البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التشيّع المفترى عليه‏ مداخلات وهوامش نقديّة على كتاب «تطوّر الفكر السِّياسيّ الشيعيّ من الشورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب‏

الباحث :  خالد العطيَّة
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  15
السنة :  السنة الرابعة خريف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  794
التشيّع المفترى عليه‏
مداخلات وهوامش نقديّة على كتاب «تطوّر الفكر السِّياسيّ
الشيعيّ من الشورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب‏

خالد العطيَّة

تمهيد
برزت، منذ اليوم الذي توفّي فيه النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وعقد فيه اجتماع السقيفة المعروف، نظريّتان في قضيّة خلافة النبيّ وإمامة المسلمين من بعده، أخذ بكلّ واحدة منهما فريق من المسلمين، وهما: نظريّة الاختيار أو الشورى التي أخذ بها أهل السنّة، ونظريّة النصّ أو التعيين التي أخذ بها الشيعة.
وقد بلور متكلِّمو الفريقين هاتين النظريّتين، وساق كلّ فريق منهما ما لديه من حجج وأدلّة لإثبات نظريّته خلال القرون الثلاثة الأولى التي أعقبت حادثة السقيفة من دون أن يؤدِّي ذلك إلى نتيجة عمليّة محسومة، ومن دون أن يتّفق الفريقان على نظريّة واحدة. والسبب في ذلك أنّ للعقائد الموروثة من الأسلاف سلطانها القويّ على نفوس الناس، يستوي في ذلك المثقّفون منهم والعلماء، والعامَّة والبسطاء؛ ولذا قلّما تجد أحداً منهم تطاوعه نفسه بأن يفارق عقيدته التي ألِفها ونشأ عليها مهما كانت بعيدةً عن الحقّ ومجانبةً للعقل والمنطق، ومهما قُدّم له من الأدلّة وسيق له من البيّنات والحجج على صحّة العقيدة المخالفة لعقيدته.
والقضيّة، في حقيقة الأمر، ليست كما قد يبدو لبعض دعاة الوحدة ورأب الصَّدع بين المسلمين، قضيّةً تاريخيّة يمكن تجاوزها وطيّ صفحتها، وإنّما هي قضيّة حاضرة في حياة الإنسان المسلم؛ لأنّها، أوّلاً، جزء لا يتجزّأ من عقيدته ورؤيته الدينيّة العامّة، ولأنّ لها، ثانياً، آثاراً تشريعيّة لا تمسّ القضايا السياسيّة فحسب،
________________________________________

[الصفحة - 71]


وإنّما مختلف قضايا الحياة العمليّة؛ لأنّ الإمامة إذا صحّ كونها بالنصّ وأنّ أئمّة المسلمين وولاة أمورهم، من بعد النبيّ، معيّنون من قبل اللَّه ورسوله، فإنّ أقوالهم وأفعالهم تكون حجّةً على المسلمين كما هي أقوال النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأفعاله، وتكون سُنَّتهم ـ حينئذٍ ـ مصدراً تشريعيّاً ملزماً لا يسع المسلمون تركه.
من أجل ذلك كلِّه، بقي السِّجال والبحث حول هاتين النظريّتين جارياً متوارثاً في أجيال المسلمين، وهو لا يزال جارياً بينهم حتى زماننا هذا، ولا ضير في ذلك ولا خوف منه، بل هو أمر طبيعيّ لا مندوحة منه، وحاجة مطلوبة لا بدّ منها، لتتبلور الحقائق وتتكشَّف غوامضها وتنزاح الشبهات عنها، ويتمكَّن كلُّ مسلم من أن يحدّد وجهته ويعيِّن تكليفه وموقفه الشرعي من هذه القضيّة العقديّة الشائكة { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } .
إنّما الواجب والمهمّ، في هذا البحث الشائك، أن يتولاّه أصحاب الضَّمائر وطليقو الفكر من أهل العلم والاختصاص، وأصحاب القدرة على البحث العلميّ، ولا يدخل فيه المتطفّلون من غير المؤهّلين وأغرار الباحثين وناقصي الخبرة العلميّة وغير مستكملي أدوات الاجتهاد والخوض في مسائله، ولا يندسّ فيه المغرضون من أصحاب الأهواء والمطامع، والمتعصّبون على غير بيّنة، وأدعياء الفتنة.
وإذا كان الباحث لا يستطيع، مهما حاول، أن يتحرَّر تحرّراً كاملاً من سلطان عقيدته الراسخة في نفسه، ولا يسلم من أن يتأثّر بها على نحوٍ ما في بحثه، فيميل، من حيث لا يشعر، إلى دليلٍ ضعيف أو تأويل بعيد لنصٍّ من النصوص، فلا أقلَّ من أن يلتزم بقواعد البحث العلميّ الأساسيّة وأصوله وبدهياته العامّة؛ ومنها: أن يكون أميناً في نقله، ولا يخفي أدلّة خصمه، ولا يدلّس ولا يزوّر فيها وفي أدلّته، ولا يقتطع النصوص من سياقها ليلوي أعناقها إلى المعنى الذي يريده.
لقد حدث هذا كلُّه أو جلُّه في الماضي، مع الأسف، في أحايين كثيرة، وهو لا يزال يحدث وعلى نحو أكثر في عصرنا هذا الذي يسمّونه عصر العلم.
وهناك وجه آخر لهذه الظَّاهرة المؤسفة يتمثَّل في صنف آخر من «أشباه الباحثين» وظَّفوا أقلامهم في خدمة مشاريع مشبوهة في هذا العصر الصَّعب،
________________________________________

