البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

منهج السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر في إثبات أصول الدِّين

الباحث :  الدكتور حسين سعد‏
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  17
السنة :  السنة الخامسة ربيع 1421 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  2591
منهج السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر
في إثبات أصول الدِّين

الدكتور حسين سعد‏ (*)

تمهيد
الغرض، من هذا البحث، تسليط الضَّوء على المنهج العلمي والفلسفي الذي اعتمده السَّيِّد الشَّهيد، الإمام محمَّد باقر الصَّدر، في التَّصدِّي لواحدة من المشكلات التي واجهت الإيمان والتَّصديق باللَّه والنُّبوَّة ورسالة الإسلام، والنَّاجمة عن تسرُّب فكر فلسفي، إلحادي، وسم نفسه ب ـ «العلميَّة» تارةً، وف«الوضعيَّة»، بوصفها إحدى خصائص العلم، تارةً ثانيةً، وف«المنطقيَّة» ميزة الذِّهن البشري المعصوم عن الخطأ، طوراً، وف«التجريبيَّة» باعتبارها محكَّ امتحان الحقائق، كرَّةً رابعةً، في عصر كادت فيه الثَّقافة الدِّينية الإسلامية تخسر لحساب تيَّارات فكريَّة وافدة، أرادت كسب العقول، بعيداً عن الدِّين، الذي رمته بالتَّقليد والابتعاد عن روح العصر، ووصمته بالتَّخلُّف ومعاداة ـ التقدُّم العلمي والحضاري.
منهج الصَّدر، في ردّ الشبهة هذه، هو ما نطمح لعرض مقدّماته، وتحليل نتائجه، من زاوية معرفيَّة موضوعيَّة، تطمح أيضاً للإضاءة على منحى فكري، متجدِّد، في عقل كبير من عقول إحياء الإسلام، وإثبات جدارته في ساحة ـ المعرفة، الملأى بتيَّارات مختلفة، وباتجاهات جديدة في الفلسفة من المادِّية الجدليَّة إلى الوضعيَّة المنطقيَّة.
أمَّا منهجنا في هذه المقاربة فيقوم على الحيدة والعرض الموضوعي، ما أمكن، والعودة إلى المقدِّمات الصَّدرية في منابعها الأصلية، لئلاَّ تتأذَّى الفكرة ـ الواقعة، فضلاً عن الفضائل المعروفة للعودة المباشرة إلى النُّصوص.
________________________________________
(*)أستاد في الجامعة اللبنانية

[الصفحة - 107]


أ ـ منهج الإمام الصَّدر
يحتلُّ المنهج، عند الإمام محمَّد باقر الصَّدر، على ما نظنّ، في النَّظر إلى الكون والإنسان من منطلق المصادر الإلهيَّة والبشريَّة للإسلام التاريخي، حجر الزَّاوية في مجمل البناء الفكري ومنظوماته المختلفة. ومفهومه للمنهج يقترب من مفهوم المنهج المعاصر، كما تدلُّ عليه استخدامات الفلاسفة والمناطقة والعلماء؛ فهو طريق الأدلَّة والبراهين على النَّظريات والأفكار.
ويتنبَّه الإمام السَّيد محمد باقر الصَّدر إلى أهمِّية المنهج ودوره في المعرفة الحقَّة. ذلك لأنَّ «صحَّة الإستدلال ترتبط ارتباطاً أساسياً بصحَّة المنهج الذي يعتمد عليه»‏ (1).
لذا، أولى الصَّدر المنهج عناية خاصَّة، انتهت به إلى توليد منهج في الإستدلال على آرائه وأطروحاته، تناول أبرز قواعده في كتابه «الأسس المنطقية للإستقراء» .
وعلى نحو خاصّ، نعني بمنهج الصدر في إثبات أصول الدِّين «المقدِّمة المطلوبة»‏ (2)للإقتناع بأصول الدِّين ودرجات الإستدلال على الصَّانع الحكيم والنبي المُرْسَل محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) والإسلام باعتباره الرِّسالة.
فمنهج السَّيِّد الشَّهيد هو عودة على بدء للإجابة عن التَّساؤلات الكبرى: هل الماورائيات (اللَّه، النبوة، المعاد) تخضع لأحكام العقل، أو أنها في طور خارج أطواره؟ وكيف يهتدي الإنسان إليها بإيمانه أم بعقله؟ هل علم الإنسان طريق الإستدلال سابقٌ على علم اللَّه أو أنَّ علم اللَّه سابق؟ وهو الأصل الذي يُبْتنى عليه مقتضى العلم الإنساني؟
قبل الصَّدر بعشرة قرون، على الأقلّ، احتدم الجدل في الإسلام حول هذه المسائل: العقل أم النقل، وما يتفرَّع عنهما، ومسألة العلم الإلهي. وقلَّب المعتزلة والأشاعرة أفانين النَّظر حولها. فقالت المعتزلة بكمال العقل وبالمعارف الضَّرورية التي تحصل للإنسان طفلاً كان أم ناضجاً. «فمن عرف توحيد ربِّه وصفاته وعدله وحكمته بالضَّرورة فحكمه حكم المسلمين، وهو معذور في جهله بالنبوَّة وأحكام الشَّريعة»‏ (3). وهذا يفيد أنَّ الإنسان قادر على معرفة اللَّه بالفطرة والضَّرورة.
________________________________________
(1)محمَّد باقر الصَّدر، موجز في أصول الدِّين، بيروت، دار التعارف، لاط، لات، ص 20.
(2)محمد باقر الصدر، م.ن، ص 6.
(3)زهدي جار اللَّه، المعتزلة، بيروت، الأهلية ـ للنشر والتوزيع، لاط، 1974؛ ص 110.

