البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدَّولة الأمويَّة وحقوق الإنسان

الباحث :  د. محمد طي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  25
السنة :  السنة السابعة ربيع 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  2941
الدَّولة الأمويَّة وحقوق الإنسان

د. محمد طي (*)

عرف العصر الأموي تدهوراً واضحاً في مجال حقوق الإنسان، إذ لم يعد الحاكم يقيم وزناً لأي أمر يمكن أن يحد من سلطانه أو يؤثر على مصالحه، وهكذا فقد ابتدعت جرائم ومورست عقوبات لم يكن الإسلام ليقرها، بل هو حرمها صراحة، وذلك لأنها تشكل جرائم في حق الإنسان وحق البشرية على وجه عام، فقد مُنع حتى إظهار التذمر، ناهيك عن نقد الحكام. وذُبح الناس ومُثّل بالأحياء والأموات، واستعبد معارضون مسلمون، وساد الفجور والانصراف إلى الشراب مع الجواري واستشرى العبث بمصالح الناس، بل وانتشر التجسس عليهم منذ بدايات هذا العصر، وعبث الخلفاء وعمالهم بالمال العام واعتدوا على المال الخاص، وساد التمييز بوجهه العنصري بين العرب وغير العرب وبين العرب فيما بينهم، وأصبح الرشا عاملًا أساسياً في تحديد موقف القاضي، ناهيك عن الحنث بالعهود وقتل النساء والأسرى.
وكان من سوء طالع الأمويين أن أتوا بعد الإمام علي، الذي أقام نظاماً للحريات والحقوق تحسدنا عليه البشرية اليوم، فكان ذلك عاملًا في إبراز ما ارتكبوه في حق المسلمين. على أننا لا بد من أن نستثني مما نسب إلى بني أمية، عمر بن عبد العزيز، الذي كان علامة فارقة في تلك الأسرة.
وفيما يلي سوف نبين مواقف الأمويين وعمالهم من مختلف الحقوق والحريات التي كرسها الإسلام ترجمة لتكريم بني آدم وعدم إخضاعهم إلا لله وأحكامه.
________________________________________
(*)أستاذ في الجامعة اللبنانية

[الصفحة - 33]


شرعية الجرائم والعقوبات
بدأ التلاعب بالشرائع منذ وقت مبكر من زمن الحكم الأموي، فقد دشنه معاوية عندما أمر بوضع أحاديث وأغفال أخرى إلى درجة إنسائها الناس، ثم عمد إلى توقيع عقوبات لم ينص عليها الشرع، تمثلت بالحرمان من الحقوق وبالقتل وغير ذلك من الممارسات، ثم سار على ذلك النهج حكام بني أمية وغالوا فيه حتى وصلوا إلى سبي المسلمين واسترقاقهم.
وقد بدأ معاوية عملية خطيرة، تقوم على التشجيع على الاهتمام بالشعر وإيلائه العناية القصوى، ليصرف الناس جزئياً عن القرآن، ويدفعهم إلى العودة إلى مآثر أسلافهم بمن فيهم الجاهليين. فكان يقول: «اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم. فلقد رأيتني يوم الهزيمة وقد عزمت على الفرار. فما ردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري:
«أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات وأحمي بعدُ عن عرض صريح» (1)
وبعد هذا راح من الناحية العملية يضرب بالشرع عرض الحائط كلما قضت مصالحه، لا سيما السياسية، بذلك. فهو كي يستميل زياد بن أبيه، يعلنه أخاً له في احتفال أتى إليه بشهود يشهدون أن أبا سفيان ضاجع «سمية» أم زياد المومس في الطائف فحملت وولدت زياداً (2).
ونحن هنا نحاكم الأمر على ضوء مبادىء الشرع الإسلامي، الذي لو أعلن معاوية تخليه عنه لكان الموقف مختلفاً. والشرع يقضي بأن «الولد الفراش» أي أنه يُنسب لأبيه الظاهري ما لم ينازع هذا الأب في ذلك ويثبت خلافه.
أما في مسألة جمع الصدقات، فبعد أن كان الخلفاء الأول يأخذون العفو ولا يرضون أن يستخدموا السوط للحصول عليها، فإن معاوية كان يأمر بقتل من لا
________________________________________
(1)ابن خلكان، وفيات الأعيان، مادة معاوية بن أبي سفيان.

[الصفحة - 34]


يؤديها، فقد وجّه «عبدالله بن مسعدة الفزاري إلى تيماء وأمره أن يصدّق من حربه من أهل البوادي، وأن يقتل من امتنع عن إعطائه صدقة ماله، ثم يأتي مكة والمدينة والحجاز يفعل ذلك»(3).
على أن أخطر ما فعله معاوية هو محاولة التأثير في مكانة رسول الله في أعين المسلمين وذلك في مجالسه الخاصة جداً وذلك بقصد الحط من منزلته تمهيداً للاستهتار بسنته. فقد أورد الزبير بن بكار عن لسان المغيرة بن شعبة أنه قال لمعاوية في إحدى خلواته معه: «أنك قد بلغت سناً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلًا وبسطت خيراً.. ولو نظرت إلى إخوانك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم... فقال: هيهات هيهات، أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل. فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أنه هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر.
وأن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات (أشهد أن محمداً رسول الله). فأي عمل يبقى وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا والله إلا دفناً دفناً» (4).
وظهر الاستهتار بالنبي فيما بعد على يد بعض القادة الأمويين دونما ردع من الخلفاء، فهذا خالد بن عبدالله القسري يسأل الناس في مكة: «أيهما أعظم، أخليفة الرجل في أهله، أم رسوله إليهم. والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، ألا أن ابراهيم خليل الرحمة استسقى فسقاه ملحاً أجاجاً. واستسقاه الخليفة، فسقاه عذباً فراتاً» (5).
وهذا عبدالله بن صيفي يسأل الخليفة هشام بن عبد الملك: «يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك لم رسولك؟
قال هشام: بل خليفتي في أهلي.
قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله إليهم، فأنت أكرم على الله منه». فلم ينكر هذه المقالة من عبدالله بن صيفي» (6).
ولعل ما يتجاوز كل ذلك هو وضع الأحاديث على لسان الرسول أو تشويه الأحاديث الصحيحة، الأمر الذي يؤدي إلى بلبلة المصدر الثاني للشرع الإسلامي الحنيف.
________________________________________
(3)الطبري، التاريخ، مؤسسة الأعلمي، م4، ص 103.
(4)الزبير بن بكار، أخبار الموفقيات، منشورات الشريف الرضي قم 1416، ص 576 و577.
(5)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 225.
(6)الدينوري، الأخبار الطوال، دار إحياء الكتب العربية ـ الظاهرة، 1960، ص 346.

[الصفحة - 35]


فقد أمر معاوية عماله بالبراءة ممن يروي الأحاديث في فضل أهل البيت، كما أمر بوضع الأحاديث لصالح الصحابة الآخرين وخاصة عثمان بن عفان، كما أمر بمعارضة كل حديث خاص بعلي بآخر في أحد الصحابة. فقد روى المدائني في كتاب «الأحداث»: أن معاوية كتب نسخة موحدة إلى عماله بعد استيلائه على الحكم: «أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب(*)وأهل بيته». كما كتب نسخة أخرى: «أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان وأهل ولايته من الذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل رجل منهم»، ففعلوا.
ثم كتب معاوية إلى عماله: «إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتؤتوني بمناقض له في الصحابة. فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب...» فرويت أخبار كثيرة، لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى وما يذكر في ذلك، على المنابر، وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتى تعلموه إلى جانب القرآن، وحتى علّموه نساءهم وحشمهم».
وكانت النتيجة أن ظهر حديث كثير موضوع وبهتان، فنشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون المستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين، الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فتقبلوها ورووها على أنها صحيحة» (7).
وحتى تتبين حقيقة التحوير الذي طال الشريعة، لا بدّ من التذكير بأن الحط من قدر إنسان ينسحب على مواقفه وأقواله فتفقد حجيتها، أما الإشادة بإنسان بدون وجه حق فهي تعني إضفاء الثقة على سلوكه وأقواله والاقتداء بها، وهكذا فقد كان من
________________________________________
(*)علي بن أبي طالب.
(7)علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، دار الهدى الوطنية، م3، ص 15 و16.

[الصفحة - 36]


نتيجة ما قام به معاوية، أن تهمل أحاديث علي وأهل البيت النبوي (عليهم السلام)عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، وتعتمد أحاديث بعضها موضوع، وتعدّ حاملة للشرع.
على أن وضع الأحاديث لم يتوقف عند ولاية معاوية، بل هو تعداها إلى ما بعده، وأصبح سنّة تتبع في زمن بني أمية ثم في زمن بني العباس.
وإذا كان وضع الأحاديث وإهمالها ضرورياً لتحقيق أغراض معينة فإن خلفاء بني أمية لم يعودوا يجدون ضرورة لاتباع أي شرع، من قرآن أو حديث.
فعبد الملك بن مروان يهجر القرآن فور مبايعته، إذ كان القرآن «في حجره يقرأه»، فأطبقه وقال: «هذا آخر العهد بك» (8).
ثم كان أول من نهى عن الأمر بالمعروف (9)وكان يقول: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلّا ضربت عنقه» (10). أما الحجاج، عامل عبد الملك وأولاده، فكان يرى الشرع ما يشرعه الخليفة، فقد دعاه الوليد بن عبد الملك إلى شرب النبيذ، فقال: «يا أمير المؤمنين آكل ما أحللت، ولكني أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي» (11).
وإلى هذا كان الحجاج يرى في المشقة بين يدي الخليفة أجراً، فقد التقى الخليفة الوليد بن عبد الملك «في بعض نزهه فاستقبله. فلما رآه ترجل له (الحجاج) وقبّل يده، وجعل يمشي وعليه درع وكنانة وقوس عربية. فقال له الوليد: اركب يا أبا محمد. فقال: دعني يا أمير المؤمنين استكثر من الجهاد»(12).
ومن الجرائم التي شرعها الحجاج، مجرد مخالفة أوامره، حتى ولو لم يترتب عليها أي نتيجة. فقد كان يقول: «والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر، لحلت لي دماؤهم وأموالهم» (13)كما يقول: «أما والله لو آمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي حلالًا» (14).
أما في مجال شرعية العقوبات فهناك الطامة الكبرى، فقد أتى بنو أمية بعقوبات مبتدعة في الإسلام كشفت عن استبداد وضيق صدر لم يكن يتخيلهما المسلمون الأوائل.
________________________________________
(8)السيوطي، تاريخ الخلفاء، المكتبة العصرية، صيدا، 1989، ص 247. راجع كذلك ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية 1994م، ج9، ص 56.
(9)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 248.
(10)ابن كثير، مذكور سابقاً، ص 219.
(11)المرجع نفسه، ص 110.
(12)المسعودي، ومروج الذهب، دار الكتاب العالمي، 1989، ج2، ص 145.
(13)ابن كثير، مذكور سابقاً، ص 111.
(14)المسعودي، مذكور سابقاً، ص 129.

