البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

«مسلمو البلقان بين عدوان الصِّرب وأطماع الغرب»

الباحث :  الأستاذ إبراهيم الموسوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  14
السنة :  السنة الرابعة صيف 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  947
عقد منتدى المنهاج ندوته الرَّابعة عشرة، في مقرِّه، عصر يوم الجمعة الواقع فيه 25/6/1999. وبحث المنتدون في موضوع النَّدوة المُقرَّر، وهو:

«مسلمو البلقان بين عدوان الصِّرب وأطماع الغرب».

قدَّم للنَّدوة وأدارها الأستاذ إبراهيم الموسوي، وشارك فيها سماحة العلاِّمة السَّيد محمد حسن الأمين، والدكتور محمد الأرناؤوط، الأستاذ في جامعة آل البيت (الأردن) والمختصّ في شؤون البلقان، والدكتور محمد نور الدين، الأستاذ في الجامعة اللبنانية، والمختصّ في الشؤون التركيَّة.

رحَّب الأستاذ الموسوي بالمشاركين والحضور، وقدَّم موضوع البحث، فتحدَّث عن الأزمات التي يمرّ بها المسلمون في مختلف أنحاء العالم، ومنها أزمة البوسنة والهرسك وكوسوفو وأرمينيا وأذربيجان...، وأضاف: «ولا ننسى سبتة ومليلة على حدود أسبانيا وتخوم الأندلس. واليوم نسأل، على طريقة «رب ضارة نافعة»: متى الأزمة الجديدة والاسم الجديد؟ متى نتعرَّف إلى مسلمين آخرين موجودين في هذا الكون ولا نعرف عنهم شيئاً؟!».
ثم حدَّد محاور النَّدوة، فقال: المحاور الأساسية لهذه الندوة: «مسلمو البلقان بين عدوان الصِّرب وأطماع الغرب» أربعة، ثلاثة منها مخصَّصة للسَّادة المنتدين والرَّابع مشترك بينهم وبين السَّادة الحضور؛ حيث تطرح الأسئلة، ثم نأخذ الإجابات الشافية والوافية بعونه تعالى.
المحور الأوَّل هو الوجود الإسلامي في البلقان. عندما نتحدَّث عن الوجود الإسلامي في البلقان وعن كوسوفا، لا بدَّ من أن نتحدَّث عن أمرٍ له علاقة بالتاريخ، عن جذور تضرب عميقاً في الأرض، عن بدايات هذا الوجود، تطوُّره التاريخي منذ تلك البدايات إلى هذه الأيام، إلى الواقع القائم راهناً، ديمغرافياً وجغرافياً وعرقياً، بما يمثِّل من إشكالات تختصر طبيعة المشكلة القائمة، وهذا ما يحدِّثنا عنه الدكتور محمد الأرناؤوط، وهو خبير في هذا الشأن.
المحور الثاني يتمثَّل في «طبيعة الصراع الدائر في كوسوفا، هل هو صراع مصالح، أو صراع هويات وحضارات؟ ما هو موقعه في الصراع الدائر في العالم، بعد تفرُّد أمريكا بقيادة النِّظام
________________________________________

[الصفحة - 226]


العالمي وقيام الصَّحوة الإسلامية؟». يحدثنا عن هذا المحور سماحة العلامة السيد محمد حسن الأمين، وهو غني عن التعريف في كل حال.
أمَّا المحور الثالث فهو: «تركيا والبلقان من الدولة العثمانية إلى الجمهورية، موقعها ودورها في الصِّراع الدائر في البلقان وفي النظام العالمي الجديد». يحدِّثنا عن هذا المحور الدكتور محمد نور الدين. يبقى المحور الرابع، وهو يتعلَّق بآفاق الحل واحتمالاته في ضوء ما سيتمُّ التكلُّم عليه من قبل المنتدين. وسوف يكون لنا جميعاً أن نبحث فيه كي نتوصل إلى الإجابات الشافية. نبدأ مع الدكتور محمد الأرناؤوط، ويتحدَّث عن الوجود الإسلامي في البلقان، فليتفضل.
د. محمد الأرناؤوط:
يسرُّني، في الحقيقة، أن أكون معكم في هذا اليوم، والشكر في ذلك، أوّلاً، لمركز الغدير الذي شرّفني بهذه الدعوة، وآمل من خلال هذه المشاركة أن أقدِّم مساهمةً أوّليَّةً مفيدةً إن شاء اللَّه.
في الحقيقة، مركز الغدير كلّفني الالتزام بالمحور الأوَّل في أربعة مفاصل: الأوَّل عن البدايات، ثم عن بدايات الوجود الإسلامي، ثم عن التطوُّر، ثم عن الواقع القائم إثنياً وسياسياً، ثم عن طبيعة المشكلة القائمة.
وإذا بدأنا بالمفصل الأول، وهو، البدايات، نقول: البدايات حقيقةً ترتبط بسؤال مهم حول حدود البلقان، لأن هناك من يضم المجر إلى هذه المنطقة بالمفهوم الواسع للكلمة، وهناك من يعزل عنها المجر بالمفهوم الضيِّق للكلمة. إذاً لدينا مفهومان للبلقان. والناحية الأخرى تتعلَّق بالبدايات إذا قسِّمت إلى قسمين: أولهما الوجود السابق للفتح العثماني وثانيهما الوجود اللاحق.. الحقيقة أنه لدينا إشارات عديدة حول الوجود السابق، أي «الوجود الإسلامي السابق للفتح العثماني»، وهي إشارات مبثوثة هناك وهناك. وهناك من يحاول من الزّملاء والباحثين أن يركّز الآن على هذه المرحلة، أي على مرحلة وصول الإسلام المبكر، وعلى بدايات الإسلام قبل الفتح العثماني. ويمكن أن نركِّز على منطقتين: المنطقة الأولى «بحر إيجه» والمنطقة الثانية «البحر الأدرياتيكي»؛ حيث لدينا الكثير من
________________________________________

[الصفحة - 227]


الإشارات التي تعود إلى القرنين التاسع والعاشر، وبخاصَّة في بحر ايجه والبحر الأدرياتيكي. ونحن نعرف أن المسلمين فتحوا «سالونيك» بشكل مفاجى في مطلع القرن العاشر، وحاولوا خلال القرن التاسع أن يفتحوا «فروفنيك» أو «راكوسا» والموانى الرئيسية في الأدرياتيكي، هذا إضافة إلى الصِّلات التجارية، وبخاصَّة بين جمهورية راكوسا ومراكز شرق المتوسط أو حتى شمال افريقيا..
هذه الصِّلات المبكرة التي لم تتبلور، أو حقيقة لم تتضح كما يجب حتى الآن، يبدو أنها قد تركت وجوداً ما. لدينا، مثلاً، إشارة واضحة، في رسالة مشهورة من البابا نقولا الأول (856 - 867م) عنوانها: «رسالة إلى البلغار» يقول فيها بالحرف الواحد: «عليكم أن تتخلّصوا من الكتب الكافرة التي أخذتموها من المسلمين». هذا يدلُّ، كما قلت، على وجود غامض للمسلمين. ويبدو أن بعض المسلمين وصلوا إلى المنطقة وحملوا إليها كتبهم ومؤلَّفاتهم، وأخذوا ينشرونها بشكل ما. ويبدو أن أخبار ما حدث وصلت إلى الفاتيكان، وأخذت تقلق البابوية، لأن بلغاريا، في ذلك الحين، كانت في آونة تحوّل نحو المسيحيَّة الكاثوليكية.
وإذا أخذنا البلقان، بالمفهوم الواسع، لدينا ما يفيد بوجودٍ مسلم مهم في المجر، ولكن هذا الوجود المسلم الذي يكاد يرتبط بنشوء الدَّولة المجرية نفسها في القرنين العاشر والحادي عشر يرتبط، في الوقت نفسه، بانتقال مجموعات تترية، مع الشعب المجري نفسه، من حوض «الفولغا» إلى المنطقة التي أُسِّست فيها المجر بحدودها الحالية، وبالتّالي نجد هذا الوجود التتري المسلم، في القرنين العاشر والحادي عشر، يأخذ شكل وجود مدني وعسكري بارز. ولدينا، مثلاً، وثيقة مهمة في كتاب «تحفة العجائب» للرحالة أبي حمد الغرناطي الذي ذهب بنفسه إلى المجر، وخالط المسلمين، وكتب عنهم وعن مشاهداته، أيضاً. ولدينا إشارات مهمَّة عن ياقوت الحموي، في الآونة نفسها، فقد التقى بمجموعة من الطلبة الذين جاؤوا للدراسة في حلب والذين حدثوه عن أحوال المسلمين. هذه، كما قلت، مرحلة تمتد عدَّة قرون، وبخاصة في المجر؛ حيث نلمس هذا الوجود المسلم المهم: الاجتماعي والعسكري،
________________________________________

