّه لم يتمّه ولم يطبع منه سوى مجلّدين، احتوى المجلّد الأوّل منهما مقدّمة لتفسيره، فيما تضمّن المجلّد الثاني على تفسير سورة الحمد ونصف سورة البقرة. وقد طبعت مقدّمة هذا التفسير مقدِّمةً لتفسير البرهان في تفسير القرآن للسيّد هاشم البحراني، ويتضمّن هذا الكتاب (مقدّمة مرآة الأنوار) ثلاث مقدّمات، اشتملت كلّ منها على عدّة فصول، كما تضمّن خاتمة في فصلين. ثمّ رتّب المؤلّف، بعد بيان المقدّمة الثالثة، معجماً لألفاظ القرآن في البطون والتأويلات، يبتدى بلفظ «الأب»، وينتهي بلفظ «اليد»، وقد قام بتطبيق أكثر هذه الألفاظ على أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أو أعدائهم. أمّا مؤلّف هذا الكتاب فقد وُلد في إصفهان ولم يُضبَط تاريخ ولادته ولا وفاته، ثمّ انتقل إلى النجف، وكان من كبار العلماء في عصره، وكان والد صاحب الجواهر صهراً له. «انظر: مقدّمة مرآة الأنوار في ترجمة المؤلّف بقلم محمود الموسوي».
(16)تعرّض محمّد حسين الذهبي، صاحب كتاب «التفسير والمفسّرون»، إلى أهمّ التفاسير عند الشيعة وبيان مناهجها، وأوّل تفسير تناوله بالنقد والتعريف هو تفسير «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار»، زاعماً أنّ ما ورد في هذا التفسير يمثّل رأي الشيعة في تفسير القرآن، وقد ذكر أنّ مؤلّف هذا التفسير هو عبد اللطيف الكازراني، ومنشأ الغلط عنده إحدى النسخ المطبوعة لهذا التفسير. «انظر: التفسير والمفسّرون، 2/46 ـ 79».
(17)تفسير العيّاشي، 1/11.

[الصفحة - 244]


سمعت الله ذكر أحداً من هذه الاءُمّة بخير فنحن هم. وإذا سمعت الله ذكر قوماً بسوء ممّن مضى فهم عدوّنا» (18).
2 ـ روى أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «يا أبا محمّد، ما من آية نزلت تقود إلى الجنّة ولا تذكر أهلها بخير إلّا وهي فينا وفي شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ ولا تسوق إلى النار إلّا وهي في عدوّنا ومن خالفنا» (19).
وتوضيحاً لهذه الطائفة من الروايات نقول: إنّ القرآن الكريم عندما يعبّر عن بعض الناس بـ «الصالحين، الصادقين، المحسنين، المتّقين..»، فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم ممّن تنطبق عليهم هذه الأوصاف قطعاً، بل هم المصداق الأكمل والأفضل لذلك؛ لأنّهم مطهّرون من كلّ دنس بنصّ القرآن: {اءِنَّمَا يُرِيدُ الُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اءَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33]. وفي مقابل ذلك، فإنّه كلّما ورد في القرآن وصف «الفاسقين، المتكبّرين، الظالمين...» فإنّه ينطبق جزماً على كل من استبدل المودّة لأهل البيت (عليهم السلام) ـ التي هي أجر الرسالة بنصّ القرآن (20) ـ بالبغض والعداوة لهم، والاتّباع لهم بالتخلّف عنهم، والتعظيم والتكريم لهم بقتْلهم وسفك دمائهم.
وقد أسرف الغلاة ووضّاع الحديث عندما قاموا بتطبيق آيات الكتاب، لأدنى مناسبة أو من دونها، على أهل البيت (عليهم السلام) وعلى أعدائهم. وقد تصدّى أئمّتنا لهذا التيّار المنحرف الذي لا يعني سوى التلاعب بالقرآن، محذّرين أتباعهم منه:
فقد روى داود بن فرقد (21) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لا تقولوا في كلّ آية هذا رجل وهذا رجل، من القرآن حلال ومنه حرام ومنه نبأ ما قبلكم وحكم ما بينكم وخبر ما بعدكم وهكذا هو» (22).
وفي سندها جمع من الثقات، وهم: الحسين بن سعيد (23)، وفضالة بن أيّوب (24)، وداود بن فرقد.
وورد في حديث آخر: أنّه (عليه السلام) كتب لأبي الخطّاب (25): «بلغني أنّك تزعم أنّ الخمر رجل، وأنّ الزنا رجل، وأنّ الصلاة رجل، وأنّ الصوم رجل، وليس كما تقول، نحن أصل الخير وفروعه طاعة الله، وعدوّنا أصل الشرّ وفروعه معصية الله».
________________________________________
(18)المصدر نفسه، 1/13.
(19)الكافي، 8/36.
(20) قُلْ لَا اءَسْاءَلُكُمْ عَلَيْهِ اءَجْراً اءِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23].
(21)هو: أبو يزيد داود بن فرقد الأسدي، من أصحاب الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) . «انظر: جامع الرواة».
(22)البرهان في تفسير القرآن، 1/23.
(23)الحسين بن سعيد الأهوازي ثقة من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) . انظر: جامع الرواة.
(24)فضالة بن أيّوب الأزدي، سكن الأهواز، ثقة روى عن الإمام الكاظم (عليه السلام) . انظر: المصدر نفسه.
(25)محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي (أبو زينب) غال، ملعون. (رجال الطوسي، ص 345).

[الصفحة - 245]


ثمّ كتب كيف يطاع من لا يُعرَف، وكيف يُعرَف من لا يطاع؟ (26). ورواة الحديث موثّقون جميعاً.
وعن هشام بن الحكم (27) عن الثقة رفعه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قيل له: «روي عنكم أنّ الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجال (28)، فقال: ما كان الله ليخاطب خلقه بما لا يعلمون» (29).
وعلى ضوء ذلك، فإنّه يجب أن لا نقع في ما وقع فيه الغُلاة في مسألة تطبيق القرآن، كما لا يجوز اعتبار طريقتهم المنحرفة في التطبيق المنهج التفسيري للشيعة وأئمّتهم (عليهم السلام) .
الدليل العقلي
ويدلّ على صحّة التطبيق، إضافةً إلى دلالة النقل بشكل عام، العقل والعرف أيضاً؛ وذلك باعتبار أنّ القرآن كتاب خالد فلا بدّ من أن يكون له دور في هداية الفرد والمجتمع، وأن تكون آياته قابلة للانطباق على الأفراد والمصاديق والمقتضيات الخاصّة بكلّ زمان وعصر (30).
والنتيجة التي نخلص إليها، في هذا المبحث، هي أنّ فكرة التطبيق يقرّها النقل، ويقرّها العقل والعرف أيضاً، ما لم يكن في التطبيق على المصاديق في الخارج مخالفة للعقل والعرف. وسنعرض في المبحثين اللاحقين عند البحث عن تعيين المعيار لتشخيص التطبيق السليم من السقيم، إلى نماذج من نوعي التطبيق المشار إليهما.
المحور الثاني: أنواع التطبيقات الصحيحة ونماذجها
يعترف علماء الفرق الإسلامية ومفسّروها، إجمالًا، بوجود آيات على نحو العموم نزلت في شأن الإمام علي وأهل البيت (عليهم السلام) ، مثل: آية الولاية (31)، وآية التطهير (23)، وآية المودّة(33) وغيرها، وليس بحثنا، في هذا القسم، عن هذه الطائفة من الآيات، وذلك لأنّ دلالتها على منزلة أهل البيت (عليهم السلام) وفضلهم إنّما هي من باب التفسير لا التطبيق.
وإنّما الذي يقع في دائرة بحثنا هو الآيات ذات المفاهيم المطلقة، أو العامّة،
________________________________________
(26)البرهان في تفسير القرآن، 1/23.
(27)هشام بن الحكم من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) ، ومن الممدوحين. انظر: جامع الرواة.
(28)إشارة إلى قوله تعالى: اءِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالاءَنْصَابُ وَالاءَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ... [المائدة/90].
(29)وسائل الشيعة، 12/121.
(30)انظر: تفسير الميزان، 1/42.
(31)اءِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[المائدة/55].
(32)اءِنَّما يُرِيدُ الُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اءَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب/3].
(33)قُلْ لَا اءَسْاءَلُكُمْ عَلَيْهِ اءَجْراً اءِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى/23].

[الصفحة - 246]


أو التي لا خصوصيّة للمورد الذي نزلت فيه على وجه الاختصاص به، ومن البديهي أن يكون لمثل هذه الآيات مصاديق وتطبيقات عديدة، وهي لا تتنافى وحكم العقل والعرف وقواعد اللغة.
وقد ورد، في الروايات التفسيريّة، آيات كثيرة من هذا النوع طبّقت على أهل البيت (عليهم السلام) . إلّا أنّ الكثير من هذه التطبيقات حصرت الآيات في فرد واحد، وهو ما لا يتّفق مع أدلّة الجري والتطبيق؛ لأنّ مفادها كون القرآن قابلًا للانطباق على عدّة مصاديق ولا يختصّ بموارد نزول الآيات، فهو قابل للتعميم لكلّ مورد مشابه لمورد النزول، وعليه فحصر المصداق والتطبيق بخصوص الإمام أمير المؤمنين والأئمّة من ولده (عليهم السلام) على خلاف روايات الجري نفسها.
ويرجع السبب، في ما ورد من الأخبار المؤوِّلة لآيات كثيرة في الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم، إلى أنّ مسألة الإمامة والخلافة كانت تمثّل أهمّ المسائل السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة بعد وفاة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وقد تجسّد الحقّ والباطل بأجلى صوره في النِّزاع الذي كان محتدماً بين أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأعدائهم، فكان من الطبيعي أن يطبّق الأئمّة (عليهم السلام) ـ وهم أعلم الناس بالتأويل ـ بعض الآيات على زمانهم والأحداث التي عاصروها.
وقد ابتلي جماعة بالغلوّ في حديث أهل البيت (عليهم السلام) ، فنقلوا حديثهم مع تعريضه للتحريف والتلاعب فيه، ويشهد لذلك وجود بعض الرواة من الغُلاة والضعاف في أسانيد هذه الأخبار.
وسنعرض، في ما يأتي من هذا المبحث، جملة من التطبيقات الواردة في الأخبار والتي تنسجم ودلالة العقل والعرف وقواعد اللغة:
1 ـ بيان مصاديق الألفاظ العامّة
لقد تكفّلت بعض التأويلات الرِّوائية بيان مصداق أو مصاديق لمفهوم عام مثل:
1 ـ قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * اءِلَّا اءَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدّثر/37 و38].
________________________________________

