البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أطياف الغدير والمنهج الرسالي‏

الباحث :  مصطفى خميس
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  10
السنة :  السنة الثالثة صيف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1132

أطياف الغدير والمنهج الرسالي‏

مصطفى خميس‏(*)

هناك.. خلف تلال مكة، وبين شعابها..
يرنو إلى البيت العتيق.. يركع خاشعاً.
ويجثو على ركبتيه جبلُ النور. ويحكي عظمة الرسالة.
ينبى‏ء عن قصة الرحلة نحو النور الأزلي، رحلة رسول الإنسانية، محمد بن عبداللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم).
وأنت تقف أمام جبل النور، تستشفّ عوالم الرحمة والطمأنينة، تقف متواضعاً أمام هذا الشَّيخ المبجّل، وهو معتمّ بغار حراء، شامخاً فوق الغيوم.
متعالياً فوق الروابي والجبال، يعتزّ مفتخراً، ويتباهى على أقرانه بتلك العمامة المطهَّرة، التي حظيت بتعبُّد النبي المؤيّد، ورسالة النور السماوي:
{إقرأ باسم ربّك الذي خلق}
وصدرت أوامر السماء، إلى الحبيب محمَّد، بالدعوة إلى تبليغ دين اللَّه، بَدْءاً من أهل بيت الداعي وعشيرته: { وأنذر عشيرتك الأقربين } .
هناك كان اللقاء، بين سفح وقمة، ومناسك وفيوضات ربّانيّة للرحلة النبويَّة المباركة، في سعيٍ وطواف، ورميٍّ واستغفار، ضيوف على الرحمن، أوّابين وخطّائين. صبيحة يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام، تملّكنا شعور ببهجة أيام العيد، وأنها لم تنته بعد وهي تلحُّ علينا منذ الفجر الأغر، لتعود بنا الذكرى إلى العام العاشر من الهجرة، حيث وقف رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، واستوقف، وخطب وبلَّغ،
________________________________________
(*)باحث وکاتب من سورية.

[الصفحة - 120]


راسماً خطوة الرسالة، مبيِّناً الطريق الذي يجب على الأمة أن تسلكه، للنجاة من النار، والفوز بالرضوان. كان ذلك في موضع يسمى «غدير خم» بين مكة والمدينة، وهو آخر العهد ومفترق الطرق حيث يتفرَّق الحجيج إلى بلادهم.
في تلك البقعة التي تشرَّفت بموقف رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، تتلمَّس في عبقها عظمة عيد الغدير، عيد البيعة وإكمال الدّين، تقرأ التاريخ وأنت تستعيد أطياف الغدير، وتتنسم عبير الرسالة، وهدي الإمامة، وروحانيّة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
من هنا كان المنطلق.. وفي تلك الربوع انطلقت البداية.
تواتر نزول القرآن الكريم، واستمر هبوط الوحي، ومن البداية والمنطلق يأتي تمام كلمة اللَّه ورسالته، وقد أرادها اللَّه قرآناً عربياً { لعلكم تعقلون } ، رسالة هادية إلى البشرية المعذبة التائهة في ظلام الجاهلية والعبودية لغير اللَّه.
اختار عزَّ وجلَّ غدير خم بين مكة والمدينة مكاناً لإعلان الحق، بإكمال الدين وإتمام النعمة، وخلود الشريعة، ليدل على عظمة المرسل وسمو مكانة الرسول.
اختار يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ليكون موعداً للأمر الإلهي المُوحى، وهو تنصيب علي بن أبي طالب (عليه السلام) علماً للناس، إماماً هادياً مهدياً.
اكتمل الدين بنزول الأحكام ومعرفة الفرائض والشعائر والعبادات ومسائل الحلال والحرام، وتمَّت النعمة بمعرفة سبيل الهداية، وبيان القيادة الروحيّة للرسالة الخالدة، حتى لا تضيع، وذلك بانتقال الرسالة من مرحلة القيام بالحامل الشخصي المتمثِّل برسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، المتمثِّل بعلي (عليه السلام) وبالأئمّة (عليهم السلام) من بعده، وانتقال الدين من مرحلة الحدوث والتكامل إلى مرحلة البقاء والاستمرار، إتماماً لهذه النعمة العظيمة، لكي لا يكون للناس حجّة على اللَّه من بعد الرسل.
لهذا كلّه كان الغدير والولاية من أهم مقومات المنهج الرسالي للحفاظ على استمراريّته، صوناً للرسالة من التحريف، وحفظاً للشريعة من التغيير والتبديل.
فما هو المنهج الرسالي الذي تمّ في الغدير وتكاملت أطرافه؟
________________________________________

[الصفحة - 121]


وما قيمة أطياف الغدير ومنعكساتها؟
وما هو العهد الذي أكمل اللَّه به الدين والنعمة؟
هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه، وباللَّه المستعان.
المنهج الرّسالي‏
المنهج الرّسالي هو الخطوط العامة التي رسمها لنا سبحانه وتعالى، من أجل أن نسير على هداها. ودعا إليها رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وبيّنها في مواقف عديدة، بوحي وأمر من اللَّه. قال تعالى: { قُلْ هذه سَبِيْلِي أَدْعُو إلى اللَّه على بَصِيْرةٍ أنا ومَنِ اتّبعَنِي وسُبْحَان اللَّه ومَا أنَا من المُشْرِكين }[يوسف/108].
فأنزل اللَّه قرآناً مجيداً، محكماً آياته، معجزاً بذاته، وجعله سبيل هداية للناس ورحمة، ووصفه سبحانه وتعالى بأنه من حكمته وتدبيره، وعلمه ومعرفته، وهو الخبير بكل شي‏ء. فقال:
{ كتابٌ أُحْكِمَتْ آياته ثمّ فُصِّلَتْ من لَدُن حَكِيْمٍ خبيرٍ } [هود/2].
ليهدي به الناس بعد ضلالهم، وليكون حجة للمسلمين على أهل الكتاب والرسالات السماويّة السابقة. وأرسل سيّدنا محمداً (عليه السلام) نبيّاً رسولاً، وجعله خاتم النبيين، وأعطاه المكانة العظيمة، والرتبة العالية، وفضَّله على العالمين، ومنحه حقاً قانونياً بأن يكون الناطق باسمه عز وجل، والمفسّر المبيِّن لآيات كتابه العزيز، فعصمه بالوحي، وهداه لكي يحكم بما أراه اللَّه.
القرآن الكريم كتاب اللَّه الصامت، ورسول اللَّه هو القرآن الناطق، المتحرّك بين الناس، المبيِّين لأحكام القرآن، والمحافظ عليه، والهادي إلى اللَّه بإذنه إلى الصراط المستقيم.
لهذا كله فقد هيَّأ اللَّه، سبحانه وتعالى، نبيه الأعظم ليكون سبيل هداية ملازماً للقرآن الكريم، من خلال اتّحاد الفكر، ووحدة المنطلق، ومصدر الوحي والإلهام، لذلك فقد وجبت عصمة الرسول كما وجبت عصمة الكتاب، لكي يكتمل منهج الدعوة ومقوّمات الرسالة. قال تعالى: { ومَا يَنْطِقُ عن الهَوى‏ إنْ هُوَ إلاّ وحيٌ يُوحى } [النجم/3 و4].
________________________________________

[الصفحة - 122]


