البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التَّشيُّع المُفْترى عليه (5) مداخلات وهوامش نقديَّة على كتاب «تطوُّر الفكر السياسي الشِّيعي من الشّورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب

الباحث :  الشيخ خالد أبا ذر العطيَّة
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  20
السنة :  السنة الخامسة شتاء 1421 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  692
التَّشيُّع المُفْترى عليه (5)

مداخلات وهوامش نقديَّة على كتاب «تطوُّر الفكر السياسي الشِّيعي من الشّورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب

الشيخ خالد أبا ذر العطيَّة (*)

مناقشة الشُّبهة الثامنة:(إنَّ رفض الإمام علي (عليه السلام)، بعد مقتل عثمان بن عفّان، الاستجابة لطلب الثوار تولّيه السلطة وانتظاره في ذلك كلمة المهاجرين والأنصار وبيعة المسلمين في المسجد، كل ذلك يدل على إيمانه بنظرية الشورى).
قال «الكاتب»: «لقد كان الإمام عليّ يؤمن بنظام الشُّورى؛ وأن حقّ الشُّورى بالدَّرجة الأولى هو من اختصاص المهاجرين والأنصار، ولذلك فقد رفض، بعد مقتل عثمان، الاستجابة للثوَّار الذين دعوه إلى تولِّي السُّلطة وقال لهم: ليس هذا إليكم.. هذا للمهاجرين والأنصار، من أمّره أولئك كان أميراً.
وعندما جاءه المهاجرون والأنصار وقالوا: «امدد يدك نبايعك» دفعهم، فعاودوه، ودفعهم، ثم عاودوه، فقال: «دعوني والتمسوا غيري واعلموا أنِّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم... وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولَّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً». ومشى إلى طلحة والزبير فعرضها عليهما، فقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا... الناس بك أرضى. وأخيراً، قال لهم: فإن أبيتم فإنَّ بيعتي لا تكون سرَّاً، ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني فليبايعني.
________________________________________

[الصفحة - 113]


ولو كانت نظرية النَّص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين، لم يكن يجوز للإمام أن يَدْفع الثوَّار وينتظر كلمة المهاجرين والأنصار، كما لم يكن يجوز له أن يقول: «أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً»، ولم يكن يجوز له أن يعرض الخلافة على طلحة والزبير، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين» (1).
إنّ الأمور التي أشار إليها «الكاتب»، في هذه الشُّبهة، بوصفها قرائن وشواهد تدلُّ، في رأيه، على إيمان الإمام علي (عليه السلام) بنظرية الشورى وعدم إيمانه بالنصّ عليه بالإمامة، قد ذكر جملتها المعتزلة قديماً في احتجاجهم على مفاد هذه الشُّبهة.
وقد نقل احتجاجهم بها ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لكلام الإمام (عليه السلام) الذي قاله لمّا أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان، والذي أشار الكاتب إلى شطر منه، كما نقل أيضاً جواب الشِّيعة الإماميَّة على ما ذكره المعتزلة والوجوه التي حملوا كلام الإمام (عليه السلام) عليها.
قال: وهذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره، ويقولون: إنه (عليه السلام) لم يكن منصوصاً عليه بالإمامة من جهة الرَّسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وإن كان أولى الناس بها وأحقهم بمنزلتها، لأنه لو كان منصوصاً عليه بالإمامة من جهة الرسول، عليه الصلاة والسلام، لما جاز له أن يقول: «دَعُوني والتمسوا غيري»؛ ولا أن يقول: «ولعلِّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولَّيتموه أمركم»، ولا أن يقول: «وأنا لكم وزيراً خيرٌ منّي لكم أميراً».
وتحمله الإمامية على وجه آخر فيقولون: «إنّ الذين أرادوه على البَيْعة هم كانوا العاقدين بَيْعة الخلفاء من قبل؛ وقد كان عثمان مَنَعهم أو منع كثيراً منهم عن حَقّه من العطاء؛ لأنّ بني أمية استأصلوا الأموال في أيام عثمان؛ فلما قتِل، قالوا لعليّ (عليه السلام): نبايعك على أن تسيرَ فينا سيرَة أبي بكر وعمر؛ لأنهما كانا لا يستأثران بالمال لأنفسهما ولا لأهلهما، فطلبوا من عليّ (عليه السلام) البَيْعة، على أن يقسّم عليهم بيوت الأموال قسمة أبي بكر وعمر؛ فاستعفاهم وسألهم أن يطلبُوا غيره ممّن يسير بسيرتهما؛ وقال لهم كلاماً تحته رمز، وهو قوله: «إنّا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت، والمحجّة قد تنكّرت»...
________________________________________
(1)تطوُّر الفكر السياسي الشيعي، ص 23.