[الصفحة - 247]


وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «نحن وشيعتنا أصحاب اليمين» (34).
2 ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الاءَبْرَارَ لَفِي نَعِيم * وَاءِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم} [الانفطار/13 و14].
فعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «الأبرار نحن هم، والفجّار هم عدوّنا» (35).
3 ـ قوله تعالى: {اءِنَّمَا اءَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد} [الرعد/7].
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «كلّ إمام هاد للقرن الذي هو فيهم» (36).
4 ـ قوله تعالى: {يَا اءَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة/119].
وقد فسّر «الصادقين»، في روايات الفريقين، بعليّ والأئمّة (عليهم السلام) (37).
إنّ الملاحِظ لهذه النماذج المذكورة يجد أنّها قد وردت بألفاظ تفيد العموم (38).
2 ـ بيان مصاديق الألفاظ التي تفيد الإطلاق (39)
إنّ كثيراً من الآيات القرآنية مطلقة، إمّا من جهة حاقّ (ما يحيط به) اللفظ أو من جهة التركيب، وليس فيها ما يصلح لتقييدها وتخصيصها بمصداق أو مصاديق خاصّة.
وعليه، فإنّ تطبيقها وحملها على كلّ مصداق يشمله إطلاق اللفظ أو الجملة أمر سائغ وخال عن الإشكال، كما نلاحظ ذلك في الموارد الآتية:
1 ـ قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ اءِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اءُولُو الاءَلْبَابِ} [الزمر/9].
روى عمّار الساباطي (40) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «قل هل يستوي الذين يعلمون (أنّ محمّداً رسول الله) والذين لا يعلمون (أنّ محمّداً رسول الله) وأنّه ساحر كذّاب» (41).
وروى أيضاً جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «الذين يعلمون» نحن «والذين لا يعلمون» عدوّنا، و «إنّما يتذكّر أولو الألباب» شيعتنا (42).
________________________________________
(34)شواهد التنزيل، 2/293.
(35)البرهان في تفسير القرآن، 4/436، ح3.
(36)الكافي، 1/191.
(37)شواهد التنزيل، 1/259 و262.
(38)إضافة الجمع إلى المعرفة في قوله الآية 38 من سورة المدّثر «أصحاب اليمين» يفيد العموم. وفي الآية 13 و14 من سورة الانفطار دخلت الألف واللّام على «الأبرار» و «الفجّار» للاستغراق. وفي الآية 7 من سورة الرعد فإنّ «كلّ» من أدوات العموم، وفي الآية 19 من سورة التوبة الألف واللّام في «الصادقين» للاستغراق.
(39)بين العام والمطلق فروق، منها: 1 ـ دلالة العام على العموم من نوع الدلالات اللفظية الوضعية، ولكن دلالة المطلق على الإطلاق بوساطة مقدّمات الحكمة. 2 ـ يستعمل العموم غالباً في الأفراد، بينما يستعمل الإطلاق غالباً في الصفات والأحوال. 3 ـ إنّ العموم يجري في المفردات فقط، بينما الإطلاق يشمل الأحكام والجمل.
(40)هو: أبو اليقظان عمّار بن موسى الساباطي الكوفي، كان فطحياً إلّا أنّه ثقة، روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) . «انظر: جامع الرواة».
(41)الكافي، 8/204 و205.
(42)شواهد التنزيل، 2/116، ح805 و806.

[الصفحة - 248]


نلاحظ هنا أنّ إطلاق الآية قابل لكلا التأويلين.
2 ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الَّذِينَ اءَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين/30]،
فقد روي عن ابن عبّاس من طرق الجمهور أنّه قال: «إنّ الذين أجرموا» منافقو قريش، و «الذين آمنوا» عليّ بن أبي طالب وأصحابه (43).
3 ـ قوله تعالى: {وَاءِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَاءَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَاءِنْ بَغَتْ اءِحْدَاهُمَا عَلَى الاءُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ اءِلَى اءَمْرِ الِ} [الحجرات/9]، روي فيها عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إنّما جاء تأويل هذه الآية يوم البصرة (44)، وهم أهل هذه الآية وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) ...» (45).
ومن الواضح، فإنّ الآية شاملة بإطلاقها لتمام حالات النزاع والحرب التي يكون طرفاها من المسلمين وإن كان أحدهما على ظاهر الإسلام.
4 ـ قوله تعالى: {وَالُ يَدْعُو اءِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ اءِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [يونس/25].
فقد روي بطريق الجمهور أنّ المراد من «الصراط المستقيم» هو ولاية عليّ (عليه السلام) (46).
إنّ كلّ مجتمع عندما يشهد تيّارات واتجاهات على ساحته، فلا شكّ أن ثمّة من يمثِّل الحقّ فيه، ومن الأمور التي لا سبيل إلى إنكارها أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان أحد أبرز دعاة تيّار الحقّ بعد وفاة الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) .
5 ـ قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْاءَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر/8]. وقد وردت روايات كثيرة من الفريقين تفسّر النعيم في الآية بولاية علي وأهل بيته (عليهم السلام) (47). مع أنّ لفظ النعيم مطلق، إلّا أنّ ولاية أهل البيت (عليهم السلام) من جملة ما ينطبق عليه ذلك.
وثمّة مصاديق أخرى للآية قد ذُكرت في بعض الأخبار؛ حيث تمّ تطبيقها على الأمان والصحّة وولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (48).
________________________________________
(43)المصدر نفسه، 2/327 ـ 329.
(44)المقصود حرب الجمل في البصرة.
(45)الكافي، 8/180، تهذيب الأحكام، 6/137.
(46)شواهد التنزيل، 1/263 و264.
(47)البرهان في تفسير القرآن، 4/501 ـ 504. وانظر: شواهد التنزيل، 2/368 و369.
(48)المصدر نفسه، 4/503.

[الصفحة - 249]


6 ـ قوله تعالى: {وَاءَوْفُوا بِالْعَهْدِ اءِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء/34].
روى عيسى بن داود النجّار (49) عن الإمام الكاظم (عليه السلام) عن أبيه قال: «العهد ما أخذ النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) على الناس في مودّتنا وطاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) »(50). فالآية دالّة بإطلاقها على لزوم الوفاء بكلّ عهد، ومودّة أهل البيت (عليهم السلام) هي أجر الرسالة بنصّ القرآن، كما أنّ لزوم طاعة عليّ (عليه السلام) على الناس ثابتة بنصّ القرآن والسنّة، فيكون إطلاق العهد في الآية شاملًا أيضاً لالتزام الاءُمّة بمودة أهل البيت (عليهم السلام) وطاعة عليّ (عليه السلام) .
7 ـ قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة/7]. روى عمر بن اءُذينة عن الإمام الصادق أنّه فسّر «المغضوب عليهم» بالنواصب (51)، و «الضالّين» بالشُّكّاك الذين لا يعرفون الإمام (52).
وقد ورد، في أخبار كثيرة من الفريقين، تأويل «المغضوب عليهم» باليهود، و «الضالّين» بالنصارى (53) ولا شكّ في أنّ إطلاق الآية شامل لجميع هذه التأويلات.
3 ـ تجريد المعنى = إلغاء الخصوصيّة
من حالات التطبيق الصحيح إلغاء الخصوصيّة من الآيات وتطبيقها على موارد اءُخرى تتناسب وسبب النُّزول.
إنّ الجمل تشبه الألفاظ في مسألة جواز استعمالها في غير ما وضعت له، مع حفظ الإطار العام للمعنى الذي وُضعت له، فكما يجوز ذلك في الألفاظ فإنّه يجوز في الجمل أيضاً. وأقرب مثال على ذلك الأمثال التي تضرب، فإنّها قد استعملت في بدء وضعها ـ في أيّ لغة كانت ـ في معنى خاصّ. وهكذا فإنّ الكثير من الآيات القرآنية هي كالأمثال لم تخصّص في موردها الأوّل الذي استعملت فيه، بل تتعدّاه إلى كلّ مورد ينسجم ومورد نزولها، وهذه هي إحدى الحالات التي يطلَق عليها «جري القرآن» (54). وقد ورد في حديث مرسل عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنّما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم» (55).
والذي نقصده هنا من إلغاء الخصوصية مورد من موارد التأويل، والتطبيق
________________________________________
(49)عيسى بن داود النجّار الكوفي، من أصحابنا، روى قليلًا عن الإمام الكاظم (عليه السلام) ، له كتاب في التفسير، روى عنه محمّد بن سالم بن عبد الرحمن «انظر: جامع الرواة».
(50)بحار الأنوار، 24/187. (نقلًا عن كشف اليقين في إمرة أمير المؤمنين، ص 88).
(51)النواصب جمع ناصبي، وهو كلّ من يبغض الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويعاديه (انظر: معجم الفرق الإسلامية، ص 451).
(52)البرهان في تفسير القرآن، 1/407.
(53)انظر: جامع البيان، 1/59 ـ 65، نور الثقلين، 1/24 و25.
(54)بحار الأنوار، 89/100 (نقلًا عن محاسن البرقي، ص 268).
(55)انظر: تفسير الميزان، 2/386.

