البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ثورة الأحرار على الحجاج

الباحث :  السيد حسن الأمين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  8
السنة :  السنة الثانية شتاء 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1266

ثورة الأحرار على الحجاج

السيد حسن الأمين (*)

قبل الثورة
في سنة 79 هجرية، كان الحجاج بن يوسف قد ساق نخبة رجال الشعب وخيرة فرسانه، شيوخاً وشباباً، إلى مجزرة رهيبة في محاولة لغزو «رُتِبيْل» ملك التُّرك. في عقر داره، وكان يقود الحملة وإلى سجستان عبيد اللّه بن أبي بكرة.
ولكي ندرك أن هذا الغزو لم يكن له اي مسوِّغ ننقل عبارة الطبري، كما وردت في تاريخه. يقول الطبري، وهو يتحدث عن ولاية ابن أبي بكرة على سجستان : «ثم إنه غزا رُتَبِيل وقد كان مصالحاً». ثم يقول الطبري: «فبعث الحجاج إلى عبيد اللّه بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين فلا ترجع حتى تستبيح أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتليه وتسبي ذريته»(1) ومن النصوص المتقدمة الواردة في الطبري نعلم أن «رُتَبِيل» كان مصالحاً، وأن سلاماً كان متفقاً عليه بين الفريقين، وأن لا شيء يوجب نقض الصلح واستبدال الحرب بالسلم.
ثمّ إن أوامر الحجاج صريحة، فهي لا تطلب من قائد الجيش أن يهدي الناس ويرشدهم، ولا أن ينشر بينهم الرحمة والعدل والعلم والمعرفة، وهي الأهداف التي أراد الإسلام تحقيقها. بل يطلب إليه أن يستبيح الأرض ويقتل الرجال ويسبي النساء والأبناء. وأية حرب هي هذه الحرب التي لا تهدف إلا إلى الاستباحة والقتل والسبي. ولا تتحدث أوامرها إلا عن المغانم والجرائم!
أهي الحرب التي يجوز أن يكون وقودها شبان المسلمين وشيوخهم، وأن يفني فيها أهل الحفاظ والحمية والنجدة؟
________________________________________
(*)مؤرخ و باحث من لبنان
(1)كانت وصية معاوية لبسر بن أرطأة، حين سيَّره إلى الحجاز: «سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس وأخف من مررت به وانهب أموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن قد دخل في طاعتنا». ووصَّى معاوية أيضاً سفيان بن عوف الغامدي، حين أرسله إلى العراق: «اقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك واخرب كل ما مررت به من قرى». ولما أرسل منكوخان أخاه هولاكو لغزو البلاد الإسلامية كان من جملة وصيته له: «أما من يعصيك فاغرقه في الذل والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به، وابدأ بإقليم قهستان في خراسان فخرب القلاع والحصون». فأي فرق بين الأوامر المغولية وأوامر معاوية والحجاج، مع العلم بأن جيوش معاوية كانت تغزو بلاداً إسلامية عربية، وتطبّق هذه الأوامر على المسلمين والعرب.

[الصفحة - 183]


ويسترسل الطبري في الحديث فيقول: «فخرج عبيد اللّه بن أبي بكرة بمن معه من المسلمين من أهل الكوفة وأهل البصرة، حتى وغل في بلاد «رتبيل» فأصاب من البقر والغنم والأموال ما شاء».
وهكذا فإنّ أهل البصرة والكوفة هم المقصودون، وهم المراد لهم أن يكونوا الضحايا، وهكذا فإنّ رجلاً كريماً، مثل شريح بن هانئ الحارثي، يساق بعد السير تحت راية علي، إلى السير تحت رايات الحجاج لسلب البقر والغنم.
وهكذا، فقد كانت غاية الحملة حيازة الأموال وسوق المواشي، وحسبك بهذه الغاية غاية لئيمة مجرمة. وغنم من وبقر من، وأموال من أصحاب الجيش المجاهد؟ إنها غنم الفقراء وبقر المستضعفين، وأموال البؤساء من غير شك، إنها المواشي التي كانت تسرح في المراعي، وأصحابها مطمئنون للصلح. أما عن الدعوة إلى الهدى والنداء إلى الحق، فلا تحدثنا أخبار الحملة بشيء عنه أبداً. وما دام الجيش الغازي قد أصاب البقر والغنم والأموال فقد حقق هدفه وأنجز طلبته وفاز بالمراد.
وكان الترك، قوم «رتبيل»، قد أعدُّوا خطة محكمة لحماية بلادهم فتركوا الجيش المقبل يتوغل في أرضهم، ثم «أخذوا على المسلمين العقاب والشعاب فسقط في أيدي المسلمين»، على حد تعبيرالطبرى، وحوصروا في تلك الفجاج حصاراً محكماً وضاق بهم الأمر، ولم يفد البقر والغنم شيئاً، واحتار قائد الجيش ابن أبي بكرة في ما يصنع، فأرسل إلى شريح بن هانىء يستشيره في أن يدفع أموالاً ليخلوا بينه وبين الخروج. ولكن شريحاً نبهه إلى أن غاية «المتآمرين» من هذه الحرب هي سلب الأموال، وأنه حين يدفع مالاً للأعداء، فإن الدولة ستقطع الأموال من رواتبهم، فقال له ما نصُّه: «إنك لا تصالح على شيء إلا حسبه السلطان عليكم في أعطياتكم». فقال ابن أبي بكرة:لو منعنا العطاء ما حيينا كان أهون علينا من إهلاكنا. وبعد حوار قصير بينهما قال له شريح: «إنما حسبك أن يقال بستان ابن أبي بكرة وحمان ابن أبي بكرة».
نفهم من هذا الحوار، أن ابن أبي بكرة، وهو من ولاة الأمويين وحكامهم، كان له من المزارع والعقارات كغيره من الحكام ما يغنيه عن راتبه، أما الجنود،
________________________________________

[الصفحة - 184]


