البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العقل في الفقه الشِّيعي.. الماهيَّة والوظائف (القسم الثَّاني)

الباحث :  أ. محمد تقي الكرمي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  28
السنة :  السنة السابعة شتاء 1423هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  5785
العقل في الفقه الشِّيعي..
الماهيَّة والوظائف (القسم الثَّاني)

أ. محمد تقي الكرمي (*)

مفهوم العقل في الفقه الشِّيعي
أوَّلًا ـ نظريَّة المجتهدين الأصوليِّين
يحتلُّ العقل، في المدرسة الفقهية الشيعية، مكانه، بوصفه مصدراً من مصادر التَّشريع، إلى جانب الكتاب والسنَّة والإجماع، ويراد منه هنا منظومة الأحكام القطعية النَّظريَّة والعملية. وتتأثر هذه الرؤية تأثُّراً بالغاً بأفكار المعتزلة، إذ يحتل العقل مرتبة رفيعة لديهم بعكس الأشاعرة؛ حيث يفقد جميع اعتباراته ليصبح تابعاً للشَّريعة.
وفي المدارس ذات الاتجاهات الباطنية، كالغرابية والبابية والإسماعيلية، لا تتمتَّع الأحكام العقلية بأي احترام غالباً، ذلك أنه، وعلى العموم، يكون المرشد أو الشيخ في أعلى الهرم يميِّز الحق من الباطل وفق نظام التَّأويل، والاستناد إلى مجموعة من المعارف الباطنية، وهنا يفقد العقل قدراته، ويصبح عاجزاً عن القيادة. ومن هذا المنطلق لا تجيز الإسماعيلية «الاجتهاد» سواءً في أصول الدين أم في فروعه (1).
ومن النَّاحية التاريخية، لم يرد العقل باعتباره منبعاً في التشريع في الأوساط الفقهية الشيعية في العصور الأولى. ومن المؤكَّد أنَّ أقدم نص في هذا الباب هو كتاب «التذكرة بأصول الفقه» (2)، وهو من تأليف محمد بن محمد بن النعمان
________________________________________
(*)ترجمة:أ. کمال السًّيد. باحث من إيران
(1)حميد الدين الكرماني، راحة العقل، ص 137 وص 194 وانظر كذلك: حاشية الكلنبوي على شرح جلال الدين الدواني، ج2، ص 231.
(2)أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عدّة الأصول، مؤسسة آل البيت قم، 1983، ج1، ص 5.

[الصفحة - 210]


البغدادي، المعروف بالشيخ المفيد، وهو في الواقع رسالة صغيرة في أصول الفقه، وقد أثبت الشيخ في مطلع رسالته هذه المصادر الرئيسية للأحكام الشرعية، فكانت ثلاثة: 1 ـ الكتاب. 2 ـ السنَّة. 3 ـ الروايات المنقولة عن الأئمة؛ مضيفاً إلى ذلك الطرق التي توصلنا إلى هذه المصادر ليحدِّدها بما يأتي: 1 ـ اللغة، 2 ـ السنَّة، 3 ـ العقل (3).
ويصرّح الشيخ المفيد بعدم وضع العقل مع الكتاب والسنَّة في منزلة سواء، ويرى أنَّ وظيفته الأساسية هي فهم النُّصوص الشرعية؛ ونجد رؤيته هذه واضحة في كتابه: «أوائل المقالات»، حيث ينقل إجماع الشيعة على اعتبار النَّقل المرشد والدَّليل للعاقل في طريقة الاستدلال؛ وأنه لا غنى للعاقل عن النقل، ويتفق الشيعة مع أهل الحديث في هذا المضمار مخالفين المعتزلة والخوارج والزيدية في استغناء العقل عن النقل (4).
ونجد هذه الرؤية بوضوح، أيضاً، في أوّل رسالة له، في باب الغيبة؛ حيث المراد من العقل عدم تساويه مع الكتاب والسنَّة كمصدرٍ معتمدٍ في التشريع، بل الحكم له فقط في الأمور التي يغيب فيها النَّص الشرعي، وليس فيها حضور للإمام.
ويعرض المفيد رؤيته بطريقة جدلية عبر التقدُّم بسؤال اعتراضي: ماذا يفعل المكلَّف في غياب الإمام في الحوادث التي لا يعرف حكمها؟ وإلى من يرجع في حل نزاعاته الشخصية، وبخاصَّة إذا علمنا أن علّة نصب الإمام أساساً هي بيان الأحكام والفصل في النِّزاعات؟
وفي معرض جوابه، يشير الشيخ المفيد إلى أن غيبة الإمام لم تحصل طواعية واختياراً، وإنما كانت اضطراراً وتقيَّة، وأن واجب المكلَّف، في هذه الحالة، الرجوع إلى علماء الشيعة، فإذا تعذَّر ذلك وجب العمل بحكم العقل، ذلك أن الله لو أراد اليقين في تلك الحادثة لأنزل حكمه فيها وبيَّنه(5).
ولكن ما هو المراد من العقل؟ يقول الشيخ: إن المراد منه «أصالة الإباحة»، أي أنه في ظلّ غياب النص في مسألة ما، فإن الحكم هو الإباحة ما لم يقم الدليل النَّقلي على المنع.
________________________________________
(3)الشيخ المفيد، المؤلفات الكاملة، ج9، ص 28 و29.
(4)الشيخ المفيد، أوائل المقالات، المؤلفات الكاملة، ج4، ص 44 و45.
(5)الشيخ المفيد، رسالة الغيبة، المؤلفات الكاملة، ج7، ص 13.