[الصفحة - 72]


وهؤلاء، أيضاً، عرفهم تاريخ السِّجال السنِّي الشِّيعي في جميع عصوره، ولكنّنا نلاحظ أنّهم صاروا يتزايدون في هذه السنين الأخيرة التي تلت بروز المذهب الشِّيعي على الساحة السياسيّة وقيام نظام حكم إسلاميّ في أحد البلدان الإسلاميّة يحكم وفق هذا المذهب، ما جعل القوى الدوليّة المتضرِّرة من قيام هذا النظام السياسي الإسلامي ومن انتشار الصحوة الإسلاميّة التي رافقته وقويت بسببه ترى في المذهب الشيعي الإسلامي الذي يستمدّ منه شرعيّته الفقهيّة وتوجّهاته السياسيّة نقيضاً يهدّد مصالحها، فصارت تسعى بكل ما أوتيت من قوّة لمحاربته ونقض ثوابته الفكريّة من أساسها، عن طريق تسخير هذا الصِّنف من أشباه الباحثين لهذه الغاية.
وهذا الصِّنف، في الواقع، أشدّ خطراً وضرراً من الصِّنف السابق المتأثّر بميوله الفكريّة وعقيدته الموروثة؛ لأنَّ كتّابه لا يؤمنون بشي‏ء غير مآربهم الشخصيّة، وهم مستعدّون لارتكاب كلّ الموبقات العلميّة من أجل تحقيق هذه المآرب.
أقول هذا لأشير به إلى كتاب يمثِّل أنموذجاً واضحاً لهذا الوجه الآخر من الظَّاهرة المؤسفة التي سبقت الإشارة إليها.. هذا الكتاب عنوانه: «تطوُّر الفكر السياسيّ الشيعيّ من الشّورى إلى ولاية الفقيه» أصدره لاجى عراقيّ كرديّ في بريطانيا قبل عامين (1997م)، يتسمّى باسم أحمد الكاتب، وسرعان ما تلقَّفته إحدى دور النشر اللبنانيّة وأعادت نشره في بيروت قبل عام واحد تقريباً (1998م)، فتلقَّته بعض الأوساط بالتَّرحيب وروّجت له ونوّهت به في غير صحيفة يوميّة.
وأخيراً، أثارت حوله إحدى قنوات التَّلفزة العربيّة الفضائيّة ضجّة إعلاميّة واسعة، واستضافت مؤلِّفه في أحد برامجها الحواريّة، وقدّمته لمشاهديها بوصفه أحد أبرز مفكّري الشيعة! وأعلنت أنّ اسمه الحقيقيّ هو عبد الرَّسول عبد الزّهرة اللاري‏ (1) .
والحقيقة أنّ ما فعلته هذه القناة الفضائيّة شكّل سابقة خطيرة في وسائل الإعلام العربيّة، ولقي استهجاناً واسع النطاق عند عامّة العقلاء والمنصفين والحريصين على وحدة الأمّة الإسلاميّة من المسلمين؛ لأنّ طرح مسائل العقيدة ذات الصبغة الحسّاسة والأبعاد العلميّة والفكريّة الواسعة والمعقّدة على جمهور الناس وبالطريقة الإعلاميّة
________________________________________
(1)قناة الجزيرة الفضائيّة، برنامج (بلا حدود)، يوم 4/8/1999م.

