البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظرة إلى دولة الإمام المهدي(عج) العالميَّة

الباحث :  أ.علي محمد الخراساني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  24
السنة :  السنة السادسة شتاء 1422هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1596
نظرة إلى
دولة الإمام المهدي(عج) العالميَّة

أ.علي محمد الخراساني

تمهيد
قال الإمام الصَّادق(عليه ‏السلام) في وصف سيرة الإمام المهدي(عج): «... وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ويعمل فيهم بعمله» (1).
بالتَّأمُّل في كلمات الأنبياء ورسل السَّماء، حول نهاية العالم، نتيقَّن أنَّ الفكر الدِّيني يرسم خاتمة سعيدة لها ولنهاية حياة الإنسان على الأرض.
فبالرّغم من جميع ما يتعرَّض له تاريخ البشريَّة من فسادٍ وظلمٍ وانحرافٍ ودمارٍ، سينتهي اللَّيل المظلم، ويطلع فجر جديد لحياة الإنسان في ظلِّ القائد الإلهي الكبير والمحبوب في السَّماء والأرض، والمحبوب عند الإنس والجن وجميع المخلوقات.
وسيطَّلع العالم الباحث عن الحقِّ والعدل على واقع الحكم الإلهي، وسيتمنَّى الأحياء عندئذٍ رجوع موتاهم ليروا كيف يجري بحر المعرفة في قلوب طلاَّب الحقّ،وكيف يتعايش الذِّئب مع الشَّاة بسلام، وتتآلف البشريّة عائلة واحدة تحت حكم الإمام (عج).
وفي عقيدتنا، أنَّ هذا الوعد الإلهي ليس مجرَّد وهمٍ أجوف، بل هو حقّ لا ريب فيه، فالله لا يقول غير الحقّ، ومنجز ما يعد به.
وفي هذا البحث، سنلقي نظرة عابرة على الأبعاد المختلفة للحياة في مجتمع الإمام المهدي(عج).
________________________________________
(1)بحار الأنوار، ج‏52، ص 337، ح‏78.

[الصفحة - 302]


وبما أنَّ هذا البحث يعتمد، في الأساس، على النُّصوص الواردة، فسنعتمد على ما يمكن من الآيات والأحاديث في هذا الصَّدد لرسم الصُّورة الواضحة للمجتمع الذي يشيّده الإمام المهدي (عج).
1- في البُعد العقدي:
إذا أمعنت النَّظر في أجواء دولة المهدي لن تجد في مجتمعه أثراً للكفر أو الشِّرك أو الإلحاد أو عبادة الأصنام.
فكما خرَّ صرح أكبر أعداء العقيدة وعالم الغيب، ونعني به مركز الماديَّة وأصالتها- أي الاتحاد السوفياتي- وتهدَّم، فسوف تتهدَّم صروح دول الكفر والشِّرك الباقية جميعها، وسيعمّ شعار التَّوحيد جميع أرجاء المعمورة، وستؤمن المجتمعات البشريَّة بالله الواحد وستعبده تعالى من دون سواه.
وستجد البشريَّة، ببركة حكم الإمام المهدي (عج)، ضالَّتها، ألا وهي كمال الوجود، وستعشقه وتخضع له، الجميع يعبدون الله الواحد، ولهم كتاب واحد (القرآن الكريم)، ويتوجَّهون إلى قبلةٍ واحدةٍ (الكعبة) في صلاتهم، والشِّعار في أنحاء الأرض جميعها هو الأذان، وستُلجمُ الشَّياطين وأتباعهم وتُغَلُّ أيديهم. وستحيا الأرض الميِّتة مرة أخرى بنور الإيمان، وتسري الحياة في جميع جوانب البشريَّة: المعنويَّة والماديَّة. وستحطَّم الأصنام والصُّلبان، وسيهبط المسيح (عليه ‏السلام)، ويلتحق بركب الإمام المهدي(عج) ويقتدي به. وقد ورد العديد من الرِّوايات في هذا الصَّدد، ومنها:- «إذا خرج القائم لم يبق كافر بالله العظيم» (2).
- قال الإمام الباقر (عليه ‏السلام) في تفسير الأية: {اعلموا أنَّ اللهَ يحيي الأرضَ بعدَ موتها } (3): «.. يحيي الله تعالى بالقائم بعد موتها، يعني بموتها كفر أهلها، والكافر ميّت» (4).
- ويكسر الصَّليب (5).
- «... وبالقائم منكم أعمِّر أرضي، بتسبيحي وتقديسي وتهليلي وتكبيري وتمجيدي وبه أطهِّر الأرض من أعدائي» (6). فالتَّهليل والتَّكبير والتَّسبيح والحمدهو
________________________________________
(2)تفسير نور الثَّقلين، ج‏2، ص 27.
(3) الحديد: 17 .
(4)تفسير نور الثَّقلين، ج‏5، ص 242، وبحار الأنوار، ج‏47، ص 54.
(5)بحار الأنوار، ج‏47، ص 61.
(6)نفسه، ج‏47، ص 66.

[الصفحة - 303]


ما تلهج به الألسنة آنذاك، وبذلك ستطهَّر الأرض من رجس أعداء الله.
- «... لا تبقى في الأرض بقعة عُبد فيها غير الله إلاَّ عُبد الله فيها» (7).
فستتبدَّل مراكز عبادة الأصنام إلى بيوت ذكر الله وعبادته.
- «... فلا يبقى في الأرض معبود دون الله من صنمٍ وشيءٍ وغيره إلاَّ وقعت فيه نار فاحترق»(8).
- «.. وكلّ ما كان في الأرض معبود سوى الله تعالى تنزل عليه نار من السَّماء فتحرقه» (9).
- «.. إذا قام القائم لم يُعبد إلاَّ الله عزَّ وجلَّ» (10).
فما أحلى هذه الدَّولة وذلك العصر، فحينها ستستيقظ البشريَّة من سباتها العميق الذي استغرق آلاف الأعوام، وتفهم حينئذٍ أنَّ شياطين الإنس والجن والطَّواغيت وأتباعهم قد استغفلتها، وعن طريق الإغراء والإكراه والتَّزوير والتَّحريف عبر هذه السِّنين الطَّويلة، وأبعدتها عن الله العزيز وألقتها في مستنقع الكفر والإلحاد والشِّرك.
وكيف أنَّهم تدنّوا في مستوياتهم وانحطَّت نفوسهم فخضعوا للأصنام التي نحتوها بأيديهم، وعبدوا ما لم ينفعهم ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، وابتعدوا عن الله العزيز الجبار.
2- هيمنة الإسلام على العالم
ليس الإيمان بالله وتوحيده وعبادته وحده هو الذي سيهيمن على البشريَّة، بل إنَّ التَّوحيد الخالص سيسري في العالم كلّه، ويضحى دين الإسلام الدِّين الرَّسمي للأرض كلّها.
ولقد أنبأنا القرآن الكريم بسيطرة الإسلام وغلبته على باقي الأديان الرَّائجة في الأرض، وفي غير موضع في الكتاب المجيد كرَّر هذا المفهوم:قال تعالى: {هوَ الّذي أرسلَ رسولهُ بالهدى ودينِ الحقِّ ليظهرهُ على الدِّينِ كلِّهِ ولو كرهَ المشركون } (11)ومثله ورد في سورة الصَّف (آية 9) ونحوه في سورة الفتح
________________________________________
(7)نفسه .
(8)منتخب الأثر، ص 292.
(9)نفسه، ص 436.
(10)نفسه، ص 471.
(11) التوبة: 33 .

[الصفحة - 304]


(آية 28). . ولا شكَّ في أنَّ مصداق هذه الآيات المباركة لم يتحقَّق حتى الآن، وسيتمّ تحقُّقه في دولة الإمام المهدي(عج)، وقد بيَّنت ذلك روايات عديدة نورد بعضها على سبيل الذِّكر:- «.. إنَّ ذلك يكون عند خروج المهدي، فلا يبقى أحد إلاَّ أقرَّ بمحمد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ولا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلاَّ أدخله الله كلمة الإسلام» (12).
وأقرب الوسائل لتحقُّق ذلك هو خضوع العالم كلّه لحكم الإمام المهدي(عج)، فيسهل على النَّاس جميعهم التَّعرف إلى الإسلام، وهم في بيوتهم من خلال وسائل شبكات الاتصال المتطوِّرة في ذلك الوقت.
وقد جاء في تفسير الآية الكريمة: {وقاتلوهُمْ حتّى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدِّينُ لله} (13)عن الإمام الصَّادق(عليه ‏السلام) : «... وليبلغنَّ دين محمَّد ما بلغ اللَّيل حتّى لايكون مشرك على ظهر الأرض حتماً وجزماً» (14).
- «... إذا قام القائم لا يبقى أرض إلاَّ نودي فيها شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله»(15).
- «... ويبسط الإسلام على الأرض» (16)فسينهض الإمام المهدي(عج) اوَّلاً ببسط نفوذ الإسلام الأصيل على الأرض، ويتلوه تبعاً لذلك نفوذ أنظمته السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها... وفاعليتها.
- «... فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممَّن يعبد غير الله إلاَّ آمن به وصدَّقه، وتكون الملَّة واحدة ملَّة الإسلام» (17).
- ويُقبل النَّاس على العبادات والشَّرع والتَّديُّن والصَّلاة في الجماعات (18).
نعم سيسود التَّديُّن مجتمع ذلك العصر، وسيُقبل النَّاس على الالتزام بأحكام الدِّين وشعائره، وكما قال الإمام علي(عليه ‏السلام): «إذا تغيَّر السُّلطان تغيَّر الزَّمان» (19), فإذا صلح الحاكم تغيَّر المجتمع تبعاً له وصلح، فمن الطَّبيعي إذا كان الحاكم من أهل عبادة الله ويعبده حقّ عبادته (20)أن يترك تأثيراً عملياً على المجتمع وسيرورته إلى الالتزام الدِّيني، فيصبح الالتزام الديني لدى هذا المجتمع فضيلة كبرى.
________________________________________
(12)مجمع البيان، ج‏5، ص 25.
(13) البقرة: 193 .
(14)منتخب الأثر، ص 394.
(15)بحار الأنوار، ج‏48 ، ص 340.
(16)منتخب الأثر، ص 292.
(16)منتخب الأثر، ص 292.
(17)نفسه، ص 436.
(18)نفسه، ص 477.
(19)نهج البلاغة، القسم الأخير من الرسالة 3، ص 405.
(20)منتخب الأثر، ص 469.