وقال أيضاً: { وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ } [القلم/4].
عصمه اللَّه عن الخطأ والزَّلل، حتى يثق به الناس ويصدّقوه. فكان سبيلاً للنَّجاة والرَّشاد، بشيراً ونذيراً، ومصباحاً ينير دروب المتَّقين للوصول إلى رحمة اللَّه، وإلى نوره وهدايته، لتلتقي عنده القلوب المؤمنة، الصافية من الأدران، وليشعّ منها النور الذي بدأها أول مرة ورعاها، منذ أن كانت في عالم الذرّ، وهذا كله بفضل اللَّه وعنايته، ورغبة منه في هداية العباد ونجاتهم. قال تعالى: { يا أيُّها الرَّسُولُ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شاهداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً ودَاعِياً إلَى اللَّه بإذنِهِ وسِرَاجاً مُنِيراً } [الأحزاب/45 و46] .
أراد عز وجل أن يكون القرآن الكريم جامعاً لجميع الكتب السماوية والرسالات الإلهية، وخاتماً لها، وأراد أيضاً أن يكون الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) جامعاً لكلِّ فضائل الأنبياء والرسل من قبله وصفاتهم، وخاتماً لهم.
وأنزل تبارك وتعالى القرآن، فبيّن فيه كل شي‏ء تحتاج إليه الأمة، لم يترك صغيرة ولا كبيرة، سواء منها ما يختص بالعقيدة، أم بمعاملات الناس اليومية، وطرق معايشهم وسلوكهم، من أجل بناء مجتمع العدالة والمساواة، راسماً لهم معالم الطريق في كل ذلك، بآيات صريحة، حكيمة مبيّنة، مفصّلة ومجملة، أو بتلميحات هادفة وإرشادات لطيفة، ترك بيانها وتأويلها لرسوله الأكرم محمَّد (صلي الله عليه وآله)، ومن بعده للرَّاسخين في العلم، الذين أورثهم اللَّه الكتاب والقيادة.
قال تعالى موضحاً هذه الوراثة والقيادة والمرجع:
{ والَّذي أَوْحَيْنا إليْكَ من الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ * إنَّ اللَّه بِعبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيْرٌ. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا من عبادنا * فمِنْهُمْ ظالمٌ لنَفسه، ومِنْهُم مقتصِدٌ ومِنْهُم سابقٌ بالخيرات بإذن اللَّه، ذلك هو الفَضلُ الكبير } [فاطر/31 و32].
فجاءت رسالة اللَّه إلينا شاملة كاملة، منهجاً محكماً، وديناً قويماً. قال تعالى: { ما فرَّطْنا في الكتاب من شَيْ‏ءٍ } [الأنعام/38] ، { وكلَّ شَي‏ءٍ أحْصَيْنَاه في إمام مبين } [ياسين/12] . وأراد اللَّه أن يتمّ نور الرسالة، وأن يتوِّجها بأمر عظيم، وطلب هام، جعل فيه نجاتهم وهدايتهم، بعد أن اكتملت الأحكام وأقرّت
________________________________________

[الصفحة - 123]


العبادات. وذلك بأن بيّن القيادة بعد رسوله الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) لاستمرار المنهج الصحيح، وجعل ذلك من أسباب إتمام الرسالة والنعمة ودوامهما. فأمر عز وجل نبيّه بأن يبلّغ هذا البيان وهو قافل من حجّة الوداع، ليكون عاملاً رئيسياً من عوامل استمرار الرسالة، وصونها عن التحريف والتزييف، وعصمتها من كل زيادة ونقصان. وليكون هذا الأمر عصمة للأمة من الضلال، وسبيلاً لمعرفة المنهج الصحيح، وطريق التقوى، حفظاً من التيه والضلال، فكان موقفه (صلي الله عليه و آله و سلم) في غدير خم بين مكة والمدينة قرب «رابغ»، وهذا الموقع هو نقطة افتراق الطرق التي تقود قوافل الحجيج إلى مختلف أنحاء الدولة الإسلامية وذهاب القبائل إلى بلدانها.
الغدير والرسالة
ـ لماذا الغدير؟
ـ ولماذا الوقوف في هذا الموقع في الهجير، وبعد تعب المسير؟
لمعرفة الطريق الذي يسلكه العارفون، السائرون نحو منبع الهداية والنور الإلهي، وبعيداً عن تيارات الفتن التي حكى عنها القرآن، وذكرتها السنة، كان الغدير، قال تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون * ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ من قَبْلِهم فَلْيَعْلَمَنّ اللَّهُ الذين صَدَقُوا ولْيَعْلَمَنّ الكاذِبِين }[العنكبوت/2 و3] .
فالغدير جاء بياناً للناس، وسفينة للنجاة من بحور الفتن، وأمواجها، تلك الفتن التي وصفها رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) بأنها تموج كموج البحر، وحذّر منها قائلاً: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن» (1) .
ولهذا كله كان الغدير، وكان الوقوف للبلاغ في حرّ الظهيرة وعناء السفر، فجعله اللَّه تعالى من أسباب تكامل الرسالة وعوامل صونها وديموميّتها، وعصمة للمسلمين من الفتنة والضلال. «غدير خم» اختص ببيان الولاية العامة والإمامة الكبرى بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومعرفة الولاية، والمرجعية، رعايةً لشؤون الأمة، وحفظها من التيه. وتحديد الذي يرث الكتاب ويقود السفينة إلى برّ الأمان، والنجاة من الغرق بعد تلاطم أمواج بحور الفتن.
________________________________________
(1)صحيح البخاري، ج‏1، ص 12، وصحيح مسلم، ج‏8، ص 173.

[الصفحة - 124]


أهبط اللَّه عز وجل جبرئيل (عليه السلام) ليأمر نبيه المكرَّم بإبلاغ هذا الأمر مبيِّناً أهميّته، وأن إبلاغه للناس يعادل إبلاغ الرسالة كلها، لأنه من الأهمية بمكان، وعدم إبلاغه يعني المعصية المعادلة للقعود عن تبليغ الرسالة كلها التي بُلّغت على مدى ثلاث وعشرين سنة، منذ فجر الرسالة. فأخبره جبرئيل عن الباري عزّ وجل أن يعلن للأمة أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الإمام من بعده، وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة، وأن أهل بيته عصمة من الضلال وأن ولايتهم هي ولاية اللَّه ورسوله، وأن يبلغ هذا الأمر للناس في هذا الموقف بقوله تعالى: { يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغ ما أُنْزِلَ إليك مِن رَبِّكَ، وإنْ لم تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَه واللَّهُ يَعْصِمُكَ من النَّاس } [المائدة/67].
ولأوّل وهلة، يظنّ المرء أن الآية تعني تبليغ الرسالة وهي القرآن الكريم، وهذا ما جنح إليه بعض المؤرّخين للتعمية على الحقيقة من أسباب النزول.
أنزل اللَّه عز وجل على نبيّه القرآن منجّماً (متفرِّقاً) على مدى ثلاث وعشرين سنة، وقد بلّغ جميع ما نزل منه في حينه، أي أنه قد بلّغ القرآن كلّه، وركّز أحكامه، وبيّن محكمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه.
أمَّا الطلب هنا فهو لأمر آخر، وهو وجوب تبليغ شي‏ء مستجد هو غير الرسالة قطعاً، وهذا الأمر هو من الأهميّة بمكان، وهو يعادل تبليغ كل الرسالة من حيث الأهميّة، وأن الرسول إذا قصر في تبليغه فسوف يحاسبه اللَّه، ويكون ذلك معصية منه ونقضاً لعصمته ونبوّته، فقوله تعالى: { بلّغ ما أُنْزِل إليك من ربِّك } أمر بتبليغ ما لم يكن مبلّغاً من قبل، لأن فعل الأمر فيه، يدلّ على الوجوب في الحاضر، من أجل تنفيذ أمر اللَّه، وإبلاغ ما لم يُبَلّغ سابقاً.
وكذلك فالآية هي من سورة المائدة، وهي مدنيَّة بإجماع المفسِّرين. ومن أواخر ما نزل من القرآن. إضافة إلى أن كثيراً من المفسرين ذكروا أنها نزلت في حادثة الغدير بشأن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وروى كثير من الإخباريين ذلك في كتب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). ومن المفسرين نذكر الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، قال:
________________________________________

[الصفحة - 125]