[الصفحة - 114]


وقد حمل بعضُهم كلامه على محمل آخر، فقال: هذا كلام مُسْتزيد (2) شاكٍ من أصحابه، يقول لهم: دعوني والتمسوا غيري، على طريق الضَّجر منهم، والتبرّم بهم والتسخّط لأفعالهم، لأنهم كانوا عَدَلوا عنه من قَبْل، واختاروا عليه، فلما طلبوه بعدُ أجابهم جوابَ المتسخّط العاتب.
وحمل قوم منهم الكلام على وجه آخر، فقالوا: إنه أخرجه مخرج التهكّم والسخرية، أي أنا لكم وزيراً خيرٌ مني لكم أميراً في ما تعتقدونه، كما قال سبحانه: {ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} ، أي تزعم لنفسك ذلك وتعتقده.
واعلم أن ما ذكروه ما ليس ببعيد أن يُحمَلَ الكلام عليه لو كان الدَّليل قد دلّ على ذلك، فأمَّا إذا لم يدلّ عليه دليل، فلا يجوز صَرْفُ اللفظ عن ظاهره، ونحن نتمسك بالظاهر إلّا أن تقوم دلالة على مذهبهم تصدّنا عن حَمْل اللفظ عن ظاهره» (3).
ونظير هذا الذي ذكره ابن أبي الحديد هنا ذكره أيضاً في شرحه لكتابٍ رُئِي أن عليّاً (عليه السلام) بعثه إلى معاوية، جاء فيه:
«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشَّاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرُدّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا... الخ» (4).
قال ابن أبي الحديد: «واعلم أن هذا الفصل دالّ بصريحه على كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة كما يذكره أصحابنا المتكلّمون، لأنه احتجّ على معاوية ببيعة أهل الحلّ والعَقْد له، ولم يراعِ في ذلك إجماعَ المسلمين كلّهم، وقياسه على بيعة أهل الحلّ والعقد لأبي بكر، فإنه ما رُوعِي فيها إجماع المسلمين، لأنّ سعد بن عُبادة لم يبايع، ولا أحدٌ من أهل بيته وولده، ولأنّ عليًّا وبني هاشم ومَنِ انضوَى إليهم لم يبايعوا في مبدأ الأمر، وامتنعوا؛ ولم يتوقّف المسلمون في تصحيح إمامة أبي بكر وتنفيذ أحكامه على بيعتهم، وهذا دليل على صحَّة الاختيار وكونه طريقاً إلى الإمامة، وأنَّه لا يقدح في إمامته (عليه السلام) امتناعُ معاوية من البيعة وأهل الشام؛ فأمَّا الإماميَّة فتحملُ هذا الكتابَ منه (عليه السلام) على التقيّة، وتقول: إنه ما كان يمكنه أن
________________________________________
(2) مستزيد، أي شاكٍ عاتب.
(3) شرح النهج: 7/33 ـ 35.
(4) نهج البلاغة، الكتاب 6.

[الصفحة - 115]


يصرّح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال، ويقول له: أنا منصوص عليَّ من رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومعهود إلى المسلمين أن أكون خليفةً فيهم بلا فصل، فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدّمين، وتفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة؛ وهذا القول من الإماميّة دعوى لو عضّدَها دليل لوجب أن يقال بها، ويُصار إليها؛ ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه من الأصول التي تسوقهم إلى حَمْلِ هذا الكلام على التّقيّة» (5).
والحقّ أنّ ابن أبي الحديد لم يجانب الصواب في تشخيص القاعدة التي ينبغي أن يُفهم كلام الإمام علي (عليه السلام) ويحلَّل في ضوئها، وهي أن ننظر في دليل الشيعة الإمامية على النصّ على إمامته من جهة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وعلى إيمانه هو نفسه بالنصّ عليه، فإن صحَّ وجود ذلك الدليل وتمّت دلالته تمسّكنا به وأوّلنا ما ورد على خلافه من أخبار آحاد ظنيّة وصرفناها عن ظاهرها، وإن لم يصح وجود ذلك الدليل ولم تتم دلالته لم نضطر إلى تأويل ما خالفه وصرفه عن ظاهره. غير أنَّ الصَّواب قد جانب ابن أبي الحديد في تطبيق هذه القاعدة على موردها، فأنكر، تبعاً لأصحابه المعتزلة، قيام الدليل على النصّ على إمامة علي (عليه السلام) من جهة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وعلى إيمانه هو نفسه بالنصّ عليه؛ ولهذا لم يجد مسوّغاً لتأويل كلامه هذا المروي عنه والبحث له عن معنى آخر غير معناه الظاهر منه.
وقد سبقت الإشارة، في غير موضع من هذا البحث، إلى بعض النصوص المتضمنة لنصّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على إمامة علي (عليه السلام) وخلافته من بعده، كحديث الغدير وحديث الثَّقلين، وحديث المنزلة، كما سبقت الإشارة أيضاً إلى بعض النصوص المروية عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) التي عكست إيمانه بالنصّ عليه وإنكاره لطريقة الاختيار أو الشورى التي استُخلف بموجبها الخلفاء الذين سبقوه، ومنها قوله في خطبته المعروفة بالشَّقشقيَّة:
«أما و الله ، لقد تقمَّصها فلان، وإنه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرّحا».
وقوله فيها أيضاً: «حتى إذا مضى لسبيله، جعلها في ستة زعم أنِّي أحدهم؛ فيا
________________________________________
(5) شرح النهج: 14/36 و37.