[الصفحة - 73]


السريعة وغير الدقيقة لا يخدم الحقيقة العلميّة في شي‏ء، بل يزيدها التباساً وتشويشاً، ولا يؤدّي، في نهاية الأمر، إلاّ إلى بلبلة الأذهان وتعكير الصَّفو بين طوائف الناس الدينيّة.
والسُّؤال الذي يتبادر إلى الذِّهن، بعد وقوع هذه السابقة الإعلاميّة غير المعهودة وغير المحمودة، هو أنّ مؤلّفين معاصرين كُثر من أهل السنّة ألَّفوا كتباً كثيرة رجعوا فيها عن مذهب التسنّن وآمنوا بالتشيّع، وهي منتشرة يعرفها المختصّون والقرّاء المهتمّون بالسجال السنّي الشيعي، فهل توافق محطّة الجزيرة أو غيرها من وسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة على أن تقدّمهم، وتقدّم آراءهم في برامجها، إلى الجمهور، وبالطّريقة التي قدّمت بها أحمد الكاتب وكتابه الذي حاول فيه نقض عقيدة الشيعة جملةً وتفصيلاً؟ وهل يوافق معها، على ذلك أيضاً، جمهور أهل السنّة ومرجعيّاتهم الدينيّة؟
ليس معنى طرح هذا السؤال أنّي أدعو وسائل الإعلام إلى أن تفعل هذا الأمر، أو أنّي أُحبّذه، ولكنّي أردت فقط أن أبيّن وجه الخطأ والمفارقة في طرح مثل هذا الموضوع في وسائل الإعلام العامّة.
وأصارح القارى القول بأنّه لولا هذه الضجّة الإعلاميّة المفتعلة حول هذا الكتاب ومؤلِّفه ما كان من اللازم ولا من المستحسن التعرّض لمناقشته ونقده لسبب بسيط؛ هو: أنّه لم يأتِ بجديدٍ لا يعرفه المختصّون، فكلّ ما ورد فيه من آراء مناقضة لعقيدة الشيعة الإماميّة، لا سيّما ما يتعلّق منها بقضيّة إمامة أهل البيت (عليهم السلام) وقضيّة الإمام الثاني عشر المهديّ (عليه السلام)، قد ذكره، منذ قرون عديدة، مخالفوهم من المتكلّمين وعلماء المذاهب الأُخرى. وقد أجاب عليه علماء الشيعة ومتكلّموهم بأجوبة مفصّلة في كتبهم المؤلّفة في هذا الموضوع، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وبالتالي فلا فائدة مهمَّة ترجى من تكرار هذه الأجوبة التي يعرفها المختصّون.
أضف إلى ذلك أنّ مؤلّفه قد اقتحم فيه حلبة السجال السنّي الشيعي على نحوٍ لا يفعله إلاّ أشباه الباحثين الذين سبقت الإشارة إليهم؛ من حيث عدم رعايته للأمانة العلميّة وعدم التزامه بأصول البحث العلميّ وقواعده الأساسيّة، ما يجعل الباحث المختصّ يستسخفه عند أدنى تأمّل ومراجعة، ولا يعيره أيّة أهميّة.
________________________________________

[الصفحة - 74]