وهم من أفراد الشعب البائس المحروم، فليس لهم رزق إذا منعوا أعطياتهم وحرموا من رواتبهم، لذلك كان من رأي شريح أن يجازفوا في الافلات من الحصار بهجمات يائسة لعل بعضهم ينجو ويسلم. وهكذا نادى شريح: يا أهل الإسلام، من أراد منك الشهادة فإليّ، فقاتل حتى قتل. ويقول الطبري: «فاتبعه فرسان الناس وأهل الحفاظ فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلاً، ونجا من نجا من «رتبيل» حتى خرجوا منه».
ولما بلغ الحجاج الخبر كتب إلى عبد الملك بن مروان بما جرى من جملة كتاب: «أما بعد، فإنّ جند أمير المؤمنين الذين بسجستان أصيبوا ولم ينج منهم إلا القليل»(2).
وهكذا فإن فرسان العرب وأهل الحفاظ أبيدوا عن آخرهم إلا قليلاً، أبيدوا في تلك الديار النائية، بعيدين عن أهلهم وأوطانهم، أبيدوا لأن «الدولة العربية» حولتهم إلى سراق بقر وغنم، وكانوا بين خطتين: أما أن يبيدهم السيف في أرض عدوهم، أو يعودوا فيذلهم الفقر في أوطانهم.
جيش جديد
وكان في ما كتبه الحجاج لعبد الملك طلبه تجهيز حملة جديدة من أبناء الكوفة والبصرة لتسلك طريق الحملة الأولى، فوافق هذا الطلب هوى عبد الملك فأرسل إلى الحجاج موافقاً على تسيير هذه الحملة.
يقول الطبري: «كان الحجاج وليس في العراق أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله»(3). ويفترض في مثل هذا البغيض أن يكون بعيداً عن الحجاج ووظائفه، ولكن الوالي الذكي لم يختر لقيادة الحملة الجديدة إلا بغيضه اللدود عبد الرحمن.
وكيف لا يختاره ما دام المقصود من الحملة لا كسب المحامد ونشر الفضائل، ولا الدعوة إلى صلاح ورشاد. بل المقصود منها تحطيم قوى الشعب الروحية والجسدية، والقضاء على فروسيته في المجاهل النائية.
ويروي الطبري، أيضاً، أنَّ عبد الرحمن هذا دخل مرة على الحجاج، فلما رآه مقبلاً قال لجليسه الشعبي: «أنظر إلى مشيته، واللّه لهممت أن أضرب عنقه».
________________________________________
(2) أخبار الغزوة هذه في: محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيروت: مؤسسة الاعلمي، 5/136 و137.
(3)الأخبار مأخوذة من المصدر نفسه، ص 140، وما بعدها.

[الصفحة - 185]


عبد الرحمن أبغض الناس إلى الحجاج، والحجاج يود لو يقتله، فمن هو إذن أجدر من عبد الرحمن ليقود الأربعين ألفاً من الشبان العرب إلى مصارعهم باسم الفتح والجهاد.
إن نظرة الحجاج إلى القائد العام للجيش لا تختلف أبداً عن نظرته إلى كل فرد من أفراد الجيش، وان نواياه لعبد الرحمن لا تختلف عن نواياه لأولئك الأربعين ألف جندي الباسلين، وإنه ليبغضهم كما يبغض قائدهم ويود لو ضرب أعناقهم كافة، لذلك خصهم كما خص قائدهم بهذا الجهاد.
يقول الطبري: «ثم إن الحجاج أخذ في جهاز عشرين ألف رجل من أهل الكوفة، وعشرين ألف رجل من أهل البصرة».
ومضى هذا الجيش بقيادة عبد الرحمن، ولما بلغ الخبر إلى «رتبيل» كتب إلى عبد الرحمن «يعتذر إليه عن مصاب المسلمين، ويخبره أنه كان لذلك كارهاً، وأنهم لجأوا إلى قتالهم ويسأله الصلح».
ولكن عبد الرحمن لم يجرؤ على قبول الصلح لأن الأوامر صريحة بوجوب غزو بلاد «رتبيل»، على أنه وهو يعلم الغاية من هذه الحملة وكل الحملات، دبَّر في نفسه أمراً ينجيه من الوقوع في ما وقعت فيه الحملة السابقة، ويظهر به في الوقت نفسه بمظهر من أدَّى واجبه فلا يناله الحجاج، ومن ورائه عبد الملك بسوء.
عبد الرحمن يحاول التخلص
وهكذا كان، فقد اقتحم عبد الرحمن بجيشه بلاد «رتبيل» من دون أن يلقى مقاومة، لأنَّ «رتبيل» كان قد اتبع النهج الذي اتبعه فى مقاومة لحملة الأولى، فترك هذه الحملة الثانية تتوغل في بلاده على أمل اصطيادها في الثنايا والشعاب، لأنه لا بد لها، إذا أرادت تنفيذ أوامر عبد الملك والحجاج، من الوقوع في المصيدة. ولكن عبد الرحمن وقف عند نقطة معينة ولم يتجاوزها.
يقول الطبرى: «حتى إذا حاز من أرضه (رتبيل) أرضاً عظيمة وملأ يديه من البقر والغنم والغنائم العظيمة حبس الناس على الوغول في أرض رتبيل»(4).
________________________________________
(4)المصدر نفسه، ص 142.

[الصفحة - 186]


