البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

علم الکلام بین الذم والمدیح

الباحث :  الأستاذ أحمد سامح علي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  11
السنة :  السنة الثالثة خريف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  623

علم الکلام بین الذم والمدیح

الأستاذ أحمد سامح علي (*)

يعرِّف علماء الإسلام المراد من علم الكلام بأنه العلم الذي يتضمَّن الذَّود عن العقائد الإيمانية بالأدلَّة العقلية، والرَّدُّ على المبتدعة المنحرفين، في اعتقاداتهم، عن مذاهب السلف وأهل السنّة.
وقد يسمَّى هذا العلم، أيضاً، بعلم التوحيد، من حيث أنه يتناول بالدرجة الأولى الدفاع عن عقيدة التوحيد في الإسلام، إضافة إلى العقائد الدينية الأخرى التي لا بد للمسلم من أن يؤمن بها كالإيمان بالغيب والرُّسل والوحي والقضاء والقدر، وما إلى ذلك.
وقد كان من الطبيعي فبعدما سبق من تعريفات لعلم الكلام وإحاطة بأغراضه، التي يتضح أنها أغراض نبيلة يقبلها كل مسلم يغار على دينه من كيد الكائدين وإلحاد الملحدين فكان من الطبيعي أن يكون هذا العلم من العلوم المرغوب فيها، بمقتضى الشرع والعقل، وأن تكون مدارسته وتعلّمه من الأمور التي يتقرب بها المسلم إلى ربه وينال بها رضاه.
لكن الذي حدث أن موقفاً آخر على النقيض من ذلك قد جرى بشأن علم الكلام والمشتغلين به، من جانب عدد غفير من العلماء الذين لهم أقدارهم ومكانتهم في الفقه الإسلامي والعلوم الدينية!
فقد قال الإمام الشافعي (رض) في شأن ذلك العلم: «لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب، ما عدا الشرك باللَّه، خيرٌ له من أن يلقاه بشي‏ء من علم الكلام»!
وقال، أيضاً، في شأن العلماء المشتغلين به: «حكمي، في أصحاب الكلام، أن يُضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر. ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام»!
وقال الإمام أحمد بن حنبل فمن دون تحفظ أو تحرّج ـ في شأن طائفة المتكلِّمين: «علماء الكلام زنادقة، ولا يُفلح صاحب الكلام
________________________________________
(*)کاتب من مصر.

[الصفحة - 321]


أبداً»! حتى أنه قد روي عنه أنه هجر الإمام الحارث المحاسبي ـ رغم زهده وورعه ـ لتصنيفه كتاباً يرد فيه على أهل الابتداع في دين اللَّه!
أما الإمام مالك فقد قال: «لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع»، وكان يقصد بهؤلاء أصحاب الكلام على أي مذهب كانوا!
وقال أبو يوسف، تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان: «من طلب العلم بالكلام فقد تزندق». إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تنحصر في ذم الكلام وأهله‏ (1) .
وقد كانت حُجَّة القوم، في ذلك، أن الحديث في فنون علم الكلام كالحركة والسكون والجوهر والعرض والجزء والطفرة وغير ذلك، يُعدُّ بدعة من البدع، وضلالة من الضلالات التي حدثت في الدين.
فلم يؤْثر عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأصحابه شي‏ء من الكلام في هذه الأمور المبتدعة، وهذا يفسّر على أحد أمرين: أولهما أنهم لم يعلموا هذه المسائل الكلامية ولم يدروا عنها شيئاً، وثانيهما، أنهم قد علموها ثم سكتوا عنها ولم يتكلموا فيها، وكلا الاحتمالين يدل على أن الحديث في ذلك شرّ لا يرجى منه خير، لأنه لو كان خيراً ما جاز للنبي وصحابته أن يجهلوه على الاحتمال الأوَّل، أو أن يسكتوا عنه مع علمهم به على الاحتمال الثاني، لأنّ الجهل بالأمور النافعة، أو السكوت عنها، لا يليق بالنبي وأصحابه، وبخاصة في ما يتعلق بأصول الدين والشريعة!
والحقُّ أن هذه الأقوال والحجج التي ساقها المعترضون على علم الكلام والمشتغلين به، فيها الكثير من المغالطة والإجحاف بهذا العلم الجليل وأهله!
فهو العلم الذي يعتمد أساساً على العقل وأدلَّته في محاجّة الكفار وأهل الأهواء والبدع، والعقل ميزان اللَّه في أرضه وحجَّته على عباده يوم الحساب.
وهو العلم الذي يُستدلُّ به على معرفة اللَّه تعالى وتوحيده. وكيف تحرَّم معرفة اللَّه بالدليل، وكيف يكون ذكر الحُجَّة والمطالبة بها والبحث عنها أموراً محظورة، وقد قال اللَّه في كتابه: { قُلْ: هاتُوا بُرْهَانكم } [البقرة/111] ؟! وقال تعالى: { إنْ عِنْدَكُم مِنْ سُلْطَانٍ بهذا } [يونس/68] أي حجة وبرهان،
________________________________________
(1)راجع: إحياء علوم الدين، دار الحديث، ح1، ص 153.