إنّما المشكلة في غير المختصّين من عامّة القرّاء الذين «تسامعوا» بهذا الكتاب الذي قيل لهم: إنّ مؤلّفه أحد أبرز مفكّري الشيعة! والذين لا تتوافر بين أيديهم مصادره ومراجعه التي حاول أن يوثّق بها آراءه، فهؤلاء قد ينخدعون به ولا يفطنون إلى تدليسه وافتراءاته، وعساهم يقولون مع من قال: «وَشَهِدَ شاهدٌ مِن أهلِها».
من أجل ذلك، لم يعد من السَّائغ تجاهل هذا الكتاب والإعراض عن نقده وتقويمه التقويم العلميّ اللازم في مثله؛ أعني: تقويم منهج مؤلّفه وطريقته في البحث ومطابقة ما نقله عن مراجعه ومصادره المعتمدة مع ما ورد حقيقةً في تلك المراجع والمصادر، وكذلك تفنيد شبهاته وآرائه المفتقرة إلى الأدلّة الصحيحة، وتوضيح ما ورد فيها من مغالطات وحجج واهية. وهذا ما سأحاوله من خلال هذه المداخلات والهوامش النقديّة التي أضعها بين يدي القارى، بادئاً، في المرحلة الأولى، بالجزء الأوّل الخاصّ بنظريّة الإمامة الإلؤهيّة لأهل البيت من هذا الكتاب.
ولكن قبل البدء بذلك لا يفوتني أن أشير إلى مقدّمة الكتاب التي تحدّث فيها (الكاتب) عن الملابسات الفكريّة التي ساقته إلى اكتشاف نظريّاته فجأة، الواحدة في إثر الأُخرى، وطرحها من ثَمّ في كتابه، وهي بحسب تسلسل (اكتشافها) الزمنيّ:
أوّلاً: بطلان نظريّة ولاية الفقيه التي قام عليها نظام الحكم الإسلامي الشِّيعي في إيران بقيادة الإمام الخميني (رحمه اللَّه).
ثانياً: بطلان عقيدة الشِّيعة في الإمام الثاني عشر المهدي، التي تقوم عليها النظريّة السابقة لعدم ثبوت وجوده وولادته من الأساس.
ثالثاً: بطلان المذهب الشيعي من أساسه لبطلان نظريّته في الإمامة.
إنّ (الكاتب) الذي يتحدّث بلغة (الاكتشاف) عن الآراء التي يسطِّرها في كتابه يُفترض فيه أنّه باحث يتحرّى الحقيقة وينشد الواقع ويتحلَّى بالنزاهة والموضوعية الكاملة في بحثه، ويريد أن يقنع نفسه أولاً ويشبع تطلّعه إلى المعرفة قبل أن يقنع قارئه. فهل كان (الكاتب) كذلك في بحثه هذا؟
أدع للقارى الإجابة عن هذا السؤال والحكم للكاتب أو عليه في ذلك، بعد أن يفرغ من قراءة هذه المداخلات والهوامش النقدية على كتابه.
________________________________________

[الصفحة - 75]


الجزء الأوّل: نظريّة الإمامة الإلؤهيّة لأهل البيت (عليهم السلام)
1 - نقد الفصل الأوّل:
أوّلاً: ملاحظات منهجيّة على الفصل الأوّل‏
ملاحظة منهجيّة أساسيّة
يرتكز الفصل الأوّل، من الكتاب، الذي عنونه المؤلِّف بعنوان: «الشورى: نظريّة أهل البيت (عليهم السلام)» على دعوى عريضة بُني عليها الكتاب كلّه، حاصلها:
إنّه «الأمّة الإسلاميّة، في عهد الرَّسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) وبعد وفاته، وخلال العقود الأولى من تاريخنا تؤمن بنظام الشورى وحقّ الأمّة في اختيار ولاتها. وكان أهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الإيمان والعاملين به»، وإنّهه«بالرّغم ممّا يذكر الإماميّون من نصوص حول تعيين النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) للإمام عليّ بن أبي طالب كخليفة من بعده إلاّ أنّ تراثهم يحفل بنصوص أُخرى تؤكّد التزام الرَّسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى، وحقّ الأمّة في انتخاب أئمّتها».
يعترف (الكاتب)، في الكلام السابق، بوجود نصوص يتمسّك بها الشيعة الإماميّون معارضة لما يدّعيه من نصوص يحفل بها تراثهم، تؤكّد ـ في زعمه ـ التزام الرَّسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته (عليهم السلام) بحقّ الأمّة في اختيار الخليفة من بعده. وما دامت هناك نصوص متعارضة في هذا الشأن، بحسب اعترافه، فإنّ المنهج العلميّ الصحيح يقتضيه، في هذه الحالة، أن يذكر كلتا طائفتي النصوص المتعارضتين ويوازن بينهما الموازنة العلميّة المتعارفة، ليخلُص في النتيجة إلى ترجيح الطائفة الأصحّ منهما سنداً ودلالة، ولكنّ (الكاتب) لم يفعل شيئاً من ذلك، وإنّما قفز رأساً إلى النصوص التي انتقاها ووجد فيها ضالّته، ولم يذكر لنا شيئاً عمَّا يعارضها من النصوص الأخرى، ولم يفسّر لنا لماذا طرحها ولم يأخذ بها، أو كيف جمع بينها وبين نصوصه التي قدّمها عليها؟
إنّ هذا، بلا شكّ، خطأ منهجيّ فاضح وأساسيّ يجعل القارى الخبير أو اليقظ يشكّ في موضوعيّة (الكاتب) ونزاهته العلميّة، ويتحفّظ على الدعوى العريضة التي
________________________________________