[الصفحة - 228]


لأن أبا أحمد الغرناطي يعطينا كثيراً من المعلومات المهمَّة عن مدى ما كان يتمتع به المسلمون هناك من حقوق في المجال السياسي والاجتماعي. وبعبارة أخرى، كان لهم الحق في اعتناق الإسلام وممارسة الشعائر بكل حرية. ويبدو أن هذا الوجود أخذ، في ما بعد، يتأثر بروح الحروب الصليبية، لأن المجر تحوَّلت إلى ممر مهم للحروب الصليبية، وبالتالي أخذت هذه الحروب الصليبية تنعكس على معاملة المسلمين حتى القرنين الثاني عشر والثالث عشر؛ إذ نجد الكثير من القرارات التي تحد من حريتهم وحتى من حقهم في ممارسة الشعائر. وبقي الأمر هكذ إلى أن وصل العثمانيون إلى البلقان، وكان هذا الوجود المسلم قد انتهى تقريباً في المجر. وهكذا انبعث من جديد، «إذا صح التَّعبير»، مع الفتح العثماني في منتصف القرن الرابع عشر.
الفتح العثماني في البلقان يتميَّز بأنَّه كان عبارة عن فتح تدريجي استغرق حوالى مئة وخمسين عاماً، أي أنه لم يكن فتحاً جارفاً وعسكرياً فقط، وإنما كان تدرّجياً رافقه الانتشار التدريجي للإسلام.
هذا الموضوع واسع ومهمّ لأنَّه مدار خلافات بين الباحثين المعنيين بموضوع الفتح والوجود العثمانيَّين في البلقان، لأنّ هناك من يعتقد أنَّ العثمانيين لم يعتمدوا آليَّة معيَّنة رسميَّة لنشر الإسلام، وإنما ـ بعبارة أخرى ـ تركوا نشر الإسلام يتم بشكل ذاتي وتدرّجي، بالمقارنة مع نشر المسيحية، لأن «السّلاف» حينما جاؤوا في القرنين السادس والسابع الميلاديين كانوا وثنيين. ولدينا، في ما يتعلَّق بنشر المسيحية في البلقان، ما يمكن أن نسمِّيه «خيار الحاكم» الذي ينعكس فوراً على المحكومين. فأمير بلغاريا بولس (860م)، مثلاً، عندما اختار المسيحية لم يخترها لنفسه فقط، وإنما لرعيَّته أيضاً. ويُروى أنه سمل عيني ابنه عندما حاول هذا أن يخرج على إرادته، وبالتالي فرض هذا الدين. مع العثمانيين، لا نجد مثل هذا الموقف لنشر الدين الواحد على السكَّان والرَّعية، فقد تُرك هذا الأمر لعوامل كثيرة: ذاتية وموضوعية. لذلك، نجد أن انتشار الإسلام في البلقان استمر حوالى 300 عام.
________________________________________

[الصفحة - 229]


ويمكن أن نتَّخذ عام 1700م حدَّاً فاصلاً. وهذا الأمر فأي كيفية تعامل العثمانيين مع نشر الإسلام فمدار خلاف، أي أنهم لم ينشئوا مؤسسة للقيام بنشر الإسلام، مثل مشيخة الإسلام وعلى رأسها شيخ الإسلام، لم تكن هذه المؤسسة معنيَّة ومسؤولة عن آلية معيَّنة لنشر الإسلام في هذه المناطق المفتوحة.
ربما أسهم العثمانيون، في نشر الإسلام، بالآليَّة الوحيدة الرسميَّة التي طبّقوها، وكان لها دور في ذلك، وتسمّى «الدفشرمة» وهي عبارة عن مؤسسة كانت، من خلال آليات معينة، تنشر الإسلام في البلقان، في المناطق الجبلية والريفية، فتجمع الأولاد، بمعايير معينة، وترسلهم إلى مدارس لهديهم إلى الإسلام وتعليمهم العربية والعلوم الأخرى. ومن خلال هذه المؤسسة، كان يتشكل ما نسمِّيه بالنخبة العسكرية والإدارية الحاكمة في الدولة العثمانية. وتقريباً، كل هذه النخبة جاءت من البلقان، ووصلت، في الجيل الثاني، بعد أن اعتنقت الإسلام، إلى أعلى المراكز، ومنها مركز «الصَّدر الأعظم»، باستثناء منصب السلطان الذي بقي حكراً لآل عثمان. ونجد أهم المراكز العسكرية، في الدولة العثمانية، أخذها أولاد «الدفشرمة». وهؤلاء حقيقةً لهم الدور الأكبر في نشر الإسلام في مواطنهم الأصلية. إذا أخذنا، مثلاً، «سنان باشا» و «خسرو بك»، وهما من الأسماء اللامعة، نجد أن هؤلاء كان لهم الدور الأكبر في نشر الإسلام؛ وذلك من خلال الاهتمام بمناطقهم، بإنشاء الجوامع والمدارس والمؤسسات الأخرى التي حبَّبت حقيقة الإسلام لمواطنيها.
هذه المسألة، وكما قلت، مهمة، فانتشار الإسلام استغرق حوالى 300 عام (من حوالى 1400م إلى حوالى 1700م) لذا أقف عند عام 1700م، وبالتحديد عند عام 1699م، وبالتحديد عند صلح «كارلوبس»، لأنه ربما يمثل العدّ العكسي للوجود العثماني في البلقان وبداية الانكماش العثماني. وإذا قلنا: مع الانتشار العثماني كان هناك انتشار إسلامي أيضاً، فيمكن أن نتوقع أنه مع الانكماش العثماني، للأسف، سيكون هناك نوع من الانكماش في الوجود الإسلامي.
وهذه مسألة لها انعكاسات سياسيَّة مهمَّة، وربما كانت أحد جذور المشكلة الحالية التي نتناولها اليوم.
________________________________________

[الصفحة - 230]


فخلال هذه الحقبة الطويلة انتشر الإسلام، في البلقان، في مسارين: المسار الأول في شرق البلقان، ويتعلّق بما نسميه انتقال المسلمين من الأناضول إلى البلقان. والدَّولة العثمانية كانت تمارس سياسة التوطين لاعتبارات سياسية واستراتيجية معيَّنة. والبلقان، مع قدوم العثمانيِّين، كان يعيش حالة خراب، ليس بسبب العثمانيين، ربما كان للعثمانيين مساهمة معينة فيها، وهذه مقولة فيها آراء كثيرة. المهم أن البلقان كان إبَّان مجي‏ء العثمانيِّين، يعاني، على الرغم من موارده الهائلة وسهوله الغنية، من الفقر بالسكَّان ومن نوع من الخراب، نتيجة للحروب السابقة البيزنطية والبلغارية.
لذلك عمد العثمانيون، في البداية، إلى تشجيع استيطان مسلمي الأناضول في بعض المناطق، وبخاصة شرق البلقان. ولدينا، حسب بعض الإحصائيات، ما يفيد أنه تم خلال القرون: الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر توطين حوالى نصف مليون من المسلمين المستقدمين من الأناضول. وهذا يعدّ رقماً كبيراً جداً بالنسبة لذلك الوقت.
مرّة أخرى، بالنسبة إلى انتشار الإسلام في البلقان، هناك شكلان: الأول هو نقل المسلمين، أو انتقالهم، من مناطق مسلمة إلى مناطق مفتوحة حديثاً، وهذا الأمر يتَّضح، كما ذكرت، في شرق البلقان، وبالتحديد في بلغاريا وفي مكادونيا. والشكل الثاني تم في غرب البلقان. ففي هذه المنطقة لدينا نمط آخر، وهو انتشار الإسلام في صفوف السكان الأصليين. وفي ما يتعلّق بانتشار الإسلام في وسط السكان الأصليين يمكن أن نميّز، أيضاً، بين مسارين: المسار الأول يتمثل في انتشار الإسلام، لدى بعض الشعوب، بدأ وتوقف عند نسبة معينة، فيبقى الإسلام يمثل دين الأقلِّية لديهم، مثل البلغار واليونان والصرب والكروات. والمسار الثاني يتمثل في أن انتشار الإسلام، لدى بعض الشعوب الأخرى، بدأ وانتشر بكثافة ملفتة للنظر، وتحول إلى دين الأغلبية الساحقة. وقد تمَّ هذا في غرب البلقان، وبخاصَّة عند البوسنيِّين والألبان.
وهكذا، بعد ثلاثمئة عام من انتشار الإسلام، انتهى الوضع إلى هذا الشكل: أصبح الإسلام يمثل دين
________________________________________

[الصفحة - 231]