نزلت في فضل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولما نزلت هذه الآية، أخذ بيده وقال: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه»، فلقيه عمر رضي اللَّه عنه فقال: «هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة»، وهو قول ابن عباس، والبراء بن عازب، ومحمد بن علي‏ (2) .
وإن قوله تعالى: { فما بلّغت رسالته } يدلّ على أن الرسالة مبلَّغة قبل هذا النزول، لذلك جاء هنا بالفعل الماضي الذي يدل على ذلك (بلغت) ويدل كذلك على أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قد بلَّغها في الماضي الذي استغرق مدة ثلاث وعشرين سنة، وهي مدة الدعوة، ونزول القرآن.
وأما قوله تعالى: { إن لم تفعل } فيدل على وجوب تنفيذ أمر مستجد حين النزول، جاء هذا الأمر بعد تبليغ الرسالة، وإلاّ فكيف يقول: { وإن لم تفعل } وهو قد بلغ الرسالة؟ وهذه العبارة تتضمّن تهديداً ووعيداً، إذا لم ينفذ ما أُمر به.
واعلم أنَّه لا معنى لطلب تبليغ الرسالة بعد تبليغها فعلاً في هذه السنين العديدة. فيقول: بلّغ الرسالة التي بلغتها، وهذا بعيد جداً عن منطق الوحي، وعن بلاغة القرآن الكريم، وإذا كانت الآية تعني تبليغ الرسالة كلها ـ كما زعم بعضهم ـ فكيف يؤولون قوله تعالى: { وإن لم تفعل } وهو قد بلّغ وفعل، وكيف يحاسب على عدم تبليغ الرسالة وهو الذي قد بلّغها بكل ما جاء فيها وبيّنها للناس؟!
لم يقصِّر رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ولم يعصِ اللَّه سبحانه وتعالى، فأعلن هذا الأمر المستجد والهامّ للأمة. وفي مجمع الصحابة الذين حضروا معه، وبيّن ما جاء به جبرئيل (عليه السلام)، وأنه في علم اللَّه وتقديره أنّ رسوله الأكرم لن يعصيه أبداً، ولن يقصِّر في التبليغ. لكنه عز وجل بحكمته وعلمه قرن هذا الأمر بالتهديد والوعيد، لكي يبيّن للناس عظمة القضية وأهميتها، ولكي يسارع رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى إعلانها، فيبلغ الأمر السماوي الجديد الذي لا يحتمل التأخير أو التقصير، وذلك رغم وجود المعارضة من حاسدين ومعاندين، ومنافقين، وهو يعلم أن فيهم من لا يقبل بهذا الأمر، وفيهم من سيحاربه بشتى الوسائل، حتى يمنع قيام الحامل النوعي من أداء مهمته، وقد وصف اللَّه تعالى أفراد هذه الفئة المعارضة بأنهم الأعداء الحقيقيون:
________________________________________
(2)التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي، ج‏12، ص 50، وأسباب النزول للواحدي، ص 150. وتفسير الدر المنثور للإمام السيوطي، ج‏2، ص 298، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي، ص 120.

[الصفحة - 126]


أعداء الولاية والرسالة، وفيهم أناس أصحاب كلمة مسموعة عند النبي لشدة مكرهم ودهائهم. قال تعالى في سورة المنافقين:
{ وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلهِم كأنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ يَحْسَبُون كلَّ صَيْحَةٍ عليهم هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قَاتَلَهم اللَّه أنّى يُؤْفَكُونَ } [المنافقون/4].
بلّغ رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ما أمره به ربّه عز وجل من الوحي، ومن الطلب الإلهي الجديد. ولم يعصِ اللَّه طرفة عين، ولم يخشَ أحداً من هؤلاء المعارضين، كيف هذا وقد وعده ربُّه بأن يحميه ويعصمه من أذاهم، فامتثل بذلك النبي إلى أمر اللَّه وبلّغ ما أوحي إليه، غير خائف من المعارضة بعد نزول الوعد بالعصمة في قوله تعالى: { واللَّه يعصمك من الناس } ولا شك أنه كان ينتظر العصمة من اللَّه لوجود تلك المعارضة المشؤومة.
ونقل أرباب السِّيَر والمحدثون هذه الواقعة، وبيّنوا هذا الموقف بكل تفاصيله، حيث وقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) حتى رجع المتقدّم من القوم، ولحق به المتأخّر منهم، وبلغ الجمع ذروته، فقام في هذه الجموع خطيباً واعظاً، ليبلّغ ما أنزل إليه من ربه، وذلك قبل تفرق هذا الموكب العظيم الذي تجمَّع في حجة الوداع.
صوَّر هذا الموقف، ونقل خطبة النبي في هذا المشهد الكثيرون، من أمثال الإمام مسلم والحاكم وأحمد بن حنبل وابن هشام وابن إسحق والشافعي برهان الدين وغيرهم.
نصُّ البلاغ‏
ونصُّ الخطبة، كما أوردها برهان الدين الشافعي في سيرته هو:
ولمَّا وصل (صلي الله عليه و آله و سلم) إلى محل بين مكة والمدينة يقال له: غدير خم، بقرب رابغ، جمع الصحابة وخطبهم خطبة بيّن فيها فضل علي، كرّم اللَّه وجهه، فقال:
«أيها الناس، إنه قد نبَّأني اللطيف الخبير أنه لم يعمّر نبيّ إلا نصف عمر الذي يليه من قبله، وإنّي لأظن أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وجهدت ونصحت، فجزاك اللَّه خيراً.
________________________________________

[الصفحة - 127]


فقال (صلي الله عليه و آله و سلم): أليس تشهدون أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن جنَّته حقٌّ، وأن الموت حقٌّ، وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. وأن اللَّه يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللهم اشهده». الحديث.
ثم حضّ على التمسك بكتاب اللَّه، ووصّى بأهل بيته، فقال:
«إنِّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرَّقا حتّى يردا عليّ الحوض». وقال في حق علي كرّم اللَّه وجهه لما كرر عليهم: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ ثلاثاً. وهم يجيبونه (صلي الله عليه و آله و سلم) بالتصديق والاعتراف». ورفع يد علي كرم اللَّه وجهه؛ وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحب من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار».
قال الشافعي برهان الدين بعد ذلك:
وهذا حديث صحيح ورد بأسانيد صحاح وحسان.
وقد جاء أن علياً، كرّم اللَّه وجهه، قام، في خطيباً فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال:
«أنشد اللَّه من ينشد غدير خم إلا قام، ولا يقوم رجل يقول: أنبئت، أو بلغني، إلا رجل سمعت أذناه ووعى قلبه، فقام سبعة عشر صحابياً، وفي رواية: ثلاثون صحابياً، وفي المعجم الكبير: ستة عشر، وفي رواية: اثنا عشر، فقال: هاتوا ما سمعتم. فذكروا الحديث، ومن جملته: «من كنت مولاه فعلي مولاه». وفي رواية: فهذا مولاه. وعن زيد بن أرقم رضي اللَّه عنه: وكنت ممن كتم، فذهب اللَّه ببصري. وكان علي كرم اللَّه وجهه دعا على من كتم» (3) .
ولمَّا كان الكلام يفهم من القرائن، ومن ربط المقدِّمات بالنتائج، فإننا نجد أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قد قرن ولايته بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فذكّر الناس بولايته أولاً وقوله تعالى: { النَّبيُّ أولى بالمُؤْمنين من أنفسهم } [الأحزاب/6] . وذلك حينما
________________________________________
(3)السيرة الحلبية، ج‏3، ص 274.

[الصفحة - 128]


قال: «ألست أولى بكم من أنفسكم»، وهم يجيبونه بالتصديق. فثنّى بعدها بولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقرنها بنفسه، لربط الثانية بالأولى، وللتلازم في ما بينهما، وربطهما معاً بولاية اللَّه عز وجل، ليقطع كل تأويل أو شبهة في صرف المراد إلى معنى آخر للولاية، ليؤكد أنها الولاية العامة على المؤمنين، وحق التصرف بالنفس والمال والولد، وهي الإمامة الكبرى وخلافته المعروفة بأنها النيابة عن صاحب الشريعة.
أكد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) حق الولاية، ومعناها المطلوب، بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» في تلك البقعة التي شهدت يوم الميثاق المأخوذ والعهد المعهود، فكان عيداً في السماء وعهداً من اللَّه إلى الناس.
من هنا ندرك أنه لا يمكن تأويل الولاية في هذا الموقف بغير معنى الإمامة العامة وإمرة المؤمنين وقيادتهم نيابة عن صاحب الشريعة، وحق التصرف حتى في النفس كما كان لرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، إذ أنه قد ذكر للولاية معانٍ عديدة منها: الناصر، والمولى، والعبد، والصاحب... ولا يصح منها شي‏ء سوى ما ذكرناه لاقترانها بولاية النبي وولاية اللَّه كما رأيت.
أهم مصادر الخطبة
من أهم المصادر التاريخية والحديثية التي روت هذه الخطبة، وذكرت أنها قيلت في غدير خم. وتضمنت ما ذكرناه أو قريباً منه:
1 - السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي، في الجزء 3، صفحة 274.
2 - صحيح مسلم النيسابوري القشيري، في الجزء 7، صفحة 122، من كتاب الفضائل.
3 - سنن التّرمذي (من الصحاح الستة)، في الجزء 5، صفحة 297.
4 - سنن ابن ماجه (من الصحاح الستة)، في الجزء 1، صفحة 43.
5 - مستدرك الحاكم على البخاري ومسلم والتلخيص للذهبي، في الجزء 3، صفحة 109.
________________________________________

[الصفحة - 129]