[الصفحة - 37]


فمعاوية يقتل حجر بن عدي الكندي وصحبه، دون أن يرتكبوا أي جريمة، اللهم إلا دفاعهم عن أحد المستضعفين من أهل الذمة، الذي قتله عربي مسلم ورفض زياد بن أبيه أن يعاقب القاتل، فطلب معاوية من زياد الإيقاع بحجر بن عدي، فحشد زياد شهود الزور، ثم لقنهم الشهادة، إذ لم تكن شهادتهم الأولى أعجبته «فكانت شهادة أبي بردة بن أبي موسى الأشعري: الله رب العالمين شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عز وجل كفرة صلعاء».
فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما والله لأجهدن على قطع خيط عنق الخائن الأحمق. فشهد رؤوس الأرباع على مثل شهادته، وكانوا أربعة، ثم أن زياداً دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الأرباع. ودونت شهادات كان بعض أصحابها غائبين وكتب في الشهود شريح بن الحارث، القاضي، وشريح بن هانىء الحارثي. فأما شريح القاضي فقال: سألني عنه، فأخبرته أنه كان صوّاماً قوّاماً. وأما شريح بن هانىء الحارثي فكان يقول: ما شهدت، ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي فأكذبته ولمته» (15).
كما اغتال معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ذلك أن عبد الرحمن عظم شأنه بالشام، فخافه معاوية «فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله، وضمن له، إن هو فعل ذلك، أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن بن خالد إلى حمص منصرفاً من بلاد الروم، دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات» (16).
ومن مآثر زياد أيضاً تكريسه جماعية العقوبات، فقد أنذر الناس في خطبته عند توليته من قبل معاوية فقال: «وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم قناتكم» (17).
وقد نفذ زياد وعيده، فأنذر أهل البصرة «بقتل من يوجد بعد صلاة العشاء خارج بيته. وأمهلهم شهراً، ثم أمر صاحب شرطته عبدالله اليربوعي بتنفيذ أوامره،
________________________________________
(15)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 200 و201.
(16)المرجع نفسه، ص 171.
(17)الجاحظ، البيان والتبيين، دار صعب، دون تاريخ، ص 243.

[الصفحة - 38]


فأتاه في الليلة الأولى بتسعماية رأس، وفي الليلة الثانية بخمسين رأساً وفي الثالثة برأس واحد»(18).
وقد أتاه صاحب شرطته في إحدى الليالي بأعرابي، فساءله زياد ثم قال له: «أظنك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة، ثم أمر به فضربت عنقه...» (19).
ومن عقوباته الجماعية أنه فيما كان يخطب، فأخذوا يحصبونه، فأمر من وقف على أبواب المسجد وقال: «ليأخذ كل رجل منكم جليسه، ولا يقولن: لا أدري من جليسي. ثم أمر بكرسي له، فوضع له على باب المسجد، فدعاهم أربعة أربعة يحلفون بالله ما منا من حصبك. فمن حلف خلاه ومن لم يحلف حبسه وعزله، حتى صاروا إلى ثلاثين، ويقال بل كانوا ثمانين، فقطع أيديهم على المكان»(20).
وقد وصل به الأمر أن يقتل النساء البريئات، فقد صدف أن وعظه عروة بن أدية، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه، ثم قتله وأرسل إلى ابنته فقتلها» (21).
وعلى خطى زياد سار خليفته على البصرة سمرة بن جندب، فكان من العمال الذين قتلوا الآلاف دون ذنب يستحقون به القتل وأحياناً دون أي ذنب. فقد جاء الكوفة وقتل فيها ثمانية آلاف من الناس. فقيل له: هل تخاف أن تكون قتلت أحداً بريئاً. قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت» (22).
كما أن هذا الرجل أتي في البصرة «بناس كثير، وأناس بين يديه، فيقول للرجل: ما دينك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وإني بريء من الحرورية (الخوارج) فيقدم فيضرب عنقه» (23).
وكان سمرة بن جندب يرى أن على الناس أن يبتعدوا عندما يركب للمسير، فقد فاجأ خيله «رجل من أسد، فقتلوه فلما رآه سمرة واستفسر عن أمره قال: إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا اسنتنا» (24).
وبعد زمن معاوية استمرت العقوبات الكيفية البعيدة عن روح الإسلام.
فيزيد يجعل أبا دهبل الشاعر في صندوق ويدفنه حباً لأنه شبّب بأخته عاتكة بنت معاوية (25). وعبيدالله بن زياد يخاطب أهل البصرة مهدّداً بالعقوبات الجماعية
________________________________________
(18)الزبير بن بكار، مذكور سابقاً، ص 308.
(19)الطبري، مذكور سابقاً، ص 167.
(20)الطبري، مذكور سابقاً، ص 175.
(21)المرجع نفسه، ص 232.
(22)المرجع نفسه، ص 167.
(23)المرجع نفسه، ص 217.
(24)المرجع نفسه، ص 176.
(25)أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، دار صعب، بيروت، دون تاريخ، ج6، ص 39.

[الصفحة - 39]


فيقول: «... وإياكم والخلاف والإرجاف، والذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنّه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي ولا يكون فيكم مخالف» (26).
ومروان بن الحكم يقتل ابنة أخيه لركوبها الخيل، وقد جرى ذلك بأمر من معاوية الذي قال له: «اكفني بنت أخيك». «فحفر لها حفرة وغطاها، فسقطت فيها فكانت قبرها» (27).
على أن الأمر تفاقم إلى أبعد الحدود على يدي عبد الملك بن مروان وعماله وخاصة الحجاج بن يوسف الثقفي. فالخليفة الذي غدر بعمرو بن سعيد بن العاص يهدّد بقتل الناس بالطريقة نفسها. فقد خطب في الحج فقال: «... وأن الجامعة (الكلبجة) التي وضعتها في عنق عمرو (بن سعيد) عندي. وإني أقسم بالله لا أضعها في عنق أحد، فأنزعها منه إلّا صعداً» (28).
وقد أوصى عبد الملك ابنه الوليد عندما حضرته الوفاة فقال له: «إذا مت فشمّر وائتزر والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه، فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه» (29).
وغضب عبد الملك بن مروان غضبة على آل علي (عليه السلام)وآل الزبير. فكتب إلى عامله بالمدينة: «... إن أقم آل علي يشتمون علياً، وأقم آل الزبير يشتمون عبدالله بن الزبير، فلما بلغ الكتاب آل علي وآل الزبير، كتبوا وصاياهم» (30).
وعندما تصدى الحجاج لحكم العراق، كان ممّا زكّاه في عيني عبد الملك بن مروان أن قال: «البس جلد النمر، ثم أخوض الغمرات، وأتبع الهلكات، فمن نازعني طلبته، ومن لحقته قتلته بشدة وعجل وريث وتبرٍ وازورار وطلاقة واكفهرار ورفق وجفاء وصلة وحرمان، فإن استقاموا كنت لهم ولياً حفياً وإن خالفوا لم أبقِ منهم طوباً» (31).
وكأن عبد الملك لم تكفه هذه النوايا، فيوصي الحجاج بالتنكيل بأهل الكوفة فيقول له: «يا حجاج قد وليتك العراقين صدقة، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة (32)».
________________________________________
(26)الطبري، مذكور سابقاً، ص 266.
(27)الأصفهاني، مذكور سابقاً، ج4، ص 64.
(28)اليعقوبي، التاريخ، دار الأعلمي 1993، ج2، ص 193.
(29)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 250.
(30)تهذيب تاريخ ابن عساكر، مطبعة روضة الشام، 1322هـ، ص 165.
(31)الزبير بن بكار، مذكور سابقاً، ص 92.
(32)اليعقوبي، مذكور سابقاً، ص 192.

[الصفحة - 40]


فلما قدم الحجاج الكوفة، أنذر أهلها وتوعدهم في خطبته التي قال فيها: «وإني أرى رؤسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني أنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى... والله لألحونكم لحو العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل» (33).
وعند عزم الحجاج على التوجه إلى الحج خطب الناس وقال: «قد استخلفت عليكم ابني هذا وأوصيته بخلاف ما أوصى به رسول الله في الأنصار، إن رسول الله قد أوصى أن يقبل من محسنهم وأن يتجاوز عن مسيئهم. وإني أمرته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم..»(34).
وبدأ الحجاج عمليات القتل، فقد اعتذر عمير بن ضابىء التميمي عن اللحاق بالجيش وأرسل ابنه، ولكنه علم أنه كان ممن حاصروا عثمان. فقال له: «إني لأحسب في قتلك صلاح المصرين» فقتله وأنهب ماله (35).
وأتي برجل من البصرة لم يلتحق بالجيش فسأله، فقال الرجل: إن بي فتقاً وقد رآه قائدي فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال. فلم يقبل منه وقتله (36).
كما أتي الحجاج بجحدر بن مالك، وكان فاتكاً بأرض اليمامة. ولما أراد قتله، أنبأه أنه فارس شجاع يستفيد منه الأمير. فسجنه، وأتى بأسد أجاعه أياماً. ثم وضعهما وجهاً لوجه، وجحدر مقيّد اليد اليمنى إلى عنقه، فصرع الأسد فعفا عنه (37).
كانت هذه نماذج من أعمال القتل العادي، أما القتل السياسي الذي ذهب ضحيته عشرات الآلاف فسنتناوله لاحقاً. على أن جرائم الحجاج لم تتوقف عند القتل، بل وصلت إلى التمثيل، فقد كان يختم أصحاب النبي استخفافاً بأعناقهم وأيديهم (38).
أما سجن الناس فقد بلغ فيه الحجاج شأواً بعيداً وشأناً غريباً، فقد كان يسجن النساء والرجال في مكان واحد، و «لم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء» (39). فقد «مرّ الحجاج في يوم جمعة، فسمع استغاثة. فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجن يقولون: قتلنا الحر. فقال: قولوا لهم {اخسأوا فيها ولا تكلمون} )المؤمنون/108( (40)تشبهاً برب العزة!
حتى المرأة لم تنج من سجن الحجاج كما أشرنا بل ومن سيفه، ومن جملة ما
________________________________________
(33)البيان والتبيين، مذكور سابقاً، ص 366.
(34)الدينوري، عيون الأخبار، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973، م2، ص 245.
(35)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 44.
(36)المرجع نفسه، ص 169.
(37)ابن كثير، مذكور سابقاً، ص 108.
(38)الطبري، مذكور سابقاً، ص 35.
(39)المسعودي، مذكور سابقاً، ص 153.
(40)ابن كثير، مذكور سابقاً، ص 118.