[الصفحة - 108]


وذهبت الأشعريَّة، على خلاف هذا، إلى تثبيت الإيمان بالقلب من دون نفي حصول معرفة اللَّه بالعقل. قال أبو الحسن الأشعري (260هـ ـ 873مر 324هـ ـ 935م): «... والواجبات كلُّها سمعيَّة، والعقل لا يوجب شيئاً، ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً. فمعرفة اللَّه تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب»‏ (4).
فالثَّابت، من كلام الأشعري، أنَّ الإيمان طريق معرفة اللَّه، وإن كان العقل قادراً على اكتسابه.
وعلى مشارف نهاية القرن العشرين، يأتي الصَّدر ليثير المسألة عن طريق العقل، لا ليثبت لنفسه بأدلَّة العلم والعقل حقيقة الألوهيَّة والنبوَّة، بل ليرفع الإسلام والمنهج الإسلامي إلى مصاف النقاشات العالية مع اكتساح العقل البشري، على المستوى الكوني، نزعتان في التَّفكير هما: المادِّية الجدليَّة والوضعيَّة المنطقيَّة. وكلتاهما لا تقرّ، بحال، حقيقة الإلهيَّات والماورائيَّات بأشكالها كافة.
ولئن كان السيِّد الشهيد يسوِّغ منهجه، باعتباره المقدِّمة المطلوبة للاستدلال على وجود اللَّه الخالق المدبّر للكون، فإنَّنا نرى أنَّ ثمَّة مشابهة بين مهمَّة هذا الإمام -الفيلسوف وبين ما لجأ إليه ابن رشد (520هـ ـ 1126مر 595هـ ـ 1198م) باعتبار المنطق والفلسفة لا يضادَّان الشَّريعة؛ ذلك لأنَّ الفلسفة ليست «شيئاً أكثر من النَّظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع»‏ (5).
أراد الإمام الصَّدر أن يخاطب العقول النيِّرة خطاباً عقليَّاً مقنعاً. فوضع منهجاً في الاستدلال على اللَّه (المُرسِل) وعلى النَّبيّ (الرَّسول) وعلى الدِّين (الرِّسالة)، مميِّزاً بين الدَّليل ومنهج الدَّليل، عارضاً مراحل الإستدلال على اللَّه مبدع الكون والوجود: من الإيمان بالفطرة أو البداهة إلى إدراك الخالق بالدَّليل الفلسفي، ثمَّ إدراكه بالعلم. ويظهر الصَّدر طول باع في تتبُّع مراحل المعرفة من الحسِّي والتَّجريبي إلى العقلي، فالوضعيَّة المنطقيَّة والمثاليَّة الإلؤهية والمادِّيَّة الجدليَّة.
وبعد أن يتوقَّف عند رفض المادِّيَّة الجدليَّة والوضعيَّة المنطقيَّة، ينتهي إلى تركيب منهج يعتمد على الحسِّ والتَّجربة بوصفهما بدايات للإستدلال، وهذا هو
________________________________________
(4)الشهرستاني، الملل والنحل، بيروت، دار صعب، 1986، ج‏2، ص 101.
(5) ابن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بيروت، دار المشرق، ط3، 1973؛ ص 28. الإستقراء (Induction): لغة هو الإستتباع. ومنطقياً هو إثبات الحكم للكل بوساطة ثبوته لأكثر أفراد ذلك الكلّ. وفي الاستخدام الفلسفي هو عملية عقلية ترتكز على إسناد عدد من القضايا المعطاة غالباً، مفردة أو خاصة، ندعوها مستقرئة إلى قضية أو عدد محدود من القضايا العامة تسمى مستقرأة. وهذه تنطبق عليها جميع القضايا المستقرئة، (مادة استقراء، المعجم الفلسفي، وهبة كرم وشلالا).

[الصفحة - 109]


الاستقراء، وعلى العقل والاستنتاج لتنظيم الرَّوابط والعلاقات الذهنيَّة، وهذه طريق الفلسفة.
إذاً، يلجأ الصَّدر إلى العلم والفلسفة لإثبات وجود الصَّانع. إلى العلم من خلال الدَّليل العلمي، ومنهجه: «الدليل الإستقرائي القائم على حساب الإحتمالات»‏ (6). وإلى الفلسفة والعقل من خلال الدَّليل الفلسفي.
ب ـ في الدَّليل العلمي الإستقرائي‏
يمهِّد الصَّدر لدليله، بلغتنا، لثلاثة أمور على طريقة ديكارت (1596 ـ 1650م) والغزالي (450هـ/1059م/ 501هـ/1111م): فالوضوح أوَّلاً، في عرض الدَّليل وتتبُّع نتائجه. وتحديد خطواته، ثانياً ببساطة وإيجاز. والتحقُّق ثالثاً من صحَّة المنهج أو الوثوق بالنتائج التي تؤدِّي إليها على نحو ما نحا أبو حامد الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» عندما حدَّد اليقين بأنَّه «هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم»‏ (7).
فاليقين، أو الوثوق بالنتائج عند الغزالي، يتوقَّف على الإيمان أو الإلهام والنُّور الذي يُستضاء به. أمَّا عند الصَّدر فاليقين ينجم عن اختبار الأحكام بالتَّجربة اليوميَّة. فما دمنا نثق بنتائج منهج الدَّليل الاستقرائي في إثبات حقائق الحياة وحقائق العلوم صار بالإمكان الوثوق به في الاستدلال على اللَّه. فف«منهج الاستدلال على وجود الصَّانع الحكيم هو المنهج الذي نستخدمه عادةً لإثبات حقائق الحياة اليوميَّة والحقائق العلميَّة. فما دمنا نثق به لإثبات هذه الحقائق فمن الضروري أن نثق به بصورة مماثلة لإثبات الصَّانع الحكيم الذي هو أساس تلك الحقائق جميعاً»‏ (8).
والمماثلة، أو المحاكاة، بين استدلالنا على ما هو أرضي، تصحُّ بالضَّرورة على استدلالنا على ما هو إلهي. هذا ما يخلص إليه الصَّدر، محدِّداً خطوات منهج الدَّليل الاستقرائي القائم على حساب الاحتمالات بخمس هي:
1 ـ ملاحظة الظَّواهر بالعيان أي «بالحسِّ والتَّجربة»‏ (9).
2 ـ بعد ملاحظة هذه الظَّواهر وتجميعها ننتقل إلى مرحلة تفسيرها، «والمطلوب في هذه المرحلة أن نجد فرضيَّة صالحة لتفسير تلك الظَّواهر وتسويغها
________________________________________
(6)محمد باقر الصدر، موجز في أصول الدين، ص 20.
(7)الغزالي، المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال. تحقيق جميل صليبا وكامل عيَّاد، بيروت، دار الأندلس، ط8، 1993؛ ص 82.
(8)محمد باقر الصدر، موجز أصول الدِّين، ص 23.
(9)م.ن، ص 25.