[الصفحة - 76]


أسّس عليها بحثه في (نظريّة الإمامة الإلؤهيّة لأهل البيت) وعلى جميع النتائج التي ترتّبت على هذه الدعوى في هذا الفصل، وفي غيره من الفصول اللاحقة التي بحث فيها هذه النظريّة.
وبعد هذه الملاحظة المنهجيّة الأساسيّة التي نسجّلها على (الكاتب)، في أولى صفحات كتابه، وفي بداية بحثه، وفي كلّ مرّة ذكر فيها النصوص المؤيّدة ـ في تقديره ـ لوجهة نظره، وأغفل ذكر ما يعارضها من نصوص أخرى، ننتقل إلى ملاحظات أُخرى تفصيليّة تتعلّق ـ أيضاً ـ بمنهج (الكاتب) وطريقة معالجته لبحثه:
الملاحظة الأولى: نَقْلُ روايات من غير مصادرها الأصليّة، ونِسْبَةُ ذكرها إلى مؤلّف متأخّر نقل في كتابه كلاماً لغيره يتضمّنها، لإيهام القارى بأنّه يعترف بصحّتها:
قال (الكاتب)، في ص 19، وهو يستعرض النصوص التي ادّعى أنّ تراث الشيعة الإماميّة يحفل بها، وتؤكّد، في زعمه، التزام النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته بحقّ الأمّة في انتخاب أئمّتها:
تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى فوهو من أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ـ : إنّ العبّاس بن عبد المطّلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يسأله عن القائم بالأمر بعده،(فإن كان لنا بيَّنه وإن كان لغيرنا وصّى بنا) ، وإنّ أمير المؤمنين قال: (دخلنا على رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) حين ثقل، فقلنا: يا رسول اللَّه... استخلف علينا، فقال: لا، إنّي أخاف أن تتفرّقوا عنه كما تفرّقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم اللَّه في قلوبكم خيراً اختار لكم) ».
ينسب (الكاتب)، في الفقرة السَّابقة، إلى الشريف المرتضى ذكر الروايتين اللّتين استدلّ بهما على عدم تعيين النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) عليّاً (عليه السلام) خليفة من بعده، وحاول أن يوهم القارى من خلال التنويه بمنزلة المرتضى عند علماء الشيعة بأنّه يعترف بصحّتهما.
ولكنّنا عند مراجعة المصدر الذي أحال إليه (الكاتب) في الهامش، وهو كتاب (الشافي في الإمامة) نجد أنّ الذي ذكر الروايتين هو القاضي عبد الجبّار صاحب كتاب (المغني) الذي ألَّف المرتضى كتابه (الشافي) في الردّ عليه؛ ذكر القاضي
________________________________________

[الصفحة - 77]


