البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءة في كتاب: «الإمام جعفر بن محمّد الصَّادق (عليه السلام) بين الحقيقة والنَّفي»

الباحث :  أ. خالد توفيق
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  28
السنة :  السنة السابعة شتاء 1423هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1681
قراءة في كتاب:
«الإمام جعفر بن محمّد الصَّادق (عليه السلام)
بين الحقيقة والنَّفي»

أ. خالد توفيق (*)

يمكن تركيز الشَّواغل الأساسية، التي انتظمت محاولة الباحث الفلسطيني د. زهير غزاوي، في هذا الكتاب (1)، في إطار المحاور الثلاثة الآتية:
1 ـ المقدِّمات التمهيدية.
2 ـ محاولة تقديم المنظومة الفكرية للإمام الصادق (عليه السلام)، ومن خلالها مرتكزات المعتقد الإسلامي نفسه، عبر كتاب «الأصول من الكافي». وفي هذا الجزء من الكتاب مرّ المؤلف بأبرز المقولات التي احتدم حولها الخلاف بين المسلمين، وتحوَّلت إلى نقطة افتراق في صياغة الأطر الفكرية للمذاهب الإسلامية الكبرى، وبخاصة قضية الإمامة.
3 ـ الإطلالة على الساحة الفكرية العربية وما تزدحم به من تيارات، انطلاقاً من طبيعة تعاطيها مع حياة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)بخاصَّة، ومع التشيع بعامَّة.
هذه باختصار هي الهيكلية العامة التي تؤطر كتاب الباحث الفلسطيني د. زهير غزاوي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، الذي صدر بعنوان: «الإمام جعفر بن محمد الصادق بين الحقيقة والنفي: دراسة في جدلية صعود مدرسة أهل البيت».
ما نسعى إليه، في هذا المقال، هو تقديم صورة عن هذه المحاور الثلاثة، إضافةً إلى ما يخطر لنا من ملاحظات ناقدة خلال ذلك.
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)د. زهير غزاوي، الإمام جعفر بن محمد الصادق بين الحقيقة والنفي: دراسة في جدلية صعود مدرسة أهل البيت، دمشق 1998، 288 صفحة من القطع الكبير.

[الصفحة - 165]


1 ـ المقدِّمات التمهيدية
على الرُّغم من تعدُّد العناوين التي عالجها البحث، في هذا الجزء من الكتاب، فمن الواضح أن همّة الباحث قد انصبت على مسألتين أساسيتين، هما:
أ ـ مسألة التدوين بمعناها العام الذي يتجاوز الحديث الشريف إلى بقية المعارف والعلوم الإسلامية.
ب ـ نشوء المذاهب وعلاقة ذلك بالسلطة.
أ ـ عصر التَّدوين
لا يقصد المؤلِّف من التدوين البحث المثير الذي اكتنف ضبط الحديث النبوي الشريف، انطلاقاً من قرار مؤسسة الخلافة في منع ذلك والمعاقبة عليه، بذريعة الحفاظ على تميّز النص القرآني والحفاظ عليه من الاختلاط مع النص النبوي (2)، بل يقصد به مدلوله الحضاري الذي يتخطَّى هذه التخوم ليكوّن إطاراً مرجعياً يضم ثمار العقول ومنتجات الفكر بجميع ضروبه، ما يرسم للمجتمع مساره، ويؤثر في ما بعده من الأجيال، وبتعبير أحد الدارسين المعاصرين ممن سيكون مشروعه الفكري عرضة لنقد باحثنا الغزاوي، فإن عصر التدوين في مسار ثقافة الفكر الإسلامي، هو الأساس و «إنه الإطار المرجعي الذي يشد إليه، بخيوط من حديد، جميع فروع هذه الثقافة، وينظم مختلف تموجاتها اللاحقة إلى يومنا هذا» (3).
يلحظ بعض الباحثين أن حركة لتنظيم العلوم، في هذا المستوى، لا يمكن أن تنطلق من جهود فردية، بل تبقى رهن قرار من السلطة. وإذا عرفنا أن السلطة عند المسلمين هي التي اتخذت في عهد الخليفتين: الأول والثاني قراراً بمنع تدوين الحديث النبوي الشريف بوصفه إلى جوار القرآن الكريم مصدر العلوم في ذلك العصر؛ هذا القرار الذي امتد مفعوله نحو قرن أو أقل، فسيكون من الطبيعي أن تحتاج العملية لكي تتحول إلى مسار عام، إلى قرار آخر يهبها «المشروعية»، ويعطيها الدفع الكافي الذي تحتاج إليه، وهذا ما حصل.
فقد بادرت السلطة على عهد عمر بن عبد العزيز (99 ـ 110هـ) إلى رفع
________________________________________
(2)ينظر في هذا المجال: علي شهرستاني، منع تدوين الحديث: أسباب ونتائج، مؤسسة الإمام علي، قم 1418هـ، أيضاً: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، تدوين السنة الشريفة، مركز النشر: مكتب الاعلام الإسلامي، قم 1413هـ.
(3)محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، بيروت: دار الطليعة، 1984، ص 62.