وبهذا أفسد عبد الرحمن خطة الحجاج وعبد الملك في إفناء شبان المسلمين في تلك المعاقل والعقاب والشعاب، وفي الوقت نفسه حقق لهما حيازة الأسلاب من البقر والغنم والأموال الأُخرى.
ثم كتب إلى الحجاج بما انتهى إليه وأبان له رأيه في وجوب التوقف عن الاندفاع في أراضي الأعداء، ولكن الحجاج لم يكن يرضيه هذا الرأي فلا بد من الغزو لأن في الغزو تحقيق ما يشتهي، فكتب إلى عبد الرحمن يفند رأيه ويحاول ان يثير فيه عاطفته فنسبه إلى الجبن وفساد الرأي، فقال في ما قاله له:«انه لم يحملك عليه إلا ضعفك والتياث رايك فامض بما أمرتك به من الوغول في أرضهم والهدم لحصونهم وقتل وسبيذراريهم». وهكذا فالأوامر واحدة لكل حملة: هدم وقتل وسبي، أما نشر الإسلام وإشاعة العدل والرحمة والحق فلا مكان لها في أوامر الدولة(5) ثم أردف الكتاب بكتاب ثانٍ ثم بكتاب ثالث.
مؤتمر شعبي
وكان عبد الرحمن أعقل وأحكم من أن يعرض نفسه ويعرض معه الأربعين ألف عربي لمجزرة إرضاء لنزوات الحجاج، على أنه لم يشأ أن يتفرد بالأمر وحده، بل رأى أن يشرك معه مجموع الجيش، فدعا الناس ووقف فيهم قائلاً: «إني لكم ناصح ولصلاحكم محب ولكم في كل ما يحيط بكم نفعه ناظر. وقد كان من رأيي في ما بينكم وبين عدوكم رأي استشرت فيه ذوي أحلامكم وأولي التجربة للحرب منكم، فرضوه لكم رأيا ورأوه لكم في العاجل والآجل صلاحاً، وقد كتبت إلى أميركم الحجاج فجاءني منه كتاب يعجِّزنى ويضعِّفنى ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك أخوانكم فيها بالأمس، وأنما أنا رجل منك أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم».
ومن هذه الكلمة، ندرك أن عبد الرحمن كان قد استشار ذوي الرأي العسكري، وتداول معهم في ما يجب علمه، وأنهم كانوا قد أقروه على ما ارتأى، وأنه حين جمع جمهرة الناس إنما جمعهم ليبلغهم رأي العسكريين الفنيين وأنهم مجمعون على أن لا أمل في نجاح الحملة، فهو الآن يترك الكلمة الأخيرة لهذه المجموعة الحاشدة لتحمل مسؤليتها نفسها.
________________________________________
(5)في عهد معاوية، أرسل زياد بن أبيه إلى الحكم بن عمرو بخراسان أن يغزو أهل جبل الأشل فغزاهم وغنم غنائم كبيرة. قال الطبري: فأرسل إليه زياد: «إن أمير المؤمنين كتب أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء والروائع فلا تحركن شيئاً حتى تخرج ذلك». ولكن الحكم هذا كان من الأحرار الذين لا يبالون سخط الحكام إذا أرضى الله والشعب، فقد ساءه أن يحرم الجند أبناء الشعب من الغنائم ليحظى بها معاوية، فرفض ذلك وكتب إلى زياد: «إن كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، ولو كانت السماوات والأرض رتقا على عبد اتقى الله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى له مخرجاً». ثم قال الحكم للناس: «اغدوا على غنائمكم» فغدا الناس، ثم استخرج من الغنائم ضريبة الدولة وهي الخمس وقسم الغنائم بين الناس. فكتب إليه زياد يتوعده بالشر. فقال الحكم: «اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني». فمات بخراسان بمرو قبل أن يصل إليه أذى زياد. وهكذا كان الأمر في كل غزاة وفتح: يطلب من يسمى أمير المؤمنين أن يصطفوا له كل صفراء وبيضاء والروائع، أما أبناء الشعب الذين بتضحياتهم جاءت البيضاء والصفراء والروائع فلهم الحرمان. وليس كل الولاة أحرارا مثل الحكم بن عمرو ليتمردوا على الأوامر، بل كانوا في مجموعهم شركاء في الجريمة. وهذه الغزاة التي طلب معاوية أن يصطفوا له بيضاءها وصفراءها وروائعها، هي من الغزوات التي كاد ابناء الشعب يفنون فيها ولم ينجوا إلا بشق النفس. فقد قال الطبري وهو يصفها: لما قفل الحكم بن عمرو من غزوة جبل الاشل سلكوا في شعاب ضيقة فعارضه الترك فأخذوا عليه بالطرق»...إلى آخر ما قال.

[الصفحة - 187]


يقول الطبري: «فثار إليه الناس فقالوا: لا بل نأبى على عدو اللّه ولا نسمع له ولا نطيع».
الأربعون ألفاً كانوا مدركين كل الإدراك غايات الحجاج، وكانوا يعلمون ما يبيته لهم، لذلك كان رأيهم فيه بالاجماع أنه «عدو اللّه» وأنهم «لا يسمعون له ولا يطيعون». هذا هو رأي الشعب بحكامه يومذاك، هذا هو رأي المسلمين والعرب المحكومين بالدولة العربية الحاكمة.
ولم يكتف الناس بهذا القول الجماعي بل وقف خطباؤهم يفصلون الأمر ويشرحونه، فكان ممن خطب عامر بن واثلة الكناني، وكان شاعراً خطيباً، فكان مما قاله: إن «الحجاج لا يرى فيكم إلا رأي القائل الذي قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس فإن هلك هلك وإن نجا فلك. إن الحجاج واللّه لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلاداً كثيرة اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم فغنمتم أكل البلاد وحاز المال وكان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ولا يبقي عليهم».
وتكلم غيره من الخطباء، فنأدى الناس، من كل جانب مؤيدين، أقوال الخطباء منادين بالثورة على الحكم الفاسد الجائر، والكلام الذي أعلنه الخطيب الكناني كان يصور الحقيقة البشعة التي استهدفها الحكام الأمويون في ما أسموه بالفتوحات والتي عرضوا بسببها الشعب إلى هذه المحن المبيدة(6).
أعلنت الثورة، وتقدم الثوار نحو العراق مستهدفين الحجاج ثم الحكم الأموي كله. وكان شاعر الثورة أعشى همدان، فقال مشيراً إلى أن الثورة عربية عامة تمثل العرب والمسلمين كلهم في نقمتهم على الحكم الفاسد الذي أراد بهم ما أراد:
إنَّا سَمَوْنَا لِلْكَفُورِ الفَتَّان حِيْنَ طَغى في الكُفْر بعدَ الإيمانْ
بالسَّيّد الغِطْريفِ عبِد الرحمن سار بِجَمْعٍ كالدَّبى من قَحْطان
ومِنْ مَعَدٍّ قد أتى ابنُ عدنانْ بِجحْفَلٍ جمٍّ شَدِيدِ الأرنانْ
فقل لحجَّاجٍ وَليّ الشَّيطانْ يثبُت لمذحج وهَمَدانْ
________________________________________
(6)كان هذا رأي الشعب في حكامه، فبعد ستّ وثلاثين سنة من هذه الأحداث، وفي خلافة هشام بن عبد الملك، سنة 117، قال رجل من عبد القيس يصف حالة الشعب، يومذاك وما يعرضه له حكامه من الويل في دفعه إلى لهوات المنون ليعيشوا على أشلائه: تولت قريش لذة العيش واتّقت بنا كل فج من خراسان أغبرا وقد ظل الشعب يعبر أبداً بهذا وأمثاله عن الآلام التي يعيشها.

