البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إشکالیة المنهج في دراسة القصة السبئیة وقفة مع آراء الدکتور ابراهیم بیضون

الباحث :  الأستاذ سلیم الحسني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  11
السنة :  السنة الثالثة خريف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1092

إشکالیة المنهج في دراسة
القصة السبئیة
وقفة مع آراء الدکتور ابراهیم بیضون

الأستاذ سلیم الحسني (*)

في كتابه: «عبداللَّه بن سبأ.. إشكاليَّة النَّص والدَّور الأسطورة»، يحاول الدكتور ابراهيم بيضون أن يدرس مواقف الباحثين المعاصرين من شخصية عبداللَّه بن سبأ، فيقسمهم إلى منحازين ومشكِّكين ورافضين.
والمهم في موضوع ابن سبأ هو ما يتصل بالموقف من شخصيَّته، فالمنحازون لوجوده، بوصفه حقيقة تاريخية، لا يمثلون رأياً جديداً باعتبار أن هذا هو الرأي السائد والمتوارث عبر الأجيال، إنما المهم هو الموقف الرافض لوجوده من خلال الدليل العلمي. أمَّا التشكيك في وجوده فلا يمكن أن يكون رأياً قاطعاً في المعيار التخصصي للبحث التاريخي، فهو محاولة انتظار مؤقتة ريثما يصل الباحث إلى الموقف الحاسم في الرفض أو القبول.
وعلى هذا فستكون مناقشتنا لما جاء في الكتاب متركِّزة، بالدرجة الأساس، على الطريقة التي فهم بها الدكتور بيضون آراء السيِّد مرتضى العسكري في كتابه «عبداللَّه بن سبأ»، باعتبار أن العسكري هو أول الباحثين الذين رفضوا وجود شخصية ابن سبأ، استناداً إلى أدلة موسعة وجد فيها دليلاً على كونه وهماً صنعه سيف بن عمر. هذا إضافة إلى كون الدكتور بيضون تعرض لمناقشة آراء السيد العسكري في غير موضع من كتابه. والكتاب صدر عام 1997م عن دار المؤرخ العربي، في 126 صفحة من القطع المتوسط، والكتاب في الأصل يضم دراستين نشرهما المؤلف في مجلة المنهاج الصادرة عن مركز الغدير للدراسات في بيروت، العددان الأول والثاني، ربيع وصيف 1996م.
الملاحظة الأولى: في القسم الأول من الكتاب يقول المؤلِّف، في معرض حديثه السريع عن المواقف المعاصرة التي تعاملت مع موضوع ابن سبأ:
«غير أن الشك يصبح يقيناً لدى مؤرخ معاصر، وهو السيد مرتضى
________________________________________
(*)رئيس تحریر مجلة الفکر الجدید الصادرة في لندن.

[الصفحة - 303]


العسكري الذي تصدّى، على نطاق واسع، لشخصية ابن سبأ، متوِّجاً جهوده بكتاب قارب فيه المنهج العلمي، وقد صدر في ستينات هذا القرن تحت عنوان: «عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى». نقول: قارب هذا المنهج، لأن الدخول كلياً فيه يقتضي الحيادية التامة وعدم الانطلاق من فكرة قائمة في تفسير التاريخ؛ إذ إن العسكري يتعامل مسبقاً مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفَّقة هدفها النيل من علي، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي، في حين أن المؤرخ محكوم، من حيث المبدأ، بالعودة إلى النص، وأي استنتاج يصل إليه إنما يكون من داخل النص وليس بعيداً عنه» (ص 24).
ونسجِّل، على هذا القول الذي ساقه الدكتور بيضون، أن السيِّد العسكري ليس مؤرِّخاً، هذا إذا رجعنا إلى المعنى الدقيق للكلمة، وكذلك إذا راجعنا مؤلفات العسكري وتأملنا في مواضيعها وتخصُّصها. وقد أدرج العسكري مؤلفاته في نهاية الجزء الأول من كتابه، تحت عنوان: «موسوعة دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)»، وهذا العنوان فيه دلالة كافية على أن هدف المؤلِّف هو تمحيص السنة النبوية الشريفة، وهو هدف واسع من ناحية المنهج، فتمحيص السنة يعني تناول كل ما يتعلق بالمصدر الثاني بعد القرآن الكريم من تشريع ومعارف إسلامية.
وعلى هذا فإن البحث التاريخي أحد معالم المنهج العام للسيد العسكري، وليس كل منهجه التخصصي حتى يوصف بأنه مؤرِّخ. وقد أثر هذا الوصف الذي فرضه بيضون على العسكري، وكرره كثيراً، على مجمل دراسته وتقييمه لآراء العسكري، وأغلب الظن، أنه لو تنبَّه إلى عدم دقة هذا الوصف، لكانت مناقشته غير ما جاءت في كتابه. وهذا ما سيتضح أكثر في ما يأتي من مناقشتنا.
الملاحظة الثانية: إن إصرار الدكتور بيضون على كون العلامة العسكري مؤرِّخاً، جعله يقول إنه قارب المنهج العلمي، لأنه تعامل مع الموضوع على أساس الحكم المسبق، ويستند الدكتور بيضون في هذا الحكم على مقدمة كتاب «عبداللَّه بن سبأ» بقوله: «ولكن الانحياز الذي يتجلى،
________________________________________

[الصفحة - 304]