[الصفحة - 305]


ونذكر مثالاً لذلك هو ما حدث في إيران الإسلام بعد قيام الثَّورة الإسلامية المباركة والإطاحة بالحكم الطاغوتي الفاسد؛ حيث نشأ جيل جديد، بعد الثَّورة الإسلامية، رفض الاتِّجاهات المنحرفة والانسياق وراء الشَّهوات، ووصل في كماله إلى أعلى درجات السّموّ والرفعة في الحياة وأعلى درجات الكرامة والإنسانيَّة،ألا وهي نيل الشَّهادة التي ليس فوقها برّ في سبيل الله.
وسيسري هذا الوعي في أرجاء المعمورة جميعها، وسيتسابق النَّاس في فعل الخيرات والمغفرة الإلهية تحت راية التَّوحيد ورسالة النَّبيّ الخاتم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ المقصود من القول: «فلا يبقى يهودي ولا نصراني..» الذي ورد في بعض الرِّوايات، ليس خلو الأرض من اليهود والنَّصارى والمشركين،بحيث لا يوجد على ظهر الأرض إلاَّ المؤمن الموحِّد، بل المراد منه أنَّ مظاهر المجتمع وحياته العامَّة لا يكون فيها مظهر من مظاهر الكفر والإلحاد، ويزول عنه حكم الكفرة وأتباعهم، وتزول جميع العوامل المضادَّة للإيمان وهداية الإنسان.
وإلاَّ فما دام الإنسان له حق الاختيار (وهكذا كان الإنسان وسيبقى موجوداً مختاراً مستقلاً في إرادته) لا يمكن سلب اختياره عن ذاته.
فسيبقى احتمال وجود الإنسان المنحرف، وما جاء به القرآن الكريم من آيات مثل: {إنَّا هديناهُ السَّبيلَ إمَّا شاكراً وإمَّا كفوراً } (21), و {فمن شاءَ فليؤمنْ ومَن شاءَ فليكفرْ } (22)تعدّ عامَّة لجميع مراحل البشريَّة عبر التَّاريخ، وتبيّن حال الإنسان في سلوكه.
ولذلك، أيضاً، نرى، على العكس من ذلك، في المجتمعات المنحرفة ودول الكفر والطَّواغيت، أنَّه يمكن العثور على بعض المؤمنين الصَّالحين الموحِّدين لله تعالى، كما يحكي ذلك القرآن الكريم في شأن آسية امرأة فرعون التي تعدّ من نساء أهل الجنة.
نعم، من المسلَّم به في مجتمع الإمام المهدي (عج) أنَّه سيكون الإسلام هو الدِّين الرَّسمي، وسيعمّ أرجاء الأرض جميعها، فلا يبقى بيت في مدينة أو قرية إلاَّ
________________________________________
(21) الدَّهر: 1 .
(22) الكهف: 29 .

[الصفحة - 306]


وقد دخله ذكر الإسلام واسمه، ولا يمنع ذلك من وجود أقليَّة دينيَّة من اليهود والنَّصارى وغيرهم تعيش مع المسلمين بشرائط أهل الذِّمة في ذلك المجتمع، كما كان الأمر في صدر الإسلام، في زمان حكم الرَّسول (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وحكم الإمام علي(عليه ‏السلام).
فالإمام المهدي(عج) لا يلجأ إلى إكراه النَّاس على الإيمان، بل يدعوهم إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وبمنطق القرآن في الدَّعوة، وما يُذكر من إرساله الجيوش والقوَّة العسكرية إنَّما هو لقلب الأنظمة الكافرة والظَّالمة وإرساء القاعدة للحكومة العالميَّة للإسلام. وليست تلك القوَّة لإجبار النَّاس على اعتناق الدِّين الإسلامي، فمن الواضح أنَّ الإيمان أمر قلبي لا يمكن إيجاده بالإكراه والتَّخويف. وحتى النَّبيّ الأكرم (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يلجأ إلى هذا الأسلوب: {لستَ علَيهمْ بمُصَيطر}(23).
3- تكامل العقول والأفكار
فكريَّاً، ستتطوَّر البشريَّة في عصر الإمام المهدي(عج)، حيث تتكامل عقول النَّاس وتبلغ الدَّرجة العليا من النُّضج والرُّقي.
وقبل التَّعرُّض للرِّوايات الواردة، في هذا الشَّأن، من المناسب معرفة مواصفات العاقل من خلال حديث الإمام موسى بن جعفر (عليه ‏السلام) لهشام بن الحكم:«يا هشام! لكلِّ شيءٍ دليل، ودليل العاقل التَّفكُّر، ولكلِّ شيءٍ مطيَّة ومطيَّة العاقل التَّواضع. يا هشام: إنَّ العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره.يا هشام: قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف. إنَّ العقلاء زهدوا في الدُّنيا ورغبوا في الآخرة. إنَّ العاقل لا يحدِّث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه . ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنّف برجائه، ولا يتقدَّم على ما يخاف العجز عنه. إنَّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلاَّ ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله، وأعلم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدُّنيا والآخرة. يا هشام: ما قُسم بين العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وما بعث الله نبيَّاً إلاَّ عاقلاً حتّى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين. إيّاك ومخالطة النَّاس
________________________________________
(23) الغاشية: 22 .

[الصفحة - 307]


والأُنس بهم إلاَّ أن تجد منهم عاقلاً ومأموناً فآنس به، واهرب من سائرهم كهربك من السِّباع الضَّارية...» (24).
كما ورد في بعض الرِّوايات: «.. إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم» (25). وفي بعضها ورد: «وضع الله يده...».
على أيَّة حال، سواء قلنا إنَّ يد الإمام (عج) فوق رؤوس العباد التي هي يد الله، أم قلنا إنَّ يد الله فوق رؤوس العباد، ويحتمل هذا أيضا بمعناه الحقيقي، أي أنَّ الله عزَّ وجلَّ يفيض بنعمته على عباده فيكمل لهم عقولهم.
وعندما تسود العقلانية المجتمع البشري، سيُلجم الشَّيطان وتُقيَّد أهواء النَّفس وترتفع الذُّنوب، فمجتمع العقلاء لا يلتفّ حول المعاصي والذُّنوب، ويرتفع الفسادالاجتماعي. وإذا ما ارتكب فرد ذنباً فسيتذكَّر بعده، ويستغفر الله. وكلّ واحد من أفراد المجتمع ناصح أمين يعمل لنفع الآخرين، لا يظلم نفسه، ولا يظلم غيره، يسلك طريق الهدى والكرامة، ولا يخطو في طريق الخذلان والخسران.
وهنا قد يُتساءل: هل أنَّ المجتمع الصناعي في أوروبا وأميركا لا يتَّصف بالعقلانية؛ حيث إنَّا نرى الكثير من مظاهر الفساد والظُّلم فيه ؟
وجوابه هو: يتميَّز أفراد هذه المجتمعات بالذَّكاء وقدرة إدراك عاليَّة، وقد حصلوا على معرفة وتجارب كثيرة، ونتيجة للفطنة والسَّعي والمثابرة في الميادين المختلفة للعلم والتَّكنولوجيا وصلوا إلى أعماق البحار والمحيطات، وجاوزوا السَّماء إلى الكواكب البعيدة، وحقَّقوا في هذه المجالات للبشريَّة نتائج باهرة وعظيمة.
لقد أصبح كلّ شيء في قبضتهم، من أصغر شيء في عالم الذَّرَّة وامتداداً في الوجود إلى عالم المجرَّات وسحب النُّجوم التي تبعد عن الأرض ملايين السِّنين الضَّوئية، وهم مشغولون الآن بطي هذه العوالم للتَّوصُّل إلى ما هو أبعد وأكثر غموضاً ممَّا كان، ولقد حقَّقوا في عالم الطِّب تطوُّراً عظيماً؛ حيث أصبح اليوم زرع أعضاء الإنسان وتبديلها، من إنسان لآخر، أمراً شائعاً في هذا الزَّمان.
لكن، مع كل هذا التَّقدُّم والتَّطوُّر في العلوم والتَّكنولوجيا، لا يزال عقل
________________________________________
(24)تحف العقول، ص 285 - 295.
(25)بحار الأنوار، ج‏48، ص 328و336.