الرواية الأولى منهما حكايةً عن أبي هاشم الجبائي‏ (2) ، وذكر الثانية حكايةً عن شيخه أبي عليّ‏ (3) .
أمّا الشريف المرتضى فإنّ موقفه من الروايتين قد بيّنه في (الشافي) في سياق ردّه على كلام القاضي عبد الجبّار على النحو الآتي:
بالنسبة للرواية الأولى قال المرتضى: «يقال له (أي للقاضي عبد الجبّار صاحب كتاب المغني): أمّا سؤال العبّاس (رضي اللَّه عنه) عن بيان الأمر من بعده، فهو خبر واحد غير مقطوع عليه، ومذهبنا في أخبار الآحاد، التي لا تكون متضمّنة لما يعترض على الأدلّة والأخبار المتواترة المقطوع عليها، معروف، فكيف بما يعترض ما ذكرناه من أخبار الآحاد؟ فمن جعل هذا الخبر المرويّ عن العبّاس دافعاً لما تذهب إليه الشيعة من النصّ الذي قد دلّلنا على صحّته، وبيّنا استفاضة الرواية به، فقد أبعد؛ على أنّ الخبر إذا سلّمناه وصحّت الرواية به غير دافع للنصّ، ولا منافٍ له؛ لأنّ سؤاله (رحمه اللَّه) يحتمل أن يكون عن حصول الأمر لهم وثبوته في أيديهم، لا عن استحقاقه ووجوبه، يجري ذلك مجرى رجل نحل بعض أقاربه نحلاً وأفرده بعطيّة بعد وفاته، ثمّ حضرته الوفاة، فقد يجوز لصاحب النحلة أن يقول له: أترى ما نحلتنيه وأفردتني به يحصل لي من بعدك، ويصير إلى يدي، أم يحال بيني وبينه ويمنع من وصوله إليَّ ورثتُك؟ ولا يكون هذا السؤال دليلاً على شكّه في الاستحقاق، بل يكون دالاًّ على شكّه في حصول الشي‏ء الموهوب له إلى قبضته. والذي يبيّن صحّة تأويلنا، وبطلان ما توهّموه قول النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) في جواب العبّاس على ما وردت به الرواية: (إنّكم المقهورون)، وفي رواية أُخرى: {إنّكم المظلومون} (4) .
وأمّا بالنسبة إلى الرواية الثانية التي حكاها القاضي عبد الجبّار في (المغني) عن شيخه أبي عليّ، فهي إحدى روايتين حكاهما القاضي المذكور متّحدتي المضمون تقريباً، وقد أجاب عليهما المرتضى بقوله:
«وبعد، فبإزاء هذين الخبرين الشاذّين، اللّذين رواهما في أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يوصِ كما لم يوصِ رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ، الأخبار التي ترويها الشيعة من جهات عدّة، وطرق مختلفة، المتضمِّنة لأنّه (عليه السلام) وصّى إلى الحسن ابنه، وأشار إليه واستخلفه، وأرشد إلى طاعته من بعده، وهي أكثر من أنْ نعدّها ونوردها» .
________________________________________
(2)الشافي في الإمامة: 2/151، تحقيق السيّد عبد الزهرة الحسيني الخطيب، مؤسّسة أهل البيت: بيروت: 1404هـ ـ 1984م.
(3)المصدر نفسه: 3/91.
(4)المصدر نفسه: 2/152 - 153.

[الصفحة - 78]


ثمّ ذكر ـ بعد ذلك ـ بعضاً من هذه الأخبار التي أشار إليها (5) .
وبذلك يتبيَّن للقارى أنّ الشريف المرتضى ليس هو الذي ذكر الروايتين ولا هو قائل بمضمونهما ومعترف بصحّتهما، كما حاول (الكاتب) أن يوحي بذلك للقارى عندما قال:«تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى فوهو من أبرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ـ ... إلخ». وهو بذلك قد خالف الأمانة والدقّة العلميَّتين في نسبة النصوص والآراء إلى مصادرها.
والحقيقة أنّ المنهج العلميّ الصحيح كان يقتضي (الكاتب)، في مثل هذه الحالة، أن يشير إلى المصدر الحديثي المعتمد في رواية الروايتين، ولا حاجة به إلى أن يورّط المراجع المتأخّرة في ذلك، اللّهمّ إلاّ إذا كان ذلك على سبيل التأييد والاستظهار بها في الرواية، وهذا ما ينطبق في الحالة، موضوع المناقشة، على القاضي عبد الجبّار وكتابه (المغني) وليس على الشريف المرتضى وكتابه (الشافي).
ولا تفسير لهذه المفارقة المنهجيّة في الواقع إلاّ محاولة (الكاتب) تقوية وجهة نظره بأيّ طريقة، ولو على حساب الأمانة العلميّة وقواعد البحث المتعارفة.
الملاحظة الثانية: حكاية مضامين روايات غير مطابقة لنصوصها:
ولهذه الظاهرة المخالفة للأمانة العلميّة في هذا الفصل من بحث (الكاتب) أربعة أمثلة:
أ ـ المثال الأوّل: الاستدلال بمضمون مزعوم لرواية ينقلها المفيد من دون ذكر نصّها المخالف له:
قال (الكاتب)، في ص 20، بعد أن نقل عن الشيخ الكليني وصيّة للنبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) أوصى بها إلى عليّ (عليه السلام) قبيل وفاته: «وهناك وصيّة أُخرى ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويقول: إنّ رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضاً وصيّة أخلاقيّة روحيّة عامّة، وتتعلَّق بالنظر في الوقوف والصَّدقات».
Bثمّ أحال (الكاتب) في الهامش إلى مصدر الوصيّة التي أشار إليها، فذكر أنّه كتاب (الأمالي)، ص 220، المجلس 21، وكتاب (الإرشاد)، ص 188.
________________________________________
(5)المصدر نفسه: 3/101 - 102.