[الصفحة - 116]


لله وللشُّورى! متى اعترض الرَّيب فيَّ مع الأوَّل منهم حتى صرت أُمّرت إلى هذه النظائر!» (6).
ومنها قوله: «إنّ الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على من سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم» (7).
وقوله: «لا يقاس بآل محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) من هذه الأمَّة أحد، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة» (8).
فهذه النصوص، بقسميها، حاكمة على غيرها ممَّا يخالفها في الظاهر ومقدّمة عليها؛ للعلم بصدورها من ناحية أولى، ولقوَّة دلالتها من ناحية أخرى. وليس بوسع الباحث النَّزيه، أو المؤرِّخ المنصف، أن يتجاهلها ويقدّم عليها ظاهر نصوص آحاد متشابهة في دلالتها، أو ظاهر موقف عملي معقَّد في ظروفه وملابساته.
وهذه قاعدة عامَّة مطَّردة تجب مراعاتها ووضعها في الاعتبار سواء بالنسبة إلى ما ذكر في هذه الشُّبهة والشُّبهة التي سبقتها، أم في ما سوف يذكر في بعض الشُّبهات الأخرى اللاحقة التي سوف يذكرها «الكاتب».
وبذلك يتعيّن اللجوء إلى تأويل ما استند إليه القائلون بهذه الشُّبهة من كلام الإمام علي (عليه السلام) المروي عنه بأحد الوجوه التي نقلها ابن أبي الحديد عن الشيعة الإمامية أو بغيرها.
ولو شئنا أن نصوغ أقرب وجوه التَّأويل المتصوَّرة موافقة للصواب ـ في ما نعتقد ـ بعبارة أكثر وضوحاً وتفصيلًا ممَّا ذُكر فإنّه يمكن أن يقال بوجه عام:
إنَّ الإمام عليَّاً (عليه السلام) كان يدرك، في تلك اللحظة التَّاريخية الحرجة التي أعقبت الثورة على الخليفة الثالث، والتي طُلب إليه فيها أن يتولّى حكم الأمة الإسلامية وإنقاذها من الفتنة وممَّا آلت إليه أوضاعها الاجتماعية والسياسية من أحوال سيئة، خطورة المرحلة المقبلة وما تحمله في طيَّاتها من صعوبات وتحدِّيات تتمثل في احتمال محاولة الطامحين إلى تقلّد الخلافة أو الولاية على الأقاليم الكبرى، من أعضاء الشُّورى السابقة التي شكَّلها الخليفة الثاني، وكذلك بطانة الخليفة الثالث
________________________________________
(6) نهج البلاغة، الخطبة 3.
(7) م.ن، الخطبة 144.
(8) م.ن، الخطبة 2.