ابتداء من المقدمة في الكتاب، وذلك على قاعدة الرفض المطلق لوجود هذه الشخصية، جعل منه طرفاً «مقاتلاً»، أكثر منه مؤرِّخاً هادئاً يتوخَّى فقط الحقيقة التاريخية» (ص 24).
وكرَّر هذا القول في غير موضع، فقد كتب يقول:
«وكما أشرنا، في القسم الأول من دراستنا، فإن العسكري تناول شخصيته رافضاً لوجودها منذ البداية» (ص 99).
وفي ختام مناقشته لكتاب العسكري كتب يقول:
«وقد شكَّل ذلك مدخلاً إلى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلَّت في السطور الأولى من الكتاب» (ص 102).
وملاحظتنا، على الدكتور بيضون، أن الدراسات العلمية الأكاديمية اعتاد مؤلِّفوها على تلخيص نتائج دراساتهم في المقدمة، وأن هذا المنهج يلتزم به كل باحث أكاديمي، ولعله يعرف جيداً، وهو الأستاذ الجامعي، أن كتابة نتائج الرسائل والأطروحات الجامعية بشكل موجز في المقدمة، يعدّ منهجاً معتمداً في الجامعات. وهذا المنهج الأكاديمي اعتمده الأستاذ العسكري، عميد كلية أصول الدين، في كتاب عبداللَّه بن سبأ وغيره.
بل إن هذا المنهج درج عليه العلماء في مختلف العصور، ويتسنَّى التأكد من ذلك بمراجعة سريعة لكتب التاريخ والتفسير وعلوم القرآن والحديث والعقائد، وغيرها من مجالات المعرفة الإسلامية. وعلى هذا، فإن ذكر نتائج البحث في المقدمة لا يعني أبداً الانطلاق من أحكام مسبقة، لا سيما إذا كان البحث يقدّم نتائج جديدة، ففي هذه الحالة كيف يمكن أن نصف الباحث بأنه انطلق من حكم سابق؟
يضاف إلى ذلك، فإن قسماً من الدراسات تستدعي المنهجية العلمية تلخيص النتيجة في المقدمة، ليلم القارى‏ء بالبحث، فهو ليس أمام رواية مسلِّية يسير معها بشوق من أجل أن يعرف النهاية، إنما هو أمام بحث علمي قابل للمناقشة والحوار والقبول والرفض، ومسؤولية الكاتب أن يرشد
________________________________________

[الصفحة - 305]


القارى إلى أفكاره، ويسهِّل عليه مهمة استيعاب آرائه وفهمها. وما فعله العسكري أنه كتب خلاصة سريعة لنتائجه، وفي ذلك اعتمد المنهج الأكاديمي المطلوب.
لقد فات الدكتور بيضون فعلى ما أظن ـ أن يقرأ الأسطر الأولى من مقدمة الطبعة الأولى من كتاب «عبداللَّه بن سبأ» والتي ظلت مثبتة في جميع طبعات الكتاب اللاحقة، وفيها يقول المؤلف ما نصه:
«في سنة 1369هـ، بينما كنت أراجع قسماً من المصادر الإسلامية، جرياً وراء مواضيع كنت أبحث عنها، رابني ما وجدت في بعض الروايات الواردة في أشهر الكتب التاريخية القديمة وأكثرها انتشاراً، من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعة، فأخذت أجمع تلك الروايات المريبة وأقارن بينها وبين غيرها، وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثنائه وضاعت في تياراته...».
ويستمر العسكري، في مقدمته، يتحدث عن تاريخ كتابه، فيقول إنه سمَّى كتابه أولاً «أحاديث سيف»، ثم اقترح عليه المرحوم الشيخ راضي آل ياسين أن يسميه «عبداللَّه بن سبأ»، ولم يسارع العسكري إلى نشر كتابه، بل إنه أبقاه قرابة سبع سنين، وكان يمنعه من نشره تهيُّبه من إثارة العواطف، لكنه بعد أن اطلع على كتاب الدكتور طه حسين: «الفتنة الكبرى»، وكتاب العلامة الشيخ الأميني: «الغدير»، ووجد أنهما تطرقا إلى بعض ما كان يتهيب نشره، أقدم على نشر كتابه: «عبداللَّه بن سبأ»، عام 1375هـ .
هذا ما ذكره الأستاذ العسكري في مقدمة الطبعة الأولى، ومنها يتضح أنه توصل إلى هذه النتيجة من خلال البحث، ولم تكن نتيجة حكم مسبق. إن مقولة الحكم المسبق في موضوع عبداللَّه بن سبأ، يمكن أن تنطبق على من يأتي بعد العسكري، أما هو فلا يمكن تقييمه على هذا النحو، لأنه قدَّم عملاً علمياً يصدق وصفه بالإبداع بحكم النتائج التي سبق غيره في التوصل إليها من خلال الدليل العلمي، ولا يصح أن نصف الأعمال الإبداعية والنتاجات العلمية التي تأتي بجديد، بأنها منطلقة من أحكام مسبقة.
________________________________________

[الصفحة - 306]