[الصفحة - 211]


ويضيف: إن الاعتبار قائم، ويمكن الاستناد إليه ما دام الإمام غائباً لأنه في غير هذه الحالة يكون من الضروري الرجوع إليه والعمل وفاقاً لحكمه؛ ومن هنا يتَّفق الشيعة مع الجمهور، ذلك أنهم يعتقدون أيضاً أنه في الحوادث الواقعة بعد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وفي حالة غياب النَّص، يجب العمل بما يقتضيه الاجتهاد، ولا يمكن التمسُّك بالاجتهاد والرأي في حضور النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) (6).
ويسوق الشَّيخ المفيد حكماً أكثر وضوحاً، في كتابه «تصحيح الاعتقاد»، فيذهب إلى أنه ليس أمام العقل، وفي حالة غياب النص، من كشف شيء غير الإباحة (7)، لأنه لا يمكنه الحكم بذلك مستقلًّا، فهو عاجز عن إباحة أشياء من المحتمل أن الشرع لا يحكم بإباحتها؛ ويضيف في باب غير المباح: إن العقل لا ينفكُّ أبداً عن النَّقل (8).
ويوضح الشيخ المفيد علّة عدم استقلال العقل عن الشَّرع انطلاقاً من غياب المنهج الواضح في الشريعة، وغياب الدليل العقلي والحسّي، ذلك أن النصوص غالباً ما تحكم بأحكام مختلفة في الأمور المتشابهة وبأحكام متشابه في الأمور المختلفة، وليس ذلك في مقدور العقل (9).
وكنَّا قد ذكرنا، في بحث «التحوُّل في معنى الاجتهاد»، أن أساطين المدرسة الكلامية في بغداد، وهما: الشيخ المفيد والسيد المرتضى، قد جهدا في نقد تعاليم أهل الحديث المتطرِّفين من الذين يتقيَّدون بظاهر النصوص المنقولة عن الأئمة، وقد انطلقوا في نقدهم هذا من أصول اعتزالية لتقديم تفسير عقلاني للدِّين، وقد أوّلت هذه المدرسة كثيراً من الأحاديث المرويَّة عن الأئمة، أو شكَّكت فيها، بسبب تضادها مع العقل.
فالشيخ المفيد يقول بعدم صحَّة جميع الأحاديث المنسوبة إلى الأئمة، ويرى أن كثيراً من الأحاديث نسبت زوراً إليهم، ولذا يرى عدم الأخذ بالأحاديث التي تنسب إلى الأئمة إذا خالفت أحكام العقل، لأن العقل يحكم بفسادها (10).
ومع هذا، فعلينا أن نشارك مؤلِّف كتاب «السلطة، الفكر والمشروعية في الإسلام» رأيه في أن المنهج المعرفي للشيخ المفيد قد انضوى تحت لواء المدرسة
________________________________________
(6)المصدر نفسه، ص 14.
(7)الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات الكاملة، ج5، ص 143.
(8)الشيخ المفيد، التذكرة بأصول الفقه، المؤلفات الكاملة، ج9، ص 43.
(9)السيد المرتضى، الفصول المختارة من العيون والمحاسن للمفيد، ج1، ص 51.
(10)الشيخ المفيد، تصحيح الاعتقاد، المؤلفات الكاملة، ج5، ص 147.

[الصفحة - 212]


الأصولية، جاعلًا العقل في منزلة أحد الأدلّة في أحكام الشريعة، وبمثابة قاعدة كليّة على الملازمة بين العقل والشرع (11)، مع أن المؤلف المذكور يقرّ في ما بعد بأن استفادة المفيد من العقل لها جانب دفاعي في الغالب من أجل إظهار أنه لا تعارض بين مذهب الإماميَّة وأحكام العقل (12).
والمثير، هنا، أنَّ المؤلِّف يقع، في ما بعد، في تناقض؛ وذلك عندما يصرِّح بأن العقل في منهج الشيخ المفيد لا يحتل موقعه بوصفه مصدراً مستقلًّا، وإنما يقوم بدوره إلى جانب علم اللغة في تقييم مضامين المصادر أو الأصول الثلاثة وتوضيحها (13)، ولكن الإنصاف يدعو إلى أن نذكر أنَّ المؤلِّف ذكّر ـ ومن خلال مجموع تأملاته في آثار الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي ـ بحضور العقل البارز في منهج الاجتهاد (14).
ولكنه يخلط، في ما يبدو، بين معنيين للعقل، بين: «العقل باعتباره مصدراً مستقلًّا في التشريع» و «العقل باعتباره منهجاً معرفياً»، والظاهر أن المسألة تتعلَّق بالعقل بمعناه الأول لا الثاني، وهناك مسألة أخرى أشار إليها المؤلف في كتابه المذكور، في بحثه مفهوم العقل، وهي أن العقل في العهود الوسيطة استخدم بمفهومين مختلفين: الأول باعتباره أحد الأدلّة الشرعية ودليلًا مستقلًّا كالكتاب والسنة، والآخر أُخذ بوصفه مجموعةً من الأصول العملية كأصل البراءة والاستصحاب وغيرهما حيث يستفاد منه عملياً. وهذان المفهومان واجها خلطاً لدى المتقدِّمين (15). ولكن يبدو أن هذه الرؤية العلمية تجانب الصواب؛ ذلك أن العقل بمعناه الأوَّل (المصدر المستقل في التشريع)، والذي أشار إليه المؤلف إنما هو وليد العهود المتأخِّرة، وأن العقل لدى المتقدِّمين كان له معنى واحد، وهو الأصول العمليَّة كالبراءة والاستصحاب.
وعلى كلِّ حال، وانطلاقاً من مقولات الشيخ المفيد، يمكن الاستنتاج، أوَّلًا: إن العقل لم يكن منبعاً مستقلًّا في التشريع على غرار الكتاب والسنَّة، وثانياً: إن حكم العقل لا يستمد اعتباره إلّا في حالة غياب الإمام المعصوم و «فقدان النص»، ولذا فهو يفقد اعتباره في ظل حضور الإمام، وعلى المكلَّف حينئذٍ مراجعة الإمام نفسه، وثالثاً: إن المراد من العقل هو الأحكام الضرورية من قبيل وجوب شكر
________________________________________
(11)داود فيرحي، السلطة الفكر والمشروعية في الإسلام، منشورات 1378، ص 270 (بالفارسية).
(12)المصدر نفسه، ص 276.
(13)المصدر نفسه، ص 285.
(14)المصدر نفسه، ص 300.
(15)المصدر نفسه.