[الصفحة - 188]


أمّا مبادىء الثورة فقد حددتها صورة لمبايعة التي بايع بها الناس عبد الرحمن بن محمد الأشعث وهذا نصها: «نبايع على كتاب اللّه وسنة نبيه وخلع أئمة الضلال وجهاد المحلين»(7).
وهذا نص واضح صريح يحدد أهداف الثورة ويعلن مناهجها ومبادئها، وهي المناهج والمبادىء والأهداف التي تؤدي إلى تحرير الشعب العربي من عبودية الحكام الفاسدين واقطاعية الولاة الظالمين، والعودة به إلى المبادىء التي قضى عليها الحكام الجدد وعادوا بالمسلمين إلى ما هو شر من الجاهلية الأولى.
تطور الثورة
كانت الثورة، في أوَّل أمرها، ثورة الجيش وحده، ولكن لم تكد طلائع هذا الجيش تقبل من سجستان ويعلم الناس بالأمر حتى هب الشعب عن بكرة أبيه يؤيِّد الثائرين وينضم إلى صفوفهم، فأول مدينة ثارت هي البصرة فأقبل إليها ابن الأشعث، ويقول الطبري: «بايعه على حرب الحجاج وخلع عبد الملك جميع أهلها». وتلت البصرة في الثورة الكوفة.
ويقول الطبرى: «فلما دخل ابن الأشعث الكوفة مال إليه أهلها كلهم». ثم تتابعت البلدان الثائرة، فيقول الطبري: «وتقوضت إلى ابن الأشعث المسالح والثغور». وهذا أبلغ تعبير في الإشارة إلى انتشار الثورة في كل مكان إنتشاراً جعل منها أضخم ثورة شعبية تحررية.
وكان قادتها زعماء شعبيين متواضعين، نبتوا في أوساط الشعب وخبروا حياته وعاشوا دنياه بكل ما فيها من اهتضام وحرمان وجور، وكان بينهم نخبة العلماء والفقهاء والشعراء، أو باصطلاحنا الحديث نخبة المثقفين المتحررين ذوي الرسالات الهادفة المناضلة، وكانوا وهم يحرضون الشعب على الصمود والثبات كأنما يسجلون شعارات الثورة، فمن أقوالهم ما كان يحرض به عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه من جملة قوله:«قاتول هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه». وقال أبو البخترى: «أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم فواللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدون عليكم دينكم
________________________________________
(7)الطبري، مصدر سابق، 5/148.

[الصفحة - 189]


وليغلبن على دنياكم». وقال الشعبي: «يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فواللّه ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم». وقال سعيد بن جبير:«قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم، قاتلوهم على جوهرم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء».
على أن الوحيد الذي كان بعيداً عن جوهر الثورة وروحها هو قائدها عبد الرحمن بن الأشعث، ولكن الظرف وحده هو الذي وضعه على رأسها، وكان لا بد منه لتكتيل الجيش واستبقاء وحدته فان وجوده على رأس الجيش جعله مفروضاً على قادة الثورة وزعمائها.
ولكن المقادير كتبت للثورة الفشل، وهي في قمة نجاحها.
وقد كان الحجاج في ظفره لئيماً لا يخالط قلبه نبل أو مروءة، كما كان الزعماء الشعبيون أبطالاً في مواجهته، وهم أسرى بين يديه، فمن ذلك أنه كان بين من سيق إليه منهم كميل بن زياد النخعي فحاول الحجاج إهانته كما كان يفعل. فجرى بينهما حوار كان فيه كميل أبياً شموخاً في أعلى ذروات الرجولة، وقد أنهى حواره مع الحجاج بقوله: «أيها الرجل من ثقيف، لا تصرف علي أنيابك ولا تهدم علي تهدم الكثيب ولا تكشر كشران الذئب، اقض ما أنت قاضٍ فإن الموعد اللّه»، فقتل كما قتل غيره من الألوف.
أولى معارك الثورة
مضى عبد الرحمن بالجيش إلى العراق ثائراً، فلما بلغ الخبر إلى الحجاج كتب إلى عبد الملك في الشام يطلب الإسراع بإرسال الجنود إليه لقمع الثورة، وتقدم هو فنزل البصرة.
ولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، وأخذ في تجهيز جيش وإرساله إلى الحجاج، وتتابعت النجدات، فترك الحجاج البصرة وتقدم إلى «دتستر» لملاقاة عبد الرحمن بن الأشعث، ولم تلبث أن تلافت مقدمة الجيش عند «دجيل»، فكان الصدام بين المقدمتين، فانهزمت مقدمة الحجاج بعد قتال شديد وقتل منها العدد الجم.
________________________________________

[الصفحة - 190]


فاضطر الحجاج للرجوع إلى البصرة، فتبعه جماعة من الثوار إليها فقتلوا جماعة من أصحابه، فترك البصرة ولم يلبث أن دخلها عبد الرحمن. ويصف ابن الأثير ما جرى قائلاً: «فبايعه جميع أهلها: قراؤها وكهولها مستبصرين في قتال الحجاج»(8).
هذه الجملة الموجزة تريك إلى أي حدّ كان الحكم مكروهاً من الشعب، هذا الشعب الذي لم يكد يرى أعلام الثورة مرفوعه حتى انضم إليها بكل طبقاته، محاولاً التلخص من أولئك الحكام الذين لم يلق منهم إلا العسف والظلم والاضطهاد.
كان الحجاج، بعد انسحابه من البصرة قد نزل «الزاوية»، وهي مكان غير بعيد عن البصرة، ويبدو أن سبب انسحابه من المدينة يعود إلى أنه أدرك الجو الشعبي المعادي له منها، فآثر الانسحاب منها على أن لا يبعد عنها.
وبعد أن ركز عبد الرحمن أموره في البصرة، قرر الزحف إلى الحجاج بعد أن انضمت إليه جموع أهلها، ففي المحرم من سنة 83، تزاحف الفريقان فكان بينهما عدة معارك، وفي آخر المحرم اشتد القتال فانهزم جيش الحجاج أول الأمر، ولكن لم يطل أمد الهزيمة إذ لم يلبث أمر الثوار أن تضعضع فانهزموا إلى الكوفة، بما فيهم أهل القوة وأصحاب الخيل من أهل البصرة.
وثبت في البصرة عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعه من بقي من أهلها فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال، ثم انسحب لاحقاً بعبد الرحمن في الكوفة.
وكان الصحابي عامر بن واثلة(9) ممن شارك في هذا القتال، مع ولده طفيل، فقتل طفيل فرثاه أبوه بقصيدة منها:
خلى طفيل علي الهم فانشعبا وهد ذلك ركني هدة عجبا
مهما نسيت فلا أنساه إذ حدقت به الأسنَّة مقتولاً ومنسلباً
وأخطاتني المنايا لا تطالعني حتى كبرت ولم يتركن لي نشباً
وكنت، بعد طفيل، كالذي نضبت عنه السيول وغاض الماء فانقضبا
________________________________________
(8)ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج4، ص 465.
(9)ولد عامر عام احد وتوفي سنة 100، وهو آخر من مات من الصحابة، وشهد مع علي صفين وكان من مخلصي أنصاره، وهو شاعر مجيد طبع بعض مستشرقي الألمان ديوانه. وكان عندما أقبل مع عبد الرحمن لقتال الحجاج قال: ألا طَرَقَتْنا بالقرَيّين بعدما كَللْنا على شحط المَزار جَنُوبُ أتَوْك يقودُون المنايا وإنَّماهَدَتَها بأولانا إليك ذُنُوبُ ولا خَيْر في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار القرارِ نصيبُ ألا أبلغ الحجّاج أن قد أظلَّه عذاب بأيدي المؤمنين مُصِيْبُ راجع: الطبري، 5/152 و 153.