أقول: أغلب الظن أن الأستاذ بيضون لم يقرأ المقدمة، ولو أنه قرأها لما وصف العسكري في مواضع عديدة بأنه ينطلق من حكم مسبق، وربما لم يسترسل في ملاحظاته الأخرى.
الملاحظة الثالثة: يفهم الدكتور بيضون هدف السيد العسكري في كتابه: «عبداللَّه بن سبأ» على النحو التالي؛ حيث يقول:
«إذ إن العسكري يتعامل مسبقاً مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفَّقة هدفها النيل من علي، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي» (ص 24).
يبدو لنا أن الدكتور بيضون لم يقرأ الكتاب كاملاً بمجلَّديه: الأول والثاني، ولا نسأله عما إذا كان قد قرأ كتاب العسكري: «خمسون ومئة صحابي مختلق» أم لا، لأن بحثه كان عن عبداللَّه بن سبأ، وإن كان الكتاب الثاني لا ينفصل عن الأول. والذي يجعلنا نقول هذا أن كتاب «عبداللَّه بن سبأ» بمجلَّديه الأولين، لم يبحث فيهما المؤلف الأسطورة السبئية، إنما أشار إليها بشكل سريع في مقدمات الكتاب، لإيضاح منهجه ونتائجه، وأن الأسطورة السبئية خصص لها المؤلف مجلداً ثالثاً، لم يطبع بعد يحمل عنوان: «عبداللَّه بن سبأ والأسطورة السبئية)، وفيه يدرس السيد العسكري تفصيلات الأسطورة وكافة ملابستها.
وأغلب الظن فمرة أخرى ـ أن الدكتور إبراهيم بيضون لم يقرأ أيضاً مقدمة المجلد الثاني، من «كتاب عبداللَّه بن سبأ»، وفيها يبدأ العسكري القول عن طريقة تعامله مع أحاديث سيف، وكيفية تطور فهمه لدوره، حيث كتب يقول:
«في دراساتي الأولى لأحاديث سيف ظننت أن سيف بن عمر يروم ففي ما يضع من رواية، ويختلق من أسطورة ـ الدفاع عن ذوي السلطة والجاه من الصحابة، والحط من مناوئيهم فحسب...
وأنه استطاع أن يخفي هدفه وعمله تحت غطاء من نشر مناقب عامة الصحابة، وكذلك الدفاع عن عامتهم..
وأنه، بسبب ذلك، راجت رواياته وشاعت، ونسيت روايات أخرى صحيحة وأهملت حتى اختفت
________________________________________

[الصفحة - 307]


من مصادر الدراسات الإسلامية، وأن ذلك أضرّ بالإسلام والمسلمين! فلما تبين لي كل ذلك خلال دراساتي الأولى حاولت أن أكشف عن هذه الحقائق دفاعاً عن أبرار الصحابة... وأوردت خلاصات عن بعض أبحاثي في كتاب «عبداللَّه بن سبأ» وطبعته عام 1375هـ بالنجف الأشرف.
ثم تابعت دراساتي عن سيف وأحاديثه، فتبين لي بعد ذلك أن سيف بن عمر لا يهدف الدفاع عن وجهاء الصحابة ويخفي هدفه وراء التظاهر بالدفاع عن عامة الصحابة كما يبديه وحسب، بل يدفعه إلى ذلك أمران آخران:
أولاً: يدفعه التعصب القبلي إلى تمجيد العدنانيين ونشر فضائلهم، ثم الوقيعة في القحطانيين من قبائل اليمن ونشر معايبهم...
ثانياً: تدفعه الزندقة إلى تشويش معالم التاريخ الإسلامي، وتشويه حقائقه، ولذلك صحّف أسماء كثيرة وحرّف أخبارها، وغيّر سنيّ الحوادث التاريخية، واختلق الأساطير وقلب الحقائق، ودسّ الخرافات في عقائد المسلمين...
وعندما أدركت ذلك أخذت أشير إلى أهدافه في ما استدركته على كتاب «عبداللَّه بن سبأ» في طبعته الثالثة ببيروت، وفي ما نشرته من أبحاث في كتاب «خمسون ومائة صحابي مختلق».
هذا ممَّا جاء في مقدمة المجلد الثاني من كتاب «عبداللَّه بن سبأ»، وقد أوردنا هذه النصوص لإيضاح الصورة أمام الدكتور بيضون، ولنبيّن له أن قوله بأن «العسكري يتعامل مسبقاً مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفَّقة هدفها النيل من عليّ، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي»، لم يقارب فيه إلا جزءاً يسيراً من الحقيقة، لأن العلامة العسكري تعامل مع دور سيف بشكل شامل، ولم يقف في مجلَّديه المطبوعين من الكتاب عند الأسطورة السبئية، إنما تناول دور سيف في تشويه حقائق التاريخ وعقائد المسلمين والأثر الخطير الذي ترتب على ذلك، وهذا ما تناوله الأستاذ العسكري في بحوث مختلفة من كتبه الأخرى.
الملاحظة الرابعة: يصف الدكتور ابراهيم بيضون، عبارات الأستاذ العسكري التي جاءت في
________________________________________

[الصفحة - 308]


مستهل كتابه، بأنها «متوترة»، ويحدد السبب في ذلك بقوله: بأنه «جاء استجابة لهذا الموقف الذي يسارع العسكري إلى إعلانه..» (ص 42).
ذكرنا سابقاً ما يتعلق برأي الدكتور بيضون، في وصف السيد العسكري بأنه ينطلق من حكم سابق. أما وصفه لعبارات الكتاب بأنها «متوترة»، فقد استند فيها إلى نقل نصوص متفرقة من مستهل كتاب «عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى»، واختار المقاطع التي يلخّص فيها العسكري الأقوال التي قالها المؤرخون حول ابن سبأ والسبئيين، والتي تبدأ بكلمات، مثل «زعموا، سمّوا»، ولم نجد في النصوص التي اختارها الدكتور بيضون، وفي ما كتبه العلامة العسكري في تلخيص تلك الأقوال في كتابه، ما يوحي بالتوتر، إلا إذا كان الدكتور بيضون يرى كلمة «زعموا» وكلمة «سمّوا» من الكلمات التي تستخدم في اللغة العربية بما يفيد «التوتر» وأنها كلمات «متوترة». ولا نريد الخوض في ذلك، إنما نقول: إن المنهج العلمي الأمين في تلخيص الآراء يقضي بنسبتها إلى أصحابها إما بأسمائهم أو بشكل عام، وهذا ما فعله العسكري، فقد لخص الآراء بشكل عام، ثم عاد ونسبها إلى أصحابها بأسمائهم وكتبهم في حديثه عن مصادر الأسطورة السبئية. وفي مثل هذه الحالة لا بد من استخدام كلمات تبيِّن أن الرأي يعود لجماعة زعموه.
الملاحظة الخامسة: يقول الدكتور ابراهيم بيضون:
«وكما أشرنا في القسم الأول من دراستنا، فإن العسكري تناول شخصيته رافضاً لوجودها منذ البداية، دون أن يأخذ بالنقد الرواية أو ينتهي إلى استنتاج بشأنها. فقد استهل كتابه بما يشبه التمهيد له، بعنوان «الأسطورة السبئية»، طارحاً أربعة أسئلة وهي: من هو ابن سبأ، من هم السبئيون، وما هي دعواه، وما هي أهم أعماله؟ هذه الأسئلة الكبيرة لم تأخذ من الكتاب سوى ست صفحات، ولا نبالغ إذا قلنا إنها لم تجب على أي منها» (ص 99 - 100).
ويكفي أن نقول، للدكتور بيضون، إنه لو قام بمراجعة ما كتبه الأستاذ العسكري في مقدمة المجلد الثاني، وما أورد من بحوث في هذا
________________________________________

