البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظريَّة الإمامة والمُشْكل المعرفي

الباحث :  د. علي التميمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  30
السنة :  السنة الثامنة صيف 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1170
نظريَّة الإمامة والمُشْكل المعرفي

د. علي التميمي (*)

الرؤية المعارضة لنظريَّة الإمامة
تمثلت الرؤية المعارضة لنظرية الإمامة، في القرن الخامس الهجري، في اتجاه معرفي ومشكل ثقافي، عبر عنهما الشَّاعر أبو العلاء المعري حين قال:
زعم النَّاس أن يقوم إمام ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الزَّعم لا إمام سوى العقـ ـل مشيراً في صبحه والمساء (1)
وهذه ليست المعارضة الوحيدة التي صدرت عن أبي العلاء المعري، وإنما له غيرها من المعاكسات، لعل أشهرها تلك التي تتخذ من أذان المؤذِّن في المنارة والمسجد الإسلامي ودقَّات الناقوس في الكنيسة النصرانية موضعاً لشكِّه في الصحيح منهما، والذي يعرف حالة الشك التي كان عليها أبو العلاء المعري، ويعرف اتجاهه الفلسفي، لا يستغرب ولا يدهش وهو يطالع رأيه هذا في الإمامة، إنّما الحديث يأخذ درجة من الجد عندما نجد كاتباً ومفكِّراً معاصراً مثل الدكتور زكي نجيب محمود وهو يتخذ من أمثولة أبي العلاء المعري الشعرية مدخلًا للحديث عن الإمامة والعصمة ونظريتهما، متسائلًا، وهو في باب الحديث عن تحديث الثقافة العربية: هل أن نظرية الإمامة لا تفرز الكتيبة الخرساء؟ وهل أنّ المتحدث الوحيد فيها هو الإمام المعصوم؟ يقول د. زكي نجيب محمود عن ذلك ما يأتي:
«لكن هنالك مذاهب إسلامية تبني على أساس نظرية خاصة في الإمامة، لا سيما عندما يكون الحديث منصبَّاً على ما تزعمه تلك المذاهب من إمام منتظر يظهر
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)في تحديث الثقافة العربية، د. زكي نجيب محمود، ط1، دار الشروق، ص 330.

[الصفحة - 132]


بعد اختفاء، فيظهر الحق على يديه، وأيّاً ما كان الأمر بالنسبة إلى ذلك الإمام المنتظر، فقد اكتسبت فكرة الإمامة قوتها منذ صدر الإسلام؛ وذلك حين نشأ السؤال عمن يكون له الحق في تفسير ما استعصى على الناس تفسيره من آيات الكتاب الكريم، ولم يكن ثمة موضوع لسؤال كهذا أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه كان المرجع الفاصل في ذلك، ولكن ماذا بعد موت الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)؟ قال قائلون: إنه كما نزل القرآن الكريم وحياً على النبي عليه الصلاة والسلام، فلا مفر من أن ينزل تفسيره وحياً كذلك، لأن التفسير إذا ترك للاجتهاد، فقد تتعدَّد اتجاهاته، وبهذا التعدُّد تكثر صور الإسلام بين المسلمين، لكن من ذا الذي يتلقَّى الوحي بالتفسير كلما استعصى أمر بين المسلمين؟ هنا كان الجواب عند هؤلاء: إنَّ من ينزل عليه مثل هذا الوحي لا بد من أن يكون إماماً معصوماً، ولمثل هذا الإمام الملهم بوحي من الله سبحانه وتعالى، تكون أحقية الخلافة وأحقية الحكم».
ثم يستطرد الدكتور زكي نجيب محمود قائلًا:
«تلك إذن نقطة أولى ممَّا سوف يراه القارى وارداً في بيتي المعري. وأما النقطة الثانية فخاصة بجمهور الناس، فإذا سأل سائل: أنسلب المؤمنين جميعاً ـ إلا واحداً ـ حق الاجتهاد في فهم آيات الكتاب الكريم، مهما أوتوا من العلم؟ فيبدو أن الإجابة عن هذا السؤال: إن ثمة رجلًا واحداً ينطق بالحق عن وحي يوحى إليه، وأما سائر الناس فيجب عليهم الصمت اكتفاءً بما يقال لهم من الإمام.
ومن هنا أشار أبو العلاء المعري في بيته بقوله: «الكتيبة الخرساء»، فهنالك قائد واحد هو الناطق، وأما ما عداه من عباد الله فجمهور أخرس؟».
ولم يكتف الدكتور نجيب محمود بهذا الاستعراض المنكر لأمر الإمامة، ولكنه حشر معها نقطة أخرى؛ إذ قال:
«وأما النقطة الثالثة فهي عن العقل؛ إذ يقيم أبو العلاء مقابلة بين الإمام من جهة والعقل من جهة أخرى، فلأيِّهما يلقي الإنسان بزمامه» (2).
والذي يقرأ تلك الفقرات السابقة يظن أن الدكتور زكي نجيب محمود يضع رأيه إلى جانب رأي أبي العلاء المعري، واهتمامه بوضع المقابلة بين العقل والإمام
________________________________________
(2)المصدر نفسه، ص 328 و329.

[الصفحة - 133]


فاصلًا بينهما في التقديم والشرح، ما يوهم بأن الدكتور محمود قد استقر عنده هذا الرأي، والأمر ليس كذلك؟... إذ لو استمر القارى في قراءة البحث نفسه، للاحظ أن د. محمود يتجه، في آخره، بالضبط إلى مناقشة مسألة الجمهور وقضية التعليم والمواهب، ضارباً أمثلة بالقصور الذاتي، مستفيداً من نظرية نيوتن في حركة الأجسام المادية، منتهياً إلى أن أهمية المعرفة والتعليم تكمن في فرز الموهبة، وأن صاحب الموهبة هو الذي يستحق العناية الخاصة، وهو الذي يؤدِّي إلى إحداث التغيير في المجتمع، أو في الكتلة البشرية، مبيِّناً أنه لا اعتراض على تمتع بعض النَّاس بالمواهب الخاصة الممنوحة من قبل الله تعالى وبالتالي فهو يرد على ما ذهب إليه أبو العلاء المعري في شأن تسمية الكتيبة الخرساء، مدَّعياً أنَّها مجموعة من الناس الخرس الذي جمَّدوا العقل وراحوا ينتظرون إيماءة الإمام فقط في كل شيء، وهم في حالة الكسل والاسترخاء. بهذه الصورة شوَّه أبو العلاء كتلة الجمهور المنتظمة التي عرفت حدود العقل، وفهمت دور الدين، ومن يستطيع أن يوزع ذلك الدور السماوي الذي نظمه الدين والذي أريد له تفجير طاقة الجمهور من الناس، وحسناً فعل الدكتور زكي محمود، وإن لم يكن استطراده الفكري واضحاً للوهلة الأولى، فالذي يقرأ تلك المقاطع التي نقلناها يظن أنَّه يضم صوته إلى صوت أبي العلاء، وهو ليس كذلك كما قلت قبل قليل، إذ إنه يقول:
«إذن فالكتيبة الخرساء» التي أشار إليها أبو العلاء، وإن تكن خرساء في مجموعها، إلا أن منها هي قد يخرج فرد «ناطق»، وإنَّ ما ينطق به ليزداد ارتفاعاً في الصوت وانتشاراً في الأرجاء حتى يبلغ من الناس مبلغه، فيأخذ الجمهور عندئذ في التحوُّل عن قديم نحو جديد، على أن الينبوع الدفَّاق الذي استقى منه ذلك الابن الناطق من أبناء الكتيبة الخرساء إنما هو تلك الكتيبة الخرساء نفسها، والفرق بينها: هي في خرسها وبين ابنها الموهوب الذي ارتفع صوته، هو الفرق بين من يكتم الألم ومن يبوح، أو بين من يخفي آماله ومن يفصح عنها ويعلنها؟ وكأنه هو نفسه الفرق بين كتاب في جماعة أمية لا تقرأ المسطور على صفحاته؟ فيظل ذلك المسطور رموزاً مكتومة الصوت، حتى يقيَّض الله لتلك الأصول نفسها ابناً من أبنائها؟ فيقرأ لهم كتاباً بصوت مسموع» (3).
________________________________________
(3)المصدر نفسه، ص 334 و335.