[الصفحة - 191]


وقد عرفت هذه الوقعة باسم «يوم الزاوية».
وتم أمر البصرة للحجاج، فكان أول ما استفتح به مجازره، فقتل أحد عشر ألفاً، وكان سبيله إلى ذلك أن خدع الناس بالأمان، فأرسل من نادى في البصرة: لا أمان لفلان بن فلان، وسمى رجالاً، فاعتقد العامة أنه قد آمن الناس، فحضروا إليه فأمر بقتلهم فقتلوا.
أما في الكوفة فقد كان واليها من قبل الحجاج عبد الرحمن الحضرمي، وفي غياب الحجاج واشنغاله بما انشغل به، استغل ذلك مطر به ناجية اليربوعي فأراد الاستيلاء الكوفة فتحصن ابن الحضرمي بالقصر، وثار أهل الكوفة مع مطر فأخرج ابن الحضرمي ومن معه وكانوا أربعة آلاف، واستولى مطر على القصر، فلما وصل عبد الرحمن إلى الكوفة أبى مطر التسليم له وتحصن في القصر ومعه جماعة من بني تميم غير مدرك حقيقة قوة عبد الرحمن، معتقداً أنه مجرد منهزم من الحجاج، فاكتفى عبد الرحمن بأن أصعد الناس بالسلالم إلى القصر فاستولوا عليه وقبضوا على مطر بن ناجية فسجنه أول الأمر، ورأى أن يصطنعه لأنّه بحاجة للرجال فأطلقة، فانضم مطر إليه.
وكان أهل الكوفة قد خرجوا لاستقبال ابن الأشعث عندما علموا بقدومه، ثم مالوا إليه كلهم، وسبقت همدان إليه فحفت به.وتداعى إليه الناس من كل مكان في العراق. «وتقوضت إليه أهل المسالح والثغور»(10).
ولم تؤثر هزيمة «الزاوية» في عزم الناس على الاستمرار في الثورة، وبعد أن كانت في أول أمرها ثورة الجيش أصحبت ثورة الشعب والجيش معاً.
الزحف من البصرة والمناوشات
لما تمكَّن الحجاج في البصرة، زحف منها قاصداً عبد الرحمن، ومضى حتى مرَّ بين القادسية والعذيب، فأرسل إليه عبد الرحمن بن الأشعث خيلاً عظيمة من فرسان الكوفة والبصرة بقيادة عبد الرحمن بن العباس الهاشمي منعته من نزول القادسية، ثم سايروه حتى ارتفعوا على وادي السباع، ثم تسايروا حتى نزل الحجاج دير قرة ونزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم(11).
________________________________________
(10)نفسه، ص 154 و 155.
(11)«القادسية»: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً. و «العذيب»: ماء بينه وبين القادسية أربعة أميال. و «وادي السباع»: من نواحي الكوفة. و «دير الجماجم»: بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى البصرة: و «دير قرة»: دير بإزاء دير الجماجم، ملاصق لطرف البر ودير الجماجم، مما يلي الكوفة. قال أبو عبيدة: الجمجمة القدح من الخشب، وبذلك سمي دير الجماجم لأنه كان يعمل فيه الأقداح من الخشب، والجمجمة أيضاً: البئر تحفر في سبخة، فيجوز أن يكون الموضع سمي بذلك.

[الصفحة - 192]


ومعنى ذلك أن الحجاج، في زحفه من البصرة، لم يلق مقاومة حتى كاد يشارف الكوفة، فلم تكن الأرياف التي مرّ فيها مُهَيَّأَة للقتال، ولا كان ابن الأشعث مُهَيَّأً للصمود قبل الكوفة، بل كان منهزماً يريد أن يلوذ في المدينة حيث تجمعت القوى من كلّ مكان، ومنها خرج ابن لعباس بفرسانه لوقف زحف الحجاج، فأوقفوه عند «دير قرة»، ووقفوا عند «دير الجماجم».
ولما كان الحجاج زاحفاً، بكل قوته، كان لا بد للثورة من أن تقابله بكل قوتها، لذلك تقدم ابن الأشعث من الكوفة واصلاً إلى دير الجمام.
يصف الطبري قوى الثورة بهذا الوصف: «وأجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم، والقراء من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له، وهم إذ ذاك مئة ألف مقاتل ومعهم مثلهم من مواليهم»(12).
وكان الحجاج يتلقَّى النجدات من عبد الملك قبل نزوله «دير قرة»، وظلت النجدات تتواصل إليه وهو في هذا المكان. على أنه كان قد فكر قبل نزوله أن يتقدم إلى «هيت»، وهي بلدة على الفرات فوق الأنبار، وناحية الجزيرة، ليقترب من الشام فيأتيه منها ومن الجزيرة المدد من قريب. ولكنه عندما وصل «دير قرة» قال: ما بهذا المنزل بعد من أمير المؤمنين وإن الفلاليج وعين التمر إلى جنبنا، فنزل.
ويبدو أن قوى الثورة كانت عاملاً في الحؤول دون تقدمه إلى «هيت» ونواحي الجزيرة، ما حمله على النزول بدير قرة.
وهكذا وقف الفريقان وجهاً لوجه يتناوشان، ثم اشتد القتال بينهما، وكانت الأخبار تصل إلى عبد الملك بن مروان في دمشق على خيل البريد المسرعة، وعرفت في دمشق قوة حشود الثورة وخيف من الصدام الأكبر بين الفريقين وما يجره من الضحايا، وما يمكن أن ينتهي إليه أمر الثوار من النصر.
المفاوضات
ويقول الطبري: ان اشتداد القتال بلغ «رؤوس قريش وأهل الشام قبل عبد الملك ومواليه»(13)، وعرفوا أن المطلوب رأس الحجاج بإقالته من ولاية العراق،
________________________________________
(12)الطبري، 5/156.
(13)المصدر نفسه.