[الصفحة - 41]


قام به أن «أُتي بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟ فقالت: إني لأستحيي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر إليه. فأمر بها فقتلت» (41). هذا وقتل سفيان بن الأبرد الكلبي أحد قادة الحجاج شبيب بن يزيد الشيباني الحروري (الخارجي) و «احتز رأسه وأرسله إلى الحجاج وقتل امرأته وأمه سنة 78» (42).
وعلى خطى الحجاج وقادته سار قادة بني أمية فيما بعد، وها هو التاريخ يحمل لنا حديثاً دار بين صالح بن علي العباسي وبنات مروان بن محمد اللائي أسرهن جيشه، إذ يسألهن: «ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي... وقتل امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف بن عمر الثقفي؟» (43).
هذا وكان الحجاج يفاخر بمجازره فقد جابه خالد بن يزيد بن معاوية الذي استخف به بقوله: «... ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف كلهم يشهد أنك وأباك وجدك من أهل النار. ثم لم أجد لذلك عندك أجراً» (44).
وقد «مات الحجاج سنة خمس وتسعين.. وأحصي من قتله صبراً (أي مقبوضاً عليه) سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرون ألفاً، ومات في حبسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة» كما يروي المؤرخون (45). ومن العقوبات المبتكرة خارج الشرع في أيام الأمويين، أن يعمد مروان بن الحكم إلى قطع يد رجل كسر درهماً من دراهم فارس (46).
كما أن الوليد بن عبد الملك قتل وضّاح اليمن الشاعر، لأنه استجاب لزوجة الخليفة أم البنين بنت عبد العزيز أن يتغزل بها، بعدما أحبته (47).
ولعل أخطر ما في العقاب الكيدي ما قام به سليمان بن عبد الملك بموسى بن نصير وابنه، بعد فتحه الأندلس. فقد «توجه موسى بن نصير، بعد استتباب الأمر بالأندلس إلى الشام. ولما فصل من مصر وكان الوليد بن عبد الملك في مرضه الذين مات فيه، فأرسل إليه سليمان أن يبطىء حتى يكون تولّى. ثم أرسل إليه الوليد يستحثه ليلحقه قبل موته. فقرر أن يسير بمسيرة نفسه. وقدم وكان الوليد ما زال حياً، فقدم إليه تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف
________________________________________
(41)المرجع نفسه، ص 117.
(42)اليعقوبي، مذكور سابقاً، ص 195.
(43)المسعودي، مذكور سابقاً، ص 230.
(44)الأصفهاني، مذكور سابقاً، ج6، ص 91.
(45)راجع المسعودي، مذكور سابقاً، ص 153. راجع كذلك ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار الكتاب العربي، م5، ص 46.
(46)الماوردي، الأحكام السلطانية، مكتب النشر الإسلامي 1406هـ، ص 155.
(47)راجع الأصفهاني، مذكور سابقاً، م6، ص 36 و37.

[الصفحة - 42]


والوشي ومائدة سليمان بن داود (عليه السلام)ومائدة ثانية من جزع ملوّن والتيجان... فقبض الوليد الجميع. وأمر بالمائدة فكسرت، وعمد إلى أفخر ما فيها والتيجان والجزع فجعله في بيت الله الحرام. وفرق غير ذلك، ولم يلبث الوليد أن مات».
ثم أن سليمان، لما أفضت إليه الخلافة، بعث إلى موسى فعنفه وكان هدّده أن يصلبه. ولكنه أمر به «أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه. وكانت بموسى نسمة (ربو) فلما أصابه حر الشمس وأتعبه الوقوف هاجت عليه.. وجعلت قِرب العرق تتصبب منه، فما زال كذلك حتى سقط». ثم قتل سليمان يوماً ابن موسى عبد العزيز ورمى برأسه بين يدي أبيه (48). فكان ذلك جزاء موسى بن نصير بعد فتح الأندلس.
وإلى هذا فإن سليمان أعاد إلى الأذهان مبادىء زياد والحجاج إذ كان يأخذ الولي بالولي والجار بالجار (49).
ومن أغرب ما قام به إحراقه المجذومين وقوله: «لو كان الله يريد بهؤلاء خيراً ما ابتلاهم بهذا البلاء» (50).
هذا وقد تفنن قادة الأمويين في قتل الناس بجريرة بعضهم بعضاً، فزياد يقتل ابنة عروة بن أدية لأن عروة وعظه، وابنه عبيد الله يهدّد بقتل كل مسؤول عن رجل يخالف، إذ أوصى أهل البصرة وكان يهم بمغادرتها بقوله: «... فوالله الذي لا إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا إلي ولا يكون فيكم مخالف» (51).
والحجاج بن يوسف يمحو اسم أحد المسلمين من الديوان ويهدم داره، لأن أخاه خرج مع ابن الأشعث ويجيبه عندما يسأله:
ولرب مأخوذ بذنب قريبه ونجا المقارف صاحب الذنب (52)
كما يقول: «والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالًا» (53).
تعطل الحدود والعقوبات
وإذا كان الخلفاء قد ابتدعوا عقوبات لم ترد في الشرع، فإنهم عطلوا الحدود عندما كانت تقضي مصالحهم أيضاً بذلك.
________________________________________
(48)ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، مذكور سابقاً، ص 97 ـ 99 و111.
(49)الدينوري، عيون الأخبار، مذكور سابقاً، م3، ص 129.
(50)المرجع نفسه، م4، ص 68.
(51)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 266.
(52)ابن كثير، مذكور سابقاً، ص 107.
(53)المصدر نفسه، ص 111.

[الصفحة - 43]


فمعاوية لا يعاقب عماله، إذ شكي إليه عامله على البصرة أنه قطع يد رجل دون وجه حق، فقال: «أما القود (العقوبة المماثلة للجرم) من عمالي فلا، ولكن إن شئتم وديت (عوضت على) صاحبكم» (54).
وعبدالله بن عامر عامل معاوية على البصرة لا ينزل العقوبات المشددة (الحدود) حياء من الناس(55).
ومن كسر الخراج وفرّ من زياد إلى معاوية يعفى، لأن الخليفة والعامل يجب ألا يسوسا «الناس بسياسة واحدة» (56)ومروان بن الحكم يعاقب عبد الرحمن بن سرحان لأنه شرب عند أخي معاوية عتبة بن أبي سفيان، فيأمر معاوية مروان» بأن يبطل الحد (ويعتذر) ويدفع إليه ألفي درهم(57).
وعبد الملك بن مروان يعفو عن السارق طهمان بن عمرو بسبب أن أمه كلمته في ذلك (58).
التمثيل بالأحياء والأموات
خلافاً لما يقضي به الشرع من تحريم التمثيل بالأحياء والأموات بناء على الحديث القائل: «إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور» (59)، فإن قادة الأمويين لم يتورعوا عن التمثيل بالبشر أحياءاً وأمواتاً.
أما التمثيل بالأموات، فقد بدأه معاوية بن خديج السكوني، من قادة عمرو بن العاص في مصر، عندما قتل محمد بن أبي بكر بعد أن قبض عليه أعزل في خربة، ثم وضعه في جيفة حمار وأحرقه(60).
ثم أن هشام بن عبد الملك أمر بنبش جسد زيد بن علي بن الحسين الذي كان قطع رأسه يوسف بن عمر الثقفي وأرسله إلى الخليفة، فأمر الخليفة بصلبه عرياناً، فبقي مصلوباً خمسين شهراً، كما أمر الوليد بن عبد الملك بحرق جثة يحيى بن زيد وذر رمادها في الفرات (61).
وبقي التقليد سائداً طيلة العصر الأموي، فقد أمر مروان بن محمد آخر الخلفاء والأمويين «بنبش يزيد الناقص، فأخرجه من قبره، وصلبه بالكوفة (62).»
________________________________________
(54)الطبري، م4، ص 222 و223.
(55)المرجع نفسه، ص 162.
(56)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 229.
(57)الأصفهاني، مذكور سابقاً، م2، ص 82.
(58)تهذيب تاريخ ابن عساكر، م7، ص 54.
(59)علي بن أبي طالب، مذكور سابقاً، م3، ص 432. راجع كذلك صحيح البخاري، كتاب المظالم 30، وسنن أبي داود كتاب الجهاد /110 والحدود/3.
(60)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 79.
(61)راجع مروج الذهب، مذكور سابقاً، ص 191 و192.
(62)السيوطي، تاريخ الخلفاء، مذكور سابقاً، ص 295.

[الصفحة - 44]


أما التممثيل بالأحياء فمن أمثلته أن حميد بن بحدل الكلبي، وكان من قادة عبد الملك بن مروان، قطع شفاه الأسرى كما القتلى وأنوفهم بعد انتصاره على عمير بن الحباب في منطقة قرقيسيا، وجعلها في خيط وحملها إلى الشام (63).
الحق بالحرية
وفي هذا المجال عاد الأمويون إلى ممارسات الحكام الذين يدعون الألوهية، كما في مجال الحق بالحياة، فقد أخذوا يستعبدون المسلمين رجالًا ونساءً بعد الأسر والسبي، وكان الإسلام قد حرّم سبي المسلمين واستعبادهم ونهب أموالهم، وهذا ما كرّسه الإمام علي كما هو معلوم.
وهكذا فقد هاجم بسر بن أبي أرطأة همدان فقتل وسبي نساءهم، وكن أول نساء مسلمات يسبين في الإسلام (64).
كما سبى زياد ذراري قريب وزحّاف الخارجيين، وكذلك سبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري وبنت لقطري بن الفجاءة المازني وأم يزيد بن عمرو بن هبيرة واسترققن. وكذلك أسر واسترق رجال آخرون كواصل بن عمرو القنا وسعيد الحروري، إلى من سباهم المهلب بن أبي صفرا إلا أن الدائرة دارت على المهلب وذريته، فقد هدّدهم مسلمة بن عبد الملك قائلًا: لأبيعن ذريتهم، إلا أنه أعمل السيف في رقابهم (65).
كما أن أسد بن عبد الله القسري أرسل قائداً له إلى بني برزى في قلعة التيوشكان فقتلهم وسبى عامة أهل المدينة وباعهم بالمزاد في سوق بلخ (66).
وإلى هذا فقد كان الأمويون يبيعون أحياناً الرجل بالدَّين، كمعز أبي عمير بن معن الكاتب، الذي اشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العنكبي وعلي بن بشير الماحوز الذي باعه الحجاج، لأنه قتل رسول المهلب إلى رجل من الأزد، كل ذلك إلى جانب أخذ البيعة ليزيد بن معاوية من أهل المدينة على أنهم عبيد أرقاء له (67).
________________________________________
(63)راجع الأصفهاني، مذكور سابقاً، م17، ص 114.
(64)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 348.
(65)المرجع نفسه، ص 440.
(66)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 348.
(67)المرجع نفسه، ص 440.

[الصفحة - 45]


الحقوق والحريات السياسية
إن أهم الحقوق التي طالتها الانتهاكات الأموية هي الحقوق والحريات ذات الطابع السياسي التي انعدمت من الناحية الشرعية سواء في مجال الاختيار والبيعة أم في مجال محاسبة الخليفة وإبداء الرأي المعارض.
اختيار الخليفة
لقد تنكر الحكام الأمويون للتقليد الذي رسخ حول اختيار الخليفة بحيث لا يكون نابعاً من الهوى، وتؤكده البيعة الحرة من قبل الناس.
فمعاوية نازع الخليفة الشرعي الذي اختاره الناس، وتوسل من أجل ذلك بأنواع المكائد، إذ ادعى المطالبة بدم عثمان، بعد أن خذله عندما هاجمه الثوار في المدينة، وحمّل دمه علياً، وهو يعلم أنه كان أكثر الصحابة منافحة عن عثمان، ثم أنه قدم الوعود للإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، حتى تم الصلح بينهما في تلك الظروف، وما إن نفّذ الحسن ما تعهّد به حتى تنكر له معاوية فلم يفِ له بشيء، وخطب في أهل الكوفة على أثر الصلح فأعلن حنثه بعهوده إذ قال: «... وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين.. ألا أن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به»(68)وخاطب أهل الكوفة فأعلمهم أنه لم يقاتلهم ليقيم الشريعة وينصر الحق، بل ليتحكم بهم: «... إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون» (69).
كما خطب معاوية في أهل المدينة فقال: «والله، ما وليتها بمحبة منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم عليها بسيفي هذا مجالدة...» (70).
ثم دشن معاوية أسلوب العهد للأولاد، وكان ابنه يزيد غير متمتعٍ بأي من الصفات الضرورية للخلافة ومع ذلك راح يسعى لترشيحه لخلافته. فقد اجتمعت عنده «وفود الأمصار بدمشق.. (فدعا) الضحاك بن قيس الفهري فقال له: إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض مواعظي وكلامي فاستأذني للقيام. فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني رأيت وأجمعت على توليته. فاسأل الله
________________________________________
(68)علي بن أبي طالب، مذكور سابقاً، م4، ص 16.
(69)المرجع نفسه.
(70)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، ج4، ص 82.