[الصفحة - 250]


الصحيح هو ما طرحه العلّامة الطباطبائي نفسه في بيان التأويل ونحو علاقته بلفظ الآية حيث يقول(قدس سره):
«إنّ تأويل الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة المُمثَّل إلى المثل، فهو وإن لم يكن مدلولًا للآية بما لها من الدلالة، لكنّه محكي لها محفوظ فيها نوعاً من الحكاية والحفظ، نظير قولك: «في الصيف ضيّعتِ اللبن» لمن أراد أمراً قد فوّت أسبابه من قبل، فإنّ المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل، وهو تضييع المرأة اللبن في الصيف، شيء منه على المورد، وهو مع ذلك ممثِّل لحال المخاطب حافظ له يصوّره في الذهن بصورة مضمّنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله، كذلك أمر التأويل..».
وسنشير، في ما يأتي، إلى بعض النماذج من الآيات القرآنية، الوارد في الأخبار تطبيقها على موارد اءُخرى من باب إلغاء الخصوصيّة:
1 ـ قوله تعالى: {وَاءَنفِقُوا فِي سَبِيلِ الِ وَلَا تُلْقُوا بِاءَيْدِيكُمْ اءِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة/195].
«عن أسلم أبي عمران قال: كنّا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفّاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر.. فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم حتّى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيّوب الأنصاري (56) فقال: أيّها الناس، إنّكم لتؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنّما نزلت هذه الآية معشر الأنصار لمّا أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرّاً دون رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) : إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله.. «و.. ولا تهلكوا..» فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» (57)، فإنّا نلاحظ في هذه الواقعة كيف أنّ الناس قد تعاملوا مع الآية الكريمة بإلغاء الخصوصيّات الحافّة بالآية والتعدّي إلى حالات اءُخر تتناسب ومورد الآية.
2 ـ قوله تعالى: {وَاءِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات/48].
روى أبو حمزة الثمالي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير الآية على نحو الباطن قال: «هي بطن القرآن، وإذا قيل للنصّاب: تولّوا عليّاً لا يفعلون» (58).
________________________________________
(56)هو: خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، من كبار صحابة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وقد نزل (صلي الله عليه و آله و سلم) في بيته بدء الهجرة. وقد اشترك في حرب الخوارج إلى جانب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وتردّدت سنة وفاته بين 50 و55 هجرية. (انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني).
(57)سنن الترمذي، 4/280.
(58)بحار الأنوار، 36/131.

[الصفحة - 251]


وقد كان نزول هذه الآية في من كذّب بدعوة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ؛ حيث اءُمروا بالركوع فأبوا وصدّوا عن ذلك. قال كثير من المفسِّرين: إنّ الآية قد نزلت في بني ثقيف عندما دعاهم النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى الصلاة، حيث قالوا: إنّا لم نركع لشخص، وهذا أمر عجيب، فقال النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) : «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود»(59).
فالآية، وإن وردت في الصلاة والركوع، ولكنّها تحكي بشكل عام عن حالة التكبّر والغرور عند جمع ممّن أعرض وتكبّر عن قبول الدعوة.
3 ـ قوله تعالى: {اءَوْفُوا الْكَيْلَ اءِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الإسراء/35].
فقد ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) تفسير القسطاس المستقيم بالإمام (عليه السلام) (60).
فكما أنّ الأجناس والأجسام توزن بميزان ليُعلم حجمها الحقيقي، فكذا الأعمال لا بدّ من أن تعرض على ميزان الأعمال والقدوة فيها لكي يعرف قدرها، فلا خصوصية للأجسام في الآية لكي يتعيّن الحصر بها، بل يمكن التعميم لجميع الموارد التي توزن.
4 ـ قوله تعالى: {قُلْ اءَرَاءَيْتُمْ اءِنْ اءَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَاءْتِيكُمْ بِمَاء مَعِين} [الملك/30].
روى عليّ بن جعفر (عليه السلام) (61) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) في تأويل هذه الآية: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟» (62).
ودلالة الآية على التأويل في الرواية هي من قبيل الأمثال التي تُضرب وتُستعمل في مواردها.
5 ـ قوله تعالى: {فَاسْاءَلُوا اءَهْلَ الذِّكْرِ اءِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل/43].
فقد وردت أخبار كثيرة من الفريقين في أنّ المراد بـ «أهل الذكر» هم «أهل البيت» (عليهم السلام) (63).
وبالرغم من أنّ المراد بأهل الذكر في الآية هم أهل الكتاب، إلّا أنّها تشير إلى حقيقة عقلية وعقلائية، وهي رجوع الجاهل إلى العالم.
________________________________________
(59)انظر: تفسير الكشّاف، وتفسير روح البيان، الجامع للقرآن. ذيل الآية 48 من سورة المرسلات.
(60)بحار الأنوار، 24/187 (نقلًا عن كشف اليقين في إمرة أمير المؤمنين، ص 88).
(61)علي بن جعفر، ابن الإمام الصادق (عليه السلام) ، ثقة جليل القدر، من أصحاب الإمام الصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) . (انظر: جامع الرواة).
(62)البرهان في تفسير القرآن، 4/366 و367.
(63)بحار الأنوار، 23/172 ـ 188، شواهد التنزيل، 1/334.

[الصفحة - 252]


المحور الثالث: أنواع التطبيقات غير الصحيحة ونماذجها
ورد، في التفاسير الروائية، أحاديث لا تتّفق مضامينها والقواعد العقلية والنقلية والعرفية، هذا إضافةً إلى ضعف أغلبها. وهذه الأخبار، في اعتقادنا، من مصاديق التطبيق المنحرف والخاطى.
دور الغُلاة في عمليات الدسّ في روايات التَّفسير
لمّا كان ثابتاً بالدراسة والتحقيق أنّ الكثير من هذه الروايات الموضوعة هي من صنع الغُلاة، نرى من اللازم، قبل الأخذ في دراسة بعض النماذج منها ونقدها، أن نلمح إلى نبذة عن الغلوّ في الدِّين، وعمليات الدّس والوضع في الحديث من قبل الغلاة، وموقف النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، والأئمّة (عليهم السلام) منهم.
التحذير القرآني والروائي من ظاهرة الغلوّ
لقد حذّر القرآن الكريم، في آيتين، من الغلوّ في الدِّين، قال تعالى: {يَا اءَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة/72]، وقال تعالى: {يَا اءَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى الِ اءِلَّا الْحَقِّ}[النساء/171].
وقد وردت روايات عن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) في الغلوّ في الدِّين، مثل:
1 ـ «صنفان لا تنالهما شفاعتي: سلطان غشوم عسوف، وغال في الدِّين» (64).
2 ـ «إيّاكم والغلوّ في الدِّين، فإنّما هلك من كان قبلكم بالغلوّ في الدِّين» (65).
3 ـ «يا علي مثلك، في هذه الاءُمّة، كمثل عيسى بن مريم أحبّه قوم فأفرطوا فيه، وأبغضه قوم فأفرطوا فيه، قال: فنزل الوحي: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا اءِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف/57]»(66).
4 ـ «إنّ اءُمّتي ستفترق فيك ثلاث فرق: ففرقة شيعتك وهم المؤمنون، وفرقة عدوّك وهم الشاكّون، وفرقة تغلو فيك وهم الجاحدون.. وعدوّك والغالي في النار» (67).
________________________________________
(64)المصدر نفسه، 25/268 (نقلًا عن قرب الإسناد، ص 31، والخصال، 1/33).
(65)انظر: سنن النسائي، ص 217، سنن ابن ماجة، ص 63، مسند أحمد بن حنبل، 1/215، 347.
(66)بحار الأنوار، 25/284 (نقلًا عن أحمد بن حنبل).
(67)المصدر نفسه، 25/246 و365.
[الصفحة - 253]
لقد كان ثمّة من ينتسب إلى الأئمّة (عليهم السلام) في زمانهم وهو ممّن أسّس للغلوّ، ولقد كان للأئمّة (عليهم السلام) موقف سلبي ورافض لتيّار الغلوّ، ولم يحظ أحد من الغلاة على طول الخط بموقف داعم ومؤيّد من قبلهم (عليهم السلام) .
موقف الأئمّة (عليهم السلام) من تيار الغُلاة
روى الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «احذروا على شبابكم من الغلاة لا يفسدوهم، فإنّ الغلاة شرّ خلق الله... والله إنّ الغلاة لشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا» (68).
وبناءً على هذه الروايات، فقد ذكر الشيخ الصدوق: «إنَّ اعتقادنا في الغلاة أنّهم كفّار بالله جلّ جلاله، وإنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية (69)، والحرورية (70)، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة» (71).
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يجلس إلى غال ويستمع إلى حديثه ويصدّقه على قوله» (72).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) عن حبّ الغُلاة: «فمن أحبّهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبّنا... ومن صدّقهم فقد كذّبنا، ومن كذّبهم فقد صدّقنا» (73).
ظواهر الكذب والدس عند الغُلاة
لقد بلغ الكذب عند الغُلاة حدّاً اقترن معه اسمهم بالكذب في الروايات، فقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن الغالي، فأجاب (عليه السلام) : «قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا» (74) .
وروى هشام بن سالم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال في حقّ الغُلاة: «إنّ فيهم من يكذب حتّى أنّ الشيطان ليحتاج إلى كذبه» (75).
وتكشف النصوص والأخبار عن الاهتمام البالغ الذي كان يوليه الغُلاة لوضع الأحاديث في كتب الشيعة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في شأن المغيرة بن سعيد، وكان من الغُلاة: «إنّ المغيرة بن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى» (76).
________________________________________
(68)المصدر نفسه.
(69)القدرية هم الذين يرون أنّ الإنسان مالك لأمره، فالخير والشرّ، والطاعة والمعصية هي أفعال الإنسان، وليس من القضاء والقدر، ولا دخل لإرادة الله ومشيئته بفعل الإنسان. «انظر: معجم الفرق الإسلامية، ص 356 و357».
(70)وصف للخوارج حيث استقرّوا بعد صفّين في منطقة (حروراء) قرب الكوفة، ثمّ انطلقوا منها بعد أن اجتمعوا فيها نحو النهروان. (انظر: المصدر نفسه، ص 152).
(71)بحار الأنوار، 25/343 (نقلًا عن تصحيح الاعتقاد، ص 63 ـ 66).
(72)المصدر نفسه، 5/8.
(73)المصدر نفسه، ص 366. (نقلًا عن عيون الأخبار، ص 81 و82).
(74)المصدر نفسه، 67/101، الكافي، 4/175.
(75)المصدر نفسه، 25/296.
(76)المصدر نفسه، 2/250.