[الصفحة - 110]


جميعاً، ونقصد بكونها صالحة لتفسير تلك الظواهر أنَّها إذا كانت ثابتة في الواقع فهي تستبطن أو تتناسب مع وجود جميع تلك الظواهر التي هي موجودة فعلاً»‏ (10).
وإذا أمعنَّا النَّظر في هذه الخطوة نجد الضَّوابط الآتية: 1 ـ صلاح الفرضيَّة، 2 ـ أن تكون الفرضيَّة صالحة يعني أن تثبت في الواقع 3 ـ والثَّبات يعني الإستبطان (الدخول في باطن الشي‏ء أو ماهيَّته)، والتَّناسب (التَّشاكل والتماثل). فماهيَّة الفرضيَّة يتعيَّن أن تتعلَّق بالممارسة مع ظاهر الظَّواهر وباطنه.
3 ـ الخطوة الثَّالثة امتحان وجود الظَّواهر في ضوء الفرضيَّة. فهذه «الفرضيَّة إذا لم تكن صحيحة وثابتة في الواقع ففرصة تواجد تلك الظَّواهر كلها مجتمعة ضئيلة جداً»‏ (11). بمعنى آخر، إنَّ امتحان صدق الفرضيَّة المفسِّرة للظواهر لجهة ثباتها في الواقع ترتبط باحتمال توفر الظَّواهر. فعلى افتراض عدم صحَّة الفرضيَّة فإنَّ نسبة احتمال وجود الظَّواهر جميعها تكون أقرب إلى احتمال عدمها، أو عدم وجود واحدة منها على الأقل ضئيلة جدَّ.
4 ـ والخطوة الرَّابعة ترتبط بسابقاتها. فكأنَّها مقدِّمات صادقة لنتيجة طبيعيَّة صادقة حتماً. فمن الخطوة الثَّالثة «نستخلص أنَّ الفرضيَّة صادقة. يكون دليلنا على صدقها وجود تلك الظَّواهر التي أحسسنا بوجودها في الخطوة الأولى»‏ (12).
5 ـ والخطوة الخامسة تهدف إلى التأكُّد من يقين الفرضيَّة بعد افتراض صدقها. والقاعدة تُصاغ هكذا: «إنَّ درجة إثبات تلك الظَّواهر للفرضية تتناسب عكسياً مع نسبة احتمال وجود تلك الظَّواهر جميعاً إلى احتمال عدمها على افتراض كذب القضية. فكلَّما كانت هذه النِّسبة أقلَّ كانت درجة الإثبات أكبر حتى تبلغ في حالات اعتيادية كثيرة إلى درجة اليقين الكامل بصحَّة الفرضيَّة»‏ (13).
وباختصار، فالخطوة الخامسة هي ربط بين ترجيح الخطوة الرَّابعة وضآلة الاحتمال في الخطوة الثَّالثة.
هذه خطوات الاستدلال الاستقرائي الذي يقوم على حساب الاحتمالات والذي يعتمده الصَّدر لإثبات وجود اللَّه، وهي صادقة بذاتها. ولكن المنهج يحتاج إلى
________________________________________
(10)م.ن، ص ن.
(11)م.ن، ص ن.
(12)م.ن، ص 26.
(13)م.ن، ص ن.

[الصفحة - 111]


اختبار وامتحان وتقييم: على مستوى الخبرة في الحياة، وعلى مستوى العلوم الطَّبيعية. فما يصحُّ في هذين الحقلين يصحُّ بالضرورة في حقل إثبات الصَّانع؛ فمفكِّرنا انتقل من التَّجربة الأرضيَّة العيانية إلى العالم الإلهي. فالفيزيقا طريق الاستدلال على المتافيزيقا بالاستقراء.
وما دام همُّنا أن نبحث في المنهج نفسه لا في نتائجه؛ فإنَّنا نستعرض لماماً فحوى طريقة الصَّدر الاستقرائيَّة في إثبات وجود الصَّانع.
فالنَّظر الصَّدري ينطلق دوماً من الظَّواهر العيانية. - في الوجود نلاحظ «توافقاً مطَّرداً بين عدد كبير وهائل من الظَّواهر المنتظمة، وبين حاجة الإنسان ككائن حيّ وتيسير الحياة له على نحو نجد أنَّ أيَّ بديل لظاهرة من تلك الظَّواهر يعني انطفاء حياة الإنسان على الأرض أو شلَّها»‏ (14).
وبعد أن يستعرض الصَّدر تلك الظَّواهر المستمرَّة في الزَّمان ينتقل إلى استكشاف الرَّابط بين الظَّواهر الطبيعيَّة وحياة الإنسان، خالصاً إلى «فرضيَّة» الصَّانع الحكيم لهذا الكون»‏ (15).
ثم يمتحن الصَّدر ثبات هذه الفرضيَّة في الواقع؛ لينتهي إلى «ترجيح أن تكون الفرضيَّة التي طرحناها في الخطوة الثَّانية صحيحة، أي أن هناك صانعاً حكيماً»‏ (16).
من صدق الإفتراض إلى اليقينية القاطعة يصل الصَّدر إلى نتيجة لا يشوبها شك، وهي أن يكون «للكون صانع حكيم بدلالة كل ما في هذا الكون من آيات الاتساق»‏ (17).
ويشفع الصَّدر دلالته الاستقرائية بتثبيت آية تدعم خلاصة استدلاله الوضعي {سَنُرِيهمْ آيَاتِنَا في الآفاقِ وَفي أنْفسِهِمْ حتَّى يَتَبيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْف بِرَبِّكَ أنَّهُ على كُلِّ شَي‏ءٍ شَهِيدٌ} [فصلت/53] .
فالآية تحثُّ على الإيمان باللَّه وكتابه، بدلالة ما في السماوات والأرض من النيِّرات والنَّبات من لطيف الصّنعة وبديع الحكمة، لتصديق أن القرآن منزل من اللَّه الذي لا يغيب عنه شي‏ء.
________________________________________
(14)م.ن، ص 51.
(15)م.ن، ص 46.
(16)م.ن، ص 43.
(17)م.ن، ص 44.