[الصفحة - 322]


وقال تعالى لنبيه (صلي الله عليه و آله و سلم): { وجَادِلْهم بالتي هي أحسن } [النحل/125] .
وقد كان دأب الأنبياء دائماً جدال الكفار والمنكرين، وصولاً إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ونذكر مثالاً على ذلك ما جاء في قوله تعالى في شأن أبي الأنبياء ابراهيم (عليه السلام): { أَلَمْ تَرَ إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربِّه أَنْ آتَاه اللَّهُ المُلْكَ، إِذْ قَالَ إبراهيمُ: ربِّيَ الذي يحيي ويُمِيتُ. قال: أنا أحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإنَّ اللَّهَ يأتي بالشَّمْسِ من المَشْرِق فأتِ بها من المَغْرِب، فَبُهت الذي كفر } [البقرة/258] .
وكذلك ما جاء في شأن نوح (عليه السلام) من مجادلته قومه حتى قالوا له: { يَا نُوحُ قد جَادَلْتَنا فأَكْثَرْت جِدَالنا فَأْتِنا بمَا تَعِدُنا إنْ كُنْتَ من الصَّادقين } [هود/32] .
وقد ورد عن النبي محمد(صلي الله عليه و آله) أن أحد المشركين قد جاءه حين نزل قوله تعالى: { إنَّكُم وما تَعْبُدون من دون اللَّه حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتُم لها واردون } [الأنبياء/98] قائلاً له: إذن يا محمد، فعيسى وعُزير والملائكة في النار لأنهم معبودون، فرد عليه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مجادلاً بالحق: لا، لأن اللَّه تعالى يقول: { إنَّ الَّذِين سَبَقَتْ لَهُم منَّا الحُسْنَى أولئك عَنْها مُبْعَدُون }[الأنبياء/101] (2) ، هذه جميعها صور من المجادلات مع أهل الكفر والمعاندين، والتي هي أساس علم الكلام في الإسلام.
أمَّا ما يمكن أن يقال، في الرد على إنكار المعترضين لمصطلحات علم الكلام من الجوهر والعرض والحركة والسكون وما إلى ذلك، وعلى قولهم بأنه لم يرد عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولا الصحابة شي‏ء من التلفظ بهذا الكلام، فهو ما قاله المتكلمون من أنه ما من علْم إلا وقد أُحدث فيه مصطلحات لأجل الإفهام والتوضيح، كعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وغير ذلك من العلوم، ولم تكن تُعرف هذه المصطلحات على عهد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وصحابته، فلا حرج إذن في إحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح، ولو كان كل ما لم يتكلم فيه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) والصحابة يُعدّ بدعة وضلالة، فبالقياس على ذلك يكون قول هؤلاء المعترضين قبلاً في قضية مثل قضية خلق القرآن بأن القرآن غير
________________________________________
(2)تفسير الجلالين، ص 275.

[الصفحة - 323]