[الصفحة - 46]


في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء، ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبدالله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله بن عصام الأشعري. فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك أن يصدقوا قوله ويدعوا إلى بيعة يزيد» (71)وبعد الخطبة «تكلم رجل من الأزد (وقيل أبو خنيف أو يزيد بن المقنع العذري) فقال: أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية) فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) فمن أبى فهذا (وأشار إلى السيف) فقال معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم» (72).
ثم كلف معاوية عماله بالدعوة إلى بيعة يزيد، فقام مروان بن الحكم وكان في المدينة فخطب فقال: «إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده، يريد سنة أبي بكر وعمر» فرد عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: بل سنة كسرى وقيصر، إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل بيتهما» (73).
ألا أن كبار قادة الرأي في المدينة رفضوا البيعة ليزيد، فدعا معاوية الحسين بن علي (عليه السلام)وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبدالله بن الزبير إلى المسجد، ووكل بهم من يضرب أعناقهم إذا تكلموا وقال: إنهم بايعوا وسمعوا وأطاعوا» (74).
ولما توفي معاوية راح يزيد يطلب البيعة، وقد كتب إلى الوليد بن عتبة: أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً (75). واقترح بعدها مروان بن الحكم على الوليد بن عتبة أن يدعو هؤلاء القادة إلى بيعة يزيد والطاعة «فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبو قدمتهم فضربت أعناقهم» (76).
وشرح معاوية العهد ليزيد إلى السيدة عائشة، ثم لعبد الله بن عمر فقال: «إن أمر يزيد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم» (77)وهكذا تدخل المسألة في باب قضاء الله الذي لا رادّ له! وكان من نتائج بيعة يزيد ثورة الحسين بن علي (عليه السلام)الذي رأي في حكم يزيد هدماً للإسلام لا يمكن السكوت عنه، كما كان حكم عبد الله بن الزبير لقسم واسع من بلاد المسلمين.
وأصبح الأمر سنة في بني أمية ومن تلاهم. فهذا عبد الملك بن مروان يوصي ابنه باستخدام السيف «... ائتزر وشمر وألبس جلد النمر وادع الناس إلى البيعة ثانية. فمن قال برأسه: كذا، فقل بالسيف كذا» (78).
________________________________________
(71)الدينوري، الإمامة والسياسة، مذكور سابقاً، م1، ص 188.
(72)المرجع نفسه، ص 193.
(73)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 223.
(74)الدينوري، مذكور سابقاً، ص 213.
(75)الطبري، مذكور سابقاً، ج4، ص 250.
(76)المرجع نفسه، ص 251.
(77)الدينوري، مذكور سابقاً، ص 205 و210.
(78)الدينوري، الأخبار الطوال، ص 325.

[الصفحة - 47]


على أن أطرف ما في العهود ذلك العهد الذي كتبه سليمان بن عبد الملك سراً وأمر الناس بالبيعة للمعهود له. فقد أعطى كتاب العهد المختوم لصاحب شرطته رجاء بن حيوة وقال له: «اجمع إليك أخوتي وعمومتي وجميع أهل بيتي وعظماء أجناد الشام، واحملهم على البيعة لمن سميت في هذا الكتاب، فمن إلى أن يبايع فاضرب عنقه»، ففعل (79).
وهكذا يتحول حكم المسلمين من الشورى والبيعة إلى الاغتصاب فتسيل الدماء مضرجة إنحاء البلاد جميعاً.
سلوك الخلفاء الأمويين
لم يكن الخلفاء الأمويون يخفون عزمهم على الحكم الاستبدادي الكيفي وتنكّرهم لتعاليم الإسلام ولسيرة الخلفاء الذين سبقوهم.
فقد خطب معاوية في المدينة بعد استيلائه على الخلافة فقال: «... ولقد رضت لكم نفسي على عمل بن أبي قحافة (أبي بكر) وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفاراً شديداً، واردتها على (مثل) ثنيات عثمان، فأبت علي...» (80).
وأشرف عبد الملك بن مروان يوماً على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر، فغاظه ذلك فقال: «إيهاً عن ذكر عمر، فإنه إزراء على الولاة مفسدة للرعية» (81)ثم هو يتهم الناس تبريراً لموقفه: «تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر». والحجاج بن يوسف يدعو إلى الانتقام من أحد القضاة لأنه يحدث الناس بسيرة أبي بكر وعمر، فقد كلم الحجاج وهو في مصر أباه حول سليم بن عنز التجيبي وكان قاضياً يريد الاعتزال فقال: «ما على أمير المؤمنين أضرّ من هذا وأمثاله. فقال له: ولم يا بني؟ قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم، فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين، ولا يرونها شيئاً عند سيرتهما، فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه ولا يرون طاعته. والله لو خلص لي من الأمر شيء، لأضربن عنق هذا وأمثاله» (82).
وقد انتشرت بين الخلفاء الأمويين عادة معاقرة الخمرة وإقامة مجالس اللهو
________________________________________
(79)المرجع نفسه، ص 329.
(80)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، ج4، ص 82.
(81)ابن منظور، مذكور سابقاً، م15، ص 231.
(82)ابن كثير، مذكور سابقاً، ج9، ص 103.

[الصفحة - 48]


والانقطاع إلى الجواري. فعبد الملك بن مروان الذي عرف بالزهد اعترف بشرب الخمر إذ سألته أم الدرداء قائلة: «بلغني يا أمير المؤمنين أنك شربت الطلى بعد النسك والعبادة. فقال: إي والله والدماء، لقد شربتها» (83)وكان يزيد بن أبي سفيان معروفاً بشرب الخمر لدى القاصي والداني. ولكن أكثر من عُرف من خلفاء بني أمية بشرب الخمر والاستهتار الوليد بن يزيد الذي «أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة» (84). وهو كان يعاقب من يرفض تناول الكأس منه. فقد دفع الكأس إلى طريح بن إسماعيل الثقفي بحضوره وجوه بني أمية. فقال له: تعرف رأيي بالشراب (لا رأي الدين). فقال له: أعطيتك إياه لتدفعه إلى الغلام. ولما انصرف القوم، قال له: أردت أن تفضحني. والله لولا أنك خالي لضربتك ألف سوط، وقطع رزقه (85).
وقد بلغ به الأمر أن يروى عنه شراب كميات غير معقولة، وإذا كان في الروايات مبالغة إلا أنها تدل على إفراطه. فقد روى ابن أبي الزناد فقال: «تعشيت مع الويد «العشاء الآخرة، فصلينا وجلس وقال: اسقني. فجاءوا بإناء مغطى، وجاء ثلاث جوار فصفقن بين يديه بيني وبينه ثم شرب وذهبن. فتحدثنا واستسقى فصنعن مثل ما صنعن أولًا. قال: فما زال على ذلك يتحدث ويستسقي ويصنعن مثل ذلك حتى طلع الفجر. فأحصيت له سبعين قدحاً» (86).
أما في مسألة إضاعة شؤون الناس والخلو بالجواري والاشتغال بهن، فقد روي عن يزيد بن عبد الملك أنه قال لجاريته حبابة: «قد استخلفتك على ما ورد علي ونصبت لذلك مولاي فلاناً. فاستخلفيه لأقيم معك أياماً وأستمتع بك. قالت: فإني عزلته، فغضب» وخرج من عندها إلا أنه لم يتحمل.. وما أن مرت به حتى صاح بها: قد عزلته، وهي تعانده وتقول: قد استعملته، وهكذا فقد ولاه وعزلته وعزله وولته وهو لا يدري. ولما لامه أخوه مسلمة على فعله هذا، غنته الجارية. فقال: قاتلك الله أبيت إلا أن ترديني إليك» (87).
ولما ماتت حبابة، أبقاها في البيت حتى انتنت، ثم دفنت (88).
ولم يكن السِفاح غريباً على خلفاء بني أمية، فقد قال خادم للوليد بن يزيد عن مولاه الوليد: «بينه وبين امرأته شر لأنه عشق أختها فغضبت عليه فهو إلى أختها أميل (89)».
________________________________________
(83)السيوطي، تاريخ الخلفاء، مذكور سابقاً، ص 245.
(84)المرجع نفسه، ص 288. راجع كذلك الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 520 و521.
(85)ابن عساكر، تهذيب تاريخ دمشق، مذكور سابقاً، م7، ص 54.
(86)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 557.
(87)الأصفهاني، الأغاني، مذكور سابقاً، م13، ص 161.
(88)المرجع نفسه، ص 383 و384.
(89)الأصفهاني، مذكور سابقاً، م3، ص 117.

[الصفحة - 49]


وقد تجاوز الوليد كل الأعراف بشهادة أخيه سليمان، فعندما قتل وأتي أخوه برأسه نظر إليه وقال: «بعداً له، أشهد أنه كان شروباً للخمر، ماجناً، فاسقاً ولقد راودني على نفسي» (90).
أما في مسائل إدارة الشؤون العامة، فلم يكن مستبعداً أن يولى عامل بسبب هدية، كما حصل مع الجنيد بن عبد الرحمن الذي ولاه هشام بن عبد الملك على خراسان لأنه أهدى إلى امرأته أم حكيم قلادة فيها جواهر فأعجبت هشاماً، فأهدى إليه قلادة أخرى فولاه (91).
وإلى هذا فقد «باع» الوليد بن يزيد أحد السجناء واسمه خالد إلى غريمة يوسف بن عمر والي العراق بمبلغ خمسين مليون، فعذبه حتى مات (92).
وإلى هذا فقد كانت بدأت مع الخلافة الأموية عادة أن يعدّ الخلفاء فوق مستوى البشر، حتى أنه لم يعد مقبولًا أن يسلم أحد على أحد «بين يدي أمير المؤمنين» كما يرى زياد ابن أبيه (93).
ثم أن عبد الملك بن مروان نهى عن الكلام في حضرة الخلفاء، وكان أول من فعل ذلك (94).
الحريات السياسية في العصر الأموي
بعد أن كان الخلفاء يستمعون إلى النقد، بل يطلبون من الناس ممارسته، أخذ بنو أمية يعدونه جريمة تستحق أقسى العقوبات.
وقد بدأ الأمر مع معاوية الذي لم يستطع التخلص من مظاهر الحرية التي سادت العصر الراشدي، إذ كان يحلم ولكن عن الأقوياء، أما الضعفاء فكان ينزل بهم العقاب عندما لا يروقه رأيهم. وما قصصه مع عدي بن حاتم وأمثاله من الزعماء إلا دليل على ذلك، فقد هدّد جارية بن قدامة السعدي وعدي بن حاتم الطائي وردا عليه التهديد، فقال لمن حوله: هذا كلام حكم فاكتبوه» (95)، إلا أنه قتل حجر بن عدي وصحبه.
وفي كل الأحوال فإنه حلم معاوية كان يتوقف عند تهديد ملكه، فهو إن اضطر
________________________________________
(90)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 555 وتاريخ الخلفاء، ص 288.
(91)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 408.
(92)المرجع نفسه، ص 541.
(93)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م2، ص 96.
(94)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 248.
(95)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م4، ص 29. والمسعودي، مذكور سابقاً، م3، ص 4.