6 - مسند أحمد بن حنبل، في الجزء 4، صفحة 281، وصفحة 368، بروايته عن البراء بن عازب.
وأتممت عليكم نعمتي‏
بعد أن بيَّن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) الأمر الذي نزل من السماء، وبلّغ الناس ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأوجب طاعته ومودته وموالاته، وأنها طاعة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ومودته وموالاته، أقر الجميع بأنهم سمعوا وأطاعوا، قاموا إلى تهنئة علي (عليه السلام) بولايته وأمرته عليهم. احتفاءً بهذا المنصب الإلهي العظيم، مبتهجين فرحين باكتمال منهج الرسالة، ومعرفة سبيل الهداية، والصراط السويّ بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم).
وكم كانت فرحة النبي عظيمة عندما تمكَّن من إبلاغ ما أمره اللَّه به من غير خوف ولا معارضة ظاهرة. ولا سيّما وقد وعده ربّه بأن يعصمه من الناس.. ومن كيد الحاسدين. وهذا هو الأمر الذي كان ينتظره من ربه تبارك وتعالى، وهو السبب في تأخره عن التبليغ، أو تفكيره في تأخيره حتى حصول العصمة من الناس من عند اللَّه سبحانه وتعالى، وكانت فرحته (صلي الله عليه و آله و سلم) أعظم حينما نزل عليه قوله تعالى من سورة المائدة:
{ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ دِيْنِكُم فلا تَخْشَوْهُم واخْشَوْنِ. اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُم وَأتْمَمْتُ عليكم نِعْمَتِي ورضيتُ لَكُمُ الإِسْلام ديناً } [المائدة/3].
وذلك بعد تبليغ الولاية، وتبيان سبيل الهداية، والعصمة من الضلال. فقال رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «اللَّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب» (4) ، فقال حسان بن ثابت: أتأذن لي يا رسول اللَّه أن أقول أبياتاً؟ قال: قل.
فقال حسان بن ثابت:
يناديهمُ يومَ الغدير نبيُّهم‏ بخمٍّ، وأسمعْ بالنبيّ مناديا
بأنّي مولاكمُ نعمْ ووليُّكم‏ فقالوا: ولم يُبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت وليُّنا ولا تجدنّ في الخلق للأمر عاصيا
فقال له: قمْ يا علي فإنّني‏ رضيتُك من بعدي إماماً وهاديا
________________________________________
(4)الميزان في تفسير القرآن: للسيد محمد حسين الطباطبائي، ج‏5، ص 193.

[الصفحة - 130]


لقد كَمُل الدين وتمّت النعمة بتعيين القائم بالأمر بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، فتكون الرسالة بذلك قد انتقلت من مرحلة القيام بالحامل الشخصي إلى مرحلة القيام بالحامل النوعي، واكتمل المنهج الرسالي.
تلك الولاية المعلن عنها، في ذلك الموقف المشهود، هي النعمة الكبرى التي زرعت اليأس في نفوس المعارضة من يهود ومشركين ومنافقين وحاقدين.. وهم الذين سماهم اللَّه «الكافرون» لجحودهم حق الولاية، وتآمرهم على مصير الرسالة، وقد كانوا يظنون أن الرسالة ستموت بموت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولكنّ اللَّه متمّ نوره ولو كره الكافرون، والذي يؤيد قولنا هذا ويؤكده، هو جزء الآية (صدرها) الذي سبق قوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم.. } وهو قوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشونِ } فجاء بعدها مباشرة بقوله: { اليوم أكملت... } والجزءان من الآية الثالثة من سورة المائدة. فمن أي شي‏ء يئس الذين كفروا؟ ولماذا في هذا اليوم بالتحديد؟
إن إتمام الرسالة، وقوة الإسلام ومنعته وعزته، وفتح مكة قبل ذلك اليوم بعام واحد، كل ذلك أعطى للدولة الفتية القوة والهيبة، وللرسالة الإسلامية العزة والمنعة. لكن هؤلاء (الذين كفروا) لم ييأسوا من القضاء على الدعوة والرسول، ونهاية دولة أقضَّت مضاجعهم. فكانوا يرون أن موت الدعوة مرهون بموت الداعي وهو رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، لأسباب عدَّةٍ منها أنه ليس له ولد يقوم مقامه، تلك أمانيّهم. أما الآن فقد يئس هؤلاء من القضاء على الدعوة بعد أن بيّن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) الإمام من بعده، والقيادة الروحية والعقيدية، وهو كنفسه قوة، وهداية، وهم يعلمون قوة الإمام، وقد برهن عليها في كثير من المواقف والساحات.
وإنه لمن البديهيّ أن إكمال الدين وقولبته، وتأطره ومعرفة تفرعاته، كل ذلك لا يقوى بنفسه على حفظ نفسه، وأن أية سنّة من السنن والأديان المتّبعة لا تبقى على نضارتها وصفائها، سواء بنفسها أو بانتشار صيتها، أو بكثرة المتّبعين لها، وهي أيضاً لا تنمحي ولا تنطمس بقهر أو تهديد أو فتنة، إلا بموت صاحبها وفناء حملتها المخلصين وذهاب حفظتها القائمين بتدبير أمورها.
________________________________________

[الصفحة - 131]


من هنا ندرك أن تمام يأس الكافرين إنما يتحقق عند الاعتبار الصحيح، بأن ينصب اللَّه لهذا الدين قيّماً علماً، يقوم مقام النبي بعد وفاته، فيكون بذلك يأس هؤلاء الأعداء بمعرفة الحامل النوعي للرسالة، وهو من رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «عليٌّ منِّي وأنا من علي»، وقوله الذي سبق في خطبة الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وقوله الذي سبق أيضاً: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض»، فانتقل بذلك الدين من مرحلة الحدوث والبناء إلى مرحلة الكمال والبقاء، إتماماً لنعمة اللَّه عز وجل وبعد أن أخبر رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) بأن خطة هؤلاء الكفار تتمثَّل بمحاولة إرجاع المؤمنين كفاراً من بعده وكلما سنحت لهم الفرصة. وهذه الفرصة لن تأتي ـ بزعمهم ـ إلا بموت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، قال تعالى:
{ ودَّ كثِيرٌ من أَهْلِ الكِتَاب لو يَرُدُّونكم مِن بَعْدِ إِيمانِكم كفّاراً حَسَداً من عِنْد أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيّن لهُمُ الحقُّ فاعفُوا واصفَحوا حتّى يأتي اللَّه بأمره إنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شي‏ء قدير } [البقرة/109].
فاشتمال الآية على قوله: { حتى يأتي اللَّه بأمره } إشارة إلى هذا المعنى. واللَّه العالم. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنه ليس هناك تناقض بين ما روي أن آية { اليوم أكملت.. } نزلت يوم عرفة ـ على بعض الروايات ـ وبين ما روي من نزولها في غدير خم، فلا يستبعد أن يكون اللَّه قد أمر نبيه ببيان ولاية علي بن أبي طالب يوم عرفة، وأعلمه أن ذلك من إكمال الدين وإتمام النعمة بقوله تعالى: { اليوم أكملت... } . وأن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لم يبادر على الفور بتبليغها منتظراً عصمة اللَّه له من ذوي النفوس المريضة، ومن المنافقين. فنزل عليه الوحي في غدير خم بقوله تعالى: { يا أيُّها الرَّسُول بلِّغ ما أُنْزِل إليك من ربِّك } في علي (عليه السلام) قبل تفرق الناس إلى بلادهم، وأعطاه وقتها العصمة والحماية، فصار الأمر مرهوناً بذلك، ويؤيّده قوله تعالى: { ما أُنْزِلَ إليك من ربِّك } فيفيد بأن هذا الأمر نزل قبل هذا الوقت، وهو جديد في الوصيّ والرسالة. مستقل عن تبليغ الرسالة (القرآن) كما بيّناه. ثم أتبعه تعالى بالتهديد والوعيد: { وإن لم تفعل.. } الآية. وهو تعالى يعلم عدم معصية الرسول. ولكن جاء بذلك تأكيداً لأهميّة الأمر، ولفت نظر الأمة إلى ذلك.
________________________________________

[الصفحة - 132]


