البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التشيّع.. وحكاية ابن سبأ بين وضّاعين: قديم ـ وحديث

الباحث :  خالد أبا ذر العطية
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  23
السنة :  السنة السادسة خريف 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  908
التشيّع.. وحكاية ابن سبأ
بين وضّاعين: قديم ـ وحديث

خالد أبا ذر العطية

يستند الشِّيعة الإمامية، في إيمانهم بالنصّ على إمامة علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم)» الدِّينية وتعيينه وصيَّاً للنَّبي (عليه السلام) وخليفة للمسلمين ووليَّاً عليهم من بعده، إلى نصوص كثيرة يتّفق المسلمون جميعاً على روايتها، وإن كان غير الشيعة يتأوَّلونها على غير المعنى الذي تعتقده الشيعة فيها.
وبناء على ما تعتقده الشِّيعة الإمامية، في هذه النصوص، يكون من الطبيعي أن تظهر عقيدة التشيّع والقول بوصاية علي (صلي الله عليه و آله و سلم) وإمامته في عهد النبي (عليه السلام) نفسه، ويؤمن بذلك من الصَّحابة من كانوا يوالون علياً (صلي الله عليه و آله و سلم) ويعتقدون باستحقاقه وجدارته لمنصب الإمامة والوصاية، ويُعْرَفون لأجل إيمانهم هذا بأنَّهم شيعة علي (صلي الله عليه و آله و سلم).
وتؤكّد هذه النَّظرية الصحيحة في نشأة التشيّع وولادة مصطلح «شيعة» بعض النُّصوص المرويَّة عن النبي (عليه السلام) في كتب أهل السنّة، منها:
ما رواه الطَّبري، في تفسيره، عن محمد بن علي، ونحوه ابن حجر في الصَّواعق المحرقة عن ابن عباس، والسيوطي في الدرّ المنثور عن علي (صلي الله عليه و آله و سلم)، والحاكم الحسكاني في شواهد التَّنزيل عن علي (صلي الله عليه و آله و سلم) أيضاً، قال محمد بن علي:
لمّا نزلت الآية {إن الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات أولئك هم خير البرية} .. قال رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم):«أنت يا علي وشيعتك»(1) .
ومنها: ما رواه ابن عساكر في تاريخه (2) عن جابر بن عبدالله، قال: كنّا عند
________________________________________
(1)تفسير الطبري، 3/365، ط بيروت، وانظر أيضاً: الصواعق المحرقة، باب 11، الفصل الأول، الآية 11، الدرّ المنثور للسيوطي، 6/379، ط بيروت، شواهد التنزيل للحسكاني، 2/356، ط بيروت.
(2)ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ ابن عساكر، 2/442، تحقيق المحمودي.

[الصفحة - 220]


النَّبي (عليه السلام) فأقبل علي (صلي الله عليه و آله و سلم)، فقال النبي (عليه السلام):«والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة» ، فنزل قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات أولئك هم خير البرية} .
ومنها: ما رواه الكنجي الشَّافعي في كفاية الطالب عن جابر، قال:«كنا عند النبي (عليه السلام)»، فأقبل علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم)فقال النبي (عليه السلام): «قد أتاكم أخي، ثم التفت إلى الكعبة فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة..» (الحديث) (3) .
إضافةً إلى هذه النُّصوص وغيرها أشار أبو حاتم الرَّازي في كتاب: «الزِّينة في الكلمات الإسلامية العربية»، بقوله:«إن أوَّل اسم لمذهب ظهر في الإسلام هو الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة: أبو ذر، وعمار، ومقداد، وسلمان الفارسي...»(4) .
كما أن مصطلح «الوصي» ظهر، أيضاً، على ألسنة الصَّحابة وشاع في كلامهم وأشعارهم، ولا تفسير لذلك بالطبع إلّا أحاديث الوصيَّة التي سمعوها من النبي (عليه السلام).
فمن ذلك وصف عبدالله بن عباس عليَّاً (صلي الله عليه و آله و سلم) لمعاوية بأنه «سيِّد الأوصياء»(5) .
ومنه أيضاً قول حذيفة بن اليمان لمّا بلغه أن علياً (صلي الله عليه و آله و سلم) قدم ذا قار:«إلحقوا بأمير المؤمنين، ووصي سيد المرسلين»(6) .
وقول أبي الهيثم بن التَّيهان:
إنّ الوصيَّ إمامنا ووليَّنا برح الخفاء وباحت الأسرار
وغير ذلك ممَّا جمع بعضه ابن أبي الحديد وأفرد له فصلًا في شرح النَّهج (7) .
غير أنّ مخالفي الشيعة حاولوا، منذ عصور الخلاف الأولى بين المسلمين، أن يربطوا نشأة التشيّع ببعض الأحداث المتأخِّرة عن عصر النبي (عليه السلام)، أو يردّوه إلى أصول ومصادر غير إسلامية. ومن أكثر تلك المحاولات إمعاناً في المخالفة
________________________________________
(3)كفاية الطالب، ص 214، ط بيروت.
(4)الزينة في الكلمات الإسلامية العربية، 3/10، ط مصر.
(5)مروج الذهب، للمسعودي، 3/8.
(6)شرح النهج، لابن أبي الحديد، 2/188.
(7)شرح النهج، 1/143 ـ 150، وانظر أيضاً في نصوص الوصية وأقوال الصحابة المتضمنة للفظ (الوصي): معالم المدرستين، للعلامة العسكري، 1/295 ـ 328، مطبعة مدبولي، مصر.