[الصفحة - 166]


الحظر عن تدوين الحديث النبوي، والإيذان بتحويل الموروث الشفوي وما كان يتم تناقله من محفوظات إلى مصنفات وكتب. ثم اطّرد تدخل السلطة على هذا الخط في العهد العباسي؛ حيث بادرت الدولة، في عهد المنصور الذي ولي الخلافة في سنة (136هـ)، إلى تبني عدّة مشاريع لكتابة السيرة والتاريخ وما يلابسهما من تداخلات تفسيرية انتهت إلى صوغ عقيدة الناس وصب معتقداتهم حتى الفقهية في إطار خاص.
«قال الذهبي: في سنة ثلاث وأربعين ومئة شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة (رحمه الله) الفقه والرأي. ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب، وكثُر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتأريخ وأيام الناس» (4).
يتعامل المؤلف مع مصطلح «عصر التدوين» بمدلوله الحضاري الشامل الذي لا يقصره على الحديث النبوي وحده، بيد أنه يرفض أن يكون القرن الثاني بداية هذا العصر، فضلًا عن أن تكون سنة 143هـ هي البداية فيه، بل يختار نقطة انطلاق أخرى لفاعلية الفكر الإسلامي وتوالي الاشتغال والتأليف والتصنيف في علوم الدين، ترجع إلى العصر النبوي نفسه، إذ من غير المعقول أن تبقى العقول جامدة والقرائح معطَّلة والتدوين غائباً طوال ما يتجاوز القرن والنصف. يكتب مدلِّلًا على رفضه للتحديدات السائدة التي تقرن بداية عصر التدوين بالقرن الثاني، أو بالعام 143هـ، ما نصه: «فإن أحد المؤرخين، وهو الذهبي، اعتبر بداية هذا العصر عام 143هـ، لكن نصوصاً أخرى وردت في المراجع العربية، دون قصد تحديد هذه المرحلة، أقرَّت بأن التدوين بدأ قبل ذلك بزمن بعيد، خاصة لدى مدرسة أهل البيت، وفي حياة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) من قبل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)» (5).
ما فائدة هذه النقطة، وما أهمية أن يكون عصر التدوين قد بدأ في هذه الحقبة من الزمان أو تلك؟ لقد استند الكاتب إلى هذه المقدمة واستدل بها لإثبات نتيجة مزدوجة، تفيد في شقها الأول أن عصر الإمام الصادق (عليه السلام)الذي شهد ازدهار
________________________________________
(4)جلال الدين السيوطي، تأريخ الخلفاء، القاهرة، 1976، ص 416.
(5)الإمام جعفر الصادق، ص 15. وينظر في هذا المجال: تأليف السيد حسن الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، شركة النشر والطباعة العراقية المحدودة، طبعة مصورة.

[الصفحة - 167]


العلوم الإسلامية ما هو إلا امتداد لخطٍّ وضع لبناته جده الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما شكَّل حلقةً متكاملة، واستمرارية هذا المسار، وإن واجهته عقبات حادة أدت إلى بطئه، بفعل المناخات السياسية المعروفة، إلّا أنه لم يتوقف، بل كانت حلقاته تتوالى إلى أن بلغت إحدى ذراها مع الإمام الصادق (عليه السلام).
على أساس هذه الرؤية التي تنظر إلى معارف الإمام الصادق (عليه السلام)بوصفها امتداداً للعلم النَّبوي والمعرفة العلوية، تعاطى المؤلف مع الميراث العلمي الضخم الذي تركه الإمام في عصره، على مستوى مختلف حقول المعرفة.
كما ابتغى، أيضاً، في الشق الثاني من النتيجة المتوخَّاة، أن يكشف زيف التأريخ الرسمي لتدوين العلوم؛ هذا التأريخ الذي امتثل لقرار مؤسسة الخلافة في منع تدوين الحديث، ثم عاد مجدَّداً لينفِّذ خطتها في استئناف التدوين. والهدف في المرتين؛ أي في منع التدوين واستئنافه سلطوياً، هو إقصاء معارف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته (عليهم السلام)، ومنع الأمَّة من أن تنهل من العين الصافية المستمدة من الوحي والمتصلة به، وسوقها إلى إطار معرفي يشوبه الانحراف محتوىً ومنهجاً.
أراد الكاتب أن يرفض هذه الرؤية التي تجعل المعرفة الإسلامية رهن قرار السلطة تعبث بها كما تشاء، ليقول: «إن للعلوم الإسلامية مساراً آخر بعيداً عن مصادرات مؤسسة الخلافة وإسقاطاتها، هو الذي تمثله علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وبخاصَّة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)»(6).
ب ـ المذهبية والسلطة
بناء على ما انتهى إليه المؤلف، في المقدمة السابقة، لاحظ بحق ازدهار ما أسماه مدرسة المدينة المنورة، التي استطاعت «تكوين مركز هادى للدراسة وبلورة مرجعية إسلامية شاملة» (7)؛ حيث بزغ دور الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)وما تركا من تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة على الآخرين بمن فيهم أئمة المذاهب الأربعة. فمالك بن أنس (93 ـ 179هـ) ولد وعاش في المرحلة نفسها التي تألق فيها دور الإمام الصادق، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت (80 ـ 150هـ)، فهو وإن ولد في الكوفة وترعرع في العراق إلا أنه رحل إلى الإمام الصادق وتتلمذ له، أو تلقى عنه
________________________________________
(6)الإمام جعفر الصادق، ص 22 وما بعدها.
(7)م.ن.، ص 16.