وبعد أن عصمه اللَّه بادر إلى إعلان الأمر وقراءة الآية المباركة { اليوم أكملت لكم دينكم.. }لتثبيت هذا المعنى بعد تبليغ الولاية وبيان القيادة.
وقد جاء تباطؤ النبي في إعلان الأمر منتظراً آية العصمة لسببين:
الأول: الرواية التي تقول إن نزول القرآن تواتر على مدى ثلاث وعشرين سنة وإنه نزل على ثلاث مراحل‏ (5) :
أ ـ نزوله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا (جملة)
ب ـ نزوله على قلب الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) دفعة واحدة، فوعاه قلبه وحواه صدره.
ج ـ نزوله منجَّماً على مدى ثلاث وعشرين سنة.
الثاني: ليس التباطؤ لانتظار العصمة معصية، ومثله تباطؤه (صلي الله عليه و آله و سلم) في إظهار زواجه من زينب بنت جحش، وقد أمره اللَّه تعالى بذلك عن طريق الوحي. وخشي النبي من إرجاف المغرضين، وتخرّص الحاسدين، فكتم أمر الزواج حتى بعد طلاقها. ونزل في ذلك قوله تعالى:
{ وتُخْفِي في نَفْسِك ما اللَّه مُبْدِيه وَتَخْشَى النَّاسَ واللَّه أحَقُّ أن تَخْشَاهُ } [الأحزاب/37] . والمرجَّح هو نزول الآية في غدير خم، ومن ثم نزل إكمال الدين وإتمام النعمة بعدها لإجماع أهل البيت وعلمائهم على ذلك.
روايات الغدير
إذا ما عدنا إلى روايات حديث الغدير، بمختلف أشكالها، لوجدناها تدل بوضوح على تكامل المنهج الرسالي بالولاية، وإلى بيان العِصْمة من الضلال؛ وذلك بالتمسك بالثقلين وولاية علي وأهل البيت (عليهم السلام).
ولا بد من تسليط بعض الضوء على روايات حادثة الغدير، وسوف نجد أن بعض المصادر روت الحادثة بذكر حديث الثقلين مقترناً بولاية علي بن أبي طالب، وبعضها الآخر انفرد برواية حديث الثقلين. والآخر انفرد بذكر الولاية فقط.
1= روى الخطبة متكاملة بذكر حديث الثقلين، وهما: الكتاب والعترة، إضافة إلى ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) كل من:
________________________________________
(5)انظر في ذلك، كتاب «دراسات إسلامية» للدكتور عدنان زرزور، مقرر بجامعة دمشق، 1974.

[الصفحة - 133]


أ ـ برهان الدين الشافعي في سيرته النبوية (السيرة الحلبية، ج3، ص 274) وقد مرّ ذكرها.
ب ـ الحاكم في المستدرك على الصحيحين والذهبي في التلخيص (ج3، ص 109) وجاء فيها: عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) من حجة الوداع، ونزل غدير خمٍ أمر بدوحات فقممن. فقال: كأني دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللَّه وعترتي، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.
ثم قال: إن اللَّه مولاي، وأنا مولى كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي رضي اللَّه عنه فقال:
من كنت مولاه فهذا وليّه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وذكر الحديث بطوله.
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (البخاري ومسلم) ولم يخرجاه بطوله.
وذكره الذهبي في تلخيصه على المستدرك من دون ذكر قوله: «اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه».
2= روى الخطبة بذكر حديث الثقلين من غير ذكر الولاية مع ذكر المناسبة والموقع كلٌّ من:
أ ـ الإمام مسلم القشيري النيسابوري في صحيحه، المسمّى «صحيح مسلم»، باب فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) (ج7، ص 122) وجاء فيه:
عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال:
«أما بعد أيّها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم الثقلين، أوّلهما كتاب اللَّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به، فحثّ على كتاب اللَّه ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم اللَّه
________________________________________

[الصفحة - 134]


في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي». فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده..
وفي رواية أخرى عن زيد، قال: لا، وأيم اللَّه. إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
ب ـ الترمذي في سننه (ج5، ص 328)، وجاء فيه:
عن جابر بن عبداللَّه قال: رأيت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في حجّة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: «يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي».
ورواه كذلك عن زيد بن أرقم وأبي ذر، وأبي سعيد، وحذيفة بن أسيد، رضي اللَّه عنهم.
ج ـ الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني (ت 287هـ) بسنده عن زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وابن عباس وعلي (عليه السلام)، في كتابه: (كتاب السنة، ص 337، الحديث رقم 754).
د الحافظ عبداللَّه بن محمد بن أبي شيبة (ت 235هـ) بسنده عن زيد بن أرقم في كتابه: (المصنف، ج7، ص 418، باب: ما أعطى اللَّه تعالى محمد (صلي الله عليه وآله)).
3 - = روى الخطبة بذكر حديث ولاية علي (عليه السلام) دون ذكر حديث الثقلين:
أ ـ الترمذي في سننه (ج5، ص 297):
روى بسنده عن زيد بن أرقم عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
ب ـ ابن ماجه في سننه (ج1، ص 43):
روى بسنده عن البراء بن عازب قال: «أقبلنا مع رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في حجته التي حجّها، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى. قال: ألست أولى بكل مؤمن من
________________________________________

[الصفحة - 135]


نفسه؟ قالوا: بلى. قال: فهذا ولي من أنا مولاه. اللهم والِ من والاه، اللهم عاد من عاداه».
من هذه الروايات المتعددة والمصادر الهامة، نجد أنها كلها متفقة على المكان، وأنه غدير خمٍ بين مكة والمدينة قرب رابغ.
ونجد أيضاً أن هذه الروايات كلها متَّفقة على الزمان، وهو مرجع رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) من حجة الوداع.
ونجد أيضاً أن هذه الروايات متفقة من حيث رواية الخطبة ونفسها والواقعة نفسها، على أن اللَّه عز وجل أمر نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم) بتبليغ الناس ما أنزل إليه من الأمر الهام، والذي يعادل التقصير فيه أو عدم تبليغه، التقصير في كل الرسالة وعدم تبليغها. وكما سبق وعرفنا بأن هذا الأمر هو بيان سبيل الهداية من بعده، ومعرفة الإمام صاحب الولاية على المسلمين كافة، ليدل دلالة واضحة على أن منهج الرسالة يتم ويستمر في أهل البيت، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) هو أولهم، وهذا هو الخطّ الذي اختاره اللَّه لنا وهو سبيل الهداية.
كما أننا نجد، من خلال هذه الروايات أيضاً، أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قد أكّد المعنى الذي يريده من اللفظ لحصر المعنى في الإمامة حينما كرّر على المسلمين قوله:
«ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»، وهم يجيبونه بالتصديق، قائلين: بلى يا رسول اللَّه. كررها ثلاثاً، كما في السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي.
وذكرها مرّتين، كما في رواية البراء بن عازب التي أخرجها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده وجاء فيها: «فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى.
قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى.
قال: فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.
قال: فلقيه عمر بعد ذلك، فقال له: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة» (6) .
________________________________________
(6)مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج‏4، ص 281.

[الصفحة - 136]


لقد أراد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يذكّرهم ـ من خلال هذه التأكيدات ـ بقوله تعالى: { النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } [الأحزاب/6].
وحتى لا يبقى أي مجال للشك أو التأويل، ربط (عليه السلام) بين هذا التذكير، وذاك التأكيد.
وأراد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يبيّن لهم من هو الإمام من بعده، وأن الولاية هي ولاية اللَّه ورسوله، المتولدة من التصرف بالنفس، وهي الإمامة الكبرى لكل المسلمين، وذلك حتى لا يظن الناس غير ذلك، فيسعى جاحد أو معاند إلى صرف معنى الولاية وفق رغباته وأهوائه.
فجعل بذلك الولاية العامة للَّه، ولرسوله، ولعلي. وأخذ من المسلمين ميثاقهم، ولفت أنظارهم على أن هذه الولاية من تلك التي وضعها اللَّه عز وجل بقوله: { النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ، فألزمهم بما أراد تلميحاً وتصريحاً وتأكيداً، قطعاً لكل اجتهاد أو تأويل مخالف، وتبياناً منه لسبيل الهداية واستمرارية المنهج. ومن هنا ندرك أن منهج الرسالة يتجسّد ويتبلور بشخص رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ويمتد من بعده بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وكرم اللَّه وجهه الشريف، ومن بعده بأهل بيته أئمة الهدى والنور، فهم كذلك أولياء لكل مؤمن ومؤمنة.
الرسالة إذاً لا تموت بموت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى تبارك وتعالى. والقرآن الكريم لا يصمت بسكوت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، بعد وفاته وانقضاء مدته وأجله، ولكنهما ـ أي الرسالة والرسول ـ يمتدان ويدومان بوجود إمام مفترض الطاعة يكون ولي كل مؤمن ومؤمنة، وهذا يحقق استمرار القيادة النوعيّة للرسالة وللمنهج الرسالي العظيم وبقاء القرآن والسنة محفوظين وناطقين وهاديين إلى الصراط المستقيم، والنجاة يوم الحشر والفوز بالجنة والنعيم المقيم.
القيادة وميراث النبوّة
من المنهج القويم للرسالة الإسلامية العظيمة، وللقرآن الكريم، أن يكون لهما قيادة محفوظة من الخطأ بأمر اللَّه عز وجل، ومعصومة من الزَّيغ والضَّلال، هذه القيادة جعلها اللَّه تعالى وارثة للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
________________________________________