[الصفحة - 134]


وبمقدار ما أظهر الدكتور زكي محمود من استنتاج جيِّد وذكي، فإن الحديث وما ترتَّب عليه من تشعُّبات ترك في ذهن القارى صورة سلبية عن دور الإمام وعن المقابلة بينه وبين العقل، لا سيما ونحن في وسط إسلامي ارتبكت رؤاه إلى هذا الموضوع الحسَّاس والمهم في حياتنا الثقافية، فلعوامل ومداخلات كثيرة هُجرت هذه الرؤيا العميقة إلى نظرية الإمامة، وأريد لها أن تتنحَّى عن حياتنا، وعبادتنا وثقافتنا الخاصة، ويبدو لي أن التعامل غير المكترث بأهمية هذه النظرية وخطورتها هو الذي أضعف مولدات القوة والتماسك والتطور في حياتنا الثقافية ومركزيتها بين الثقافات الأخرى، لأنه مهما سادت من أجواء الفوضى واضطراب النظريات، وتصاعدت أصوات الداعين إلى خصوصياتهم، فليس أمام المجتمع البشري في النهاية إلّا الوصول إلى شواطى هذه النظرية والارتواء من ينبوعها الدافق، نقول هذا لا من باب المبالغة والتحزب لرأي، وإنما من باب الحرص الشديد على مستقبل المنظومة البشرية وقراءة أفق المستقبل وحيثية المسير وطبيعة الفطرة البشرية.
وإذا كانت معارضة أبي العلاء المعري لنظرية الإمامة قد جاءت في القرن الخامس الهجري، فإنها لم تكن الأولى على كل حال، فالمعارضة التي ظهرت قبل ذلك واضحة ومعروفة في أسبابها وعواملها والظروف التي أحاطت بها والنتائج التي وصلت إليها وأوصلت الأمَّة معها؟ ولم تكن الأخيرة كذلك، فقد نسبت إلى نظرية الإمامة في العصر الحديث أقوال أقل ما يقال عنها: إنَّها لم تكن موضوعية ولم تأتِ بجديد، فقد أراد بعضهم أن يقول: إنها تؤدِّي إلى إقرار وراثة الحكم وإن نظرية وراثة الحكم هي نظرية فارسية؟! كأن الفرس هم الوحيدون الذين مارسوا وراثة الرئاسة في نظام الدولة القديم، وهذه مدوِّنات التاريخ القديم والوسيط والحديث جميعها تروي لنا انتشار هذه الظاهرة في أغلب أنظمة العالم. ثم لماذا نذهب بعيداً، ألم تكن الدولة الأموية التي اغتالت نظرية الإمامة والدولة العباسية من أقرب الأمثلة على الدُّول التي قامت على قاعدة الوراثة في الحكم، بحيث أصبح حال أولئك الذين رفضوا نظرية الإمام المعصوم مصداق القول المعروف: «رمتني بدائها وانسلَّت!؟».
________________________________________

[الصفحة - 135]


الإمامة والعقل: إشكال معرفي
ونعود إلى موضوع الإمامة والعقل فنرى أنَّه يرسم إشكالًا معرفياً، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار قدم نظريات المتكلِّمين من جمهور المسلمين، والتي نشأت عنها المذاهب المعروفة كالأشعرية والمعتزلة والعدلية، فالمقابلة المفرطة في العرض بين الإمامة والعقل، كما أشار إليها الدكتور زكي نجيب محمود في معرض الحديث عن الأبيات الشعرية لأبي العلاء المعري، كانت تحتاج بحد ذاتها إلى بيان مفصَّل عن موقع العقل ودوره في نظرية الإمامة، وكيف تنظر وينظر المعصوم إلى العقل، وهي نظرية الإسلام نفسها، في العقل، ولأن الدكتور محمود لم يكن في صدد أمرٍ كهذا كما يبدو من خلال استطراده في الدراسة، لذا نرى من الواجب والإنصاف للقارى ولإعطاء الثقافة المعاصرة طوراً من التحديث، مع المحافظة على الركائز الأساسية في الفكر العقدي وحتى نضع القارى والمتتبع والباحث في مجرى التفكير الإسلامي ومفرداته تجاه العقل وأهميته في نظرية الإمامة، نحاول تسليط الأضواء أولًا على تعريف العقل في الفكر الإسلامي.
تعريف العقل في الفكر الإسلامي
جاء، في كتاب التعريفات للشريف علي بن محمد الجرجاني، ما يأتي:
العقل: جوهر مجرَّد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله.. وقيل: العقل جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلِّقاً بالبدن الإنساني... وقيل: العقل نور في القلب يعرف الحق والباطل.. وقيل: العقل والنفس والذهن واحد إلا أنها سمِّيت عقلًا لكونها مدركة، وسمِّيت نفساً لكونها متصرِّفة، وسمِّيت ذهناً لكونها مستعدة للإدراك.
العقل: ما يعقل به حقائق الأشياء، قيل: محلُّه الرأس، وقيل: محلُّه القلب. العقل: مأخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل، والصحيح أنه جوهر مجرَّد يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة (4).
أما الفلسفة الإسلامية، ولا سيما المنهج الفلسفي الذي ينطلق من الأيمان
________________________________________
(4)التعريفات، الشريف علي بن محمد الجرجاني، مصر: المطبعة الخيرية، ط1، 1306هـ، ص 65.

[الصفحة - 136]


بمباني نظرية الإمامة في الحكم والعصمة في الولاية، فقد اهتمَّت بالجانب العقلي اهتماماً واضحاً، وأفردت لهذا الباب مبحثاً خاصاً سمَّته «في العقل والعاقل والمعقول». والعقل، وإن كان يطلق على الإدراك الكلي، إلَّا أنه أخذ في مبحثه العلم وانقسامه الأوَّلي والعقل ومراتبه التي قسِّمت إلى أربع مراتب هي:
1 ـ العقل الهيولاني: وهو كون النفس خالية من جميع المعقولات؛ وذلك لخلوها من جميع الفعَّاليات.
2 ـ العقل بالملكة، وهو مرتبة تعقّله للبديهيات من تصوُّر أو تصديق، لأن العلوم البديهية أقدم العلوم لتوقُّف العلوم النظرية عليها.
3 ـ العقل بالفعل، وهو مرتبة تعقُّله للنظريات باستنتاجها من البديهيات.
4 ـ العقل المستفاد، وهو مرتبة تعقّله لجميع ما حصَّله من المعقولات البديهية والنظرية المطابقة لحقائق العالم العلوي والسفلي، باستحضاره الجميع وتوجّهه إليها من غير شاغل مادي (5).
ولهذا كان المنحى التربوي الإسلامي يلمح إلى أن يكون المجتمع الإسلامي يمتلك الدرجة الثالثة من درجات العقل بالمعنى الفلسفي كحدٍّ أدنى، وأن يتمتع أغلب أفراده بالمرتبة الرابعة كحدٍّ أقصى، وهو طموح مشروع لمجتمع يُراد له أن يحمل رسالة التغيير وفاقاً للهداية الربَّانية، فالمجتمع الإسلامي، ومن خلال المفردات التربوية لنظرية الإمامة، إنما هو مجتمع العقل بالفعل، والعقل المستفاد والعقل الواعي العارف لمسؤوليته الكونية، والباحث عن النظريات، فهو عقل عملي، وليس عقلًا سكونياً جامداً متَّكئاً على وصاية العصمة، كما ادعى أبو العلاء المعري، وكما قد يُصوّر لبعضهم ممَّن لم يتعرَّفوا على المقام المعرفي للعقل في الثقافة الإسلامية ودوره في تطوير المجتمع والحياة.
الاهتمام الإسلامي المبكِّر بالعقل
وحتى نلقي مزيداً من الأضواء على مفردات التفكير الإسلامي ودور العقل في بناء المشروع المعرفي، نحاول، وباختصار، تسجيل بعض المقاطع التي تكشف عن
________________________________________
(5)نهاية الحكمة، الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، ص 225 و226.