[الصفحة - 254]


وقال يونس بن عبد الرحمان: «وافيت العراق، فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) ، ووجدت أصحاب أبي عبد الله متوافرين، فسمعت منهم وأخذت كتبهم، فعرضتها بعدُ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام) ، وقال لي: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السنّة» (77).
وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث آخر: «إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا.. فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيّتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا» (78).
نماذج لتطبيقات خاطئة
بعد أن ألمحنا إلى الغُلاة ودورهم في وضع الأحاديث والدسّ فيها، نشير، في ما يأتي، إلى نماذج للتطبيقات الخاطئة وغير الصحيحة.
والطريقة، في بيان النماذج من كلّ قسم من التطبيقات، هي أن نبدأ بذكر الآية وما يتعلّق بها من روايات تفسيرية، ثمّ نتعرّض لتقويم الحديث من جهة السند، وأخيراً دراسة متنه ومضمونه.
1 ـ التَّطبيقات المخالفة للنصّ والسِّياق القرآنيين
إنّ كثيراً من التأويلات الواردة تخالف نصّ الآيات المؤوَّلة أو ظاهرها أو سياقها، وذلك من قبيل:
1 ـ قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا اءَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق/1 ـ 3] .
الحديث: «السماء» هو عليّ (عليه السلام) ، و «الطارق» هو الروح، و «النجم الثاقب» هو النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) (79).
________________________________________
(77)المصدر نفسه.
(78)المصدر نفسه، 26/239 (نقلًا عن عيون الأخبار، 2/272).
(79)تفسير القمّي، ذيل الآية المذكورة.

[الصفحة - 255]


وفي سندها الحسن بن علي بن أبي حمزة (80) وعلي بن أبي حمزة، وكلاهما ضعيف (81).
المناقشة: نلاحظ، في هذه الآيات الثلاث، أنّ الله سبحانه قد أوضح «الطارق» وفسّره بـ «النجم الثاقب»، فالطارق هو النجم الثاقب نفسه، وكلا العنوانين لشيء واحد.
إلّا أنّ الوارد في الروايات هو تفسير «الطارق» بالروح و «النجم الثاقب» بالنبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) !
2 ـ قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِاءِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ اءَمْر * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}[القدر/4 و5] .
الحديث: «الملائكة، في هذا الموضع، المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد، والروح روح القدس وهي فاطمة (عليها السلام) .. حتّى مطلع الفجر حتّى يقوم القائم (عليه السلام) » (82).
وقد ورد في سندها محمّد بن جمهور، وهو من الغُلاة.
المناقشة: ويمكن المناقشة في مضمون الحديث بما يأتي:
1 ـ إنّ التفسير المذكور للملائكة والروح مخالف لظاهر جميع الآيات التي ورد فيها هذا اللفظان.
2 ـ إنّ السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عند نزول هذه الآيات كانت في الأرض، فلا معنى لنزولها!
3 ـ ما هو المراد بنزول المؤمنين في ليلة القدر؟! سيّما من لم يوجد منهم بعدُ في الخارج حين نزول الآية.
4 ـ إذا كان المراد من «الليلة»، في بدء الآية، هو المقطع الزماني المقابل للنهار، فإنّ وحدة السياق تقتضي أنّ المراد بـ «الفجر» هو الصبح.
3 ـ قوله تعالى: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَاءِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ/1 ـ 3] .
________________________________________
(80)هو: أبو محمّد الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، واقفي ضعيف، قال علي بن الحسن بن فضّال فيه: ملعون كذّاب، وقد كتب عنه تفسيره، ولا أرى جواز روايته (انظر: جامع الرواة).
(81)المصدر نفسه.
(82)البرهان في تفسير القرآن: ذيل الآية المذكورة.

[الصفحة - 256]


الحديث: المراد بـ «النبأ» هو عليّ (عليه السلام) وولايته (83).
وفي أسناد الروايات المفسّرة لهذه الآية محمّد بن الفضل (84) ، وعبد الرحمن بن كثير (85)، وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي (86) ، وهم غُلاة وضّاعون.
المناقشة: وفي هذا التفسير عدّة مناقشات:
1 ـ إنّ قوله تعالى: {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} يخبر عن خلاف حاصل بين المشركين في «النبأ العظيم». ومن المعلوم أنّ مسألة ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن مثارةً في ذلك الوقت قطعاً!
2 ـ إنّ الآيات التي بعدها تتحدّث عن الخلق وعود الحياة للأموات، ما يدلّ على أنّ المراد بالنبأ «القيامة».
3 ـ قد ورد، في هذه الروايات، مقولة تنسب إلى الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: «ما لله آية هي أكبر منّي، ولا لله نبأ أعظم منّي». ولا يكون هذا إلّا أن ندّعي أنّ الإمام (عليه السلام) هو أعظم من جميع المخلوقات بمن فيهم رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وهذا هو الذي تعتقده الغُلاة (87).
4 ـ قوله تعالى: {فَلَا اءُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ اءِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ اءِذَا تَنَفَّسَ * اءِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُول كَرِيمٍ} [التكوير/15 ـ 19] .
الحديث: المراد من «الخنّس» هو قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه) الغائب عن الأنظار (88).
وقد وقع، في سند بعض هذه الروايات المفسِّرة للآية الشريفة، جعفر بن محمّد بن مالك، وقد ذكروا فيه: إنّه ضعيف، غال، وضّاع، وقد جمع إليه جميع عيوب الرواة الضعاف» (89). كما أنّ الكثير من رواة هذه الأخبار مجاهيل.
المناقشة: ويلاحظ على هذا التفسير:
1 ـ إنّ القسم الوارد، في هذه السورة، هو لتأكيد حقّانية النبوّة والقرآن، وعليه فكيف يتمّ القسم بغيبة الإمام التي هي فرع النبوّة؟!
________________________________________
(83)انظر: الكافي، 3/207 و418، وانظر: 8/30، وتهذيب الأحكام، 3/146.
(84)هو: محمّد بن فضيل الأزدي، روى عن الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام) ، وقد عدّوه من الضعفاء والغُلاة. (انظر: جامع الرواة).
(85)هو: عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، روى عن الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) ، ضعيف غال. «المصدر نفسه».
(86)هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، ضعيف في الحديث، متّهم في دينه بالغلوّ، لا يعتمد على شيء من حديثه. (المصدر السابق).
(87)انظر: التصوّف والتشيّع (هاشم معروف الحسني)، ص 304.
(88)البرهان في تفسير القرآن، 4/433.
(89)انظر: جامع الرواة.

[الصفحة - 257]


2 ـ إنّ الشيء الذي يقع القسم به لا بدّ من أن يكون معلوماً عند المخاطبين في ذلك الزمان، ولم تكن مسألة الغيبة بهذه المثابة.
5 ـ قوله تعالى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ اءَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن/31] .
الحديث: المراد من «الثقلان» كتاب الله وأهل البيت (عليهم السلام) (90).
وفي سند هذه الروايات المفسّرة محمّد بن عيسى اليقطيني (91) وهو غال، وأبان بن عثمان (92)، وهو فاسد المذهب.
المناقشة: وهنا عدّة أمور:
1 ـ إنّ الملاحظ بشكل عابر لسورة «الرحمن» وآياتها يجد أنّها تخاطب الإنسان والجنّ مثل الآيتين السَّابقتين على هذه الآية، وهما: {خلق الإنسان} [الرحمن/3] و {خلق الجان} [الرحمن/15]، كما أنّ الآية التي بعدها صريحة في ذلك، وهي قوله: {يا معشر الجنّ والإنس} [الرحمن/33] .
2 ـ إنّه لو كان المراد بـ «الثقلان» هو الكتاب والعترة، فلا بدّ من أن يكون المخاطب فيها بعد ذلك في قوله تعالى: {فَبِاءَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن/34] هو القرآن والعترة أيضاً، فهل يمكن أن يكونا مكذِّبين بنعمته سبحانه؟!
6 ـ قوله تعالى: {ثُمَّ اءِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المطففين/16 و17] .
الحديث: إنّ المراد بـ «هذا الذي» في الآية هو عليّ (عليه السلام) ، وهذا من باب التنزيل (93)[لا التأويل]، وفي سندها محمّد بن الفضيل وهو غال.
المناقشة: إنّ الآيات السابقة على هذه الآية صريحة في أنّ الأمر الذي وقع مورد التكذيب هو يوم القيامة: {وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المطففين/10 و11] ، وعليه فإنّ التأويل المذكور مخالف لنصّ القرآن.
7 ـ قوله تعالى: {وَمَا اءُمِرُوا اءِلَّا لِيَعْبُدُوا الَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيّنة/5] .
________________________________________
(90)البرهان في تفسير القرآن، 4/267.
(91)هو محمّد بن عيسى بن عبيد بن يقطين، يُعدّ من أصحاب الهادي (عليه السلام) ، ضعيف يرى مذهب الغلوّ (انظر: جامع الرواة).
(92)هو: أبان بن عثمان البجلي، روى عن الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) . كان ناووسياً، وفي قبول روايته خلاف (المصدر نفسه).
(93)البرهان في تفسير القرآن، 4/17، سورة المطففين، والحديث مروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) .