[الصفحة - 309]


المجلد، حول ابن سبأ والسبئية وابن السوداء، كما أنه لو قرأ قائمة مؤلفات العسكري في آخر المجلد الأول من كتاب عبداللَّه بن سبأ، وفيه يدرج العسكري عنوان المجلد الثاث من كتابه، لما أثار هذا الإشكال. لقد تناول السيد العسكري، بشكل مفصَّل، شخصية عبداللَّه بن سبأ في كتب أهل الحديث وفي كتب أهل الملل والنحل، وبحث معنى السبئية ودلالاتها، وكيف أنها حُرِّفت عن دلالتها الحقيقية التي كانت تعني النسبة إلى قبائل اليمن من سلالة سبأ بن يشجب، وأصبحت تشير إلى فرقة مذهبية.
وفي هذا السياق، يثير الدكتور بيضون إشكالاً يبعث على الاستغراب، فهو يأخذ على العسكري أنه ذكر كبار السبئيين مثل: أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر ومالك الأشتر وغيرهم، مقتصراً على ترجمة كل واحد منهم، ويرى بيضون أن ذلك خارج عن الموضوع حيث يقول:
«إلا أن ترجمة هؤلاء ليست بصدد السبئية على الإطلاق. فكيف انخرطوا في هذا «الحزب»، وما كان دورهم فيه، وما كانت وجوه نشاطهم، إلى آخر هذه الأسئلة؟ ذلك ما لم تجب عليه «الترجمات»..» (ص 100 و101).
والذي يثير الاستغراب، أن إشكال الدكتور بيضون يكون صحيحاً لو أن العلامة العسكري يقول بالسبئية، ويرى فيها حقيقة تاريخية، ويرى في عبداللَّه بن سبأ شخصية لها وجودها ودورها في أحداث التاريخ. لكن العسكري يرفض ذلك كله، فكيف نطالبه ببيان علاقة هؤلاء الصحابة بالحزب السبئي الذي يراه حزباً وهمياً من الأساس؟ وهو إنما أورد تراجم الصحابة السبعة، ليكشف عن محاولة النيل من أبرار الصحابة، وكيف أن سيف بن عمر رماهم بتهمة لا أساس لها أصلاً حسب رأي العسكري، وردد من أخذ عن سيف هذه التهمة التي نالت من هؤلاء ومئات غيرهم من أبرار المسلمين من صحابة وتابعين.
الملاحظة السادسة: يختتم الدكتور بيضون القسم الأول من كتابه بالنتيجة التالية التي يثبت فيها رأيه حول موضوع ابن سبأ، فيقول:
«وسواء كانت هذه الشخصية موجودة بالفعل، أم أنها تلفيق من
________________________________________

[الصفحة - 310]


إنتاج التواتر الإخباري المعقَّد، فإن الدور المنسوب لها لا يشكل بنظر المؤرخ العلمي تلك الأهمية التي أحيطت به. وبناء على ذلك فإن حركة ابن سبأ، بالقليل جداً من المادة حولها، من الصعب اتخاذ موقف أكثر وضوحاً بشأنها، وهي لا تعدو بالتالي أن تكون فإن وجدت فعلاً ـ على هامش المسار التاريخي، سواء بالنسبة للمعارضة بشكل عام، أو بالنسبة لعلاقتها بعليّ والتشيع بشكل خاص» (ص 43 و44).
إن هذا النص الذي كتبه الدكتور بيضون، يعني أنه لم يحدد موقفه من الشخصية موضوع الكتاب، لكنه يلجأ إلى تقييم حجمها في المسار التاريخي ويرى فيها شخصية هامشية فيما لو كانت موجودة.
لقد تعامل الدكتور بيضون مع عبداللَّه بن سبأ، على أساس تقييم هذه الشخصية من حيث قوَّة الدور الذي قامت به أو ضعفه، ولم يتعامل مع هذا الموضوع على أساس أنها شخصية حقيقية أو وهمية. لذلك كان يتجنب الدخول في المجالات التي تتطلب تحديد الموقف منها. في حين أن النقطة الأساس في هذا الموضوع تدور حول حقيقة هذه الشخصية، والخلاف الكبير والنقاشات المطولة التي دارت وتدور في الأوساط العلمية، لا تخرج عن دائرة نفي هذه الشخصية من الوجود أو إثباتها. أما تحديد حجمها وثقلها في حوادث التاريخ، فليس هو موضوع النقاش أساساً.
لقد ردّد الدكتور بيضون ما قاله الدكتور طه حسين بشأن ابن سبأ، ويبدو أنه تأثر به وأخذ رأيه عنه، وهذا ما يظهر واضحاً في التعريف بكتابه «الفتنة الكبرى»، حيث خصص في القسم الثاني من كتابه، عشر صفحات لكتاب الدكتور طه حسين، في حين لم يتحدث عن كتاب الأستاذ العسكري، سوى بأربع صفحات، مع أن الأول شكك بالشخصية، والثاني نفاها من الأساس.
إن الدكتور بيضون له الحق، كاملاً غير منقوص، في أن يتأثر بآراء طه حسين، وأن يتبنَّى رأيه في التشكيك بشخصية ابن سبأ، ولكن الذي يلفت النظر أنه يحاكم الآخرين الذين تناولوا موضوع ابن سبأ على أساس قربهم من منهج الدكتور طه
________________________________________