[الصفحة - 137]


الاهتمام المبكِّر بالجانب العقلي من الحياة الإنسانية الذي أشاد الأساس الذي قامت عليه مباني الفلسفة الإسلامية في ما بعد..
فمن مواعظ الرسول الأكرم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) وحكمه نغترف ما يأتي:
قال (صلي الله عليه و آله و سلم): «يا علي، لا فقر أشدُّ من الجهل، ولا مال أعود من العقل» (6).
وقال (عليه السلام): «تعلَّموا العلم، فإن تعلّمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وسالك بطالبه سبل الجنة، ومونس في الوحدة، وصاحب في القربة، ودليل على السرَّاء، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلَّاء، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، تُرْمق أعمالهم، وتُقْتَبس آثارهم، وترغب الملائكة في خلَّتهم، لأن العلم مياه القلوب ونور الأبصار من العمى وقوة الأبدان من الضعف، وينزل الله حامله منزلة الأحياء ويمنحه مجالسة الأبرار في الدُّنيا والآخرة.
بالعلم يُطاع الله ويُعبد، وبالعلم يُعرف الله ويُوحَّد، وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل.
والعقل يلهمه الله السُّعداء، ويحرمه الأشقياء، وصفة العاقل أن يحلم عمَّن جهل عليه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البر، وإذا أراد أن يتكلم تدبَّر، فإن كان خيراً تكلم فغنم، وإن كان شرَّاً سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشرة خصال يعرف بها العاقل» (7)..
بهذا البيان المعرفي يفتتح رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) الكلام على العقل، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، كما أخبرنا بذلك العلي العظيم في كتابه الكريم. وإن القارى المتتبِّع لما قيل عن أهمّية العقل والعلم من قبل جميع من اشتغلوا في الحكمة قديماً ومن أيام أرسطو وأفلاطون وفرفريوس إلى آخر معاصريهم، من أهل الملل والنحل المختلفة، لما وجد أحداً منهم قد بلغ هذا المستوى من البيان الرائع وهذا المشروع العلمي الثقافي العذب الذي جاء على لسان نبي الرحمة للعالمين، وهو يعظ الجميع، ويبيّن دور العلم ومقام العقل، فلو أن
________________________________________
(6)تحف العقول عن آل الرسول، الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، من أعلام القرن الرابع الهجري، طبع مؤسسة الأعلمي، بيروت، ص 18.
(7)المصدر نفسه، ص 27.

[الصفحة - 138]


خبراء التربية وعلماء علم الاجتماع وأساتذة الطب النفسي أرادوا أن يضعوا صياغة علمية حضارية لدور العلم ومقام العقل، في تنظيم المجتمع الإنساني، وتجردوا على كل ما يحيط بهم من ظروف سياسية وإعلامية وعقديَّة، لما وجدوا أتم وأصلح وأصوب من هذا المنهج العلوي الذي قدمه رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، والذي تتضح من خلال كيفية التناسق بين البناء الدنيوي وإعمار الحياة الاقتصادية وإصلاح شأن الناس في هذه الدنيا مع سلامة النتيجة في الآخرة، وحصول مرضاة الرب التي ليس دونها وأغلى منها من هدف يرنو إليه الإنسان العاقل بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وهل هناك من تكريم أبلغ وأروع من أن يجعل الإسلام على لسان نبيِّه الكريم أن العلم إمام العقل؟
إمامة العلم للعقل
إمامة العقل
وهكذا نصل إلى رحاب المشروع المعرفي الذي طرحه الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) عندما أعلن، وإلى الأبد، أن إمامة العقل محصورة دائماً بالعلم ومقتصرة عليه، وبذلك نال المنهج العلمي وسام التشريف من أعظم رجل قُدِّر له أن يكون خاتم الأنبياء وحامل آخر رسالة ومنهج رباني إلى أهل الأرض كافة..
ثم ماذا يمكن أن نستنتج من هذا الجعل، ومن هذا التشخيص الذي وضعه الرسول الكريم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم)، وماذا تعني هذه الولاية التي أعطاها الرسول الكريم (صلي الله عليه و آله و سلم)؟ ونصبها في الخط المعرفي الإسلامي؟ وبماذا تمتاز من غيرها؟
أوَّل ما يمكن استنتاجه من هذا المشروع المبارك هو أن العقل، الذي قسَّمته الفلسفة الإسلامية إلى أربعة أقسام، يمكن أن يظل الفرد أحياناً، أو المجتمع أحياناً أخرى، أسير مرتبة متواضعة من مراتبه، كأن يكون في مرتبة العقل بالقوة أو العقل في مراتب أخرى متدنِّية، فهو على كل حال عقل، ولكنه لا يمكن أن ينهض بالمسؤولية المنوطة بالإنسان على وجه هذا الكوكب، ولا يمكن أن يعطي الكتلة الاجتماعية، أو سمِّها كتلة الجمهور، القدرة على الحركة والتغيير. إن أولى سمات التطور التي مارسها الإنسان إنما كانت بفعل القدرة العقلية التي ائتمت بالنظرة العلمية
________________________________________

[الصفحة - 139]


وبالحس العلمي، ورب سؤال يقفز هنا إلى ذهن بعض من يقرأ هذه المقالة عن إمامة العلم للعقل مفاده: هل العقل قبل العلم أو العلم قبل العقل؟ ويبدو أن الأمر إذا أخذ منحىً فلسفياً فسوف نبتعد عن الغاية المرجوَّة من هذه المقالة، وهي استحداث جسور فكرية من خلال الحس الثقافي المعاصر للوصول إلى قراءة مفردات نظرية الإمامة على أنها من إنجازات العقل الراشد، وبها، من ثمَّ، وببركتها وُضع النصاب الكامل للمنهج العقلي في رحاب الثقافة الإسلامية، وربما يمكن الاستعانة بمثال من مراسيم الصلاة لدى جمهور المسلمين، فالإمام الذي يتقدَّم المصلين ليؤمهم في الصَّلاة إنما هو واحد منهم، أي أنه جزء من الجمهور الذي يسعى إلى أداء الصلاة، وإن كانت هناك شروط ومواصفات تخص الشخص المؤهل لإمامة الناس بالصلاة، ولعله من المفيد والمناسب أن نذكر هنا أن من مواصفات إمام الصلاة أن يكون متمتعاً بالأعلمية، أي لديه من العلم بالموضوع ما يؤهِّله لأن يتقدم على الآخرين، فالإمامة هنا، مع المحافظة على الشروط الأخرى، إنما هي إمامة العلم لجمهور المصلِّين، إذا نظرنا إلى هذا الجمهور من زاوية الدرجة العلمية لا من زوايا ونظرات أخرى، أي إننا عندما ننظر إلى كتلة الجمهور الذي يُسهم في أداء فريضة الصلاة، وهي فريضة عبادية ولكنها قائمة على العلم، العلم الذي يتدرج من الإلمام بمفردات الصلاة ومقدماتها وضوءاً وطهارة وأجزاءً وأركاناً ومكاناً وجهةً ونيَّةً واتصالًا بالله سبحانه وتعالى ومعرفة بأحوال الناس، ألم يقل الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم): «بالعلم يعبد الله، وبالعلم يُطاع الله ويوحَّد»، وممَّا تنبغي الإشارة إليه هنا، ونحن نكرِّر اسم العلم، إنما هو ما يخص إطلاق العلم على الفعل والانفعال والإضافة، كالتعليم والتعلُّم والعالمية، فهذا الإطلاق من زاوية الاصطلاح الفلسفي للعلم إنما هو من باب التجوز، أو على سبيل الاشتراك (8).
فالعلم ينظر إليه، عند أهل الحكمة، على أنه وجود غير مادي، فقد ذهب الحكماء إلى أن العلم عبارة عن هوية شخصية بسيطة غير متدرجة تحت معنىً كلِّي ذاتي، كما ذكر ذلك مجدِّد الفلسفة الإسلامية صدر المتألِّهين، فالعلم عنده يعدّ تقسيم المعلوم عينه، لاتحاده مع المعلوم اتحاد الوجود مع الماهية، فعلى هذا قُسِّم العلم إلى:
________________________________________
(8)الأسفار العقلية، صدر المتألهين الشيرازي، ج3، ص 382.