الأغلبية لدى بعض الشعوب ودين الأقلية لدى بعضها الآخر.
كنت أتحدث عن عام 1700م، وبالتحديد عن عام 1699م، بوصفه حدّاً فاصلاً، لأن المرحلة الأولى تميَّزت بانتشار عثماني متواصل؛ إذ كانت الدَّولة العثمانية في مرحلة القوة، ومن ثم في مرحلة التوسع المتواصل. والتوسُّع العثماني كان يتميز بالتدرُّج، وذلك كي تستطيع الدَّولة العثمانية هضم هذه المناطق. ولم يكن الانتشار عبارة عن توسع عسكري صِرْف وسريع يمكن أن يؤدِّي إلى تراجع أيضاً سريع. ولكن، مع صلح «كارلوبس»، بدأ يتضح أنَّ الدولة العثمانية تظهر عليها مظاهر الضعف، وبدأت روح المبادرة تخفت، وبدأت الدولة تخسر المعارك العسكرية أمام الجيوش الأوروبية الجديدة.
لارتباط انتشار الإسلام بالانتشار العثماني معنى، وذلك لأنه حدثت حالة من الاستقرار في البلقان ارتبط فيها انتشار المسلمين واستقرارهم بوجود هذه المظلَّة فالدولة. لذلك، بعد «كارلوبس»، أي بعد انكشاف هذه المظلَّة، حدث نوع من الانكماش، لأن الدول الجديدة، وأقصد بها الدول التي أخذت تبرز بوصفها قوى إقليمية، وبالتحديد النمسا وروسياف ونحن يهمُّنا في البلقان النمسا فأخذت تتحوَّل من الدفاع إلى الهجوم، وبدأت تستردّ المناطق التي فقدها العثمانيون. ونجد في هذه المناطق، في تلك المرحلة، ما نسمِّيه الآن بالتَّطهير العرقي أو الثقافي، المبكر، لماذا؟
نأخذ كرواتيا والمجر مثلاً، بعد الفتح العثماني للمجر وكرواتيا، نجد، كما بقية البلقان، انتشاراً تدريجياً للوجود المسلم يدخل ضمن ما أسميته «بالأقلية»، يعني أن المسلمين كانوا أقليَّة في المجر وكرواتيا، وكان لهم وجودهم الثقافي، كالمساجد والمدارس والمنشآت الأخرى التي تعرف بهم على أرض الواقع. أمَّا بعد الانكسار والتّراجع والانسحاب العثماني، فإن هذا الوجود اختفى، خلال عقود، أو خلال 20 ـ 30 سنة. لماذا؟ لأن السُّلطة المنتصرة عدَّت هذا الوجود مرتبطاً بالوجود العثماني، ورأت أنه وجود طارى‏ء، وبالتالي على السكان أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ديانتهم الأصليَّة. هذا الأمر نجده بوضوح في
________________________________________

[الصفحة - 232]


المجر وكرواتيا، لكن سنجده بوضوح مأساوي في القرنين التاسع عشر والعشرين مع صربيا وبلغاريا. هذا الارتباط الوثيق بين الانتشار الإسلامي والانتشار العثماني، في نظر القوى الإقليمية، سيدفع ثمنه بشكل ما المسلمون لاحقاً، مرَّات قليلة بشكل هادى ومرات كثيرة بشكل مأساوي. يبدو الأمر، بشكل مأساوي، لأوَّل مرة، من خلال ما يسمَّى الحرب الروسية ـ العثمانية (1877 - 1878م) التي انتهت، أولاً، إلى معاهدة «سان ستيفانو»، ثم بعد ذلك إلى مؤتمر برلين. هذه الحرب كانت ضربةً قوية للمسلمين في البلقان.
ويمكن القول إنه، حتى هذه الحرب، كان عدد المسلمين في البلقان، في المسارين: مسار الأقلية ومسار الأغلبية، قد وصل إلى النِّصف أو تجاوزه بقليل، ولم يعد وجوداً محدوداً، أو وجود أقلِّية في البلقان بشكل عام. ومع هذه الحرب، يمكن الحديث عن ضربة قويَّة خلخلت الوجود الإسلامي في البلقان، وأدَّت إلى انحسار هذا الوجود عن مناطق واسعة، فكما تعرفون وصل الجيش الروسي إلى ضواحي استانبول، وإلى ضاحية «سان ستيفانو»، الأمر الذي أجبر استانبول على توقيع صلح مذلّ تعترف فيه بتشكيل بلغاريا الكبرى التي ضمَّت مناطق واسعة من المسلمين، وقد صاحب الحرب الروسية فالعثمانية ما نسميه، الآن، «التَّطهير العرقي» في مناطق واسعة من بلغاريا وفي قلب البلقان، في ما كان يعرف بصربيا. وقد أدى هذا إلى هجرة حوالى مليون مسلم في ذلك الحين باتجاه الأناضول وتركيا. اعترضت أوروبا الغربية على المعاهدة التي تلت هذه الحرب، وذلك لأنها تهدد مصالحها، وكادت هذه المعاهدة تؤدِّي إلى تجاذب أوروبي ـ روسي، ما لبث أن سُوِّي في مؤتمر برلين وتمّ التوصّل إلى حل وسط قضى بتأسيس دول بلقانية جديدة واستقلالها كصربيا والجبل الأسود وبحكم ذاتي في بلغاريا..
هنا ربما تكمن جذور المشكلة المعاصرة، فهذه الدُّول الجديدة: صربيا والجبل الأسود واليونان... رأت أنَّ حدودها، كما وضعها مؤتمر برلين، هي نقطة البداية فقط. وتنفيذاً لمشاريعها القومية «التحررية» راحت
________________________________________

[الصفحة - 233]


تحاول استرداد حدودها التي تعتقد أنها كانت لها في القرون الوسطى، أي ما كانت عليه حينما جاء العثمانيون إلى البلقان. لذلك نجد أن صربيا، سواءً بالنسبة للبوسنة أم بالنسبة لكوسوفا، ترى هذه المناطق مناطق صربية، وقد جاء العثمانيون في مرحلة ما وغيَّروا في هويتها. وقد جاء الآن الدَّور لكي تقوم هي ـ صربيا مثلاً ـ باسترداد هذه المناطق وإعادة الهويَّة الصِّربية لها، بغضّ النَّظر عمَّا تغيّر خلال هذه القرون. ويتمثل هذا التغيُّر بواقع يمثل فيه السكَّان المسلمون الأغلبية.
وهكذا نجد، الآن، مع هذه الروح التي يمكن أن نسمِّيها بـ «الروح الاستردادية القومية» مشاريع استرداد: «مشروع صربيا القومي» و «مشروع الجبل الأسود»، وأيضاً «مشروع اليونان». وتقوم هذه المشاريع على استرداد هذه المناطق، بمعنى إعادة صبغتها الأصليَّة، أو السابقة، لها. بهذه الروح يمكن تفسير اندلاع الحرب البلقانية عام 1913م. وتتم، الآن، مع هذه الروح، ممارسة التطهير العرقي في مناطق واسعة. ونتيجة للحرب البلقانية ثمَّ تهجير مليون مسلم من مناطقهم إلى تركيا. ونتيجة للحرب البلقانية، أيضاً، نجد أنَّ صربيا بالذات توسَّعت وتضاعفت مساحتها وسيطرت على كوسوفا، ونجد أن الجبل الأسود تضاعفت مساحته، وسيطر على قسم من كوسوفا، واليونان أيضاً توسعت.
مشكلة هذه الحرب التي ربما تكمن جذور المشكلة فيها تتمثل في أن هذه الدّول أقنعت شعوبها بأنها تؤدِّي رسالة تحرّرية تتمثل في تحرير هذه المناطق من الحكم العثماني، ولكن لم يكن في مشاريعها أية صيغة للتعامل مع السكّان الموجودين فيها، وبالتالي كانت الصحافة توهم الناس بأن هذه الحرب «تحررية» من دون أن يكون هناك، في عواصم هذه الدُّول، أي بديل للشعوب القاطنة فيها. لذلك نجد أن صربيا أرادت، حينما سيطرت على كوسوفا، أو حينما سيطرت على السنجق، مثلاً، أن تثبت أن هذه المناطق هي مناطق صربية، ومن ثم لم يكن أمامها من خيار سوى أن تستخدم مختلف الوسائل للتخلُّص من الأغلبية المسلمة فيها.
ومع الحرب العالمية الأولى، يدخل عنصر جديد يتمثل في المنافسات الإقليمية التي قامت بين صربيا
________________________________________

[الصفحة - 234]