[الصفحة - 221]


والخصومة، وأشدِّها إغراقاً في الخيال ومجافاةً لمنطق التاريخ القول: إن التشيّع أسّسه رجل يهودي من أهل اليمن اسمه عبدالله بن سبأ!
وقد اشتهر هذا القول عند معظم باحثي أهل السنّة قديماً وحديثاً، إضافةً إلى بعض المستشرقين، وتلقّوه جميعاً بالقبول والتسليم من دون نقد لسنده أو تدبُّر في أمارات الوضع والاختلاق البادية على مضمونه حتى اضطلع بذلك، منذ أواخر العقد الخامس من القرن الماضي الميلادي العشرين، بعض الباحثين المحقِّقين من السنّة والشيعة على حدٍّ سواء، حيث كشفوا عن مصدر هذه الحكاية، وبيَّنوا أنّه محصور براوٍ واحد كذّاب معروف عند أئمة الجرح والتعديل بالوضع ومتَّهم عند بعضهم بالزندقة (8) ، وهو سيف بن عمر التميمي. كما كشفوا أنّ أول من روى عنه ذلك ضمن جملة روايات أخرى تخصّ حروب الردّة وأحداث مقتل عثمان بن عفّان ومواقف معاوية من الإمام علي (صلي الله عليه و آله و سلم) وبعض الصحابة الموالين له كأبي ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر هو الطبري (9) ، وعن هذا الأخير نقل سائر من تأخّر عنه من المؤرِّخين وكتَّاب الفرق كابن عساكر والذهبي والبغدادي والشهرستاني..
وقد أخضع هؤلاء الباحثون المحقِّقون مرويَّات سيف، بصفة عامَّة، لدراسات وبحوث معمّقة مستفيضة لم تدع مجالًا للشك في وضعها واختلاقها من لدن خصوم الشيعة والعاذرين الخليفة الثالث عثمان في مواقفه من بعض الصحابة الناقمين على سياسته، والعاذرين كذلك معاوية وأصحاب الجمل في مواقفهم من الإمام علي (صلي الله عليه و آله و سلم) بصفة عامة، وأنّ عبدالله بن سبأ نفسه ـ كما يقول أحد أصحاب هذه الدراسات (10) ـ لم يكن غير «شخصية وهمية لم يكن لها وجود، فإن وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكَّد أنّه لم يقم بالدور الذي أسنده إليه سيف وأصحاب كتب الفرق لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة» (11) .
وتفصيل ذلك موكول إلى محلِّه من تلك الدراسات (12) .
ولكنّ مؤلِّف كتاب «تطور الفكر السياسي الشِّيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه»، الذي طبع قبل بضع سنوات في لندن ومن ثم في بيروت، خرج على الباحثين بزعم شاذٍّ غريب خالف فيه الثابت والمعروف في انحصار مصدر حكاية
________________________________________
(8)قال الحافظ ابن حجر: «قال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال مرة: فَلْس خير منه؛ وقال أبو حاتم: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي؛ وقال أبو داود: ليس بشيء؛ وقال النسائي والدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتتابع عليها، وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الإثبات. قال: وقالوا إنه كان يضع الحديث. قلت: بقية كلام ابن حبان: «اتهم بالزندقة»؛ وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك؛ وقال الحاكم: «اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط». تهذيب التهذيب، 2/470، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1993م. وانظر أيضاً: تهذيب الكمال للحافظ المربّي، 8/250 و251، دار الفكر، بيروت 1994م.
(9)تاريخ الطبري، 4/340، وقد صرّح الطبري عند ذكره لبعض روايات سيف المتعلقة بأحد هذه المواقف بأنها تمثّل هوى الفريق المؤيد للأمويين، واعتذر عن ذكر ما يمثل رأي الفريق الآخر مع اعترافه بأنه هو الأكثر رواية، فقال: «وفي هذه السنة ـ أعني سنة ثلاثين ـ كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية وإشخاصه إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة، كرهت ذكر أكثرها، فأمَّا العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب إليّ بها السريّ يذكر أنّ شعيباً حدّثه عن سيف...» انظر تاريخ الطبري، أخبار سنة 30هـ.
(10)الدكتور عبد العزيز صالح الهلابي الأستاذ في قسم التاريخ ـ جامعة الملك سعود.
(11)عبدالله بن سبأ، دراسة للرواية التاريخية عن دوره في الفتنة، للدكتور عبد العزيز الهلابي، ص 73، صحارى للطباعة والنشر ط2، لندن 1989م.
(12)في طليعة هؤلاء الباحثين وأكثرهم تمرّساً وتحقيقاً في هذه القضية العلامة السيد مرتضى العسكري في كتابه «عبدالله بن سبأ». وكتابه الآخر «مئة وخمسون صحابي مختلق».