[الصفحة - 50]


يسمح بالاعتراض والانتقاد، ولكن إذا لم يمس الأمر سلطانه، فقد أغلظ له رجل فتحمل، فقيل له: «أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم، ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا» (96).
وسنستعرض فيما يلي نموذجين من تعامل بني أمية مع الناس في مجال الحريات السياسية: الموقف من المعارضة والموقف من النقد.
الموقف من المعارضة
لم يكن الخلفاء الأمويون، رغم حداثة عهد أوائلهم بالحكم الراشدي، يدخرون للمعارضة إلا السيف بدءاً من معاوية وانتهاءً بآخر الخلفاء.
فمعاوية الذي اشتهر «بالحلم» قتل حجر بن عدي وصحبه: شريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكدام بن حيان العنزي، وسابعهم قتله زياد بأمر من معاوية «شر قتلة» وهو عبد الرحمن بن حسان العنزي، الذي دفنه حياً في قيس الناطف. وهؤلاء هم أول من قتل صبراً، أي بعد القبض عليهم، في الإسلام(97).
كما اغتال معاوية مالكاً الأشتر وسم الحسن بن علي (عليه السلام).
ويخاطب عتبة بن أبي سفيان عامل أخيه معاوية على المدينة والطائف، الناس في مكة فيقول: «فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تقطع دوننا» (98). كما يخاطب أهل مصر خطاباً يبين فيه حال بني أمية وحالهم فيقول: «يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا لكم بأطراف الرماح وظبات السيوف، حتى صرنا شجاً في لهواتكم ما تسيغه حلوفكم، وإقذاء في أعينكمهم تطرف عليها جفونكم» (99).
وخالد بن عبد الله القسري يخطب في مكة فيأمر الناس بالطاعة العمياء إذ يقول: «... فإني والله ما أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم (حيث يحرم القتل!) إن الله جعل الخلافة منه بالموضع الذي جعلها(؟) فسلموا وأطيعوا ولا تقولوا: كيت وكيت، إنه لا رأي فيما كتب الخليفة إلا ما رآه، إلا إمضاؤه...» (100).
وزياد يؤكد المعنى نفسه ويربطه بإرادة الله فيقول: «أيها الناس، إنا أصبحنا
________________________________________
(96)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 249 والدينوري، عيون الأخبار، مذكور سابقاً، م1، ص 9.
(97)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 206 و217 ومروج الذهب، مذكور سابقاً، م3، ص 3.
(98)ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق، دار الفكر 1988، م16، ص 62.
(99)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م4، ص 131.
(100)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 243.

[الصفحة - 51]


لكم ساسة وعنكم ذادة. نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا(!)...» (101).
ويزيد بن معاوية يلاحق الحسين بن علي (عليه السلام)إلى أن يقتله عامله مع أهل بيته وأصحابه دون مراعاة أي حرمة لبنوته لرسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم). وهو يهدد أهل المدينة فيقول: «... والله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم واترككم أحاديث تتسخ من أحاديث عاد وثمود» (102).
أما عبد الملك بن مروان فهو، حسب بعض الروايات، قد دس على ابن عمر من طعنه بحرية مسموحة فمرض فمات منها» (103).
وقد خطب عبد الملك بعد مقتل ابن الزبير، في المدينة فقال: «... ألا وأني لا أداوي أدواء هذه الأمة ألا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم... هذا عمرو بن سعيد وقرابته قرابته، وموضعه موضعه. قال برأسه: هكذا، فقلنا بأسيافنا: هكذا.. والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه» (104).
وقد بلغ الأمر بعبد الملك ألا يقبل التسمي باسم علي بن أبي طالب (عليه السلام)أو كنيته على أساس أن ذلك يمكن أن يعد رمزاً ولو بسيطاً إلى أدنى الحدود، من تأييد علي ومعارضة بني أمية. فقد دخل عليه علي بن عبدالله بن عباس: «فسأله عن اسمه وكنيته، فقال: علي أبو الحسن، فقال: لست احتملهما لك. فغيّر كنيته وتكني بأبي العباس، وقد علّق أبو نعيم في حلية الأولياء على ذلك بقوله: فلم يكن المرء حراً حتى في اسمه وكنيته» (105).
وقد أوصى عبد الملك ابنه الوليد قبل موته بقوله: «إذا متُّ فشمّر وائتزر والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه (لك) فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه» (106).
ثم أوصاه بالحجاج فقال: «يا وليد... وانظر الحجاج فأكرمه، فإنه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعن فيه قول أحد. وأنت إليه أحوج منه إليك» (107).
وقد أخذ الوليد بوصايا والده، فقد خطب بعد موت أبيه فقال: «واعلموا أنه
________________________________________
(101)الجاحظ، البيان والتبيين، مذكور سابقاً، ص 244.
(102)الزبير بن بكار، مذكور سابقاً، ص 198.
(103)السيوطي، تاريخ الخلفاء، مذكور سابقاً، ص 244.
(104)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 248.
(105)أبو نعيم، حلية الأولياء، م3، ص 72.
(106)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 250.
(107)المصدر نفسه.

[الصفحة - 52]


من أبدى لنا ذات نفسه، ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه» (108). وسار الحجاج على الطريق نفسه مؤكداً سياسته في الناس، فقال: «من تكلّم قبّلناه، ومن سكت مات بدائه غماً» (109).
وأضاف: «سوطي سيفي ونجاده في عنقي وقائمه في يدي وذبابة قلاده لمن اغترّ بي» (110).
وقد أحصي من قتلهم الحجاج صبراً (أي في غير معركة) «فبلغوا مائة ألف وعشرين ألفاً»(111).
وفي زمن سليمان بن عبد الملك اتهم نفر من قريش ومن بني أمية بالذات بالخروج على الخليفة، فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم، فأسكنهم السجن عشرين شهراً، ثم دس لهم السم فماتوا جميعاً، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلًا بعد أن أغرمهم مئة ألف ألف وباع عقر أموالهم ورباعهم وحمل العذاب عليهم والنكال حتى أصارهم عالة يتكففون الناس متفرقين في كور الشام وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم، وهم الذين كانوا ينشدون سيرة عمر بن عبد العزيز (112).
محاسبة الخلفاء
لقد لخص الوليد بن عبد الملك الموقف الأموي، من النقد والنصح ومعاملة الخليفة كسائر الناس فكان يقول: «لا ينبغي لخليفة أن يناشَد، ولا يكذَّب ولا يسميه أحد باسمه» وعاقب على ذلك(113).
وقد كرس ذلك حتى فيمن يذكره بموعد الصلاة، فقد «جلس على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرت الشمس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الوقت لا ينتظرك وأن الرب لا يعذرك. قال: صدقت، ومن قال مثل مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم مثل مقامك، من هاهنا من أقرب الحرس يقوم إليه فيضرب عنقه» (114).
وإلى هذا، فبعد أن حاول بنو أمية ترسيخ الجبرية بوسائل مختلفة، ورمتها أن معاوية كان يزعم أن مسألة يزيد قدر من الله، فقد حاول بنو أمية ترسيخ فكرة أن
________________________________________
(108)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م4، ص 90.
(109)المرجع نفسه، ص 117.
(110)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م4، ص 118.
(111)المصدر نفسه، م5، ص 46.
(112)السيوطي، مذكور سابقاً، ج2، ص 142.
(113)اليعقوبي، التاريخ، مؤسسة الأعلمي، ج2، ص 214.
(114)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م1، ص 71.

[الصفحة - 53]


الخليفة لا يحاسب حتى في الآخرة، فقد سأل الوليد ابراهيم بن أبي زرعة: «أيحاسب الخليفة؟»(115).
ولما ولى يزيد بن عبد الملك الخلافة، أتى بأربعين شيخاً فشهدوا له: ما على الخلفاء حساب ولا عذاب» (116).
وقال هشام بن عبد الملك وهو يؤكد الرأي بشكل غير مباشر: «لئن رضي الناس بالوليد (بن يزيد) ما أظن الحديث(!!) الذي رواه الناس أن «من قام بالخلافة ثلاثة أيام لم يدخل النار»، إلا باطلًا(117).
وقد خطب هشام عندما ولي الخلافة فقال: «الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام» (118).
التجسس
بدأ الأمويون باللجوء إلى المخابرات منذ وقت مبكر، وقد كلف بها العرفاء وكانوا يكرهون على ذلك، فهذا عبيدالله بن زياد يهدد العرفاء بقطع رزقهم وصلبهم على أبواب دورهم، إذا لم يوشوا بالمطلوبين وبالخوارج ومن يُرتاب في نواياهم. فقد خطب الناس عندما قدم الكوفة فقال: «سوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي. فليبقِ امرؤ على نفسه..» ثم نزل فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، فقال: «اكتبوا إلي الغرباء ومن فيكم من طلبة (المطلوبين) أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية (الخوارج) وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق. فمن كتبهم لنا فبرىء، ومن لم يكتب لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته ألا يخالفنا مخالف ولا يبغي علينا باغ. فمن لم يفعل برئت منه الذمة، وحلال لنا ماله وسفك دمه. وأيما عريف وجد في عرافته من بغية (مطلوبي) أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا، صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافة من العطاء...» (119).
أما عثمان بن حيان المري عامل الوليد بن عبد الملك في المدينة فقد أخذ على عاتقه التجسس على الناس ولم يتركه للعرفاء. فقد خطب يقول: «إني بعثت على مجالسكم من يسمع فيبلغني عنكم»(120).
كل هذا والله تعالى يقول: «ولا تجسسوا».
________________________________________
(115)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 254.
(116)المصدر نفسه، ص 282. راجع كذلك مختصر تاريخ دمشق، مذكور أعلاه، م27، ص 380.
(117)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 524.
(118)ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، م3، ج2، ص 137.
(119)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 267.
(120)المرجع نفسه، م5، ص 259.

[الصفحة - 54]


خلفاء بني أمية والشفافية
في صكوك حقوق الإنسان اليوم الحق بالحول على المعلومات، وإن كان هذا الحق حديث العهد، فإنه يرتبط بمبدأ أعم، هو مبدأ صدق الحديث وهو قديم العهد.
لقد استهان خلفاء بني أمية بالمبدأين، فراحوا يستخدمون الكذب ويشجعون عليه عندما تقضي مصلحتهم به، كما شجعوا الطاعة العمياء وامتدحوها.
ففي وصية معاوية ليزيد، يحضه على أن لا يسمح لجيش الشام بأن يتأدبوا بغير أدبهم (121)، وأدبهم هو ما أخبر به معاوية منذ أيام عثمان من أن بالشام مئة ألف فارس كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون علياً ولا قرابته، ولا عماراً ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحة و لاهجرته... (122).
ولغرض ما تمنى معاوية على عمرو بن مرة القضاعي أن يغير نسب قضاعة ونسبتها إلى عدنان، إلا أن الرجل صرح على الملأ أن قضاعة تنتمي إلى حمير (123).
أما عبد الملك بن مروان فكان ما يزال يعجب بالطاعة العمياء على الطريقة الجاهلية، فقد أخبر أن مالك بن مسمع «لو غضب.. لغضب معه مائة ألف سيف لا يسألونه في أي شيء غضب».
فقال عبد الملك: «هذا والله السؤدد» (124).
هذا ويروي المسعودي أن معاوية أقنع أهل الشام بأن يصلي بهم الجمعة يوم الأربعاء (125).
ولتبيان ما وصل إليه إخفاء الحقائق عن الناس في زمن الأمويين، فإن عبدالله بن علي من قادة العباسيين وجه إلى أبي العباس السفاح أشياخاً من أهل الشام «من أرباب النعم والرياسة، من سائر أجناد الشام فخلفوا لأبي العباس السفاح أنهم ما علموا لرسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى ولي العباسيون الخلافة(126).
________________________________________
(121)الجاحظ، البيان والتبيين، ص 280.
(122)الدينوري، الإمامة والسياسة، مذكور سابقاً، ص 46.
(123)تهذيب تاريخ ابن عساكر، مطبعة روضة الشام، 1322، ص 392.
(124)العقد الفريد، مذكور سابقاً، م1، ص 156.
(125)مروج الذهب، مذكور سابقاً، م2، ص 29.
(126)المرجع نفسه، ص 31.