[الصفحة - 258]


الحديث: «دين القيّمة» فاطمة الزهراء (عليها السلام) (94)، وفي السند عمرو بن الشمر (95)وهو غال ضعيف.
المناقشة: «ذلك» اسم إشارة للأمر السابق الوارد في هذه الآية وهو: عبادة الله سبحانه بإخلاص، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فهذه هي الدعائم التي أقام سبحانه عليها دينه وأمر الناس بها.
هذه كانت نماذج للتأويل والتطبيق المخالف بشكل جليّ للنصّ والسياق القرآنيَّين، وهي واردة بكثرة في التفاسير الروائية، وقد أحجمنا عن الاسترسال في ذكرها خوفاً من الإطالة.
2 ـ التأويلات التي تحطّ من مقام الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)
إنّ الهدف من وراء تأويل الآيات بالنبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ، هو بيان فضلهم ومنزلتهم، إلّا أنّ الوارد في الكثير من مثل هذه الروايات ليس إلّا المسّ والحطّ من شأن هذه الشخصيات العظيمة، ومن ذلك:
1 ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الَ لَا يَسْتَحْيِي اءَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة/26] .
الحديث: المراد بـ «البعوضة» في الآية هو الإمام علي (عليه السلام) ، والمراد بـ «ما فوقها» رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) (96).
وراوي الحديث هو المعلّى بن خنيس، وهو ضعيف جدّاً في كتب الرجال (97) .
المناقشة: وهنا نجد أنفسنا في غنى عن التعليق على الحديث المذكور، إلّا أنّ الطريف فيه هو ما تضمّنه من الاستدلال للتأويل الوارد فيه وهو: أنّه قد ورد في تتمّة هذه الآية: {فَاءَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمْونَ اءَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة/26] ، ومرجع الضمير في (أنّه) هو عليّ (عليه السلام) ! فهل يمكن أن يؤتى بدليل أقوى وأدلّ من ذلك؟! فهذه تأويلات يتبع بعضها بعضاً.
2 ـ قوله تعالى: {فَاءَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا اءِلّا الأشْقَى... وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى} [الليل/ 14 ـ 17] .
________________________________________
(94)المصدر نفسه، 4/489.
(95)هو: أبو عبد الله، عمرو بن الشمر بن يزيد الجعفي، روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، وقد عُدّ في الضعاف [ووضّاع الحديث]. «انظر: جامع الرواة».
(96)تفسير القمّي، ذيل الآية 26 من سورة البقرة.
(97)انظر: معجم رجال الحديث.

[الصفحة - 259]


الحديث: المراد بقوله «ناراً تلظّى» في الآية هو قائم آل محمّد (عجّل الله فرجه)، عندما يخرج وينتفض غاضباً، فيقتل من كلّ ألف (999)! والمراد بـ «الأشقى» عدوّ آل محمّد (عليهم السلام) و «الأتقى» هو أمير المؤمنين (عليه السلام) (98) .
وفي سنده عمرو بن شمر، وهو ضعيف غال.
المناقشة: وفي الحديث عدّة ملاحظات:
1 ـ هل يصحّ أن تكون حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والتي هي كباقي بعثات الأنبياء رحمةً وهداية (99)، بهذا الوصف الذي ذكر وأنّه يقتل من كلّ ألف (999) شخصاً؟!
فلو فرضنا أنّ عدد سكّان المجتمع الإنساني وقتئذ عند ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) عشرة مليارات إنسان، فإنّه سيبقى منهم عشرة ملايين شخص فقط والباقي سيقتلون على يديه، فهل ثمّة نيل هو أكثر من هذا بحقّه (عليه السلام) ؟!
2 ـ والطَّريف، في الحديث، أنّه استثنى من غضبه وانتقامه (عليه السلام) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه، فهل في هذا الاستثناء مسّ أكثر من ذلك بمقام الأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟!
3 ـ قوله تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا اءَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * اءَوْ اءِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة}[البلد/11 ـ 14] .
الحديث: إنّ المراد بقوله «فكّ رقبة»، في الآية، هو رقبة ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)(100)، وفي السند محمّد بن جمهور العمّي، وهو من الغُلاة.
المناقشة: ويمكن الملاحظة على هذا الاستدلال بما يأتي:
1 ـ إنّه قد ورد في الآية أمران على نحو التخيير بعنوان: «العقبة»، وهما «فكّ رقبة» و «الإطعام»، فهل ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تقدّر بإطعام مسكين؟!
2 ـ إنّه بناءً على هذا التأويل لا إلزام بولاية الإمام (عليه السلام) ، بل الناس مخيّرون بين ولاية الإمام (عليه السلام) وبين إطعام المسكين!
________________________________________
(98)البرهان في تفسير القرآن، 4/471، والحديث في ذيلها رواه جابر الجعفي عن الإمام الصادق (عليه السلام) .
(99)فمن باب المثال أنّ النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) عندما فتح ـ ومعه المسلمون ـ مكّة، قال للمشركين مع كلّ ما لقيه منهم من أذى: «أنتم الطلقاء» فنزل قوله تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنآنُ قَوْم اءَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ اءَنْ تَعْتَدُوا [المائدة/2].
(100)البرهان في تفسير القرآن، ذيل الآية 11 ـ 16 من سورة البلد، والحديث منسوب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) .

[الصفحة - 260]


4 ـ قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ الِ فِي اءَيَّام مَعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الاءَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَاءَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج/28 و29] .
الحديث: المراد بقوله «وليقضوا تفثهم» هو لقاء الإمام عليّ (عليه السلام) (101).
وفي سندها سهل بن زياد الآدمي (102)، وهو غال.
المناقشة: إنّ الطريف، في هذا التأويل، أنّه عدَّ لقاء الإمام وجهاً باطناً لأخذ الشارب وقصّ الأظفار، رواه عبد الله بن سنان عن ذُريح المحاربي (103).
قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جُعلت فداك قول الله عزّ وجلّ: «ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم» قال: أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك، قلت: جعلت فداك، إنّ ذريح المحاربي حدّثني عنك بأنّك قلت له: ليقضوا تفثهم لقاء الإمام وليوفوا نذورهم تلك المناسك. فقال: صدق ذريح وصدقت، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟(104).
5 ـ قوله تعالى: {اءَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} [البلد/8 و9] .
الحديث: «العينان هما رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، واللسان هو علي (عليه السلام) ، والشفتان هما الحسنان (عليهما السلام) » (105).
رواه أبو يعقوب الأسدي، وهو مجهول، وقد عدّه الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (عليهما السلام) (106).
المناقشة: لم تفهم وجه الفضيلة في تأويل الشفتين بالحسنين (عليهما السلام) !
لقد أسرف بعضهم في تأويل لفظه وتطبيقها على أعضاء الإنسان حتّى أنّه أوّل لفظ الفرج في قوله تعالى: {وَالَّتِي اءَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء/91] بحفظ الولاية والتقيّة بعدم التظاهر بها (107).
6 ـ قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين/1] .
الحديث: التين والزيتون هما الحسن والحسين (عليهما السلام) .
________________________________________
(101)الكافي، 6/549، من لا يحضره الفقيه، 2/484 و485، والحديث مرويّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) .
(102)هو: أبو سعيد، سهل بن زياد الآدمي، من أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) ، ضعيف في نقل الحديث، وقد أخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى من قم لغلوّه. (انظر: جامع الرواة).
(103)هو: أبو الوليد، ذُريح بن محمّد بن يزيد المحاربي، روى عن الإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام) >ع84>، قال عنه النجاشي: إنّه ثقة. «انظر: جامع الرواة».
(104)الكافي، 4/549.
(105)البرهان في تفسير القرآن، 4: ذيل الآية 17.
(106)انظر: رجال الشيخ الطوسي.
(107)انظر: مرآة الأنوار، ص 254.

[الصفحة - 261]


وقد ورد في هذا المضمون عدّة أحاديث، ووقع في أسانيدها كلّ من:
ـ محمّد بن القاسم، ضعيف كذّاب.
ـ عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، ضعيف غال كذّاب، من البصرة.
ـ محمّد بن الفضيل، غال.
ـ محمّد بن عيسى بن عُبيد اليقطيني، غال.
ـ بدر بن الوليد (108) وأبو الربيع الشامي (109)، وكلاهما مجهول.
وما نعتقده، في شأن هذه الأحاديث، هو أنّها من صنع الغُلاة بهدف الحطّ من مقام الأئمّة (عليهم السلام) ، ولعلّ وضّاعها كانوا يرمون إلى ذلك أيضاً.
3 ـ التأويلات المخالفة لقواعد اللغة
يلاحظ، في جملة من هذه الأحاديث التي تتبنّى التأويل، مخالفتها لقواعد اللغة العربية، ما يكشف عن ضعف رواتها وواضعيها، أو أنّهم لم يكونوا يرون أنفسهم مقيّدين بتلك القواعد، ونشير هنا إلى بعض النماذج في هذا المجال:
1 ـ قوله تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً} [النبأ/40] .
الحديث: إنّ الكفّار يقولون يوم القيامة: يا ليتنا كنّا في زمرة شيعة أبي تراب (110).
وفي سنده محمّد بن عيسى بن عُبيد وبكر بن عبد الله بن حبيب (111)، والأوّل من الغُلاة، والثاني لا يتحاشى نقل الأحاديث المنكرة (112).
المناقشة: نلاحظ، في الروايات، تأويل «يا ليتني كنت تراباً» بمعنى «يا ليتني كنت من شيعة أبي تراب»، ففي أي كلام «غير فصيح» يكتفى بكلمة «تراباً»، ويراد بها «من شيعة أبي تراب»، ليصحّ ذلك في أفصح كلام عربي كالقرآن الكريم؟!
2 ـ قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ اءَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَاءْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ} [البيّنة/1] .
________________________________________
(108)بدر بن الوليد، من أصحاب الإمام الصادق 5، وهو مجهول الحال. «انظر: رجال الطوسي، 71».
(109)هو: خُليد بن الأوفى، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ، ولم يرد فيه مدح أو قدح «انظر: معجم رجال الحديث».
(110)البرهان في تفسير القرآن، 4/423.
(111)هو: بكر بن عبد الله بن حبيب المزني، كان في الري، نقل أحاديث معروفة ومنكرة (انظر: رجال النجاشي).
(112)الحديث المعروف هو الحديث الذي يكون مضمونه أشهر عند الرواة من الحديث المعارض له وبعكسه الحديث المنكر، فهو الذي ينقله غير الثقة ويكون مخالفاً للمعروف. (انظر: دراية الحديث، كاظم مدير شانه چي، ص 69).