[الصفحة - 112]


وعليه، فالاستقراء العلمي لا يتنافى قطُّ مع الحقائق القرآنية. وتدلُّ التجربة على أنَّهما يفضيان إلى نتيجة واحدة هي وجود اللَّه الصَّانع المدبِّر للكون وما فيه.
ج ـ في الدَّليل الفلسفي‏
ولم يكتف الصَّدر باللُّجوء إلى العلم للاستدلال على اللَّه الخالق، بل عمد إلى الفلسفة يستدلُّ منها على اللَّه أيضاً. وكأنه أراد أن يختبر حقول المعرفة جميعها، ليثبت أنَّ الإسلام حقيقة ربَّانية غير قابلة للنَّقض بأدلَّة المعرفة المتاحة.
سبق ديكارت العقلاني الصَّدر الإسلامي بأربعة قرون في محاولته تسخير الميتافيزيقا الفلسفيَّة في إثبات الميتافيزيقا الإلهيَّة.
لم يكن ديكارت على شكٍ بالكتب المقدَّسة التي تحدَّثت عن وحدانيَّة اللَّه. لكنَّه سعى إلى إثبات أن «العقل الطَّبيعي قادر على إثبات وجود اللَّه»‏ (18)أيض.
اعتمد ديكارت على «الكوجيتو»: «أنا أفكِّر إذن أنا موجود»، وعلى قواعد منهجه في التَّميُّز والوضوح؛ ليخلص إلى معادلات عقليَّة بديهيَّة، أي صحيحة بذاتها من نوع أنَّ «الأشياء التي نتذهَّنها بوضوح تام وتمييز تام هي صحيحة»‏ (19).
لقد انطلق الفيلسوف الفرنسي من فكرتي العلَّة والمعلول، والكمال. والكمال يشهد وجوده من علَّة فاعلة، وهي بالضرورة خارجة عنا. وهاتان فكرتان فطريَّتان يمتلكهما الذِّهن، ولا يستدلُّ عليهما بالحواس، بل هما مخلوقتان في النفس مع الإنسان. - في «الإنسان فكرة عن إله»‏ (20). وهي فكرة خارجة عن ذاتي. «وكلما أمعنت النظر فيها، إن الفكرة التي لدي عنها لا يمكن أن أكون أنا وحدي مصدرها. إذن يترتَّب علينا أن نستنتج، من كل ماسبق، أن اللَّه موجود»‏ (21).
فعلى خلاف الفلاسفة السَّابقين عليه لجأ ديكارت إلى العقل الطَّبيعي نفسه يستنبط منه بديهيَّات واضحة ومتميِّزة أسعفته على التثبُّت من وجود اللَّه. فهو لم يلجأ إلى العلَّة والمعلول والواجب والممكن على غرار أرسطو وتلامذته من المشَّائين العرب.
________________________________________
(18)ديكارت، تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، بيروت، باريس، منشورات عويدات، ط2، 1970، ص 10.
(19)م.ن، ص 103.
(20)م.ن، ص 115.
(21)م.ن،ص 118.

[الصفحة - 113]


وسواء أكان الصَّدر قرأ ديكارت أم لم يقرأه؛ فإنه ينسج على منواله في اختبار قدرة العقل الطَّبيعي على إثبات الصَّانع الحكيم للكون والإنسان، كأنه لم يكفه الإيمان والدَّليل العلمي الذي استعان به، فلجأ إلى الفلسفة لا ليكسب تأييدها لمبدأ وجود اللَّه الخالق الأبدي، الأزلي، ففلاسفة كثيرون اهتدوا إلى اللَّه وعمدوا إلى إثبات وجوده بأدلَّة عقلية، بل ليخضع سائر أدوات المعرفة للمعتقد القرآني وآياته البيِّنات.
وقبل تحديد ما يقصده بالدَّليل الفلسفي وتقرير بديهيَّاته العقليَّة، في التَّأسيس لقياس يفضي إلى إثبات وجود اللَّه؛ يميِّز الصَّدر بين الدَّليلين العلمي والفلسفي، ملاحظاً أنَّ الأوَّل تقاس يقينيَّته بالتَّجربة والحسّ، ويصاغ بطريقة استقرائية. أما الثَّاني فهو «الدَّليل الذي يعتمد لإثبات واقع موضوعي في العالم الخارجي على معلومات عقلية (المعلومات العقلية هي المعلومات التي لا تحتاج إلى إحساس وتجربة) إضافة إلى مبادى‏ء الدَّليل الرياضي»‏ (22).
والمضايفة بين ما يسمِّيه الصَّدر «معلومات عقلية» وبين «الأكسيوماتيك» الرِّياضي، هل تعني سوى مقايسة تلك بهذا بغرض التثبُّت قبلاً من صدق -المعلومات‏- المقدِّمات، لإقامة دليله الفلسفي انطلاقاً من البرهان الأرسطي المعروف بالقياس؟
تنبَّه الصَّدر إلى الحاجة لاختبار مدى صدق المعلومات العقليَّة؛ فهو لم يبحث عن ضمان لاختبار مدى صدق المعلومات العقليَّة في التَّجربة والحسِّ والاستقراء، كما هي الحال في العلوم الطَّبيعية، بل درس خاصِّياتها الصَّادقة بذاتها. فكما هي صادقة في الرِّياضيات البحتة هي صادقة أيضاً في مجال المعرفة الفلسفية، وإن لم يختبرها بالمشاهدة وتكرار المشاهدة «فإنَّ هناك في معلوماتنا ما يحظى بثقة الجميع كمبدأ عدم التناقض الذي تقوم عليه كل الرياضيات البحتة، وهو مبدأ يقوم إيماننا به على أساس عقلي، وليس على أساس الشواهد والتجارب في مجال الاستقراء»‏ (23).
سلَّمت الفلسفة، منذ أرسطو، بالمقدِّمات الأوَّلية المطلقة للبرهان. وسمِّيت «علوماً متعارفة»، مثل مبادى‏ء عدم التناقض والثالث المرفوع والعِلِّية «وهي لا تدخل
________________________________________
(22)محمد باقر الصدر، موجز في أصول الدِّين، ص 50.
(23)محمد باقر الصدر، م.ن، ص 50.