[الصفحة - 213]


المنعم وقبح الظلم أو مجموعة من الأصول العملية من قبيل «أصالة الإباحة عند فقدان النص».
وأعقب الشيخ المفيد تلميذه السيد المرتضى في بيان دور العقل في دائرة التشريع ومنزلته على هذا الصعيد، فقد صدّر رسالته: «جوابات المسائل الطرابلسيَّات الثالثة» بالحديث عن ضرورة وجود الإمام في كل زمان من أجل حفظ الشريعة وإجراء الحدود الإلهية. ثم تحدَّث عن مجموعة من الأحكام الشرعية في ما لم يرد فيه نص، مشيراً إلى أن الأحكام الشرعية جميعها، إجمالًا وتفصيلًا، تمتلك الدليل، وذلك في سياق الرد على اعتراضات من يقول بمحدودية النص القرآني ولا نهائية الحوادث الواقعة؛ وأن أغلب الروايات المنقولة عن الأئمَّة إنما هي أخبار آحاد لا تؤدِّي إلى العلم، ولا تفيد سوى الظن، وأن التعبُّد بخبر الواحد محالٌ عقلًا على رأي فريق من الإمامية أنفسهم، بل حتى لو كانت الروايات المرويَّة عن الأئمة متواترة فهي بالتالي محدودة أيضاً، فكيف يمكن من خلالها الحكم على الحوادث وهي غير محدودة؟!
ويرد المفيد على هذه الاعتراضات بأن النصوص القرآنية، وإن كانت محدودة، فإنها قادرة على الاستجابة للحوادث اللانهائية، مستشهداً بالحديث المروي عن الإمام علي (عليه السلام)الذي يرد فيه أن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) علَّمه ألف باب من العلم ينفتح له من كل باب ألف باب؛ ولذا فإن أي حادثة لا بد من أن يكون لها حكم إجمالي أو تفصيلي، أما في الحوادث التي لم يرد فيها حكم من المصادر الثلاثة فيتوجب الرجوع إلى العقل وسيكون حكمه حكم الله حينئذٍ، وهذا ما تحدَّث عنه بالتفصيل في رسالته: «جواب المسائل الحلبية» (16). وكذا ما ذكره السيد المرتضى أيضاً في رسالته «جواب المسائل الموصليات الثالثة»، في معرض الجواب عن الحوادث التي تفتقد النص؛ فقد أشار في معرض حديثه عن موقف الشيعة وعن المنهج المتَّبع في بيان الحكم... إلى وجود حكم شرعي للحوادث جميعها، إما من خلال الإجماع الذي يستلزم دخول رأي الإمام فيه أو من طريق النصوص في الكتاب والسنَّة. ومع هذا ففي الحوادث التي يفترض عدم وجود إجماع فيها ولا نص شرعياً يتعلّق بها يتوجب العمل بما يقتضيه العقل (17).
________________________________________
(16)السيد المرتضى، جوابات المسائل الطرابلسيات الثالثة، الرسائل ج1، ص 316 و317.
(17)السيد المرتضى، جواب المسائل الموصليات الثالثة، الرسائل ج1، ص 210.

[الصفحة - 214]


ويشير، في مناسبة أخرى، إلى أن الإجماع طريق لمعرفة الأحكام، ذلك أنَّه يوجب العلم حسب رأيه، غير أنه في حالة فقدان النص يتوجَّب مبدئيّاً الرجوع إلى حكم العقل بالاستفادة من منهج «السبر والتقسيم» عبر انتخاب وجه بعد إبطال الوجوه المحتملة الأخرى في المسألة، وهكذا يحصل الحكم الواقعي، ولكن السيد المرتضى يصرّح بأنّ مجال العمل بمقتضى هذا المنهج إنما يكون في حالة فقدان الإجماع والنص فقط لا غير (18).
وعلى أساس ما ورد أعلاه يمكن استنتاج أن «العقل»، في رأي السيد المرتضى، ليس ردفاً للكتاب والسنَّة، بل وحتى لا يمكن الرجوع إليه إلّا في حالة فقدان النَّص والإجماع، فالعقل هنا يتراجع ـ كما ذكرنا سابقاً ـ إلى موقعه باعتباره مجموعة من الأصول النظرية والعملية من قبيل «أصل الإباحة».
وهكذا الشيخ الطوسي الذي يجعل من العقل طريقاً لمعرفة النقل (19).
وعلى هذا يمكن القول: إن الشيخ الطوسي لا يمنح العقل اعتباره منبعاً مستقلًّا في معرفة الأحكام الشرعية، وإنما يراه طريقاً لمعرفة الأدلّة الشرعية لا دليلًا مستقلًّا في ذلك (20).
ويرى حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (م 585هـ) ذلك أيضاً في كتابه «غنية النُّزوع إلى علمي الأصول والفروع» بعد بيانه هذا الموضوع، حيث يحصر طريق المعرفة بالأوامر والنواهي الإلهية الواردة في «النصوص الشرعية»، أمّا الأحكام التي لا يمكن التوصل إليها عن طريق النقل فيرى مشروعية الحكم العقلي فيها جاعلًا إيّاه بمنزلة قول المعصوم.
ويردّ ابن زهرة على إشكاليَّة الحاجة إلى الدَّليل العقلي في وجود الشرع، بقوله: ليس من إشكال في التوارد على أمر واحد، كما هي الحال في أدلَّة إثبات قدم الله ووحدانيته؛ إذ لا يوجب الاستناد إلى قسم من هذه الأدلَّة بطلان الأدلّة الأخرى (21).
ويرى قسم من الباحثين، منهم رشدي عليَّان في كتابه: «العقل عند الشيعة الإمامية»، أن الشيعة الإمامية هم أول من أفرد للعقل موقعه منبعاً مستقلًّا في التقنين
________________________________________
(18)الشريف المرتضى، مناظرة الخصوم وكيفية الاستدلال عليهم، الرسائل، ج2، ص 117 و118.
(19)أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عدة الأصول، ج2، ص 125 ـ 127.
(20)رشدي محمد عرسان عليّان، العقل عند الشيعة الإمامية، دار السلام بغداد 1973، ص 90.
(21)حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، مؤسسة الإمام الصادق، قم، ج1، ص 266.