وبلغاريا. ومع الحرب العالمية الأولى، اتخذ البلقان، وبالتَّوسُّع، شكله المعروف بحدوده المعروفة: بلغاريا واليونان والجبل الأسود...
وقامت الدولة الجديدة يوغسلافيا التي تضم صربيا والجبل الأسود والبوسنة وسلوفنيا وغيرها.
هنا أريد أن أقف عند مسألة، وهي أن القرن العشرين عرف بالنسبة للوجود المسلم في البلقان، شكلين: أولهما ما قبل الحرب العالمية الثانية، وثانيهما ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعد الحرب العالميَّة الثانية، حكمت الأحزاب الشيوعية هذه الدول. ما قبل الحرب العالمية الثانية، أي ما بين الحربين، عرفت هذه الدول ما كان يُسمَّى «الأحزاب البرجوازية اليمينيَّة». في ما يتعلَّق بالمسلمين، لا نجد ذلك الفارق الكبير، في الموقف إزاءهم. فإذا عدنا إلى مرحلة ما بعد الحربين نجد أن عقليَّة التَّطهير العرقي مستمرة، بشكل ما، مع هذه الأنظمة، أو مع هذه الدول.
ونجد أنَّ هذه الدول تحاول بشتى الوسائل أن تتخلص من هذا الوجود المسلم، أو أن تقلِّصه إلى حدّه الأدنى. وحاولت هذه الدُّول، وخصوصاً مع التحوُّلات التي مرّت بها تركيا، أن تقنِّن هذا التخلّص بعقد اتفاقيات مع تركيا، ومن نماذج ذلك بلغاريا التي عقدت أكثر من اتفاقية مع تركيا، ويوغسلافيا كذلك، للتخلُّص بشكل جماعي من هؤلاء المسلمين وإعادتهم إلى تركيا.
طبعاً تركيا «الكمالية»، في ذلك الحين، كانت لها اعتبارات ومصالح وحسابات مختلفة، فلم تمانع في استقدام هؤلاء المسلمين، لأنها كانت تستفيد من ذلك كما سنرى لاحقاً. أقول: هذا الوضع سيتكرر ويستكمل، أيضاً، بعد الحرب العالمية الثانية، وتحت حكم الأحزاب الشيوعية.
وإذا أخذنا بلغاريا أنموذجاً نرى أنها استمرت في عقد اتفاقيات مع تركيا، في عامي 1950 و1951، وفي عام 1968، حين دفعت، بالاتفاقية الأولى، حوالى 150 ألفاً، وبالاتفاقية الثانية 35 ألفاً. وحدثت في الثمانينات مشكلة ما يسمى بـ «مشكلة تغيير الأسماء»، ونجد حوالى 250 ألف مسلم بلغاري يُرْمَى بهم خارج الحدود.
هذه العقلية، عقليَّة التعامل مع الآخر، مع المسلم، التي ترى أن هذا المسلم وُجد بشكل طارى، وبالتالي
________________________________________

[الصفحة - 235]


ليس له مكان في البلقان، ويجب التخلُّص منه، وللأسف، هذه العقلية بقيت تحكم البلقان منذ أن استقلَّت دوله. وللأسف، أيضاً، فإن هذه الدول التي نسمِّيها الدول القومية لم يكن في برامجها وايديولوجيتها حيِّز لهذاالآخر، فصربيا ترى أن كل من هو موجود فيها هو صربي، وكرواتيا ترى أن كل من هو موجود فيها هو كرواتي وفي الجبل الأسود واليونان كذلك. ما يعني أنه ليس في برامجها أيّ حيّز للقبول بالآخر، وثم التعامل معه من خلال الاتفاقيات المختلفة.
ولدينا، في هذا الإطار، مفارقة غريبة من نوعها، وهي: إن يوغسلافيا، حينما تأسست دولةً، في عام 1918، تأسَّست وفق حسابات غربية أوروبية صرفة، لأن أوروبا الغربية كانت تعتمد على حليفتها صربيا في إرساء دولة إقليمية مهمة تعتمد عليها في المنطقة، وقد أخذت حدود هذه الدولة شكلها النهائي في مؤتمر الصلح في فرساي، وفي فرساي أُرسي، في ذلك الحين، ما يُسمى بحقوق الأقليَّات، وأُلزمت جميع الدول الحديثة التي تشكلت بعد الحرب بتوقيع الاتفاقيات التي ترعى هذه الحقوق، ومن هذه الدول طبعاً يوغسلافيا.
الغريب، وهذه الناحية لم يلتفت إليها أحد، ولم يكتب فيها أحد، أنَّ يوغسلافيا أُلْزمت بتوقيع هذه الاتفاقية التي سُمِّيت باتفاقية حقوق الأقليات، ولكنها طلبت أن يُستثنى المسلمون فقط من تطبيقها، وهكذا عرف تاريخ حقوق الإنسان، مفارقةً عجيبة! إن هذه الاتفاقية كانت تشمل، مثلاً، الأقلِّية الألمانية في يوغسلافيا، ويبلغ عدد أفرادها حوالى خمسين ألفاً، وتشمل الأقلية المجرية في ألمانيا أيضاً، وكانت هذه الأقليات تتمتع، بسطوة القانون الدولي، بكافة حقوقها الدينية والثقافية، في حين أن المسلمين فقط كانوا مُسْتَثْنِيَيْن من تطبيق هذه الاتفاقية، وبالتالي كان في بلغراد ما يسمَّى «السلطة الحرّة» التي تفعل ما تشاء بالمسلمين، فتجبرهم، مثلاً، وبضغوطات مختلفة، على ترك أراضيهم والتوجُّه إلى تركيا. لم يكن في هذه الاتفاقية، ما يمنع ذلك أو ما يحول دون حدوثه.
طبيعة المشكلة القائمة في كوسوفا، وفي غير كوسوفا، ربما نجدها في هذه الجذور التاريخية، ألا وهي ربط الوجود المسلم بالوجود
________________________________________

[الصفحة - 236]


العثماني، وبالتالي اعتبار هذا الوجود المسلم من نتائج الوجود العثماني الذي بقي ينظر إليه بوصفه وجوداً أجنبياً... وجوداً غريباً غير مرغوب فيه.
يعطي التأريخ الحديث صورة سلبيَّة وقاتمة جدَّاً للحكم العثماني في البلقان، وأخذ هذا ينسحب على المسلمين الموجودين في البلقان، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة في يوغسلافيا. ونحن نعالج مشكلة لها إطار يوغسلافي محدَّد. في يوغسلافيا، بالتحديد، ومنذ الستِّينات، لم يكن الوضع مختلفاً عن بلغاريا، في المرحلة الأولى (1945 - 1966م)، فقد مورس الضغط على المسلمين لترك يوغسلافيا.
من عام 1945 إلى عام 1966 فقط، لدينا أكثر من ربع مليون مسلم أُجْبروا على ترك يوغسلافيا والذهاب نحو تركيا، لذلك قد تستغربون عندما نعرف أن عدد سكان كوسوفا هو مليونان من الألبان، وفي تركيا مليونان من أصل ألباني، ما يدل على طبيعة الضغوط التي دفعت بأعداد كبيرة، بمئات الألوف، إلى تركيا.
وهذا عنصر يُؤخذ بعين الاعتبار لدى دراسة الموقف السياسي التركي من البلقان. أريد أن أقول إنه حتى عام 1966م كان لدينا وضع لا يطاق بالنسبة للمسلمين.
ونتيجة لحسابات أخرى، أخذ تيتو، في ذلك الحين، ولاعتبارات محلِّية وإقليمية، يتوجَّه نحو العالم الثالث، ونحو سياسة عدم الانحياز. وقد انعكس هذا التوجّه على الوضع الداخلي في يوغسلافيا، من حيث إعطاء مزيد من الحريات ومزيد من المساواة للمسلمين. أخذ الموقف، حقيقة، ينقلب بالتَّدريج لصالح المسلمين.
فجرت، في يوغسلافيا، تعديلات دستورية تعطي البوسنة شخصية متميزة وتعطي المسلمين دوراً أكبر. أخذ الوضع يتغيَّر لصالح حكم ذاتي أوسع، تُعطى فيه الأغلبية الألبانية المسلمة دوراً أكبر. هذا الاتجاه بدأ يُقَاوَم في صربيا. وبعبارة أخرى، كان ينظر إليه على أنه بعث للإسلام من جديد. وبرزت هذه النظرة في صربيا أكثر من بقية الجمهوريات، إذ رأى القوميون الصرب في سياسة تيتو سياسةً لتحجيم صربيا، وبالتالي تحجيم سيطرتها على كوسوفا والبوسنة والجبل الأسود. ولذلك أخذت السياسة
________________________________________

[الصفحة - 237]