[الصفحة - 79]


ولكن الموجود في الموضع الذي ذكره من كتاب (الأمالي) رواية لا تمتّ إلى مضمون هذه الوصيّة المزعومة بصلة، وأترك للقارى أن يفهم منها المضمون الذي يعبّر عنه نصّها بعد قراءته:
«عن جابر بن عبداللَّه بن حرام الأنصاري، قال: أتيت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) فقلت: يا رسول اللَّه، من وصيُّك؟ قال: فأمسك عنّي عشراً لا يجيبني، ثمّ قال: يا جابر، ألا أُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي وأمّي أنت، أمَا واللَّه لقد سكتَّ عنّي حتّى ظننتُ أنّك وجدت عليّ.
فقال: ما وجدتُ عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد، إنّ ربَّك )يقرئك السلام (ويقول لك: إنّ عليّ بن أبي طالب وصيُّك وخليفتك على أهلك وأمَّتك، والذّائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك، يقدمك إلى الجنّة.
فقلت: يا نبيّ اللَّه، أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتتله؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلاّ ليتابع عليه، فمن تابعه كان معي غداً، ومن خالفه لم يَرِدْ عليَّ الحوض أبداً».
لقد كان من الممكن لو أنّ (الكاتب) قد ذكر نصّ هذه الرواية التي استدلّ بها على مدّعاه، كما تقتضيه أصول البحث، أن نلتمس له العذر في أنَّه قد لا يحسن فهم النصوص، وإن كان ذلك ليس عذراً لباحث، ولكن بما أنّه قد تحاشى ذِكر النصّ وذَكَرَ مضمونه فقط، فمن حقّ الناقد أن يستنتج أنّه قد تعمّد التدليس على قارئه وافترى على رسول اللَّه ما لم يقله، وعلى صاحب الكتاب ما لم يروِه في كتابه.
وأمّا النصّ الموجود في الموضع الذي أشار إليه في كتاب (الإرشاد)، فعلاوةً على أنّ وصف الوصيّة الذي حكاه لا ينطبق على مضمونها فيه، فهو لا يثبت مدّعاه، وسوف يأتي تفصيل ذلك عند مناقشة (الكاتب) في آرائه وشبهاته التي طرحها في هذا الفصل من كتابه.
________________________________________

[الصفحة - 80]