[الصفحة - 222]


تأسيس عبدالله بن سبأ للاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم) والوصيَّة له من النَّبي (عليه السلام) بسيف، فنسب القول بذلك أيضاً إلى مؤرِّخي الشِّيعة الإمامية الأوائل! حيث قال:«يسجّل المؤرّخون الشيعة الإمامية الأوائل: (النوبختي والأشعري القمّي والكشي) أوّل تطوّر ظهر في صفوف الشيعة في عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم)»على يدي المدعو (عبدالله بن سبأ) الذي يقولون: إنّه كان يهودياً وأسلم، والذي يقول النوبختي عنه: إنّه أوّل من شهر القول بفرض إمامة علي، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصياً لموسى، فقال كذلك في إسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة»(13) .
قوحقيقة الأمر أنَّ ما انطوى عليه هذا الكلام ليس إلّا «توليفة» صنعها مؤلِّف الكتاب المذكور (أحمد الكاتب)، وركّبها في خياله من رواية سيف التي أشرنا إليها، ومن فقرة عن ابن سبأ وردت في بعض كتب علماء الشيعة الذين ذكر أسماءهم اقتطعها من سياقها، ثم عمد إلى تحريفها وصياغتها على هواه وبالنحو الذي يتَّفق مع رواية سيف.
ومن أجل أن يتبيّن القارى ذلك كلَّه بنفسه ويقف على حقيقة ما فعله «الكاتب» بكلام مؤرِّخي الشيعة سنذكر، أوَّلًا، رواية سيف المتعلِّقة بمحل البحث، كما جاءت في مصدرها الأوَّل، ثم نذكر بعد ذلك الفقرة الأصلية التي حرّفها «الكاتب» وتلاعب بها من كلام مؤرِّخي الشيعة، حسبما وردت في كتبهم، ونقارن ذلك كلّه بما فعله «الكاتب» وولّفه منهما معاً. ثم نختم أخيراً بذكر النص الذي يمثِّل الرأي الثابت والمعروف عند مؤرِّخي الشيعة الأوائل بخصوص نشأة التشيّع والذي لا يمكن افتراض غفلة «الكاتب» عنه لأنه مذكور، بوضوح وتفصيل، في كتبهم نفسها التي رجع إليها وأحال إليها في الهامش.
روى الطّبري، في أوَّل أخبار سنة خمس وثلاثين للهجرة:«عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: كان عبدالله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء، أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبد
________________________________________
(13)تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 25.