[الصفحة - 140]


1 ـ ما هو واجب الوجود بذاته، وهو علم الله تعالى بذاته الذي هو عين ذاته بلا ماهيَّة.
2 ـ ما هو ممكن الوجود بذاته، وهو علم جميع الأمور، ما عدا الله سبحانه وتعالى، وهذا ينقسم إلى ما هو:
أ ـ جوهر، وهناك قلنا: إنَّ العقل هو جوهر مجرَّد.
ب ـ عرض، والعرض يخص جميع العلوم الحصولية المكتسبة، ولذلك قالوا: إنَّ العلم العرضي هو صفات المعلومات التي تحضر صورها عند النفس.
وبقيام هذه الأعراض (أي العلوم)، في النفس، واتحادها بها، تتعيَّن وتتشخَّص إمامة العلم للعقل، لأن اتحادها بالنفس يجعل منها جوهراً، لأن النفس من الجواهر الأولية، فعندما نأخذ بنظر الاعتبار أن العلم الذي أراده الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يكون علماً رائداً وإماماً للعقل إنما هو ذلك العلم الذي لا يقتصر على العلم الحصولي المكتسب فحسب، ولا على ذلك العلم الذي تشمله دائرة الإضافة والانفعال فقط، وإنما هو ذلك العلم الصَّادر عن بركة العلم الفعلي الذي علم الله تعالى بذاته، فباجتماع شلال مفردات العلم اللدني مع تيار المعلومات المكتسبة التي تتحرك في أفق النفس يتولَّد عن ذلك وجود علم يأخذ دور الريادة والتوجيه، من خلال ملكات العقل الإدراكية، فالعقل، بوصفه قوَّة متحرِّكة إنما يتحرَّك طبقاً لما لديه من مفردات علمية، فإن كانت على درجة من الكمال والرقي جاءت التصرفات في الخارج والأحكام ومختلف أنواع السلوك بما يجعل المجتمع يندفع في سلم الرقي والتطور، مع وضوح معالم الاتزان والتماسك وشيوع ظاهرة الفضيلة.
بهذا يمكن أن نفهم إمامة العلم للعقل، كما تكون جودة البنزين الذي بوساطته تتحرك العجلة وتواظب الماكينة على العمل، وطبقاً لتلك المواصفات تكون طبيعة الحركة كذلك، فإن كان البنزين من نوع ممتاز، خالياً من الشوائب، كانت حركة المحرك بشكلها المثالي، والعكس صحيح، ولولا البنزين لما اشتغل المحرك، ولا دارت آلاته مهما كانت درجة صنعه مُتقنة؟! فكأنما مقام الوقود هنا هو مقام الريادة والقيادة، وإن كانت الصورة المتخيَّلة عند الناس أن المحرِّك هو الذي يدير حركة
________________________________________

[الصفحة - 141]


السيارة مثلًا، ومن المفيد أن ننبِّه إلى مسألة أخرى تتمثل بالسؤال الآتي: هل أراد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بالعقل هذا الجوهر المذكور في مباحث الفلسفة اصطلاحاً، أو أراد الدماغ بشكل عام بما فيه من تلافيف وأنسجة خاصة وفصوص معروفة في التشريح الطبي؟ يبدو أن الثاني هو الأرجح، وإن كان الأوَّل هو الظَّاهر، فالتفسير الذي قدَّمناه يتناسب وطبيعة المعنى العميق، وإن كانت تبدو في الظاهر بعض المفارقات بين العرض والجوهر على سبيل المثال، وبما أن الجوهر أكمل من العرض فبهذا الفهم الفلسفي لا يصلح العلم أن يكون إماماً للعقل، هذا إذا رأى بعضهم أنَّ العلم المقصود هنا هو العلم الذي يقع في دائرة الممكن، وفي قسم العرض من الممكنات، فعند ذاك يصح هذا الإشكال ونحتاج معه إلى إجابة قد لا تكون ولادتها متيسِّرة؟
ومرَّة أخرى، نحبّ أن نذكِّر بعدم الخلط بين التَّداول اليومي المعاصر لمصطلحي العقل والعلم، وإنما ينبغي الرجوع إلى خصوصية الإصلاح والوقوف على أبعاده ومواصفاته، وما يُراد منه بالمعنى الأخص للموضوع الذي يخصه؛ إذ يلاحظ في أيامنا هذه أنَّ هناك خلطاً كبيراً يفسد الأفهام أحياناً من جراء عدم التأني في استعمال المصطلحات واستخدام كل مصطلح لما وُجد له لغوياً وعلمياً، فالذين يستخدمون، اليوم، مصطلحي العقل والعلم سوف يستغربون من مصطلح «إمامة العلم للعقل» لأنهم يرون أن العقل هو إمام العلم، لأن العقل هو المصدر، وبوساطته يكتسب الإنسان المعارف والعلوم وبه يتطور العلم لدى المجتمع الإنساني، وربما يحلو لبعضهم أن يقول: إذا كان الإنسان مختلًّا من الناحية العقلية فكيف يكون العلم بعد ذلك إماماً له، وهنا يتم الخلط مرة ثانية ولكن على نحو آخر، إذا كان الحديث عن إمامة العلم للعقل في ظروف وشروط نشاط العقل الطبيعي وظروف العلم الطبيعية، وعندما نلتفت إلى نقطة أخرى تفيدنا كذلك في حل الإشكال، فإطلاق الاصطلاح لا يعني أننا نأخذ الناس فرداً فرداً حتى يجوز لنا إطلاق هذه الصفة للعلم، ولكن علينا أن نأخذ المجتمع ككل والعلم بكلياته.
ومعلوم أنه في حالة تخلُّف بعض الأفراد عن مستوى العقل السليم، وهذا البعض لم يخل منه تاريخ البشرية المقروء والمسموع، فإن ذلك لم يخل في حقيقة
________________________________________

[الصفحة - 142]