[الصفحة - 168]


لمدة سنتين كاملتين. وإذ نعرف أن محمد بن إدريس الشافعي (150 ـ 204هـ) وأحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ) كانا تلميذين لأبي حنيفة ومالك، فستكون النتيجة أن أئمة المذاهب الأربعة إما أنهم عاشوا في كنف الإمام الصادق (عليه السلام)أو أنهم تأثروا بمناخاته العلمية بالواسطة.
إزاء ذلك كله يخلص الباحث إلى إثارة السؤال الآتي الذي يلخص لنا أهمية البحث في هذه المقدمة: «لماذا انفصل الجميع عن الأستاذ جعفر بن محمد في بعض نواحي الاجتهاد، أو الوصول إلى نتائج تخالفه، وعلى رأسها رفضهم اعتبار «الإمامة» أحد أركان الإسلام، أو الركن الخامس كما يقولون، مما حقق فرزاً حاسماً في الدين الإسلامي بين سنة وشيعة؟» (8).
تتلخص الإشكالية المركزية التي يتضمّنها السؤال بما يأتي: إذا كان الإمام الصادق (عليه السلام)يمثل للمسلمين ولعلمائهم جميعاً معيناً معرفياً في العلوم الإسلامية مجدولًا بالوحي وموصولًا بجدِّه رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، وإذا كان تفوُّقه في العلوم مشهوداً للجميع، وإذا كان نشاطه العلمي يمثّل استمرارية لا انقطاع فيها بدأت منذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ووصلت إليه، ثم دامت من بعده، من دون أن تتأثر بقرارات مؤسسة الخلافة ورؤيتها لمصير العلوم الإسلامية؛ إذا كان للإمام الصادق (عليه السلام)كل هذا التألق العلمي والتميز المعرفي في عصره، فلماذا خالفه الآخرون بمن فيهم مَن عاصره ممَّن تحوَّلوا في ما بعد إلى أئمة لمذاهب مشهورة؟ هل تمت هذه القطيعة أو الابتعاد على أسس علمية؟ وهل لمس هؤلاء «عجزاً» عند الإمام أو «عدم كفاءة» في جانب من جوانب المعرفة؟ إذا لم يكن الأمر كذلك؛ فلماذا تخلَّف هؤلاء عن النسق الذي قدمه الإمام للإسلام، وهو ابن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)؟
عند هذه النقطة يسجِّل المؤلف بحق أن المسألة في ابتعاد من ابتعد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وتقاطع معه في الإمامة وغيرها من معارف الإسلام في الأصول والفروع، لم تتم على أساس علمي، بل كانت نتيجة للتمذهب السياسي وتحقيقاً لرغبة السلطة وإرادتها. فالإمام اءُقصي بدوافع سياسية، وابتعد عنه من ابتعد خوفاً من السلطة وخشيةً من بطشها، أو رغبة في ما عندها، وإن كان قد تم إخراج هذا الموقف السياسي عبر ذرائع دينية ومن خلال أطروحة التمذهب السياسي في الدين.
________________________________________
(8)م.ن.، ص 16.

[الصفحة - 169]