[الصفحة - 137]


ولا من خلفه. ولا بد من وجود وارث للكتاب العزيز وللرسول الكريم حتى لا يموتان ويضيعان، وإن وجود الوارث المعصوم هو عصمة للكتاب وللرسول كما أرادهما اللَّه عز وجل، أي أنه السبب الرئيسي لحفظ الكتاب وحفظ السنة النبوية المطهرة، وأثر رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى، وقد أوضح اللَّه عز وجل هذا الأمر في كتابه العزيز في سورة فاطر:
قال تعالى: { والذي أَوْحَينا إليك من الكِتاب هو الحقُّ مصدِّقاً لما بين يديه إنَّ اللَّه بعباده لخبير بصير }[فاطر/31] .
فالكتاب هنا هو القرآن الكريم، لأن المخاطب هو سيدنا محمد (صلي الله عليه وآله)، وهذا الكتاب الحق، يحتاج إلى استمرارية التبليغ، وإلى وارث له يحمله ويبلِّغه بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ويجب أن يكون هذا الوارث على مستوىً عالٍ من الفهم والعلم والتقوى والتسديد والعصمة، لكي يستطيع أن يقوم بالدور الذي قام به رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) الذي يتطلبه تبليغ الكتاب وتبيينه. قال تعالى: { ثمَّ أَوْرَثْنا الكتاب الذين اصْطَفينا مِنْ عِبَادنا فمنهُم ظالمٌ لنفسه ومنهم مُقْتَصِدٌ ومنهم سَابِقٌ بالخيرات بإذن اللَّه ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر/32] .
فلا بد من وجود وارث للكتاب العزيز (القرآن) وللنبوة المطهرة. وهذا الوارث يجب أن يكون من الذين اصطفاهم اللَّه عز وجل من عباده، من الفئة التي وصفها عز وجل بأنهم سابقون بالخيرات بإذن اللَّه، ومن يسبق إلى الخيرات بإذن اللَّه وأمره فهو مسدد ومعصوم وموجّه من اللَّه. وهو بذاته عصمة من الضلال، وبعيد عن الانحراف والزيغ والباطل، فيكون الوارث كمن ورث يحمل صفاته وأخلاقه، ومزاياه القيادية وملكاته التي تؤهّله لشرف حمل الكتاب، وتبليغه بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، فالناس بعده يحتاجون إلى معلمين يبينون لهم علوم القرآن وتفاسيره، وبيان محكمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه، ولعل السبب في اختلاف التفاسير المتعدّدة اليوم والمتباينة في كثير من المعاني والأمور الإرشادية هو ترك الذين ورثوا الكتاب والأخذ عن غيرهم، وهذا يدل على ضرورة وجود المفسّر الذي ينهل علومه من عين صافية، من الذين ورثوا الكتاب، الذين اصطفاهم اللَّه، وليس من غيرهم.
________________________________________

[الصفحة - 138]


فمنهج الرسالة، وبيان السبيل والدلالة، يقتضي وراثة الكتاب وعلم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وقد بيّن النبي هذه القيادة الوارثة له وللقرآن في واقعة الغدير في قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً»، وفي قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (7) .
شخصيّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)
القرآن الكريم، وكذلك النبي الأعظم محمد (صلي الله عليه وآله)، وحيان من اللَّه عز وجل. قال تعالى: { والنَّجْمِ إذا هَوَى * ما ضلَّ صاحبُكم وما غوى * وما يَنْطِقُ عن الهَوَى * إنْ هُوَ إلاَّ وحيٌ يُوْحى }[النجم/1-4] .
ولقد شاء اللَّه تعالى أن يؤيّد رسوله بالقرآن الكريم، ليشهد له بالعصمة، والنبوة وبالخلق الرفيع، العظيم كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: { وإنَّك لَعَلى خُلُقٍ عظيم } [القلم/4] .
وأراد بذلك أن يبيّن مكانته وقيادته، وشخصيّته العظيمة، وما عنده من الاستعداد التكويني والنفسي المقدّس، من أجل استحقاقه حمل الرسالة، والقيام بأعبائها، والجهاد في سبيل نشر الدعوة، ودعوة الناس إلى اتّباعه والأخذ عنه، والاقتداء به، وبسيرته وأخلاقه. وجعل في كلِّ ذلك نجاتهم، وفوزهم في الدنيا والآخرة. وهو رحمة للعالمين، وهادٍ إلى اللَّه وداعٍ إلى عبادته، وطاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
لقد وصف اللَّه نبيه بأعظم الصفات، ومنحه من الفضائل والكرامات ما لم يصف به أحداً من خلقه، ولم يعط غيره من فضل لا في أرض ولا في سماء، كما أعطاه.
ولعل من أسباب هذا الاهتمام الرباني، والعناية الإلهية، والمزايا والكرامات الباهرة، لسيدنا محمد (صلي الله عليه وآله)، أن جعله اللَّه رحمة للعالمين، وسبيلاً لهدايتهم، خصّه بختم النبوة والرسالة، وجمع فيه علوم الأولين والآخرين، وشرائعهم. قال تعالى:
{شَرَعَ لَكُم من الدِّين ما وصَّى به نوحاً والذي أَوْحَيْنا إليك وما وصَّينا به إبراهيم ومُوسى وعيسى أنْ أقيمُوا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى‏/13].
________________________________________
(7)حديث الغدير وقد مرت مصادره.

[الصفحة - 139]


وكان رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) النور الذي يستأنس به منبع النور، قبل أن يخلق اللَّه آدم بآلاف السنين، كما جاء في الأثر عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وكما صرح بذلك الإمام أحمد ابن حنبل في فضائله وغيره‏ (8) .
هذه الشخصية العظيمة، وهذا النور المبارك، جعله اللَّه تعالى نبياً ورسولاً وحبيباً ومصطفى من بين جميع خلقه، وكونه من تراب من سنخ آدم (عليه السلام)، وفضله على جميع خلقه، أراده اللَّه عز وجل واسطة بينه وبين الناس، ليبلّغهم رسالات ربهم، يدعوهم إلى التوحيد وعبادة اللَّه الذي لا شريك له ولا عديل، يشرح آيات اللَّه ويبين ما تشابه منها، ويفسّر أحكامها، مبيّناً حدود اللَّه، حلاله وحرامه.
وقد عصمه اللَّه بالوحي، وبالإلهام، وبالتكوين الفطري والاستعداد الروحي والنفسي، لضرورة التبليغ وصدق النقل عن الباري عز وجل، حتى يسمو فوق رغبات الآدميين، ولتبقى روحه الطاهرة خالدة، نقية صافية، ترتبط بمنبع النور، ومصدر الإلهام، من دون شائبة أو ذنب أو شك أو ما يبعده عن اللَّه، وعن ملكوته الطاهر، الذي لا يناله إلا المطهرون، فجعله حبيباً له، وأسكنه في صلب آدم ليكون عبداً صالحاً من ذريته ومن نسله. قال تعالى: { إنَّ اللَّه اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرّية بعضها من بعض واللَّه سميع عليم } [آل عمران/34] .
وليهدي به الناس إلى طريق النور، وإلى الصراط المستقيم.
فوّض اللَّه نبيه بأن يتكلم بلسانه، ويعمل بوحيه، فأعطاه بذلك الحق بلزوم طاعته وحق اتباعه ومودته، قال تعالى:
{ وما آتاكُمُ الرسول فخذوه وما نهاكُم عنه فانتهوا } [الحشر/7] .
فكان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قرآن اللَّه ووصيه الناطق المتحرك، وكان كتاب اللَّه (القرآن) هو الوصي الصامت، الذي يحتاج إلى الرسول ليبين أحكامه ويفسّر آياته، فيجعله متحركاً بين الناس يكلمهم ويخاطبهم، ويسمعهم صوت الحق، وكلام رب العالمين، من غير تحريف أو تزوير، فتعيه القلوب الواعية، وتعشقه النفوس الصافية. قال تعالى:
{ وأَنْزَلْنا إليْكَ الذِّكْرَ لتُبَيِّن للنَّاس ما نُزِّل إليهم } [النحل/44] .
________________________________________
(8)تذكرة الخواص لسبطفابن الجوزي، ص 50، وفرائد السمطين للجويني الشافعي، ج‏1، ص 36.