كون العلم هو المولد الأساسي للبرامج والمشاريع، والعقل هو المحرِّك للتَّغيير والعمل والتطور، فإذا أخذنا العلم بصوره المجردة عن المادة، وهو دائماً كذلك، والمجتمع أو الفرد بنوعيته المجردة كذلك من خلال الكيفيات الناتجة عن بعض أنحاء الوجود الإنساني، فذلك لأننا لا نؤمن بمادية الوجود الإنساني، وإن كان ذا لحم ودم، ولكن له جواهر أخرى، فالصورة المادية مع ذلك هي جوهر، وللنفس جوهر، وللعقل جوهر، والفضيلة كيفية والإرادة كيفية نفسانية، وهي بالتَّالي مجردة، فإذا رصدنا الفضيلة مثلًا على مر السياق التاريخي وما فعلته في المجتمع وما قدَّمته للإنسانية، لوجدنا العلم المجرَّد يؤدِّي دوراً أساسياً في هذه المعادلة من طرف آخر، فالفضيلة وراءها عقل وهو من اللوازم الواضحة في هذا الأمر، ووراء العقل في تجرده علم آخر مجرد كذلك، بهذا الدور الثنائي، وبهذه الرؤية العميقة يمكن إدراك العلاقة بين العلم والعقل ودور كل منهما.
وسوف يتَّضح معنا، في ما يأتي، أن نظرية الإمامة وحقيقة العصمة إنما تستقيان ينابيع العلم اللدني والعلمية المضافة لها، في سياق الانفعال وظواهره الكثيرة في الحياة الإنسانية والكونية، لتقربا المعنى المشار إليه من قبل الرسول الكريم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) عن إمامة العلم للعقل...، فإذا أثبتنا أن نظرية الإمامة تعني نظرية العلم في تجرُّده وحركته وقياديته مصوغة صياغة ربانية للمجتمع الإنساني، لعرفنا بعد ذلك أن العقل محتاج لتلك الإمامة، وهو يعتز بهذا الإصدار المبارك من المولى تعالى، وعند ذاك تذهب أدراج الرياح تلك المناظرات والمزاعم التي ادَّعت القيادة المطلقة للعقل وليس للإمام جهلًا منهم بحقيقة الإمامة في معناها العلمي ودورها المرسوم لها، وجهلًا منهم بحدود العقل ودوره كذلك، وبذلك أيضاً نقترب من إيضاح المشكل المعرفي لدى بعض الباحثين، والذي ظل جاثماً في أصقاع بعيدة عن شمس المعرفة لأجيال ومحطات تاريخية كثيرة، وهو يحاصر نظرية الإمامة بالاتهامات، وينظر إليها بريبة لا تخفى على المطلعين على تاريخ خلاص الإمامة بوصفها نظرية باهرة وتطلُّعاً لإنقاذ المشروع الثقافي الإنساني من الوهن والتخبط؟
وتبقى، هنا، إشارة صغيرة نحب أن تبقى عالقة في ذهن القارى الكريم، وهي أن العلم الذي يَصْلُح لأن يكون إماماً للعقل إنما هو ذلك العلم الذي تتشبَّع به
________________________________________

[الصفحة - 143]


النفس، فتنفتح أساريرها على الحياة وعلى دنيا الناس، فتصنع علاقات اجتماعية ناجحة، وتكون جسراً لكل ما هو خير وفضيلة، وبذلك يتميَّز الإنسان القدوة من غيره، لا ذلك العلم الذي يتكون أو يتولد من معلومات من العلم الطبيعي، أو من العلوم التي تخص سلوك الإنسان ووجدانياته، فيكون حامله لا يملك أكثر من ذلك. وأما في المجالات الأخرى فتجده في وضع مرتبك لا يُحسد عليه، فهناك ظاهرة تتجسد في بعض الناس، من حملة الشهادات العلمية، سواء كانت جامعية أم غيرها، مما هو معروف اليوم في بعض البلدان، فهؤلاء لا يحملون من العلم إلا اسمه، لأنهم يعيشون مفارقة سلوكية كبيرة ومخلة في تقويم الفرد تقويماً حضارياً، لأنك تجد الواحد منهم قد يحمل أعلى الشهادات العلمية المعروفة في أيامنا هذه، ولكنه لا يستطيع أن يقيم علاقةً اجتماعية ناجحة، فالذين يحملون مسمَّيات العلوم المعاصرة وعناوينها بمختلف أقسامها وموضوعاتها، ثم تجد لديهم ظاهرة التكبر أو التملق أو النفاق أو الحسد والأنانية، فهؤلاء ليسوا من حملة العلم بالمعنى الخاص والاصطلاحي للعلم، لا سيما العلم الذي به يعبد الله ويوحَّد، وبه تُعمر هذه الدنيا وبه تُشاد أركان المَدَنيَّة!
وهذا العلم الذي قلنا إنه مجرَّد كما العقل، يعبَّر عنه بالجوهر المجرد، فإن المساحة المتحرِّكة التي تكشف إضاءة العلم وارتباطها بالعقل إنما هي عملية التفكير التي تقوم على أهم مَعْلَم معرفي أعطى للمشروع الثقافي الإنساني مظهراً غاية في التعقيد الذي دارت من حوله أغلب نظريات الفلاسفة، ولا تزال تدور إلى اليوم لم تتفق على رأي واحد في صدد إعجاز هذا المَعْلَم المعرفي، هذا المَعْلَم المعرفي هو المفاهيم.
ومثلما رأت الفلسفة الإسلامية أن العلم والعمليات العقلية، بما فيها من أفكار ومفاهيم، هي مجرَّدات تنتمي إلى عالم الجواهر، فإن الفكر الحديث ومدارس التربية أخذت بها الرأي، في بعض مباحثها، فقد أفاد جيروم كاغان، وهو في معرض دراسته للأطفال سلوكاً وتربيةً ودوافع، بأن «البنى الفكرية هي المجردات التي تتيح للإنسان فهم الحوادث النفسية والتعامل معها، وهذه البنى ليست متواضعة في مكان بعينه في الذهن وليس لها محتوى أو بُعدٍ مادي» (9).
________________________________________
(9)أطفالنا كيف نفهمهم؟ ترجمة عبد الكريم ناصيف، المؤلف جيروم كاغان، ص 212.

[الصفحة - 144]


ومن هنا تبرز أمامنا، وللوهلة الأولى، ونحن في سياق دراسة إمامة العلم للعقل، ظاهرة المفاهيم وخطورتها في تنظيم الحياة العقلية للأفراد، وأثرها على البعد الأخلاقي والنفسي للمجتمع بشكل عام، ومثلما يقوم المفهوم بدور الرِّيادة في عالم صياغة الأفكار والأحاسيس والأمزجة، فإنه بذلك يصبح وكأنه يمتلك إمامة عمليات التفكير، وبالقدر الذي تظهر به تلك العمليات من قدرتها على إعطاء اتجاه علمي، فإنها تصبح المتربع على عرش الريادة والتوجيه في ترشيد عمليات التفكير، وإلى هذا يرجع السبب الذي من أجله أنيطت إمامة العقل بالعلم، فالمفهوم له معالمه المتعددة والمختلفة من حيث التعقيد والسهولة والتمايز والتجريد، فبعض المفاهيم تأتي وهي تحمل معها شيئاً من التعقيد الذي لا يقدر عليه أغلب الناس، كالمفاهيم الفلسفية مثلًا والعرفانية، والمفاهيم العلمية ذات الصفة التخصصية، وهناك مفاهيم غاية في السهولة والوضوح كمفهوم الزوجية مثلًا، وهناك مفاهيم ذات مدلول حسي، كمفهوم التلاميذ ومفهوم العسكر والجنود، وهناك، أيضاً، مفاهيم مجردة لا تمكن الإشارة إليها، مثل مفهوم الفضيلة ومفهوم العفة ومفهوم الجودة وغيرها من المفاهيم التي تأتي على هذا المستوى من التجريد. وقد ذكرت بعض المدارس الفكرية أن العامل المهم في تأثير المفاهيم إنما هو في قدرتها على التمايز، فكلما يكون المفهوم أكثر تمايزاً وقرباً من حاجات الناس، كان أكثر قابليةً للالتزام والعمل، لكن تلك المدارس لم تأخذ بعين الاعتبار مصداقية المفهوم وقابليته لإحقاق الحق ومصدر نشوئه، وبعض تلك المدارس الفكرية، إن لم يكن معظمها، قد غلب عليها الطابع المادي في التفكير، ومن هنا فإننا نجد أن تعليل التمايز عندها يكمن باقتراب المفهوم من الواقع المادي، بينما نرى نحن ومن موقع رؤية قرآنية أن المفهوم، بما يحمله من علمية وقدرة على توجيه السلوك والأفكار والعواطف، يكتسب أهميته من المنطلق الذي انطلق منه، ومن الغاية التي جاء من أجلها، ومن الينبوع الذي يستقي منه روَّاده، ومن الشمولية التي يتمتع بها، وبهذا يمكن اختصار تلك الأبعاد بالنقاط الآتية:
1 ـ الوضع الخاص بالمفهوم، وهل هو وضع إلهي أو وضع بشري؟
2 ـ الغاية التي تكمن وراء المفهوم.
________________________________________