[الصفحة - 308]


الإنسان غير مرتق، ولم يتكامل ولم ينتقل من عالم القوَّة إلى عالم الفعل، فلو كانت العقول قد ارتقت وتكاملت لما ارتكبت البشريَّة الذُّنوب العظيمة، ولما مارست الظُّلم، ولما انتشر الفساد الأخلاقي إلى الحدّ الذي نراه اليوم.
قال إمام العقلاء صادق آل محمد(عليه ‏السلام):
«العقل ما عُبد به الرَّحمن واكتُسب به الجنان »، قال الرَّاوي: قلت: فالذي كان في معاوية ؟ قال(عليه ‏السلام):«تلك النَّكراء، تلك الشَّيطنة ؛ وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل» (26).
وقال الإمام علي (عليه ‏السلام) في شأن معاوية (حيث كان يعدّه بعضهم أدهى وأكثر فطنة من الإمام):
«والله ما معاوية بأدهى منِّي، ولكنَّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى النَّاس، ولكن كلّ غُدَرة فُجَرة، وكلّ فُجَرة كُفرَة، ولكلِّ غادرٍ لواء يُعرف به يوم القيامة، والله ما أسْتغفلُ بالمكيدة ولا أسْتغمزُ بالشَّديدة» (27).
نعم، فالعقل حجَّة الله على العباد، كما أنَّ الأنبياء والأوصياء حجج الله على العباد.
قال الإمام الكاظم(عليه ‏السلام): «يا هشام، إنَّ على النَّاس حجَّتين: حجَّة ظاهرة وحجَّة باطنة، فأمَّا الظَّاهرة فالرُّسل والأنبياء والأئمَّة، وأمَّا الباطنة فالعقول» (28).
فكما أنَّ الأنبياء والرُّسل لا يدعون النَّاس إلى المعاصي، فكذلك العقل، فالعقل لا يدعو الإنسان ولا يوجِّهه إلاَّ إلى الصَّلاح والهدى والعفاف وحسن النيَّة.
ففي زماننا هذا، ضُرب على العقل من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر وصلت المعرفة والعلوم إلى حدّها الأعلى، فالمسيطر على عالم التَّكنولوجيا هو الذَّكاء والفطنة،فعالم الاختراعات العلميَّة كلّه رهين لهذه الفطنة ولهذا الذَّكاء اللّذين يتميَّز بهما المجتمع البشري.
فلو أضيف العقل إليهما؛ سيسخّر الذَّكاء والعلم في الطَّريق الصَّحيح الذي يخدم الإنسانيَّة.
على سبيل المثال، ترى أنَّ الإنسان بعلمه وذكائه يسيطر على الأنهار بإنشاء
________________________________________
(26)أصول الكافي، ج‏1، ص 11.
(27)نهج البلاغة (تحقيق صبحي الصَّالح)، خطبة 200، ص 318.
(28)تحف العقول، ص 285.

[الصفحة - 309]


السُّدود والبحيرات والقنوات، ويستفيد من خلال ذلك في إحياء آلاف الهكتارات من الأراضي الميتة، ويحوِّلها إلى أراضٍ زراعيَّة. إلاَّ أنَّ هذا الإنسان نفسه الذي أنشأ السُّدود والقنوات بعلمه ، يأمر في أزمنة الحروب بتفجيرها، وإن أدَّى هذا إلى إغراق الآلاف من النَّاس وإتلاف الأراضي والحيوانات، فالذي أنشأ السَّد هو العلم والذي عمل على خرابه وتفجيره هو العلم أيضاً.
فالعلم سيف ذو حدَّين؛ فإذا كان في يد أهل الصَّلاح والعقلاء سوف يُستفاد منه في قطع الأعضاء الفاسدة للمحافظة على باقي الأعضاء، أمَّا إذا كان بيد السُّفهاء، فيكون أخطر بكثير من السَّيف القاطع الذي أمسك به من غلب عليه السُّكر.
في مجتمع الإمام المهدي(عج) يتكامل العقل إلى جانب التَّطوُّر العلمي والتَّكنولوجي.
العلم يورث العجُب والتَّكبُّر، ولكنَّ العقل يورث التَّواضع.
العلم قد يؤدِّي إلى الدَّمار، ولكن بالعقل يتمّ الإعمار.
الذَّكاء يجرّ إلى الحيلة، ولكن بالعقل تتمّ الإنسانية والفضيلة والشَّرف، بل إنَّ ملاك تفضيل الإنسان على سائر حيوانات العالم كونه ذا عقل، ومنذ أيام اليونانيين حتى وقتنا هذا يقال للإنسان حيوان ناطق.
في مجتمع الإمام المهدي(عج) لا يتكامل العقل البشري فقط بل يكون مهيمناً على الفطنة والعلم، بل على جوانب الحياة البشريَّة جميعها، وفي ظلِّ هذاالإشراف تسير هذه الجوانب المختلفة للمجتمع البشري جملةً في طريق الخير والصَّلاح والرَّفاهية وسعادة المجتمع.
ومن جملة إنجازات الإمام المهدي(عج) تحريره العقول من قيود الأهواء والميول النَّفسانية، وجعل مصير الإنسان تحت حكم العقل، فالنَّاس جميعهم، في ذلك العصر، عقلاء وعلماء لا يُقدمون على عمل من دون ترجيح العقل له، فالذي يحكم العقل بوجوبه ويحسِّنه يعملون به، ويتجنَّبون كلّ ما قبَّحه العقل وكرهه، ومن الواضح طبقاً لهذا المعيار المستوى الذي سيصل إليه المجتمع البشري.
________________________________________

[الصفحة - 310]


4- في البُعد الثَّقافي
قد تستعمل لفظة الثَّقافة بمعنى أدب الإنسان أو تربيته، وأحيانا تستعمل بمعنى العلم والمعرفة، وثالثة قد تستعمل بمعنى مجموعة الآداب والتَّقاليد التي يلتزم بها مجتمع معين.
إذا كان المنظار إلى مجتمع الامام المهدي(عج)، بالمعنى الأوَّل، فإنَّا سنرى النَّاس في ذلك العصر متأدِّبين بالأدب الإسلامي وبالتَّعاليم الإلهية: «تأدَّبوا بآداب الله» (29), وهذه أكمل مدرسة تربويَّة مستمدَّة من وحي الله، وقد بيّنت عن طريق الأنبياء والأئمَّة المعصومين «خير من عرف النَّاس ».
ففي ذلك العصر، يكون الإنسان مجسِّدا للعدل الإلهي، ومجسِّداً للرَّحمة والصَّبر والقدرة والجود والكرم الإلهي. وفي جملةٍ واحدةٍ، يكون الإنسان حينئذٍ مجسِّداً لأسماء الله الحسنى جميعها.
وفي بعض الرِّوايات: «وألقى الرَّأفة والرَّحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسَّويَّة فيستغني الفقير، ولا يعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبير الصَّغير ويوقِّر الصَّغير الكبير» (30).
وإذا ما استُعملت كلمة الثَّقافة بالمعنى الثاني، أي العلم والمعرفة، نقول: سوف يرقى علم الإنسان في ما يخصّ المبدأ والمعاد والمعارف الإلهية في عصر الإمام المهدي(عج) إلى أعلى درجاته، وكما جاء في بعض الرِّوايات عن أبي جعفر الباقر(عليه ‏السلام): «.. وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسوله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)»(31), فإلى هذا الحدّ من المعرفة بالإسلام سوف يرقى الإنسان في عصر الإمام المهدي(عج)، ويتعلَّم مفاهيم دينه ويعيشها من خلال الكتاب والسنَّة.
وسيصل علم الإنسان إلى إعلى درجاته، وستطوي البشريَّة مراحل العلم والمعرفة جميعها مرحلة بعد أخرى، وستطَّلع على جميع ما في السَّموات والأرضين،وما بينهما من أسرار، وسيتحقَّق مفاد الآية الكريمة: {قل انظروا ماذا في السَّموات والأرض } (32).
________________________________________
(29)الكافي، ج‏1، ص 266، ج‏5، ص 70، تحف العقول، ص 353.
(30)بحار الأنوار، ج‏48 ، ص 385.
(31)نفسه، ج‏48، ص 352.
(32) يونس: 101 .

[الصفحة - 311]


وحتى الآن لم يطَّلع الإنسان إلاَّ على ما يخصّ قسماً من السَّماء الأولى أو السَّماء القريبة منه: {وزيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بمصابيحَ...} (33).
إلاَّ أنَّ في النُّصوص الدِّينية يأتي الكلام على السَّموات السَّبع وأسرارها التي لا يعلم الإنسان عنها أيّ شيء.
وسيطَّلع إنسان عصر الإمام المهدي(عج) على أسرار هذه السَّموات كما جاء في الرِّواية: «العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرُّسل حرفان، فلم يعرف النَّاس اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثَّها في النَّاس، وضمَّ إليها الحرفين حتى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً» (34).
وفي الحقيقة، ستُنشر في ذلك العصر العلوم جميعها، وتُيسَّر المعارف جميعها للمجتمع البشري حتى لا يبقى شيء يجهله النَّاس، وتبعاً لهذا العلم الشَّامل سيخضع الإنسان لعظمة الخالق عزَّ وجلَّ، وتتحقَّق فيه خشية الله: {إنَّما يخشى اللهَ من عبادهِ العلماءُ} (35).
وسيشعر الإنسان بمدى صغره إزاء عظمة الخالق، جلَّ وعلا، وسيعيش بكلِّ وجوده عبوديته لله تعالى.
وفي رواية أخرى: «إنَّ المؤمن، في زمان القائم، وهو بالمشرق، ليرى أخاه في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق» (36).
قد يكون من الصَّعب إدراك معنى هذا الحديث قبل مئات السِّنين، وإن كان الكثير يتعبَّد بقبوله وإن لم يفهم كنه معناه.
ليس معنى هذه الرِّواية ما قد لجأ إليه بعضهم من تفسير، وهو أنَّ الأرض ستخرج من كرويَّتها وتصبح مسطَّحة، وتقوى أعين النَّاس إلى درجة أنَّهم يستطيعون رؤية ما يبعد عنهم آلاف الكيلومترات.
لكن مع تطوُّر العلم والتَّكنولوجيا وغزو الحاسوب وشبكات الأنترنيت جميع بقاع الأرض وثورة عالم الاتصالات، تيسَّر علينا فهم معنى الحديث؛ حيث إنَّ الإنسان سيتمكَّن وفي ظلِّ التَّطوُّر العلمي والتَّكنولوجي وصنع أجهزة الاتِّصال
________________________________________
(33) فصلت: 12 .
(34)بحار الأنوار، ج‏48، ص 336.
(35) فاطر: 28 .
(36)بحار الأنوار، ج‏48، ص 391.