صحيح أن المذاهب الأربعة لم تكتسب في عصر الإمام شخصيتها، بوصفها كيانات مستقلة (وبخاصَّة الشافعي والحنبلي)، وأن مؤسسة الخلافة لم تكن قد اتخذت بعد قراراً بإغلاق باب الاجتهاد وتوزيع جمهور الأمة على مذاهب بعينها من دون غيرها (9)، لكن السلطة كانت مستمرة في جهودها لبناء مرجعية إسلامية في الأصول والفروع بعيدة عن مرجعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقريبة لقناعاتها.
استناداً إلى هذا، ينتهي الكتاب إلى أن انفضاض الآخرين عن الإمام الصادق (عليه السلام)لم يجىء على خلفيَّة تميّز هؤلاء علمياً عنه أو تفوقهم عليه، بل تم بفعل سياسة مؤسسة الخلافة في إقصاء أئمة أهل البيت (عليهم السلام)عن المرجعية العلمية للأمة وإنشاء مرجعية إسلامية علمية بديلة عنهم، شهد عصر الإمام جهوداً حثيثة في تكوينها، وبخاصَّة بعد أن تجاوز العباسيون المرحلة الانتقالية الحرجة (10).
بعد هاتين المقدمتين ينهي المؤلف هذا الجزء من الكتاب بالمرور على محطات بارزة من حياة الإمام وأقواله (11)، قبل أن ينتقل إلى الجزء الثاني.
2 ـ المنظومة الفكرية
ليس في الكتاب عنوان بهذه الصيغة، وإنما اختار الكاتب عنوان: «الإمام الصادق في أصول الكافي»، ثم استعرض تحته مقولات رئيسية تدخل في موضوع العقيدة وتفصيلاتها.
فبعد تمهيد موجز عن كتاب الكافي، وبخاصَّة أصوله وما يحظى به من مكانة متميِّزة، مكث المؤلف مع المقولات الآتية: العقل، فضل العلم، التوحيد وجذور علم الكلام، الذات والأسماء، البداء، الخير والشر، والجبر والقدر، نظرية الإمامة، الإمامة والغيبة، فلسفة الدعاء والقضاء (12).
ما قصده المؤلف، في هذا الجزء من الكتاب، هو التركيز على كثافة إسهام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)في تغطية هذه المنظومات وصياغة ما يتصل بها من أفكار ومفاهيم ومواقف، ذلك أن «أبرز ما يثير انتباه الباحث، رجوع الجامع في متونه )يعني به مؤلف الكافي( في القسم الأعظم مما روي فيه من الحديث، إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق» (13)حسبما يسجل المؤلف.
________________________________________
(9)ينظر على هذا الصعيد: الشيخ آغا بزرك الطهراني، تأريخ حصر الاجتهاد، قم: مطبعة خيام، 1401هـ.
(10)الإمام جعفر الصادق، ص 20 وما بعدها.
(11)م.ن.، ص 26 وما بعدها.
(12)م.ن.، ص 37 ـ 63.
(13)م.ن.، ص 32.

[الصفحة - 170]


حاول الكاتب استكمال هذا الجانب في جزء لاحق جاء تحت عنوان: «مدرسة الإمام الصادق في علم الكلام الإسلامي في عصره الذهبي» (14)، كان الغرض منه استيعاب المزيد من علوم الإمام ومعارفه في هذا الحقل، إلّا أن التوفيق لم يحالفه في ذلك، لاستغراقه في مقدِّمات واستطرادات لم تترك له إلّا فرصة عابرة لنقل شيء يسير من نصوص الإمام الصادق (عليه السلام).
لقد خصص الكتاب لعناوين كبيرة كالعقل، والتوحيد، والذات والأسماء (وهي من البحوث التوحيدية، وبخاصَّة التوحيد الأفعالي) والبداء، والجبر والاختيار، والقضاء والقدر، ومسألة الشرور، ونظرية الإمامة والغيبة، خمساً وعشرين صفحة. وهذا القدر الضئيل من الصفحات إزاء تلك العناوين الكبيرة والمثيرة يسمح لنا بأن نحكم على طبيعة المعالجة بدءاً، وأنها جاءت سريعة وعجلى، في حين كان بمقدور المؤلف أن يقتطع مساحة واسعة من القسم الثاني من الكتاب الذي خصصه للتيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة وسبل تعاطيها مع الإمام والتشيع، يتوفر عبرها على تغطية موضوعاته هذه، ما دام الكتاب مخصصاً للإمام الصادق، وما دامت هذه القضايا هي من الأهمية بمكان في النسيج العقيدي، وما يدخل فيه من مكونات وعناصر.
لكي تكون هذه الملاحظة وافية بالمقصود من دون أن تبخس الكتاب ومؤلِّفه حقَّهما، نمر في ما يأتي ببعض هذه العناوين:
أ ـ مقولة العقل: الفكرة الرئيسية التي طرحها الكتاب، هنا، هي أن الإمام الصادق يعرف العقل بلوازمه. وعندما نعود إلى مقدمة المؤلِّف نجده يسجل نصاً: «الإمام الصادق واضع أسس المدرسة العقلانية في الأيديولوجيا الإسلامية. فالعقل لا يعني الالتزام بمعطيات الحواس والتجريب وحسب، إنه أشمل من هذا المعنى. لقد سبق الإمام مرحلة الترجمة والقراءة من المحفوظات تأريخياً، وبهذا الاعتبار فلم يكن تلميذاً لمدارس العقلانية اليونانية أو المشرقية الهندية والفارسية والصينية، فلا يمكن ترجيح توصيفه بدارس متأثر بهذه المدارس لأنه لم يقرأها رغم توصيف أصحاب كتب المناقب له بمعرفته للعديد من اللغات» (15).
________________________________________
(14)م.ن.، ص 67 ـ 88.
(15)م.ن.، ص 9.