[الصفحة - 145]


3 ـ الشمولية، أي أنه هل يخص هذا المفهوم وضعاً إنسانيّاً معيَّناً، أو وضعاً حضاريّاً معيَّناً، أو وضعاً تاريخيّاً محدَّداً، أو ظاهرة أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية الخ..
4 ـ ضرورته، أي هل يمتلك هذا المفهوم أو ذاك قدراً من الضرورة؟ وما هي طبيعتها؟
ونحن نرى أنَّ مفهوم الإمامة، بما أنه ربَّاني الصدور وغايته حاكمية الصالحين وولايتهم، من خلال تحويل الحاكمية السياسية إلى مظهر من مظاهر العلمية في السلوك والتصدي وإشاعة مظاهر العدل والمساواة، وتدبير شؤون الناس في الإدارة والرئاسة فهي من هذا الوجه أول حاكمية سياسية وولاية اجتماعية تشترط المنهج العلمي والعقل الراشد لولاية الناس، وستظل هي النبع الذي تطمح إليه أنظار النظريات والأفكار والهواجس الثقافية في العالم، كلما أدلهمت الآفاق وازدحمت الخطوب وتعثرت الأفكار، ولئن كانت حالة الزهو تارة وحالة الخدر الثقافي والغرور السلطوي قد أسهمت جميعها في تنحية الثقافة البشرية عن السبق الفكري والعلمي الذي شخصته نظرية الإمامة كما سنرى في ما يأتي من حديث.
وسنرى، في ما يأتي، من خلال مقولات ونظريات في العقل والعلم والمعرفة، مختارة من صفوة صالحة من الرجال الذين شكلوا حلقة الإمامة في معيارها الفكري والعلمي، وفي سدادها العقلي الذي جعل العقل البشري يشعر بإنصاف بأنَّه مهما أوتي من نباهة وفطنة فإنَّه لا يستغني عن عقل العصمة وفطنة الإمامة، وهي تضع الأمور في نصابها الذي أعد لها ذلك كله، كما سنرى أنَّه قد صِيغ في إطار محاور ولقاءات ومجالس يعمرها طلاب العلم تارة، وأصحاب الاستزادة المعرفية تارة أخرى، والراغبين باكتشاف السمو والإعجاز الذي تتمتَّع به عقول الأئمة حتى لا يبقى أدنى شك لأولئك الذين قد يقرأون بكائيّة أبي العلاء المعري على الكتيبة الخرساء، فما هي بالخرساء، ولكن أدبها واكتشافها لحقيقتها ودورها ومعرفتها بدور الإمامة وخطورتها، وهي تتحدث، والعصمة وهي تقود المسيرة، يجعلها تياراً من الطلَّاب الذين بهرتهم قوة البرهان وبلاغة الحجة، فران على المناخ
________________________________________

[الصفحة - 146]


الثقافي والسياسي والاجتماعي جو من الرهبة التي لا يخالجها انطواء واضمحلال بمقدار ما يعتملها من استزادة معرفية ورغبة في الاستكمال والكمال..
الأئمة والعقل
وأوَّل نافذة نطلُّ منها على حصن الإمامة العلمي، لنقرأ مشروعها الثقافي، هي نافذة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فنسمعه يصدح بجموع المسلمن من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى الكوفة، مروراً بالبصرة مذكِّراً إياهم: «إنه لا دين إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بتصديق».
«بصنع الله يُستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفكرة تتثبت حجَّته» (10).
ويلخِّص الإمام علي (عليه السلام)المشروع الثقافي في أطروحة الإمامة التي لا تنفصل عن الأمة، ولا تقفز على التاريخ، ولا تغادر الواقع، ولا تنسى علاقتها بالسماء لطرفة عين، عندما يخاطب المفكِّرين والعلماء والمجتمع الإنساني، طوال التاريخ، من خلال مخاطبته لابنه الحسن قائلًا:
«أي بنيّ، وإني وإن لم أكن عمرتُ عُمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم وفكَّرتُ في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرّه، فاستخلصت لك من كل أمرٍ نخيله، وتوخَّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله» (11).
فالإمامة لا تريد مجتمعاً يسترخي للكسل، ولا تريد أفراداً يوكلون الأدوار لغيرهم، ولا تريد لهم أن يديروا ظهورهم للتاريخ ويصمُّوا آذانهم عن صراع الحضارات وهوس السلطات وأنين المحرومين، وآهات الثكالى، وإنما يريد لهم أن يفتحوا قلوبهم وعيونهم على كل ما هو داخل في صميم المعاناة الإنسانية ومحسوب عليها، سواء كان ذلك سلباً أم إيجاباً، فمواجهة الواقع بموضوعيته وبآلامه هو من مسؤوليات خط الإمامة قبل غيرها، لأنها المعنيَّة بالبلاغ الإلهي، ولأنها الملتفتة إلى الدار الآخرة في محاضر مشروعها الثقافي، مثلما هي تمارس دورها في الحياة الاجتماعية بطموح وإرادة لتحقق ما هو أفضل وما هو أكثر ثواباً وأقرب إلى مرضاة الرب..
________________________________________
(10)تحف العقول، بن شعبة الحراني بيروت: مؤسَّسة الأعلمي، ص 49 و50.
(11)المصدر نفسه، ص 53.

[الصفحة - 147]


فالتَوَحّد مع الآخرين، من خلال التاريخ، وفي إطار المصير الواحد، هو من أكثر الدعوات الواعية لمهمة الأفراد والجماعات، والحريصة على أن لا تذهب المعطيات البشرية سدىً وأيّاً كان مصدرها فهي مجال للعبرة والاعتبار، وهي نظرية تمتد لتشمل السير التاريخية ودراسة ألواح الماضين من الأمم الغابرة، ومراجعة الآثار، والاهتمام بما تحمله لنا من أخبار الأمم وإنجازات المجتمعات القديمة، ونظرية من هذا النوع ودعوة بهذه الأصالة لا يمكن عدّهما مسؤوليتين عن ادعاءات الكتيبة الخرساء!؟
ولا يمكن وصف المتصدِّي فيها بأنه إنسان يُصادر العقل أو يعطِّله، وإنما إذا أردنا لأنفسنا، ولمن يقرأ ذلك النص الذي نقلناه قبل أسطر قليلة عن المتحدِّث الأول باسم الإمامة، لا يمكن إلا أن نقول: إننا عبر جميع المدونات الثقافية في التاريخ الإنساني، ولا سيما تاريخ الحضارات والعقائد، لم نجد أبلغ وأوضح من هذا التصريح المعرفي، وذلك المشروع الثقافي الذي يفتح أمام الناس سبيل التَوَحّد والتلاقي الأمثل من خلال الموقف المتأمل والرؤية المستجمعة لمظاهر التحرك الواعي والتغيير الراشد جميعها.
وروي عن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)أنه قال: «ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم»، ومعلوم ما في ثنايا هذه المقولة من تقدير للعقل وتشخيص للفكر وتبادل الرأي المبني على العلم والدراية والخبرة، لا على الهوى، ورجل يوصي بهذه الأطروحة لا يمكن أن يكون حاجزاً بين العقل وبين الجمهور من الناس، بل هو دليلهم إلى حيث تكون حقول العقول خضراء يانعة يقطف ثمارها الناس، ويسعد بها صاحب السؤال، ويرتوي منها طالب المعرفة، وروي أن أخاً كان له صالحاً، فقال عنه: «كان خارجاً من سلطان الجهالة، وإذا جاء مع العلماء كان أحرص على أن يستمع منه على أن يقول» (12)!؟
وروي عن الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)أنه قال:
«من دلائل علامات القبول: الجلوس إلى أهل العقول، ومن علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الكفر، ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه وعلمه بحقائق فنون النظر» (13).
________________________________________
(12)المصدر نفسه، ص 168 و169.
(13)المصدر نفسه، ص 178.