الصربية المقاومة لهذه الإصلاحات، في يوغسلافيا، تصب في التحذير مما يسمَّى «الخطر الإسلامي». وأخذ أصحاب هذه النظرة يتحدَّثون عمَّا يُسمَّى بـ «التحالف الكاثوليكي ـ الإسلامي» ضد الصرب وضد الأرثوذكس في يوغسلافيا. وبعد هذه الإصلاحات، استقر وضع المسلمين في يوغسلافيا، ثم أخذ عدد المسلمين يزداد في يوغسلافيا بشكل ملفت للنظر، منذ عام 1971 إلى عام 1991، إذ أصبحوا يشكلون ربع السكان، ويشكلون الأغلبية القوية لوحدتين فدراليتين هما كوسوفا والبوسنة.
هذا الموضوع أخذ يتحوَّل في الصحافة الصِّربيَّة إلى موضوع مفضَّل للحديث عن انبعاث الخطر الإسلامي في يوغسلافيا، باعتبار أن المسلمين، من خلال مؤسسات عدم الانحياز، ومن خلال صلاتهم بإيران والدول العربية والإسلامية الأخرى، يحاولون مرة أخرى بعث الإسلام ونشره في يوغسلافيا، وأخذت الإحصائيات تثبت، إن استمر هذا العدد بالتزايد، أن يوغسلافيا، في عام 2030م.، سيصبح فيها عدد المسلمين 50%، وفي عام 2050م. سيصبح فيها المسلمون الأغلبية. وهكذا ينتهي المشروع اليوغسلافي الذي هو صربي في جوهره. ينتهي، إذا صح التعبير، إلى مشروع إسلامي.
هذا التخويف، أو هذا التنفير، من تصاعد الوجود الإسلامي، يمكن، في مثل هذه الحالة، أن نعدّه أحد أسباب المشكلة. وهكذا لا يمكن أن نفسِّر ما حدث في البوسنة من مآسٍ في غياب هذا التحريض الذي آتى ثماره تحضيراً للمجازر ضد المسلمين التي حدثت في البوسنة، والتي حدثت لاحقاً في كوسوفا. إن الصحافة الصربية قامت بحملة منظَّمة لتقنع الصربيين بأن الخطر الإسلامي قادم، وإذا لم نتخلَّص منه، فسيُقضى علينا من جديد كما حدث في معركة كوسوفا عام 1389م.، أي كما قضى علينا العثمانيون الأوائل، سيأتي الآن العثمانيون الجدد، ويقضون علينا من جديد.
الأستاذ إبراهيم الموسوي:
أشكر الدكتور محمد الأرناؤوط على هذا البحث القيِّم الذي قدَّمه. والآن، نبقى مع جانب آخر من جوانب المشكلة، أي مع المحور الثاني من
________________________________________

[الصفحة - 238]


محاور هذه الندوة، وهو: طبيعة الصِّراع الدائر في كوسوفا، هل هو صراع مصالح أو صراع هويّات وحضارات؟ وما هو موقع هذا الصراع في الصراع الدائر في العالم، بعد تفرُّد أمريكا بقيادة النظام العالمي وقيام الصَّحوة الإسلامية؟ ومَنْ لهذا المحور أفضل من سماحة العلامة السيد محمد حسن الأمين ليتناوله، فليتفضَّل...
السيد محمد حسن الأمين:
... في بداية حديثي، أودّ أن أنوِّه بدعوة مجلَّة «المنهاج» وإدارتها إلى هذه الندوة، التي أضافت الكثير من المعلومات إلى معلوماتنا عن مسلمي البلقان، سواءٌ في مجال الواقع والمرحلة الراهنة للمسلمين وقضيتهم هناك، أم في المجال التاريخي لتشكُّل المسلمين وتكوّنهم في تلك المنطقة الحساسة من العالم. وأقرّ، بدايةً، أنّ معلوماتنا، نحن المعنيين في شأن حركة النهوض الإسلامي، ليست كافيةً، على مستوى وجود المسلمين وملابساته وتطوّره في تلك المنطقة، وهذا ربما كان مظهراً من مظاهر التراجع في الشُّعور التوحيدي والبِنْيَويّ للأفراد المسلمين تجاه نسيج هذه الأمَّة الإسلامية التي يؤمنون، حقاً، أنها أمَّة واحدة إذا اشتكى منها عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحمّى، وفق توصيف الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) للمسلمين..
مثل هذه النَّدوة مظهر من مظاهر وجود حركة نهوض إسلامي حقيقي؛ ذلك أن الاهتمام بالمسلمين الألبان، مسلمي تلك المنطقة من أوروبا، بالنسبة لنا هنا في لبنان ولغيرنا من المسلمين الذين يعيشون بصدقٍ وبمرارة قضية الإسلام في هذا العالم، هو مؤشِّر من مؤشِّرات النهوض الإسلامي، لدرجة نرجو أن تكون فاعلة وأن تكون متقدمة في المستقبل.
وحسناً أن تنيط الندوة بي الكلام على طبيعة الصراع الدائر في كوسوفا، وهل هو صراع مصالح أو صراع هويات وحضارات؟ وبالتالي: ما هو موقع هذا الصراع الدائر في العالم، أو ما موقعه من الصراع الدائر في العالم بعد تفرُّد أمريكا بقيادة النظام العالمي وقيام الصحوة الإسلامية؟
جميع محاور هذا العنوان هي محاور ذات أهمية بالغة، فنحن في الحق، من الذين يشهدون هذه المرحلة من تاريخ العالم، ويعيشون مفارقة
________________________________________

[الصفحة - 239]


واضحة تتمثَّل في أن عالمنا المعاصر يشهد ما يسمَّى بالاتجاه نحو العولمة، وفي الوقت نفسه يشهد، كما لم يشهد في أي مرحلة سابقة من تاريخه المعاصر، يقظة غير عاديَّة للهويَّات وللقوميَّات، أو للهويّات القومية والمذهبية والدينية والإثنية على نحو ملفت للنظر. وأيضاً، فإن عالمنا المعاصر يشهد نقلة نوعية، أو مفصليَّة من مفاصل تاريخه الحديث، تتجلَّى في انهيار نظام القطبين العالميين وقيام نظام عالمي ذي قطبٍ واحد، وهذا القطب الواحد يتمثل اليوم بالولايات المتحدة الأمريكية.
لهذا علاقة بالحساسية القائمة الآن والتي لمسناها من خلال حديث الدكتور أرناؤوط، وسنلمسها بطبيعة الحال من خلال إلقاء المزيد من الأضواء على قضيَّة كوسوفا وعلى قضيَّة يوغسلافيا، وعلى الصراع الصربي بصورة عامَّة. سنلاحظ أنّ هناك حساسية تاريخية ومعقَّدة جداً تجاه المسلمين، وتجاه المشروع الإسلامي الحضاري، من قبل الاتجاهات والإثنيات العصبيَّة والعنصرية التي تمارس اليوم ضد مسلمي كوسوفا، هذا الإلغاء الفظيع لهذه الهوية الطبيعية العريقة في هذه المنطقة. أقول: إن عالمنا المعاصر يشهد ما يُسمَّى بقيام النظام الواحد، أي النظام العالمي الواحد. وفي الوقت الذي يطرح فيه شعار نظام عالمي واحد يدرك طارحو هذا الشعار، أنه لا يمكن إلغاء خصوصيات معينة للحضارات وللشعوب وللأمم المنتشرة في هذا العالم، ولا يمكن بالتالي مصادرة هذه الخصوصيات لصالح خصوصية واحدة هي الحضارة الأمريكية، أو الحضارة الغربية التي نشأت مؤخَّراً في حساب تاريخ نشوء الحضارات الإنسانية.
من هنا نلاحظ أنَّ التعامل مع البروز الواضح للهويَّات الخاصَّة، ومنها الهوية الإسلامية، يعمل على تنفيذ مشروع الإلغاء ومشروع المصادرة، بحجة أن العالم يتجه نحو شكل من أشكال الوحدة لا يسمح بهذا البروز الواضح للهويّات الخاصة وللهويات القومية والدينية، وخصوصاً في منطقة تُعَدّ مهمة ومركزية بالنسبة للنظام العالمي وهي أوروبا. هذا يفسِّر، إلى حدٍّ بعيد، الهجمة على المسلمين في كوسوفا.
________________________________________

[الصفحة - 240]