[الصفحة - 215]


بعد الكتاب والسنّة والإجماع، صرَّح بذلك محمد بن إدريس الحلّي (المتوفى 598هـ)؛ إذ أورد في كتابه «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي» أن المحقِّقين يرون التمسك بالدليل العقلي في الكشف عن الحكم الشرعي في حالة فقدان الكتاب والسنَّة والإجماع (22).
وبالرُّغم من التوضيحات التي يسوقها ابن إدريس، فإنه يقصد بالدليل العقلي «أصل البراءة» الذي يعني نفي الحكم في حالة فقدان النَّص، وهو بهذا يشاطر الغزالي رأيه في كتاب المستصفى (23).
ويأتي بعده أبو القاسم جعفر بن الحسن المعروف بالمحقق الحلّي (المتوفى 677هـ) ليورد، في كتابه: «المعتبر في شرح المختصر»، خمسة مصادر للتشريع هي: 1 ـ الكتاب 2 ـ السنَّة 3 ـ الإجماع 4 ـ العقل 5 ـ الاستصحاب.
ويقسم الدَّليل العقلي إلى قسمين: الأوَّل الحكم الذي يستنبطه العقل من الدلالة اللفظية كالقياس والأولوية و... والثاني الحكم الذي يدركه العقل بشكل مستقل من قبيل قبح الظلم والكذب، ووجوب ردّ الأمانة (24).
وبعد بحثه في الاستصحاب يعمد المحقِّق الحلّي إلى تقسيمه إلى ثلاثة أقسام هي: 1 ـ أصل البراءة الأوّلية 2 ـ استلزام فقدان الدَّليل على شيء إباحة ذلك الشيء 3 ـ استصحاب الدَّليل الشرعي.
وما يثير الانتباه هنا أن المحقق الحلّي ـ وعلى خلاف ابن إدريس ـ يميِّز بين «دليل العقل» و «الاستصحاب»، غير أنه لا يفصح عن مراده من «دليل العقل» في مقابل «الكتاب» و «السنَّة»، ولا يذكر ما هي خصائصه. ويواصل الحلّي معالجاته على صعيد بعض الموضوعات التي لا يبدو أنّها ذات صلة بمعنى العقل الذي نبحث، ولا يعدو ما يتحدَّث به سوى الوضع والدلالات اللفظية وبعض المستقلَّات العقلية (25).
وقد أعقب ذلك ظهور الحسن بن يوسف بن المطهر المشهور بالعلامة الحلّي (المتوفى 726هـ)، فأشار، في كتابه: «أجوبة المسائل النهائية»، إلى أن أدلَّة الأحكام في مذهب الإمامية تنحصر في الكتاب والسنة (الأخبار المتواترة والآحاد) والإجماع والدليل العقلي، مثل أصل البراءة، والاستصحاب والاحتياط (26).
________________________________________
(22)محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، مؤسسة النشر الإسلامي، التابعة لجماعة المدرسين، قم، ج1، ص 46.
(23)الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ج1، ص 127 و128.
(24)جعفر بن الحسن الحلّي، المعتبر في شرح المختصر، منشورات مؤسسة سيد الشهداء، قم 1364، ج1، ص 28.
(25)رشدي عليان، العقل عند الشيعة الإمامية، ص 92.
(26)الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي، تهذيب الوصول إلى علم الأصول، نسخة مخطوطة، مكتبة الكلبايكاني، رقم 1409.

[الصفحة - 216]


ومع هذا لا يبحث، في كتابه «تهذيب الأصول»، الدَّليل العقلي بشكل مستقل، وإنما يعدّد أدلّة العقل في المقصد الحادي عشر، وفي بحثه شروط الاجتهاد كأصل البراءة والاستصحاب، ليجعل معرفتها من وظائف المجتهد (27).
ويأتي بعد ذلك محمد بن مكي العاملي، المعروف بالشهيد الأوَّل (المتوفى 786هـ)، على خطى سابقه المحقق الحلّي. فيشير، في مقدمة كتابه: «القواعد والفوائد» (28)، وفي مقدمة كتابه: «ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة» (29)، إلى مصادر الفقه الشيعي الأربعة، ذاكراً أقسام الدليل العقلي، مفصِّلًا آراء المحقِّق الحلّي مع اختلاف، وذلك في عدم اعتباره الاستصحاب دليلًا مستقلًّا، وإنما عدَّه في زمرة الأدلّة العقلية، هذا أولًا، وثانياً يفسح مجالًا في الأدلة العقلية لمبحثين أصوليين (مقدمة الواجب، ووجوب الشيء مستلزم للنهي عن ضدِّه).
ومع هذا كله، فإنَّ الشهيد الأول، كسلفه المحقِّق الحلّي، لا يعدّ العقل مصدراً مستقلًّا في التشريع.
وجاء زين الدين بن علي العاملي، المشهور بالشهيد الثاني (المتوفى 965هـ)، فبيّن المقدِّمة الضَّرورية للاجتهاد، وذكر منابع الأحكام، وحصرها في الكتاب والسنَّة، وفي حالة فقدانها يأتي دور «دليل العقل»، ويشير الشهيد الثاني إلى آراء طائفة من العلماء ممَّن يعتقدون بأن الدليل العقلي في الأحكام الشرعية يشتمل على البراءة والاستصحاب والقياس. ومع بطلان القياس، فإن الدليل العقلي سيقتصر فقط على القسمين الأوَّلين، وبالتالي فإن الشهيد الثاني يصرِّح بجلاء بأنَّ المنابع المعتبرة في التشريع هي: «الكتاب» و «السنة» و «العقل»، أما «الإجماع» فإنه بمفرده فاقد للاعتبار (30).
ويتلو الشهيد الثاني فقهاء كالمحقِّق الكركي في رسالته «استنباط الأحكام» (31)، والشيخ البهائي (المتوفى 1031هـ) في «زبدة الأصول» (32)، وعبد الله بن محمد التوني (المتوفى 1071هـ) في «الوافية في أصول الفقه» (33)ليجعلوا من الدَّليل العقلي أحد المصادر الأربعة في التشريع، ولكنهم ـ كسلفهم الشهيد الأوَّل ـ يقتصرون فيه (الدليل العقلي) على طائفة من الأصول اللفظية أو العملية.
________________________________________
(28)محمد بن مكي العاملي، القواعد والفوائد، منشورات منتدى النشر، النجف الأشرف، ج1، ص 74.
(29)محمد بن مكي، ذكرى الشيعة لإحكام الشريعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ج1، ص 52.
(30)زين الدين علي بن أحمد العاملي، حقائق الإيمان (رسالة الاقتصاد والإرشاد إلى طريقة الاجتهاد في معرفة الهداية والمعاد وأحكام أفعال العباد)، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1409، ص 188 ـ 190. وص 194 ـ 196، وكذا انظر كتاب الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ط أوفسيت قم، ج3، ص 65.
(31)علي بن الحسين الكركي (المحقق الثاني)، رسائل مؤسَّسة النشر الإسلامي، قم، 1412، ج3، ص 40، 49.
(32)زبدة الأصول، نسخة مخطوطة، مكتبة الكلبايكاني رقم 8176 الورقة 18.
(33)عبد الله بن محمد التوني، الوافية في أصول الفقه، مجمع الفكر الإسلامي، قم 1412، ص 171 وما يليها.