[الصفحة - 140]


والقرآن الكريم هو سفينة النجاة، وسبيل الهداية، والمنقذ من الضلال، لكن لا بد لهذه السفينة من قائد عظيم، وربّان حكيم، هو رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولبقاء السفينة واستمرار نورها جعل من بعده علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولي كل مؤمن ومؤمنة، وذلك في وصيته يوم غدير خم بالتمسك بالثقلين (الكتاب والعترة) وبإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
فالخالق قد هيّأ لقيادة القرآن الكريم شخصية عظيمة، معصومة، مسددة بأمر اللَّه، لكي تكتمل عناصر الدعوة والتبليغ، لهداية العباد ورشادهم.
والقرآن الكريم إمام لأنه كلام اللَّه ووحيه. وهذا الإمام يحتاج إلى إمام يحمله ويبلّغه ويبين أحكامه، ومن هنا فلا يمكن اعتبار القرآن إماماً مطلقاً وذلك لعدم كفايته للهداية، ولو كان إماماً مكتفى به، لما احتاج اللَّه إلى الرسول لإبلاغه وبيان ما فيه. قال تعالى: { يَوْمَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بإِمَامِهم }[الإسراء/71] .
فإن تعدد الأناس دل على تعدّد الأئمة، وإلا لقال: يوم ندعو الناس بإمامهم. يضاف إلى ذلك أن القرآن ليس كتاب هداية بذاته إذا لم يكن معه رسول أو إمام معصوم لأن فيه المجمل والمتشابه والمنسوخ، ولم يشتمل على تفصيل العبادات التي اكتفى بالإشارة إليها كالصلاة والزكاة والحج..
فعظمة القرآن الذي يحتاج إلى بيان، وعصمته، يحتاج إلى الرسول وهو المبيّن لأحكامه، وعصمته، ومن هنا جاء الجواب لمن يسأل: هل عصمة المبيَّن تقتضي عصمة المُبيِّن؟ قال تعالى:{ حتى جاءهم الحق ورسول مبين } [الزخرف/29] .
فالحق هو القرآن، والمبين هو رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم).
والعصمة كما لا يخفى من ضرورات الرسالة والنبوة، فمن عرف عنه الكذب في أمر صغير صح عنه الكذب في أمر كبير، وسقطت مصداقيته بين الناس، سواء في ما يختص بأمر الدنيا أو في ما يتعلق بالوحي وشؤون الرسالة، فيجب أن يكون الرسول معصوماً بكل شي‏ء فلو لزم عصمته في ما يخص الوحي فقط، لصح اتهامه فيه، لاحتمال حصول الكذب في غيره. وحق للناس عدم تصديقه. لذلك كان رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) معصوماً منذ ولادته سواء قبل البعثة أو بعدها، في شؤون الدنيا
________________________________________

[الصفحة - 141]


والدين، ويكفي دلالة على ذلك ما اشتهر عنه من القول: «محمد الأمين» وذلك قبل البعثة، وكذلك اختياره حكماً في قصة الحجر الأسود. وما نزل من آيات كريمة تدل بظاهرها على عتاب النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فهي مؤولة بما يليق بمكانة النبيّ وخلقه الرفيع، الذي شهد له اللَّه به. ولم يصح أيُّ حديث يناقض عصمته، كرواية تعريته في الجاهلية، أو أكل الميتة، أو غير ذلك مما تقوّل به المرجفون وما اخترعه بنو أمية الذين لعقوا صحونهم، لأن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) طاهر مطهر، منذ أن خلقه اللَّه وأسكنه صلب آدم وجعله من ذريته، متنقلاً في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة التي تعبد اللَّه ولا تشرك به أحداً؛ قال تعالى: { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } [الشعراء/219] .
ومن هنا فإنه يسقط عن الاعتبار كل قول يطعن في عصمة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) سواء قبل البعثة أو بعدها، لأنه يتناقض مع صريح القرآن الكريم، ولأنه يتناقض مع كرامة رسول اللَّه وخلقه الذي شهد له اللَّه به، ومن هنا أيضاً نقول بوجوب إيمان أب رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وأمه وأجداده ونجاتهم، وجميعهم شملهم قوله تعالى: { وتقلبك في الساجدين }والساجد لا يطلق على من يعبد الأوثان أو غيرها ولا يكون إلا للَّه وحده.
النبيُ (صلي الله عليه و آله) لا يتقوّل على اللَّه‏
إن من منهج الرسالة، وخطوطها العامة والرئيسية، أمانة النقل عن اللَّه عز وجل، واتحاد المصدر، أي مصدر التشريع من قرآن وسنة، ويخطى‏ء من يقول أو يعتقد أن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) كان يجتهد في أمر من الأمور، من عند نفسه، أو بوحي من رغبته، مجرداً عن الوحي، أو الإلهام الإلهي، والتسديد من اللَّه تعالى، فإذا أقررنا بأن المشرّع الحكيم لا بد من أن يكون واحداً، لوحدانية الإله سبحانه وتعالى، كما لو تعدد لفسدت الشريعة، فيجب أن يكون كل ما يصدر عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) هو وحي من اللَّه عز وجل، وسنة النبي هي تشريع من اللَّه على لسان نبيِّه الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهي سنة اللَّه، وأمره أمر اللَّه وطاعته طاعته، لوحدانية المشرع. قال تعالى:
{ لَوْ كَانَ فيهما آلهةٌ إلاَّ اللَّه لفَسَدَتا } [الأنبياء/22] .
لقد أعطى اللَّه رسوله الكريم حقاً ربانياً في التحدث عنه في ما يخدم الرسالة، ويبيّن أحكامها، وما يتعلق بأمر التبليغ، وكل ما يحتاجه المسلمون من أمور الدين والدنيا.
________________________________________

[الصفحة - 142]


ومن المنهج الحكيم أن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يتجاوز ما أراده اللَّه، بأمر من اللَّه تعالى وتسديده. كما أنه لا يقصّر في شي‏ء ممّا يخصّ الرسالة والدعوة، وبناء المجتمع الإسلامي بمختلف جوانبه، فهو مسدّد من اللَّه، معصوم بوحيه وإلهامه، ولا يتقوّل على اللَّه بشي‏ء خلافاً لما يريده اللَّه تعالى، وهذا يقطع القول بصحة اجتهاد أي شخص آخر من بعده، لأنه باطل، ومخالف لأمر اللَّه، وأن مصلحة الأمة، والحسن والقبح، والأفضل والمفضول، وغير ذلك، يعلمه المشرّع الحكيم، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد.
فالرسول لا يقول ولا يفعل إلا ما أمره اللَّه به وما أوحاه إليه. ولو قال على اللَّه ما ليس للَّه به علم لحاسبه حساباً شديداً، ولبطش به بطشاً عظيماً، فخطيئة الكبير كبيرة وإن صغرت، حاشا لرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يخطى‏ء بكبيرة أو صغيرة، أو يتقوّل على اللَّه، وهذا احتمال غير قائم في جنبه صلوات اللَّه عليه، لأن اللَّه عصمه بنفسه وبالوحي، وهذا الاحتمال غير القائم في جنب رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) هو تعليم لنا وتأديب، وتذكير مستمر وتخويف، ودرس للأمة من بعده يعلمنا فيه أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يحق له أن يتقول على اللَّه من عند نفسه، فكيف بغيره؟ قال تعالى:
{ ولو تَقوّل عَلَيْنا بعضَ الأَقَاوِيل * لأَخَذْنا منه باليمين * ثمّ لقَطَعْنَا منه الوتين } [الحاقة/44-46] .
إن كل ما يأتي به النبي هو من عند اللَّه وبعلمه وبوحيه، ولو اخترع قولاً واحداً من عند نفسه لبطلت نبوته، ولعذّبه اللَّه عذاباً شديداً.
ولما لم يقع العذاب، ولم تبطل النبوة، لم يقع تأوله على اللَّه كذلك.
إن اللَّه عز وجل لا يريد لأحد أن ينازعه الملك، فيبدّل أحكامه، أو يغيّر شريعته وفق رغباته وميوله.
ولقد بيّن عز وجل في موضع آخر أن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) لا يأتي بآية من عند نفسه وأن كل ما يأتي به هو من عند اللَّه سبحانه وتعالى، قال تعالى:
{ ومَا كَانَ لرَسُول أن يأتي بآيةٍ إلا بإذن اللَّه } [غافر/78] .
________________________________________