[الصفحة - 114]


عادةً في القياس، بل يتمشَّى القياس بموجبها فأي أنها مقدِّمات بالقوة لا بالفعل، وهي ليست غريزة في العقل، لكنَّ العقل يكتسبها بالحدس فتبدو كالغريزة»‏ (24).
أمَّا ابن سينا فنحا منحىً مختلفاً عن أرسطو عندما اعتبر المعقولات الأولى ضروريَّة لاستكمال عمليَّة المعرفة العقليَّة. وهو يعني «بالمعقولات الأولى المقدِّمات التي يقع بها التَّصديق، لا باكتساب... مثل اعتقادنا بأن الكل أعظم من الجزء، وأن الأشياء المساوية لشي‏ء واحد متساوية»‏(25).
والتَّسميات الثلاث، عند أرسطو وابن سينا والصَّدر، وإن اختلفت على مستوى اللَّفظ، فإنَّها تتَّفق على مستوى المعاني، وتفيد أنَّ العقل الإنساني يشتمل على حقائق فطريَّة، صادقة بذاتها، من شأنها أن تسعفه في الانتقال قدماً من المعلوم إلى المجهول لبلوغ مطالبه، والتَّأسيس لمعرفة عقليَّة شاملة.
لا يعبأ الصَّدر كثيراً بتاريخ الفلسفة بوصفه مرجعاً لبناء الثِّقة بمعلومات العقل، ويحاكم الفلسفة على وجهين: الوجه الأوَّل يتصل بالثِّقة بمبادى‏ء الرِّياضة غير المرتبطة «بالإحساس والتجربة»‏ (26). والوجه الثَّاني انتقاد الوضعيَّة المنطقيَّة‏ (27)ورفض المذهب التَّجريبي‏‏ (28)وإثبات المذهب العقلي‏‏(29). وهو يكرِّس القسم الرابع، من كتابه «الأسس المنطقيَّة للإستقراء» ، لامتحان مقدِّمات المعرفة البشريَّة، ويركز بصورة خاصة على هدم المنطق الوضعي التَّجريبي بإثبات إمكان الاستدلال استقرائياً على القضيَّة الأوَّلية النَّظرية من خلال «علاقة اللزوم» بين الموضوع والمحمول. مثال: «الكل بطبيعته يستلزم أن يكون أعظم من الجزء، وأن اشتراك الزَّوايا في صنعة أنها قائمة ليست بطبيعته أنها متساوية.. فهناك -إذن‏- موضوع يستلزم بطبيعته صورة معينة، ولا ينفكُّ عنها في حالٍ من الأحوال. وعلاقة اللزوم الذاتي هذه بين الموضوع والمحمول، يمكن -من ناحية مبدئيَّة- الاستدلال عليها استقرائياً»‏ (30).
وما يطمح أن ينتهي إليه الصدر، من جملة تشريحاته وانتقاداته للمنطق الوضعي، هو تسويغ الثِّقة بالاعتقاد بالمعلومات العقليَّة «على الرُّغم من عدم ارتباطه بالإحساس والتَّجربة، فمن الطبيعي أن نسلِّم أنَّ بالإمكان أن نثق أحياناً بالمعلومات العقلية التي يعتمد عليها الدَّليل الفلسفي»‏ (31).
________________________________________
(24)يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، بيروت، دار القلم، طبعة جديدة، لات، ص 129.
(25)البير نصري نادر، النفس البشرية عند ابن سينا، بيروت، دار المشرق، ط4؛ 1992، ص 65.
(26)محمد باقرالصدر، موجز في أصول الدين ، ص 51.
(27)الوضعية المنطقية: أو التجريبية العلمية هي نهج في المعرفة العلمية تهدف إلى صياغة التفكير الفلسفي بخصائص المعرفة التي تتميز بها الرياضيات والعلوم: الوضوح، الإتساق الباطني، القابلية للفحص، التكافؤ، الدقة، الموضوعية. أي باختصار تكوين المعرفة انطلاقاً من أحكام التجربة.
(28)المذهب التجريبي يقوم على أنَّ التجربة هي المصدر الأساسي لكلِّ المعارف البشرية.
(29)المذهب العقلي يقوم على الإقرار ـ بوجود معارف عقلية.
(30)محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، بيروت، دار التعارف، لاط، 1990؛ ص 434 و435.
(31)م.ن، ص 51.

[الصفحة - 115]