[الصفحة - 217]


ومن المفيد أن نذكر، هنا، أنَّ هذه الطائفة من القواعد العملية والتي عرفت، في ما بعد، بـ «الأصول العملية» (34)قد اندمجت بشكل مشوّش بدليل العقل إلى جانب مجموعةٍ من الموضوعات التي باتت تشتهر اليوم باسم المستقلَّات وغير المستقلَّات العقلية، الأمر الذي أدّى بدوره إلى أن يتخذ مفهوم العقل شكلًا أكثر إبهاماً وغموضاً.
وقد قدَّم الفقهاء المتأخِّرون نظريات مختلفة في الدَّليل العقلي يمكن تصنيفها في قسمين:
1 ـ قسم من الفقهاء لا يورد الدليل العقلي ضمن سائر الأدلَّة الأخرى، وباستثناء بعض الموارد لم يبحث هؤلاء في العقل بشكل مستقل، ومن الفقهاء في هذا القسم حسن بن زيد الدين (المتوفى 1011هـ) والشيخ مرتضى الأنصاري (المتوفى 1281هـ) ومحمد كاظم الخراساني (المتوفى 1329هـ).
2 ـ وفي مقابل المجموعة الأولى نهض فقهاء آخرون لتحديد ماهيَّة الدليل العقلي وحدوده في دائرة التشريع، رغم كل الاختلاط الذي وقع بين العقل وموضوعات لا تمتّ إليه بصلة، ويبرز في هذه المجموعة من الفقهاء كل من السيد محسن الأعرجي (المتوفى 1227هـ)، صاحب كتاب «المحصول في علم الأصول»، ومحمد تقي الأصفهاني (المتوفى 1248هـ)، مؤلِّف كتاب «هداية المسترشدين في شرح معالم الدين»، ومحمد حسين بن محمد رحيم الأصفهاني (المتوفى 1248هـ)، مؤلف كتاب «الفصول في علم الأصول»، وأخيراً أبو القاسم بن حسن الجيلاني المشهور بالميرزا القمي (المتوفى 1231هـ)، مؤلِّف كتاب «قوانين الأصول».
ثانياً ـ نظريَّة الإخباريِّين
في مقابل فهم الفقهاء الأصوليين للعقل تبرز نظرية الإخباريين التي تلغي العقل، ليس بوصفه مصدراً من مصادر التَّشريع المعتبرة فحسب، وإنَّما في حالة غياب الدَّليل الشرعي أيضاً (35)، بل إن قسماً من الإخباريين يحصر الاعتبار في دلالة «السنَّة» فقط، ذلك أن أي فهم للكتاب مرفوض إلّا من طريق الأئمة (36).
ويبرز اسم يوسف البحراني، هنا، بوصفه منظِّراً للاتجاه الإخباري، وقد اشتهر
________________________________________
(34)إشارة إلى أن لفقه الشيعة أربعة مصادر هي: القرآن والسنة والإجماع والعقل، والهدف الأساسي لعلم الأصول الدلالة على كيفية استخراج الأحكام الفقهية من المنابع أعلاه، ومع هذا كله، وفي بعض الموارد، لا يمكن أخذ الأحكام الفقهية من هذه المصادر مباشرة، وقد وضعت أصول كلية خاصّة لمثل هذه الموارد دعيت بالأصول العملية، مقدمة على فقه الشيعة، ص 16.
(35)انظر في هذا الموضوع. ـ محمد أمين الاسترابادي، الفوائد المدنية، ص 56. ـ محمد بن الحسن الحرّ العاملي، الفوائد الطوسية، ص 35 (فائدة 79).
(36)عبد الله بن صالح السماهيجي، منية الممارسين في أجوبة مسائل الشيخ ياسين، نسخة مخطوطة، ورقة رقم 48.

[الصفحة - 218]