[الصفحة - 311]


حسين أو بعدهم عنه. وهذا ما يجده القارى لكتابه، ولو مرّ عليه مروراً سريعاً. ولا نجد ما يسوِّغ له هذا الموقف من الناحية العلمية، فالمنهج قضية واسعة جداً، وهي تمثل جزءاً من شخصية الباحث، وليس من الحق أن نفرض منهجاً لباحث واحد أو حتى لعدة منهم، على جميع الباحثين الآخرين. ويصف الدكتور بيضون النتيجة التي توصل إليها طه حسين بأنها حاسمة، مع أنه ترك الموضوع في دائرة الشك ولم يقطع في ما إذا كانت شخصية ابن سبأ حقيقيَّة أم وهمية.
الملاحظة السابعة: ظهر، في مناقشة الدكتور بيضون للأستاذ أحمد لواساني وكتابه: «نظرات في تاريخ الأدب»، أنه لا يميل إلى الطَّعن بشخصية سيف ورواياته، الدكتور بيضون يرى في سيف: «أحد ثلاثة أو أربعة اعتمد المؤرخون أساساً على رواياتهم فيما دونوه من أحداث القرن الأول ومعظم القرن الثاني الهجريين» (ص 96).
ثم يضيف الدكتور بيضون، في المقطع نفسه، في معرض رفضه للفكرة القائلة برفض روايات سيف، قائلاً:
«ولكن إسقاط ذلك كلياً عليه سيجنح بنا إلى المبالغة، وبالتالي سيقودنا إلى الطعن بكل الروايات التاريخية، سواء المنسوبة لسيف أو لغيره من أهل الأخبار. وليس على المؤرخ الواقعي هنا، أن يقلل من أهمية ما أورده إحسان عباس في ردّه على مرتضى العسكري بشأن سيف وطعنه بكل رواياته إذ يقول عباس...». ثم يورد نصوصاً من رسالة الدكتور إحسان عباس إلى العسكري. لكنه لم يورد ردّ العلامة العسكري على الدكتور إحسان عباس.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ذكره الدكتور بيضون حول ردّ عباس على العسكري، ينتصب دليلاً ضده وليس في صالحه، فحقيقة الأمر أن الدكتور عباس كتب إشكالاته إلى السيد العسكري في ما يتعلق بروايات سيف بن عمر، وكانت تساؤلات أكثر مما هي اعتراضات، وقد أجابه العسكري بشكل مفصل، اقتنع به إحسان عباس، وانتهى الأمر. وهذا ما يجده القارى في رسالة عباس وردّ العسكري عليها في نهاية المجلد الأول من كتاب: «عبداللَّه بن سبأ».
________________________________________

[الصفحة - 312]


وللدكتور بيضون عذره فلعله لم يبلغه موقف إحسان عباس بعد قراءته لجواب العسكري.
لكننا مع ذلك نسجل على الدكتور بيضون ملاحظتين:
1 - إن الكثرة والقلة، في عدد الإخباريين الذين يمثلون مصدر الروايات التاريخية، لا شأن لهما بالوثاقة، ولم تدخل هذه الناحية في عملية التوثيق عند المتقدمين والمتأخرين.
2 - إن كلام الدكتور بيضون فيه إيحاء باجتناب البحث قدر الإمكان في وثاقة ما جاء في مصادر التاريخ الإسلامي، وهذا ما ألمح إليه في غير موضع من كتابه، فهو يميل إلى اعتبار الشك في الرواية الموقف الكافي والنهائي للباحث، ولقد كتب ذلك في معرض ثنائه على النتيجة التي توصل إليها الدكتور طه حسين والتي شكك فيها بوجود شخصية ابن سبأ، حيث قال: «وكان ذلك أقصى ما يمكن للمؤرخ القيام به» (ص 115).
الملاحظة الثامنة: يطرح الدكتور بيضون فكرة تستدعي التوقف، وهي علاقة المؤرخ بالنص التاريخي، وقد أخضع لفكرته هذه كل مناقشاته وتقييماته، ولا سيما في ما يتعلق بآراء السيد العسكري. كتب يقول:
«.. إن المؤرِّخ محكوم من حيث المبدأ بالعودة إلى النص، وأي استنتاج يصل إليه إنما يكون من داخل النص وليس بعيداً عنه» (ص 24).
ويقول، في خاتمة كتابه، في تلخيصه للنتائج التي توصل إليها، أن العسكري «رأى في ابن سبأ مجرد أسطورة وشخصية مختلقة في الأساس. وهو فكما رأيناف منطلق من نظرة اجتهادية مسبقة إلى هذه الشخصية. وليس من دراسة نقدية للرواية التاريخية التي تفرّدت بذكرها. أي أن هذا المؤرخ لم يعترف بالنص الذي اعتبره مدسوساً، كما الشخصية نفسها، لتشويه صورة التشيع والدور الذي اتخذه عليّ في الأحداث السابقة على اغتيال الخليفة عثمان» (ص 117).
وقال في خاتمة كتابه:
«إذ ليس عليه فأي المؤرخ ـ اتخاذ قرار بشأن أي من الأحداث دون العودة إلى النص التاريخي الذي وحده يقرر بعد دراسته مدى الواقعية التي
________________________________________

[الصفحة - 313]