[الصفحة - 55]


المساواة
لقد ضرب الخلفاء الأمويون بمبدأ المساواة عرض الحائط وكرسوا التمييز بمختلف صوره. فمعاوية يظهر تخوف على العرب من الموالي ويتمنى لو يقتل شطراً منهم ويبقي شطراً (127).
ثم بين العرب يميِّزون قريش على سائر الناس ويضيقون على أهل المدينة والأنصار خاصة، وفي قريش يحرمون من يعارضهم ويغدقون المال على من يواليهم.
فقد خاطب معاوية أهل المدينة يمن عليهم بحكمه ويتوعدهم بغيره قائلًا: فاقبلونا بما فينا، فإن ما وراءنا شر لكم، وأن معروف زماننا هذا منكر زمان مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت.
وعندما يشكو وفد الأنصار إلى معاوية ما يلاقونه من تمييز، ورغم أنه كان على رأسهم النعمان بن بشير الذي كان أبوه انحاز إلى قريش ضد قبيلته يوم السقيفة، فإن معاوية يجيبهم: «فما أمركم (النبي)؟» قالوا: «أمرنا أن نصبر. قال: فاصبروا» (128).
وإلى هذا كانت المحاباة للأصحاب والأصدقاء. فقد قيل لمعاوية: إن آذنك يقدّم معارفه في الأذن على وجوه الناس. فقال: وما عليه، إن المعرفة لتنفع في الكلب العقور والسبع الهصور والجمل الصؤول، فكيف في رجل حسيب ذي كرم ودين!» (129).
واستمر الأمر متفاقماً، ففي عهد هشام بن عبد الملك، حاول أحد القادة أن يقابل الخليفة على رأس سبعة عشر إنساناً، فصعب عليهم، فأتوا الأبرش فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين أن أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا أصاب، نفلهم دوننا وقال: هم أحق به. فقلنا: هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئاً، إن كان لنا، فهم منه في حل، وإن لم يكن لنا لم نرده. وقالوا: إذا حاصرنا مدينة، قال: تقدّموا وأخّر جنده، فقلنا: تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه، فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم، ثم أنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها.. يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فقلنا: ما أيسر هذا لأمير المؤمنين. فاحتملنا
________________________________________
(127)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م3، ص 415 و416.
(128)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 229.
(129)العقد الفريد، مذكور سابقاً، م1، ص 88.

[الصفحة - 56]


ذلك وخليناهم وذلك. ثم أنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة، ونحن مسلمون. فأحببنا أن نعلم: أعن رأي أمير المؤمنين ذلك أم لا. قال: نفعل. فلما طال عليهم ونفدت نفقتهم.. فخرجوا على عامل هشام فقتلوه واستولوا على أفريقيا» (130).
وللتدليل على مهانة الناس في مقابل قريش نورد هذه القصة، فقد روى الطبري قال: دخل ابن عمرو رجل من قريش (من بني أمية) على خالد بن عبد الله القسري، عامل هشام بن عبد الملك على العراق، فلم يحترمه، وقد تناوله بالكلام (عقاباً على فعلة فعلها). وكان خالد أدى خدمات جليلة إلى الأمويين. فكتب هشام إليه: إن أمير المؤمنين لم يفترشك عرة أهل بيته لتطأه بقدمك ولا تمد إليه بصرك، فكيف بك وقد بسطت على غرتهم بالعراق لسانك بالتوبيخ، تريد بذلك تصغير خطره واحتقار قدره. وزعمت بالنصفة، منه حتى أخرجك ذلك إلى الأغلاظ في اللفظ عليه في مجلس العامة غير متحلحل له حين رأيته مقبلًا من صدر مهادك الذي مهد له الله... فهلا يا ابن مجرشة قومك أعظمت رجلهم عليك وافداً ووسعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلًا، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرماً، ثم فاوضته مقبلًا عليه ببشرك، إكراماً لأمير المؤمنين: فإذا اطمأن به مجلسه نازعته بحيي السرار معظماً لقرابته عارفاً لحقه، فهو سن البيتين ونابهم وابن شيخ آل أبي العاص وحرب وغرتهم... فانهض على أي حال ألفاك رسول أمير المؤمنين وكتابه من ليل أو نهار، ماشياً على قدمك بمن معك من خولك، حتى تقف على باب ابن عمرو صاغراً مستأذناً عليه متنصلًا إليه، أذن لك أو منعك، فإن حركته عواطف رحمة احتملك، وإن احتملته أنفة وحمية من دخولك عليه، فقف ببابه حولًا غير متحلحل ولا زائل. ثم أمرك بعد إليه عزَلَ أو ولى، انتصر أو عفا» (131).
وهكذا فقد كان مطلوباً من العامل المخلص صاحب الأيادي البيضاء أن يتجاهل ما ارتكب القرشي الأموي ويوسع له في صدر مجلسه. أما وقد فعل غير هذا، فعليه أن يقصد بابه مستغفراً ذليلًا ويقف بذاك الباب فإن عفا عنه القرشي دخل وإلا فعليه البقاء ولو عاماً كاملًا بالباب، وبعدها يكون بقاؤه في منصبه رهن إرادة ذلك القرشي!
________________________________________
(130)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 313.
(131)المرجع نفسه، ص 468 و469.

[الصفحة - 57]


المساواة أمام القضاء
للتدليل على مستوى التدهور الذي أصاب هذه السلطة زمن الأمويين نأخذ مثالين في الأول نرى تفشي الرشوة وفي الثاني محاباة الأصدقاء:
فقد استعمل الحجاج قريبه «المغيرة بن عبد الله الثقفي على الكوفة، فكان يقضي بين الناس. فأهدى إليه رجل سراجاً من شبه (نحاس أصفر)، وبلغ ذلك خصمه، فبعث إليه ببغلة، فلما اجتمعا عند المغيرة، جعل يحمل على صاحب السراج، وجعل صاحب السراج يقول: إن أمري أضوأ من السراج. فلما أكثر عليه، قال: ويحك، إن البغلة رمحت السراج فكسرته» (132).
وكان عبد الله بن خالد بن عبد الله القسري ولي قضاء البصرة. فكان يحابي أهل مودته، فقيل له: أي رجل أنت لولا أنك تحابي؟
قال: وما خير الصديق، إذا لم يقطع لصديقه من دينه! (133).
خلفاء بني أمية والمال العام
نتناول مسألة الموقف من المال العام من الجانب المتصل بالمساواة بين الناس، ذلك أن الحاكم الذي يتصرف بأموال الناس يجب أن يتصرف وفقاً للقانون متمسكاً بمبدأ المعاملة الواحدة لمن يكون في وضع قانوني واحد، فإذا أعطى أثرة، أو درءاً لنقد أو تجريح أو رشوة فهو يكون أخل بمبدأ المساواة، وهذا ما مارسه خلفاء بني أمية.
فبعد أن حددت الشريعة طرائق صرف أموال المسلمين، عمد معاوية مذ كان والياً على الشام إلى توزيعه استنساباً، على أساس أن المال مال الله وهو بالنيابة يوزعه، وقد اصطدم بأبي ذر الغفاري فأمر عثمان بترحيله إلى المدينة، ولما وصلها نفي إلى الربذة (134).
ولما ولي معاوية الخلافة ولم يعد يخضع لرقيب أو حسيب، راح يوزع المال حسبما تقضي مصالحه، ويستأثر بما يروق له.
________________________________________
(132)الدينوري، عيون الأخبار، مذكور سابقاً، م1، ص 52.
(133)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م2، ص 358.
(134)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م3، ص 415 و416.

[الصفحة - 58]


فقد كتب زياد إلى الحكم بن عمرو عندما غزا «جبل الأشل» وغنم: «إن أمير المؤمنين (معاوية) كتب إلي أن أصطفي له صفراء وبيضاء (ذهباً وفضة) والروائع، فلا تحركن شيئاً حتى تخرج ذلك».
فكتب إليه الحكم: «أما بعد... فإن كتاب الله عز وجل قبل كتاب أمير المؤمنين»... وقال للناس: أغدوا على غنائمكم (135).
كما أن معاوية، ترك خراسان بكاملها لسعيد بن عثمان بن عفان (136)، كما أنه سامح عبد الله بن عامر عامله على البصرة بما جناه من مال عام هو وعماله (137).
ومن مظاهر المزاجية في تبذير المال وشراء الذمم أن وفداً قدم على معاوية، «فأعطى كل رجل منهم مائة ألف وأعطى (أحدهم، الحتات بن يزيد) سبعين ألفاً» وفي الطريق عرف كل ما نال أصحابه، فرجع الحتات إلى معاوية، وقال فضحتني في بني تميم. أما حسبي بصحيح؟ أولست ذا سن؟ أولست مطاعاً في عشيرتي؟ فقال معاوية: بلى. فقال: فما بالك خسست بي دون القوم. فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان (وكان مؤيداً له).
فقال: وأنا اشترمني ديني. فأمر له بتمام الجائرة (138).
وكان من أعطاهم معاوية المال يبخلون عليه عندما يحتاجه. فهو قد أعطى مصر بكل ما تدره من المال العام لعمرو بن العاص رشوة له ليسانده ضد علي (عليه السلام)، فكتب إليه يوماً: «أما بعد، فإن سؤال أهل الحجاز، وزوار أهل العراق قد كثروا علي وليس عندي فضل من أعطيات الجنود، فأعني بخراج مصر هذه السنة».
فكتب إليه عمرو شعراً:
مُعاويَ إنْ تُدركْكَ نفسٌ شحيحةٌ فما ورَّثَتْني مصرَ أُمِّي ولا أبي
وما نِلتُها عفواً ولكنْ شرطتُها وقد دارتِ الحربُ العوانُ على قطبِ
ولولا دِفاعي «الأشعريَّ» وصحبَه لَألْفَيتَها تَرْغو كَراغِيَةِ الشعبِ
فلما رجع الجواب إلى معاوية تذمم فلم يعاوده في شيء من أمرها (139).
________________________________________
(135)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 187.
(136)الدينوري، الإمامة والسياسة، مذكور سابقاً، م1، ص 214.
(137)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 163.
(138)المرجع نفسه، ص 180.
(139)أبو حنيفة الدينوري، مذكور سابقاً، ص 222.