[الصفحة - 312]


العالمية، وفي خلال ثوان معدودة، من الاتِّصال بأخيه المؤمن في النِّصف الآخر من الكرة الأرضية ورؤيته عبر شاشة الحاسوب.
أليس أنَّ من سنَّة الله، في هذا العالم، أن تجري الأشياء وتتحقَّق عبر أسبابها: «أبى الله أن يُجري الأمور إلاَّ بأسبابها» (37). وهذه السنَّة كباقي السُّنن لا يمكن أن تتبدَّل أو تعدَّل: {فلنْ تجدَ لسنَّةِ اللهِ تبديلاً ولنْ تجدَ لسنَّةِ اللهِ تحويلاً } (38).
وهكذا الأمر، في عصر الإمام المهدي(عج)، تبقى السُّنن ولا تتغيَّر.
وإذا استُعملت الثَّقافة، بمعنى العادات والتَّقاليد، لأمَّةٍ معيَّنةٍ، ففي دولة الإمام المهدي العالميَّة ستُحذف العادات والتَّقاليد الخرافيَّة والجاهليَّة جميعها من المجتمع، وتحلّ بدلاً منها العادات والتَّقاليد الإسلامية والإنسانية الصَّحيحة. فستُمحى التَّعصُّبات القوميَّة والقبليَّة جميعها، وسيتَّصف المجتمع البشري بالإنصاف، وستهيمن الواقعيَّة عليه.
وعلى سبيل المثال، إنَّ من امثال العرب في الجاهلية قولهم:
«أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، وقد عدَّل رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) هذا العرف فقال: وأنا أقول: «أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، ولكن إذا كان ظالماً فقف أمام ظلمه وهو نصرله، وإذا كان مظلوماً فانصره وطالب بحقِّه.
والإمام المهدي(عج) الذي يحيي معالم الدِّين ويجدِّد سنن النَّبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) سيمحو العادات والتَّقاليد الجاهلية الحديثة في عصرنا هذا جميعها، وسيُطلع البشرية على واقع الحياة، ويخرجها من ظلمات الوهم والخيال. ومن ثمَّ ستهيمن الثَّقافة الإلهية والإسلامية الأصيلة على مجتمع الإمام المهدي(عج) بجميع أبعاد الكلمة.
5- في البُعد السِّياسي
يسعى أعداء الإسلام، دائماً، إلى فصل الجانب السِّياسي للحياة عن الدِّين، ويوحون بانَّ الدِّين لا يهتم إلاَّ بعلاقة الإنسان بربِّه ولا رأي له في السَّياسة والحكومة وعلاقات الإنسان بالآخرين، وكذلك لا يتعرَّض للعلاقات الدَّولية بين الأمم، وليس له أي نظام ومنهاج لهذه المسائل.
________________________________________
(37)الكافي، ج‏1، ص 259.
(38) فاطر: 43 .

[الصفحة - 313]


بل يوحون بأنَّ الدِّين منفصلٌ عن الدُّنيا، وليس له أي اهتمام بدنيا البشرية وعيشها، فالعلم والمعرفة لا يتَّفقان مع الدِّين، والدِّين يختلف عن العقلانية... إلخ.
من البديهي أنَّ هذه الشُّبهات قد يتأثَّر بها من لم تكن له أيّ معرفة ولو أوَّليَّة بالإسلام.
أمَّا من له معرفة بالدِّين الإسلامي وأصوله وفروعه فسوف يردّها ويعدّها غير منطقيَّة. فكيف يعقل بأنَّ الدِّين منفصل عن العلم في حين بدأ رسول الإسلام محمد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) دعوته بدعوة النَّاس إلى العلم والتَّعلُّم، وأوحى الله إليه الآية الأولى من القرآن الكريم مبتدئاً فيها بالقراءة والتَّعلُّم: {إقرأ... ما لمْ يعلم } (39).
فالدِّين الإسلامي قد اهتمَّ بأمر التَّعليم والتَّعلُّم إلى درجة أقسم في القرآن الكريم بالقلم وما يُكتب به:{ن والقلمِ وما يسطرون } (40).
ولم نجد هذا من قبله في أي دين:
فاهم خصيصة يثبتها الدِّين الإسلامي للإنسان، وهي الخصيصة التي ميَّزته وجعلته مؤهَّلاً لخلافةِ الله في الأرض، هي العلم: {علَّمَ آدمَ الأسماءَ كلّها } (41).
وفي الإسلام يأتي الخطاب: «اطلبوا العلم ولو بالصِّين»، «اطلبوا العلم من المهد إلى اللَّحد»(42).
فهل أنَّ مثل هذا المحتوى هو معنى فصل الدِّين عن العلم ؟
نعم قد تأتي هذه الشُّبهة، ويمكن قبولها في شأن المسيحيَّة المحرَّفة التي وقفت أمام انتشار العلم واضطهدت العلماء في القرون الوسطى. أو في شأن اليهوديَّة المحرَّفة التي فرضت أنَّ ذنب النَّبيّ آدم (عليه ‏السلام) الذي أخرجه من الجنَّة إنَّما هو العلم والمعرفة (43).
لكنَّها لا تتناسب مع منطق الكتاب والسنَّة في الإسلام.
كيف يفترض فصل الدِّين عن العقلانيَّة في الوقت الذي تنصّ فيه الرِّوايات على أنَّ «تفكُّر ساعة يعادل، أو أفضل, من عبادة سنة» (44)وكيف يفترض للإنسان- الذي
________________________________________
(39) العلق: 1- 4 .
(40) القلم: 1و2 .
(41) البقرة: 31 .
(42)بحار الأنوار، ج‏1، ص 180.
(43)سفر التَّكوين، فصل 2، آية 17.
(44)تفسير العيَّاشي، ج‏2، ص 208.

[الصفحة - 314]


فضَّله الله على باقي الخلائق بالعقل والمشاعر السَّامية- درجة ومنزلة اقلّ من البهائم ؟ بل كيف يمكن تفسير دعوة الدِّين الإنسان مراراً إلى التَّفكُّر والتَّدبُّر والتَّعقُّل مع هذه الفرضيَّات الخاطئة ؟ وكيف يمكن تصوُّر تضادّ الدِّين مع الدُّنيا في حين أنَّ من أهداف خلق الإنسان هو إعمار الارض:{هوَ أنشأكمْ منَ الأرضِ واستعمرَكمْ فيها } (45). وفي موضع آخر ينصّ: {ولا تنسَ نصيبكَ منَ الدُّنيا }(46), بل الدِّين يعدّ السَّعي لتحصيل الرِّزق الحلال أفضل أنواع العبادة: «العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال» (47), وعدَّ بذل الجهد في سبيل ضمان مؤونة العيال كالجهاد في سبيل الله: «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله» (48). وقال الإمام الصَّادق(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «ليس منَّا من ترك دنياه لآخرته وآخرته لدنياه» (49). وكيف يفترض فصل الدِّين عن السِّياسة في الوقت الذي نرى أنَّ أرقى التَّعاليم والأحكام الخاصَّة بالحكم والسِّياسة وإدارة الدَّولة قد جاء بها الكتاب الكريم والسنَّة النَّبويَّة الشَّريفة.
فلم يعتنِ الدِّين الإسلامي بعلاقات الإنسان بأفراد جنسه ووضع هذه العلاقات ضمن منظومة المُثُل والقيم العليا فحسب، بل اهتمَّ أيضاً بعلاقة الإنسان مع نفسه وعلاقته مع الله عزَّ وجلَّ بدرجةٍ كبيرةٍ. وسنكتفي، في هذا المجال، برواية قيِّمة يرويها جميل بن درَّاج عن الإمام الصَّادق (عليه ‏السلام) عن أبيه عن جدِّه عن أمير المؤمنين(عليه ‏السلام): «الإسلام والسُّلطان العادل أخوان، لا يصلح واحد منهما إلاَّ بصاحبه. الإسلام أسّ والسُّلطان العادل حارسه، ما لا اسّ له فمنهدم، وما لا حارس له فضائع» (50).
بعد هذه المقدِّمة، نقول: إنَّ الحاكم على العالم كلّه، في عصر الإمام المهدي(عج)، هو الإمام نفسه، ويعمّ الدِّين الإسلامي الأرض كلّها، والكتاب المعتمد قانوناً للبشر هو القرآن الكريم. وتبعاً لذلك، ستكون القوانين النَّافذة في المجتمع البشري جميعها هي قوانين الإسلام، ولا سلطة إلاَّ لحكمٍ واحدٍ على وجه الأرض،وتُلغى الحدود بين الأمم، وتُلغى الهيئات والمؤسَّسات الدَّولية قليلة الفائدة، وستوحَّد الجيوش، وسيصبح العالم كلّه عائلة واحدة تحت رعاية حاكم محبوب.وإلى ذلك تشير الآية الكريمة: {ليظهرهُ على الدِّينِ كلِّهِ} (51). وفي تفسير الآية الكريمة: {الَّذينَ إنْ مكَّنَّاهمْ في الأرضِ..}(52)يقول الإمام الباقر(عليه ‏السلام):
________________________________________
(45) هود: 61 .
(46) القصص: 77 .
(47)الكافي، ج‏5، ص 72.
(48)نفسه، ج‏5، ص 72.
(49)من لا يحضره الفقيه، ج‏3، باب 58، ح‏3.
(50)منتخب الأثر، ص 273.
(51) التوبة: 33 .
(52) الحج: 41 .