[الصفحة - 148]


وللإمام علي بن الحسين (عليه السلام)رسالة معروفة برسالة الحقوق، وهي تعبير عن المنهج الفكري الذي تقدِّمه نظرية الإمامة في مجال سياسة الأمة في مختلف الحقول، ومما جاء في طيات تلك الرسالة الشريفة ممَّا يخص العلم والعلماء:
«وأمَّا حق سائسك بالعلم فالتعظيم له، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه والمعونة له على نفسك في ما لا غنى بك عنه من العلم، بأن تفرغ له عقلك وتحضره فهمك، وتذكي له قلبك، وتُجلّي له بَصَرك بترك اللذات ونقص الشهوات، وأن تعلم أنك في ما ألقي إليك رسوله إلى من لقيك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم» (14)، فهل يعقل أن يكون هذا الأنموذج الرائع من الرجال الذين سبقوا زمان البحث الاجتماعي ونظريات علم النفس وميلاد مدارس التربية الحديثة، من أعداء العقل كما يحلو لبعضهم أن يصفهم، أو يدَّعي أنَّهم يتوجَّهون إلى جمهور أبله وكتيبة خرساء كما ادَّعى المعري ذلك؟
وهذا الإمام محمد الباقر (عليه السلام)يخاطب قومه قائلًا: «خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها، وإن لم يعمل بها، فإن الله يقول: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله} [الزمر/18]، ويلح عليهم بالقول ناصحاً:
«ما شيب شيء بشيء أحسن من حلم بعلم» (15).
بل إنه ذهب إلى أكثر من ذلك، عندما ربط العمل ونجاحه وقبوله بالعلم والمعرفة، ما لا يجعل أدنى شك لمن يراجع هذا المنهج الصادح بالمعرفة، والرافع للعقل إلى مصاف التشريف الذي لا يقبل الجدل، إلى أن يسلم به من يطلع عليه بقلب سليم، وهو لا يرى إلا خطاً تربوياً واحداً يقوم فيه العقل ناشطاً ويرعاه رجال أفذاذ استحقوا مقام الإمامة من القلب من دون اللسان.. فهذا الإمام محمد الباقر، مرةً ثانية، يقول:
«لا يُقبل عمل إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل، ومن عرف دلَّته معرفته على العمل، ومن لم يعرف فلا عمل له» (16).
ولا أعرف دستوراً للمعرفة أو دعوة للمزاوجة بين العمل والعلم والتَدَبُّر
________________________________________
(14)المصدر نفسه، ص 187.
(15)المصدر نفسه، ص 213.
(16)المصدر نفسه، ص 215.

[الصفحة - 149]


والتخطيط والنظرية والتطبيق، عند أي نظام من الأنظمة المعاصرة، أو هيئة من الهيئات العلمية كاليونسكو وغيرها، يوازي هذا الدستور المعرفي، أو المشروع الثقافي الذي يضع قواعده الإمام محمد الباقر (عليه السلام).
أما مدرسة الإمام الصادق، وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد افتتحت المشروع الثقافي، في عصرها، بمقولةٍ أسهمت في حل الإشكال المعرفي الذي يواجه الناس، وأجابت عنه بصراحة واضحة وعمق يبدو أن الناس لم يتعرفوا على أبعاده إلى يومنا هنا، وربما سيكون المستقبل كفيلًا بإيجاد الجواب الملائم الذي يشكل المفتاح لمستقبل الإنسانية في مرحلةٍ موعودة أمرها موكول إلى الله الذي يعرف غيب السماوات والأرض.
فقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)قوله: «ثلاثة أشياء لا ترى كاملة في واحد قطُّ: الإيمان، والعقل، والاجتهاد» (17).
فالإيمان خطٌّ تصاعدي لا يجسده بعد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) إلا الإمام (عليه السلام)، وللعقل آفاق ومراتب لا تتكامل إلا عند الإمام، وللاجتهاد حدود لا نجدها إلا عند الإمام المعصوم. ومن المناسب أن نذكر، في هذا السياق، أنَّ الذين جسَّدوا نظرية الإمامة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، البالغ عددهم اثنا عشر إماماً، أولهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)وآخرهم محمد بن الحسن المعروف بالمهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، يمتلكون جميعاً من المواقف الإيمانية والمناظرات العقلية والاختبارات الاجتهادية ما يجعل منهم مصداق السيرة التكاملية في تلك الأشياء الثلاثة، فمبيت علي (عليه السلام)في فراش النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) والناس يأتمرون بالنبي القتل، ما جعل ذلك الفراش بحق يُسمَّى فراش الموت.. والذي نام فيه باطمئنان إنما هو بحق يمتلك ذروة الإيمان بل الإيمان كله، وهو الذي كان يقول: «لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً»، والذي طلَّق الدنيا ثلاثاً، كما هو معروف عنه، والذي نُقل عنه أنه قال: «والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها...»، والذي عرضت عليه مسألة مفادها أن رجلًا نذر نذراً أنه إن تحقق له ما يريد، فيتصدق بمالٍ يزن بعيراً؟ وعندما تحقَّق الأمر، أخذت الرجل الحَيرة في كيفية الوفاء بنذره، فعرضت المسألة على الإمام علي (عليه السلام)، فأجابهم بأن يحضروا سفينة أو ما يشبه ذلك، ويضعوها في
________________________________________
(17)المصدر نفسه، ص 239.

[الصفحة - 150]


الماء ويحددوا المستوى الذي يصل إليه الماء، ثم يضعوا البعير في السفينة ويحددوا مرةً ثانية المستوى الجديد الذي وصل إليه الماء على جانبي السفينة، ثم ينزلوا البعير من السفينة ويضعوا في السفينة مالًا إلى أن يصل إلى المستوى الذي وصل إليه الماء عندما كانت السفينة تحمل البعير، وهذه القاعدة هي اليوم المعروفة بقاعدة أرخميدس في حجم الماء المزاح ووزن الجسم الغاطس، ألا تحمل لنا هذه الواقعة عقل الرجل وعلمه ومبلغ اجتهاده؟ وألا تكشف لنا مرةً ثانية أنَّه ليس بمقدور الناس في عصره أن يبلغوا هذا المبلغ من العلم والاجتهاد مهما أوتوا من نظر وتجربة، لأنهم يظلون في حدود المعلومات المكتسبة.
أما الإمام علي (عليه السلام)فقد شملت أجوبة المسائل المعروضة عليه، في ذلك الزمان، حقول القضاء المختلفة، وكان الرائد في الإجابة عنها، كما شملت الطب النفسي؛ وذلك في حادثة النزاع الذي دار بين رجل وخادمه عندما ادعى كل منهما أنه السيد والآخر هو الخادم، والقضية معروفة ترويها الكتب التي اهتمت بمسائل الأئمة من أهل البيت، وفي المسألة المعروفة في كشف الواقع في قضية المرأة التي أنكرت ابنها، وفي المرأة التي اتهمت رجلًا بالاعتداء عليها؛ إذ إنّ ما أجراه الإمام (عليه السلام)في ذلك الوقت للفصل في هذه القضية يعد بحق من التجارب العالمية المبكرة في تاريخ الطب، ولا سيما التحليل المخبري الذي يستعمل اليوم لتعضيد مهمة الطب الشرعي في كافة بلاد العالم.
ومن المشاريع المهمة التي أعلنت عنها مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، والتي تعد مبادرةً جديدة في تعميم المشروع الثقافي لنظرية الإمامة، بحيث ربطت وإلى الأبد بين نظرية الولاية والإمامة، وبين سياسية تدبير شؤون الناس في قضايا الحكم والمعاملات المختلفة من تجارية وصناعية وعقود مختلفة، وبهذا أعلنت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)عن الخلفية السياسية والفكرية لنظرية الإمامة وعن دور المعرفة والعمل في مجال التنظيم الاجتماعي، وتعدّ هذه الوثيقة التنظيمية لشؤون المجتمع طبقاً لدستور الإسلام العملي في تخطيط الحياة الاجتماعية وتعبير الناس لله الواحد القهار محور الدراسات الفقهية في مرحلة السطح العالي ودراسات البحث الخارج في الفقه في الحوزات العلمية، ولا سيما في ما يُعرف بشكل خاص بالمكاسب المحرَّمة، وهي التسمية التي غلبت على شطرٍ واسع من الأبحاث الفقهية
________________________________________