[الصفحة - 171]


من يطالع القسم الثاني من الكتاب يلمس بوضوح معرفة المؤلِّف بالتيارات الفكرية التي تطفح على الساحة، كما نلحظ في كل جزء من أجزاء الكتاب حرص كاتبه على ربط الحاضر بالماضي ووصل الاثنين في إطار شواغل الحاضر وهمومه، الأمر الذي كان يؤهِّله تأهيلًا كاملًا لفعل الأمر نفسه مع موضوع العقل والعقلانية، لا سيما مع ملاحظة ما ذكره في المقدمة من أن الإمام الصادق (عليه السلام)هو واضع أسس المدرسة العقلانية في المنظومة الإسلامية. لا أعرف لماذا لم يفعل ذلك سواء في فقرة العقل أم في بقية عناوين هذا الجزء التي توفر فيها على مقولات البداء، والجبر والاختيار، والقضاء والقدر، والإمامة، وما إلى ذلك من مقولات غنية بالتنظير العقلي؟
العقلانية، في عصرنا، لافتة كبرى تضم تحت لوائها جميع تيارات الفكر، فما من أحد إلّا وهو يتمسَّح بها بغض النظر عن انتماءاته ومنطلقاته المعرفية والمنهجية وحتى اصطفافاته الاجتماعية والسياسية، إذ الكل يتحدَّث عن العقل والعقلانية. لذا كم كان حريَّاً بالمؤلِّف أن يشبع هذه الدائرة بحثاً ويربط عبرها الحاضر بالماضي؟
لكل كاتب الحرية في اختيار المنهج الذي يشاء وتحديد مرامي كتابه والأهداف التي يتوخاها، لكن ما دام المؤلِّف قد انطلق من اقتناع ينصّ على أن الإمام هو واضع أسس مدرسة عقلانية، وأنه أبدى حرصاً على عدم تغييب هموم الحاضر وشواغله، فقد كان جديراً به أن يمكث مع قضية العقل أكثر مما فعل، حيث لم يولها في كتابه إلا أقل من صفحتين. فلو عدنا مثلًا إلى أحد شراح أصول الكافي، صدر الدين الشيرازي (ت 1050هـ) لوجدناه قد مهد لدراسة العقل عند الإمام وتناوله في روايات الكافي، بمقدِّمات مكثَّفة طاف خلالها في معاني العقل وتحديداتها، من بعد أن قال: «إن الناس قد اختلفوا في حدّ العقل اختلافاً كثيراً واضطربوا في تحقيق معناه» (16).
ثم عكف على بيان أبرز تلك المعاني والتحديدات، فذكر من معانيه المشتركة في الاسم ستة معانٍ، ومن معانيه المختلفة بالتشكيك عدة معانٍ، دلف على خلفيتها إلى شرحه التفصيلي للروايات الأربع والثلاثين التي يضمها أصول الكافي في باب العقل والجهل (17).
________________________________________
(16)صدر الدين محمد بن ابراهيم الشيرازي، شرح أصول الكافي، عني بتصحيحه محمد خواجري، مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية، طهران 1987، ج1 (كتاب العقل والجهل)، ص 222.
(17)م.ن.، ص 222 وما بعدها.

[الصفحة - 172]


أما كاتب مقدمة شرح أصول الكافي، علي عابدي شاهرودي، فقد خصص لمبحث العقل ما يناهز المئة صفحة من تقديمه المطول، استعرض خلاله معاني العقل في الموروث الإسلامي فلسفياً وكلامياً ثم أصولياً، كما مرّ بمعانيه في الفلسفة الغربية لتكتمل الصورة التي يعطيها بين الشرق والغرب، بالإضافة إلى بحوث تفصيلية مكثفة ونافعة، جاءت بمنزلة مفتاح للولوج إلى باب «العقل والجهل» وما يضمه من أحاديث في كتاب أصول الكافي (18).
اعتقد جازماً لو أن المؤلف دلف هذا الباب على خلفية معرفته بالكتابات المكثفة التي يشهدها العالم العربي عن العقل والعقلانية وكثرة المشاريع التي برزت، في هذا المضمار، وتحت عنوان العقلانية النقدية، لجاءت الحصيلة بحثاً نافعاً وممتعاً على هذا الصعيد، لا يقل في أهميته عن البحث الذي خصصه في القسم الثاني من الكتاب لمناقشة محمد عابد الجابري وعلي سامي النشّار وأحمد صبحي وغيرهم ممن ذكر.
ب ـ الجبر والاختيار: ترتبط مقولة الجبر والاختيار بالتوحيد الأفعالي في ما يفيده من ضرورة الإيمان بأنه ما من فعل في الوجود طبيعي أو اختياري، علة كان أم معلولًا، يصدر عن موجود مجرد أو مادي، شاعر كان الفاعل أم لا؛ إلّا وهو بإرادة الله (سبحانه) حدوثاً وبقاءً، فكل شيء قائم به، وهو القيوم المطلق، ولا حول ولا قوة ولا تأثير إلّا به وبإذنه.
على خلفية هذا الإيمان الذي يقر بحق أن المؤثر بحقيقة معنى الكلمة هو الله، لا مؤثر في الوجود إلّا هو، تنبثق إشكالية عويصة. فالإنسان يلمس بوجدانه، ومن خلال الشواهد الحسية، وجود تأثير لأسباب وعوامل تتحرك في الطبيعة وعلى مستوى الوجود الإنساني نفسه، وحينئذٍ كيف يتم التوفيق بين ذلك الإيمان وهذا التأثير؟
عالج الفكر التوحيدي المسألة في نطاقين، هما:
الأول: دائرة الفواعل الطبيعية: لقد أفرز فكر المسلمين تيارين أو مدرستين أو اتجاهين رئيسيين إزاء الفواعل في النطاق الوجودي هما: الاتجاه الأشعري، والاتجاه الآخر الذي يضم في قاعدته الشيعة الإثني عشرية والمعتزلة على فرق بين الاثنين في طبيعة القراءة التي يقدمها كل فريق منهما لمقولة التأثير.
________________________________________
(18)م.ن.، المقدمة، ص 30 ـ 74 ومواضع أخرى.