ينطوي عليها، وهي نسبية في شتى الأحوال.
وفي ضوء ذلك فإن المسألة لا تبقى محصورة بوجود ابن سبأ أو عدم وجوده، لأن المؤرخ لا خيار له في النهاية سوى التعامل مع النص كأمر واقع» (ص 116).
إن الدكتور ابراهيم بيضون، في هذه الفقرات، يخالف ما كتبه في بحثه: «قراءة نقدية لمناهج الدراسات التاريخية في صدر الإسلام»، المنشور في مجلة المنطلق في عددها (61، جمادى الأولى، 1410هـ)، حيث كان يأخذ على الأستاذ حسن ابراهيم حسن في كتابه «تاريخ الإسلام» تأثره بالنص التاريخي، والتزامه به، فقد كتب عنه يقول:
«.. ولكنه مأخوذ بالنص أكثر مما يجب، وربما مستسلم له في بعض الحين، مفسحاً له مجال السيادة المطلقة على السياق، دون أن يمسها موقف ما من جانب المؤلف، أو يخترقها نص آخر من روايات أخرى تتناول الحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة... ولعل أبرز دلالات هذا الاتجاه، ما ذكره على سبيل المثال عن عبداللَّه بن سبأ وتأثير «حركته» في الصراع السياسي الذي تعود جذوره إلى عهد الخليفة عثمان، في وقت لم تنتج هذه المسألة من تشكيك بعض الكتاب من جيل المؤلف طه حسين، إذ تعرض لها كبديهة خارج النقاش، من دون العودة إلى مصادرها التاريخية».
إننا نرى اختلافاً كبيراً بين نظرتي الدكتور بيضون إلى النص التاريخي، فهو في دراسته المنشورة في مجلة المنطلق، كان يذهب إلى اتجاه يعاكس اتجاهه الحالي في التعامل مع النص التاريخي.
الملاحظة التاسعة: أخذ الدكتور بيضون على السيد العسكري أنه أورد لائحة بأسماء المروِّجين للسبئية، من دون أن يلتزم بالتسلسل الزمني، ويعقب على ذلك بقوله:
«على أن هذه اللائحة من المروِّجين، ملخصة في الجدول الذي ختم به هذا الفصل، لا تبدو مهمة بالنسبة للمؤرِّخ الذي تعنيه جذور الرواية وليس امتدادها في المراجع، إلا إذا كانت الغاية من ذلك مناقشة الأفكار الواردة فيها، وهو أمر لم أجد
________________________________________

[الصفحة - 314]


العسكري خائضاً فيه أو مقارباً له بصورة جدية» (ص 102).
يبدو أن الدكتور بيضون الذي حاول أن يسجل أي إشكال على العلامة العسكري، وله الحق في ذلك بوصفه باحثاً، كما لغيره هذا الحق أيضاً، لم يمعن النظر في هذه اللائحة، ولو أنه أمعن النَّظر في ما كتبه العسكري حول الكتب المروجة للأسطورة السبئية، لاكتشف بسهولة، أن اللائحة خاضعة للتسلسل الزمني حيث ثبت فيها السيِّد العسكري الكتب المروجة للأسطورة السبئية بدءاً من المحدثين ووصولاً إلى مصادرها الأولى، وهذا ما يبينه الجدول التخطيطي المثبت في نهاية الفصل.
والمعروف عن عميد كلية أصول الدين، السيد العسكري، أنه يلتزم بدقة بمسألة التسلسل الزمني في بحوثه، وتراجمه، وحتى ذكر مصادر كتبه، ولو قرأ الدكتور بيضون قائمة مصادر المجلد الأول من كتاب «عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى»، لوجد أنه أدرج مصادر البحث تحت العنوان التالي: «مصادر الكتاب، والمؤلفون، حسب التسلسل الزمني».
ولا أدري هل من المناسب أن نقول للدكتور بيضون الذي أورد إشكال التسلسل الزمني على السيد العسكري، إنه لم يلتزم هو نفسه بالتسلسل الزمني الذي يهتم به، في مناقشته للكتب التي تعرض لها، فبدأ بكتب صدرت بعد كتاب العسكري، بعدة عقود من الزمن، ثم أدرج كتاب العسكري، وأعقبه بكتاب حديث أيضاً صدر عام 1996م.
ونقول، أيضاً، للدكتور بيضون، في خصوص الفقرة السابقة التي كتبها: إن محاولته التقليل من أهمية لائحة المروِّجين للأسطورة، غير دقيقة، فهي مهمة في هذا الموضوع، لأن الكتاب يتناول الدور التشويهي الذي مارسه سيف في وقائع التاريخ وعقائد المسلمين، والذي تسرب إلى كتب التاريخ القديمة، ومنها إلى الكتب الحديثة، وإن مثل هذا الموضوع الحساس يستدعي التعريف بمدى اتساعه، وأننا لنأخذ على السيد العسكري عدم اهتمامه بالكتب والدراسات التي صدرت بعد إصدار كتابه، وتناولت موضوع ابن سبأ، إذ كان الأجدر به أن يدرجها في
________________________________________

[الصفحة - 315]