باعتداله بسبب اقتراب آرائه الفقهية من آراء الفقهاء الأصوليين، وهو يعتقد أن المجتهدين الأصوليين يقدِّمون استنباطاتهم العقلية في الشريعة على الأدلَّة النقلية، فإذا كان المراد من الأدلّة العقلية مجموعة البراهين أو الاستدلالات النظرية التي هي معتبرة لدى الجميع، فإن الجواب على ذلك هو نفي وجود هكذا استدلالات أصلًا. ذلك أن مراتب الإدراك البشري ـ كما نعرف ـ متفاوتة، وكل واحد من العقلاء يستند إلى قسم من الأدلّة التي قد يرفضها الكثيرون في الوقت نفسه.
فليس اعتباطاً أن يعترف الفخر الرازي بأنه لو ارتقى مجموع الاستنباطات العقلية، كما هو المشهور، إلى مستوى «البرهان»، لأدّت هذه الاستنباطات إلى اليقين، ولأضحت مقنعة للجميع لا يعترض عليها، أو يحاول نقضها، أحد، لكنّ البراهين عموماً لا تؤدِّي إلى اليقين ولا تبعث على الطمأنينة، بل إن كل فرقة تسعى لإثبات نظريتها بحذف النظرية المنافسة، وخلاصة القول: إن البرهان لا يعدو أن يكون مجموعة من الاستحسانات العقلية التي تنهض على بعضها بعضاً من دون أن تمنحنا سوى الظَّن.
أما إذا كان المقصود من الدليل العقلي الأمور الفطرية، أو الضرورية، فمن المؤكد أن هكذا عقل سيؤدِّي إلى اليقين وسيكون موافقاً للشريعة. وكما جاء في كثير من الروايات، فإن هذا القسم من العقل رسول باطني ـ في مقابل الرسول الظاهري وهو النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ـ يمثّل المعيار الأساس في قيمة الإنسان (37)، شريطة أن يكون في مأمن من جميع المؤثرات، كالظنون الباطلة والأوهام الفاسدة وأشكال التعصُّب. وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يكون العقل حجَّة إلهية موصلةً لليقين.
من جهة أخرى، من الضروري أن نذكر أن الأحكام الفقهية، سواء في العبادات أم في غيرها، هي جميعاً توقيفية مرهونة بالنقل. وكثير من الروايات، أيضاً، وبخاصّة مشهورة عمر بن حنظلة، تمنعنا صراحة من إبداء أية فتوى أو إعمال الرأي، وهذا ما يعبّر عن عجز العقل عن استنباط الحكم الشرعي. وعلى هذا الأساس، فإن وظيفة العقل في دائرة التشريع لا تعدو أن تكون متابعة الأوامر الإلهية. أما في القضايا غير التوقيفية، أي في دائرة البديهيات، من قبيل «الواحد نصف الاثنين»، فإن حكم العقل معتبر ويؤدِّي إلى اليقين (38).
________________________________________
(37)يعدّ محمد الحسن الحرّ العاملي هذه الروايات نفسها بلحاظ السند ظنية وغير معتبرة، وبلحاظ المتن مبهمة وغير صريحة أو موافقة لأهل السنة ـ يعني بسبب التقية ـ (الفوائد الطوسية، ص 351).
(38)يوسف بن أحمد البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص 12 ـ 133 (المقدمة العاشرة)؛ وكذا الدرر النجفية ط حجرية، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ص 145 ـ 148.

[الصفحة - 219]


وعلى أية حال، فإن نظريَّة الإخباريين، في شأن العقل، تستند إلى ثلاثة أركان:
1 ـ تفسير «العلم» بالاعتقاد القطعي أو الجزمي المطابق للواقع (39)، وهذا التفسير متأثر صراحة بالمنطق اليوناني، ولا يمت بصلة إلى الاستخدام الديني للمفردة ولا ذاك اللغوي، وهو كذلك يجعل من العلم أمراً ذا مراتب يشمل حتى الأحاديث غير المتواترة ـ التي تدعى الخبر الواحد ـ ذلك أن هذه المجموعة من الروايات، وإن كانت لا توصل إلى اليقين، إلّا أنها، وبسبب بعض المؤشِّرات العلمية والعملية، تبعث على الطمأنينة (40)، ومن جهة أخرى، أدّى هذا التفسير بجميع العلوم العقلية ـ كالكلام والفلسفة والمنطق وحتى أصول الفقه التي تستند إلى الاستدلالات النظرية والظنية وتفتقد حالة القطع والطمأنينة ـ إلى فقدانها الاعتبار والقيمة جملة وتفصيلًا (41).
2 ـ كمال الشريعة وشموليتها، أي أن لله حكماً معيَّناً في كل أمر. ما يجدر الانتباه إليه، هنا، هو أن عموم الشيعة ـ وبخاصّة الإخباريُّون ـ يعتقدون بأن كمال الشريعة وشموليتها لا يكونان إلّا من خلال الإمام، وانطلاقاً من علمه وعصمته، أي أن الله، سبحانه، قد جعل لحوادث العالم جميعها أحكاماً معلومة من قبل، غير أن غالب هذه الأحكام مستور، والإمام وحده هو الذي يظهر هذه الأحكام، إن علم الأئمة ـ باعتبارهم ورثة الأنبياء ـ هو نفسه المعنى الباطني للوحي الإلهي الذي لا يأتي من طريق «القياسات المنطقية»، بل هو علم موروث لا يمكن نقله إلى شخص آخر. إن للأئمة إحاطة بالعالم كلّه، كما لديهم في كل «حادثة» حكم قطعي.
وعلى أساس هذا التفكير، تملأ العالم سيول الدلائل والأحكام الإلهية التي هي الواقع عينه، غير أن بعضها ظاهر «مبيّن» (تم بيانه بوساطة الأئمة)، فيما لبعضها الآخر وجود خاف (مجمل)، والكشف عن هذا القسم من الأحكام يكمن فقط في العلاقة بين الأمر المجمل والأمر المبيّن. لا أن نستنبط أو نخترع أحكاماً جديدة متجاوزين الدلائل والأدلّة الموجودة في دائرة الكتاب والسنة (تعاليم الأئمة) (42). ذلك أنه، وفي هذه الحالة، لن يؤدي سعي الفقيه إلى الكشف عن حكم الواقع، بل سيكون عمله شكلًا من الإبداع (الاجتهاد).
________________________________________
(39)عبد الله بن صالح السماهيجي، منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين، ورقة رقم 48.
(40)حسين بن شهاب الدين الكركي، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار، مؤسسة إحياء الإحياء، ص 13.
(41)مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي (جماعة المدرسين)، 1365، ص 15 و21.
(42)وفي هذه الحالة المراد من العقل، شكل من الذاكرة الجمعية من الحديث الموروث الذي يتذكر عن طريق التكرار المستمر.