[الصفحة - 59]


وكان معاوية قد كتب إلى عامله على مصر أن زد على كل امرىء من القبط قيراطاً. فكتب إليه العامل جواباً: كيف أزيد عليهم وفي عهدهم ألا يزاد عليهم؟ (140).
أما يزيد بن معاوية فلم يكن أكثر حرصاً من أبيه، فقد قدم عليه عبد الرحمن بن زياد من خراسان. فقال يزيد: «كم قدمت به معك من المال من خراسان؟ قال: عشرين ألف ألف درهم. قال: إن شئت حاسبناك وقبضناها منك ورددناك إلى عملك. وإن شئت سوغناك وعزلناك وتعطي عبد الله بن جعفر خمسماية ألف درهم». قال: «بل تسوغني ما نلت وتستعمل عليها غيري» (141).
كما أن عامل يزيد بن معاوية عزل عامله على سجستان «فقسم (العامل) وهو عباد بن عبيد الله بن زياد، ما في بيت المال على عبيده.. فذهب لعباد تلك الليلة ألف ملوك أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف» (142).
ولما ولي مروان بن الحكم الخلافة، تعجب أخوه عبد الرحمن (وكان ماجناً) من تولية من ولاه ليتحكم بتوزيع الأموال، تعبيراً عن الحال التي آلت إليها الأمور فقال:
فوالِ ما أَدْري وإنِّي لَسائلٌ حَليلةَ «مضروبِ القَفا» كيفَ تَصْنعُ
لحا الله قوماً أمَّروا «خيط باطلٍ» على الناسِ يُعطي ما يشاءُ ويمنعُ
(ومضروب القفا وخيط باطل هو مروان بن الحكم نفسه) (143).
على أن إعطاء المال لغير مستحقّيه كان عن منة وكان المنع يستخدم للإذلال. فهذا عبد الملك بن مروان يحرم خالد بن يزيد بن معاوية من عطائه، ولما سأل في ذلك يقول: «إنما يستحق عطيتي من استعطاها، إما من ظن أنه يستغني بنفسه فسنكله إليها» (144).
ومن مآثر عبد الملك أنه زاد على أهل قبرس من 1000 دينار التي كان معاوية قررها عليهم إلى الـ 7000 وبقي الأمر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز حيث ألغاها، فلما ولي هشام أعادها (145).
________________________________________
(140)البلاذري، فتوح البلدان، منشورات مؤسسة المعارف، 1987، ص 73.
(141)الطبري، م4، ص 234.
(142)المرجع نفسه، ص 361.
(143)أسد الغابة، مادة مروان بن الحكم.
(144)ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م2، ص 122. والدينوري، عيون الأخبار، مذكور سابقاً، م3، ص 130.
(145)راجع: البلاذري، مذكور سابقاً، ص 210 و211.

[الصفحة - 60]


كما أنه في عهد عبد الملك أحصي السكان مجدداً في خراسان، وكلف كل شخص سداد ما فرض عليه من الضريبة التي زيدت ثلاثة دنانير على ما كنت عليه من قبل (146).
وقد حاول الحجاج نفسه أن يأخذ ما يفيض من أموال السواد، فمنعه عبد الملك من ذلك (147). وكان من نتائج سياسة الحجاج التدني الفظيع في الإنتاج. فقد قال الخليفة عمر بن عبد العزيز: «ولي الحجاج العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة. فأخس به إلى أن صيَّره أربعين ألف ألف. ولقد أدى إلي عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف وكان يؤدي إلى عمر بن الخطاب مئة وعشر آلاف ألف (148).
وقد كان الخلفاء يستهلكون من المال القسط الأوفر على كمالياتهم وترفهم. فهذا هشام بن عبد الملك كان يقتني من الثياب ما قيل أنه حمل سبعماية بعير، وأنه قد اتخذ طرازاً ثميناً كان يحمل على تسعماية بعير وأنه وجد في خزائنه اثني عشر ألف قميص (149).
على أن الخيرات لم تكن أقل وفرة بالنسبة إلى الأقارب. فقد قال هشام، عندما حضرته الوفاة، لأهله: «جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم له بالبكاء» (150).
وإلى هذا فإن الأمويين كانوا لا يرفعون الجزية والخراج عمن يعتنق الإسلام وكان الحجاج في مقدمة من سن هذه السنة (151).
ومن اتبع سنة الحجاج، الأشرس بن عبد الله السلمي، وكان عاملًا لهشام على خراسان، الذي استعان بأبي الصيداء صالح بن طريف للتبشير بالإسلام في ما وراء النهر، واشترط عليه أبو الصيداء أن يرفع الجزية عمن يعتنق الإسلام، ولما دعا أبو الصيداء الناس على الشرط المذكور، سارعوا إلى الإسلام. ولكن الأشرس علم أن الخراج (انكسر) فحاول أن يلتف على الأمر، فكتب إلى عامله يشكك في إسلامهم ويقول له: «... فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسن إسلامه وقرأ سورة من القرآن فارفع عنه خراجه. وقد حاول يزيد بن أبي مسلم، وكان والياً على أفريقيا، أن يسير بسيرة الحجاج في إبقاء الجزية والخراج على من يعتنق الإسلام ولكن الناس تحركوا وقتلوه.
________________________________________
(146)أبو يوسف الخراج، دار الفكر، بيروت، ص 23.
(147)الماوردي، الأحكام السلطانية، مكتب النشر الإسلامي 1406، ص 149.
(148)ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية، 1994، ج9، ص 118.
(149)راجع الإمامة والسياسة، مذكور سابقاً، ص 147، ومختصر تاريخ دمشق، دار الفكر 1990م، م27، ص 98 و101/ ابن عبد ربه، مذكور سابقاً، م3، ص 210.
(150)الدينوري، عيون الأخبار، مذكور سابقاً، م3، ص 130.
(151)راجع تاريخ اليعقوبي، مؤسسة الأعلمي، ج2، ص 214. وحسن إبراهيم حسن. تاريخ الإسلام، مذكور سابقاً، م1، ص 474 نقلًا عن فون كريمر، تاريخ الشرق تحت الخلفاء، بالإنكليزية، ص 208.

[الصفحة - 61]


وللتدليل على أثر رفع الجزية في دفع الناس إلى الإسلام، فإن نصر بن سيار خطب سنة 121 في مرو وأمر بوضع الجزية عن المسلمين.. فما كانت الجمعة الثانية حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم»(152).
هذا وقد قال عتاب بن اللقوة الغداني لبكير بن وشاح السعدي محرّضاً إياه ضد أمية بن عبد الله: «يكفيك أن ينادي منادٍ: من أسلم رفعنا عنه الخراج. فيأتيك خمسون ألفاً من المصلين أسمع لك وأطوع» من أهل مرو (153).
خلفاء بني أمية والمال الخاص
لقد حمى الإسلام الملكية الخاصة إذا كانت محصلة بطرق شرعية. إلا أن معاوية من تلاه لم يكونوا يعترفون بهذا المبدأ عندما كانت مصلحتهم تقضي بذلك. فقد قطع معاوية عطاء من يوالي علياً، إلا من يتردد عليه من الوجهاء ومن يرجو ودهم أو يتقي غضبهم، والعطاء حق. وإلى ذلك عمد إلى المصادرة والابتزاز. فقد كان قد ضيق على أهل المدينة حتى انتزع أملاكهم بأثمان زهيدة، وبعد موته كلموا عامل يزيد فقالوا: «قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا وأن معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا درهماً فما فوقه، حتى مضّنا الزمان، ونالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها. فأغلظ لهم (عامل يزيد) في القول وأغلظوا له» (154).
كما كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ليصادر مال النابغة الجعدي وأهله الواقع تحت يده، لأن النابغة خرج مع علي إلى صفين. وبعد تولي معاوية الخلافة أتاه النابغة وأنشده شيئاً من الشعر. فالتفت معاوية إلى مروان فقال: ما ترى؟ قال: أرى أن لا ترد عليه شيئاً. فقال معاوية: ما أهون والله عليك أن ينحجر هذا في غار ثم يقطع عرضي علي ثم تأخذ العرب فترويه.. أردد عليه كل شيء أخذته منه» (155).
وهكذا فهو لم يرد المال لأنه تعسف في مصادرته بل خوفاً من تناقل العرب شعراً في هجائه.
ومن أنباء المصادرات ما قام به أخ للحجاج في اليمن، حيث فرض ضريبة غير مشروعة مما أثار حنق الناس وسخطهم..
________________________________________
(152)الطبري، م5، ص 492 و493.
(153)المرجع نفسه، ص 129.
(154)السيوطي، مذكور سابقاً، ج1، ص 228.
(155)الأصفهاني، الأغاني، مذكور سابقاً، م4، ص 139.

[الصفحة - 62]


ومن يراجع المؤلفات التاريخية والأدبية يقع على الكثير الذي لا يمكن الإحاطة به.
الحنث بالعهود
ركز القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف على الوفاء بالوعود واحترام العهود كما هو معلوم، إلا أن خلفاء بني أمية كانوا يضربون بهذا المبدأ عرض الحائط بمجرد أن يتعارض مع مصالحهم وحتى مع رغباتهم. ولعل قصة معاوية مع عبد الله بن سلام ـ وهو من قريش ـ نموذج لاستخدام الوعود بالأمور البسيطة ثم الحنث بها. فقد رغب يزيد بالزواج من ارينب بنت إسحق زوجة عبد الله بن سلام. فدبر معاوية مكيدة لتحقيق ذلك. فأخبر عبدالله بن سلام أن الخليفة يريد أن يزوجه ابنته. واستخدم أبا هريرة وأبا الدرداء وافهمها أنه يريد ذلك» لعل من يكون بعده يهتدي بهديـ(ه). ولما اقتنع ابن سلام اشترط عليه أن يطلق زوجته أرينب بنت إسحق، ففعل، ولما أتى خاطباً ابنة معاوية رفضت، (بعد أن كانت تظاهرت بالقبول).
وبعد انقضاء عدة ارينب، أرسل معاوية أبا الدرداء، الصحابي، إلى العراق ليخطبها ليزيد، فمر بالحسين بن علي (عليه السلام)لزيارته قبل مباشرة مهمته، ولما أخبر الحسين (عليه السلام)، طلب منه الحسين أن يخيرها بينه وبين يزيد، ففعل، فاختارت الحسين. ولما عاد أبو الدرداء، لامه معاوية على ما فعل.
ولما عاد زوجها إلى العراق، أراد أن يسترجع مالًا كان لا يزال له في ذمتها، فقصد الحسين ليستأذنه في كلامها، فوافق الحسين وطلقها ورجعت إلى زوجها (156).
وفي الأمور الأكثر أهمية، أن أرسل عبيدالله بن زياد، عامل يزيد على العراق، أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث ليأتياه بهانىء بن عروة من أنصار الحسين، وسمح لهما بأن يعطياه الأمان إذا لزم الأمر، فذهبا إليه وأعطياه الأمان، فلما وصل إلى قصر ابن زياد، أمر بقتله فقتل (157).
وعندما ثار أهل المدينة وتركوا بني أمية المقيمين فيها يخرجون سالمين
________________________________________
(156)السيوطي، مذكور سابقاً، ج1، ص 95 وما بعدها.
(157)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 280 وما بعدها.