[الصفحة - 193]


فاقترحوا على عبد الملك: «ان كان إنما يرضى أهل العراق ان تنزع عنهم الحجاج فإنَّ نزع الحجاج أيسر من حرب أهل العراق فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم وتحقن به دماءنا ودماءهم»(14).
لا شك في أن السبب الأول للثورة كانت مظالم الحجاج وطغيانه، ولكن الثوار بعد أن توحدت كلمتهم واشتد ساعدهم وتنامت قوتهم، لم يعد عزل الحجاج مطلبهم، بل إن مطلبهم هو اتقلاع الشر من جذوره والقضاء على المصدر الأساسي للظلم والاضطهاد، فالحجاج شعبة من شعب الطغيان وفرع من فروعه، فإذا نحيَّ اليوم فتنحيته لا تجدي ما دام من سيحل محله من الطينة نفسها ومن المعدن نفسه. ثم إن المطلوب ليس انقاذ شعب العراق وحده، بل انقاذ الأمّة كلّها من أقصى ديارها إلى أقصاها، وهذا لا يتم إلا بهدم الأساس الذي يقوم عليه هذا الهيكل الطغياني الذي إستهان بالناس ودمائهم وكراماتهم وحقوقهم منذ قام في العام الواحد والأربعين من الهجرة.
هذا ما لم يفكر فيه «رؤوس قريش وأهل الشام قبل عبد الملك ومواليه».
لذلك اقترحوا عزل الحجاج إرضاءً للثوار. وما لم يفكر فيه عبد الملك نفسه لذلك قبل اقتراحهم، ورضي بأن يضحي بالحجاج.
استدعى عبد الملك ولده عبد اللّه وطلب إلى أخيه محمد بن مروان الذي كان بأرض الموصل أن يوافيه إلى دمشق، فاجتمعا عنده كلاهما في جنديهما. فقد أراد أن يكون وفده إلى الثوار على مستوى عالٍ ومن صميم البيت المالك ومن ألصق الناس بشخصه، ليكون في ذلك ضماناً للثوار في إنفاذ ما يعرضه إذا قبلوه. ولم يكتف بذلك بل دعم موقفه بقوة عسكرية هي القوة التي كانت بقيادة كل من ولده وأخيه، ليقول للثوار ضمناً إنه لا يفاوضهم عن ضعف، وإن الناطقين باسمه بلسانيهما سينطقان عند الاقتضاء بسيوف جنودهما.
ومضى الوفد المفاوض حاملاً الحل المقترح ليعرضه على الثوار وهو:
1 ـ عزل الحجاج عن ولاية العراق.
________________________________________
(14)نفسه.

[الصفحة - 194]


2 ـ يحل محلَّه في ولاية العراق محمد بن مروان أخو عبد الملك.
3 ـ يختار عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أي بلد في العراق ليكون والياً عليه، ما دام حياً وما دام عبد الملك باقياً.
4 ـ أن تجري على أهل العراق اعطياتهم كما تجري على أهل الشام.
فلما وصل الوفد إلى العراق، والتقى الحجاج وأطلعه على مهمته، كان موقف الحجاج كما وصفه الطبري:
«فلم يأت على الحجاج أمر قط كان أشد عليه ولا أغيظ له ولا أوجع لقلبه منه مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم».
فكتب إلى عبد الملك: لئن أعطيت أهل العراق نزعي لا يلبثون إلا قليلاً حتى يخالفوك وبسيروا إليك ولايزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على ابن عفان، فلما سألهم ما يريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يُفلَح، خار اللّه لك في ما ارتأيت والسلام عليك.
ونحن هنا نريد أن نناقض رأي الحجاج هذا، أننا لا نستغرب تشبث الحجاج بولاية العراق وتفضيله إراقة دماء الشعب على احتفاظة بالولاية. ولكن تعريضه بالثائرين على ابن عفان بقيادة الأشتر، وقوله بأنهم بعد أن استجاب لهم ابن عفان بعزل سعيد بن العاص عادوا فساروا إليه قبل أن تتم السنة فقتلوه. إن تعريضه هذا نابع من روح الطغيان المتأصلة فيه، فهو لا يفهم أن للشعب حقوقاً هي أبعد من تغيير والٍ بوالٍ آخر، وماذا يجدي إبدال سعيد بن العاص بغيره من الولاة ما دام مروان بن الحكم مسيطراً على الخليفة في المدينة، مروان بمفاسده وآثامه المتنافية مع أبسط حقوق الناس، وما دام الخليفة مسترسلاً في تحكيم أستره الفاسدة بمرافق الدولة وإباحة تلك المرافق لها، وحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم.
لقد طالب أحرار الكوفة، بقيادة الأشتر، بإبدال سعيد بن العاص بعد أن نال العشب ما ناله من مظالمه وتهتكه فاستجيب طلبهم فرضوا لعل الأمر العام يمشي
________________________________________

[الصفحة - 195]