[الصفحة - 151]


منذ عهد الشيخ مرتضى الأنصاري الذي ألَّف كتاب المكاسب في المكاسب المحرَّمة والبيع والخيارات، ولا يزال الكتاب بما فيه من ذخائر تحقيقية يمتلك القدرة على أن يزوِّد الحياة الثقافية في المجتمع الإسلامي بغير رافد من روافد الفكر المتخصِّص المبدع الذي يكشف عن هوية المجتمع الذي تطمح نظرية الإمام إلى أن يكون مجتمعاً متخصصاً بأعمال العقل، ولوعاً بالعمل، دؤوباً بالمعرفة والجد، لا يعرف التواني ولا الكسل.
ونعود مرَّةً أخرى إلى ذلك الدستور المعيشي والمشروع الثقافي الذي وضعه الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد جاء فيه: «جميع المعايش كلها، من وجوه المعاملات في ما بينهم، مما يكون لهم فيه المكاسب، أربع جهات من المعاملات. فأول هذه الجهات الأربعة الولاية وتولية بعضهم بعضاً، فأول ولاية الولاة وولاة الولاة إلى أدناهم باباً من أبواب الولاية على من هو والٍ عليه، ثم التجارة في جميع البيع والشراء بعضهم من بعض، ثم الصناعات في جميع صنوفها، ثم الإجارات في كل ما يحتاج إليه من الإجارات، وكل هذه الصّنوف تكون حلالًا من جهة وحراماً من جهة أخرى، والفرض من الله على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال منها، والعمل بذلك الحلال واجتناب جهات الحرام منها» (18).
ومن معالم مدرسة الصادق (عليه السلام)الفكرية الربط المحكم بين العقل والعلم وإعطاء التفسير الضمني لإمامة العلم للعقل؛ حيث قال (عليه السلام):
«لا يصلح من لا يعقل. ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة، والصدق عز، والجهل ذل، والفهم مجد، والعالم بزمانه لا تهجم عليه الكوابيس» (19).
أما عصر الإمام الكاظم، وهو موسى بن جعفر (عليه السلام)، فقد عُرف بعصر الطلَّاب الأفذاذ والأصحاب العلماء الذين ترعرعوا في مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام)، وآزروا الإمام الكاظم (عليه السلام)، وهو يقود خط الإمامة، فمن وصاياه لهشام بن الحكم البغدادي الكندي نذكر:
«يا هشام بن الحكم، إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول، وأفضى
________________________________________
(18)المصدر نفسه، ص 244.
(19)المصدر نفسه، ص 261.

[الصفحة - 152]


إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيَّته بالأدلَّاء فقال: {وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}[الزمر/19].
يا هشام، إن الله وعظ أهل العقل ورغَّبهم في الآخرة، فقال: {وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأنعام/32]».
ثم بين أن العقل مع العلم، فقال: « {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت/43]. يا هشام: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول» (20).
ولا يمكن لأحد أن يزعم أن هناك شريعة أو نظاماً أو نظرية أو مدرسة فكرية كرَّمت العقل كما فعلت نظرية الإمامة؛ إذ إنَّها قرنت العقل بالحجة، وجعلت له المقام الذي يلي مقام النبي والإمام. فهل بعد هذا البيان الواضح في صدد العقل ودوره في خط الإمامة أن تبقى حجة لمحتج؟ وعذر لمعتذر؟ وشك لمن يأتيه اليقين بهذه الصياغة البليغة التي لا يعتريها أدنى لبس؟
والسيرة العقلائية التي نجدها في أبحاث المحققين في مجال الفقه والأصول لها الدور المشهور والاحترام المذكور إنما هي الأخرى تعدّ من الشأن الذي توليه نظرية الإمامة لمقام العقل، لأنها تريدُ أمَّةً عاقلة، ولأنها تطمح إلى مجتمع يسود التعقل أفراده، وتسيطر الحياة العقلية على كل شيء فيه، في عملية تنظيم فكري وسلوكي لا نجدها لدى النظريات الأخرى مادية كانت أم غير مادية.
وحتى نظرية ولاية الفقيه التي تعدّ إحدى الثمار العلمية لشجرة الإمامة الباسقة، فإنها تُعبِّر في حقيقتها عن سيادة الحياة العلمية وغلبة المنحى العقلي على غيره في تسيير أمور الدولة وسياسة شؤون الناس، وليست إفرازاً لديكتاتورية سياسية أو تجميعاً لفئوية جديدة مقابل الفئات الأخرى، ولا هي مصادرة للسلطة كما تفعل الأنظمة السلطوية عندما تغتال النظام عبر ما يُسمَّى بالانقلابات، على أن هذه الصفات التي نصفها بها إنما تعبّر عن ولادة الأطروحة، وهي لا تزال في بكورتها وطزاجتها، وهي يجب أن تبقى هكذا، والأمر الذي تختلف فيه عن تشكيلات الإمامة ومقامها، في كونها غير معصومة، وهذا ما يجعل المراقب في حالة من الوجل
________________________________________
(20)المصدر نفسه، ص 285.

[الصفحة - 153]


والتأنِّي في تقويم مستقبلها عندما تنزل إلى ميدان التجربة والعمل الواقعي، فالثغرات التي قد تبدو في هذا المجال، وهو مجال ولاية الفقيه، لا يمكن تعميمها على نظرية الإمامة وخطها الخاص، فالفارق كبير بين الحالتين، فالأولى تجربتها أضحت واضحة المعالم في التسديد والإرشاد لمن يطالع مفرداتها بموضوعية، والثانية لا تزال في دور التجربة ووقوعها في بعض الأخطاء لا يلغي أحقيتها ومصداقيتها، ولكنه يُعبِّر من جهة أخرى عن بشريَّتها وعدم عصمتها، وهنا نحتاج إلى قنوات وأذرع فاعلة قادرة على إضاءة الدائرة المعرفية وبيان المشروع الثقافي بالمزيد من الطاقات والفعاليات والتوجهات التي تعرف كيف تكلِّم المجتمع المعاصر بلغة قريبة من واقعه، وبآمال أضحى بأشد الحاجة إليها، وبأن يتحول الشعار لدينا إلى مصداق للعمل والإنتاج حتى ندخل العالم المعاصر، ونتمكن من إحداث التغيير المطلوب عبر ما نمتلكه من حيوية في الفكرة وأصالة في الرؤية وثبات في الموقف، فالمجتمع لا يتغير لمجرد أننا نريد التغيير، ولكنَّه يتغير بمقدار ما نقدم له من بدائل يتفاعل معها، فيتحرك شوقاً إلى تلك البدائل وحبَّاً في الإنجاز الأفضل، وتحديثنا للثقافة لا يمكن أن يكتب له النجاح ما لم نكن قادرين على إنجاز مركب ثقافي جديد محافظٍ على الأصالة ومتلائم مع الذوق المعاصر، فالكتابة لدينا، على سبيل المثال، يجب أن تتحول إلى مولَّدات جديدة على مستوى الفكرة وعلى مستوى الأسلوب.
________________________________________

[الصفحة - 154]