[الصفحة - 63]


وأخذوا عليهم عهد الله وميثاقه أن «لا تبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا لنا عدواً».
وخرج بنو أمية، فلما التقوا بالجيش القادم من الشام، نصحهم عبد الملك بن مروان وحنث بكل ما وعد بنو أمية أهل المدينة به (158).
أما مروان بن الحكم، فقد شجعه سعيد بن العاص أن يسعى للخلافة، ووعده بأن يساعده على أن يكون ولي عهده، فوعده بذلك.
إلا أن مروان بعد أن استولى على الحكم، عقد العهد لولديه عبد الملك وبعده عبد العزيز.
ولما ولي عبد الملك بن مروان لم يرضخ سعيد، وأرسل عبد الملك يوماً يدعوه فأتى مع مجموعة من أصحابه. ولما وصلوا، حجز المرافقون على الباب وأدخل عمرو بن سعيد، وإذا بهم يهجمون عليه ويكبلونه ويقتلونه، وكان ذلك حسب السيوطي أول غدر في الإسلام (159).
وإلى هذا، وبعد أن كان مروان بن الحكم ولى عهده ابنه عبد الملك على أن يخلفه ابنه عبد العزيز، فقد حاول عبد الملك أن يخلع أخاه لولا أن نصحه بعض الأصدقاء بالتريث، وقد مات عبد العزيز بعدها بمدة قصيرة (160).
خلفاء الأمويين والقانون الإنساني في الحرب
لم يقم الخلفاء الأمويون وزناً للشريعة في حروبهم الداخلية، فأمعنوا قتلًا بالناس من المقاتلين وغير المقاتلين الذين يشكّون بولائهم، ونهبوا الأموال وقتلوا النساء والأطفال وضربوا دور العبادة وقتلوا الجرحى ومثَّلوا بالأحياء والأموات. وباختصار لم يتورعوا عن أي فعلة يمكن تصورها، ضد خصومهم أو من يظنونهم كذلك.
أما الغزو فقد تحول إلى نهب واستيلاء، ومن أدلة ذلك ما كتبه زياد بن أبيه إلى الحكم بن عمرو يغريه بغزو جبل الأشل إذ قال له: «إن أهل هذا الجبل سلاحهم اللبود وآنيتهم الذهب»، فغزاهم.
________________________________________
(158)المرجع نفسه، ص 272 وابن سعد، مذكور سابقاً، م5، ج1، ص 167.
(159)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 595 ـ 599 والسيوطي، مذكور سابقاً، ص 248.
(160)ابن سعد، مذكور سابقاً، ص 175.

[الصفحة - 64]


أما في الغارات الداخلية، فقد أرسل معاوية بسر بن أرطأة في ثلاثة آلاف إلى البلاد المؤيدة لعلي (عليه السلام)، وأمره أن يقتل ويروّع. فهاجم المدينة وقدم دوراً فيها وذبح طفلين لعامل علي (عليه السلام)على اليمن عبيد الله بن العباس. كما قتل في مسيرته تلك «جماعة كثيرة من شيعة علي في اليمن، كما قتل في المدينة، على مدى شهر، كل من قيل إنه ساعد على قتل عثمان. وقد رمى جماعة من بني كعب مع أولادهم في بئر» (161).
وفي مذبحة كربلاء، قتل الرجال ولم يتورع جيش عبيد الله بن زياد عن قتل الأطفال وسبي نساء بيت النبوة.
أما في موقعة الحرة، فكان يزيد أوصى قائده مسلم بن عقبة بقوله: «فإذا قدمت المدينة، فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على جريحهم، وأقبل على مدبرهم، وإياك أن تبقى عليهم... فقتل.. من قريش والمهاجرين والأنصار ووجوه الناس ألفاً وسبعماية، ومن سائر الناس عشرة آلاف». وقال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها، فطلب منها مالًا، وهدد بقتلها مع الصبي، فقالت له: هذا ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم). فلما لم تعطه مالًا انتزع الوليد والثدي فمه، فضرب به الحائط، فانتثر دماغه.. (162).
«ودعا مسلم بن عقبة بقبا إلى البيعة وطلب الأمان لرجلين من قريش ورجل من أشجع. فأتي بهم بعد الوقعة بيوم. فقال: بايعوا، فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنة نبيه. فقال: لا والله لا أقيلكم هذا أبداً. فقدمهما فضرب أعناقهما... وأتى يزيد بن وهب بن زمعة. فقال: بايع. قال: أبايعك على سنة عمر. قال: فاقتلوه... ثم قال: بايعوا على أنكم خول (عبيد) ليزيد بن معاوية» يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء» (163).
ثم سار الجيش إلى مكة لقتال ابن الزبير، وفي المعركة احترقت «أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل، وكانا في السقف» (164).
أما في أيام عبد الملك، فلم تكن الأمور أفضل، فهو يكلف وحدة عسكرية أن
________________________________________
(161)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 134.
(162)السيوطي، مذكور سابقاً، م1، ص 238.
(163)الطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 378 ـ 381.
(164)السيوطي، مذكور سابقاً، ص 237 والطبري، مذكور سابقاً، م4، ص 383.

[الصفحة - 65]


تأتيه بكل «من يطيق أن يلقانا» من بني فزارة، فتفعل، فيقتل من أتوا بهم، وكانوا نحواً من مئة، ويصادر أموالهم.
أما قائده حميد بن بحدل الكلبي، فبعد معركة مع عمير بن الحباب في منطقة قرقيسيا، قطع الشفاه العليا للأسرى والقتلى، وكذلك أنوفهم، وسلكها في خيط وحملها إلى الشام (165).
كما أن الحجاج في العهد نفسه، هدم الكعبة بالمنجنيق في معركته مع ابن الزبير وأعاد بناءها(166).
أما حنث العهود والخديعة فيها فكانت سنة عند الحجاج، فقد خدع مقاتلي ابن الأشعث بعد الهزيمة، فلما استسلموا، قتلهم وكانوا أحد عشر ألفاً. وكان يسأل الرجل: أتشهد على نفسك بالكفر، فإذا قال: نعم. بايعه وإلا قتله» (167).
وسأل الحجاج عمير بن ضابىء التميمي عن دوره في قتل عثمان، فاعترف بمشاركته في الحملة، فقتله وكان شيخاً كبيراً، وأنهب ماله (168).
وأتي الحجاج برجل من أهل البصرة لم يلتحق بالجيش، فسأله فقال «إن بي فتقاً قد رآه الأمير فعذرني، فلم يقبل منه وقتله (169).
أما في موضوع قتل النسا، فقد كان الحجاج وجه سفيان بن الأبرد الكلبي لقتال شبيب بن يزيد الشيباني الحروري، فقتله.. وأخذ رأسه وأرسله إلى الحجاج وقتل امرأته وأمه (170).
كما أتي الحجاج بامرأة من الخوارج فأخذ يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاماً. فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه. فقالت: إني لأستحيي من الله أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فأمر بها فقتلت (171).
كما قتل جند الحجاج غزالة امرأة شبيب بن يزيد بعد أن هزموه وفر، ففخر الحجاج بذلك وقال: «إن شبيباً ترك امرأته يكسر في استها القصب» (172).
أما في موضوع الغدر في القتال، فإن قادة الحجاج لم يكونوا يتورعون عن الهجوم ليلًا أو من الخلف، فسورة بن الجبر يبيت الخوارج في النهروان ولكنهم
________________________________________
(165)الأصفهاني، الأغاني، مذكور سابقاً، م17، ص 114.
(166)السيوطي، مذكور سابقاً، م1، ص 144.
(167)الطبري، مذكور سابقاً، 5/184 و189.
(168)المرجع نفسه، ص 44.
(169)المرجع نفسه، ص 46.
(170)اليعقوبي، التاريخ، مذكور سابقاً، ج2، ص 195.
(171)ابن الأثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية 1994، ج9، ص 117.
(172)الطبري، مذكور سابقاً، م5، ص 95.

[الصفحة - 66]


ينتبهون (173)وخالد بن عتاب يأتي جماعة شبيب بن يزيد من الخلف ويقتل أخا شبيب وزوجته(174).
وقتيبة بن مسلم يؤمن نيزك طرخان، فلما أتوه به قتله مع سبعماية من أصحابه. فقال ثابت قطنة في ذلك:
«ولا تحسبن الغدر حزماً فربما ترفت به الأقدام يوماً فزلتِ (175)
كما أن قتيبة أوقع بأهل الطالقان بخراسان... فقتل من أهلها مقتلة عظيمة وصلب منهم سماطين (صفين) أربعة فراسخ في نظام واحد» لأن ملك الطالقان واعد نيزك طرخان أن يسانده ضد قتيبة(176).
وقد وصف كعب الأشقري «مآثر» قتيبة تلك في قصيدة فقال:
كلَّ يومٍ يحوي قتيبةُ نهباً ويزيدُ الأموالَ مالًا جديدا
دوَّخَ السُغْدَ بالكتائبِ حتّى تركَ السغدَ بالمراءِ قُعودا
فوليدٌ يبكي لفقدِ أبيهِ وأبٌ موجعٌ يبكي الوليدا
كلَّما حلَّ ببلدةٍ أو أتاها تركتْ خيلُه بها أُخدودا (177)
أما يزيد بن المهلب فقد قتل من أهل دهستان بعدما سلمها ملكها، أربعة عشر ألف تركي صبرا(178)، وقتل من أهل جرجان أربعين ألفاً (179).
ثم ثار يزيد بن المهلب على السلطة الأموية زمن يزيد بن عبد الملك، فلما هُزم ابن المهلب بعث الخليفة من يقتل كل من بلغ الحلم من آل المهلب ففعل، وأتي بغلامين فسأل أحدهما: أدركت؟ قال: نعم ومد عنقه فضربها. وأثخن القتل في آل المهلب حتى كاد يفنيهم، رغم كل خدمات آل المهلب للأمويين (180). وعلى الخطى نفسها سار هشام بن عبد الملك الذي لم يكتف بقتل زيد بن علي وصلبه مقلوباً عارياً، بل قتل امرأته على «يدي يوسف بن عمر الثقفي» في الحيرة (181).
أما آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد فقد هزم سليمان بن هشام بن عبد الملك وأمر ألا يؤتى بأسير إلا قتل إلا عبداً مملوكاً، فكان القتلى أكثر من ثلاثين ألفاً، وفي زمنه قتل عامله على المدينة، فتحرك ابن أخي العامل إلى الذين قتلوه
________________________________________
(173)المرجع نفسه، ص 61.
(174)المرجع نفسه، ص 95، 96، 100.
(175)المرجع نفسه، ص 338 و339.
(176)المرجع نفسه، ص 230.
(177)المصدر نفسه، ص 355.
(178)المرجع نفسه، ص 295.
(179)المرجع نفسه، ص 302.
(180)المسعودي، مذكور سابقاً، ص 185.
(181)المرجع نفسه، ص 230.

[الصفحة - 67]


فقتل منهم مقتلة عظيمة، وبقربطون نسائهم وقتل الصبيان وحرق بالنيران من قدر عليه منهم(182).
الخلاصة
مما عرضنا، يتبين أن تهمة الكسروية والقيصرية التي لحقت بالأمويين، منذ معاوية وحتى مروان بن محمد، ليست تهمة جزافية، على أن الكسروية والقيصرية، احتملت ملوكاً عادلين بمقاييس العصر، أما «الأموية» فباستثناء عمر بن عبد العزيز، لم تحتمل مثل هؤلاء الملوك، بل أن الأمويين عادوا، وإن كانوا يعترفون بشعائر الإسلام ظاهراً، ولو مشوهة بعض الأحيان، إلى عصور تأليه الملوك. ذلك أن الحاكم الذي يستبدل إرادته بإرادة الله، ويقيم حكم هواه بدلًا من حكم الله، إنما يكون قد وضع نفسه في مكان صاحب العزة في هذا المجال وراح يتحكم بعباد الله، وكأنه مالك لنفوسهم يقتلهم عندما يشاء وكيفما يشاء، ومالك لحريتهم يستعبدهم كلما لزم الأمر، وبأية طريقة استطاع، ولأموالهم سواء العامة أو الخاصة، التي لا يردعه رادع عن التحكم بصرفها وحرمان أصحابها منها.
________________________________________
(182)الطبري، مذكور سابقاً، م6، ص 70.

[الصفحة - 68]