[الصفحة - 262]


الحديث: «أهل الكتاب» هم الشيعة، و «الذين كفروا» هم المكذِّبون بهم و «المشركين» المرجئة(113) (114) وفي سنده عمرو بن شمر وهو ضعيف وضّاع.
المناقشة: من الواضح أنّ (من) في الآية بيانيّة، توضّح أنّ المراد من «الذين كفروا» أهل الكتاب والمشركين، كما أنّ «المشركين» عطف على «أهل الكتاب»، ولكن بناءً على التأويل المذكور، فإنّ لفظ «المشركين» عطف على «الذين كفروا» لا على «أهل الكتاب»، وعليه فلا بدّ من أن يكون (المشركون) بالرفع لا بالجرّ (115).
3 ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الاءِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَاءِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَاءِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}[العاديات/6 و7] .
الحديث: «الإنسان» هو الخليفة الأوّل، ومرجع الضمير في «إنّه لحبّ الخير لشديد» عليّ (عليه السلام) (116)، وفي سنده: عبد الرحمن بن كثير وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي وعلي بن حسّان الهاشمي (117) وهم من الغُلاة، وعمرو بن شمر، وهو ضعيف وضّاع.
المناقشة: لا شكّ في أنّ الضمير في «إنّه لحبّ الخير لشديد» راجع للإنسان، وعليه فالإنسان هو المراد أيضاً أيّاً كان المقصود به في قوله «إنّه لحبّ الخير لشديد»، وحينئذ فكيف يمكن تصوّر أن يراد بـ «الإنسان» الخليفة الأوّل، ومرجع الضمير في «إنّه» عليّ (عليه السلام) ؟!
4 ـ قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الاءِنْسَانَ فِي اءَحْسَنِ تَقْوِيم * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ اءَسْفَلَ سَافِلِينَ * اءِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ اءَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون} [التين/4 ـ 6] .
الحديث: الإنسان هو الخليفة الأوّل، و «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» هو علي (عليه السلام)(118)، قد ورد هذا الحديث في تفسير علي بن إبراهيم القمّي مرسلًا.
المناقشة: كيف يمكن أن يكون المراد بالإنسان، في هذه الآية، فرداً معيّناً، ومع ذلك يستثنى منه «الذين آمنوا»، فإنّ المستثنى لا بدّ من أن يكون داخلًا في المستثنى منه حتّى في الاستثناء المنقطع، وإن كان يشترك مع المستثنى منه في الحكم فقط.
5 ـ قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ اءَحَدٌ} [الفجر/25] .
________________________________________
(113)سمّي عامّة الناس والسواد الأعظم، بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتسلّط بني اءُميّة، بـ «المرجئة»، وهي فرقة استحدثت في قبال الخوارج الذين لم يقبلوا بخلافة كلّ من عليّ (عليه السلام) ومعاوية، وفي مقابل الشيعة أيضاً الذين يعتقدون بإمامته (عليه السلام) (معجم الفرق الإسلامية).
(114)البرهان في تفسير القرآن، 4/489، والحديث مروي عن جابر الجعفي عن الإمام الباقر (عليه السلام) .
(115)استعمال مصطلح «أهل الكتاب» في اليهود والنصارى هو المشهور والمعروف، ولذا فالتأويل المذكور مخالف للنصّ والسياق القرآنيَّين.
(116)انظر: البرهان في تفسير القرآن، 4/498، والحديث وارد عن الإمامين: الباقر والصادق (عليهما السلام) .
(117)علي بن حسّان الهاشمي من الغُلاة، فاسد العقيدة، ضعيف، له كتاب باسم «تفسير الباطن» نقله بتمامه عن عمّه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، وهو من الغلاة أيضاً. (انظر: جامع الرواة).
(118)انظر: البرهان في تفسير القرآن، 4/478.

[الصفحة - 263]


الحديث: المراد بالآية هو الخليفة الثاني (أي مرجع الضمير في «عذابه» هو الخليفة الثاني). والحديث مرسل سنداً.
المناقشة: قد تقدّم أنّ المعنى المذكور لا ينسجم مع سياق الآيات في سورة الفجر بوجه، كما أنّه غير قابل للتوجيه من ناحية لغوية، إذ يلزم إمّا أن يكون فعل (يُعذّب) مبنيّاً للمجهول، وإمّا أن يكون (أحد) منصوباً (كمفعول لفعل يُعذّب).
6 ـ قوله تعالى: {وَاءِنَّهُ فِي اءُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف/4] .
الحديث: الصراط المستقيم عليّ (عليه السلام) ، لقوله تعالى: {وَاءِنَّهُ فِي اءُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}[الزخرف/4] ، والحديث مجهول من جهة السند.
المناقشة: إنّه يعلم من ملاحظة الآيات السابقة أنّ مرجع الضمير في «إنّه» القرآن، حيث ورد فيها: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * اءِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف/2 و3] . ومن هنا فإنّ أدنى التفات لهذه الآيات يثبت خواء هذا الادّعاء وزيفه.
4 ـ التأويلات المخالفة للواقع التاريخي
إنّ ثمّة روايات تفسيرية لا تتّفق والوقائع التاريخية، ومن هنا فإنّ من غير الممكن والصحيح أن تنسب إلى النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) والأئمّة (عليهم السلام) . ونذكر، في ما يأتي، بعض النماذج على ذلك:
1 ـ قوله تعالى: {فَلَا اءُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير/15 و16] .
الحديث: عن اءُمّ هاني قالت: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام) : ما معنى قول الله عزّ وجلّ: {فَلَا اءُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} ؟ فقال: يا اءُمّ هاني، إمام يخنَّس نفسه حتّى ينقطع عن الناس علمه سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الواقد في الليلة الظلماء، فإن أدركت ذلك الزمان قرّت عينك (119).
وفي السند جعفر بن محمّد بن مالك، وهو ضعيف، غال، وضّاع للحديث. وقد ذكروا فيه: إنّه جمع عيوب الرواة الضعاف جميعاً (120).
________________________________________
(119)المصدر نفسه، 1/47.
(120)المصدر نفسه، 4/433.

[الصفحة - 264]


المناقشة: لو فرضنا أنّ راوية الحديث كان عمرها عند سماع الحديث (15) سنة، وأنّ سماعها الحديث كان في اءُخريات حياة الإمام الباقر (عليه السلام) ، فمع ملاحظة أنّ وفاته (عليه السلام) كانت سنة 114، فإنّ عمر اءُمّ هاني كان آنذاك في سنة 260 هو (161) سنة، وحينئذ فمن المستبعد أن يقول لها الإمام: إذا أدركت زمانه..
2 ـ قوله تعالى: {فَاءِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَاءِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الانشراح/7 و8] .
الحديث: إذا فرغت من النبوّة فانصب عليّاً للخلافة (121). وراوي الحديث هو عبد الرحمن بن كثير، وهو من الغُلاة.
المناقشة: وهنا ملاحظات على التأويل المذكور:
1 ـ إنّ هذه السورة نزلت في أوّل البعثة، فمن المستبعد أن يتعرّض لذلك في بدء النبوّة.
2 ـ إنّ نبوّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) قد استمرّت إلى آخر حياته، فمن الممكن أن يفرغ النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) من كلّ عمل، ولكنّه لا يمكن أن يفرغ من النبوّة!
3 ـ قد ورد في بعض الروايات: «إذا فرغت من حجّة الوداع فانصب عليّاً للإمامة» (122).
3 ـ قوله تعالى: {اءَرَاءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} [الماعون/1] .
الحديث: الدّين هو ولاية عليّ (عليه السلام) (123)، وفي سنده محمّد بن جمهور، وعبد الرحمن بن كثير الهاشمي، وهما من الغُلاة.
المناقشة: لمّا كان نزول سورة الماعون في أوّل البعثة، فالمراد بالدِّين ليس ولاية الإمام (عليه السلام) ، بل فيها إشارة إلى شخص خاص كان قد كذّب بالدِّين (124).
4 ـ قوله تعالى: {هَلْ اءَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}[الغاشية/1 ـ 4] .
الحديث: نزلت الآية في النواصب، فقد كانوا من أهل الصلاة والصوم، ولكنّهم يعادون عليّاً (عليه السلام) (125). وفي سنده سهل بن زياد ومحمّد بن الفضيل، وهما غاليان.
________________________________________
(121)انظر: جامع الرواة.
(122)انظر: البرهان في تفسير القرآن 4، ذيل الآية المذكورة.
(123)تفسير القمّي: ذيل الآية المذكورة.
(124)البرهان في تفسير القرآن: ذيل الآية المذكورة.
(125)قد ورد في تفسير القمّي في ذيل قوله: اءَرَاءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ أنّها نزلت في شأن أبي جهل وكفّار قريش، وفي تفسير الميزان: إنّ المراد بالدِّين في الآية هو يوم القيامة، فالذي يكذّب بالدِّين منكر للمعاد، ولكن قال بعضهم: إنّ المراد به هو المعنى المعروف للدِّين أي الملّة (انظر الميزان، 20/368).