إنَّ الصَّدر يعنى عناية خاصة بمقدِّمات دليله الفلسفي أو القضايا البديهيات التي يستقيم عليها الدَّليل؛ فهي مثبتة بالشُّعور الفطري الصادق بذاته وبالاستقراء العلمي الثَّابت بالتَّجربة.
ومن دليله هذا يرمي الصَّدر إلى النَّفاذ إلى اليقين القاطع بوجود اللَّه، لذا، يميِّز بين نوعين من اليقين: الذَّاتي والموضوعي؛ أي الفطري والاستقرائي. ويحدِّد لكلٍّ منهما نطاق مفهومه. «فاليقين الذَّاتي هو التَّصديق بأعلى درجة ممكنة سواء كان هناك مبرِّرات موضوعية لهذه الدرجة أم لا. واليقين الموضوعي هو التَّصديق بأعلى درجة ممكنة على أن تكون هذه الدَّرجة متطابقة مع الدَّرجة التي تفرضها المبرِّرات الموضوعية. أو بتعبير آخر: إنّ اليقين الموضوعي هو أن تصل الدَّرجة التي تفرضها المبرِّرات الموضوعية إلى الجزم»‏ (32).
والمعنى المقصود بما تقدَّم، إخضاع القضيَّة الفلسفيَّة إلى شرط موضوعي (خارج الذَّات) هو الواقع، بغية اختبار مدى المطابقة بين الفكرة والروابط الخارجيَّة المتموضعة التي تعبِّر عنها الفكرة. فإذا حصل التطابق دلَّ على صدقها، وإذا حصل عكسه دلَّ على خطئه.
وبعد أن يمهِّد الصَّدر للقضايا التي يعتمد عليها دليله الفلسفي بإثبات صدقها بذاتها ينتقل إلى استعراضها ويحصرها بثلاث: «1 ـ كل حادثة لها سبب. 2 ـ الأدنى لا يكون سبباً لما هو أعلى منه درجة. 3 ـ اختلاف درجات الوجود في هذا الكون وتنوُّع أشكاله كيفياً»‏ (33).
وهذه القضايا الثَّلاث يثبتها الصَّدر بدليل الشُّعور الفطري وبمعطيات العلم ومنهجه الإستقرائي. ويتوقَّف عند ظاهرة «التكامل في وجود المادة وزيادة نوعية فيه»‏ (34). ليخلص إلى إثارة التساؤل: من أين جاءت هذه الزيادة؟، «وكيف ظهرت هذه الإضافة ما دام لكل حادثة سبباً»‏ (35)؟
يجيب الصَّدر عن هذين التَّساؤلين من وجهين. ويمتحن نتائجهما على ضوء القضايا -البديهيَّات التي يسلِّم بها. الوجه الأول: إنَّ التكامل في المادة والزيادة فيها جاء من المادة إيَّاها. «فالمادَّة التي لا حياة فيها ولا إحساس ولا فكر أبدعت من
________________________________________
(32)محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، ص 325.
(33)محمد باقر الصدر، موجز في أصول الدِّين، ص 55.
(34)م.ن، ص ن.
(35)م.ن، ص 56.

[الصفحة - 116]


خلال تطوُّرها الحياة والإحساس والفكر، أي أنَّ الشَّكل الأدنى من وجود المادة كان هو السَّبب في وجود الشكل الأعلى»‏ (36).
فالوجه الأوَّل لا يصمد أمام المنطق الدَّاخلي للقضايا -البديهيات، ذلك أنَّ الأدنى لا يمكن أن يكون سبباً للأعلى. «فافتراض أن المادة الميِّتة التي لا تنبض بالحياة تمنح لنفسها أو لمادة أخرى الحياة والإحساس والتفكير ـ يشابه افتراض أنَّ الإنسان الذي يجهل اللغة الإنكليزية يمارس تدريسها»‏(37).
إذاً، لم يبق سوى الوجه الثاني، أي تطوُّر المادة كيفياً وكمياً بافتراض مصدر فاعل من خارج المادة، ليس هو العقل الفعَّال‏‏ (38)، كما ظنَّ أرسطو والمشَّاؤون العرب، بل هو اللَّه تعالى فاطر الكون وخالق الإنسان. والمصدر (اللَّه) «يتمتع بكل ما تحتويه تلك الزيادة الجديدة من حياة وإحساس ـ وفكر، وهو اللَّه ربُّ العالمين، سبحانه وتعالى، وليس نموُّ المادة إلاَّ تنمية وتربية يمارسها ربُّ العالمين بحكمته وتدبيره وربوبيَّته»‏ (39).
لم ينطلق الصَّدر في بحثه في إثبات وجود الخالق (اللَّه) في دليله الفلسفي على طريقة السَّبر العلمي، أي امتحان جملة المصادرات واختبارها للتَّبيُّن بأنَّها قادرة على أداء الغرض المقصود، بل لجأ إلى تسخير قضايا العقل المُسَلَّم بها لدعم الحكم القرآني الميقون عنده. فلا خلاف بين أحكام العقل واستبطانه الدَّاخلي وبين دلالة الآيات الكتابية. فما انتهى إليه في دليله الفلسفي ينطبق شديد المطابقة مع الآية {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ مِن سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلنَاهُ نُطْفةً في قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطفة عَلَقَةً فخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظاماً فكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ} [المؤمنون ـ 23/12 ـ 14]فالآية بيِّنة الدَّلالة على اللَّه الخالق، الذي أخرج الإنسان إلى الوجود من مادة ميتة (طين) إلى مادة حيَّة (علقة) إلى صورة بمادة لحم وعظم؛ فاستحالت المادَّة شيئاً آخر هو الإنسان، بعلَّة خارجة عن المادَّة هي اللَّه أحسن الخالقين، أي المقدرين، باتحاد الجسد بالروح، فأصبح المخلوق من طين وعلقة ومضغة إنساناً كامل.
وعليه، يظهر لنا جليَّاً أنَّ الدَّليلين: العلمي الاستقرائي والفلسفي العقلي
________________________________________
(36)م.ن، ص ن.
(37)م.ن، ص 56.
(38)العقل الفعَّال: هو فوق العقل الإنساني. إنه عقل مفارق (Intelligence active) عنه تفيض الصُّور على عالم المكون والفساد، فتكون موجودة فيه من حيث هي علة فاعلة. (عن المعجم الفلسفي) لصليبا، ج‏2، مادة عقل.
(39)محمد باقر الصدر، م.س، ص 56.

[الصفحة - 117]