[الصفحة - 315]


«هذه لآل محمَّد إلى آخر الأية، والمهدي وأصحابه يملِّكهم الله مشارق الأرض ومغاربها ويظهر الدِّين...» (53)وفي تفسير الآية: {وقلْ جاءَ الحقُ وزهقَ الباطلُ } (54). قال الإمام الباقر(عليه ‏السلام): «إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل» (55).
وفي روايةٍ أخرى عن النَّبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «يبلغ سلطانه المشرق والمغرب»(56). ونقرأ في روايةٍ أخرى: «فيفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها» (57). وأيضاً نقرأ في الرِّوايات: «ويصير سلطاناً عليها» (58), أي على الأرض كلّها. وفي رواية أخيرة عن الإمام الصَّادق(عليه ‏السلام): «... إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كلّ منخفض من الأرض وخفض له كلّ مرتفع حتى تكون الدُّنيا عنده بمنزلة راحته، فأيُّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها» (59). ومن الواضح أنَّ المراد من هذا التَّعبير هو انَّ العالم كلّه يكون تحت هيمنة الإمام المهدي(عج) وسلطته وحكومته وإدارته بحيث لا يبقى شيء أو حادث إلاَّ ويعلم به.
وعلى أيّ حال، فالكثير من الحروب والدَّمار والفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنَّسل إنَّما كان بسبب الحكومات الظَّالمة التي تسعى في بسط قدرتها على الدُّول الأخرى، ولو كان على حساب فناء الكثير من البشر. وقد حكى لنا التَّاريخ عن الكثير في هذا المضمار.
لكن عندما تزول الدُّول ويتوحَّد العالم تحت حكمٍ واحدٍ ذي كوادر إراداتهم قويَّة وهممهم عالية، وعندما يكون العالم كلّه تحت إشراف الحاكم الواحد، بحيث يطَّلع على كلّ مكان من الأرض، وينشر في أرجائها جميعها القسط والعدل، سوف لا يتوفر أي مسوِّغ للتَّنازع والاختلاف والفساد والنَّهب، وسيكون المجتمع البشري في أتمّ الرَّفاهية والأمن والطُّمأنينة يعبد أبناؤه الله ويعملون في سبيله.
6- في البُعد القضائي
ورد، في بعض الرِّوايات: «فيحكم بين أهل التَّوراة بالتَّوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزَّبور بالزَّبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان» (60).
لمَّا كان الإمام (عج) عادل في قضائه سيرضى أتباع الدِّيانات الأخرى من اليهود والنَّصارى بالتَّحاكم إليه، وهو بذلك يجسِّد سيرة جدّه الإمام علي (عليه ‏السلام)
________________________________________
(53)تفسير نور الثَّقلين، ج‏3، ص 506.
(54) الإسراء: 80 .
(55)تفسير نور الثَّقلين، ج‏3، ص 212.
(56)بحار الأنوار، ج‏47، ص 71.
(57)نفسه، ج‏47.
(58)منتخب الأثر: ص 292.
(59)بحار الأنوار، ج‏48، ص 328.
(60)نفسه، ج‏47، ص 29.

[الصفحة - 316]


القائل:«والله لو كُسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التَّوراة بتوراتهم وبين أهل الزَّبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم» (61).
وكما جاء في الرِّوايات: «إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيّامه الجور... وردّ كلُّ حقٍّ إلى أهله» (62). وجاء أيضاً: «وحكم بين النَّاس بحكم داود وحكم محمَّد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)» (63).
وقضاء داود (عليه ‏السلام) قد حدَّث القرآن عنه، قال تعالى: {يا داودُ، إنَّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكمْ بينَ النَّاسِ بالحقِّ ولا تتَّبعِ الهوى فيضلكَ عن سبيلِ اللهِ } (64), وقد خاطب الله نبيَّه محمَّد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في كتابه: {وإنْ حكمتَ فاحكمْ بينهمْ بالقسطِ } (65), وقال: {فاحكمْ بينهمْ بما أنزلَ اللهُ ولا تتَّبعْ أهواءهمْ} (66). فالقضاء لا بدَّ من أن يكون طبقاً لما أنزل الله من أحكام وبصورةٍ عادلةٍ. وهذا النَّمط من القضاء، إن لم يكن معدوماً في هذا الوقت، فهو محدود وفي منطقةٍ ضيِّقةٍ من العالم بالقدر الممكن تطبيقه. وفي دولة الإمام المهدي(عج) سيكون القضاء طبقاً للأحكام الإلهية وعادلاً ولا يظلم أحد شيئاً.
7- العدالة الاجتماعية
من أهم مميِّزات دولة الإمام المهدي(عج) العالميَّة إقامة القسط والعدل بين النَّاس بكلِّ ما للكلمة من معنى. وقد ورد، في هذا الصَّدد، عدد كبير من الرِّوايات: مئة وثلاثون رواية تقريباً (67). كما عدَّ القرآن الكريم القيام بالقسط والعدل أحد الأهداف الأصليَّة لبعثة الأنبياء: {لقد أرسلنَا رسُلَنا بالبيِّناتِ وأنزلنا معهمُ الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقسطِ} (68).
إنَّ إقامة العدل أهم من لقمة العيش عند البشرية في هذه القرون، فلقد قاسى العالم الويلات من الظُّلم وانعدام المساواة أمام القانون، فالبشريَّة تئن في هذا المجال لما تلاقيه، وفي مختلف شؤون الحياة، من الجور والظُّلم اللَّذين يزدادان يوماً بعد يوم حتى تمتلئ الأرض ظلماً، وعندئذٍ يبزغ فجر العدالة ويعمّ العالم وينتشر في أرجائه جميعها.
________________________________________
(61)كشف المراد، ص 385، ط- قم.
(62)بحار الأنوار، ج‏48، ص 338.
(63)نفسه، ج‏48، ص 339.
(64) ص: 26 .
(65) المائدة: 42 .
(66) المائدة: 48 .
(67)منتخب الأثر، ص 478.
(68) الحديد: 25 .

[الصفحة - 317]


لم يكن النَّاس مهيَّئين، من قبل، لقبول العدالة الكاملة، لذا قيل في شأن الإمام علي(عليه ‏السلام): «قُتل في محراب عبادته لشدَّة عدله».
واليوم تتهيَّأ الأرضيَّة المناسبة لقبول العدل الشَّامل يوماً بعد آخر، فالبشريَّة، في عصرنا هذا المتمدِّن، ترزح تحت الجور الاقتصادي والمالي وتئنّ منه، ففي عالمنا اليوم هناك قوى عظمى مثل الولايات المتحدَّة الأميركية لا يتجاوز عدد سكَّانها 20% من مجموع نفوس العالم في حين أنَّها تستحوذ على 80% من رؤوس الأموال بيدها. وفي الطَّرف الأخر هناك الملايين من النَّاس على وشك الهلاك من القحط والجوع.
البشريَّة تئنّ من الجور في القضاء والقوانين التعسُّفية، وتئنّ من عدم المساواة في الحقوق. وعندما يظهر الإمام المهدي(عج) سيعمّ العدل أرجاء الأرض جميعها وفي الجوانب جميعها: الاجتماعية والاقتصادية والسِّياسية، وفي القوانين والأحكام القضائية، وإلاَّ فمن دون ذلك لن يتحقَّق العدل الشامل.
بعد هذه المقدِّمة نقول: إنَّ أحد أبعاد العدل هو العدالة الاجتماعية، وفي هذا الصَّدد نعرض بعض الرِّوايات:
«... ووُضع ميزان العدل بين النَّاس فلا يظلم أحد أحداً» (69).
فالإمام المهدي(عج) سيمنع كلّ من تسوِّل له نفسه ظلم الآخرين والتَّعدِّي على حقوقهم، وسيقضي على الظَّاهرة التي كانت تمسك بخناق البشريَّة عبرالتَّاريخ.
«... وعدلٌ في الرَّعيَّة» (70), «... ويعدل في خلق الرَّحمن البرّ منهم والفاجر» (71), فعدالته تجري وتنفذ في حقِّ النَّاس جميعهم: الصَّالح منهم والطَّالح. وهكذا يكون «... حتى لا يُرَى أثر من الظُّلم» (72)في أيّ بقعةٍ من بقاع العالم.
«... يطهِّر الأرض من كلِّ جور وظلم» (73).
وقال الإمام الكاظم (عليه ‏السلام) في تفسير الآية الكريمة: {اعلموا أنَّ اللهَ يحيي الأرضَ بعدَ موتِها }(74): ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالاً فيحيون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل»(75).
________________________________________
(69)بحار الأنوار، ج‏48، ص 322.
(70)نفسه، ج‏48، ص 351.
(71)نفسه، ج‏47، ص 29.
(72)نفسه، ج‏48، ص 470.
(73)نفسه، ج‏47، ص 145.
(74) الحديد: 17 .
(75)تفسير نور الثَّقلين، ج‏4، ص 173.