[الصفحة - 117]


وبعض ولاته المتضرِّرين جميعاً من مجيء الإمام (عليه السلام) إلى الحكم، الخروج على طاعته ومعارضة منهجه الصارم والعادل في الإصلاح ومحاولته العودة بمسيرة الحكم وسياسة إدارة الدولة، وبالأخصّ سياسة تقسيم العطاء، إلى ما كانت عليه في عهد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)؛ فأراد، من جهة أولى، أن يُنبِّه الأمَّة إلى ما كان يدركه ويشعر به من تلك الصعوبات والتحدِّيات ويصارحها بخطته وسياسته في إصلاح أوضاعها، وبمنهجه في حكمها بوجه عام؛ ليتوثَّق من تأييدها له ووقوفها إلى جانبه في جميع ذلك وتتم له البيعة على هذا الأساس، فقال للذين جاءوا يبايعونه:
«دعوني والتمسوا غيري، فإنَّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكَّرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب» (9).
كما أراد (عليه السلام)، من جهة ثانية، أن يبلور الإجماع على اختياره لتولِّي الخلافة ليشمل جميع أهل الحلِّ والعقد من المهاجرين والأنصار، فانتظر كلمتهم، ولم يكتف باختيار آحاد منهم أو اختيار خصوص الثوار؛ حتى لا يترك ذريعة لمناوئيه الذين أشرنا إليهم للطَّعن في شرعيَّة خلافته حسب المعيار الذي كانوا يعترفون به، وهو معيار الشُّورى.
وأراد، من جهة ثالثة، أن تتم مبايعته بالخلافة في مشهد عام علني وليس خفية أو سرّاً، حتى يلزم الجميع بطاعته في ما سوف يصدره من قرارات سياسية وإدارية، ويأخذ عليهم العهد على نصرته عند البغي عليه وتعرّض سلطته أو كيان الدولة كلِّه للخطر.
وهذا هو في الواقع دور البيعة وأثرها الدستوري كما عكستها الممارسة السياسية في عهد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وكما عكستها أيضاً الممارسة السياسية في عهود الخلفاء الذين سبقوا الإمام عليّاً (عليه السلام)، وكما عكستها أخيراً الممارسة السياسية في عصور خلفاء الجور والتغلّب الذين ورثوا الخلافة عن أسلافهم ولم يتقلّدوها بطريقة الاختيار والشورى؛ فإن البيعة في جميع تلك الحالات لم تزد على كونها عقد طاعة ونصرة بين الحاكم الذي ولي الخلافة بأي طريقة كانت وبين الأمَّة.
________________________________________
(9) م.ن، الخطبة 92.

[الصفحة - 118]


وإذا كان دور البيعة وأثرها الدستوري ذلك فحسب، فإنّ البيعة التي طلبها الإمام علي (عليه السلام) من المهاجرين والأنصار كانت هي من جنس ماله ذلك الأثر.
أمّا لماذا لم يتعامل الإمام علي (عليه السلام) مع قضية الخلافة على أساس مبدأ استحقاقه لها بالنص والتعيين بعد تمكّنه من تولِّيها وطلب الثوار إليه مبايعته بها في أعقاب مقتل الخليفة الثالث؟ فقد سبقت الإشارة إلى سببه في موضع سابق من هذا البحث (10) ، وهو:
إنّ نظرية الاختيار، أو الشورى، قد تعزّزت شرعيتها في نظر عامة الناس في مقابل مبدأ النص أو التعيين، وأصبحت أمراً مقرّراً مفروغاً منه في أذهانهم، بفضل تقادم المدة في العمل على وفقها ومرور ما يقرب من ربع قرن على فرضها بالأمر الواقع، فلم يكن في وسعه، والحال هذه، أن يتجاهل هذه النظرية ولا يضعها في اعتباره وحساباته وإلا فإن الإجماع على مبايعته لن يتحقق وذرائع عدم القبول به خليفة على الأساس الذي يدّعيه لن تفلت من أيدي خصومه ومناوئيه.
هذه هي صفوة ما يمكن أن يوجّه به كلام الإمام علي (عليه السلام) وموقفه المشار إليهما في هذه الشبهة في ضوء النصوص القطعية الدالَّة على إمامته، وفي ضوء مواقفه التاريخية وأقواله الأخرى الثابتة عنه والمؤكّدة لتلك النصوص.
علي (عليه السلام) والبيعة لطلحة والزُّبير
تبقى، في نهاية مناقشة هذه الشُّبهة، ملاحظة واحدة تتعلَّق بما ذكره «الكاتب» من أنّ الإمام (عليه السلام) عرض على طلحة والزبير في البداية أن يبايعهما هو بالخلافة.
فهذا الذي ذكره أخذه من روايتين شاذّتين مرسلتين، رويت إحداهما عن الزهري والأخرى عن محمد بن سيرين.
أمّا رواية الزهري فهي كما في تاريخ الطبري:
«حدَّثني أحمد بن زهير، قال: حدثني أبي قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: سمعت أبي، قال: سمعت يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، قال: بايع الناس علي بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير وطلحة فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة،
________________________________________
(10) انظر مناقشة الشبهتين السادسة والسابعة.

[الصفحة - 119]