[الصفحة - 173]


إذا أردنا تلخيص الموقف الأشعري بكثافة شديدة فإنه ينكر مبدأ السببية، ليبقى وفياً لإيمانه في نفي تأثير أي فاعل في الوجود غير الله سبحانه. فالأفعال الكونية عند الأشاعرة كلها جائزة لا ترتيب لها ولا نظام، ولا علية ولا معلولية ولا ملازمة بين الاثنين. إلى هذا المعنى ذهب منظرو الأشعرية الفكرية، ومنهم أبو حامد الغزالي (ت 505هـ) الذي يلخص د. جيرار جيهامي موقفه بما يأتي: «نحن نعلم أن الغزالي انتقد مبدأ السببية الطبيعية منكراً كل ضرورة أو حتمية تسيّر مجرى الأحداث في الكون، وهو يقول بهذا الصدد: إن الاقتران بين ما يسمى في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا» (19).
مشكلة الأشاعرة أنهم تصوروا أنَّ إثبات فاعلية شيء غير الله يتنافى مع الفاعلية الإلهية؛ وذلك نتيجةً لخلطهم بين العلل الطولية والعرضية.
أما الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والمعتزلة فهما يتحدان في موقف مناهض للأشاعرة، ويقفان على أرضية نظرية واحدة تؤمن بفاعلية الأسباب الطبيعية والوجودية. لكن يبقى بين الشيعة والمعتزلة بون شاسع. لقد التزم المعتزلة بقراءة معاكسة للاتجاه الأشعري فسقطوا في الإشكالية الأشعرية نفسها، لكن غاية ما هناك أنهم انحازوا إلى الشق الثاني منها.
توضيح ذلك أن المعتزلة قدَّمت نفي الفاعلية الإلهية ثمناً لإيمانها بمبدأ السببية، تماماً كما ضحت الأشعرية بمبدأ السببية ثمناً لإيمانها باختصاص التأثير بالله وحده. المطلوب مركب نظري يجمع بين التأثير الإلهي ومبدأ السببية معاً، وهذا هو صلب الموقف الإمامي الذي عبّر عنه أئمة أهل البيت، ومنهم الإمام الصادق (عليه السلام).
الثاني: دائرة الفواعل الاختيارية: أفرز الفكر الإسلامي ثلاثة اتجاهات رئيسية على صعيد الفعل الإنساني، توزعت على ثلاث مدارس بارزة هي المدرسة الأشعرية، والمدرسة الاعتزالية، ومدرسة الشيعة الإمامية الاثني عشرية.
اختارت المدرسة الأولى موقفاً يفيد بأن الأفعال التي تصدر من الإنسان هي فعل الله حقيقة، فأنكرت دور الإنسان وآمنت بالجبر على ما يعزى إلى أقطابها كأبي
________________________________________
(19)د. جيرار جهامي، مفهوم السببية بين المتكلمين والفلاسفة (بين الغزالي وابن رشد)، دراسة وتحليل، ط2، بيروت 1992، ص 21.

[الصفحة - 174]