لائحة المروِّجين للأسطورة في الطبعات المتتالية لكتابه. ولا نطلب منه مناقشة هذه الكتب، لأن المهم هو مناقشة أصل الأسطورة، وهو ما فعله العلامة العسكري وخاض فيه بصورة جادة في المجلد الثاني المطبوع، والثالث المخطوط.
الملاحظة العاشرة: في الفقرة الأخيرة من مناقشة الدكتور بيضون لكتاب السيد العسكري، ينتهي إلى تقييم الجهد الذي قام به العلامة العسكري في كتابه، لكن تقييمه لم يقترب فيه من حقيقة مشروع العسكري وما كان يهدف إليه من وراء هذا الكتاب. ولعل مردّ ذلك يعود إلى نظرة مسبقة سيطرت على الدكتور بيضون وجعلته يفهم جهود العلاَّمة العسكري، ويقيِّمها، على أساسها.
لقد وصف الدكتور بيضون، في الفقرة الأخيرة من مناقشته، جهد العسكري بطريقة تبعث على الاستغراب بعض الشي‏ء، فهو يقول:
1 - «وإذا كان توسيع دائرة البحث ليشمل دراسة «مقارنة» لأحاديث سيف، قد قصد الكاتب من ورائه تجريد هذا الإخباري من الثقة برواياته، مما يسقط بداهة على رواية ابن سبأ «الأسطورة»، فإن هذا الموضوع لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية» (ص 102).
ثم يردف العبارة السابقة، مباشرة بالقول التالي:
2 - «ولكن ما حققه العسكري من رصد لهذه الروايات «الأحاديث» وتوثيق لها ومقارنة مع الروايات الأخرى، يعتبر عملاً جليلاً بحد ذاته».
ثم يقول بعد هذا مباشرة:
3 - «وقد شكل ذلك مدخلاً إلى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الأولى من الكتاب».
هذه العبارات الثلاث من الفقرة الأخيرة جاءت متسلسلة في سياق واحد، وقد لجأنا إلى تجزئتها لمناقشة كل واحدة منها على انفراد، وذلك في النقاط الآتية:
أولاً ـ نقول بشأن العبارة الأولى: لم يكن هدف السيِّد العسكري، في كتاب عبداللَّه بن سبأ، تجريد سيف من الثقة برواياته، من
________________________________________

[الصفحة - 316]


أجل إثبات اختلاقه للأسطورة السبئية، وإنما يأتي ذلك في سياق مشروعه في تمحيص السنة كما ذكرنا، وقد كتب المؤلف العسكري في الصفحة الداخلية بعد الغلاف، وفوق عنوان الكتاب العبارة التالية: «دراسات في سبيل تمحيص سنّة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)»، يضاف إلى ذلك أن عنوان الكتاب: «عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى» يشير إشارة واضحة لا تحتاج إلى تأمل وتدقيق، بأن الكتاب يتناول موضوع عبداللَّه بن سبأ، إضافةً إلى أساطير أخرى اختلقها سيف، وقد أورد العلامة العسكري، دراساته المقارنة لروايات سيف، ضمن هذا السياق.
ثانياً: إن تجريد سيف من الثقة برواياته لا يتطلب أن يقوم السيد العسكري، بهذا الجهد المكثف الذي استغرق أربعة مجلدات إلى الآن، وهي مجلد عبداللَّه بن سبأ، ومجلد خمسون ومئة صحابي مختلق، فإن هذه النتيجة اتفق عليها العلماء بشأن سيف، وقد انطلق منها الأستاذ العسكري في بحوثه، وخصص فصلاً لترجمة سيف قبل أن يدخل في الدراسات المقارنة لأحاديثه. وذكر رأي العلماء فيه من أمثال: يحيى بن معين، وأبي داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر، وغيرهم، وقد وصفه هؤلاء العلماء بأنه متروك الحديث، ضعيف، كذّاب، وضاع، متهم بالزندقة..
وعلى هذا فإن السيد العسكري لم يكن بصدد إثبات عدم وثاقة سيف، وعدم وثاقة رواياته في ما أورده من بحوث مقارنة، كما يتصور الدكتور بيضون، إنما كان بصدد بيان ما أحدثه سيف من تشويه لحقائق التاريخ، وكيف تسربت رواياته إلى كتب التاريخ والحديث، وأثر على عقائد المسلمين، وذلك بوصفه جزءاً من هدف كبير هو تمحيص سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم).
ثالثاً: إن عدم استيعاب الدكتور بيضون لهدف السيد العسكري، وتصوره لهدف آخر فرضه على العسكري فرضاً فكما فرض عليه تصورات أخرى ـ هو الذي جعله يقيّم البحث المقارن لروايات سيف بقوله: «لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية»، وهو تقييم ابتعد فيه بيضون كثيراً عن المنهج الموضوعي
________________________________________

[الصفحة - 317]


في تقييم الجهود العلمية، وخالف في ذلك حتى معارضي السيد العسكري أنفسهم، والذين شهدوا بأن البحوث المقارنة التي عقدها السيد العسكري في دراسته لروايات سيف قد اتسمت بالعمق والشمولية والموضوعية العلمية الحيادية.
رابعاً: في المقطع رقم (2)، يصف بيضون الدراسات المقارنة التي عقدها العلامة العسكري، لروايات سيف، بأنه «يعتبر عملاً جليلاً بحد ذاته». والذي نفهمه من هذا الوصف، مقارنة مع ما جاء في الوصف السابق، أن الدكتور بيضون لا يميل إلى إسقاط روايات سيف جميعها، ولا يريد تجريده من الوثاقة، من أجل أن يجد له مسوِّغاً لقبول القصة السبئية، أو على الأقل التشكيك بها، من دون رفضها. لذلك فإنه يرى الدراسات المقارنة للأستاذ العسكري فوهي الأولى من نوعها والتي سبق فيها غيره ـ يرى فيها بأنها لا تتسم بالعمق والشمولية، إذا كان الغرض منها التطرق لوثاقة سيف ورواياته، وفي الوقت نفسه يرى فيها عملاً جليلاً إذا كانت خارجة عن إطار توثيق سيف.
وعلى هذا فإن تقييم الدكتور بيضون للجهود العلمية، يتحدد وفقاً لقربها وبعدها من القصة السبئية، فمن يرفض القصة من الأساس ويطعن بجميع روايات سيف، يصفه الدكتور بيضون بالسلبية، ومن يترك هذا الموقف يصفه بالإيجابية. ولقد سرى هذا الموقف على جميع من رفض وجود ابن سبأ، كما يلاحظ القارى ذلك في كتابه.
خامساً: في المقطع رقم(3) يفهم الدكتور بيضون، أن ما قام به العلامة العسكري، من بحوث مقارنة، على أنه يشكل مدخلاً «إلى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الأولى من الكتاب».
نود القول للدكتور بيضون إن «القراءة الجديدة»، كما يقول، لا يمكن أن توصف بالنظرة المسبقة، بل إن «إعادة القراءة» هي التي يمكن وصفها بالنظرة المسبقة، وقد اعترف بيضون بأن قراءة السيد العسكري كانت «جديدة».
________________________________________