[الصفحة - 220]


ومن هنا نشأ التقابل بين مفردتي السنَّة والبدعة، ليحتل مساحة واسعة في التراث الإسلامي.
3 ـ أصل «التقية»، وهي في اللغة: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضرّه، وهي عند بعضهم: إخفاء الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم تحرّزاً من التلف، وبسبب الجو السياسي وضغوط الأجهزة الحاكمة المنتمية مذهبياً إلى المذهب السنِّي، عمد الأئمة إلى انتهاج مبدأ التقية في إخفاء معتقداتهم اتّقاءً للخطر، كما دعوا شيعتهم إلى العمل بالتقية لتصبح مع مرور الزمن واحدة من خصائص المذهب الشيعي.
وينظر الإخباريون إلى مبدأ التقيَّة من زاويتين:
الأولى: من خلال ردّهم على الإشكال الوارد على وجود التقية في الكثير من الروايات المنقولة عن الأئمة؛ الأمر الذي سبّب تشويشاً جاداً في شأن مدلول أي منها؛ ذلك أن صدور الرواية قد لا يعبِّر عن بيان حكم حقيقي، وإنما تقية وصيانة للنفس ودفع خطر أحكام الجور عنها (43)، ومن هنا نجد هذا التضارب بين روايات الآحاد في المسألة الواحدة. وانطلاقاً من هذا أيضاً اتخذ المجتهدون الأصوليون موقف الشك والتردُّد إزاء حجية الأحاديث الواردة في الكتب الأربعة وعدّوها غير «قطعية الصدور» (44).
والإخباريون، في معرض الرد على هذا الإشكال أعلاه، وإضافة إلى اعتبارهم الكتب الأربعة قطعية الصدور، لم يعدّوا التقية عاملًا مسهماً في سلب الاعتبار عن الأحاديث، أو اعتبارها ظنية في المعنى، وقد صرّح كل من عبد الله السماهيجي ويوسف البحراني، في هذا المضمار، بأنّ الاختلاف الموجود في الرِّوايات أو صدور الأحكام المتعددة في شأن المسألة الواحدة، لم يكن ناجماً عن وضع الأحاديث وتزويرها، وإنما قام الأئمة أنفسهم بذلك عن وعي ومصلحة، بغية خلق حالة من الاختلاف بين الشيعة حول قضية واحدة، وإبداء أحكام متعدِّدة لها من أجل إسقاط اعتبارهم لدى العدو، وبالتالي حمايتهم من الأذى وعاديات الحكام، وبالنتيجة فإن وجود التقيّة لا يسلب من الرِّوايات والأخبار حجيتها واعتبارها (45).
الثانية: وهي زاوية بالغة الأهميّة، وتتصل بالبعد المعرفي لاستنباط الأحكام
________________________________________
(43)محي الدين الغريفي، قواعد الحديث، مكتبة المفيد، قم، ص 131.
(44)بحثت قطعية روايات الكتب الأربعة الحديثية أو عدم قطعيتها في كثير من الكتب ذات الاهتمام بمسألة الدراية والرجال. انظر على سبيل المثال: أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث، دار الزهراء للطباعة والنشر، بيروت، 1989، ج1، ص 17 ـ 36.
(45)يوسف بن أحمد البحراني، الدرر النجفية، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ص 162 ـ 165، وكذا منية الممارسين، ورقة رقم 55، إذ يذكر في هذا المضمار بعض الأحاديث منها: «قد قيل للصادق (عليه السلام) : إني خلفت أصحابك مختلفين.. قال: أناخالفت بينهم، ثم يقول: إنه إذا كان الاختلاف من الأئمة وكان ذلك بسبب التقية فلا يرد إشكال. طبعاً هكذا اختلاف يفرق مع الاختلاف في المسائل الاجتهادية التي تنهض على بعض من أصول الفقه العامة، والقواعد العقلية في الاستنباط.

[الصفحة - 221]