الحسن الأشعري (ت 330هـ) نفسه الذي يقول: «إنه لا خالق إلا الله، وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدّرة... وإن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً» (20).
وكما وصف ذلك الفخر الرازي (606هـ) عند استعراضه لمذاهب المسلمين في خلق الأفعال، وهو يقول: «القول الأول: إن المؤثر في حصول هذا الفعل هو قدرة الله تعالى، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر. وهذا قول أبي الحسن الأشعري وأكثر أتباعه» (21).
الحقيقة لم ينفع الاتجاه الجبري تمسكه بنظرية «الكسب» التي سعى بعض رموز المدرسة الأشعرية إلى التخفيف من خلالها من غلواء الجبر المحض وتصحيح البعثة والنبوة والرسالة والتكليف والثواب والعقاب، لأن الكسب كما يكتب د. حسن حنفي: «لا يختلف عن الجبر، وهو يوضع في كثير من الأحيان معه... يبدأ الكسب بمسلمات الجبر... الكسب اسم بلا مسمى، لفظ بلا معنى، كلمة تشير إلى لا شيء وتكشف عن مجرد الرغبة في إثبات الجبر بطريقة ملتوية» (22).
أما المعتزلة فقد ذهبت إلى أن هذه الأفعال هي فعل الإنسان مباشرة، وعلى نحو الاستقلال، وهذه هي نظرية التفويض في مقابل الجبر الأشعري.
الحقيقة أن المعتزلة اندفعت إلى موقفها التفويضي على خلفية حرصها على موقع العدل الإلهي، ورغبة في تصحيح الثواب والعقاب على أساس مسؤولية الإنسان عن فعله وما يصدر عنه. بيد أن هذا الحرص على وصف الله بعدله أوقعها في محذور كبير، ذلك أنَّها سلبت الله (سبحانه) قدرته وسلطانه!
لقد توسَّطت بين النظريتين نظريَّة ثالثة أنكرت الجبر والتفويض معاً، وقالت قولًا يقع في ما بينهما. وهذه هي نظرية الأمر بين الأمرين التي يتبنَّاها الشيعة الإمامية ويدافعون عنها تبعاً لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومنهم الإمام الصادق (عليه السلام)، ويعدونها منسجمة مع توحيد الخالق من دون النظريتين الأولييين.
إن المتمعِّن في نصوص الإمام الصادق (عليه السلام)، في مناقشتها المكثفة للاتجاهين: الجبري والتفويضي، يسهل عليه أن يلحظ أن هذين الاتجاهين لا يصمدان أمام التمحيص العقلي والمناقشة النقلية قرآناً وسنة. وبتهاويهما يسقط هذا
________________________________________
(20)الإبانة، ص 20، نقلًا عن الإلهيات، السبحاني، ص 612.
(21)محمد بن عمر الرازي، القضاء والقدر، طبعة دار الكتاب العربي، ص 31.
(22)د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، بيروت 1988، 3/117 و118.

[الصفحة - 175]


الاستقطاب الذي مزق الفكر الكلامي للمسلمين، ودفع الأمة إلى التخبُّط وأسهم في ضياعها وتخلُّفها. وبتهاوي الاثنين انفتح الطريق أمام رؤية صافية هي تلك التي تعبر عنها نصوص أهل البيت بمقولة الأمر بين الأمرين.
والمهم في نصوص الإمام (عليه السلام)أن مقولة الأمر بين الأمرين ليست تلفيقاً ساذجاً بين الجبر والتفويض. كلا، ذلك أن الجبر والتفويض ليسا نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولا هما ضدان لا ثالث لهما، بحيث تنبغي الصيرورة داخل أحدهما بالضرورة، بل بينهما منزلة ثالثة هي أوسع مما بين السماء والأرض كما في الحديث الشريف، تهدف أن تطيح بذلك الاستقطاب الوهمي وتفتح عقل الإنسان المسلم على آفاق رحبة.
من هذا المنظور قدَّمت نصوص الإمام تفسيراً للفعل الإنساني حافظ على العدل والسُّلطان معاً، فلم تضحِّ بالعدل من أجل إثبات السُّلطان والملك والمشيئة، ولا فرطت بالسلطان والمشيئة لأجل إثبات الملك.
هذه صورة مختصرة وسريعة للجبر والاختيار بقي الكتاب بعيداً عنها، وهو يتحدث عما أسماه «الخير والشر والجبر والقدر»؛ حيث لم يول هذه العناوين الأربعة إلا صفحتين! (23).
ربما يقال: إن الواقع المعيش قد تجاوز هذه الأمور، ولم يعد يعبأ بها أحد. لكن هذا الكلام غير دقيق لا من جهة الكلام التقليدي ولا من جهة الكلام المعاصر، أو ما يطلق عليه بالكلام الجديد الذي يمس قضايا الواقع الاجتماعي في الوقت الحاضر.
فمن الوجهة المنطقية المحضة، يلحظ أن للرُّؤية الأشعرية التي تكاد تكون هي الرؤية السائدة بين أكثرية المسلمين ـ ما خلا الشيعة ـ بعد انقراض المعتزلة، آثارها السلبية على منظومة الفكر الإسلامي نفسه، وفي الطليعة التوحيد وما يتصل بالعقيدة.
فمع نقض مبدأ السببية وتجميد العلاقة بين الدليل والمدلول، يُغلق الطريق لإثبات الصانع (جل وعلا) وإثبات النبوَّة والكتاب، فلا تصل منظومة الفكر إلى إثبات التوحيد الخالقي حتى بالصياغة الأشعرية نفسها. معنى ذلك بوضوح أن هدم
________________________________________
(23)الإمام جعفر بن محمد الصادق، ص 51 وما بعدها.