وليست أمريكا التي تقود الحرب، الآن، في يوغسلافيا، بحجة حماية كوسوفا البريئة، بعيدة عن إثارة هذا النمط من الحساسية العنصرية وتشجيعها ضد المسلمين في كوسوفا، لأنه من الطبيعي أن الهجمة الأمريكية والغربية على الإسلام، بصورة عامة، سوف تكون أشد وأكبر عندما يتعلَّق الأمر بوجود هذا الجيب الإسلامي في أوروبا.
ومن قراءتنا التاريخية المعاصرة، لاحظنا أن الكثيرين ممن اضطلعوا بعملية التعبئة ضد المسلمين في يوغسلافيا، يعني في كوسوفا، كانوا يعتمدون الوسائل المضلِّلة والتحريضية ضد الإسلام، واصفين الوجود الإسلامي في أوروبا بأنه رأس حربة من أجل استيلاء هؤلاء المسلمين المتعصِّبين على عالمنا المعاصر، وإن عملية مواجهة المسلمين هناك، بحكم هذا التحريض، وُصفت بأنها عملية إنسانيّة، ما يعني أنهم كانوا يضفون على الأعمال العنصرية البغيضة للحرب الدائرة ضد المسلمين هناك الكثير من السمات والملامح الإنسانية، بحجة أن هذه الحرب إنما تريد أن تخلِّص العالم من إمكانيَّة انتصار المسلمين في هذه المنطقة.
أقول: إن التدخُّل الأمريكي في الصِّراع الدائر، في كوسوفا، قد يلتبس على بعضهم، ويجد صعوبةً في توصيفه؛ إذ إنه يبدو في ظاهره كأنه نوع من العمل الدولي للدفاع عن المسلمين في كوسوفا.
يبدو الأمر كذلك في الوقت الذي تحتشد فيه الذاكرة السياسية والذاكرة المعاصرة بكثيرٍ من المبادرات الخطيرة التي كانت، باستمرار، تتجه نحو ضرب توجهات المسلمين، ونحو إحباط المشروعات الإسلامية التي تتجه إلى نوع من الوحدة والتضامن؛ وذلك هو طريق الولايات المتحدة الأمريكية نفسها التي «تدافع» عن مسلمي كوسوفا في تلك المنطقة هذه المرة!
نحن نرى أن ما يجري، في يوغسلافيا، هو تعبير عن صراع حقيقي في الهويات المختلفة، وبالتالي هو جزءٌ ممَّا يتعرَّض له الإسلام في عالمنا المعاصر وفي المرحلة الراهنة من عالمنا المعاصر، وهو يدخل في نطاق التوجه نحو إلغاء الفاعليات الإسلامية بصورة أساسية، بالإضافة إلى أن ما يجري هناك ينسجم انسجاماً تاماً مع العقلية الأمريكية التي تؤمن بصراع الحضارات، ولا تؤمن بحوارها.
________________________________________

[الصفحة - 241]


إنَّ مشروع النظام العالمي، بقيادة أمريكا، من مصلحته أن يطرح ما يسمَّى بشعار الشرعيَّة الدَّولية، والشرعية الدَّولية بوصفها تجسيداً لهذه الوحدة العالمية. ولكنه باستمرار كان يحوِّل هذه الشَّرعية الدَّولية إلى أداةٍ من أدوات تحقيق مآربه ونفوذه، أو تحقيق مآرب السِّياسة الأمريكية ونفوذها، لصالح استكمال حلقات النِّظام العالمي الجديد، بقيادة أمريكا.
التدخُّل الأمريكي في منطقة البلقان، وفي يوغسلافيا، لم يكن تدخُّلاً بكراً، أو جديداً، في شأنٍ هامٍ وعالمي خارج مساحة الولايات المتحدة الأمريكية، بل هو يأتي في الدرجة الثالثة، أو الرابعة، من التَّدخُّلات التي حصلت من قبل القوات الأمريكية، نخص بالذِّكر منها التدخُّل الفاضح للقوات الأمريكية في تحالفٍ مع القوات الدَّولية الغربية الأوروبية في منطقة الخليج. هنا أودُّ أن أشير إلى أن المشروع الأمريكي ما زال هو هو.
ما يمارسه، اليوم، عندما يتدخل في يوغسلافيا لا يختلف عمَّا هدف إليه وخطَّط له عندما تدخل بصورةٍ مباشرة في منطقة الخليج، في الحرب العراقية ـ الكويتية التي كانت مناسبةً افتعلتها أمريكا من أجل الدخول إلى هذه المنطقة، وبناء أوَّل قاعدة من قواعد النظام العالمي الجديد في منطقة الشرق الأوسط.
استطاع الأمريكان أن يقيموا قاعدة للنظام الدولي في هذه المنطقة، القاعدة الأخرى التي يُقيمونها، الآن، يختارون لها أوروبا نفسها، لأنه لا يجوز أن ننسى أن أمريكا التي تريد أن تتفرَّد بقيادة النظام العالمي الجديد لا تخشى المسلمين فقط، ولكنها تخشى مراكز قوى في هذا العالم المعاصر، تمثل أوروبا إحداها.
ومن الغريب أنّ من يتتبَّع ردود الفعل السياسية للتدخل الأميركي في يوغسلافيا حالياً، يتعجَّب من هذه الرّدود التي اتّسمت في الدّول الغربية بطابع النفاق في كثيرٍ من الأحيان تجاه السياسة الأمريكية، في الوقت الذي تعبِّر فيه الصحافة الأوروبية ومراكز الثقافة الأوروبية عن بالغ استيائها من التدخل الأمريكي في أوروبا.
وكانت توضح أن هذا التدخل لا علاقة له جوهرياً بموضوع تحرير إقليم كوسوفا من العدوان الصربي عليها، وإنما هو وضع جسر للإمساك
________________________________________

[الصفحة - 242]


بهذه المنطقة، أي التدخُّل لإيجاد ما يسمّونه سابقة في التدخل العسكري في أوروبا نفسها، بالمعنى الذي سوف يخضع أوروبا أيضاً لمنطق النظام العالمي الجديد، الذي هو أمريكي صرف، ولا يمكن أن يكون الأوروبيون شركاء فيه، بالنَّحو الذي كان الاتحاد السوفيتي شريكاً إبان الحرب الباردة.
إنَّ ما يجري في أوروبا ليس لصالح يوغسلافيا، وليس لصالح المسلمين، وليس لصالح قيام كوسوفا الدولة من جديد وتحريرها من أطماع الرئيس اليوغسلافي ميلوسوفيتش، الذي استطاعت أمريكا بطبيعة الحال أن توجِّه ضربات قاسية له ولدولته.
لكن أمريكا لا تعاقبه من أجل المسلمين في البلقان، وإنما هي تهدف إلى إرساء القواعد الهامة والضَّرورية لمشروع ما يسمَّى بالنظام العالمي الجديد، بقيادة أمريكا.
إن أمريكا تريد قواعد لها في كل منطقة. لديها قاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وقد استطاعت الجيوش الأمريكية أن تتواجد بصورة ميدانية في هذه المنطقة، وهذا شرط من شروط السيطرة الفعلية لمشروع النظام الدولي الجديد. وتريد قاعدة الآن في يوغسلافيا.
وهنالك، كما تعلمون، توجُّه نحو قيام قواعد جديدة لهذا النظام الدولي في أماكن متعدِّدة وكثيرة، على الأقلّ في منطقة كوسوفا الآن، فإن الإدارة الأمريكية استطاعت أن تستفيد من المشكلة التي يعاني منها المسلمون تجاه القيادة اليوغسلافية، واستطاعت أن تستفيد من عواطف الكثير من المسلمين الذين رأوا الضَّربات التي وجهتها للمسلمين في مناطق أخرى في الشرق الأوسط، ومن خلال الكيان الصهيوني، ها هي تعيد لهم في كوسوفا بعضاً مما لهم من ديون في عنقها.
بطبيعة الحال، أنا أعتقد أن الصَّحوة الإسلاميَّة تتوفَّر على مستويات من الوعي تمكِّنها من أن لا تكون ضحية لهذا اللَّون من الإعلام الأمريكي، فإن أمريكا لا يمكن أن تعمل لصالحنا، أو لصالح أي فئة أخرى، إنها تعمل لصالح مشروعها الأساسي، وهو الهيمنة على هذا العالم على قاعدة ما يسمَّى بنظامٍ عالميٍ جديد تبشِّر به أجهزة الإعلام وتبشِّر به المؤسسات السياسية والثقافية والعلمية والفنية على جميع المستويات.
________________________________________

[الصفحة - 243]


ونحن المسلمين في مقدِّمة الذين يستهدفهم هذا النظام العالمي الجديد، إنه يستهدف هذه الصَّحوة، ويستهدف هذه الخصوصيات الإسلامية الحضارية التي باتت بحاجة إلى أن تستيقظ وتعبر عن ذاتها تعبيراً سياسياً، ويحتاجها أيضاً العالم نفسه، العالم بحاجةٍ إلى هذه الخصوصيات الحضارية الضرورية في عصرنا الراهن. ويحتاج إليها مشروع حوار الحضارات في عالمنا الراهن.
بهذا المعنى نستطيع القول إن أمريكا، بمشروعها المتعلِّق بإقامة النظام العالمي الجديد، تريد أن تستند إلى دفع عمليَّة صراع الحضارات، وليس حوار الحضارات، إلى أعلى مستوياتها، لأن ذلك سيكون الوسيلة الوحيدة من أجل أن تستسلم هذه الهويات المتعدِّدة إلى ما يفرضه النظام العالمي الجديد.
وإنني، في ختام حديثي الرامي إلى الإجابة عن السؤال: «هل الحرب في كوسوفو صراع هويّات وحضارات أم مصالح؟»، أذكّر بأن السِّياسة الأمريكية، وعلى لسان أحد أهم استراتيجيِّيها الكبار، وهو وزير الخارجية الأسبق «كسينغر»، تعلن أن مهمة قيادة هذه المنطقة، ينبغي أن توكل إلى النظام العالمي الجديد وأداته إسرائيل.
قال «كيسينغر» إبان حرب الخليج، وفي مقالة نشرها في مجلة «نيوزويك» الأمريكية المعروفة، وهو يتحدَّث عن هذه المنطقة، منطقة الشرق الأوسط، ويحلِّل بنيتها ويقترح مستقبلها: إنَّ هذه المنطقة هي منطقة شعوب وقبائل تتناحر منذ أكثر من ألفي عام. وإن هذه المنطقة ليس بوسعها أن تشكِّل وحدة عضوية باسم أمَّة أو باسم وحدة عربيَّة أو إسلامية.
وستبقى منطقة تناحر واقتتال... مهمة النظام العالمي الجديد تتمثل في أن يقود هذا الاقتتال والتناحر لا أن يلغيه. أن يخفف من أزماته، لا أن يحلّها. ويقترح أن تمارس إسرائيل هذا الدور في هذه المنطقة، أي تمارس مهمة قيادة عمليَّات التناحر والاقتتال بين الشعوب والقبائل والإثنيات والعصبيات والمذهبيات الموجودة في هذه المنطقة.
رهان السياسة الأمريكية، وهي امتداد لسياسة الاستعمار في المنطقة، يتمثَّل في أن تكون هذه المنطقة منطقة صراعات من أجل السيطرة عليها أكثر فأكثر. أمَّا رهاننا نحن فيتمثَّل في يقظة المسلمين ويقظة العالم الإسلامي ويقظة
________________________________________