إلى الصلاح، ولكن قبل أن تتم السنة كان الأمر في الأمة كلّها يسير من سيء إلى أسوأ، فكان منهم ما كان.
رفض عبد الملك طلب الحجاج وأصر على عرض الاقتراحات على الثائرين.
لقد كانت الثورة، كما قلنا، ثورة الجيش وثورة الشعب بكل طبقاته، وكانت نقية مخلصّة مؤمنّة لا مطمع لرجالها إلا صلاح الحكم.
ولكن الظروف وضعت على رأسها رجلاً هو أبعد الناس عن مهمة الثورة وعن أهدافها وعما تطالب به، وهو في حقيقته، لا يقل بغياً وعسفاً وفساداً عن الذين تثور عليهم الثورة لبغيهم وعسفهم وفسادهم.
ويكفى أنه من الأرومة التي أنبتت الأشعث بن قيس وابنه محمداً وبني الأشعث، ومن البيت الذي خرجت منه تلك الزمرة التي عرفها الناس بما عرفوها به من شرور وآثام.
وكان هذا الوهن الأكبر في الثورة.
تقدم عبد اللّه بن عبد الملك فقال: يا أهل العراق... أنا عبد اللّه بن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا... وذكر لهم المقترحات التي تقدم ذكرها.
ثم تقدم محمد بن مروان وقال: أنا رسول أمير المؤمنين إليكم، وهو يعرض عليكم كذا وكذا...فوجىء الثوار بهذا الموقف، ولم يكن من الممكن إعطاء الجواب في الحال، فقالوا: نرجع العشية... فرجعوا فاجتمعوا عند ابن الأشعث، فلم يبق قائد ولا رأس قوم و لا فارس إلا أتاه.
لقد كانت المقترحات موافقة لهوى ابن الأشعث فهو لم يثر لأمر عام، بل ثار لأمر شخصي، وما دام هذا الأمر الشخصي قد تحقق لمصلحته، فهو سيكون والياً ككل ولاة هذه الدولة متحكماً بالشعب على هواه ومزاجه. وما دام الأمر كذلك يجب إنهاء الثورة. لذلك، فإن ابن الأشعث افتتح المؤتمر الشعبي المنعقد برئاسته لتقرير مصير حقبة من أخطر حقب تاريخ الأمة في ذلك الوقت ـ افتتحه بهذا الخطاب الإنهزامي، كما يرويه الطبري:
________________________________________

[الصفحة - 196]


«فحمد اللّه ابن الأشعث وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد أعطيتم أمراً أنتهازكم اليوم إياه فرصة، ولا آمن أن يكون على ذي الرأي غداً حسرة، وإنكم اليوم على النصف، وإن كانوا اعتدُّو بالزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تُستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزاء أقوياء والقوم لكم هائبون، وأنتم لهم منتقصون، فلا واللّه لازلتم عليهم جراء ولا زلتم عندهم أعزاء إن أنتم قبلتم أبداً ما بقيتم»(15).
هذا هو الخطاب الموجز الذي حاول فيه ابن الأشعث أن يكون منطقياً، وأن يدخل إلى عقول القوم، عن طريق المنطق وتحليل الواقع تحليلاً عقلياً. في حين أنه لم يقبل العرض لأنه كان منطقياً عقلياً بل قبله لأنه حقق له مطامعه الشخصية.
ولا شك في أنه كان لهذا الخطاب أثر في توهين العزائم وضعضعة الأفكار، ولكن الصوت الأقوى كان للثائرين المتحمسين الذين لم يستطع أي صوت واهن أن يرتفع في دوي صوتهم الهادر، فوثبوا من كل جانب قائلين: «إن اللّه قد أهلكهم فأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلّة والذلّة، ونحن ذوو العدد الكثير والسعر الرفيع والمادة القريبة. لا واللّه لا نقبل»(16).
ثم أعادوا خلع عبد الملك من جديد بعد أن كانوا قد أعلنوا خلعه من قبل.
فعند ذلك، «رجع محمد بن مروان وعبد اللّه بن عبد الملك إلى الحجاج فقالا: شأنك بعسكرك وجندك فإعمل برأيك، فإنا قد أُمرنا أن نسمع لك ونطيع. فقال: قد قلت لكما أنه لا يراد بهذا الأمر غيركما، ثم قال: إنما أقاتل لكما وإنما سلطاني سلطانكم»(17).
وكان عبد الملك قد قال لهما حين أرسلهما: إن أبوا أن يقبلوا، فالحجاج هو الأمير وولي القتال، وإنهما في طاعته. فلما وصل الأمر إلى هذا الحد كانا إذا لقيا الحجاج سلما عليه بالأمرة.
الحرب
إلى هنا كان لابد من القتال، وهكذا كان، فنظم كل من الفريقين قياداته في الميمنة والميسرة والخيل والرجالة. ومن أبرز قيادات الثوار كان محمد بن سعد بن
________________________________________
(15)نفسه، ص 157.
(16)نفسه.
(17)نفسه.

[الصفحة - 197]