ب ـ المثال الثاني: حكاية معنىً مُجْتَزَأ من رواية عن الإمام الباقر مخالف لنصِّها:
قال (الكاتب)، في ص 22، بعد أن ذكر بعض نصوص مرويّة عن الإمام عليّ (عليه السلام) زعم أنّها لا تدلّ على أكثر من شعوره بأولويّته بالخلافة؛ وأنّه لم يشر فيها إلى مسألة النصّ عليه بها:
«وينقل الكليني روايةً عن الإمام محمّد الباقر يقول فيها: إنّ الإمام عليّاً لم يدعُ إلى نفسه وإنّه أقرَّ القوم على ما صنعوا وكتم أمره».
وقد أحال في الهامش إلى (روضة الكافي)، ص 246، ولكنّنا نجد الرواية في موضعها المشار إليه من المصدر المذكور بالنصّ الآتي:
«عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا؛ إذْ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظراً للناس وتخوّفاً عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام، فيعبدوا الأوثان ولا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللَّه، وأنّ محمّداً رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وكان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام، وإنّما هلك الذين ركبوا ما ركبوا، فأمّا من لم يصنع ذلك ودخل في ما دخل فيه الناس على غير علم ولا عداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ ذلك لا يكفّره ولا يُخرجه من الإسلام، ولذلك كتم عليّ (عليه السلام) أمره وبايع مكرهاً حيث لم يجد أعواناً».
وهذه الرواية مناقضة تماماً للمعنى المجتزأ الذي حكاه منها، وهي صريحة الدلالة في اعتقاد الإمام عليّ (عليه السلام) بالنصّ عليه بالخلافة حسبما يقول الإمام الباقر (عليه السلام)؛ لأنّه لو لم يكن معتقداً بذلك، فما هو الداعي له لتسويغ قعوده عن مقاتلة الذين صرفوا الخلافة عنه بتخوّفه عليهم من الارتداد عن الإسلام لو قاتلهم عليها، وأيّ سبب شرعيّ يجعل الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: «وإنّما هلك الذين ركبوا ما ركبوا» لو لم يكن الذي ركبوه مخالفاً للنصّ الشرعيّ الصريح. وأخيراً، كيف تكون بيعة الإمام عليّ لأبي بكر الحاصلة بالإكراه، كما تقول الرواية، دليلاً على إقراره ورضاه بها وعلى عدم اعتقاده بالنصّ عليه؟
لا شكّ في أنّ معنى الرواية أوضح وأصرح من أن يساء فهمه؛ ولذلك تحاشى (الكاتب)، كما صنع في المرّة السابقة، ذكرها بالنصّ واخترع لها معنىً على هواه.
________________________________________

[الصفحة - 81]


ج ـ المثال الثالث: ادّعاء بيعة الإمام السجّاد ليزيد في غيبة نصّ الدليل:
قال (الكاتب)، في ص 29: «وقد بايع الإمام عليّ بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرّة».
بنى (الكاتب) قوله السابق على رواية للكليني في (روضة الكافي)، وقد أحال إلى موضعها من الكتاب في الهامش، وهو صفحة 196، وهذا هو نصّ الرواية:
«عن بُريد بن معاوية، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحجّ، فبعث إلى رجل من قريش فأتاه، فقال له يزيد: أتقرّ لي أنّك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقّيتك، فقال له الرجل: واللَّه يا يزيد، ما أنت بأكرم منّي في قريش حسباً، ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهليّة والإسلام، وما أنت بأفضل منّي في الدين ولا بخير منّي، فكيف أقرّ لك بما سألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقرّ لي فواللَّه ـ قتلتك، فقال له الرجل: ليس إيّاي بأعظم من قتلك الحسين بن علي (عليهما السلام) ابن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم). فأمر به فقتل.
ثمّ أرسل إلى عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، فقال له مثل مقالته للقرشي، فقال له عليّ بن الحسين (عليهما السلام): أرأيت إن لم أقرّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال له يزيد (لعنه اللَّه): بلى. فقال له عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع، فقال له يزيد (لعنه اللَّه): أولى لك، حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك».
إنّ الواقعة التي تحدّثت عنها الرواية السابقة لم تكن بيعة سياسيّة كما ادّعى (الكاتب)، وليس فيها ما يعبّر عن إيمان الإمام بنظريّة الاختيار أو عدم إيمانه بحقّه في الإمامة، كما يريد أن يقول، ولا تستبطن أيّ دلالة على رأي الإمام في القضيّة التي طرحها، وإنّما كانت موقفاً اضطرارياً فرضته التقيّة، واجه به الإمام إحدى ممارسات يزيد الإجراميّة الشائنة التي تعكس نفسيّته الشاذّة وحقده المتغلغل تجاه الإمام وأهل بيته.
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يصدّق القارى، لو سيقت له هذه الرواية بنصّها،
________________________________________

[الصفحة - 82]