ينسجمان مع روح النَّص القرآني، بل إلى أكثر من هذا يذهب الصَّدر، حين يرى أنَّ الآيات البيِّنات راعت طبيعة العصر الذي نزلت فيه، باعتباره عصر ـ علم وتجربة.
وهذا الأمر يحملنا على التوقُّف عند مسألة مهمَّة تتمثَّل في أنَّ القرآن قد ركَّز على هذين الاستدلالين في إثبات الصَّانع؛ الأمر الذي حدا بالمفكِّر الصَّدر إلى تتبُّع الإرتباط بين الإيمان والعلم، ليخلص إلى البرهنة على أنهما مرتبطان في أساسهما المنطقي بالاستقراء. «وهذا الارتباط المنطقي بين مناهج الاستدلال العلمي، والمنهج الذي يتَّخذه الاستدلال على إثبات الصَّانع بمظاهر الحكمة، قد يكون هو السبب الذي أدَّى بالقرآن الكريم إلى التركيز على هذا الاستدلال من بين ألوان الاستدلال المتنوِّعة على إثبات الصَّانع، تأكيداً للطَّابع التَّجريبي والاستقرائي للدَّليل على إثبات الصَّانع»‏ (40).
وهكذا، نرى أنَّ الصَّدر سخَّر دليليه الإستقرائي التَّجريبي والعقلي القبلي لإثبات وجود اللَّه، الذي هو على يقين من وجوده بالتَّقليد الدِّيني.
وبعد أن يفرغ من البرهنة على وجود اللَّه الصَّانع الحكيم، ينتقل الصَّدر إلى إثبات النبوَّة إطلاقاً، ونبوَّة محمَّد رسول اللَّه إلى عباده، بصورة خاصة. وذلك «بالدليل العلمي الإستقرائي وبنفس المناهج التي نستخدمها في الإستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الاعتيادية وحياتنا العلمية»‏(41).
ولهذا، يعقد الصَّدر مطالعة استدلاليَّة بالاستقراء العادي والعلمي: فينطلق من أمثلة من الحياة العاديَّة، ككتابة رسالة بمستوى رفيع أسلوباً وثقافة ونسبتها إلى صبيٍّ صغير، ومن الحياة العلمية التي تُنْتِج في ظروف معيِّنة ظاهرة ما، وإذا خرقتها بمعلومات جديدة، كان ذلك يعني توفير مصدر آخر إليه يعزى هذا الجديد المضاف، فالرِّسالة المحمَّدية، لا بدَّ من أن تفصح عن أن صاحبها هو غير ناقلها، باعتبار أنَّ ما جاء في القرآن أكبر من الظُّروف والعوامل المحسوسة التي عاش في كنفها النَّبي محمد الذي «لم يتيسَّر له بحكم عدم تعلُّمه للقراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية لليهودية أو المسيحية، كما لم يتسرب إليه أي شي‏ء ملحوظ من تلك النُّصوص عن طريق البيئة؛ لأنَّ مكَّة كانت وثنية في أفكارها ـ وعاداتها، ولم يتسرب
________________________________________
(40)محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، ص 469.
(41)محمد باقر الصدر، موجز في أصول الدِّين، ص 74.

[الصفحة - 118]


إليها الفكر المسيحي أو اليهودي، ولم يدخل الدِّين إلى حياتها بشكل من الأشكال، وحتى أولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكة لم يكونوا قد تأثَّروا باليهودية أو المسيحية، ولم ينعكس شي‏ء من الأفكار اليهودية أو المسيحية على ما خلَّفه قسّ‏بن ساعدة أو غيره من تراث أدبي أو شعري»‏ (42).
والمقصود من المماثلة بين الأدلَّة الآنفة إثبات أنَّ اللَّه هو الذي أوحى بالرِّسالة (القرآن) إلى النَّبي محمد(صلي الله عليه و آله و سلم). ويمضي الصَّدر في استقراء التَّاريخ والمعطيات المحيطة ببيئة الرسول وما أتى به. والغرض المنشود تفسير مهمَّة النَّبي محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) على أساس الوحي والإمداد من السَّماء. وهذا ما ينسجم مع معنى الآية {وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الأيمانُ ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى‏/52] .
فالنَّصّ القرآني بيِّن الوضوح في مسألة الوحي، وإبلاغ الإيمان والقرآن لمحمَّد. ولكنَّ الصَّدر، وهو على إيمان قاطع باللَّه ورسوله، شاء أن يحتذي حذو المفكِّرين في إثبات النبوَّة ليس على طريقة الغزالي الصُّوفيَّة، بل على طريقة العلماء في إثبات صحَّة علومهم في الطَّبيعيَّات وسواه.
بعد أن فرغ الصَّدر من إثبات المُرْسِل (اللَّه) والرَّسُول (النبي) بقي عليه أن يثبت الرِّسالة (القرآن). فأيّ طريق نهج في إقامة الدليل على أن الدِّين الإسلامي من لدن اللَّه وليس من صناعة البشر؟
لا يثبت المفكِّر الصَّدر نبوَّة محمد بالاستقراء المستمدّ من الحياة العادية والحياة العلمية، بل من مواصفات الرِّسالة واشتمالها على ما يربط الإنسان بربِّه كينونةً ومصيراً. فالإسلام «استهدف قبل كل شي‏ء ربط الإنسان بربِّه ومعاده»‏ (43).
يسلك الصَّدر طريقاً استدلالياً قوامه التِّعرُّف على الشَّي‏ء من صفاته، فرسالة محمَّد إلهية بجملة من الخصائص تبدأ بسلامة الرسالة، أي عدم تحريفها، وتنتهي بأنها آخر «أطروحة ربَّانيَّة»‏ (44).
ويظهر، من تتبُّع استعراض مميِّزات الرِّسالة، أنَّ الصَّدر يستغرق في بحث يفتقد الدَّلالة كما رأيناه في المسألتين المتصلتين باللَّه والرسول، فالرِّسالة أوَّلاً «ظلت
________________________________________
(42)م.ن، ص 79.
(43)م.ن، ص 93.
(44)م.ن، ص 97.

[الصفحة - 119]