[الصفحة - 223]


بالحجاز ثمّ البصرة ثمّ الكوفة ثمّ الشَّام. فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشَّام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم في ما يقول: لَعَجَبٌ ممّن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذِّب بأنّ محمّداً يرجع، وقد قال الله عزّ وجلّ: «إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد» فمحمّد أحقُّ بالرجوع من عيسى، قال: فقبل ذلك عنه فوضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها، ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبيّ ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمّد. ثمّ قال: محمّد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء. ثمّ قال بعد ذلك: من أَظْلَمُ ممَّن لم يُجِز وصيّة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)ووثب على وصيّ رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وتناول أمر الأمّة؟ ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)فانهضوا في هذا الأمر فحرّكوه وابدأوا بالطّعن على أُمرائكم، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا النّاس وادعوهم إلى هذا الأمر» (14) .
تلك هي الرِّواية التي تحدّثت عن إحداث ابن سبأ القول بالوصيّة لعلي (صلي الله عليه و آله و سلم).
أمَّا الفقرة التي اقتطعها «الكاتب» وحرّفها من كلام مؤرِّخي الشيعة الإمامية الأوائل، وزعم أنهم قد سجّلوا فيها «أوَّل تطوُّر ظهر في صفوف الشِّيعة في عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم)»، فقد وردت في المصدر الذي أحال إليه، وهو كتاب «فرق الشيعة» للنوبختي ضمن النصّ الآتي:
«فلما قتل علي (صلي الله عليه و آله و سلم) افترقت الفئة التي ثبتت على إمامته وأنها فرض من الله عزّ وجلّ ورسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فصاروا فرقاً ثلاثة:
فرقة منهم قالت: إنّ علياً لم يقتل ولم يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلًا وقسطاً، كما مُلِئت ظلماً وجوراً، وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي (عليه السلام) من هذه الأمَّة، وأول من قال منها بالغلوّ، وهذه الفرقة تسمَّى «السبائية»، أصحاب عبدالله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرَّأ منهم، وقال: إنّ علياً (صلي الله عليه و آله و سلم) أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقرَّ به فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلًا يدعو إلى حبِّـكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك، فصيّره
________________________________________
(14)تاريخ الطبري، 4/340.

[الصفحة - 224]


إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي (صلي الله عليه و آله و سلم) : أن عبدالله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى (صلي الله عليه و آله و سلم) بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي (عليه السلام) في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية» (15) .
ونحو ذلك ورد أيضاً في كتاب «الفرق والمقالات» للأشعري القمي (16) ثاني المؤرِّخين الثلاثة الذين ذكرهم «الكاتب». أمَّا ثالثهم، وهو الكشّي، فقد ذكر تلك الفقرة بعد عدَّة روايات نقلها عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)تحدّثوا فيها عن غلوّ عبدالله بن سبأ في أمير المؤمنين (صلي الله عليه و آله و سلم) بادّعائه الربوبية فيه، وقد وردت بهذا النصّ:
«ذكر بعض أهل العلم أن عبدالله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وكان يقول، وهو على يهوديته، في يوشع بن نون وصيّ موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) في علي مثل ذلك... الخ» (17) .
ولدى مقارنة ما ورد في هذه النصوص بما نقله «الكاتب» منها بصفة عامة ومن نص النوبختي بصفة خاصة، يتبيّن لنا وجود تحريفين أساسيين في نقله:
الأوَّل: إن «الكاتب» نسب مضمون الفقرة التي اقتطعها من كتاب النوبختي إلى النوبختي نفسه، بينما الصحيح أن النوبختي حكى مضمون تلك الفقرة عن «جماعة من أهل العلم».
الثاني (وهو الأهم): إنَّ ما حكاه النوبختي عن جماعة من أهل العلم هو: «إنّ عبدالله بن سبأ كان يقول، وهو على يهوديته، في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة فقال في إسلامه بعد وفاة النبي (عليه السلام) في علي بمثل ذلك».
وإذا رجعنا إلى أوَّل كلام النوبختي عن فرقة «السَّبئيَّة» الذي نقلنا آنفاً نصّه وإلى كلام الأشعري أيضاً وجدنا فيهما تفصيل هذه «المقالة» التي أحدثها ابن سبأ في علي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهي: أنّه«لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت..» ، وأنها لم تكن سوى«الغلو» فيه، كما وُصفت في هذا الكلام، وكما وصفها بذلك الكشِّي صراحةً
________________________________________
(15)فرق الشيعة للنوبختي، ص 21 و22. ويرى بعض الباحثين المحققين أنَّ هذا الكتاب هو نسخة مختصرة من كتاب «المقالات والفرق» لسعد بن عبدالله الأشعري. انظر: مجلة تراثنا، العدد الأول السنة الأولى 1405هـ. ص 29 ـ 51. وانظر أيضاً: مقدمة كتاب «المقالات والفرق» تحقيق الدكتور جواد مشكور، مركز انتشارات علمي وفرهنكي، ط2.
(16)المقالات والفرق، ص 19 و20، تحقيق الدكتور جواد مشكور.
(17)اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): ترجمة عبدالله بن سبأ، وانظر أيضاً: الملل والنحل للشهرستاني، 1/155.