[الصفحة - 265]


المناقشة: إنّ سياق الآيات يتحدّث عن عاقبة طائفتين في يوم القيامة، إحداهما آمنت بالنبوّة، والاءُخرى كفرت، وعليه فإنّ تخصيص الآيات ـ الواردة في عامّة من أنكر النبوّة ـ بمجموعة خاصّة جاءت بعد نزول الآيات بسنوات ممّا لا ينسجم والسياق القرآني.
5 ـ التأويلات المستبعدة
لقد ورد، في الأخبار التفسيريّة، تطبيق جملة من الألفاظ القرآنية كالشمس، والقمر، والأرض، والسماء، والنجوم، والسنَّة، والشهر، والليل، والمشرق، والمغرب وغيرها على النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وأعدائهم بشكل غير معقول وخال من الترابط. وهنا نلاحظ أيضاً يد الغلاة والوضّاعين، ونشير إلى نماذج من هذه الموارد:
1 ـ قوله تعالى: {اءِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالَأرْضَ مِنْهَا اءَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة/36] .
الحديث: السنة هو رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، والاثنا عشر شهراً هم الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) ، والأشهر الأربعة الحرم الأئمّة الأربعة المسمّون بعلي (126) (وهم: علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وعلي بن موسى الرضا، وعلي بن محمّد الهادي) والحديث مرسل من جهة الإسناد.
المناقشة: ما هو الارتباط بين الأئمّة الاثني عشر والأشهر الاثني عشر سوى التشابه في العدد؟! وأبعد منه الترابط بين الأئمّة الأربعة المسمّون بعليّ وبين الأشهر الأربعة الحرم.
2 ـ قوله تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن/17] .
الحديث: «المشرقين» هما رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ، و «المغربين» الحسن والحسين (عليهما السلام) (127)، والحديث مرسل سنداً، إضافةً إلى وجود سيف بن عميرة فيه، وقد ضعّفه بعضهم (128).
المناقشة: إنّ المعنى الموضوع له لفظ المشرق والمغرب معلوم لغة، فإذا كان
________________________________________
(126)البرهان في تفسير القرآن، 4/454.
(127)بحار الأنوار، 24/240.
(128)تفسير القمّي: ذيل الآية المذكورة، البرهان في تفسير القرآن، 4/265، ذيل الآية 17 من سورة الرحمن.

[الصفحة - 266]


الحديث يشير إلى المعنى المجازي لهما كان ذلك محتاجاً إلى القرينة، وهي مفقودة في الآيات السابقة عليها.
3 ـ قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَال عَشْر * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر/1 ـ 3] .
الحديث: «الفجر» هو «قائم آل محمّد» (عليهم السلام) . و «ليال عشر» الأئمّة بدءاً بالإمام الحسن المجتبى وانتهاءً بالإمام الحسن العسكري،، و «الشفع» علي وفاطمة (عليهما السلام) ، و «الوتر» الله تعالى (129). والحديث مرفوع من جهة السند، وفيه عمرو بن شمر، وهو ضعيف وضّاع.
المناقشة: يبدو أنّ الوضّاعين قد عقدوا العزم على تأويل اللفظ القرآني في الأئمّة (عليهم السلام) بأيّ نحو اتّفق، فإذا كان فيه إشارة إلى العدد (اثنا عشر) كما في الآية (36) من سورة التوبة قالوا: إنّ المراد به هم الأئمّة الإثنا عشر (عليهم السلام) ، وإذا كان فيه العدد (أربعة) قيل: هم الأئمّة الأربعة الذين سمّوا بعليّ، وإذا كان فيه العدد (اثنان) فإمّا يقال: هما النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وعليّ (عليه السلام) ، أو يقال: هما علي وفاطمة (عليهما السلام) ، أو يقال: هما الحسن والحسين (عليهما السلام) . وهنا حيث كان العدد محدّداً بعشرة فقد قالوا: إنَّ المراد به الأئمّة من الإمام الحسن السبط إلى الإمام الحسن العسكري (عليهم السلام) !
ومن الطريف أنّ بعض من جمع مثل هذه الروايات التفسيرية قد ذكر، في تفسيره، أنّ تفسير «ليال عشر» هنا بالأئمّة العشرة يطلق يدنا في عملية تطبيق مثل هذه الأعداد على الأئمّة (عليهم السلام) !
ومن الممكن أن يكون الغُلاة والوضّاعون قد وجدوا، في مثل هذه التأويلات، في الأئمّة الظاهرين (عليهم السلام) ، مجالًا خصباً لتفسير الآيات بالشكل الذي يروق لهم.
4 ـ قوله تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ} [التين/2] .
الحديث: ورد تأويله ـ في خبر ـ بعلي (عليه السلام) ، وفي خبر آخر بالحسن والحسين (عليهما السلام) (130)، وفي سند أحدهما محمّد بن الفضيل، وفي الآخر محمّد بن عيسى بن عبيد، وكلاهما غال، وأما قوله تعالى: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ} [التين/3] ، فالرواية في تأويله مرسلة (131).
________________________________________
(129)انظر: جامع الرواة.
(130)البرهان في تفسير القرآن، 4/457.
(131)المصدر نفسه، 4/477، ح3،4،5، 10. تفسير القمّي ذيل الآية.

[الصفحة - 267]


5 ـ قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج/1] .
الحديث: «السماء» هو النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و «البروج» هم الأئمّة (عليهم السلام) (132) . وفي سند الحديث سعد بن طريف (133)، وقد ضعّفه بعضهم.
6 ـ قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ اءِذَا تَلَاهَا} [الشمس/1 و2] .
الحديث: «الشمس» هو رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، و «القمر» هو عليّ (عليه السلام) ، و «الليل» هم أئمّة الجور، و «النهار» هم الأئمّة من ذرّية فاطمة عليها وعليهم السلام(134). والحديث علاوة على إرساله، فإنّ فيه سهل بن زياد الغالي.
7 ـ قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِالِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي اءَنْزَلْنَا} [التغابن/8] .
الحديث: النور هو الإمام أو الأئمّة (عليهم السلام) (135).
وفي سنده محمّد بن الفضيل، غال، وأحمد بن أبي عبد الله البرقي، وأحمد بن مهران، والمعلّى بن الخنيس، وهم من الضعاف (136).
المناقشة: إنّ تشبيه النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام) بالشمس والقمر والنور وما شابه، وإن كان صحيحاً في نفسه، وكما هو وارد في القرآن الكريم في شأن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) {يَا اءَيُّهَا النَّبِيُّ اءِنَّا اءَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً اءِلَى الِ بِاءِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} [الأحزاب/45 و46] ، إلّا أنّ حمل هذه الألفاظ على النبيّ وعليّ وفاطمة وأهل البيت من دون نصب قرينة على ذلك ممّا لا وجه له، فإنّ استعمال مثل هذه الألفاظ فيهم (عليهم السلام) ، استعمال مجازي يحتاج إلى القرينة، وحينئذ فلا بدّ من حملها على معانيها الحقيقيّة، وليس في أوّل سورة الشمس ما يدلّل على انفكاك لفظ الشمس، والقمر، والنهار، والليل عن معانيها الحقيقيّة، وعليه فإنّ المقصود فيها هو معانيها الحقيقيّة لا غير. وفي الآية الثامنة من سورة التغابن، ثمّة قرينة على أنّ المراد بـ «النور» هو القرآن الكريم، وهي قوله «أنزلنا»، فلا يمكن حملها حينئذ على الإمام أو الأئمّة (عليهم السلام) .
ومن الطريف تأويل الشمس والقمر في قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان} [الرحمن/5]بالخليفتين: الأوّل والثاني، بدليل أنّ الناس يعدّونهما شمسي
________________________________________
(132)تفسير القمّي، ذيل الآية المذكورة، البرهان في تفسير القرآن، 4/478.
(133)البرهان في تفسير القرآن، 4، ذيل الآية المذكورة (نقلًا عن الاختصاص للشيخ المفيد).
(134)هو: سعد بن طريق الحنظلي (سعد الخفّاف) كان قاضياً، روى عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) وقد ضعّفه ابن الغضائري «انظر: جامع الرواة».
(135)البرهان في تفسير القرآن، 4/341 و342.
(136)انظر: معجم رجال الحديث.

[الصفحة - 268]


هذه الاءُمّة، وأنّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: إنّ هذين «النورين» في «النار»، وقوله «بحسبان» بمعنى أنّهما يعذّبان (137)!
مناقشتان تنتصران لمنهج التأويل الخاطى
الأولى: إنّ التأويلات الواردة، في الروايات جميعها، من باب باطن القرآن، ولا تنافي بينها وبين المعاني الظاهرية للآيات، فالمعاني الظاهرية باقية على حالها.
والجواب على ذلك: أوّلًا: إنّه لم يصرّح في كثير من هذه الروايات، بأنَّ هذه المعاني معان باطنية، وإنّما الوارد فيها أنّها من باب التأويل والبيان لمعاني الآيات.
ثانياً: إنّه قد ورد، في بعض هذه الروايات، أنّ هذه المعاني من باب التنزيل (138) ع2. كما جاء في بعضها أنّ الآية قد نزلت في هذا المعنى، وأنّ معناها هو خصوص المعنى الوارد في الرواية فحسب (139).
ثالثاً: إنّ روايات الظاهر والباطن تدلّ على أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، بل إنّ له عدّة بطون. إلّا أنّ المستفاد من هذه الروايات أنّ جميع الآيات القرآنية، على الرغم من ظهوراتها المختلفة فإنّ لها باطناً لا أكثر، ألا وهو عليّ وأهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم.
رابعاً: إنّ الذي نراه في تفسير الظاهر والباطن هو أنّ المعاني الباطنة للقرآن تقع في طول المعاني الظاهرة، مع أنّ المعاني الواردة في أخبار التطبيق هي في عرض المعاني الظاهرة من الآيات.
الثانية: إنّ المعاني الواردة، في أخبار التطبيق، هي من باب المجاز، بمعنى أنّ استعمال اللفظ القرآني في هذه المعاني ليس على نحو الحقيقة، بل على نحو المجاز بما لا يتنافى والمعنى الحقيقي لها (140).
والجواب على ذلك: إنّ استعمال اللفظ في غير معنى واحد غير ممكن (141)، وعليه فلا يمكن أن يقال: إنّ الله سبحانه يريد من اللفظ القرآني كلا المعنيين الحقيقي والمجازي معاً، بل لا بدّ من أن يريد أحدهما، إمّا الحقيقي أو المجازي، فإذا قال شخص «رأيت أسداً»، فإمّا أن يكون قد قصد المعنى الحقيقي له وهو الحيوان
________________________________________
(137)انظر: مرآة الأنوار، ص 200.
(138)المصدر نفسه.
(139)تفسير البرهان، 4: ذيل الآية 17 من سورة المطففين.
(140)انظر: مرآة الأنوار، 8 و357.
(141)كفاية الأصول (للآخوند الخراساني)، ص 36 ـ 38.