سليمة ضمن النصّ القرآني»‏ (45)، إنسجاماً مع الآية {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافظُونَ} [الحجر ـ 9/15] . وثانياً أنَّ بقاء النصّ القرآني كما هو يعني إثباتاً للنبوَّة ودليلاً عليها لأنَّ «كل نبوَّة لا يمكن التأكد من دليلها لا يمكن أن يكلف اللَّه سبحانه وتعالى بالاعتقاد بها»‏ (46). وثالثاً، ينهض الزَّمان شاهداً على الرِّسالة المحمديَّة، ليس فقط، على صعيد منهج القرآن القاطع على ربط الأدلَّة على وجود الصانع بدراسة الكون وظواهره، «بل لأنَّ الإنسان الحديث يجد اليوم في ذلك الكتاب الذي بشَّر به رجل أمي في بيئة جاهلية قبل مئات السنين إشارات واضحة إلى ما كشف عنه العلم الحديث»‏ (47)، وفي ذلك مثل ما جاء في الآية {وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَوَاقِحَ} [الحجر ـ 9 /22] .
وينسب الصَّدر إلى المستشرق الإنجليزي انجيري‏‏ (48)(Angeri) قوله: «إنَّما أصحاب الإبل عرفوا دور الرِّيح في تلقيح الأشجار والثمار قبل أوروبا بقرون».
ورابعاً وخامساً وسادساً، تتَّصف رسالة الإسلام بإقامة التوازن بين مختلف جوانب الحياة، «واستطاعت أن تحوِّل الشِّعارات التي أعلنتها إلى حقائق في الحياة اليوميَّة للناس»‏ (49)، فدخلت، حقيقة، في التاريخ، ليس بوصفها عاملاً مكوِّناً، وإنَّما صنعت التاريخ بدءاً من لحظة دخولها حياة العرب، الأمر الذي يؤدِّي إلى استبعاد الفهم المادي الخاطى‏ء للتاريخ. الذي «لا ينطبق على أمَّة بني وجودها على أساس رسالة السماء. وما لم تدخل هذه الرسالة في الحساب كحقيقة ربَّانيَّة لا يمكن أن نفهم تاريخها»‏ (50).
وسابعاً: حفرت رسالة النّبي محمَّد في التَّاريخ البشري كلِّه، ولم يقتصر أثرها الدَّائم على حياة المسلمين، بل شمل حياة أوروبا بشهادة باحثين أوروبيين «يعترفون بأنَّ الدفعة الحضاريَّة للإسلام هي التي حرَّكت شعور أوروبا النائمة من نومها ونبَّهتها إلى الطريق»‏ (51).
وثامناً، إن كون رسالة النّبي محمد آخر أطروحة ربَّانية هي خاتمة النبوَّات، وهذا يعني نفي «ظهور نبوَّة أخرى.. ويؤكِّد استمرار النبوَّة الخاتمة وامتدادها مع العصور»‏ (52).
________________________________________
(45)م.ن، ص 94.
(46)م.س، ص 95.
(47)م.ن، ص ن.
(48)أستاذ اللغة العربية في جامعة اكسفورد.
(49)محمد باقر الصدر، موجز في أُصول الدِّين، ص 96.
(50)م.ن، ص 97.
(51)م.ن، ص ن.
(52)م.ن، ص ن.

[الصفحة - 120]


أمَّا كيف يكون هذا الاستمرار؟ فالجواب يكمن في أنَّ ما ثبت طوال أربعة عشر قرناً «سيظلُّ منطبقاً على الواقع مهما امتدَّ الزمن»‏ (53).
وهذه ميزة إضافية للرِّسالة المحمَّدية القادرة «على الاستمرار مع الزمن وكلّ ما يحمل من عوامل التَّطوُّر والتَّجديد»‏ (54).
والرِّسالة لا تستمرُّ في الزمان الآتي قياساً إلى استمرارها في الزمان الماضي وحسب، بل إنَّ «الحكمة الإلهيَّة قضت إعداد أوصياء يقومون بأعباء الإمامة والخلافة»‏ (55). وهم الأئمة الإثنا عشر، بدءاً بعليِّ بن أبي طالب(عليه السلام) وانتهاءً بمحمدبن الحسن المهدي (الإمام المنتظر)(عليه السلام)، وهذا تاسعاً. وإذا ما أُثير التساؤل عن يقينية تسمية هؤلاء الأئمة، أجاب الصَّدر: إنَّ اليقين جاء به النَّص «في أحاديث صحيحة اتفق المسلمون على روايتها»‏ (56).
أمَّا الخاصيَّة العاشرة والأخيرة للرِّسالة المحمدية، فتكمن في استمرار الإسلام من خلال الفقهاء. ذلك أنه في «حالة غيبة الإمام الثاني عشر، عليه الصلاة والسلام، أرجع الإسلام النَّاس إلى الفقهاء وفتح باب الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنَّة»‏ (57).
خاتمة
اتَّبع الصدر منهجاً استقرائيَّاً علميَّاً في إثبات وجود الخالق، بالرُّغم من أنه على يقينٍ ثابتٍ وقاطعٍ بوجود اللَّه وبعثة نبيّه محمَّد ورسالته القرآن. وهو أراد أن يساجل عصره بمناهجه وأحكامه ونظريَّاته؛ فاصطنع منهج العلوم الطبيعيَّة (الاستقراء)، واستفاد من منهج الرِّياضيَّات (الإستنباط الأكسيوماتيكي) ليثبت أنَّ ما صحَّ في العلوم يصحُّ، بالضَّرورة، في الدِّين، أو في النظر الماورائي.
لقد مثَّل المنهج الإستقرائي، في الاستدلال على أصول الدِّين، محاولة إسلاميَّة جريئة، وجديدة، في تجاوز منهج علم الكلام التَّقليدي القائم على القياس الأرسطي؛ وذلك لأنَّ «الدليل الاستقرائي لإثبات الباري أقرب إلى الفهم البشري، وأقدر على مل‏ء وجدان الإنسان بالإيمان»‏ (58).
________________________________________
(53)م.ن، ص ن.
(54)م.ن، ص ن.
(55)م.ن، ص 98.
(56)م.ن، ص ن.
(57)م.ن، ص ن.
(58)عبد الجبار الرفاعي، مقدمة لكتاب موجز في أصول الدِّين ، للإمام الصدر، الناشر حبيب، ط أولى، ص‏66.

[الصفحة - 121]


وبهذا يكون الصَّدر قد نجح في استنباط منهج للاستدلال والاقتناع ينسجم مع روح العصر، ولا يتعارض مع أسلوب الاستدلال القرآني على الصَّانع الخالق. وهذه واحدة من مناحي التَّجديد في الفكر الإسلاميّ، التي صحَّ اعتبار الشَّهيد الصَّدر رائدها الأوَّل، فهو لا يوفر دليلاً اهتدى إليه العقل، أو حقيقة يسلِّم بها العلم، إلاَّ واستعان بها على بلوغه هدفه.
________________________________________

[الصفحة - 122]