[الصفحة - 244]


الهوية الإسلامية، هذا الرهان هو الردّ الطبيعي على هذا التحدي الاستعماري التاريخي. والهدف المفروض أن يتحقق يقظة شاملة لعلّ من مظاهرها هذا التعاطف، ولو على المستوى الفكري والوجداني، مع قضايا المسلمين التي تبعد عنّا من حيث الجغرافيا، ولكنها تشعرنا بقدر كبير من أهمية الترابط والتبادل.
السيد إبراهيم الموسوي:
نشكر لسماحة السيِّد كلمته القيِّمة، وننتقل إلى المحور الثالث الذي كان قد سبق وسُلِّط الضَّوء عليه خلال كلمة الدكتور أرناؤوط. يتعلق هذا المحور بـ «تركيا والبلقان، من الدولة العثمانية إلى الجمهورية، موقعها ودورها في الصراع الدائر في البلقان وفي النظام العالمي الجديد». ويسعدنا أن يتناول هذا المحور الدكتور محمد نور الدين، فليتفضَّل.
الدكتور محمد نور الدين:
الشكر لمركز الغدير على هذه النَّدوة التي يشرِّفني أن أكون واحداً من المشاركين فيها، مع اثنين من أعلام التاريخ والفكر، سماحة السيد محمد حسن الأمين والدكتور محمد الأرناؤوط الخبير في شؤون البلقان ويوغسلافيا، وهو بالمناسبة خرِّيج جامعة «برشتينا» عاصمة كوسوفا..
لا شكّ في أن موضوع الإسلام في البلقان، كما تفضَّل الدكتور أرناؤوط، واسع جداً، وسوف أركّز حديثي في الموضوع، المحور الذي كُلِّفت بالتحدث عنه، وهو: تركيا في البلقان: من الدولة العثمانية إلى الجمهورية العلمانية
تبدأ علاقة تركيا والأتراك بالبلقان من الاسم. ففي قاموس «أوقيانوس» التركي أن أصل كلمة «بلقان» تركيّ، وتعني الجبل المغطَّى بالغابات الكثيفة، وقد أطلقت على هذه المنطقة من جانب الأتراك العثمانيين. لذا يحاول بعضهم، تجنُّباً لاستخدام اللفظة التركية، الإشارة إلى المنطقة باسم: جنوب شرق أوروبا.
أبعد من الرابطة اللغوية، علاقة تركيا بالبلقان هي علاقة التاريخ والتحدّي، وخط زحل الحضارات بكل أبعادها العرقية والدينية والثقافية. وإنجاز الأتراك، ومن الضروري هنا إضافة العثمانيين المسلمين، الأساسي والحقيقي، لم يكن في فتح بلاد الشام
________________________________________

[الصفحة - 245]


وشمال أفريقيا، ولا في وراثة لقب خادم الحرمين الشريفين ونقل الخلافة إلى اسطنبول، ولا في المواجهة السياسية والمذهبية مع صفويّى إيران الشيعة، وهؤلاء، للمناسبة، كانوا قبائل تركمانية، أي أبناء عم للأتراك العثمانيين فالإنجاز الحقيقي للعثمانيين كان في المقلب الآخر من الأناضول، في تخوم أوروبا الجنوبية الشرقية، في شبه جزيرة البلقان.
وقد حقَّقوا معظم هذا الإنجاز قبل السيطرة على سوريا ومصر والجزيرة العربية. لذا كانت فتوحات الأتراك العثمانيين في البلقان جهاداً بكل معنى الكلمة، بخلاف ما هي عليه العلاقة بين الأناضول وبلاد الشام وبين الأناضول وإيران وبين الأناضول والجزيرة العربية.
أسس العثمانيون دولتهم عام 1299م، ونحن نحتفل هذه السنة بالذكرى المئوية السابعة لتأسيسها. وبعد ذلك بنحو نصف قرن، كان الجنود العثمانيون، المسلمون، يطأون بأقدامهم لأول مرة، فاتحين، أرضاً أوروبية، هي جزيرة غاليبولي في العام 1354م. وأقول، فاتحين، لأنه قبل ذلك بثمانية أعوام، كان خمسة آلاف جندي تركي يعبرون إلى أوروبا، بطلب من الإمبراطور البيزنطي لمساعدته في إحدى معاركه.
وبعد ذلك بعشر سنوات، في العام 1364م، كانت أولى طلائع المستوطنين العثمانيين تنتقل من الأناضول إلى البلقان لتبدأ مسيرة الوجود التركي فيه. وهذا يمثل الشكل الأول من التوطُّن التركي الإسلامي في البلقان كما ذكر الدكتور أرناؤوط. وفي خلال أقل من قرن، كان العثمانيون يُحكِمون السيطرة على معظم البلقان المعروف حالياً: اليونان، صربيا، بلغاريا، مقدونيا، ألبانيا، رومانيا، المجر، جزر المتوسط مثل قبرص ورودس، وصولاً إلى بولندا وقلب النمسا وضفاف الأدرياتيك.
فكانت معارك فاصلة، تقع، من زاوية إسلامية، في خانة مثيلاتها مثل اليرموك والقادسية، وما عجز عنه الأمويون والعباسيون، كان للعثمانيين شرف تحقيقه: فتح القسطنطينية عام 1453م، وقبلها في العام 1389م موقعة كوسوه الشهيرة. وقد مرّ الأحد، 20 حزيرانر يونيو يوم ذكراها العاشرة بعد الستمئة.
علاقة تركيا بالبلقان، إذن، علاقة جهاد وبذل ودم. وبعد خروج
________________________________________

[الصفحة - 246]


المسلمين من أسبانيا في العام 1492م، انحصرت علاقة أوروبا بالإسلام في علاقتها بالأتراك. وعلى امتداد قرون، اقترنت في أوروبا كلمة «تركي» بكلمة «مسلم» وكلمة «مسلم» بكلمة «تركي». ولم يعد هناك فاصل بين الكلمتين: كان في وسع الأوروبي أن يتصوّر وجود عربي مسلم وعربي مسيحي، لكنه لم يكن ليتصوّر أن يكون التركي مسيحياً أو أن يوجد مسيحيون أتراك.
والوجود التركي في البلقان، ببعده الحضاري ـ الديني، كان مؤثراً حتى على تشكّل النظرة الأوروبية إلى المفهوم القومي والحضاري لأوروبا. بل يمكن القول، وفقاً لأحد المؤرِّخين الأوروبيين، إن منشأ الشعور بالهوية الأوروبية المشتركة ما كان ممكناً لولا الفتوحات العثمانية والتحدِّي الذي حملته. وفي العام 1994م، يقول الوزير الفرنسي السابق جان فرنسوا دينيو، إن أوروبا، قبل العام 1453م، كانت مصطلحاً جغرافياً، وبعد فتح الأتراك القسطنطينية أصبحت أوروبا مصطلحاً سياسياً وحضارياً وثقافياً ودينياً. ورغم انحسار السيطرة التركية عن معظم البلقان لم يمّح «الجرح» العثماني من الذاكرة الأوروبية. ففي العام 1983م، في الذكرى المئوية الثالثة لاندحار آخر هجوم تركي على فيينا وبدء العد العكسي للوجود التركي في البلقان، كان البابا الحالي يوحنا بولس الثاني يحيي، وفي ساحة فيينا الرئيسية، أبطال الدفاع عن المدينة وعن أوروبا المسيحية في وجه «البرابرة»، أي العثمانيين.
بعد خمسمئة عام على السيطرة التركية في البلقان، في منتصف القرن التاسع عشر، كان عدد المسلمين فيه نحو أربعة ملايين ونصف المليون نسمة، أي نحو 5,37 في المئة من مجمل سكان البلقان، من بينهم مليونا تركي ومليون و300 ألف ألباني و600 ألف بوسني و440 ألف تركي.
تفكَّكت الدولة العثمانية نهائياً عام 1918م، بعد مسيرة انحلال قاربت مئة عام. واستطاعت فلول الجيش العثماني أن تلملم نفسها، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، في جمهورية جديدة، في 29 تشرين الأول رأكتوبر 1923، رسمت حدودها معاهدة لوزان في 24 تموزر يوليو 1923. وفي الحدود الجديدة للدولة كانت تركيا تحتفظ بإحدى
________________________________________