مخلوق يعد بدعة كذلك، لأنه لم يرد عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وصحابته القول بذلك!
ونحن، إذا نظرنا إلى أدلة المتكلمين وبراهينهم في إثبات العقائد، نجد أن أغلبها مستوحى من الأدلة الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة، ما يدل على شرعية منهجهم وعلى الأصول الإسلامية التي يعتمدون عليها في طرق تفكيرهم.
فمن ذلك ما قرره المتكلمون في الاستدلال على وحدانية اللَّه تعالى، إذ أن أغلب براهينهم في إثبات هذه العقيدة راجع إلى الآية القرآنية الكريمة: { لَوْ كانَ فِيْهِمَا آلهةٌ إلاَّ اللَّه لفَسَدَتا } [الأنبياء/22] .
ومن ذلك، أيضاً، دليلهم على البعث، فقد اتخذوه من قوله تعالى: { قَالَ: مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وهي رَميْم، قل: يُحْيِيها الذي أنشأها أول مرة } [يس/78 و79] ، فكانت الإعادة كالبدء لأنها من معناها!
أمَّا دليل المتكلِّمين في الرد على الكفار الذين قالوا باستحالة البعث من التراث، لأن الحياة حارَّة والتراب المتخلف من الأجسام بارد يابس فلا يمكن الجمع بين الحياة والتراب ففقد اتخذوه من الآية القرآنية { الذي جَعَلَ لَكُم من الشَّجر الأخضر ناراً فإذا أنتُمْ منه توقدون } [يس/80] ، فكان خروج النار على حرّها ويبسها من الشجر الأخضر على رطوبته ونداوته دليلاً على جواز ما حكم الكفار باستحالته من خروج الشي‏ء من نقيضه! وقد استوحوا دليلهم للبرهنة على حدوث العالم من قصة سيدنا ابراهيم (عليه السلام) حينما رأى كوكباً من السماء: { قَالَ: هذا رَبِّي، فَلمَّا أَفَلَ قال: لا أحبُّ الآفِلين * فَلمَّا رأى القَمَرَ بَازِغاً قال: هذا ربِّي، فَلَمَّا أَفَلَ قال: لَئِنْ لم يَهْدِني ربي لأكونَنَّ من القَوم الضَّالين * فَلمَّا رأى الشَّمْسَ بازِغَةً، قال: هذا ربِّي، هذا أكبر، فَلَمَّا أفلَتْ قال: يا قومِ إني بري‏ءٌ ممَّا تُشْرِكون } [الأنعام/76 - 78] .
وذلك لأن إبراهيم (عليه السلام) قد استدل بالحركة والسكون وكذلك الانتقال والأفول لكل من الكوكب والقمر والشمس على أن أياً منهم لا يصح أن يكون إلهاً لأنه متغير، والإله يجب أن يكون خالياً من هذه التغيرات التي تدل على حدوثه، فقال المتكلمون: في هذا دليل إذن على
________________________________________

[الصفحة - 324]


حدوث العالم وعدم قدمه، لعدم خلوّه من التغيرات والحركة والانتقال إلى غير ذلك.
واستدل المتكلمون كذلك على خطأ من قال بأن الجزء يتجزأ إلى ما لا نهاية من الآية القرآنية الكريمة: { وكُلُّ شي‏ءٍ أَحْصَيْنَاه في إمامٍ مُبِيْن } [يس/12] ، وقالوا: إن هذا القول بتجزّىّ الجزء إلى ما لا نهاية لو كان صحيحاً لما أمكن إحصاء شي‏ء مع تصريح القرآن بإحصاء كلِّ شي‏ء!
ثم استدلّوا في الردّ على الدهريّة بالحديث الشريف الوارد عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، والذي يعترض فيه أعرابي على النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) حين قال: «لا عدْوى ولا طيرة» فقال الأعرابي: «فما بال الإبل كأنها الظباء تدخل في الجربى فتَجْرب؟» فرد عليه الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) قائلاً: «إذن فمن أعدى الأول؟!» فقال المتكلمون: في تلك الإجابة من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على الأعرابي ما يصلح رداً على فرقة الدهرية القائلين بأن ما من حركة إلا وقبلها حركة إلى ما لا نهاية!
وبعد، فمن كل هذا الذي بينَّاه من شرعية علم الكلام وضرورته في حياة المسلمين، يتضح لنا ما سبق أن ذكرناه في بداية الحديث من أن هذا العلم يعتبر من العلوم المرغوب فيها وغير المنهي عنها شرعاً، وتعد مدارسته وتعلُّمه من الأمور التي يتقرب بها المسلمون إلى ربهم، حيث يتمكَّنون من الدفاع عن عقيدة الإسلام من كيد المغرضين والمبتدعين،
وذلك ما أكده حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه: «المنقذ من الضلال» حينما قال: «ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة، فنطقوا بها وكادوا يشوِّشون عقيدة الحق على أهلها، فأنشأ اللَّه تعالى طائفة المتكلِّمين وحرّك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة، فقاموا بما ندبهم اللَّه إليه، وأحسنوا الذبّ عن السنة والنِّضال عن العقيدة» (3) .
________________________________________
(3)المنقذ من الضلال، ص 35، 36، ط. الجندي.

[الصفحة - 325]