[الصفحة - 318]


وعن الإمام أبي عبدالله (عليه ‏السلام) قال: «العدل بعد الجور» (76).
8- العدل في الحياة الاقتصادية
من المميِّزات البارزة لدولة الإمام المهدي(عج) صفة العدل في الحياة الاقتصادية والمالية، فالثَّروة تقسّم بصورةٍ عادلةٍ ومتساويةٍ بين النَّاس، وكلّ فرد يتناول من نصيبه المحدَّد له ويتصرَّف به.
وابتداءً نعرض عدداً من الرِّوايات في هذا الصَّدد، ومنها: «... ويقسِّم المال صحاحاً» (77), أو «... ويقسِّم المال بالسَّويَّة» (78). ففي روايةٍ عن أبي سعيد الخدري عن النَّبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): «أبشِّركم بالمهدي... يقسِّم المال صحاحاً ، فقال رجل: ما صحاحاً ؟ قال(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): بالسَّويَّة بين النَّاس... » (79). وعن أبي جعفر(عليه ‏السلام): «... إذا قام قائمنا قسَّم بالسَّويَّة وعدل في الرَّعية... يجمع إليه أموال الدُّنيا من بطن الأرض وظهرها فيقول للنَّاس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدِّماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم الله، فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله» (80).
وعن الإمام الصَّادق عن أبيه(عليه ‏السلام): «إذا قام قائمنا اضمحلَّت القطائع فلا قطائع» (81), والقطائع جمع قطيعة، وهي ما يُقطع من الأرض الخراج من قبل السَّلاطين تؤخذ من أيدي النَّاس تعطى لواحد يسكنها ويعمرها.
كان هذا بعض مما روي في ما يخصّ العدل في الحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي، فالثَّروة للنَّاس جميعهم، والحياة والرفاهية لهم جميعهم، وهذا يتحقَّق في عصر الإمام المهدي(عج)، وفي أكمل صورة.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ الثَّروة التي تقسّم بين النَّاس في عصره(عج) ليست من الثَّروات الخاصَّة تؤخذ من أصحابها وتعطى لعامَّة النَّاس، لا ليس كذلك، فالإسلام لايلغي الملكية الخاصَّة، بل يمنحها الصّيانة القانونية؛ حيث جعل حرمة أموال النَّاس كحرمة دمائهم، ولا يجيز أخذ مال النَّاس ولا التَّصرُّف فيه بغير طيب نفوسهم ورضاهم.
وليس من المعقول أنَّ الإمام(عج) يفرض على بعض النَّاس أن يأتوا له
________________________________________
(76)نفسه، ج‏5، ص 243.
(77)بحار الأنوار، ج‏47، ص 81 .
(78)نفسه، ج‏47، ص 84 .
(79)نفسه، ج‏47، ص 92.
(80)نفسه، ج‏48، ص 350 و351.
(81)نفسه، ج‏48، ص 309.

[الصفحة - 319]


بأموالهم لأجل تقسيمها على باقي النَّاس هكذا، فلهذا الفرض نتائج فاسدة كثيرة. فخلال عشرات السِّنين، لم تنجح الشّيوعية في العالم في تحقيق شعارها في إلغاء الملكيَّة الخاصَّة وإنشاء الاشتراكية وملكية الدَّولة، فمُنيت بالفشل الذَّريع في أواخر القرن العشرين، وتلاشى المعسكر الاشتراكي.
فالمقصود من الأموال التي تقسّم بالسَّويَّة بين أفراد المجتمع إنَّما هي الأموال العامَّة من معادن وكنوز ومال الزكاة والخمس و... إلخ، والتي تشكّل بيت مال المسلمين، وتكون تحت نفوذ الإمام المهدي(عج)، إلاَّ أنَّه مهما كان توزيع الثروة واسعاً وشاملاً، لا تنفد أموال بيت المال، بل سيكون فائضاً دوماً بالأموال العامَّة؛حيث تصبح كنوز الأرض ومناجمها جميعها تحت تصرُّف الإمام(عج).
وسيقسّم الإمام(عج) الأموال بالتَّساوي بين النَّاس، وهذا لا يعني أنَّ الكل يأخذ بقدر واحد في كلّ ما يُعطى، بل إنَّ المساواة تكون في غير الأجور والجعائل التي تُعطى على حسب التَّخصُّص والسَّعي والمهارة في ميادين العمل المختلفة، وإلاَّ فلو كان الكل يأخذ من الأجور بمقدار واحد ستخبو الهمم للعمل، ولا يرغب النَّاس في المثابرة والجدّ، بل إنَّ ذلك يعدّ ظلماً وجوراً وليس من باب العدل، فلكلٍّ حسب ما يحسنه من عمل وتخصُّص.
فالأموال العامَّة إذاً هي التي تقسّم بالسَّويَّة بين النَّاس، وهنا نشير إلى مسألة، وهي عندما تكون الثَّروات العامَّة محدودة، فالالتزام بالقسط والعدل يلزم الدَّولة بأسلوب توزيع آخر يكون بموجبه العطاء للمناطق الفقيرة أكثر وأسرع من باقي المناطق في المجتمع، لكنَّه مع الفرض بأنَّ الأموال العامَّة في عصر الإمام المهدي ستكون تحت تصرُّفه ولا تكون محدودة بل هي متوافرة ومتنامية، لذا سيكون توزيع الثَّروة بصورةٍ متساويةٍ للجميع أمراً مقبولاً.
وفي بعض الرِّوايات ورد: «.. يملأ الأرض عدلاً، يفيض المال فيضاً» (82). فالأموال في عصره تزداد ولا تنقص، ولا نفاد لها فلا وجه للاحتراز من قلَّة الثَّروة وتقسيمها حسب الأولويَّات.
________________________________________
(82)نفسه، ج‏47، ص 80 .

[الصفحة - 320]


9- الغنى العام في مجتمع المهدي(عج)
سيكون النَّاس في دولة الإمام المهدي(عج) متنعِّمين في حياتهم الاقتصادية وفي رفاهية، فلا أثر للبؤس والحرمان، أو الجوع، ولا يستغل النَّاس بعضهم بعضاً في سبيل كسب الأموال. وقد وردت روايات كثيرة في هذا الشَّأن نذكر منها ما يأتي:
«... يتنعَّم أبناء أمتي، في زمانه، نعيماً لم يتنعَّموا مثله قطّ: البرّ والفاجر» (83). «... ويجعل الله الغنى في قلوب هذه الأمَّة» (84), فهم لا يستشعرون الحاجة بل الكل يعيشون الغنى، «.. والمال يومئذٍ كدوس يقوم الرَّجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ» (85), فالمقام يومئذٍ لا يسعه الحساب ولاتحديد المبلغ بل كلّ ما يريد الفرد يعطيه حتى يعيش الغنى في نفسه ويكتفي من العطاء.
«... ويملأ الله قلوب أمَّة محمَّد غنىً، ويسعهم عدله حتّى يأمر منادياً ينادي يقول: من له في المال حاجة ؟ فما يقوم من النَّاس إلاَّ رجل واحد فيقول: أنا، فيقول: إئت السدّان- يعني الخازن- فقل له: غنَّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً،فيقول له: أحث حتّى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم... فيردّه ولا يقبل منه، فيقال له: إنَّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه...» (86).
وأيضاً في موضعٍ آخر: «.. فيجيء الرَّجل فيقول: يا مهديّ أعطني أعطني، فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله» (87), أي لا يوجد أي تحديد في مقدار المال المأخوذ من بيت المال، والظَّاهر أنَّ هكذا عطاء هو غير ما يعطى بالسَّويَّة كحصصٍ للنَّاس جميعهم، بل هذه زيادة عن تلك الحصص التي بها يستغني اكثر النَّاس، وبالتَّالي نرى أنَّ المطالبين بالزيادة لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد، وهذا بخلاف ما هو المعهود في مجتمعنا من تهالك النَّاس على الأشياء المجَّانيَّة أو زهيدة السِّعر، ومن خلال المقارنة نستطيع إدراك القدر العظيم من الثَّروة التي يحويها بيت المال في دولة المهدي(عج).
وفيها ايضاً: «... يعطي المال بغير عدد» (88), فلا حساب للعطاء ولا تسجيل لأسماء الآخذين، وكذلك ورد فيها: «...يطلب الرَّجل منكم من يصله بماله ويأخذ من زكاته لا يوجد أحد يقبل منه ذلك، استغنى النَّاس بما رزقهم الله من
________________________________________
(83)نفسه، ج‏47، ص 78.
(84)نفسه، ج‏47، ص 84 .
(85)نفسه، ج‏47، ص 88 .
(86)نفسه، ج‏47، ص 92.
(87)نفسه، ج‏47، ص 104.
(88)نفسه، ج‏47، ص 105.