[الصفحة - 176]


مبدأ السببية والركون إلى العادة يشمل، في ما يشمله، الرؤية الأشعرية نفسها في موقفها من العقل في دائرتَيْه: الوجودية والإنسانية، إذ بتعطيل العلاقة بين الدليل والمدلول لا سبيل للأشعرية إلى إثبات موقفها النظري حيال الأفعال.
أما من الوجهة الكلامية، فإن هناك تبعات خطيرة ترتبت على المنحى الجبري وسلب الإنسان مسؤوليته عن فعله، في طليعتها إنكار العدل، وإنكار الحسن والقبح العقليين، والإيمان بعدم قبح تكليف ما لا يطاق وغير ذلك.
العقيدي والاجتماعي
حين ننتقل إلى المستوى الاجتماعي، أو إلى التحليل الكلامي المعاصر، فإن التبعات المدمِّرة للجبر تبدو واضحة في واقع المسلمين وطبيعة علاقتهم مع الطبيعة، كما في وضعهم الاجتماعي والسياسي، وبخاصَّة إذا ما قارنَّا ذلك بواقع المجتمعات الغربية. فلا ريب في أن هناك تفاعلًا متبادلًا بين طبيعة الفكر العقيدي وبين اتجاهات السلوك الاجتماعي، حيث يملي الفكر العقيدي تأثيرات مباشرة على الفكر الاجتماعي. وسلوك المجتمعات الإسلامية ليس بعيداً عما تتبناه من عقائد وأفكار تدخل في تكوين رؤيتها إزاء الكون والوجود والحياة. كما لا يمكن أن يكون سلوك المجتمعات الغربية منفصلًا عن رؤيتها الفلسفية للكون والوجود والحياة، على رغم ما يشاع في ثقافة الغربيين من ذم للأيديولوجيا وتنصُّل من الأيديولوجيات، وما يقال من اعتماد نهضة القوم على العلم والعقل وإفرازاتهما وحسب، إذ إنّ هذا التوجُّه المركّز إلى العلم والعقل والإعلاء من شأنهما في الحضارة الغربية جاء متأثراً بلا شك برؤية فلسفية تنظّر لهذا الاتجاه.
وبقدر ما يتعلَّق الأمر بمقولة التقدُّم والتخلُّف، بمعناهما المدني، فلا شك في أن لطبيعة الرؤية العقيدية التي تصدر منها المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية تأثيرها على المنحى العملي لهذه المجتمعات. غير أن ما يلحظ مع الأسف أن مجتمعات المسلمين تعيش على صعيد هذه المقولة الرؤية الأشعرية، وتتعامل من ثمّ مع الطبيعة من حولها وما تزخر به من إمكانات وطاقات بنظرية جبرية تجمد الفعل الإنساني إزاء الطبيعة وتصدّه عن المبادرة والاكتشاف والإبداع، ما ترك آثاراً فظيعة
________________________________________

[الصفحة - 177]


على الواقع الحاضر الذي يعيش فيه المسلمون، تخلفاً مريعاً ينذر بالكارثة، بينما تعيش المجتمعات الغربية في طبيعة علاقتها مع الطبيعة وما فيها حالة النظرية الاعتزالية التي تؤمن بمبدأ السببية، حيث وهبتهم هذه الفلسفة دفعة إلى الإمام، وهي تحثهم على اكتشاف قوانين العالم في مسار راح يتقدم باطّراد من دون توقف، ما كان له تأثيره الكبير على واقعهم الحضاري وما بلغوه من رقي.
إن نسبة المسلمين كل شيء إلى الله، بالمعنى الأشعري، أسهم في تعطيل الفكر الإنساني وتجميد كثير من الأشياء، ما أفضى إلى تأخر فظيع أسهمت فيه ـ بلا ريب ـ عوامل أخرى، لكن بدا كأن المعنى الديني هو في طليعة هذه الأسباب.
أما الغربيون فقد انطلقوا من علاقة عنيدة مع الطبيعة توسلوا فيها بكل ما هو متاح، بعيداً عن الدين ورؤيته في هذا المجال، فجاء ما أحرزوه من تقدم مادي هائل على هذا الصعيد في ظل رؤية توحي بأنَّ ما حصل تم بفعل الابتعاد عن الدين! والحال أن الرؤيتين كلتيهما خاطئتان. فليس في الإسلام ـ إذا ما خرجنا عن نطاق الرؤية الأشعرية ـ ما يمنع من اقتحام الطبيعة، واكتشاف قوانينها، وإحراز التقدم تلو التقدم في مضمارها. كما أن اختزال التقدم بمعناه التقني المادي ـ كما فعلت المدنية الغربية ـ وإسقاط دور الدين لا يمكن أن يشيد حضارة على المدى البعيد، ولا يقدم للحياة والوجود الإنسان معنىً حقيقياً.
المطلوب حركة موازنة تستند إلى فهم مستنير لا يضحِّي بالدين في سبيل التقدم المادي الآحادي، ولا يضحِّي بالمكاسب التي حققها الإنسان في علاقته مع الطبيعة، أو يحرم عليه حق التعامل الاقتحامي العقلاني الخلاق معها باسم الدين، والدين من ذلك براء!
على أن التبعات السلبية تتضاعف على المسلمين أكثر ـ كما هو حاصل فعلًا ـ حينما نضم إليها تلك الآثار الناشئة عن مقولة الفعل الإنساني وتجاذبه بين القضاء والقدر بالمعنى التعطيلي.
لقد كان في خطة هذا المقال متابعة عناوين أخرى مما عرض إليه المؤلف ولم يحظ بالتغطية الكافية التي تليق به، مثل القضاء والقدر، ومقولة الشرّ، وبعض
________________________________________

[الصفحة - 178]