أبي وقاص(18) الذي كان يقود الرجالة، وعبد الرحمن بن العباس الهاشمي الذي كان يقود الخيالة، وجبلة بن زحر بن قيس الجحفي(19) الذي كان يقود القراء، وكان معه خمسة عشر رجلاً من قريش، فيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وأبو البختري الطائي وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وكان الثوار في وضع حياتي جيد، إذ كانت تأتيهم المواد التموينية من الكوفة وريفها الواسع، في حين كان الحجاج في وضع سيىء، إذ قل عنده الطعام وفقد اللحم، وكان شبه محصور.
وبدأ القتال بمناوشات بين الفريقين، يتزاحفون في كل يوم ويقتتلون أشد قتال وتقدم جبلة بن زحر وتقدم أمامه كميل بن زياد في كتيبة القراء فعبأ الحجاج أصحابه ثم زحف في صفوفه، وخرج ابن الأشعث في سبعة صفوف بعضها على أثر بعض. فعبأ الحجاج لكتيبة القراء التي مع جبلة بن زحر ثلاث كتائب وبعث عليها الجراح بن عبد اللّه الحكمي فأقبلوا نحوهم. ويروي أبو يزيد السكسكي الذي كان مع الجراح الحكمي قائلاً:أنا واللّه في الخيل التي عبيت لجبلة بن زحر، حملنا عليه وعلى أصحابه ثلاث حملات، كل كتيبة تحمل حملة فلا واللّه ما استنقصنا منهم شيئاً.
وقد سمعنا واحداً من جماعة الحجاج يصف حملات جماعته على خيل جبلة بن زحر، ونسمع الآن واحداً من جماعة جبلة يصف تلك الحملات:
قال أبو الزبير الهمداني: كنت في خيل جبلة بن زحر، فلما حمل عليه أهل الشام مرة، نادى عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، فقال: يا معشر القراء، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح به منكم، إني سمعت علياً رفع اللّه درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثوب الشهداء والصديقين، يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يُدعى إليه، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرىء، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه باليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه. وقال أبو البخترى: «أيها الناس قاتلوهم
________________________________________
(18)كان لسعد بن أبي وقاص ولدان: الأول عمر بن سعد الذي قاد الجماعة التي قتلت الحسين 5 ثم قتله بعد ذلك المختار في الحملة التي قادها للأخذ بثأر الحسين. والثاني محمد هذا الذي كان من زعماء الثورة على الحجاج والأمويين ثم قتله الحجاج كما سنرى. وكان لسعد ابن أخ هو هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، كان من أخلص أنصار علي ومن كبار قواده في صفِّين واستشهد فيها.
(19)زحر بن قيس، والد جبلة هذا، أمره محير، فقد ذكر جميع المؤرخين أنه كان من أصحاب علي 5 المخلصين المتفانين، وكان في صفين من أبرز الفرسان حتى إن علياً كان إذا نظر إليه قال: من سره أن ينظر إلى الشهيد الحي فلينظر إلى هذا، وكان رسوله إلى جرير بن عبد الله البجلي، وواليه على الري. وهو القائل يوم الجمل: أضر بكم حتى تقرّوا لعلي خير قريش كلها بعد النبي من زانه الله وسماه الوحي إن الولي حافظ ظهر الولي كما الغوي تابع أمر الغويّ والقائل يوم صفين: ففصلى الاله على احمد رسول المليك تمام النعم رسول المليك ومن بعده خليفتنا القائم المدعم عليا عنيت وصي النبي يجالد عنه غواة الأمموهناك زحر بن قيس الذي كان ممن خرجوا لقتال الحسين، وهو الذي دفع إليه ابن زياد رأس الحسين 5 ورؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية في دمشق، فلما دخل على يزيد قال له يزيد: ما وراءك وما عندك؟ قال زحر: ابشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر رجلًا من أهل بيته وستين من شيعته فسرنا إليهم فسألناهم ان يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فارادوا القتال على الاستسلام، فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والشجر لواذاً كما لاذ الحمام من الصقر فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلّا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفَّرة، تصهرهم الشموس وتسفي عليهم الرياح زوارهم العقبان والرخم. فهل يمكن أن يكون زحر هذا هو زحر الآخر نفسه؟ ولم لا يكون ونحن نرى في عصرنا الذي نعيش فيه من أخلاق الرجال ما هو أحط من هذا!. كما رأينا ذلك في الماضين. وهذا شبث بن ربعي، مثلًا، كان من أصحاب علي وأرسله عضواً في وفد إلى معاوية فكان من أشد أعضاء الوفد احتجاجاً على معاوية ونقاشاً له. ثم كان من الخارجين لقتال الحسين يوم كربلاء. ثم كان ابنه عبد المؤمن من أبرز رجال هذه الثورة التي نتحدث عنها. على أننا لا نستبعد أن يكون هناك زحران، لا زحر واحد، اسم ابي كل منهما قيس. وفي كتاب «الإصابة»: كان لزحر اربعة اولاد نجباء أشراف في الكوفة، أحدهم فرات، قتله المختار، والثاني جبلة قتل مع ابن الأشعث، والثالث جهم كان مع قتيبة بن مسلم، والرابع كان بالرستاق.

[الصفحة - 198]


عن دينكم ودنياكم فواللّه لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم وليغلبن على دنياكم». وقال الشعبي: «يا أهل الإسلام، قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فواللّه ما أعلم قوماً على بسيط الارض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار». وقال سعيد بن جبير: «قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين وعلى آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستذلالهم للضعفاء وإماتتهم للصلاة».
ويتمم أبو الزبير قوله متحدثاً عن أثر هذه الخطب في الثوار قائلاً: فتهيأنا للحملة عليهم.
ونفهم مما رواه أبو يزيد السكسكي، ثم ما رواه أبو الزبير الهمداني أن الحال كان في أول الأمر حال هجوم من جيش الحجاج على الثوار، وأن الثوار لزموا جانب الدفاع، وأن هجمات الحجاج استهدفت كتيبة القراء التي كانت ضمن قيادة جبلة بن زحر، برئاسة كميل بن زياد النخعي، وأن الحجاج عبأ لهذه الكتيبة ثلاث كتائب، وأن القصد من ذلك كان القضاء على هذه الكتيبة التي كانت أصلب الكتائب في القتال وأشدها ثباتاً في مواجهة الأعداء، فإذا تضعضعت كان ذلك نذيراً بتضعضع الجيش كله، ومن هنا رأينا الحجاج يهاجمها بثلاثة أضعافها عدداً، ثم يواصل الهجمات هجمة بعد هجمة.
ولكنها صمدت لكل ذلك، وقد آن الأوان للخيالة كلها، ومنها كتيبة القراء، أن تبادر بالهجوم. فخطب الخطباء الثلاثة محرضين معلنين حقيقة من يثورون عليهم في سلوكهم وفي معاملتهم للشعب بالظلم والجور.
يقول أبو الزبير: فتهيأنا للحملة عليهم، فقال لنا جبلة: إذا حملتم عليهم فاحملوا حملة صادقة ولا تردوا وجوهكم عنهم حتى تواقعوا صفهم. فحملنا عليهم حملة، بجد منا في قتالهم وقوة منا عليهم، فضربنا الكتائب الثلاث حتى اشفترّت(20)، ثم مضينا حتى واقعنا صفهم فضربناهم حتى أزلناهم عنه، ثم انصرفنا فمررنا بجبلة صريعاً لا ندري كيف قتل، فهدّنا ذلك وجبنّا فوقفنا موقفنا الذي كنا به، وإن قرّاءنا لمتوافرون ونحن نتناغى جبلة بن زحر بيننا كأنما فقد به كل واحد منا أباه أو أخاه، بل هو في ذلك الموطن كان أشدّ علينا فقداً. فقال لنا أبو البختريّ
________________________________________
(20)الشفترة: التفرق. اشفترّ الشيء: تفرق، واشفترّ العود: تكسر.

[الصفحة - 199]