الشرعية، ذلك أن الإخباريين ـ وفي بحثهم في أصل مشروعية استنباط الحكم وكيفيته ـ يعدّون وجود عنصر يدعى التقية عاملًا ردعياً أو محدِّداً؛ بمعنى أننا لو قبلنا: «بأن كل واقعة إلى يوم القيامة لا تخلو من حكم شرعي ظاهراً كان أم مستوراً»، فكيف يمكن ـ كسائر المجتهدين الأصوليين ـ الاستناد إلى «أصالة العدم»؟!
ويتوسّل فقهاء النظام الحقوقي لأهل السنة ـ ومن أجل إثبات حكم شرعي في قضية ما، وبعد اليأس من العثور على حكم قطعي لها في الكتاب والسنة ـ بمجموعة من القواعد العقلانية من قبيل القياس والاستحسان، معالجين بذلك النقص الحاصل في المصادر التشريعية، وغالباً ما يتم هذا بالاستناد إلى «أصالة العدم»، أي أن عدم العثور على حكم قطعي، أو دليل شرعي لقضية ما يدلّ على عدم وجوده، وبهذا تتبلور قاعدة «عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود». أما في النظام الحقوقي للشّيعة، فإن التمسك بهذه القاعدة يواجه إشكالًا جدِّيَّاً؛ ذلك أنه، وكما ورد في الروايات، لا توجد واقعة جزئية كانت أم كليّة إلّا ولها حكم شرعي، غير أنه وبسبب الظروف الصَّعبة التي عاشها الأئمة جرى الاحتفاظ بها انتظاراً لظرف مناسب يمهِّد لبيانها. ومن هنا فإن عدم صدور حكم معيَّن من قبل الأئمة، لا يدلّ على عدم وجوده أبداً، بل إن الظروف هي التي حالت دون صدوره وبيانه، وبهذا يعاد تشكيل القاعدة: «عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود».
وخلاصة القول، وانطلاقاً من مرتكزات الشيعة، لا يمكن للفقهاء في حالة عدم عثورهم على حكم قطعي لمسألة ما التمسك ببعض الأصول الاجتهاديَّة أو العقلية (46).
وهنا، يعمد الإخباريون ـ بغية تفادي إشكاليّة عدم جواز تأخير بيان طائفة من الأحكام (47)، لما ينجم عن ذلك من عسر وحرج وعدم انسجام ذلك مع كثير من الروايات التي تفيد وجوب تبليغ العلم وحرمة كتمانه ـ إلى الإشارة إلى التقية بوصفها مبدأً يجيز التأخير في بيان الأحكام، وإلى أنّ ذلك لا يستلزم أي عسر وحرج، إذ يمكن التمسُّك بالاحتياط في حالة عدم صدور الحكم الشرعي. أما في ما يرتبط بالروايات الدالَّة على حرمة كتمان العلم فقد وجد الإخباريون في مقابلها روايات أخرى تسوّغ كتمان العلم والتأخير في بيانه (48).
________________________________________
(46)يوسف بن أحمد البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص 45.
(47)إشارة إلى القاعدة المعروفة «لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة»، ويذكر الشيخ عبد الله السماهيجي هذه القاعدة بوصفها وجهاً من وجوه تمايز الإخباريين عن المجتهدين؛ بمعنى أن الإخباريين يقولون بجواز التأخير، أما عموم المجتهدين فيقولون بعدم جواز ذلك. (منية الممارسين، وانظر كذلك أجوبة مسائل الشيخ ناصر الجارودي، نسخة مخطوطة، مكتبة المرحوم المرعشي النجفي، رقم 6322).يقول محمد أمين الاسترابادي في هذا المضمار: إن وظيفة الشارع، وطبقاً لقواعد المذهب الإخباري، أحد أمرين، إما بيان مراده في وقت الحاجة أو نصب شخص يقوم بشرح الأحكام الشرعية وبيانها. والشارح المنصوب من قبل الله أيضاً لا يجب عليه ذلك قبل أن يُسأل، وحتى لو سئل أحياناً فإنه لا يجب عليه (الجواب) رعايةً لبعض الضرورات (حاشية محمد أمين الاسترابادي على معارج الأصول للمحقق الحلّي، نسخة خطية، مكتبة المرحوم ملك رقم 1013، ص 8).
(48)يوسف بن أحمد البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص 160 و161، وينقل عبد الله السماهيجي في هذا المضمار حديثاً عن الإمام الباقر في تفسير آية فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون في أن بيان الأحكام إنما هو وظيفة الأئمة غير أنها واقعة في دائرة صلاحياتهم (يعني أنه لا يجب عليهم تقديم إجابة عن كل سؤال)، ويشير إلى الاختلاف في الآراء بين الأصوليين والإخباريين، ويستند إلى بعض الروايات الواردة عن الأئمة في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ثم يقول: إنَّه حتى الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي (الذي له آراء قريبة من المذهب الإخباري) يعتقد بأنَّه لو نقل ألف حديث في جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا ينبغي العمل بمفادها، لأن القول بالجواز يتعارض مع الأدلّة النقلية والعقلية، ويضيف السماهيجي بعد ذلك أن كلامه حالة من الاجتهاد في مقابل النص، لأن عدد النصوص كثير أيضاً.والسماهيجي، ومن أجل إيجاد حالة من التوافق بين الروايات الدالة على حرمة كتمان العلم وتلك الدالة على جواز الكتمان، يشير ـ وبالإضافة إلى اعتبار روايات المجموعة الأولى عامّة وروايات المجموعة الثانية خاصّة ـ إلى رأي جاء في حاشية أصول الكافي في إمكانية العمل بالمناهج الدالة على وجوب تبليغ العلم وحرمة الكتمان في حالة عدم ترتب مفسدة أو ضرر في ذلك، لأنه في حالة حصول ضرر أو ترتب مفسدة تقدم الروايات الدالة على جوازالكتمان على تلك الدالة على وجوب التبليغ (منية الممارسين، ص 146).

[الصفحة - 222]


وكما لاحظنا، بدت إلى جانب مشكلة «محدودية الأحكام إزاء لا نهائية الحوادث» ظاهرة أخرى هي: «تعليق بيان الأحكام الشرعية»، والتي يستدعي فهمها تقديم مشهد أكثر دقَّة عن الأسس المعرفيَّة للفقه الشيعي؛ الأمر الذي يستدعي هو الآخر الالتفات إلى قضية غيبة الإمام الثاني عشر وآثارها الكلامية.
وعلى أية حال، فقد سوّغ الفقهاء الأصوليون ـ وبعكس الإخباريين ـ الإفادة من بعض الأصول العقلية حالة فقدان الدليل على الحكم الشرعي، وسرعان ما تحوَّلت هذه المسألة ـ التي عرفت في ما بعد بأصل البراءة أو بالبراءة العقليَّة ـ إلى محورٍ للجدل بين الإخباريين والأصوليين (49).
«الحسن والقبح العقليَّان» و «المستقلّات العقليَّة»
طرح عموم الفقهاء العقل بوصفه مصدراً مستقلًّا في التشريع، ونشأ عن ذلك مبدأ «الحسن والقبح العقليين»، وفي ما بعد «قاعدة الملازمة»، أي استنتاج حكم شرعي من آخر عقلي منطلقاً في الاستناد كدليل. وفي الوقت الحاضر، يقسم فقهاء الإمامية مباحث الدَّليل العقلي إلى قسمين رئيسيَّين:
1 ـ المستقلَّات العقليَّة.
2 ـ غير المستقلَّات العقليَّة.
والمقصود من المستقلَّات العقليَّة مجموعة الأحكام التي بإمكان العقل بمفرده استنتاجها، بخلاف غير المستقلات العقليَّة التي هي قضايا أو أحكام ليس بمقدور العقل وحده استنتاجها، بل إنه يستمد من الشَّرع العون من أجل ذلك.
وسنبحث، في قسم المستقلَّات العقليَّة، مسألتين، ترتبط إحداهما بالدائرة الكلامية، فيما تحمل الأخرى صبغة فقهية، وهي لذلك مطروحة عموماً في كتب علم الأصول.
المسألة الأولى، وهي المسألة التي اشتهرت بـ «الحسن والقبح العقليين»، فمنذ القدم راود المتكلِّمين هذا السؤال: هل أن الأفعال الإرادية للإنسان تتصف، وبغض النظر عن الحكم الشرعي، بالحسن والقبح؟ وهل ثمة منبع أو دليل مستقل
________________________________________
(49)الوحيد البهبهاني، الرسائل الأصولية، ص 349 ـ 1382 (باب في ما لا نص فيه).

[الصفحة - 223]