[الصفحة - 247]


صفاتها المتعددة، وهي الصفة البلقانية، ليس من ناحية جغرافية فحسب، بل من نواح عدة، تشكل أداةً للتأثير في الخريطة البلقانية، على غير صعيد ومستوى.
احتفظت تركيا بمساحة هي 23764هـ كلم‏2 من أراضٍ أوروبية ضمن حدودها، والتي تعرف بتراكيا الشرقية. وهذه المساحة أكبر من مساحة دول بلقانية بكاملها: سلوفينيا (20251 كلم‏2) والجبل الأسود (13812 كلم‏‏2) وكوسوفا (10900 كلم2)‏ وفويفودينا (21800 كلم‏2) وأقل قليلاً من مقدونيا (25713 كلم‏2) ومن ألبانيا (28 ألف كلم2).
والحضور الجغرافي التركي في البلقان، حضورٌ استراتيجي. فتركيا بوابة البلقان إلى آسيا، ومشكلاتها الجغرافية مع اليونان تحدّد جانباً مهماً من علاقاتها مع البلقان. ومضيقا البوسفور والدردنيل هما صلة وصل أو فصل، لشبه الجزيرة البلقانية مع آسيا.
الحضور الجغرافي التركي في البلقان، حضور أساسي، وإذا كان التاريخ، بحسب مونتسكيو، يصنعه الإنسان فإن الجغرافيا هي التي تصنع الإنسان.
العامل الجغرافي يجعل تركيا دولة بلقانية. لكن تركيا لم تكن بلقانية بفعل جغرافيتها فقط.
في العام 1992م، تحدث ثلاثة أساتذة صرب، في ذروة الحصار الصربي لسراييفو، معتبرين أن ما يفعله الصرب هو الانتقام من موقعة كوسوه عام 1389م وتحرير أوروبا من الأتراك. وذهب مذهبهم وزير الإعلام الصربي حين وصف الصرب بأنهم المحاربون الصليبيون الذين يحمون أوروبا من الإسلام والعالم من المؤامرة الإسلامية.
ليس مسلمو البلقان جميعهم أتراكاً، بل هم، على العكس، أقلية. لكن التوحّد في نظرة أوروبا إلى المسلمين في البلقان على أنهم جزء من الإرث العثماني فالتركي، وأنهم اليوم امتداد أو أذرع لتركيا، ما زال يقع في قلب الرؤية الأوروبية. ولا أعتقد أن ذلك ناشى‏ء من فراغ.
وعلى سبيل المثال، فإن الألبان الذين قدّموا نزعتهم القومية، عندما كانوا مسيحيين وبعدما دخل معظمهم الإسلام، وحاربوا بالتالي في موقعة كوسوه 1389م وفي 1912م ضد الأتراك المسلمين، لم
________________________________________

[الصفحة - 248]


يجدوا، حين كانت تضيق بهم السبل، إلا تركيا ملجأ لهم.
بين عامي 1878 و1918م، غادر البلقان مليون ونصف المليون مسلم، من مختلف الأعراق، البوسنية والألبانية والبلقانية،... الخ، وبعد تأسيس الجمهورية عام 1923م، واستقرار الأوضاع نسبياً، وصل إلى تركيا حتى العام 1989م أيضاً نحو المليون ونصف المليون مهاجر مسلم من أعراق مختلفة. والقسم الأعظم منهم وفق اتفاقات دولية كما ذكر د. أرناؤوط مع بلغاريا وصربيا واليونان.
تركيا بقيت تشكل، لأغلبية مسلمي البلقان، عنواناً رئيسياً للتطلع وللحماية. ومن هنا يكتسب الدور التركي أهمية بالغة في البلقان من خلال المجموعات المسلمة المنتشرة فيه. ولم تفلح خمس وسبعون سنة من التجربة العلمانية في تركيا لا في تغيير النظرة الأوروبية إلى إسلامية تركيا، ولا في تخلي مسلمي البلقان عن النظر إلى تركيا بوصفها أباً روحياً ومادياً لهم، ولا في امتناع أنقرة عن سياسة استخدام مسلمي البلقان، ركناً أساسياً من أركان استراتيجيتها في المنطقة.
وتبدو أهمية ورقة المجموعات في البلقان، أكثر وضوحاً في ضوء حجم هذه المجموعات.
ففي ألبانيا يؤلِّف المسلمون نحو ثلاثة أرباع السكان (مليونان ونصف المليون من أصل ثلاثة ملايين و240 ألفاً) وفي البوسنة فهرسك يوجد مليونا مسلم من أصل 500,4 ملايين، وفي مقدونيا 800 ألف مسلم من أصل 300,2 مليوناً (ثلث السكان)، وفي كوسوفا مليونان من أصل 800,2 مليوناً (ثلثا السكان).
وفي بلغاريا مليون ونصف المليون مسلم من أصل عشرة ملايين (نحو 15 في المئة من السكان). وفي اليونان 130 ألفاً من أصل 12 مليوناً. وفي الجبل الأسود 200 ألف من أصل مليون (أي نحو خمس السكان) وفي رومانيا 270 ألفاً من أصل 22 مليوناً.
أي أن المسلمين يؤلفون أكثرية ساحقة في ألبانيا وكوسوفا، ويشكلون نصف السكان في البوسنة والثلث في مقدونيا والثمن في بلغاريا. ويصل مجموع المسلمين في كامل منطقة البلقان إلى تسعة ملايين ونصف المليون مسلم يضاف إليهم عشرة ملايين مسلم
________________________________________

[الصفحة - 249]


تركي يقطنون المنطقة البلقانية من تركيا، ليصل مجموع مسلمي البلقان إلى 19 مليوناً.
وحتى لا يحصل التباس بين الانتماء الديني لمسلمي البلقان وانتمائهم العرقي نوضح أن مسلمي البلقان خارج حدود تركيا البلقانية، والبالغ عددهم تسعة ملايين يتوزعون عرقياً كما يأتي:
5,200,00 مليون ألباني: (مليونان ونصف المليون في البانيا، مليونان في كوسوفا و700 ألف في مقدونيا).
مليونان من البوسنيين (البوشناق) وجميعهم في البوسنة ـ هرسك.
مليون و725 ألفاً من الأتراك (مليون ونصف في بلغاريا، 100 ألف في مقدونيا، 100 ألف في اليونان، 25 ألفاً في كوسوفا) و30 ألفاً من البوماق في اليونان.
أي أن نسبة المتحدرين من العرق التركي خارج حدود تركيا في البلقان هي مليون و725 ألفاً من أصل تسعة ملايين، أي نحو سدس مسلمي البلقان.
بمعنى أن الانتماء العرقي بمفرده لا يستطيع أن يكوّن قاعدة صلبة في الاستراتيجية التركية في البلقان، إلا في بلغاريا. بل أكثر من ذلك، فإن النظر من زاوية عرقية إلى الشأن البلقاني لن يكون في مصلحة تركيا، في ظل النزعة القومية القوية لدى أكبر مجموعة مسلمة في البلقان وهم الألبان. وعلى سبيل المثال، فإن أتراك كوسوفا وعددهم لا يتعدى الخمساً وعشرين ألفاً، ويتمركزون في مدينة بريزرين، يشكون من اضطهاد الألبان المسلمين لهم، وهم ليسوا مع انفصال كوسوفا عن يوغسلافيا التي منحتهم حقوقاً ثقافية كاملة بعد إلغاء الحكم الذاتي في كوسوفا عام 1989م، بعدما لم يكن ذلك متوافراً لهم في ظل سيطرة الألبان الكوسوفيين على الإقليم في أثناء فترة الحكم الذاتي بين عامي 1974م و1989م. بل إن ألبان كوسوفا، وفقاً لما ورد في صحيفة تركية عام 1997، يضعون نصب أعينهم هدف جعل أتراك كوسوفا ألباناً، فف«نحن ألبان أولاً ثم مسلمون» يقول أحد الألبان.
بعد تأسيس الجمهورية عام 1923م، انكفأت تركيا على نفسها لتثبيت دعائم الجمهورية الوليدة
________________________________________

[الصفحة - 250]