[الصفحة - 225]


في النّص الذي حكاه عن بعض أهل العلم، وفصّلها وروى ما يتعلَّق بها من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)في كتابه الذي اختصره الشيخ الطوسي.
فهذا هو القول الذي أحدثه عبدالله بن سبأ في علي ـ إن صح ما حكاه عنه بعض أهل العلم الذين أشار إليهم النوبختي وغيره من مؤرخي الشِّيعة الإمامية ـ ولكن «الكاتب» خالف الأمانة العلمية في نقله وحرّف ما حكاه النوبختي عن بعض أهل العلم أولئك ليجعله متفقاً مع ما ورد في رواية الراوي الوضّاع المتَّهم بالزندقة سيف بن عمر، من أنّ ابن سبأ هو من أحدث القول بالوصية لعلي (صلي الله عليه و آله و سلم) فنقله بالألفاظ الآتية:
«وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصياً لموسى، فقال كذلك في إسلامه في علي بعد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ».
وهذا في الواقع من أشنع ما يمكن أن يفعله باحث يجرّ النار إلى قرصه لأن افتضاحه سهل ميسور، ولكن أصحاب الأهواء يعمون عن رؤية أوجه القبح والشَّناعة في ما يهوون.
بقي أخيراً أن نذكر نص كلام مؤرِّخي الشيعة الأوائل الذين أشار إليهم «الكاتب»، والذي يمثل رأيهم الصحيح في نشأة التشيّع والقول بالوصيّة لعلي، وهو موجود في المصادر التي زعم «الكاتب» أنه نقل رأيهم منها:
قال الأشعري القمي وكذلك النوبختي:
«فجميع أصول الفرق كلها الجامعة لها أربع فرق: الشيعة والمرجئة والمعتزلة والخوارج.
فأوَّل الفرق «الشيعة»، وهي فرقة عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، المسمَّون شيعة علي في زمان النبيّ (عليه السلام) وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود الكندي، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمَّار بن ياسر المذحجي، المؤثرون طاعته، المؤتمّون به، وغيرهم ممّن وافق مودته مودة عليّ بن أبي طالب، وهم أوَّل من سمّوا باسم التشيّع من هذه
________________________________________

[الصفحة - 226]