[الصفحة - 143]


ولما كان الرسول هو القائد والمبلّغ والشارح للقرآن، المبيِّن لأحكامه، فهو المكلّف بفضّ كل خصومة تقع بين المسلمين، وبيان كل أمر مستجد، وتحديد حكمه، ومعرفة الحلال من الحرام. وهو قائد الأمة، في الدنيا والدين، ويركز بذلك بناء المجتمع الإسلامي، روحاً وعقيدةً، بناءً واقتصاداً وسلوكاً.
وأن كل ما يقوله النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، أو يقرره، هو تسديد من اللَّه، وبوحي منه.
فحكم رسول اللَّه هو حكم اللَّه، وقوله هو وحيه، وأمره هو أمره سبحانه وتعالى، قال تعالى:
{ إنَّا أَنْزَلْنا إليك الكِتَاب بالحَقّ لِتَحْكُمَ بين النَّاسِ بما أراك اللَّه } [النساء/104] .
واعلم أن كل أمر مخالف لأمر اللَّه وسنة نبيه فهو ردّ، وهو بدعة وضلالة، فلا يحلل ويحرم إلا اللَّه. ومن عُرف عنه أنه كان يعمل بخلاف رسول اللَّه فهو معاند للَّه عز وجل.
منهج أهل البيت‏
اختصّ اللَّه تعالى نبيه محمد (صلي الله عليه وآله) بالنبوّة والرسالة، وفضّله على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل أهل بيته أفضل أهل بيوت الأنبياء، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فضلاً منه عز وجل وتكريماً، واختارهم من بين جميع الخلق ليكونوا منارة للدين، وسبيلاً من بعده لهداية المؤمنين، وعدلاً لكتاب اللَّه العزيز في حديث الثقلين الذي سبق ذكره، فالقرآن هو الثقل الأول وهم الثقل الثاني.
ولقد دلّ عليهم عز وجل في كتابه العزيز، فأمر بمودّتهم، واتّباع سبيلهم. فكانوا في الأمة سفن النجاة، ونوراً يستقي من مشكاة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومصابيح تنير من إضاءاته، فهو أصل وهم له فروع، وهو الشجرة المباركة وهم لقاحها وثمرها.
فإذا أدركنا حقيقة الأصل، عرفنا حقيقة الفروع، وقد دلت عليه من بعده، اختزنت علمه وعملت بهديه وسبيله المستقيم، وهم منه بمنزلة الروح من الجسد. وقد قال (صلي الله عليه و آله و سلم): «عليّ مني وأنا من علي» (9) .
وقال: «حسين مني وأنا من حسين» (10) .
________________________________________
(9)رواه البخاري في صحيحه، باب مناقب علي (عليه السلام) ج‏3، ص 299، ورواه أيضاً في باب عمرة القضاء، ج‏3، ص 56، من صحيحه أيضاً. ورواه الترمذي في سننه، ج‏5، ص 296، ورواه ابن ماجه في سننه، ج‏1، ص 44، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (البخاري ومسلم)، ج‏3، ص 120.
(10)رواه الترمذي في سننه، ج‏5، ص 324، وابن ماجه في سننه، ج‏1، ص 51، كما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، ج‏2، ص 288، ورواه أيضاً في الجزء 5، ص 369 عن عطاء.

[الصفحة - 144]


وفي رواية مسلم: «فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» (11) .
فهذا الاندماج النفسي والروحي، وهذا الارتباط الكلي والعضوي، يدل دلالة واضحة على أن منهج أهل البيت هو منهج الرسالة وطريقتهم هي طريقة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهم السبيل الذي أمر اللَّه سبحانه وتعالى باتّباعه، عصمة من الضلال، وحفظاً من الانحراف، قال تعالى:
{ قُلْ هذه سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللَّهِ على بَصِيْرةٍ أنا ومن اتّبعني وسُبْحَان اللَّه وما أنَا من المُشْرِكين } [يوسف/108].
ولتأكيد هذه الرابطة، وهذا التلازم للمنهجين، وللسير على الصراط السويّ، أوجب اللَّه على الأمة التمسّك بحبله المتين، المتمثل بالكتاب والعترة، في قوله تعالى: { واعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جميعاً ولا تفرَّقوا } [آل عمران/103] .
وجاء في تفسيرها عند كبار المفسرين كالإمام فخر الدين الرازي والسيد العلامة محمد حسين الطباطبائي وغيرهما، أن حبل اللَّه هو القرآن وأهل البيت مجتمعين، قال الرازي:
قال ابن عباس: المراد بالحبل ههنا: العهد. وروي عن علي رضي اللَّه عنه عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أنه قال: «أما إنها ستكون فتنة» قيل: فما المخرج منها؟ قال: «كتاب اللَّه فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم. وحكم ما بينكم، وهو حبل اللَّه المتين». وروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي» (12) .
فإذا عرفنا ماهية المنهج الذي أراده اللَّه للرسالة المقدسة، فقد عرفنا من هو القريب منه المتمسك به، ومن هو البعيد عنه والذي لا ينتمي إليه غالباً.
خلاصة
ونخلص إلى أن المنهج الرسالي يتمثل في أعمدة ثلاثة، محورها الوحي والعصمة والحكمة ومدارها القرآن والنبي والعترة، ومنطلقها الهداية وسبيل النجاة والرحمة. وأن التعرّف على هذا السبيل وهذا المنهج هو بداية البداية، والتمسّك
________________________________________
(11)رواه مسلم في صحيحه، ج‏7، ص 141، باب فضائل فاطمة (عليها السلام) .
(12)التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي، ج‏8، ص 162.

[الصفحة - 145]


بهما هو أصل السفينة ووحدة الأمة التي لا تجتمع على ضلال، كما أخبر الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم)، وكل ذاك اكتمل وتأطّر في غدير خم وأطيافه الرسالية، ومن خلال وصية رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) الخالدة، في عهده إلى الأمة بالإمامة، والثقلين.
ومن الممكن للأمة أن تجتمع وتتوحد حول هذا النور الرسالي، وأن تتمسك بالعهد المعهود في السماء قبل الأرض، وتعتصم بحبل اللَّه المتين والعروة الوثقى، التي وصفها عز وجل بأنها لا انفصام لها.
وكل دعوة إلى تفريق القرآن عن أهل البيت هي ضرب لأساس القيادة والوحدة، وهي دعوة غبية مصيرها الضلال والسقوط في بحور الفتن.
وكم عانت هذه الأمة من الويلات والحروب والنكبات بسبب ضياع هذه الوصيّة، وعدم التمسّك بها، وبسبب هدم صرح الولاية التي جاءت إتماماً للنعمة وإكمالاً للدين.
ولا بد من ذلك اليوم الأغر، الذي سوف تعي فيه الأمة ذاتها، فتصحو من سباتها الذي دام طويلاً لتدرك أن قوتها في وحدتها، وأن وحدتها في التفافها حول راية الهدى.
وحتى يأتي ذلك اليوم لا بد من ترك كل فرقة وانقسام. والانضواء تحت لواء الإسلام الواحد في أصوله وفروعه، فالدين عند اللَّه الإسلام، وما تشعب عنه من مذاهب وفرق ما هي إلا محدثات أفرزتها قرون من الخلافات والتفرقة.
وعندما تواجه الأمة عدوَّاً مشتركاً يحتلُّ أراضيها ومقدساتها، يتوجب عليها في هذه الحال الجهاد والوقوف في خندق واحد، وتكون جبهة قوية، ومتانة هذه الجبهة تقتضي الوحدة، فالتوحد ومقاومة العداة الصهاينة الغاصبين هو واجب شرعي، أما البحث في شؤون الدين والعقيدة فهو من باب التوضيح، وإبراز دور الإسلام وقادته، وتمتين روح الرابطة العقائدية الصحيحة لأن كل بناء لا يقوم على أساس صحيح فإن مآله إلى الانهيار والسقوط. قال تعالى: { ولْتَكُن منكُم أمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخير ويأمُرُون بالمَعْرُوف ويَنْهَوْن عن المنكر وأولئك هم المفلحون } .
________________________________________

[الصفحة - 146]