[الصفحة - 321]


فضله...» (89), وفي أخرى: «...ولا يجد الرَّجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا لبرِّه، لشمول الغنى جميع المؤمنين» (90).
على أيّ حال، فمنذ القديم والبشرية تتمنَّى اليوم الذي ينعدم فيه الفقر والحرمان من العالم، ويعيش أفراد المجتمع جميعهم عيشاً كريماً، وهم على درجةٍ عاليةٍ من الغنى. وهذه الأمنية ستحقَّق في عصر الإمام المهدي(عج) ويضحي الجميع أغنياء وفي رفاهية من العيش، ولا تجد مديناً يهرب من دائنه خجلاً، ولا ربّ أسرةٍ يعجز عن نفقة عياله ولا صاحب عملٍ يعجز عن أجرة عمَّاله.
10- الإعمار
ستعمر في عصر الإمام المهدي(عج) بقاع الأرض جميعها، وستمتلئ خضرة، حيث لا تجد بقعة بلا زرع ولا محصول، وستُخرج الأرض كنوزها ومعادنها وثرواتها وزخرفها، وتفتح السَّماء أبوابها وتفيض أمطارها على الأرض فتكثر النِّعم والأرزاق، ولا تخلو بقعة من الأرض ليس فيها زرع وعمران.
ونعرض، في هذا الشَّأن، عدداً من الرِّوايات:«... وتُخرج له الأرض أفلاذ كبدها» (91), أي ما بها من كنوز ومعادن، و«... ويُرسل السَّماء عليهم مدراراً ولا تدَّخر الأرض شيئاً من نباتها»(92), و«...تُنزل له السَّماء قطرها وتخرج له الأرض بذرها» (93), فيزيد الزَّرع وتتوافر نعم الله على النَّاس حتّى «... يتمنَّى الأحياء الأموات» (94)ليروا ما هم فيه من نعمة ورزق، «و... وتلقي (الأرض) إليه سلماً مقاليدها» (95). >...وأنزل بركاتٍ من السَّماء والأرض وتزهر الأرض بحسن نباتها وتُخرج كلّ ثمارها وأنواع طيبها»... «وتزيد المياه في دولته وتمدّ الأنهار وتضعف الأرض أكلها وتستخرج كنوزها» (96). >... ولا يبقى في الأرض خراب إلا يعمر» (97), فلا تجد بقعة على وجه الأرض إلاَّ وقد عمرها الإمام المهدي(عج) . «... حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشَّام لا تضع قدميها إلاَّ على النَّبات» (98).
فإذا ما قارنّا بين ما نحن فيه الآن وما عليه عصر الإمام المهدي(عج) ندرك عظمة ما سيحدث في عصره من إعمار للبلاد وما سيعمّها من نعمٍ ورزقٍ. فنحن إذا
________________________________________
(89)نفسه، ج‏48، ص 337.
(90)نفسه، ج‏47، ص 338.
(91)نفسه، ج‏47، ص 68.
(92)نفسه، ج‏47، ص 78.
(93)نفسه، ج‏47، ص 74.
(94)نفسه، ج‏47، ص 104.
(95)نفسه، ج‏47، ص 130.
(96)منتخب الأثر، ص 472.
(97)نفسه، ص 482.
(98)بحار الأنوار، ج‏48، ص 316.

[الصفحة - 322]


ماحاولنا إعمار بلدٍ من بلدان العالم وإصلاح أراضيه وتحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ زراعية ومكافحة الآفات والأدغال التي فيها فسيكلِّفنا ذلك الكثير الكثيرمن النَّفقات، وعلينا الانتظار سنواتٍ طويلةٍ كي نرى هل نفلح في ذلك أو لا، فالنتيجة ليست قطعيَّة.
لكن في عصر الإمام المهدي(عج) ستتضافر العوامل والظُّروف جميعها: الأرض والسَّماء وكلّ ما على الأرض لإعمار الكرة الأرضية حتى لا تبقى بقعة منها بلا زرع ولا حاصل، وهذه هي أمنية البشرية التي ستتحقَّق في عصر الإمام المهدي إن شاء الله.
11- الأمان العام في المجتمع
الأمن والأمان يعنيان السَّلامة من المخاطر وما قد يحيق بالإنسان من أضرارٍ وسوء، وهما يرجعان إلى السُّكون والطُّمانينة.
ويجسِّد أهمية هذا الجانب دعاء النَّبيّ إبراهيم(عليه ‏السلام) في القرآن الكريم: {ربِّ اجعلْ هذا بلداً آمناً } (99)أو {ربِّ اجعلْ هذا البلدَ آمناً} (100), وقد استجاب الله له فجعل مكَّة حرماً آمناً {ومنْ دخلهُ كانَ آمناً } (101).
ويكفي في إبراز قيمة الأمن والأمان قول الملائكة لأصحاب الجنَّة: {ادخلوها بسلامٍ آمنين } (102), فهم يدخلونها يومئذٍ بسلامٍ وآمنين من كلّ خطر قديحتمل للإنسان، فلا تعب ولا مرض ولا خوف في الجنَّة.
وبعد التَّبشير بالسَّلام والأمن، يأتي السِّياق في السُّورة حول رفع الصِّفات السَّيئة {ونزعْنا ما في صدورهِم من غلٍّ إخواناً على سررٍ متقابلين } (103).
فالكلّ إخوان لا يتميَّز أحدهم من الثَّاني بلا مسوِّغ، وهذا من أهم أسباب السُّكون والطُّمانينة.
ومن الجدير بالذكر أنَّ السَّلام والأمن ليسا مبتدأ النِّعمة في الجنَّة، بل هما الأساس لكلِّ نعمةٍ أخرى، ومن دونهما لا يمكن الاستفادة والتَّلذُّذ بالنِّعم الأخرى كما ورد في الحديث: «نعمتان مجهولتان: الأمن والعافية» (104). وغالباً ما يغفل
________________________________________
(99) البقرة: 126 .
(100) إبراهيم: 35 .
(101) آل عمران: 97 .
(102) الحجر: 46 .
(103) الحجر: 47 .
(104)روضة الواعظين، ص 472.

[الصفحة - 323]


الإنسان عن هاتين النِّعمتين، وما دام الفرد يتمتَّع بالعافية أو الأمان فلا يستطيع إدراك أهميتهما في حياته.
وفي ضوء ما سبق، نقول: من الجوانب المهمَّة في مجتمع الإمام المهدي(عج)، والتي أكّد عليها كثيراً في الرِّوايات، مسألة الأمان في عصر الإمام المهدي(عج) لأفراد المجتمع جميعهم، وفي الأبعاد جميعها ؛ حيث إنَّ مال الإنسان ونفسه وكرامته وشخصيَّته وفكره وثقافته وعقائده محترمة ومصانة وفي أتمّ الأمان، وكذلك يعيش المجتمع حالة الأمن والطُّمأنينة، فلا يتعدَّى فيه على الآخرين، والنَّاس في صفاء عيشٍ وسكون وطمأنينة كاملة. وكما جاء في القرآن الكريم: {وعدَ اللهُ الَّذينَ آمنوا منكمْ وعمِلُوا الصَّالحاتِ لَيستخلفنهُمْ في الأرضِ كما استخلَفَ الَّذينَ من قبلهِمْ ولَيُمكِّننَّ لهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارتضى لَهمْ ولَيُبَدِّلنَّهُمْ من بعدِ خوفِهِمْ أمناً يعبدونَني لا يُشركونَ بي شيئاً} (105).
ففي هذه الآية، تمَّ التَّأكيد على إبدال خوف المؤمنين وقلقهم بالأمن، وهذا الأمان الكامل إنَّما يتمّ في دولة الصَّالحين وخلافتهم.
وهذا الأمان ليس هدفاً للمسيرة بحدِّ ذاته، بل هو مقدِّمة لتحصيل الظَّرف والجوّ المناسبَيْن والمطمئنين لعبادة الله وحده بلا شريك، وقد وردت أيضاً روايات في هذا الشَّأن ننقل بعضاً منها:«... حتّى يأمن الشَّاة والذِّئب والبقرة والأسد والإنسان والحيَّة وحتّى لا تقرض فأرة جراباً»(106). وكما ذكرنا سابقاً «... حتّى تمشي المرأة بين العراق والشَّام... وعلى رأسها زنبيلها لا يهيّجها سبع ولا تخافه» (107). وأيضاً ورد في الرِّوايات: «.. وإذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيّامه الجور وأمنت به السُّبل» (108), و«... حتّى تخرج العجوز الضَّعيفة من المشرق تريد المغرب ولا ينهاها أحد» (109).
كما ورد في حديثٍ قدسي: «.. وألقي في ذلك الزَّمان الأمانة على الأرض فلا يضرّ شيء شيئاً، ولا يخاف شيء من شيء، ثمَّ تكون الهوام والمواشي بين النَّاس فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وأنزع حمّة كلّ ذي حمّة من الهوام وغيرها، وأذهب سمّ كلّ
________________________________________
(105) النور: 55 .
(106)بحار الأنوار، ج‏47، ص 61.
(107)نفسه، ج‏48، ص 316.
(108)نفسه، ج‏48، ص 338.
(109)نفسه، ج‏48، ص 345.