الأمّة، لأنّ اسم التشيع قديم، شيعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء (عليهم السلام) فلمّا قبض الله نبيّه (عليه السلام) افترقت فرقة الشيعة فصاروا في الإمامة ثلاث فرق:
فرقة منهم قالت: إنّ عليّ بن أبي طالب إمام ومفروض الطاعة من الله ورسوله بعد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) بوجوب على الناس القبول منه والأخذ منه لا يجوز لهم غيره، من أطاعه أطاع الله، ومن عصاه عصى الله لمّا أقامه رسول الله علماً لهم وأوجب إمامته وموالاته وجعله أولى بهم منهم بأنفسهم، والّذي وضع عنده من العلم ما يحتاج إليه الناس من الدين والحلال والحرام، وجميع منافع دينهم ودنياهم ومضارها، وجميع العلوم كلها جليلها ودقيقها، واستودعه ذلك كلّه واستحفظه إيّاه، وأنّه استحق الإمامة ومقام النبي (عليه السلام) ؛ لعصمته وطهارة مولده وسبقه وعلمه وشجاعته وجهاده وسخائه وزهده وعدالته في رعيته، وأن النبيّ (عليه السلام) نصَّ عليه وأشار إليه، باسمه ونسبه، وعيَّنه وقلَّد الأمة إمامته، وأقامه ونصبه لهم علماً، وعقد له عليهم إمرة المؤمنين، وجعله وصيّه وخليفته ووزيره في مواطن كثيرة، أعلمهم أنّ منزلته منه منزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعده، وإذ جعله نظير نفسه في حياته، وأنّه أولي بهم بعده، كما كان هو (عليه السلام) أولى بهم منهم بأنفسهم، إذ جعله في المباهلة كنفسه، بقول الله: «وأنفسنا وأنفسكم»، ولقول رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)لبني وليعة: لتنتهن بابني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلًا كنفسي يعصاكم بالسيف، ومقام النبيّ (عليه السلام) لا يصلح من بعده إلّا لمن هو كنفسه، والإمامة من أجلّ الأمور بعد الرسالة، إذ هي فرض من أجل فرائض الله. فإذاً لا يقوم الفرائض ولا يقبل إلّا بإمام عدل.
وقالوا: إنه لا بد مع ذلك من أن تكون تلك الإمامة دائمة جارية في عقبه إلى يوم القيامة، تكون في ولده من ولد فاطمة بنت رسول الله، ثم في ولد ولده منها يقوم مقامه أبداً، رجل منهم معصوم من الذنوب، طاهر من العيوب، تقيّ نقيّ، مبرَّأ من الآفات والعاهات في الدين والنسب والمولد، يؤمن منه العمد والخطأ والزلل، منصوص عليه من الإمام الذي قبله مشار إليه بعينه واسمه. الموالي له مؤمن ناج والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك، وإنَّ الإمامة جارية في عقبه على هذا السبيل ما اتصل أمر الله ونهيه ولزم العباد التكليف» (18).
________________________________________
(18)فرق الشيعة، ص 17 ـ 20، المقالات والفرق، ص 15 ـ 17.

[الصفحة - 227]


وصفوة النتيجة التي نريد أن نخلص إليها ونؤكدها في ضوء جميع ما تقدّم، أنّ «الكاتب» قد صرّف كلام مؤرخي الشيعة الأوائل الذين ذكرهم، وساقه على نحوٍ يُفهم منه أنّ عبدالله بن سبأ هو أوَّل من قال باستحقاق الإمام علي بن أبي طالب (صلي الله عليه و آله و سلم) للإمامة على أساس التعيين والوصيّة له من النبي (عليه السلام)، وبهذا يكون التشيّع لعلي (صلي الله عليه و آله و سلم)، بهذا المعنى، أمراً مستجيراً في عهده ولم يكن معروفاً في عهد النبي (عليه السلام) ولا في عهد صحابته الأولين. غير أنّ النصّ الصحيح لكلامهم، وعلى وجه التحديد نصّ كلام النوبختي الذي استشهد به «الكاتب» وزعم أنه ينقله عنه بلفظه، وكذلك نص كلامه الآخر الذي أوردناه آنفاً والذي أرّخ فيه لنشأة «فرقة الشيعة»، يثبتان عكس ذلك من عدة جهات:
الأولى: إن النصّ الصحيح لكلام النوبختي يتضمّن أنَّ ابن سبأ هو أوَّل من غلا في حقّ عليّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، وقال فيه بالرجعة بوصفه وصيّ النبي (عليه السلام)، تماماً كما كان يقول ذلك في حق يوشع بن نون وصيّ موسى (صلي الله عليه و آله و سلم) حينما كان على دين اليهودية قبل أن يسلم.
فالقول بالرجعة هو الحادث وليس القول بالوصيّة.
الثانية: إنّ واقعة ابن سبأ هذه ـ على فرض صحتها ـ تدل على أنَّ ابن سبأ استفاد من فكرة الوصيّة، وأنها كانت معروفة في زمنه فوظّفها في مقولته الحادثة، ورتّب عليها لازمها بحسب عقيدته اليهودية السابقة التي غلا فيها في يوشع بن نون، وصيّ موسى، فقال برجعته.
الثالثة: إنّ كتاب النوبختي الذي رجع إليه «الكاتب» يتضمَّن وجود التشيّع قبل زمان ابن سبأ ويؤرِّخ لظهور القول بإمامة علي وأبنائه (عليهم السلام)في عهد النبي (عليه السلام) نفسه، ويشير إلى حادثة ابن سبأ وغلوّه في علي (صلي الله عليه و آله و سلم) بوصفها انشقاقاً وخروجاً على الخط العام للتشيّع.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصدق حيث يقول في كتابه الكريم: {فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور} )الحج/46(.
________________________________________

[الصفحة - 228]