[الصفحة - 318]


ملاحظات في الختام‏
نلاحظ على الأستاذ الجامعي الدكتور ابراهيم بيضون، أنه اتهم، في كتابه هذا، كل من يرفض وجود شخصية ابن سبأ بأنه ينطلق من نظرة مسبقة، فلقد وصف الدكتور أحمد لواساني، بأن رفضه لشخصية ابن سبأ صادر عن «سابق تصميم». وكان الأجدر به أن لا يتسامح في إصدار مثل هذه الأحكام.
ويبدو أن الذي حدا به إلى هذا الاتجاه إعجابه بآراء الدكتور طه حسين، وقد بلغ به الإعجاب أن اعتبر تشكيك طه حسين بأنه نتيجة حاسمة، مع أن التشكيك لا يصدق عليه هذا الوصف، فهو وحسب المقاييس العلمية نتيجة ناقصة، فعندما لا يصل الباحث إلى رأي قاطع في موضوع بحثه، فإنه يجعل النتيجة في دائرة الشك والاحتمال. ولقد توقف الدكتور طه حسين عند نقطة الشك، لأنه لم يتمكن من حسم المسألة بالنفي أو الإثبات.
ونأخذ على الدكتور بيضون وصفه للدكتور طه حسين بأنه أول من أثار حول «الموضوعة السبئية» الشبهة والارتياب، فلقد سبقه في ذلك آخرون، لكن إعجابه الكبير به جعله يغض الطرف عن الذين سبقوه، كما سلب حق الذين فاقوه في التوصل إلى النتيجة الحاسمة.
لقد بلغ إعجاب الدكتور بيضون، بالدكتور طه حسين، درجة جعلته يعدّ المنهج التشكيكي له على أنه اتجاه جديد «في حركة البحث العلمي يصبح معه الشك وسيلة إيجابية لتفسير التاريخ وليس عنصر إعاقة وتشويش له». وما يراه الدكتور بيضون في منهج الدكتور طه حسين، لا يعبر عن حقيقة منهجه، فالتشكيك لم يكن عند طه حسين وسيلة للبحث العلمي من أجل التوصل للحقيقة، بل كان منهجاً قائماً بذاته، هدف من ورائه إلى إثارة الشبهات حول الثوابت الإسلامية، ومنها قضية ثبوت النص القرآني، وقد ظل على هذا المنهج، حتى فرغ من كتابه «الفتنة الكبرى»، ثم عدل عنه إلى منهج آخر تخلى فيه عن السابق، واعتمد منهجاً يبتعد عن التشكيك، ووفقه كتب «علي وبنوه» و «المعذبون في الأرض».
إن مناقشة مثل هذه المسائل الحساسة تتطلب أن يكون صاحب النقاش ممن له رأي في المسألة
________________________________________

[الصفحة - 319]


موضوع البحث، وهذا ما لم نلمسه صراحة عند الدكتور بيضون، بل نتحسسه ونتلمسه من خلال المنحى العام لكتابه، فهو يميل إلى قبول القصة السبئية، من دون أن يصرح علناً، ولعله لم يكوِّن إلى الآن رأياً محدداً بشأنها، وهذا ما جعل مناقشاته لا ترقى إلى المناقشات الأخرى التي كتبها بعض الباحثين حول هذا الموضوع، وبالتحديد مع السيد العسكري، مثل الدكتور إحسان عباس الذي دخل الحوار مع السيد العسكري، وعنده موقف محدد من الموضوع، وعندما أجابه السيد العسكري على مناقشته وإشكالاته، توقف واقتنع لأنه وجد في جواب العلامة العسكري ما يبين له الحقيقة.
والأمر نفسه نراه في الحوارات الجادة لعدد من الأساتذة الجامعيين لآراء العلامة العسكري والتي نشرتها الصحافة السعودية، فلقد تميز الكثير منها بالعلمية، مع أن المتحاورين ينقسمون إلى مؤيدين ومعارضين لآراء العلامة العسكري في كتابيه «عبداللَّه بن سبأ» و «خمسون ومئة صحابي مختلق»، لكن استنادهم إلى موقف واضح محدد بشأن القضية موضوع الحوار جعلت الكثير من المناقشات علمية جادة.
لقد أثرنا هذه الملاحظات حول كتاب الدكتور بيضون، في ما يتعلق بمناقشته للسيد العسكري بشأن كتابه «عبداللَّه بن سبأ وأساطير أخرى»، ولم نأت على إثارة ملاحظات أخرى حول الكتب التي ناقشها في كتابه، ولكن نشير في أن للدكتور بيضون طريقته في المناقشة والتي يشوبها شي‏ء من السرعة، مثلما ناقش آراء الدكتور عبد العزيز الدوري، وأطلق عليه حكماً عاماً نهائياً، حين اعتبره يعتمد في تفسير التاريخ على العامل الاقتصادي، وهو أمر ذكره الدكتور الدوري في سياق بحثه لبعض المقاطع التاريخية، مثل المجتمع الجاهلي الذي كان للعامل الاقتصادي فيه أهمية كبيرة.
إن الدكتور بيضون كانت له إثاراته الجيدة في بحوثه وكتبه الأخرى، وهذا ما لم نجده في هذا البحث، ولعل سرعة كتابته بناء على طلب من مجلة «المنهاج» التي نشرت بحثه في عدديها: الأول والثاني، لم تتح له فرصة المناقشة الدقيقة التي كان من المنتظر أن يقدمها للقراء.
________________________________________

[الصفحة - 320]