[الصفحة - 324]


ما يلدغ» (110). وفي منتخب الأثر: «... فيبعث المهدي إلى أمرائه، في سائر الأمصار، بالعدل بين النَّاس، وترعى الشَّاة والذئب في مكانٍ واحدٍ، ويلعب الصِّبيان والحيّات والعقارب ولا تضرّهم بشيء، ويذهب الشَّر ويبقى الخير» (111).
وقد يحتمل أنَّ هذه الفقرة استعملت فيها الألفاظ استعمالاً مجازيّاً، فهي كناية عن الأمان الذي يترسَّخ في مجتمع الإمام المهدي(عج)؛ حيث إنَّ الأفراد الذين يتَّصفون بالعدوانيَّة يتعايشون مع باقي النَّاس من دون أن يضرّوهم شيئاً، فحالة العدوان تُسلب منهم ولا يتأتَّى منهم ذلك.
ويحتمل، في مقابله، أنَّ ظاهر العبارة هو المراد، أي أنَّ الأمان في عصر الإمام المهدي(عج) يكون شاملاً بدرجة يعمّ المخلوقات جميعها، فيتعايش الذئب مع الشَّاة، ويلعب الأطفال مع الحيَّات من دون ضرر، وهذا من العجائب التي قد يستطيع بعض النَّاس قبولها والتَّصديق بها. ولكن لا يصعب ذلك على الله ذي القدرة العظيمة ولما للإمام(عليه ‏السلام) من ولاية تكوينيَّة على باقي الموجودات، ولما قد يصل إليه التَّطوُّر العلمي، بحيث تُبتدع طرق وأساليب لترويض الحيوانات الوحشيَّة. فقد يحدث هذا، ولعلَّ ما حدث في عصر النَّبيّ نوح (عليه ‏السلام) حيث ضمَّ في سفينته من أزواج مختلف الحيوانات: الأهليَّة منها والوحشيَّة من دون أن يتعرَّض حيوان لآخر.
وعلى كلَّ حال، فمسألة الأمان والطُّمأنينة والسَّلام في مجتمع الإمام المهدي(عج) من المسائل المسلَّم بها.
نعم، لا تزال الدُّنيا ترزح في أجواء العدوان وعدم الأمان، فعلى الدَّوام نسمع بأخبار السَّرقات الكبرى من البنوك والمحلاَّت، وكذا السَّرقات الصَّغيرة المختلفة، وكذا نسمع بجرائم القتل حتّى في المجتمعات التي توصف بالتَّطوُّر والتَّقدُّم، ففي الولايات المتَّحدة الأميركية، مثلاً، بين حينٍ وآخر، تنقل الجرائد ووكالات الأنباء أخباراً عن تعرُّض شخص مسلَّح لمدرسة وقتله عدداً من الطلاَّب. وكذا لا أمان على أعراض النَّاس؛ حيث يتعرَّض الكثير من النَّاس إلى هتك العرض والاعتداء الجنسي، وفي مختلف الأعمار من قبل مرضى النُّفوس والشَّاذين و... إلخ.
وعلى أيَّة حال، فالغنى وعدم الحاجة، والعدل في الأبعاد جميعها، والأمن
________________________________________
(110)نفسه، ج‏48، ص 384.
(111)منتخب الأثر، ص 475.

[الصفحة - 325]


والطُّمأنينة من الجهات جميعها، والعمران و...إلخ. أركان الحياة الإنسانية السليمة،وستصل الحياة الإنسانية إلى أكمل مواصفاتها في عصر الإمام المهدي(عج).
فلا تزال البشرية تعاني من سموم الأقلام الكافرة والمأجورة والمنحرفة وشبهاتها، ولا تزال الشَّياطين تلعب دورها في تخريب عقائدها وإيمانها وأفكارها. وفي مقابلها يراقب حرَّاس العقيدة والدِّين، وبكلِّ جدّية، الوضع الفكري القائم حذراً من أن يتأثَّر الشَّباب المعاصر بالشُّبهات المطروحة. وهم ينتظرون بزوغ فجر دولة المهدي(عج) ؛ حيث السَّلامة والأمان من الأخطار جميعها.
12- حاكم الدَّولة هو محبوبها
من أهم خصائص دولة المهدي(عج) العالميَّة، والتي تنفرد بها عن غيرها من الدُّول التي سبقتها أنَّ الموجودات جميعها: حيّها وميّتها، ذوي العقول وغيرهم، أهل السَّماء وأهل الأرض، وبعبارةٍ أخرى: الخالق والمخلوق، يحبُّون هذا الحاكم ويرضون بحكومته ويفرحون بها. وهذا متيَقَّن به بالنِّسبة للذين يرون حكومته العادلة ويعيشون في ظلِّها، فقد ورد العديد من الرِّوايات في هذا الشَّأن منها:«... يرضى بخلافته أهل السَّماوات وأهل الأرض والطَّير في الجوّ» (112), و«... لا يبقى ميّت إلاَّ دخلت عليه تلك الفرحة في قلبه وفي قبره، وهم يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم» (113), «... يرضى عنه ساكن السَّماء وساكن الأرض» (114), «...يفرح به أهل السَّماء وأهل الأرض والطَّير والوحوش والحيتان في البحر» (115).
على أيِّ حال، فالعلاقة بين الحكومات وشعوبها، إذا كانت تقوم على أساس الإرهاب والعنف، بحيث لولاهما ما خضعت تلك الشُّعوب لأنظمتها، علاقة غير إنسانية نراها في عالم الحيوان والوحوش؛ حيث إنَّ الضَّعيف يخضع للقوي دائماً ويستسلم له.
لكن، إذا كانت العلاقة بين الحاكم والشَّعب علاقة حبّ واحترام، بحيث يكون الحاكم محبّاً لشعبه ومجدّاً في إصلاح أموره يكون الشَّعب في المقابل محبّاً لحاكمه ويحترمه، ويذعن له بكلِّ خضوع وطواعية، ولا يجد في ضميره حرجاً ممَّا يقضي به
________________________________________
(112)بحار الأنوار، ج‏47، ص 91.
(113)نفسه، ج‏47، ص 35.
(114)نفسه، ج‏47، ص 74 ، 104.
(115)منتخب الأثر، ص 472.

[الصفحة - 326]


هذا الحاكم، ويسود الصَّفاء والوفاء والطُّمانينة هذه العلاقة. فهذا من الكمال في الحكومات، فالمهم في الحكم هو الهيمنة على القلوب والمشاعر لا السيطرة على الأبدان، وإلاَّ فالتَّسلُّط بالحرب والعنف ميسَّر لكثير من النَّاس، ومن المميزات والخصائص المهمَّة التي تميِّز الحكم الإلهي (حكم الأنبياء والأئمَّة والأولياء) على حكم الطَّواغيت هو هذا الأمر.
13- الهدف الرَّئيسي لدولة المهدي(عج)
- السَّعي في سبيل رفاهية المجتمع.
- القضاء على الفقر والحرمان.
- توفير الأمن والطُّمانينة على المال والأنفس.
- العدالة في النِّظام القضائي والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ... إلخ.
- تطوير الأفكار والعلوم ورقيها.
- إعمار الأرض واستخراج المعادن واستثمارها.
- إنشاء حياة اجتماعية خالية من المتاعب والمشاكل.
هذه الأمور هي ما يتمنَّاه كلّ مصلح، وبالدَّرجة الأولى المصلح الأكبر لهذا العالم الإمام المهدي(عج).
لكن هذه الأهداف ليست هي الهدف الرئيسي، بل هي الأرضية المناسبة لتحقُّق ذلك الهدف الأسمى والأرقى، ألا وهو عبادة الله تعالى، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاَّ ليعبدون } (116).
والهدف من هذه العبادة هو وصول الإنسان إلى الكمال، وإلى درجة القرب من الله عزَّ وجلَّ {في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ } (117), فشعار المهدي(عج) شعار الأنبياء وهدفه إحياء الدِّين والسُّنن الإلهية والقضاء على البدع.
فالمهدي (عج)، المنادي الأكبر للتَّوحيد في العالم كلّه، يدعو الإنسان إلى المعارف والعلم، وإلى التَّعقُّل، ويدعو البشرية إلى الحياة في ظلِّ العدالة {لا}
________________________________________
(116) الذَّاريات: 56 .
(117) القمر: 55.

[الصفحة - 327]


{ تَظلِمونَ ولاتُظلَمون } (118), يدعوهم إلى الله وحده، يدعوهم إلى الحرِّية وإلى الأخوَّة الدِّينية والوحدة، يدعوهم إلى عزّ الإسلام وإلى مكارم الأخلاق، ويدعوهم إلى العفاف والتَّقوى، ويدعوهم إلى عبادة الله واجتناب الطَّاغوت.
ومن ثمَّ فكلّ ما كان هدفاً لبعث الأنبياء، وبالخصوص النَّبيّ الخاتم محمَّد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، هو نفسه هدف حكم الإمام المهدي(عج)، وفي مقدِّمة ما يحقِّقه تطبيق الأحكام الإلهية والقوانين الدِّينية.
1 4- نظامٌ دينيٌّ واحد
والعجب من أولئك الذين ينفون الدَّور الإيجابي للدِّين ويدَّعون عدم جدواه في إدارة المجتمع البشري، كيف يمكنهم تصديق قيام دولة الإمام المهدي (عج) الذي بنهضته سيظهر الدِّين على الأرض فيشمل جميع أرجائها، ويحيي الكتاب والسنَّة: «ويحيي ميّت الكتاب والسنة» (119), ويؤسِّس نظاماً دينياً واحداً في العالم كلّه يقوم على أساس أحكام الإسلام، وذلك في مجتمعٍ بشري قد شمله الإعمار في جميع الأبعاد، والعلم فيه يبلغ أرقى درجاته والعقول تتكامل والأفكار تتوضَّح فلا يسودها الإبهام ولا الغموض.
فكيف يمكن للقوانين الوضعية التي هي حصيلة أفكار جمع من الملوَّثين بالمعاصي واللَّهو والقمار وشرب الخمر والتَّفسُّخ الخُلقي، أن تؤمِّن للبشرية نظاماً جيداً، أو يتمكَّن العلماء والمفكِّرون والحكماء من تشخيص خير الإنسان وسعادته الماديَّة والمعنويَّة وتأمينها، ولا يستطيع الدِّين أن يؤدِّي دوره في تحقيق سعادة البشرية , وهو معين الوحي الإلهي نزل به الرُّوح الأمين على النَّبيّ المعصوم (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وقد بلَّغه النَّبيّ إلى النَّاس بكلِّ أمانة، ومن دون أي زيادة أو نقصان أو تحريف.
فما يدَّعيه هؤلاء بعيد جدّاً عن واقع الحياة حقَّاً.
________________________________________
(118) البقرة: 279.
(119)بحار الأنوار، ج‏47، ص 130.

[الصفحة - 328]