[الصفحة - 269]


المفترس، وإمّا المعنى المجازي له، وهو الإنسان الشجاع. ولا يمكن أن يريد كلا المعنيين في هذا الاستعمال.
الأهداف الكامنة وراء عملية الوضع في روايات التطبيق
لقد استغلّ بعضهم نصوص الجري والتطبيق للآيات على أهل البيت (عليهم السلام) لتمرير أهدافهم المتمثّلة في إنكار أصول الشريعة وفروعها، وبالمآل هدم أصول الدِّين والقضاء على الإسلام، ويأتي من هذا الباب تأويل القيامة، والصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها في أشخاص معيّنين.
وفي ما يأتي نورد بعض النماذج على ذلك:
1 ـ إنكار القيامة
لقد ورد تأويل أكثر الآيات الوارد فيها أمثال لفظ القيامة، الحشر، النشر، البعث، وغيرها بالرجعة أو أهل البيت (عليهم السلام) ، ولم يصرّح بأنّ ذلك من باب الباطن، ونورد للمثال النماذج الآتية:
أ ـ قوله تعالى: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَاءَبْقَى} [الأعلى/17] .
الحديث: «الآخرة» هي عليّ (عليه السلام) (142). وسنده المفضّل بن عمر (143) من الغُلاة، ومحمّد بن سنان، والمعلّى بن محمّد، وكلاهما ضعيف، وأوّلهما من الغُلاة أيضاً.
ب ـ قوله تعالى: {فَاءَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} [الليل/14] .
الحديث: «ناراً تلظّى» يعني الإمام المهدي (عليه السلام) (144). وفي سنده عمرو بن شمر، غال وضّاع.
ج ـ قوله تعالى: {فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ} [التين/7] .
الحديث: الدين هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (145). وفي سند الحديث مجاهيل.
________________________________________
(142)تفسير البرهان، 4/451.
(143)المفضّل بن عمر الجعفي، فاسد المذهب ومن الخطابية. (راجع: جامع الرواة).
(144)تفسير البرهان، 4/471.
(145)تفسير القمّي، 2/430.

[الصفحة - 270]


د ـ قوله تعالى: {اءِذَا زُلْزِلَتْ الاءَرْضُ زِلْزَالُهَا * وَاءَخْرَجَتْ الاءَرْضُ اءَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإنسَانُ مَا لَهَا}[الزلزلة/1 ـ 3] .
الحديث: قد ورد، في عدّة روايات، تأويل الإنسان بعليّ (عليه السلام) ، وأرجعت بعض هذه الروايات موضوع الآيات إلى الزلزلة التي حدثت في زمانه (عليه السلام) ، فضرب (عليه السلام) الأرض برجله مخاطباً لها: «مالكِ مالكِ»؟ حتّى هدأت!؟ (146). وفي أسانيدها ضعاف أمثال أبي عبد الله الرازي، ومحمّد بن سنان، وإبراهيم بن إسحاق النهاوندي، والحسن بن محمّد بن جمهور، مع عدد آخر من المجهولين.
هـ ـ قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ اءَيْنَمَا تَكُونُوا يَاءْتِ بِكُمُ الُ جَمِيعاً} [البقرة/148] .
الحديث: قد ورد في أحاديث كثيرة أنّها في أصحاب القائم (عليه السلام) (147). وفي أسانيدها ضعاف ومجهولون، مثل محمّد بن سنان، والمفضّل بن عمر، وسهل بن زياد، وبعض مهمل ومجهول، وقد عدّ بعض المفسّرين هذه الروايات من باب الجري والتطبيق (148).
المناقشة: وردت هذه الآية في سياق الآيات التي تشير إلى تعيين الكعبة قبلةً للمسلمين، وحاصل الكلام، على ضوء هذه الآية، هو «أنّ كلّ قوم لهم قبلة مشرّعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكماً تكوينيّاً ذاتياً لا يقبل التغيير والتحويل، فلا يهم لكم البحث والمشاجرة فيه، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق، فإنّ الله سيجمعكم إلى يوم لا ريب فيه» (149).
2 ـ إنكار الصلاة والعبادات
يستفاد، من بعض الأخبار، أنّ هناك من مارس عملية الوضع للأحاديث التي تتأوّل القرآن ونسبوها للأئمّة (عليهم السلام) ، وذلك بهدف محو الصلاة والآداب والسنن والعبادات من حياة المسلمين، أو على الأقل تهميشها، فطرحوا معاني بديلة لهذه المفاهيم من خلال تأويلها ببعض الأشخاص، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال الآيات والروايات الآتية:
________________________________________
(146)تفسير البرهان، 4/493 و494.
(147)المصدر نفسه: ذيل الآية المذكورة.
(148)الميزان في تفسير القرآن، 1/334 و335.
(149)المصدر نفسهد ص 327.

[الصفحة - 271]


أ ـ قوله تعالى: {وَمَا اءُمِرُوا اءِلَّا لِيَعْبُدُوا الَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيّنة/5] .
الحديث: «الصلاة» هي عليّ (عليه السلام) ، و «دين القيّمة» فاطمة (عليها السلام) (150).
والحديث مضافاً إلى أنّه مرفوع، في سنده عمرو بن شمر، وهو ضعيف غال.
ب ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ الِ اءَكْبَرُ} [العنكبوت/45] .
الحديث: سأل سعد الخفّاف أبا جعفر (عليه السلام) : وهل يتكلّم القرآن؟ فتبسّم ثمّ قال: ... نعم يا سعد، والصلاة تتكلّم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى،.. إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، فالنهي كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله ونحن أكبر (151).
والرواية ضعيفة بسعد الخفّاف (152) راوي الحديث، كما أنّ فيها علي بن العبّاس (153) وهو ضعيف غال، وسفيان الحريري أو (صفوان الحريري) والحسين بن عبد الرحمن، وهم مهملون(154).
المناقشة: سبق أن نقلنا أخباراً تدلّ على معارضة الأئمّة (عليهم السلام) لتأويل الآيات والموضوعات الشرعية فيهم، فقد كتب أحمد بن محمّد بن عيسى إلى أبي الحسن (عليه السلام) في قوم يتكلّمون ويقرأون أحاديث وينسبونها إليك.. ومن أقاويلهم أنّهم يقولون: إنّ قول الله عزّ وجلّ:{اءِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت/45] معناها رجل، لا ركوع ولا سجود، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد درهم ولا إخراج مال، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأوّلوها،.. فكتب (عليه السلام) : ليس هذا ديننا فاعتزله (155).
3 ـ إنكار الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر
الحديث: «الأمر بالمعروف» عليّ (عليه السلام) ، و «النهي عن المنكر» الإثنان اللّذان قد ظلماه(156)، وفي سنده محمّد بن عائر، وهو مهمل.
________________________________________
(150)البرهان في تفسير القرآن، 4/489، ذيل الآية المذكورة.
(151)الكافي، 2/598.
(152)المصدر نفسه، سعد بن طريف الحنظلي وقد تقدّمت ترجمته.
(153)علي بن العبّاس الخراذيني الرازي، متّهم بالغلوّ، ضعيف الحديث (رجال النجاشي).
(154)لم يرد في كتب الرجال سفيان الحريري أو صفوان الحريري والحسين بن عبد الرحمن.
(155)بحار الأنوار، 25/315 (نقلًا عن رجال الكشي، ص 321 و322).
(156)تفسير البرهان، 4/503. وقد روى الكلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام) .

[الصفحة - 272]


4 ـ طرح شبهة التحريف
إنّ القبول ببعض روايات التطبيق، يستلزم القول بتحريف النصّ القرآني. ونكتفي هنا بذكر أنموذجين:
أ ـ قوله تعالى: {وَاءِذَا الْمَوؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِاءَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير/8 و9].
الحديث: يعني عندما يُسأل عن مودّتنا أهل البيت بأيّ ذنب قتلت (157)! وفي سنده سهل بن زياد، ومحمّد بن عيسى بن عبيد، وهما غاليان.
المناقشة: إنّ هذا التأويل إنّما يصحّ فيما لو كانت كلمة «المودّة» تأتي بدل كلمة «الموؤودة» على نحو المجاز في الحذف أو الإسناد (158)، فيصحّ حينئذ تصوّر المعنى المذكور للآية.
ب ـ قوله تعالى: {اءِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا اءَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ اءُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة/159] .
الحديث: هم الذين كتموا ما نزل في علي (عليه السلام) (159).
وجميع الأحاديث التي ورد فيها هذا المضمون مرسلة.
المناقشة: ذكر بعض المفسّرين أنّ هذا التفسير هو من باب الجري والانطباق، والذين يكتمون ما ورد في ولاية علي (عليه السلام) من النصوص هم من المصاديق الواضحة لهذه الآية (160).
ولكن يجب الالتفات إلى أن الآية قد ورد فيها قوله: {مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} ، فيكون معنى الرواية أنّ ثمّة آيات قد وردت ثمّ حذفت، وهذا ينسجم مع القول بتحريف القرآن.
________________________________________
(157)المصدر نفسه، 4/431.
(158)المجاز في الحذف أن يقال: المراد من «المودّة» أهل المودّة، والمجاز في الإسناد أن يسند «السؤال» و «القتل» في الآية إلى «المودّة» مجازاً.
(159)تفسير البرهان، 4/170 و171.
(160)الميزان في تفسير القرآن، 1/554.

[الصفحة - 273]